<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?>
<rss xmlns:iweb="http://www.apple.com/iweb" version="2.0">
  <channel>
    <title>ABOUT THIS SITE</title>
    <link>http://www.syriacstudies.com/AFSS/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A3/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A3.html</link>
    <description>The American Foundation for Syriac Studies works to distribute works of historical and cultural importance in the subject of Syriac.  The Foundation is also committed to regular publications and lectures to bring knowledge on this extremely important subject.  Please feel free to browse our website.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;</description>
    <generator>iWeb 3.0.4</generator>
    <image>
      <url>http://www.syriacstudies.com/AFSS/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A3/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A3_files/palimp3.jpg</url>
      <title>ABOUT THIS SITE</title>
      <link>http://www.syriacstudies.com/AFSS/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A3/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A3.html</link>
    </image>
    <item>
      <title>التماثيل الأكدية &#13;&#13;د  . زهير صاحب</title>
      <link>http://www.syriacstudies.com/AFSS/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A3/Entries/2011/12/30_%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%AB%D9%8A%D9%84_%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%83%D8%AF%D9%8A%D8%A9_%D8%AF_._%D8%B2%D9%87%D9%8A%D8%B1_%D8%B5%D8%A7%D8%AD%D8%A8.html</link>
      <guid isPermaLink="false">223d3072-c9f1-4510-809b-1ba725b4552c</guid>
      <pubDate>Fri, 30 Dec 2011 12:17:39 -0500</pubDate>
      <description>التماثيل الأكدية . . .&lt;br/&gt; الذات حاضرة في محراب الإله برموز العبادة والجمال&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; د  . زهير صاحب&lt;br/&gt; - تماثيل عصر ( ريموش ومانشتوسو )&lt;br/&gt; حدث في عهد الملكين ( ريموش ومانشتوسو ) ولدي الملك ( سرجون ) اللذين يمثلان الجيل الثاني في سلسلة ملوك الدولة الأكدية تحول ملحوظ في بنية التماثيل الأكدية بصدد الخطب الفكرية الكامنة في أنسجتها البنائية وتقنيات إظهارها والسمات الفنية التي تميز منظومتها الشكلية . ذلك يشجعنا على القول إن ولادة الأسلوب الأكدي الجديد حدثت خلال عهد هذين الملكين . وتلك &amp;quot;مقولة &amp;quot; تؤكدها الخصائص النحتية لتمثالي الملك &amp;quot;مانشتوسو&amp;quot; المحفوظين في متحف اللوفر في باريس وتماثيل المتعبدين  ، ومنظومة &amp;quot;البورتريهات&amp;quot; المختلفة التي عثر عليها في المدن الأكدية .&lt;br/&gt; لم يعامل &amp;quot;الزمن&amp;quot; بشيء من الرقة تمثالي الملك &amp;quot;مانشتوسو&amp;quot; ، إذ فقد القسم العلوي من الجسم وكذلك الرأس من كليهما فقد حطم ( الكوتيون ) الذين أسقطوا الدولة الأكدية هذين التمثالين ونقلهما بعد ذلك كأسلاب الملك العيلامي &amp;quot;شوترك ناخنتي&amp;quot; الى عاصمتهِ &amp;quot;سوسة&amp;quot; في إيران في القرن الثاني عشر قبل الميلاد . ومع ذلك تظهر من دراسة الأجزاء المتبقية من هذين التمثالين المهمّين ، روحية &amp;quot;كلاسيكية&amp;quot; جديدة أخذت تميز فن نحت التماثيل الأكدية ، وتلك صفة التماثيل العظيمة في فن النحت إذ يعبر الجزء عن عظمة الكل مهما كان ذلك الجزء المتبقي صغيراً .&lt;br/&gt; وتشير الادلة المادية إلى أنه كان للملك &amp;quot;مانشتوسو&amp;quot; الابن الثاني لسرجون عدد كبير من التماثيل التي نحتت من خامات متنوعة بالحجم الطبيعي وبأوضاع وقوف وجلوس مختلفة وعرضت في مدن مختلفة من المملكة الأكدية . ويمكن فهم خطاب &amp;quot; المركز &amp;quot;  بشكل واضح في منظومة هذه التماثيل ، ويظهر في الروحية الملكية التي تميز أوضاع التماثيل الحركية وخاصية تمثيل الأزياء التي تزين سطوحها الخارجية . تلك منظومة علامية كافية للتأكيد على الخطاب الفكري للتماثيل التي تؤكد على خاصية تعظيم فكرة الملك بمظهر مهيب ووقفات منضبطة وملامح حركية خالية من أي انفعالات عاطفية . وتلك سمات الشكل الكلاسيكي في أي عصر من العصور .&lt;br/&gt; فالمضمون المتحرك في تمثالي الملك &amp;quot;مانشتوسو&amp;quot; ليس إلا فكرة الملك ، منفتحة في دلالتها على نوع من الروح الأسطورية التي تسامت بالتمثالين الى اللامحدود في خاصية السطوة الملكية . وبغية تحقيق ذلك وجد النحات &amp;quot;صيرورة&amp;quot; التمثالين بنوع من التعالق ما بين الروح البطولية في المضمون وخاصية الخامة بوقعها الروحي والجمالي . فقد نحت أحد التمثالين من حجر الديورايت الصلب والأسود اللون الذي يجلب من &amp;quot;مكان&amp;quot; سلطنة عمان حالياً بوصفها إحدى المدن التابعة للدولة الأكدية أما الآخر فنحت من مادة الرخام الأبيض اللون . من هنا كان السفر البعيد ، وكانت المشّقة ، وكانت الكلفة ، وكان الوعي الجمالي بخاصية الخامة التعبيرية وهو الأهم ، لإحضار مثل هذه الخامات الخاصة جداً في تشييد كتل التماثيل ، وبآليات إظهار جمالية تفعّل دورها التعبيري ، بغية &amp;quot;تأسيس&amp;quot; تركيب إبداعي بين &amp;quot;طاقة&amp;quot; الخامة الرمزية ، وتجلي &amp;quot;الفكرة&amp;quot; الكامن فيها . وذلك فعل إبداعي يقوده القصد والإرادة ، لإيقاع أقصى تأثير في سايكولوجيا المتلقين من الجماهير وإقناعهم بعظمة الملك الأكدي .&lt;br/&gt; تمظهر الملك &amp;quot;مانشتوسو&amp;quot; بطراز جديد من نظام الأزياء يتمثل بجلباب طويل نسج بشكل محكم من مادة صوفية وله حاشية زخرفية مُهدّبة بامتداد حافة لحمة النسيج وشرائب جميلة معقودة على جوانب خيوط ( سداتهِ ) . وترك الزي ليسقط بشكل طيات طولية ولولبية متموجة ومتحركة ، كأن المشهد أشبه &lt;br/&gt;بسطح بحيرة داعبتها عصفة ريح .&lt;br/&gt; لعل في نظام اشتغال سطح التمثالين الجمالي ، بما يجتازهما من مناطق امتصاص وعكس للضياء وتفاوت ملامس المساحات ، نوعاً من تحليل سطح الصورة المرئية وإعادة تركيبها لتفعيل قوة التعبير في خاصية التلقي . وفي ذلك تحرير كامل للنحت من &amp;quot;ماديته&amp;quot; ، فتمثالا &amp;quot;مانشتوسو&amp;quot; لم يعودا صنمين بل تمثالين عظيمين بالمعنى الدقيق للكلمة .&lt;br/&gt; أما تماثيل المتعبدين الأكديين من عصر هذين الملكين ، فأشهرها تمثال من حجر الديورايت لرجل يبلغ ارتفاعه 1 .37م اكتشف في معبد الإلهة &amp;quot;عشتار&amp;quot; في آشور ، ومحفوظ في متحف الدولة في برلين حالياً . ورغم فقدان رأس التمثال وقبضتي كفيهِ المتلاقيتين أمام صدرهِ فإن لحيته الطويلة وحركة ذراعيهِ ووقفتهِ المتخشّبة هي بمثابة منظومة علامية متفاعلة ، تُشفر عن كون الرجل في خلوة المعبد أمام رمز الإلهة عشتار التي بدت من أهم الإلهة الأكدية في &amp;quot;التقديس&amp;quot; في بنية الفكر الاجتماعي .&lt;br/&gt; تظهر سمات التحول في خاصية تماثيل المتعبدين في وصول التماثيل الى أحجام تداني الحجم الطبيعي للإنسان ، إذ بدأت نسب أجزاء الجسم تقترب من الشكل الواقعي البشري المتعارف عليهِ ، وبنزعة واقعية حية وإجادة دقيقة في التمثيل . فرغم ان تنورة الرجل الطويلة عولجت بتقنية &amp;quot;التسطيح&amp;quot; وعدم الاهتمام بدراسة التفاصيل ، إلاّ أن دراسة تشريح عضلات العضدين وتدوير عضلتي الكتفين وتجسيمهما والاهتمام بدراسة عضلات الصدر ولوحي الكتفين ، تؤكد ظهور مثل هذه النزعة الواقعية في أسلوب نحت مثل هذه التماثيل الطقوسية .&lt;br/&gt; لعلّ أهم ما يميز تمثال المتعبد ، موضوع الدراسة ، هو نظام العلاقة القائم على القصد بين خامة حجر الديورايت وقدسية المضمون ، وتلك خاصية تعد غاية بذاتها بغية &amp;quot;تفعيل&amp;quot; نظام العلاقة الجدلي في تركيب التمثال التعبيري والجمالي .&lt;br/&gt; تعد تماثيل &amp;quot;اليورتريهات&amp;quot; النسوية من أهم روائع النحت الأكدي في عصر الملكين &amp;quot;ريموش ومانشتوسو&amp;quot; إذ يحتفظ متحف الجامعة في فيلادفيا في أميركا ومتحف الدولة في برلين والمتحف البريطاني في لندن بثلاثة &amp;quot;رؤوس&amp;quot; لنساء يتراوح ارتفاعُها بين 7-9 سم ، ونُحت اثنان منهما من خامة الرخام الأبيض ، أما الآخر فنحت من حجر الديورايت الاسود اللون . واكتشف اثنان في أور في الناصرية أما الثالث فاكتشف في آشور ( قلعة الشرقاط )&lt;br/&gt; يبدو أن هذه الرؤوس الجميلة كانت أجزاء من تماثيل كاملة لقيت مثل هذا التدمير العنيف بسبب أهمية الشخصيات التي تمثلها . فلم ينحت السومريون والأكديون تمثالاً لشخصية بدلالة الرأس فقط بل كانت النزعة &amp;quot;المثالية&amp;quot; بوصفها العامل الفكري المهيمن في نحت هذه المنظومة من التماثيل التي تمتلك وظائف طقوسية تفرض ان يُنحت التمثال كاملا ، فأي إقتطاع أو اجتزاء من كُلية الصورة سوف يؤثر وربما يغير دلالتها ، فهذه التماثيل بوصفها &amp;quot;دوال&amp;quot; فأنها تُشفّر عن &amp;quot;مدلولاتها&amp;quot; من خلال بنيتها الكلية ، إذ تعلن حركات أجزاء الجسم وهيمنة بعضها على الآخر عن دلالاتها في حركة الفكر الاجتماعي .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; لا يمكننا في الوقت الراهن تحديد هوية تلك الشخصيات وهل هي بشر عاديّ أم كاهنات من ذوات المنزلة الرفيعة أم زوجات لملوك؟ فقد تجيب الوجوه عن أي من هذه التساؤلات ، نظراً إلى قوتها التعبيرية الخارقة . ونرجح عامة أن يكون لهذه &amp;quot;البورتريهات&amp;quot; الجميلة أهمية دينية ، بدلالة اكتشاف نماذجها في المعابد ، إذ يتعاظم الفكر التأملي للمكان في بنية هذه المنظومة من التماثيل ليضم المناطق التي لا تدركها التجارب الحسية المباشرة كالسماوات أو العالم السفلي . ففي مثل هذه الفضاءات الأسطورية تلعب الأمكنة دوراً مهماً ، على قدار العلاقة التي تعقدها مع المتخيل او لنقل مع اللاواقع .&lt;br/&gt; أبدع النحات الأكدي في تقنية نحت الوجوه ، وجمال تشكيلها وتمييز أجزائها بانسجام دقيق ، فملامحها ذات قوة تعبيرية كبيرة ، فلكل منها شفتان رفيعتان متموجتان تكادان أن تنطقا ، وحنك صغير مع طية رقيقة على الوجنتين امتدت الى الأنف وزادت من جمالهِ . ورغم كون كل من &amp;quot;البورتريهات&amp;quot; يشكل مفردة من مفردات العالم المرئي ، إلا إنه &amp;quot;مُعّدل&amp;quot; عن صفتهِ الواقعية ، إذ إن دخوله &amp;quot;نسق&amp;quot; الفن جعل منه رمزاً ، فالشخصيات &amp;quot;مفرغة&amp;quot; تماماً من وجودها المادي كأيقونة معاشة ، ومرحّلة بفعل ضغوط البنية العميقة للطقس الديني الى منطقة تتوسط الشعور واللاشعور ، وفي ذلك نوع من الصوفية عصفت بالنسوة ليجتزن حالة الإنسان . . . وصولاً الى حضور الأبدية . فهذه المنظومة الشكلية من رؤوس النسوة ، رغم اقتصاديتها اللغوية ، &amp;quot;تُخبّىء&amp;quot; قدرة تكاثرية في ماهية خطاباتها يمكّنها من الظهور في المستويين الدلالي والشكلي . ولعل ذلك يفسر تحول دلالاتها الى &amp;quot;ملحمة&amp;quot; في نفس كل &amp;quot;مواطنة&amp;quot; أكدية . فحقيقتها أكثر تعقيداً وغرابةً مما هي عليه في الواقع .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;الفن في بنيتهِ العامة ، غير منفصل عن التاريخ ، فلا يمكن فهم أحدهما فهما منطقيا من دون الآخر ، وغالباً ما يقال : إن فعل الفن أن يوصل رسالة لا زمن لها . غير أنه لا يمكن تفسيره وفهمه الا بالمعرفة المتكاملة تماماً بالبنية الفكرية التي تحكمت في إبداعه ، فهو حلقة في سلسلة لا نهاية لها ، ذهبية ، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بما سبقها وما سيعقبها . فللفن طابع تأريخي مقولته : إن كل تغير مهمّ يطرأ على النظام الفكري للحضارة لا بد ان يترك تأثيراً في خاصية الأساليب الفنية الفاعلة في أي عصر من العصور .&lt;br/&gt;يرى &amp;quot;تاريخ الفن&amp;quot; كذلك ، أن خاصية إبداع المنجزات التشكيلية على مَرّ العصور ، هي بمثابة تركيب واعٍ تهيمن فيهِ ذهنية الفنان على آليات عملية تحليل وتركيب منظومة العلاقات في التشكيل ، مستندة الى مرجعيات فكرية ترتبط ببنية الفكر الحضاري كماً وكيفاً . وتأسيساً على هذه &amp;quot;العقدة&amp;quot; فإن &amp;quot;فهم&amp;quot; التماثيل الأكدية يكمن أولاً في تقصي &amp;quot;ماهية: الفكر الكامن في أنسجتها البنائية بوصفها أنساقاً شكلية ترمز إلى دلالات فكرية ذات أهمية قصوى في حركة الفكر الاجتماعي .&lt;br/&gt;أما العقدة الثانية فتكمن في فهم العلاقة الجدلية بين &amp;quot;الفكري&amp;quot; والوسائط المادية &amp;quot;الخامات&amp;quot; المشيدة لكتل التماثيل ، أي التحليل التركيبي لآليات تقمّص الخامة للفكري لتحيا بهِ في وجودها الخاص ، فتغادر خاصيتها الطبيعية نحو طبيعة من نوع آخر هي بنية الفن . فتمثال &amp;quot;نرام ـ سن&amp;quot; البرونزي ، ليس معدناً بقدر ما هو فكرة .&lt;br/&gt;العقدة الأخيرة في الدراسة التحليلية للتماثيل الأكدية هي إشكالية الشكل بوصفهِ حاملاً للفكري الذي يتنوع بين الواقعية حين &amp;quot;يتماهى&amp;quot; مع مواصفات مظاهر التجربة الخارجية ، والانحراف نحو التعبيرية ، بخاصية &amp;quot;تفعيل&amp;quot; رؤية الفنان الذاتية ، والتسامي نحو مقام الشكل التجريدي حين &amp;quot;يُفرغ&amp;quot; كل محمولاتهِ من زوائد المظاهر الخارجية وتفاصيلها .&lt;br/&gt;آليات دراستنا التحليلية برمتها تشبه حركة مكوك الحائك التي ما انفكت في سفر دائم ذهاباً ومجيئاً ، ذهاباً من الفكري الى المادي والى الشكلي ، ومجيئاً من الشكلي الى المادي ثم الفكري ، في جدال وتفاعل مستمرّين ، فالتماثيل الأكدية في بنيتها العامة ليست مجموع عناصر إنما قائمة أو لنقل مركبة من تفاعل عناصر . بخاصية من البناء المتجانس بين المادي والروحي من ناحية ، والطبيعي والرمزي من ناحية أخرى .&lt;br/&gt;رغم &amp;quot;قلة&amp;quot; التماثيل الأكدية المكتشفة حتى هذه اللحظة بسبب المشكلة الكبرى وهي عدم اكتشاف العاصمة الأكدية ، إلا أنها مع ذلك ، لا بد من أن تكون تعبيراً عن لون من ألوان الضرورة . فقد أقبلت &amp;quot;العقلية&amp;quot; الأكدية على &amp;quot;فكرة&amp;quot; نحت التماثيل ، تواصلاً مع التقاليد السومرية ، لتوثيق صور الأفراد في أمكنة كونية متحررة من حدودها الزمانية ، وهي باحات وخلوات المعابد . إنه &amp;quot;الإلحاح&amp;quot; على وجود صورة المتعبد مع قربانه في &amp;quot;خلوة&amp;quot; الإله ، وبتضرع دائم حتى اللازمن .&lt;br/&gt;أحب الأكديون نحت التماثيل لأن هذه &amp;quot;التقنية&amp;quot; حققت حلاً لعقدتهم الفكرية وهي اكتشاف الصور المثالية لملوكهم في الأنظمة النحتية . فالتمثال بالنسبة إلى المتعبد ، كذلك بالنسبة إلى الملك الأكدي ، كان بمثابة أداة سحرية لمعالجة قلقهما الوجودي . فالأول يبغي ان يكون التمثال بمثابة &amp;quot;الشفيع&amp;quot; الدائم له في محراب الإله ، أما الآخر او لنقل الملك فيظهر أنه فهم حل ( كلكامش ) الأخير ، بأن نقش اعماله على اسوار الوركاء كي تدوم أمام الأجيال الى الأبد ، فحرص كل الحرص على نحت صوره وعرضها في ساحات المدن الأكدية . &lt;br/&gt;للأهمية ذاتها  ، فضَّل الأكديون نحت التماثيل بوصفها وسائل لاكتشاف صور آلهتهم المغيبة واستظهارها بكتل مادية مدركة بملكة الحس . لكن ليس بالطريقة التي أبدعها في ما بعد الفراعنة أو الأغريق باتخاذهم القالب البشري كنواة لبناء شرنقة تماثيل آلهتهم ، إنما بالطريقة التي يُشير بها شكل القصبة المعقوفة الى حضور الإلهة &amp;quot;إنانا&amp;quot; في الفنون السومرية . فشكل النجمة المُشعّة الذي يتوج مسلة النصر الأكدية للملك &amp;quot;نرام ـ سن&amp;quot; هو رمز الإله عشتار مزوداً بقوة إرادة . فهنا التأم الرمز والمرموز إليه معاً ، كما يلتئم المتشابهان ، إذ غدا أحدهما بديلاً من الآخر .&lt;br/&gt;يمكننا القول عامة إن أبدع مآثر الأكديين كانت في فن النحت ، إذ فاقوا فيها معلميهم السومريين ولكن بعد زمن طويل من تعلمهم الحرفة . فلم يستطع الفن الأكدي مجاراة التحول الفكري الذي أصاب بنية الحضارة في بلاد الرافدين . لذا يمكننا بكل سهولة تشخيص ثلاث مراحل تطورية لفن نحت التماثيل في العصر الأكدي يمكن عرضها بالشكل الآتي: &lt;br/&gt;أ- تماثيل عصر سرجون:  حكم الملك ( سرجون ) مدة ستة وخمسين عاماً ، شهدت خلالها الدولة الأكدية تألقاً حضارياً ممتازاً ، ومع ذلك لم يوثّق سوى العدد القليل من تماثيل المتعبدين من هذه الفترة ، وربما يعود ذلك الى إتلاف تماثيل هذا الملك من قبل الكوتيين الغزاة ، أو إنها ضاعت في أتربة الأراضي العيلامية في إيران ، بعدما سلبها الملك &amp;quot;شوترك ناخنتي&amp;quot; بعد ذلك بنحو الألف سنة . وفي &amp;quot;ملمح&amp;quot; آخر ، يبدو أن من المنطقي التفكير في أن الأسلوب الأكدي لم يمتلك بعد هويته المحددة لذا فإن مسلة النصر للملك سرجون وتماثيل المتعبدين الأكديين ما زالت مشدودة بشكل كبير الى الأسلوب السومري في جميع خواصها التكوينية .&lt;br/&gt;يرتبط نسق تماثيل المتعبدين الأكديين بسياقات فكرية مهيمنة كانت بمثابة البنية الفكرية العميقة التي قررت النظام الشكلي لهذه المجموعة من التماثيل ، وتمثل شخصيات اجتماعية متنوعة في مواضيعها ، أما مضامينها فتشكل خطاباً تداولياً بين أفراد المجتمع الأكدي كوسيلة للمثاقفة في بنية الفكر الاجتماعي . ذلك أن الطقوس والممارسات الدينية بشعائرها الدقيقة ومنذ العصر السومري كانت تعمل بشكل فاعل على تثبيت الخبرة الاجتماعية لدى كل فرد في المجتمع وتفعّل خاصية إقامة عالم قوامه منظومة متماسكة من الرموز والكلمات والمفاهيم والمصطلحات . وفضيلة الإنسان الأكدي في ذلك أنه أوجد حيزاً ( ثقافياً ) حولّه بفكرهِ وعواطفهِ الى شكل مُعبّر عن طقوسهِ ومعتقداتهِ الدينية . فالقصد والدافعية في نحت هذه المنظومة من التماثيل الأكدية ، هو لتوثيق صور مثل هذه الشخصيات في &amp;quot;حالة&amp;quot; التعبد . إنها بمثابة العوذ او البدائل السحرية التي تنوب عن الأجساد الفيزيائية ، حين ينالها العدم بحتميتهِ المعهودة . فهو عالم من القيم المطلقة ، يسمو على عوالم الظواهر المتبدلة ويتفوق عليها ، بل يحرّرها من كل تعسفات الحياة وإشكالاتها الوقتية .&lt;br/&gt;لعلّ اهتمامنا بالبحث عن المضمون في نسق هذه المنظومة من التماثيل متأتٍّ من كونهِ يمثل حالة متحركة تقوم على فكرة &amp;quot;التأثير&amp;quot; بين المتماثلات . فصفة التشابه بين التمثال والنموذج من شأنها ان تجعل الصورة البديلة تعمل بفاعلية الصورة الاصلية ، وكي يمعن النحات في &amp;quot;المشابهة&amp;quot; كان يؤشر على سطوح التماثيل أسماء أصحابها التي تعمل بفاعليتها السحرية على تأكيد الحضور ، حضور &amp;quot;الذات&amp;quot; في محراب الإله ، لتقديم طقوس التعبد ، فوجدت هذه الأفكار قوة تعبيرية أعمق كانت تفتقر إليها خارج خريطة نسق الفن .&lt;br/&gt;تؤكد منظومة العلامات التي تميز هذه التماثيل ، إنها مثلت في وضع تقديم القربان ، مثل ذلك المتعبد الذي أمسك بإحكام بحمل صغير لتضحيتهِ على دكة القرابين في المعبد ، وتلك صورة &amp;quot;جديدة&amp;quot; أدخلها الأكديون إلى تقاليد التعبد ولم تكن معروفة لدى السومريين سابقاً . كما أن سمات الاختزال والتبسيط وشتى التأويلات الشكلية الأخرى التي تميز الاشكال التعبيرية السومرية خفت وطأتها عند الأكديين الذين عملوا بفاعلية على سمات التأكيد على الشخصية الواقعية ، بأبراز مقطع الوجه الجانبي النبيل والأنف الأقنى والاهتمام بدراسة الزي من خلال محاولة &amp;quot;تجسيم&amp;quot; طيات الملابس والحلي المتنوعة التي تميز الشخصيات .&lt;br/&gt;ب- تماثيل عصر ( ريموش ومانشتوسو ): حدث في عهد الملكين( ريموش ومانشتوسو ) ولدي الملك ( سرجون ) اللذين يمثلان الجيل الثاني في سلسلة ملوك الدولة الأكدية تحول ملحوظ في بنية التماثيل الأكدية بصدد الخطب الفكرية الكامنة في أنسجتها البنائية وتقنيات إظهارها والسمات الفنية التي تميز منظومتها الشكلية . ذلك يشجعنا على القول إن ولادة الأسلوب الأكدي الجديد حدثت خلال عهد هذين الملكين . وتلك &amp;quot;مقولة&amp;quot; تؤكدها الخصائص النحتية لتمثالي الملك &amp;quot;مانشتوسو&amp;quot; المحفوظين في متحف اللوفر في باريس وتماثيل المتعبدين ، ومنظومة &amp;quot;البورتريهات&amp;quot; المختلفة التي عثر عليها في المدن الأكدية .&lt;br/&gt;لم يعامل &amp;quot;الزمن&amp;quot; بشيء من الرقة تمثالي الملك &amp;quot;مانشتوسو&amp;quot; ، إذ فقد القسم العلوي من الجسم وكذلك الرأس من كليهما فقد حطم ( الكوتيون ) الذين أسقطوا الدولة الأكدية هذين التمثالين ونقلهما بعد ذلك كأسلاب الملك العيلامي &amp;quot;شوترك ناخنتي&amp;quot; الى عاصمتهِ &amp;quot;سوسة&amp;quot; في إيران في القرن الثاني عشر قبل الميلاد . ومع ذلك تظهر من دراسة الأجزاء المتبقية من هذين التمثالين المهمّين ، روحية &amp;quot;كلاسيكية&amp;quot; جديدة أخذت تميز فن نحت التماثيل الأكدية ، وتلك صفة التماثيل العظيمة في فن النحت إذ يعبر الجزء عن عظمة الكل مهما كان ذلك الجزء المتبقي صغيراً .&lt;br/&gt;وتشير الادلة المادية إلى أنه كان للملك &amp;quot;مانشتوسو&amp;quot; الابن الثاني لسرجون عدد كبير من التماثيل التي نحتت من خامات متنوعة بالحجم الطبيعي وبأوضاع وقوف وجلوس مختلفة وعرضت في مدن مختلفة من المملكة الأكدية . ويمكن فهم خطاب &amp;quot;المركز&amp;quot; بشكل واضح في منظومة هذه التماثيل ، ويظهر في الروحية الملكية التي تميز أوضاع التماثيل الحركية وخاصية تمثيل الأزياء التي تزين سطوحها الخارجية . تلك منظومة علامية كافية للتأكيد على الخطاب الفكري للتماثيل التي تؤكد على خاصية تعظيم فكرة الملك بمظهر مهيب ووقفات منضبطة وملامح حركية خالية من أي انفعالات عاطفية . وتلك سمات الشكل الكلاسيكي في أي عصر من العصور .&lt;br/&gt;فالمضمون المتحرك في تمثالي الملك &amp;quot;مانشتوسو&amp;quot; ليس إلا فكرة الملك ، منفتحة في دلالتها على نوع من الروح الأسطورية التي تسامت بالتمثالين الى اللامحدود في خاصية السطوة الملكية . وبغية تحقيق ذلك وجد النحات &amp;quot;صيرورة&amp;quot; التمثالين بنوع من التعالق ما بين الروح البطولية في المضمون وخاصية الخامة بوقعها الروحي والجمالي . فقد نحت أحد التمثالين من حجر الديورايت الصلب والأسود اللون الذي يجلب من &amp;quot;مكان&amp;quot; سلطنة عمان حالياً بوصفها إحدى المدن التابعة للدولة الأكدية أما الآخر فنحت من مادة الرخام الأبيض اللون . من هنا كان السفر البعيد ، وكانت المشّقة ، وكانت الكلفة ، وكان الوعي الجمالي بخاصية الخامة التعبيرية وهو الأهم ، لإحضار مثل هذه الخامات الخاصة جداً في تشييد كتل التماثيل ، وبآليات إظهار جمالية تفعّل دورها التعبيري ، بغية &amp;quot;تأسيس&amp;quot; تركيب إبداعي بين &amp;quot;طاقة&amp;quot; الخامة الرمزية ، وتجلي &amp;quot;الفكرة&amp;quot; الكامن فيها . وذلك فعل إبداعي يقوده القصد والإرادة ، لإيقاع أقصى تأثير في سايكولوجيا المتلقين من الجماهير وإقناعهم بعظمة الملك الأكدي .&lt;br/&gt;تمظهر الملك &amp;quot;مانشتوسو&amp;quot; بطراز جديد من نظام الأزياء يتمثل بجلباب طويل نسج بشكل محكم من مادة صوفية وله حاشية زخرفية مُهدّبة بامتداد حافة لحمة النسيج وشرائب جميلة معقودة على جوانب خيوط ( سداتهِ ) . وترك الزي ليسقط بشكل طيات طولية ولولبية متموجة ومتحركة ، كأن المشهد أشبه بسطح بحيرة داعبتها عصفة ريح .&lt;br/&gt; لعل في نظام اشتغال سطح التمثالين الجمالي ، بما يجتازهما من مناطق امتصاص وعكس للضياء وتفاوت ملامس المساحات ، نوعاً من تحليل سطح الصورة المرئية وإعادة تركيبها لتفعيل قوة التعبير في خاصية التلقي . وفي ذلك تحرير كامل للنحت من &amp;quot;ماديته&amp;quot; ، فتمثالا &amp;quot;مانشتوسو&amp;quot; لم يعودا صنمين بل تمثالين عظيمين بالمعنى الدقيق للكلمة .&lt;br/&gt;أما تماثيل المتعبدين الأكديين من عصر هذين الملكين ، فأشهرها تمثال من حجر الديورايت لرجل يبلغ ارتفاعه 1 .37م اكتشف في معبد الإلهة &amp;quot;عشتار&amp;quot; في آشور ، ومحفوظ في متحف الدولة في برلين حالياً . ورغم فقدان رأس التمثال وقبضتي كفيهِ المتلاقيتين أمام صدرهِ فإن لحيته الطويلة وحركة ذراعيهِ ووقفتهِ المتخشّبة هي بمثابة منظومة علامية متفاعلة ، تُشفر عن كون الرجل في خلوة المعبد أمام رمز الإلهة عشتار التي بدت من أهم الإلهة الأكدية في &amp;quot;التقديس&amp;quot; في بنية الفكر الاجتماعي .&lt;br/&gt;تظهر سمات التحول في خاصية تماثيل المتعبدين في وصول التماثيل الى أحجام تداني الحجم الطبيعي للإنسان ، إذ بدأت نسب أجزاء الجسم تقترب من الشكل الواقعي البشري المتعارف عليهِ ، وبنزعة واقعية حية وإجادة دقيقة في التمثيل . فرغم ان تنورة الرجل الطويلة عولجت بتقنية &amp;quot;التسطيح&amp;quot; وعدم الاهتمام بدراسة التفاصيل ، إلاّ أن دراسة تشريح عضلات العضدين وتدوير عضلتي الكتفين وتجسيمهما والاهتمام بدراسة عضلات الصدر ولوحي الكتفين ، تؤكد ظهور مثل هذه النزعة الواقعية في أسلوب نحت مثل هذه التماثيل الطقوسية .&lt;br/&gt;لعلّ أهم ما يميز تمثال المتعبد ، موضوع الدراسة ، هو نظام العلاقة القائم على القصد بين خامة حجر الديورايت وقدسية المضمون ، وتلك خاصية تعد غاية بذاتها بغية &amp;quot;تفعيل&amp;quot; نظام العلاقة الجدلي في تركيب التمثال التعبيري والجمالي .&lt;br/&gt;تعد تماثيل &amp;quot;اليورتريهات&amp;quot; النسوية من أهم روائع النحت الأكدي في عصر الملكين &amp;quot;ريموش ومانشتوسو&amp;quot; إذ يحتفظ متحف الجامعة في فيلادفيا في أميركا ومتحف الدولة في برلين والمتحف البريطاني في لندن بثلاثة &amp;quot;رؤوس&amp;quot; لنساء يتراوح ارتفاعُها بين 7-9 سم ، ونُحت اثنان منهما من خامة الرخام الأبيض ، أما الآخر فنحت من حجر الديورايت الاسود اللون . واكتشف اثنان في أور في الناصرية أما الثالث فاكتشف في آشور ( قلعة الشرقاط ) .&lt;br/&gt;يبدو أن هذه الرؤوس الجميلة كانت أجزاء من تماثيل كاملة لقيت مثل هذا التدمير العنيف بسبب أهمية الشخصيات التي تمثلها . فلم ينحت السومريون والأكديون تمثالاً لشخصية بدلالة الرأس فقط بل كانت النزعة &amp;quot;المثالية&amp;quot; بوصفها العامل الفكري المهيمن في نحت هذه المنظومة من التماثيل التي تمتلك وظائف طقوسية تفرض ان يُنحت التمثال كاملا ، فأي إقتطاع أو اجتزاء من كُلية الصورة سوف يؤثر وربما يغير دلالتها ، فهذه التماثيل بوصفها &amp;quot;دوال&amp;quot; فأنها تُشفّر عن &amp;quot;مدلولاتها&amp;quot; من خلال بنيتها الكلية ، إذ تعلن حركات أجزاء الجسم وهيمنة بعضها على الآخر عن دلالاتها في حركة الفكر الاجتماعي .&lt;br/&gt;لا يمكننا في الوقت الراهن تحديد هوية تلك الشخصيات وهل هي بشر عاديّ أم كاهنات من ذوات المنزلة الرفيعة أم زوجات لملوك؟ فقد تجيب الوجوه عن أي من هذه التساؤلات ، نظراً إلى قوتها التعبيرية الخارقة . ونرجح عامة أن يكون لهذه &amp;quot;البورتريهات&amp;quot; الجميلة أهمية دينية ، بدلالة اكتشاف نماذجها في المعابد ، إذ يتعاظم الفكر التأملي للمكان في بنية هذه المنظومة من التماثيل ليضم المناطق التي لا تدركها التجارب الحسية المباشرة كالسماوات أو العالم السفلي . ففي مثل هذه الفضاءات الأسطورية تلعب الأمكنة دوراً مهماً ، على قدار العلاقة التي تعقدها مع المتخيل او لنقل مع اللاواقع .&lt;br/&gt;أبدع النحات الأكدي في تقنية نحت الوجوه ، وجمال تشكيلها وتمييز أجزائها بانسجام دقيق ، فملامحها ذات قوة تعبيرية كبيرة ، فلكل منها شفتان رفيعتان متموجتان تكادان أن تنطقا ، وحنك صغير مع طية رقيقة على الوجنتين امتدت الى الأنف وزادت من جمالهِ . ورغم كون كل من &amp;quot;البورتريهات&amp;quot; يشكل مفردة من مفردات العالم المرئي ، إلا إنه &amp;quot;مُعّدل&amp;quot; عن صفتهِ الواقعية ، إذ إن دخوله &amp;quot;نسق&amp;quot; الفن جعل منه رمزاً ، فالشخصيات &amp;quot;مفرغة&amp;quot; تماماً من وجودها المادي كأيقونة معاشة ، ومرحّلة بفعل ضغوط البنية العميقة للطقس الديني الى منطقة تتوسط الشعور واللاشعور ، وفي ذلك نوع من الصوفية عصفت بالنسوة ليجتزن حالة الإنسان . . . وصولاً الى حضور الأبدية .&lt;br/&gt;فهذه المنظومة الشكلية من رؤوس النسوة ، رغم اقتصاديتها اللغوية ، &amp;quot;تُخبّىء&amp;quot; قدرة تكاثرية في ماهية خطاباتها يمكّنها من الظهور في المستويين الدلالي والشكلي . ولعل ذلك يفسر تحول دلالاتها الى &amp;quot;ملحمة&amp;quot; في نفس كل &amp;quot;مواطنة&amp;quot; أكدية . فحقيقتها أكثر تعقيداً وغرابةً مما هي عليه في الواقع .  ج- تماثيل عصر ( نرام ـ سن ):  يمثل الملك ( نرام ـ سن ) الجيل الثالث في سلسلة ملوك الدولة الأكدية ، الذي إستطاع بقوة الحديد والنار ، من تأسيس اعظم امبراطورية في الشرق في النصف الثاني من الالف الثالث قبل الميلاد ، وقد حكم مدة سبعة وثلاثين عاماً ، تمتعت الدولة الأكدية فيها ، بالاستقرار الكامل والازهار الأقتصادي والسيطرة الكاملة على الاقاليم التابعة لها .&lt;br/&gt; يمكن القول ان الاسلوب الأكدي في الفن ، قد وصلَ الى خاصيتهِ المتفردة في عهد هذا الملك ، وذلك بصدد نوعية مضامينهِ الفكرية ، وخواص الخامات المستخدمة في تشكيل موضوعاتهِ ، وكذلك السمات الفنية المميزة لأنظمتهِ الشكلية . التي إرتبطت بالمفاهيم الملكية ، ففكرة ( الملكية ) بالنسبة للملك ( نرام ـ سن ) الذي لقب نفسه بلقب ( إله ) أكد ، والتي تميز معظم تماثيله ، قد وسمتها بصفة فوق واقعية ، وبالأخص ما يعرف بالرأس البرونزي ، ذلك التمثال العظيم في تاريخ النحت العالمي( شكل11 ) الذي تشوبه روحية ( ميتافيزيقية ) أضفت عليه فكرة ( القدسية ) ، وارتقت بهِ من صفته الواقعية ، الى عالم الصور المثالية المتعالية . فرغم ان عيني ( البورتريه ) قد فقئتا بيد مجرمة ، واستخرجت منهما الاحجار الكريمة الملونة ، التي استخدمت في تشكيلهما ، إلا ان تلك العدوانية ، لم تستطع ان تنال من خاصيتهِ ( القدسية ) ومظهره المهيب . حيث الحُلم والخيال و( التأمل ) الناشط ، هو وحده الذي يكتشف عظمة التمثال . إذ إحتل الروحي في تركيبهِ الصوري مكان الصدارة ، بعد تراجع ما هو ( طبيعي ) محض الى مرتبة ثانوية . بخاصية متفردة وحساسة جدا ، لتضايف المادي والروحي في بنية العمل النحتي . فذلك النحات المُبدع على مرَّ العصور ، لم ينحت تمثالاً للملك ، وإنما نحت( نُصباً ) لفكرة الملكية المقدسة .&lt;br/&gt;إكتشف ( بورتريه ) الملك ( نرام ـ سن ) في مدينة نينوى شمال العراق ، بوصفها احدى مدن الدولة الأكدية ، ويبلغ إرتفاعه 36سم ، ويُعد من أهم روائع المتحف العراقي في بغداد( شكل11 ) . ونحن نرجح ان يكون هذا ( الرأس ) البرونزي ، هو الجزء المتبقي من تمثال كامل ، كان معروضاً في احدى ساحات مدينة نينوى ، ليؤكد خضوع هذه المدينة لسيطرة الدولة الأكدية خضوعاً كاملاً . إذ ان الروح الأكدية ، كان ( تنفر ) نفوراً كاملاً من فكرة تمثيل ملوكها بدلالة ( البورتريه ) ، فذلك فأل سيء ، ربما يؤدي الى تداعي وسقوط هذه الامبراطورية بكامل هيكلها . فأن صحت هذه الفكرة( السحرية ) ، علينا ان تقابل تمثالاً مُشّعاً بارتفاع يفوق المترين . وتلك خاصية كافية لتقولب بنية التمثال بصفة اسطورية ، وهي كفيله بأن توسع دلالتهِ نحو الأفكار غير المحددة في عظمتهِ الملكية ، وقدرتهِ البطولية الخارقة .&lt;br/&gt;يَبثّ ( بورتريه ) الملك نرام ـ سن البرونزي ، خطاباً تقنياً متفرداً ، بصدد آليات الأظهار ، والتمظهرات التعبيرية والجمالية لخامتهِ . فقد كان الجدل الفكري حول نظام العلاقة بين خاصية المضمون والوسيط المادي الذي يحتويهِ ، يجتاز ( الذات ) بصدد فحص خواص الخامات كطبيعة كتلها وصلابتها وملمسها ولون سطوحها . فكان الحل الابداعي بقولبة فكرة الملكية بمادة البرونز ، وذلك فعلُ ورؤية متفردة ، أكسبت ( البرونز ) ذلك المعدن الصلب والمشع كالذهب ، صفة متحركة في دلالته ، تفوق خواصه الطبيعية ، وفَعلّت تعبيره ، كوعاء ( حَلّت ) بهِ الفكرة لتعبر عن صيرورتها الأبدية .&lt;br/&gt;إنجز تمثال الملك( نرام ـ سن ) بتقنية الصب المجوف ، ونرجح ان يكون قد أنجز بطريقة القالب الشمعي ، وبموجبها يُصاغ الشمع حسب الشكل المطلوب على شكل التمثال الجبسي . ثم يُغطى نموذج ( الصب ) بعدة طبقات من طينة نقية ، ممزوجة بمواد مختلفة فائدتها غلق المسامات . فعندما تكون ( تكسية ) الطين بدرجة كافية من السمك ، يوضع النموذج في ( الكورة ) فيفخر الطين الذي يشكل القالب الخارجي ، ويذوب الشمع الذي يجري عبر ( فتحات ) صغيرة مجهزّة لهذا الغرض ، فبهِذه الطريقة يمكن الحصول على فراغ مجوف بين اللب والقالب ، ليتم ملؤه بمعدن البرونز المذاب ، وبعد تصلبهِ يُكسر قالب الفخار ، ليظهر التمثال المصبوب كاملاً ، إذ يتم توضيح تفاصيلهِ الدقيقة بادوات حادة من قبل النحات في المرحلة النهائية من عملية الأنجاز .&lt;br/&gt;تلك التقنية عرفها الجميع منذ العصر السومري في الالف الثالث قبل الميلاد ، وحتى الزمن المعاصر ، لكن الشيء الذي لم يعرفه الجميع ، هو تلك القدرة الحرفية العالية ، والأحساس العميق بالشكل ، والدقة المتناهية في اخراج تفاصيل التمثال . فقد إشتغل ذلك النحات العظيم عِبرَ كل العصور ، على السطح بمنظومة خطية متماسكة ورائعة ، محققاً معالجة شكلية ( متفاوتة ) في تعدد المستويات والأنارة ، ومتميزة بوحدة كلية متفاعلة ، قلما تتكرر في تاريخ النحت العالمي ، إلا في أعمال النحات ( مانزو ) .&lt;br/&gt;إذ تشير ( صنعة ) التمثال ، الى مهارة فائقة بلغها فن النحت الأكدي ، فقد كان هذا الرأس الملكي مدهشاً ، الى درجة تجعلنا نقف امامه حائرين ، بفعل الاسلوب المتقن الذي نُحتَ بهِ . فهناك مُسحة من الصرامة الحادة والقوة ، واضحة في خاصية إبراز ملامح الوجه ، الذي تعلوه في ذات الوقت ، إبتسامة خفية تغدو صارمة وأبية في الحال ، حين تعقد زمام تلك الشفتين اللدنتين الرقيقتين( شكل 11 )&lt;br/&gt;أما شعر الرأس الذي يؤطر الجبهة ، فقد شَكِلَ من ثلاثة مستويات أحدها فوق آلاخر . فهناك شريط سفلي بشكل نسق من الحلقات المتجاورة يلامس الجبهة ، يعلوه إكليل منبسط ، وفوقه ضفيرة ملتفة حول الرأس ، عُقِدَت خلفَ الرقبة بشكل كرة صغيرة ، ثُبتت بثلاث حلقات من الذهب . كما إن شعر الذقن قسم كذلك الى ثلاثة صفوف تألفت من صف من الخصل الناعمة حول الشفتين ، وصف آخر شُكَّل من حلزونات ناعمة على الوجه ، لينتهي إيقاع هذا التدرج ، بصف من حلزونات خشنة وطويلة مسترسلة في الهواء( شكل11 ) .&lt;br/&gt; والجوهري في الموضوع ، هو أن الفنان الأكدي لم ينحت تمثاله ، بغية الحصول على ( تمثلات ) مشابهة لوقائع التجربة الخارجية ، بل لتأويل ( قوة ) . . تُبقي الفكرة التي يُمثلها التمثال حاضرة أبداً ، فصورة التمثال هنا ليست مقصودة لذاتها ، بل لتّشفيرها عن مدلولات تنتمي الى مستوى آخر غير منظور . وذلك بمثابة ( التأويل ) عن خاصية الفكر المتحرك في بنية الفكر الحضاري الأكدي .&lt;br/&gt;ولا تفوتنا الأشارة هنا ، الى أن معظم المختصين قد أشاروا الى ان هذا ( البورتريه ) ربما يمثل الملك سرجون او حفيده نرام ـ سن . ويبدو ان حلَّ هذه المشكلة قد اصبح واضحاً الآن ، فبما ان النحت الأكدي في عصر سرجون كان مشدوداً في اسلوبهِ الى الأسلوب السومري ، ولم يحقق هويته المتفردة والمشخصة في عهد هذا الملك ، كما يظهر في جميع المنجزات الفنية ، لذلك يمكننا ان نرجح نسبة هذا التمثال الى الملك نرام ـ سن . . بفعل تكامل سمات الاسلوب الأكدي في التشكيل في عهد هذا الملك .&lt;br/&gt;فهمَ الأكديون أن الفن نوع من الصياغة ، لبنية العلاقة بين الأنسان وواقعهِ بالمعنى الشامل لهذه العلاقة . فالتماثيل الأكدية لم تعكس صورة ذلك الواقع ، وإنما  . . مثلّت ( حركته ) ، وبما إن الواقع عند الأكديين متغير دائماً ، فان تمثيله في النحت متغير كذلك . ولذلك فان الجزء المتبقي من تمثال الملك نرام ـ سن ، الذي يمثل القدمين فقط ، بارتفاع 47سم ، المنحوت من حجر الديورايت ، والمحفوظ في متحف اللوفر في باريس( شكل 12 ) . يمثل حالة جديدة في خصائص نحت التماثيل في بلاد الرافدين ، فاذا كان ارتفاع قدمي التمثال بمثل هذا الأرتفاع الخيالي ، فلنا ان نتأمل ( نُصباً ) بارتفاع شاهق ، وتلك ( خاصية ) كسرت سياقات قاعدة حجوم التماثيل الصغيرة عند السومريين ، وأحلّتْ محلها ( بدعة ) التعبير بدلالة الحجوم الكبيرة .&lt;br/&gt;تُرى هل ان هزة أرضية من النوع العنيف ، أصابت مدينة أكد ، فأحالت منجزاتها الخالدة الى مجرد شظايا صغيرة؟ أم ان عدوانية الغزاة الكوتيين والعيلاميين كانت على مثل القساوة والخاصية البربرية . وعلى كل حال ، فرغم فقدان تمثال نرام- سين ، لقسم كبير من تكوينهِ( شكل 12 ) ، فأنه يبدو حتى هذه اللحظة أشد حياة من جسم المتأمل ذاتهِ ، وذلك إحساس قد يؤدي بهِ الى الخجل من خمولهِ ، مع شعور بالفخر لما حققته الروح الأنسانية من إبداعات . كتلك ( الرؤية ) التي تُميز تماثيل ( مايكل أنجلو ) المكتملة بسبب عدم إنهائها ، حين ( يجلي ) الغبار . . عن أشكال كامنة في كتل الرخام ، كان يراها هو وحدهُ .&lt;br/&gt;فبتجريد تمثال نرام- سين عن حدود الشخصية ، فأنه قد إحتلَ دوراً ( كونياً ) ، أي أنه غدا رمزاً مناسباً لكل الأزمنة ، فقد مَرَّ عِبَر الواقع الى ( التاريخ ) . . الذي إختارهُ ليحّوله الى تساؤل او حديث دائم .&lt;br/&gt;أهتم الأغريق وعلى الأخص في عصر إزدهار فنونهم في القرن الخامس قبل الميلاد ، بنحت تماثيل آلهتهم وابطالهم باشكال ( عارية ) بغية التعبير عن مثالية الجمال الكامنة في التناسب الذهبي الذي يميز تشييد أجسامهم . وتلك ( تقليعة ) لم يألفها الفنانون على أرض الرافدين . إلا إن المدهش حقاً هو إكتشاف أثنين من التماثيل النصفية العارية لرجلين من العصر الأكدي وبالتحديد من عصر الملك نرام- سين .&lt;br/&gt;يبلغ ارتفاع الجزء المتبقي من التمثال الأول 48سم ، واكتشف في مدينة آشور ( قلعة الشرقاط ) ، ومنحوت من حجر الديورايت ، ومحفوظ في متحف الدولة ببرلين ( شكل13 ) . أما ما تبقى من التمثال الآخر فيبلغ إرتفاعه 80 .5سم ، ومنحوت من حجر قيري ، ومحفوظ بمتحف اللوفر في باريس ( شكل14 ) . ويظهر التمثالان الى ان النحاتين الأكديين قد قطعوا شوطاً طويلاً في خاصية الدراسة العلمية للجسم البشري ، وذلك يؤكد على تقدم ( علم ) دراسة تشريح جسم الانسان ، وربما يعبر كذلك عن تقدم الطب والعمليات الجراحية في عصر الملك نرام -سين . فالطريقة المؤثرة التي تم التأكيد فيها على العضلات وخاصية حركاتها الداخلية والخارجية تُعّد مدهشة حقاً ، فقد درست تفاصيل عضلات الجسم وعولجت تكويراتها المتدرجة بدقة متناهية ، فبدا مظهر الجلد شفافاً ليكشف عن تفاصيل الأوردة والشرايين وصولاً الى الأوعية الشعرية الدموية الدقيقة الكامنة في الاعماق ، فالاغلفة الخارجية للجسم لم تعد تخفي خارطة الجسم الداخلية تحتها ، بل إندمجت مع التكوين لأبراز قوتهِ الداخلية . وبنوع ( خاص ) من تقنيات الأظهار ، والإحساس الجمالي بالخامات ، يتفوق على تجارب الاغريق في البحث عن مثالية الجمال في الجسم البشري ، كما يظهر في تماثيل النحات ( براكزتيلس ) ، بعد الأكديين بنحو ألفي عام .&lt;br/&gt;في عقد السبعينات من القرن العشرين ، حصلت هيئة الآثار العراقية من منطقة ( باسطكي ) في قضاء زاخو شمال العراق ، على تمثال برونزي أكدي فريد من نوعه ، في اسلوب نحتهِ ودلالتهِ الرمزية ( شكل 15 ) . ويتألف التمثال من قاعدة برونزية دائرية الشكل قطرها 71 .5سم ، إستقر عليها شكل رجل ، وقد ( شَكَّل ) رجليهِ بوضعية صعبة ومتفردة ، لم يظهر مثيلها إلا في العاب الجمناستك ، وبينهما قاعدة مجوفة اسطوانية الشكل إعدت لتثبيت شيء ما ، فيما استغل الجزء المتبقي من القاعدة الدائرية المستوية السطح ، لتشكيل نص كتابي ، مسماري له شكل مستطيل منتظم ، وللاسف الشديد فقد الجزء العلوي من جسم الرجل ، وشأنه في ذلك شأن الروائع الأكدية ، التي لم يعاملها الاعداء بشيء من اللطف .&lt;br/&gt;في جريمة ( نَهبْ ) المتحف العراقي التي حدثت في العام 2003 ، حاول ( اللصوص ) سرقة هذا التمثال ، وصعدوا بهِ من قاعة العرض ، الى شباك مفتوح يؤدي الى الخارج ، ولحسن الحظ فأن حجم التمثال كان اكبر من فتحة الشباك ، ولذلك ترك في مكانهِ ، ليعود الى مكانه في القاعة الأكدية بالمتحف العراقي ، بوصفهِ واحدا من اهم الروائع الأكدية المتفردة .&lt;br/&gt;يقدم تمثال ( باسطكي ) خطابه الأبداعي في نقطتين ، الأولى تكمن في خاصية تقنية النحت وآليات الأظهار الشكلية ، والثانية دلالة هذا النصب الفكرية . فشاعرية الخط فيها شيء من ( روعة ) الخط عند الفنان ( بيكاسو ) ، ودراسة تفاصيل اصابع القدمين ، وشكل الساقين والفخذين الرشيق ، فيه شيء كذلك من دقة الاشكال النحتية عند الفنان ( كانوفا ) . وهندسة التكوين في ( تركيب ) النص المكتوب مع الشكل البشري على المساحة الصغيرة المعدة للتنفيذ ، ففيهِ الكثير من تقليلية ( جاكومتي ) في أنظمة تكوين منحوتاته وعلى الأخص في منجزه ( رجل المدينة ) . أما نعومة وشفافية المشهد المتبقي من التمثال ، فلا يضاهيها جمالاً إلا ساقي الإلهة أفروديت او أثينا ، في مشهد الأفريز الداخلي لمعبد البارثنون في اثينا ، من ابداع النحات ( فيدياس ) .&lt;br/&gt;أما بصدد دلالة التمثال ، فقد تمكن الدكتور فوزي رشيد ، من إعادة إكمال التمثال في ضوء ما ظهر من مشاهد مشابهة على سطوح الأختام الاسطوانية الأكدية ، وذلك في دراستهِ المنشورة في مجلة سومر للعام 1976 ( شكل 16 ) . كما قدَّم قراءة للنص المكتوب على قاعدة التمثال مفادها: &amp;quot;نرام -سين ، الملك القوي ، ملك أكد ، عندما تحالفت ضده جهات العالم الأربع سوية ، بواسطة محبتهِ مع الإلهة عشتار التي تحبهُ ، إستطاع أن ينتصر في تسع معارك في سنة واحدة ، وكبَّل ملوك منطقة شجر الصنوبر&amp;quot; ( فوزي ، 1976 ، ص 53 ) .&lt;br/&gt;فاذا إتفقنا مع إقتراح ( د . فوزي رشيد ) الذي هو قريب من الصحة أو لنقل منطقي ، فذلك يعني ان الفكر الأكدي قد إختزل مفهوم الأنتصار الى شكل بطل اسطوري ، كان يُثبّت ( رايات ) الجيش الأكدي . في الاماكن الجغرافية المختلفة والواسعة التي وصلتها الماكنة الحربية الأكدية . فالفكر الأكدي هنا ، قد ( فعَّل ) خاصية الانتقال من الأشارات المحددة الدلالات الى الرموز المنفتحة المتعددة المدلولات ، والحرة الحركة في الفكر الحضاري . وبذلك إنتقل الفكر من التعامل مع المادي الملموس الى صورتهِ الذهنية ، ومن إستخدام الاشياء الى إستخدام رموزها . فعملية تكوين المفاهيم ، قد ( أحلّت ) المفهوم محل الاشياء المدركة ، فأتاحت للانسان الفرصة لان يتعامل مع مفاهيم ( دالة ) . . على وفرة من المدلولات .&lt;br/&gt;إن شكل البطل الأكدي الرمزي ، الذي يروي حيوان الجاموس تارة ، ويصارع الأسود تارة اخرى ، في مشاهد الأختام الاسطوانية الأكدية ويعلن عن إنتصارات الدولة الأكدية . هو شكل ( هرقلي ) بشعر ( أشعث ) طويل له ثلاثة حلزونات على جانبي الوجه ، ولحية مسترسلة عريضة ، ويتمنطق دائما بحزام ذو اربعة ( غضون ) مع نهاية منسابة الى الاسفل ( شكل 16 ) . يرتبط بمرجعياتهِ الفكرية باعمال البطل ( كلكامش ) في الحضارة السومرية السابقة ، فقد سعى الفكر الأكدي كذلك ، في تمثيل شكل بطله ، الى تحطيم نظام المشابهة والتشخيص مع قالب الجسم البشري ، وبقصدية باحثة عن ( تفعيل ) نظام العلاقة الرمزية بين الشكل ومضمونه ، وذلك بالأنتقال بالشكل من صورته العرضية الى نظامه الاسطوري الذي يبغي الأعمام واللامحدود في تعبيره الرمزي ، نحو إنفتاح النص الى تغييب محدودية الزمان والمكان نحو المتخيل . وفي ذلك نوع من التسامي فوق مستوى الواقع ، لكشف المضمون الباطن للمفاهيم المهيمنة في بنية الفكر الأكدي . &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; ج- تماثيل عصر ( نرام ـ سن )&lt;br/&gt; يمثل الملك &amp;quot;رام ـ سن&amp;quot; الجيل الثالث في سلسلة ملوك الدولة الأكدية . استطاع بقوة الحديد والنار تأسيس أعظم إمبراطورية في الشرق في النصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد ، وحكم سبعة وثلاثين عاماً تمتعت الدولة الأكدية فيها بالاستقرار الكامل والازدهار القتصادي والسيطرة الكاملة على الأقاليم التابعة لها .&lt;br/&gt; يمكن القول إن الأسلوب الأكدي في الفن بلغ خاصيتهِ المتفردة في عهد هذا الملك ، لناحية نوعية مضامينهِ الفكرية ، والخامات المستخدمة في تشكيل مواضيعهِ والسمات الفنية المميزة لأنظمتهِ الشكلية التي ارتبطت بالمفاهيم الملكية ، ففكرة &amp;quot;الملكية&amp;quot; بالنسبة للملك &amp;quot;نرام ـ سن&amp;quot; الذي لقب نفسه بلقب &amp;quot;إله&amp;quot; أكد ، ومعظم تماثيله ذات بصفة فوق واقعية ، خاصة ما يعرف بالرأس البرونزي ، ذلك التمثال العظيم في تاريخ النحت العالمي الذي تشوبه روحية &amp;quot;ميتافيزيقية&amp;quot; أضفت عليه فكرة &amp;quot;القدسية&amp;quot; وارتقت بهِ من صفته الواقعية الى عالم الصور المثالية المتعالية . فرغم أن عيني &amp;quot;البورتريه&amp;quot; قد فقئتا بيد مجرمة ، واستخرجت منهما الاحجار الكريمة الملونة ، التي استخدمت في تشكيلهما ، إلا ان تلك العدوانية ، لم تستطع ان تنال من خاصيتهِ &amp;quot;القدسية&amp;quot; ومظهره المهيب . حيث الحُلم والخيال و( التأمل ) الناشط تكتشف عظمة التمثال . احتل الروحي في تركيبهِ الصوري مكان الصدارة ، بعد تراجع ما هو &amp;quot;طبيعي&amp;quot; محض الى مرتبة ثانوية . خاصية متفردة وحساسة جدً ، تجمع المادي والروحي في بنية العمل النحتي . فالنحات المُبدع على مرَّ العصور لم ينحت تمثالاً للملك إنما نحت &amp;quot;نُصباً&amp;quot; لفكرة الملكية المقدسة .&lt;br/&gt; اكتشف &amp;quot;بورتريه&amp;quot; الملك &amp;quot;نرام ـ سن&amp;quot; في مدينة نينوى شمال العراق ، بوصفها احدى مدن الدولة الأكدية ، ويبلغ إرتفاعه 36سم ويُعد من أهم روائع المتحف العراقي في بغداد . ونرجح أن يكون هذا الرأس البرونزي الجزء المتبقي من تمثال كامل كان معروضاً في احدى ساحات مدينة نينوى ، ليؤكد خضوع هذه المدينة لسيطرة الدولة الأكدية خضوعاً كاملاً . فالروح الأكدية كان &amp;quot;تنفر&amp;quot; نفوراً كاملاً من فكرة تمثيل ملوكها ، والدليل &amp;quot;البورتريه&amp;quot; ، فذلك فأل سيئ ، ربما يؤدي الى تداعي هذه الامبراطورية وسقوطها بكامل هيكلها . فأن صحت هذه الفكرة&amp;quot;السحرية&amp;quot; علينا ان تقابل تمثالاً مُشّعاً بارتفاع يفوق المترين . وتلك خاصية كافية لتقولب بنية التمثال بصفة أسطورية ، وهي كفيلة أن توسع دلالتهِ نحو الأفكار غير المحدّدة في عظمتهِ الملكية وقدرتهِ البطولية الخارقة .&lt;br/&gt; يَبثّ &amp;quot;بورتريه&amp;quot; الملك &amp;quot;نرام ـ سن&amp;quot; البرونزي خطاباً تقنياً متفرداً بصدد آليات الإظهار والتمظهرات التعبيرية والجمالية لخامتهِ . كان الجدال الفكري حول نظام العلاقة بين خاصية المضمون والوسيط المادي الذي يحويه يتجاوز &amp;quot;الذات&amp;quot; إلى فحص خواص الخامات كطبيعة كتلها وصلابتها وملمسها ولون سطوحها . كان الحل الإبداعي قولبة فكرة الملكية بمادة البرونز ، وتلك رؤية متفردة أكسبت البرونز المعدن الصلب والمشع كالذهب ، صفة متحركة في دلالته تفوق خواصه الطبيعية .&lt;br/&gt; أنجز تمثال الملك &amp;quot;نرام ـ سن&amp;quot; بتقنية الصب المجوف ، ونرجح أن يكون أنجز بطريقة القالب الشمعي ، وبموجبها يُصاغ الشمع حسب الشكل المطلوب على شكل التمثال الجبسي . ثم يُغطى نموذج الصب بعدة طبقات من طينة نقية ممزوجة بمواد مختلفة فائدتها غلق المسامات . فعندما يكس الطين بدرجة كافية من السمك يوضع النموذج في &amp;quot;الكورة&amp;quot; فيفخر الطين الذي يشكل القالب الخارجي ويذوب الشمع الذي يجري عبر فتحات صغيرة مجهزّة لهذا الغرض ، وبهذه الطريقة يمكن الحصول على فراغ مجوف بين اللب والقالب ، ليملأ بمعدن البرونز المذاب ، وبعد تصلبهِ يُكسر قالب الفخار ليظهر التمثال المصبوب كاملاً ، إذ توضح تفاصيلهِ الدقيقة بأدوات حادة من قبل النحات في المرحلة النهائية من عملية الإنجاز .&lt;br/&gt; تلك التقنية عرفها الجميع منذ العصر السومري في الألف الثالث قبل الميلاد حتى الزمن المعاصر ، لكن ما لم يعرفه الجميع تلك القدرة الحرفية العالية والإحساس العميق بالشكل والدقة المتناهية في اخراج تفاصيل التمثال . اشتغل ذلك النحات العظيم عبر كل العصور على السطح بمنظومة خطية متماسكة ورائعة محققاً معالجة شكلية متفاوتة في تعدد المستويات والإنارة ومتميزة بوحدة كلية متفاعلة قلما تتكرر في تاريخ النحت العالمي إلا في أعمال النحات مانزو .&lt;br/&gt; تشير صنعة التمثال الى مهارة فائقة بلغها فن النحت الأكدي ، إذ كان هذا الرأس الملكي مدهشاً ، الى درجة تجعلنا نقف أمامه حائرين بفعل الأسلوب المتقن الذي نُحتَ بهِ . فهناك مُسحة من الصرامة الحادة والقوة واضحة في خاصية إبراز ملامح الوجه الذي تعلوه في الوقت نفسه ابتسامة خفية تغدو صارمة وأبية حين تعقد زمام تلك الشفتين اللدنتين الرقيقتين .&lt;br/&gt; أما شعر الرأس الذي يؤطر الجبهة ، فشكّل من ثلاثة مستويات أحدها فوق الآخر . فهناك شريط سفلي بشكل نسق من الحلقات المتجاورة يلامس الجبهة ويعلوه إكليل منبسط ، وفوقه ضفيرة ملتفة حول الرأس عُقِدَت خلفَ العنق بشكل كرة صغيرة ثُبتت بثلاث حلقات من الذهب . كما إن شعر الذقن قسم كذلك ثلاثة صفوف تألفت من صف من الخصل الناعمة حول الشفتين ، وصف آخر شُكَّل من حلزونات ناعمة على الوجه لينتهي إيقاع هذا التدرج بصف من حلزونات خشنة وطويلة مسترسلة في الهواء .&lt;br/&gt; الجوهري في الموضوع أن الفنان الأكدي لم ينحت تمثاله بغية الحصول على &amp;quot;تماثيل&amp;quot; مشابهة لوقائع التجربة الخارجية ، بل لتأويل &amp;quot;قوة&amp;quot; تُبقي الفكرة التي يُمثلها التمثال حاضرة أبداً ، فصورة التمثال هنا ليست مقصودة لذاتها بل لمدلولات تنتمي الى مستوى آخر غير منظور ، بمثابة &amp;quot;التأويل&amp;quot; عن خاصية الفكر المتحرك في بنية الفكر الحضاري الأكدي .&lt;br/&gt; لا تفوتنا الأشارة هنا الى أن معظم الاختصاصيين قد أشاروا الى أن هذا &amp;quot;البورتريه&amp;quot; ربما يمثل الملك سرجون أو حفيده &amp;quot;نرام ـ سن&amp;quot; . ويبدو أن حلَّ هذه المشكلة أصبح واضحاً الآن ، فبما أن النحت الأكدي في عصر سرجون كان مشدوداً في أسلوبهِ الى الأسلوب السومري ولم يحقق هويته المتفردة والمشخصة في عهد هذا الملك ، كما يظهر في جميع المنجزات الفنية ، يمكننا أن نرجح نسبة هذا التمثال الى الملك &amp;quot;نرام ـ سن&amp;quot; لتكامل سمات الأسلوب الأكدي في التشكيل في عهد هذا الملك .&lt;br/&gt; فهمَ الأكديون أن الفن نوع من الصوغ لبنية العلاقة بين الإنسان وواقعهِ بالمعنى الشامل لهذه العلاقة . فالتماثيل الأكدية لم تعكس صورة ذلك الواقع إنما مثلّت ( حركته ) ، وبما إن الواقع لدى الأكديين متغير دائماً فإن تمثيله في النحت متغيّر كذلك . لذا فإن الجزء المتبقي من تمثال الملك &amp;quot;نرام ـ سن&amp;quot; ، الذي يمثل القدمين فقط ، بارتفاع 47سم ، والمنحوت من حجر الديورايت ، والمحفوظ في متحف اللوفر في باريس يمثل حالة جديدة في خصائص نحت التماثيل في بلاد الرافدين ، فاذا كان ارتفاع قدمي التمثال بمثل هذا الأرتفاع الخيالي ، فلنا ان نتأمل &amp;quot;نُصباً&amp;quot; بارتفاع شاهق ، وتلك خاصية&amp;quot; كسرت سياقات قاعدة حجوم التماثيل الصغيرة لدى السومريين ، وأحلّتْ محلها &amp;quot;بدعة&amp;quot; التعبير بدلالة الأحجام الكبيرة .&lt;br/&gt; تُرى هل ان هزة أرضية من النوع العنيف أصابت مدينة أكد فحوّلت منجزاتها الخالدة الى مجرد شظايا صغيرة؟ أم أن عدوانية الغزاة الكوتيين والعيلاميين كانت على مثل القساوة والخاصية البربرية . في أي حال ، رغم فقدان تمثال &amp;quot;نرام- سين&amp;quot; ، قسماً كبيراً من تكوينه يبدو حتى هذه اللحظة أشد حياة من جسم المتأمل ذاتهِ ، وذلك إحساس قد يؤدي بهِ الى الخجل من خمولهِ ، مع شعور بالفخر لما حققته الروح الإنسانية من إبداعات . كتلك &amp;quot;الرؤية&amp;quot; التي تُميز تماثيل مايكل أنجلو المكتملة بسبب عدم إنهائها ، حين &amp;quot;ينجلي&amp;quot; الغبار عن أشكال كامنة في كتل الرخام كان يراها هو وحدهُ . فبتجريد تمثال &amp;quot;نرام- سين&amp;quot; عن حدود الشخصية يحتلّ دوراً &amp;quot;كونياً&amp;quot; ، أي أنه غدا رمزاً مناسباً لكل الأزمنة ، إذ مَرَّ عِبَر الواقع الى &amp;quot;التاريخ&amp;quot; الذي اختارهُ ليحّوله الى تساؤل او حديث دائم .&lt;br/&gt; اهتم الإغريق خاصة في عصر ازدهار فنونهم في القرن الخامس قبل الميلاد ، بنحت تماثيل آلهتهم وأبطالهم بأشكال &amp;quot;عارية&amp;quot; بغية التعبير عن مثالية الجمال الكامنة في التناسب الذهبي الذي يميز تشييد أجسامهم . وتلك ( تقليعة ) لم يألفها الفنانون في بلاد الرافدين . إلاّ أن المدهش حقاً اكتشاف اثنين من التماثيل النصفية العارية لرجلين من العصر الأكدي وبالتحديد من عصر الملك &amp;quot;نرام- سين&amp;quot; . يبلغ ارتفاع الجزء المتبقي من التمثال الأول 48سم ، واكتشف في مدينة آشور ( قلعة الشرقاط ) وهو منحوت من حجر الديورايت ومحفوظ في متحف الدولة في برلين . أما ما تبقى من التمثال الآخر فيبلغ ارتفاعه 80 .5سم وهو منحوت من حجر قيري ، ومحفوظ في متحف اللوفر في باريس . ويظهر التمثالان أن النحاتين الأكديين قطعوا شوطاً طويلاً في خاصية الدراسة العلمية للجسم البشري ، وذلك يؤكد على تقدم &amp;quot;علم&amp;quot; دراسة تشريح جسم الإنسان ، وربما يعبر كذلك عن تقدم الطب والعمليات الجراحية في عصر الملك &amp;quot;نرام –سين&amp;quot; . فالطريقة المؤثرة التي تم التأكيد فيها على العضلات وخاصية حركاتها الداخلية والخارجية مدهشة حقاً ، إذ درست تفاصيل عضلات الجسم وعولجت تكويراتها المتدرجة بدقة متناهية فبدا مظهر الجلد شفافاً ليكشف عن تفاصيل الأوردة والشرايين وصولاً الى الأوعية الشعرية الدموية الدقيقة الكامنة في الأعماق ، فالاغلفة الخارجية للجسم لم تعد تخفي خريطة الجسم الداخلية تحتها ، بل اندمجت مع التكوين لإبراز قوتهِ الداخلية . وبنوع &amp;quot;خاص&amp;quot; من تقنيات الإظهار والإحساس الجمالي بالخامات يتفوق على تجارب الإغريق في البحث عن مثالية الجمال في الجسم البشري ، كما يظهر في تماثيل النحات براكزتيلس بعد الأكديين بنحو ألفي عام .&lt;br/&gt; في السبعينات من القرن العشرين حصلت هيئة الآثار العراقية من منطقة باسطكي في قضاء زاخو ، شمال العراق ، على تمثال برونزي أكدي فريد من نوعه في أسلوب نحتهِ ودلالتهِ الرمزية . ويتألف التمثال من قاعدة برونزية دائرية الشكل قطرها 71 .5سم ، استقر عليها شكل رجل وقد شَكَّل رجليهِ بوضعية صعبة ومتفردة ، لم يظهر مثيلها إلا في ألعاب الجمناستك ، وبينهما قاعدة مجوفة أسطوانية الشكل أعدت لتثبيت شيء ما ، فيما استغل الجزء المتبقي من القاعدة الدائرية المستوية السطح لتشكيل نص كتابي مسماري له شكل مستطيل منتظم ، ويا للأسف الشديد فقد الجزء العلوي من جسم الرجل ، شأنه في ذلك شأن الروائع الأكدية التي لم يعاملها الأعداء بشيء من اللطف .&lt;br/&gt; في جريمة نَهبْ المتحف العراقي التي حدثت عام 2003 ، حاول اللصوص سرقة هذا التمثال وصعدوا بهِ من قاعة العرض الى شباك مفتوح يؤدي الى الخارج ، ولحسن الحظ فإن حجم التمثال كان أكبر من فتحة الشباك ، لذا ترك في مكانهِ ، ليعود الى مكانه في القاعة الأكدية في المتحف العراقي بوصفهِ واحداً من أهم الروائع الأكدية المتفردة .&lt;br/&gt; يقدم تمثال &amp;quot;باسطكي&amp;quot; خطابه الإبداعي في نقطتين ، الأولى تكمن في خاصية تقنية النحت وآليات الأظهار الشكلية ، والثانية دلالة هذا النصب الفكرية . فشاعرية الخط فيها شيء من روعة الخط عند بيكاسو ، ودراسة تفاصيل أصابع القدمين وشكل الساقين والفخذين الرشيق ، تظهر دقة الاشكال النحتية عند الفنان كانوفا . وهندسة التكوين في &amp;quot;تركيب&amp;quot; النص المكتوب مع الشكل البشري على المساحة الصغيرة المعدة للتنفيذ فيها الكثير من تقليلية جاكومتي في تكوين منحوتاته وعلى الأخص في منحوتته&amp;quot;( رجل المدينة&amp;quot; . أما نعومة وشفافية المشهد المتبقي من التمثال فلا يضاهيها جمالاً غير ساقي الإلهة أفروديت أو أثينا ، في مشهد الإفريز الداخلي لمعبد البارثنون في أثينا من إبداع النحات فيدياس .&lt;br/&gt;أما بصدد دلالة التمثال فتمكن الدكتور فوزي رشيد من إعادة إكمال التمثال في ضوء ما ظهر من مشاهد مشابهة على سطوح الأختام الاسطوانية الأكدية ، في دراستهِ المنشورة في مجلة &amp;quot;سومر&amp;quot; للعام 1976 . كما قدَّم قراءة للنص المكتوب على قاعدة التمثال مفادها: &amp;quot;نرام -سين ، الملك القوي ، ملك أكد ، عندما تحالفت ضده جهات العالم الأربع سوية ، استطاع بواسطة محبتهِ مع الإلهة عشتار التي تحبهُ أن ينتصر في تسع معارك في سنة واحدة ، وكبَّل ملوك منطقة شجر الصنوبر&amp;quot; . &lt;br/&gt; فاذا إتفقنا مع اقتراح د . فوزي رشيد الذي هو قريب من الصحة أو لنقل إنه منطقي ، فذلك يعني أن الفكر الأكدي اختزل مفهوم الانتصار الى شكل بطل أسطوري كان يُثبّت &amp;quot;رايات&amp;quot; الجيش الأكدي في الأماكن الجغرافية المختلفة والواسعة التي وصلتها الماكنة الحربية الأكدية . فالفكر الأكدي هنا ، فعَّل خاصية الانتقال من الإشارات المحددة الدلالات الى الرموز المنفتحة المتعددة المدلولات ، والحركة الحرة في الفكر الحضاري . بذلك إنتقل الفكر من التعامل مع المادي الملموس الى صورتهِ الذهنية ، ومن استخدام الاشياء الى استخدام رموزها . فعملية تكوين المفاهيم أحلّت المفهوم محل الأشياء المدركة فأتاحت للإنسان الفرصة لأن يتعامل مع مفاهيم دالة على وفرة من المدلولات .&lt;br/&gt; إن شكل البطل الأكدي الرمزي الذي يروي حيوان الجاموس تارة ويصارع الأسود تارة أخرى ، في مشاهد الأختام الاسطوانية الأكدية ويعلن عن انتصارات الدولة الأكدية هو شكل &amp;quot;هرقلي&amp;quot; بشعر أشعث طويل له ثلاثة حلزونات على جانبي الوجه ولحية مسترسلة عريضة ، ويتمنطق دائماً بحزام ذي أربعة غضون مع نهاية منسابة الى الأسفل . يرتبط بمرجعياتهِ الفكرية بأعمال البطل كلكامش في الحضارة السومرية السابقة ، فقد سعى الفكر الأكدي كذلك في تمثيل شكل بطله الى تحطيم نظام المشابهة والتشخيص مع قالب الجسم البشري ، بقصد تفعيل نظام العلاقة الرمزية بين الشكل ومضمونه ، عبر الانتقال بالشكل من صورته العرضية الى نظامه الأسطوري الذي يبغي اللامحدود في تعبيره الرمزي نحو انفتاح النص الى تغييب محدودية الزمان والمكان نحو المتخيّل . وفي ذلك نوع من التسامي فوق مستوى الواقع لكشف المضمون الباطن للمفاهيم المهيمنة في بنية الفكر الأكدي . &lt;br/&gt;</description>
    </item>
    <item>
      <title>قصة الحضارة &#13;&#13;ول ديورانت</title>
      <link>http://www.syriacstudies.com/AFSS/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A3/Entries/2011/12/14_%D9%82%D8%B5%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B6%D8%A7%D8%B1%D8%A9_%D9%84%D9%88%D9%84_%D8%AF%D9%8A%D9%88%D8%B1%D8%A7%D9%86%D8%AA.html</link>
      <guid isPermaLink="false">35192826-b7c6-446e-a2bb-c123029542c4</guid>
      <pubDate>Wed, 14 Dec 2011 11:33:04 -0500</pubDate>
      <description>قصة الحضارة لول ديورانت&lt;br/&gt;&lt;a href=&quot;mailto:bib_lio_mania@yahoo.com/&quot;&gt;bib_lio_mania@yahoo.com&lt;/a&gt;&lt;br/&gt;</description>
    </item>
    <item>
      <title>بحث في تاريخ السريان وحقوقهم&#13;  عن كتاب &quot; الذات الجريحة &quot;&#13; إشكاليات الهوية في العراق والعالم العربي  &#13; سليم مطر</title>
      <link>http://www.syriacstudies.com/AFSS/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A3/Entries/2011/9/14_%D8%A8%D8%AD%D8%AB_%D9%81%D9%8A_%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE_%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86_%D9%88%D8%AD%D9%82%D9%88%D9%82%D9%87%D9%85_%D8%B9%D9%86_%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8_%22_%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A7%D8%AA_%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B1%D9%8A%D8%AD%D8%A9_%22_%D8%A5%D8%B4%D9%83%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%AA_%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9_%D9%81%D9%8A_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82_%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A_%D8%B3%D9%84%D9%8A%D9%85_%D9%85%D8%B7%D8%B1.html</link>
      <guid isPermaLink="false">fce20f86-28a8-41f4-ab40-070dffe9a373</guid>
      <pubDate>Wed, 14 Sep 2011 10:43:21 -0400</pubDate>
      <description>             البحث :&lt;br/&gt;- من هم السريان&lt;br/&gt;- اللغة السريانية الآرامية&lt;br/&gt;- شمال الرافدين أو أقليم &amp;quot; الجزيرة &amp;quot;&lt;br/&gt;- الأقوام الجبلية ومنطقة الجزيرة&lt;br/&gt;- &amp;quot; تكريد &amp;quot; السريان وشمال الرافدين&lt;br/&gt;- مذابح الإبادة العرقية بحق السريان&lt;br/&gt;- مناطق أكراد الرافدين ( تاريخها الاصلي ) :&lt;br/&gt;                            منطقة كركوك   &lt;br/&gt;                            مدينة أربيل&lt;br/&gt;                            منطقة سنجار واليزيدية&lt;br/&gt;- الوضع الراهن للسريان ومشكلة التسمية الموحدة&lt;br/&gt;- آفاق ومبادئ التعامل مع حقوق السريان&lt;br/&gt;- لمحة عن الكاتب سليم مطر&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;                                                      قضية كردستان الكبرى وحقوق السريان&lt;br/&gt;إن قضية السريان مرتبطة إلى حد كبير بالقضية الكردية بسبب التداخل الجغرافي والتاريخي بين مناطق تواجد السريان وتواجد الأكراد ، أي ذلك التداخل بين منطقة شمال الرافدين ومنطقة كردستان . هذا التداخل يفرض تحليل ومناقشة هاتين القضيتين بآن واحد . مع إدراكنا لصعوبة مثل هذه العملية ومن أجل أن لا نهضم حق هاتين المجموعتين المتمايزتين اللتين عانتا الاضطهاد والتشرد منذ القدم وحتى الآن ، يتوجب تفصيل بعض الجوانب التاريخية المتعلقة بهذه المسألة الحساسة .&lt;br/&gt; من هم السريان&lt;br/&gt;  الحديث عن السريان يرتبط بالحديث عن تاريخ منطقة الهلال الخصيب التي تمتد من خليج البصرة حتى غزة عند حدود سيناء . فمنذ الألف الأول قبل الميلاد بدأت تسود المنطقة لهجة سامية جديدة سُميتْ بـ &amp;quot; الآرامية &amp;quot; نسبة إلى قبائل شمال الرافدين القاطنة في المناطق المرتفعة . يُعتقد أن اسم &amp;quot; الآراميين &amp;quot; هذه مشتق من &amp;quot; أور رمثا &amp;quot; أي الأرض المرتفعة . مثلما أطلق على سكان الصحراء وبادية الشام اسم &amp;quot; عرب &amp;quot; أي سكان &amp;quot; عربا أو غربا &amp;quot;وهي الصحراء التي تقع &amp;quot; غرب الفرات ومنطقة &amp;quot; غروب &amp;quot; الشمس بالنسبة لسكان بلاد الرافدين .&lt;br/&gt;مثّلت اللغة الآرامية خلاصة جميع اللغات السامية السابقة من بابلية وآشورية وكنعانية وغيرها ، لهذا فإنها تمكنت أن تسود &amp;quot; المشرق &amp;quot; وأصبحتْ لغة الثقافة الأولى ، وصار جميع سكان المنطقة يُسمون بالآراميين ( مثلما فعلت اللغة العربية فيما بعد بتمثيلها جميع اللغات والحضارات السامية السابقة وصار جميع الناطقين بها يتسمون عرباً ) . لقد فرضتْ اللغة الآرامية ثقافتها وأبجديتها الكنعانية &amp;quot; الفينيقية &amp;quot; حتى على الإمبراطوريات الإيرانية والإغريقية التي بدأت تنبثق بعد القرن الخامس قبل الميلاد . ثم أنها كانت لغة السيد المسيح والمسيحيين الأوائل ، علماً أن اللغة العبرية تعتبر بالحقيقة لهجة آرامية - كنعانية .&lt;br/&gt;بعد القرن الأول الميلادي تحولتْ منطقة الرها ونصيبين في شمال الرافدين ( خاضعة حالياً لتركيا ) إلى مركز ثقافي وروحي لنشر المسيحية . يبدو أن لهجة هذه المنطقة الآرامية تمكنتْ من فرض نفسها على اللغة الأم ( مثلما تمكنت فيما بعد لهجة قريش أن تُصبح هي اللغة العربية الفصحى بفضل القرآن والإسلام ) . إذن تمكنت لهجة الرها ونصيبين هذه من فرض نفسها وصارتْ تُعرف بـ &amp;quot; اللغة السريانية &amp;quot; . إن هذه التسمية اشتقتْ من &amp;quot; آشوريا &amp;quot; نسبة إلى الدولة الآشورية التي كانت سائدة سابقاً في المنطقة . &lt;br/&gt;وعندما آتى الإغريق أطلقوا على هذه اللغة تسمية &amp;quot; سريانيا &amp;quot; وكذلك أطلقوا على جميع منطقة المشرق     تسمية &amp;quot; سوريا &amp;quot; بما فيها القسم الشرقي منها الذي سُمي أيضاً بـ &amp;quot; ميزوبوتاميا - بين النهرين أو الرافدين &amp;quot; علماً أن دولة الآشوريين قد سقطتْ عام 612 ق . م وكانت عاصمتهم نينوى ( شمال الرافدين ) ، وهم مزيج من القبائل السامية القاطنة منذ القدم في المنطقة ، وتسموا بالآشوريين نسبة إلى مدينتهم المقدسة &amp;quot; آشور &amp;quot; مقر &amp;quot; إله الثور المجنح &amp;quot; رمز القوة والخصب ، وعاصمتهم &amp;quot; نينوى &amp;quot; وهي الموصل حالياً .إن هذه اللغة السريانية قد حلت محل الآرامية وصارت اللغة الفصحى لجميع الكنائس المسيحية والمانوية البابلية في جميع منطقة المشرق من خليج بصرة حتى سيناء بل إن هذه اللغة أيضاً كانت لغة القبائل العربية التي اعتنقت المسيحية واستقرت في &amp;quot; الحيرة - أي الحارة &amp;quot; قرب الكوفة . وفي الحضر وبصرى وتدمر ، ثم أنها كانت لغة كنيسة نجران في جنوب الجزيرة العربية ، وكذلك انتشرت في منطقة الخليج المعرفة بـ &amp;quot; البحرين - وقطرايا &amp;quot; أي قطر الحالية . وتمكنتْ هذه اللغة أن تصبح لغة الثقافة الأولى في الإمبراطورية الإيرانية الساسانية ومنحت أبجديتها إلى اللغة البهلوية الإيرانية .&lt;br/&gt;إن الثقافة السريانية انتشرت مع انتشار النسطورية والمانوية البابلية في الكثير من مناطق آسيا حتى حدود الصين ، ولا زالت حتى الآن بقايا الطائفة النسطورية في الهند ، ولا زال مسيحيو الصيت محتفظين بوثائقهم الدينية السريانية . &lt;br/&gt;لقد اشتق التركمان كتابتهم الأولى &amp;quot; الأغورية &amp;quot; من السريانية بفضل المبشرين المسيحيين والمانويين ، ويُعتقد أن السبب الأول لتعلق القبائل التركمانية و( المغولية ) بالقدوم إلى منطقة المشرق وأرض الرافدين يرجع إلى علاقتهم القديمة وتأثرهم بالثقافة السريانية &amp;quot; النسطورية والمانوية &amp;quot; وهذا أيضاً يُفسر سهولة انتشار الإسلام فيما بعد بين تلك الشعوب.&lt;br/&gt;بعد الفتح العربي الإسلامي ، أخذ السكان السريان يتخلون بالتدريج عن مسيحيتهم ويعتنقون الإسلام ويمتزجون بالقبائل العربية الفاتحة ويحملون أسمائها ويتبنون لغتها ، خصوصاً أن القرابة العرقية بين العرب والسريان لعبت دوراً أساسياً في تسهيل هذه العملية وكانت عملية الأسلمة والتعريب تحدث أولاً في المدن والحواضر بينما بقيت الكثير من أرياف العراق والشام على &amp;quot; نبطيتها &amp;quot; حتى العصر العثماني . وشكلت المناطق المرتفعة وشبه الجبلية مانعاً طبيعياً أمام الإسلام والتعريب ، فتحولت هذه الموانع إلى ملجأ للسريان والقبائل العربية المسيحية والشيعية والخارجية المتمردة على مراكز الخلافة في دمشق وبغداد : جبال لبنان والعلوية والدرزية وغيرها ، لكن أكثر المناطق التي تمكن فيها السريان من الحفاظ على مسيحيتهم ، هي منطقة &amp;quot; شمال الرافدين - أي الجزيرة &amp;quot; بسبب طبيعتها شبهة الجبلية&lt;br/&gt;ومحاذاتها للمناطق الجبلية من كردستان وأرمينيا وطوروس &amp;quot; الأناضول &amp;quot; . &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;رغم انتشار العربية فإن السريانية بقيتْ نشيطة في المشرق حتى القرن الثالث عشر . وازدهرت خصوصاً في العصر العباسي ، لكن شعلتها بدأتْ تنطفئ بعد الغزو المغولي للعراق والمشرق وسقوط بغداد ثم قضي عليها تقريباً في الفترة العثمانية ، رغم بقائها حية في بعض كنائس المشرق وكذلك في الكثير من مناطق الرافدين وبلدان الشام . &lt;br/&gt;بدأتْ نهضة جديدة للثقافة السريانية في أواخر القرن الماضي ومن معالمها صدور الصحف الناطقة بالسريانية والعربية ، وبواكيرها الأولى صحيفة &amp;quot; مرشد الآشوريين &amp;quot; وصدرت في الجزيرة عام 1908 ، ثم صحيفة &amp;quot; كوكب الشرق &amp;quot; عام 1910 في ديار بكر للمناضل المعروف نعوم فائق . ولا زال الاهتمام بهذه اللغة ينمو ويجذب الكثير من المؤسسات الرسمية والعلمية العربية والأجنبية .&lt;br/&gt;  شمال الرافدين أو أقليم &amp;quot; الجزيرة &amp;quot; &lt;br/&gt;لقد كانت &amp;quot; الجزيرة - شمال الرافدين &amp;quot; منذ القدم مقطونة بالقبائل السامية ومقراً للدولة الآشورية . خلال القرون الأولى للإسلام ظلت هذه المنطقة بغالبيتها سريانية وعربية ، قبل أن تصبح بغالبية كردية في القرون المتأخرة . إن تركيزنا على منطقة &amp;quot; الجزيرة &amp;quot; يبتغي تبيان حقيقة الانتماء التاريخي والطبيعي لهذه المنطقة ، ومضمون الطروحات القومية الكردية التي تعتبر معظم هذه المنطقة جزءاً من &amp;quot; كردستان الكبرى &amp;quot; .&lt;br/&gt;لقد قسّم العرب منطقة &amp;quot; المشرق &amp;quot; إلى ثلاثة أقاليم متداخلة ومتغيرة التبعية والحدود حسب الظروف : أقليم الشام ، ويضم عموماً جميع بلدان الشام الحالية . أقليم السواد ، وهو الجزء الأسفل من الرافدين ابتداء من بغداد و الأنبار حتى خليج البصرة . ثم أقليم &amp;quot; الجزيرة &amp;quot; ويضم جميع شمال الرافدين من تكريت وسامراء جنوباً حتى حدود جبال أرمينيا وطوروس شمالاً . يبدو أن تسمية &amp;quot; الجزيرة &amp;quot; هي تعريب لكلمة &amp;quot; بين النهرين &amp;quot; لأنها محاطة بدجلة والفرات . وكان يُطلق عليه أحياناً &amp;quot; أقليم آقور أو آثور &amp;quot; وهو اللفظ العربي لـ &amp;quot; آشور &amp;quot; حسب ياقوت الحموي . &lt;br/&gt;إن أقليم الجزيرة هذا كان يضم ثلاثة مناطق ، سُميتْ بحسب القبائل العربية التي فرضت سيطرتها على المنطقة منذ ما قبل الإسلام ، والكثير من هؤلاء العرب اعتنقوا المسيحية ونطقوا السريانية : ديار ربيعة في الجزء الجنوبي وتشتمل على شمال العراق الحالي من تكريت وسامراء والأنبار حتى سنجار والموصل ، ديار مضر في الوسط وتشتمل على الرها والرقة ورأس العين ومركزها حران ، ثم ديار بكر التي تشتمل على ميافاقين وملطية وجزيرة ابن عمر ومركزها آمد &amp;quot; دياربكر&amp;quot; .&lt;br/&gt;ظلت منطقة الجزيرة عموماً مرتبطة بدمشق في زمن الأمويين وكذلك العباسيين ، وكانت مدينة الموصل هي عاصمة الجزيرة في أغلب الأوقات . وكانت هذه المنطقة مركزاً للثورات الشيعية والخارجية ضد الخلافة في دمشق وبغداد . وفي زمن آخر الخلفاء الأمويين مروان الثاني ، انتقلتْ عاصمة الخلافة من دمشق إلى الجزيرة ( مدينة حران المعروفة والتابعة لتركيا حالياً ) وكانت الجزيرة أيضاً ساحة للمنافسة بين القيسيين وبنو تغلب الذين أسسوا الدولة الحمدانية الشيعية في الموصل وحلب . ظلت هذه المنطقة ساحة للصراع بين الدول والإمارات المتنافسة في المنطقة : عباسيين وفاطميين وبويهيين وسلاجقة واتابكة ومغول وتركمان وأكراد وإيرانيين وعثمانيين.&lt;br/&gt;خلال العصر العثماني ، كان الجزء الجنوبي من الجزيرة &amp;quot; ديار ربيعة &amp;quot; الذي يشمل كل المحافظات الشمالية العراقية الحالية باسم &amp;quot; ولاية الموصل &amp;quot; جزءاً من العراق المقسم إلى ثلاثة ولايات : بغداد والموصل والبصرة . بعد نهاية الحرب العالمية وسقوط الدولة العثمانية ، انقسمت منطقة الجزيرة إلى ثلاثة مناطق تابعة كل منها لدولة : &lt;br/&gt;1- الجزء الجنوبي : أي ولاية الموصل ( كل شمال العراق ) وتبعت العراق . &lt;br/&gt;2- الجزء الوسط : أي محافظات الحسكة والرقة وأقسام من حلب ودير الزور ، وقد تبعت سوريا . &lt;br/&gt;3- الجزء الشمالي : وهي مقاطعات ماردين وديار بكر والرها ، ولقد اقتطعتها فرنسا من سوريا ومنحتها إلى تركيا بعد الحرب العالمية الأولى&lt;br/&gt;- الأقوام الجبلية ومنطقة الجزيرة : &lt;br/&gt;إن منطقة الجزيرة هذه كانت منذ القدم عرضة لإنسياح القبائل القاطنة في المناطق الجبلية المجاورة : جبال زاغروس  من الشرق وجبال أرمينيا وطوروس من الشمال .الحقيقة أن بلاد الرافدين بأجمعها كانت على مر التاريخ عرضة لانسياح القبائل القاطنة في المناطق الجبلية من الشرق والشمال . تاريخ سومر وبابل وآشور شهد مرت عديدة مثل هذه الحالات ، حيث سيطر سكان الجبال لعدة قرون متقطعة على الرافدين : عيلاميون ، غوتيون ، كوشيون ، حوريون ، حيثيون ، ومختلف الأقوام الإيرانية ، بالإضافة إلى الأقوام القادمة من تركستان في وسط آسيا ، يعتقد علماء التاريخ أن بعضاً من هذه الأقوام الجبلية هم من أشراف الأكراد الحاليين ، ربما الكوشيون الذين كونوا سلالة بابلية معروفة خلال أربعة قرون ( 1570 - 1158 ق م ) . كذلك &amp;quot; الحوريون - الميتانيون &amp;quot; الذين سيطرو على شمال الرافدين لأكثر من قرن بين ( 1300 - 1200 ق . م ) ولكن في جميع هذه الحالات كان هؤلاء الجبليين من أسلاف الأكراد والإيرانيين والتركمان وغيرهم ، رغم سيطرتهم السياسية فإنهم سرعان ما كانوا يذوبون بسكان الرافدين والمشرق الأصليين ويتبنون اللغة والحضارة السامية السائدة .&lt;br/&gt;لقد استمرت هذه الاجتياحات ( الجبلية والآسيوية ) حتى بعد الإسلام والقرون الحديثة ، فكانت انسياحات شعوب الهضبة الإيرانية وأكراد جبال زاغروس ثم أتراك ومغول آسيا الوسطى وصولاً إلى العثمانيين الذين سيطروا على المنطقة حتى الحرب العالمية الأولى .&lt;br/&gt;إن منطقة الجزيرة &amp;quot; شمال الرافدين &amp;quot; تعرضت أكثر من الجزء الجنوبي لإنسياح القبائل الجبلية ، يعود هذا الأمر إلى أن هذه المنطقة محاطة بالجبال من جانبين : من الشرق حيث جبال زاغاروس  والأذربيجانية ومن الشمال حيث جبال أرمينيا وطوروس الأناضول . بالإضافة إلى أن منابع دجلة والفرات والأنهار التي تصب فيها تأتي من هذه الجبال ، وهذا الأمر ساعد دوماً قبائل الرعاة الجبلية على الانحدار السهل نحو المراعي وادي الرافدين وأراضيه الخصبة . &lt;br/&gt;لقد أدرك العرب ( الأمويون والعباسيون ) خطورة هذه المنطقة الجبلية على أمن الرافدين ، لذلك جعلوها أقليماً مستقلاً ولكن تابعاً للعراق باسم &amp;quot; أقليم الجبال &amp;quot; &lt;br/&gt;أولاً العراق الأعجمي &amp;quot; .&lt;br/&gt;- &amp;quot; تكريد &amp;quot; السريان وشمال الرافدين : &lt;br/&gt;إن بقاء سريان منطقة الجزيرة على مسيحيتهم جعلهم عرضة سهلة لاكتساحات القبائل التركية والكردية المنحدرة من آسيا ومن الجبال المجاورة . ثم ان العامل المهم الذي شجع على التوسع التركي والكردي في منطقة الجزيرة هو ضعف العنصر السامي - العربي في القرون الآخيرة . بعد الاجتياح المغولي - التركي للمنقطة وسقوط بغداد والخلافة العباسية وفقدان العرب للقيادة السياسية فإن القبائل العربية البدوية والعناصر العربية المستقرة قد فقدت عنفوانها التاريخي التوسعي السابق . ثم أن نشوء المدن والحواضر والمراكز العسكرية العثمانية في العراق والشام قد لعبتْ دوراً في عزل منطقة الجزيرة عن بادية الشام وجزيرة العرب وإيقاف الموجات القبائلية العربية . هذا الأمر أدى إلى ضعف المجاميع السريانية والعربية المستقرة في الجزيرة . ثم إلى غلبة المجاميع الكردية والتركية ، وبالتالي &amp;quot; تكريد &amp;quot; و &amp;quot; تتريك &amp;quot; الكثير من المجاميع العربية والسريانية المستقرة سابقاً .&lt;br/&gt; - مذابح الإبادة العرقية بحق السريان :&lt;br/&gt;قبل الحديث عن المذابح وعلميات الاضطهاد التي قام بها &amp;quot; الآغاوات - الشيوخ &amp;quot; الأكراد ضد السريان ، يجب التأكيد قبل كل شيء على أن هذه المذابح لم يقم بها الشعب الكردي الذي يشهد له التاريخ بدور كبير في حماية المسيحيين والتجاور معهم وحتى استقبالهم وحمايتهم في مناطق كردية مثل جبال حكاري وشهرزور وغيرها . إن هذه المذابح قام بها الشيوخ الأكراد المدفوعون من قبل السلطات العسكرية العثمانية ولأسباب سياسية وتعصبية بحجة تعامل المسيحيين الأرمن والسريان مع الدولة الروسية والعملاء الانكليز . بل أنه حتى البعثات التبشيرية المسيحية الغربية كانت تلعب دوراً برفع بعض الأغوات الأكراد لاضطهاد النساطرة واليزيدين لإجبارهم على اعتناق الكاثوليكية . ويمكن كذلك ذكر دور الحركة الصهيونية والقوى الغربية التي جهدتْ على تشجيع عملية التفتت القومي والطائفي للمنطقة من أجل التمهيد للمشاريع الاستعمارية والصهيونية المعروفة .&lt;br/&gt;لقد اعتمدت الدولة العثمانية كثيراً على المحاربين والأغوات الأكراد من أجل حماية شرق الأناضول ومنطقة الجزيرة من الخطرين الإيراني والروسي ، لقد كوّن السلطان عبد الحميد في أواخر القرن التاسع عشر فرق حربية شبيهة بفرق القوزاق الروسية ، وتتكون هذه الفرق العثمانية أساساً من الأكراد وسُميتْ بالفرق &amp;quot; الحميدية &amp;quot; . لقد قامتْ هذه الفرق ومعها الأغوات بدور كبير في طرد السريان من مناطقهم في الجزيرة ( كذلك الأرمن في أرمينيا ) وارتكاب مذابح كثيرة معروفة ضدهم وإجبارهم على الرحيل أو التحول إلى مسلمين أكراد .&lt;br/&gt;لقد عانى سريان شمال الرافدين من سبع مذابح كبرى خلال العصر العثماني وحتى الحرب العالمية الأولى . مثلاً ، بين عامي 1843 - 1847 قام الأمير الكردي بدرخان بإبادة ما يقرب 10 آلاف من سريان منقطة هكاري والباقون اضطروا للهرب أو اعتناق الإسلام . زمن السلطان عبد الحميد 1895 جرتْ مذابح ضد الأرمن وكذلك السريان كلفتهم ما يقرب 5 آلاف قتيل في ماردين والرها وتشريد آلاف العوائل . في عام 1809 بدفع من حركة تركيا الفتاة جرت مذابح ضد السريان في ادنا ( شمال سوريا ) كلفت أكثر من 800 قتيل وآلاف المشردين . أما أعنف المذابح وأقساها فهي مذبحة ( 1914 - 1919 ) التي ذهب ضحيتها أكثر من 300 ألف سرياني وتشريد أكثر من 100 ألف من مناطقهم ، حسب الوثيقة التي وجهتها اللجنة الوطنية الآشورية لعصبة الأمم المتحدة عام 1919 ، وشملتْ هذه المذابح أيضاً ما يقارب المليون أرمني . بين عامي 1924 - 1926 تم طرد جميع سريان طور عبدين وماردين إلى سوريا والعراق . &lt;br/&gt;يمكن إيراد مثل واحد على مدى قوة عملية &amp;quot; التكريد &amp;quot; التي حصلتْ في المنطقة : مدينة &amp;quot; ديار بكر ، شمال الجزيرة &amp;quot; التي تعتبر ضمن كردستان تركيا وهي مدينة كردية خالصة حالياً حتى أواخر القرن الماضي ، تتكون من 35 ألف نسمى منهم 4130 كردياً فقط و أكثر من 13 ألف سريانياً ( حسب دائرة المعارف الإسلامية ) , علماً أن هذه المذابح وعمليات &amp;quot; التكريد &amp;quot; ظلتْ مستمرة حتى من قبل الحكومات العراقية التي شجّعتْ على تهجير الكثير من سكان القرى والمناطق السريانية إلى الموصل وبغداد والخارج . ولا زالت حتى الآن تمارس عملية &amp;quot; التكريد &amp;quot; هذه في شمال العراق مع السلطة الكردية الحالية . وكذلك اعتداءات حزب العمال الكردستاني على بقايا السريان في &amp;quot; الجزيرة &amp;quot; جنوب تركيا .&lt;br/&gt;- مناطق أكراد الرافدين : &lt;br/&gt;إن هذه الوقائع وتاريخ منطقة شمال الرافدين تؤكد أن أكراد العراق وعموم منطقة الجزيرة ، رغم تمايزهم اللغوي ، فإنهم بكل يقين ممتزجين عرقياً وحضارياً بأحفاد حضارات الرافدين : إن مراجعة تاريخ المناطق العراقية التي يقطنها حالياً غالبية كردية تكشف أن هؤلاء الأكراد ما هم إلا من نسل تلك القبائل والمجاميع السامية السريانية العربية التي امتزجتْ وتزاوجتْ وذابت بالعنصر الكردي الغالب خلال حقب التاريخ البعيد والقريب .&lt;br/&gt;هنا تاريخ بعض المناطق التي تكشف عن هذه الحالة : &lt;br/&gt;منطقة كركوك :&lt;br/&gt;منذ القدم كانت هذه المنطقة جزءاً من بلاد الرافدين . أقدم ذكر ورد لها باسم &amp;quot; أربخا &amp;quot; في التقويم الجغرافي الشهير عن ممتلكات الملك سرجون الأكدي ( 2530 - 2473 ق . م ) &lt;br/&gt;هناك من يعتقد أن اسم &amp;quot; كركوك &amp;quot; أتى من السومري بمعنى العمل العظيم ( كار - عمل ، كرك عظيم ) .&lt;br/&gt;يبدأ تاريخ مدينة كركوك مع انبثاق &amp;quot; النار الأزلية &amp;quot; عام 550 ق . م في العهد الكلداني . من المعروف أن هذه النار ، التي لا زالت حتى يومنا هذا ، في &amp;quot; بابار كركر &amp;quot; تتشكل من الغازات النفطية المنبعثة من باطن الأرض. منذ ذلك التاريخ بُنيتْ المدينة تقديساً لهذه النار ، وقريباً من الماء والكلأ المنتشر في المنطقة . وتحولتْ إلى مركز لعبادة الإله &amp;quot; حدد &amp;quot; السامي . &lt;br/&gt;بعد إحتلال الإسكندر المقدوني للرافدين عام 331 ق . م تحولتْ المنطقة إلى مركز لنشاط القائد الإغريقي سلوقوس الذي بنى فيها منطقة عسكرية سُميتْ &amp;quot; كرخ سلوقايا &amp;quot; أي قلعة السلوقيين ومنها ربما أتى اسم &amp;quot; كركوك &amp;quot; &lt;br/&gt;في العصر الإيراني الساساني ، تحولتْ كركوك إلى مركزرئيسي للمسيحية النسطورية السريانية التي انتشرتْ في بلاد الرافدين قادمة من سوريا . وأطلق على أسقفية كركوك اسم &amp;quot; بيت جرماي &amp;quot; وقام الأباطرة الساساني mk بعد مذابح شهيرة ضد النساطرة وأشرسها في القرن الرابع الميلادي ، راح ضحيتها عدة آلاف من السكان . في القرن السادس تمكن &amp;quot; يزيدن &amp;quot; أحد القادة السريان أن يكون أميراً على المدينة حتى سُميت باسمه &amp;quot; كرخايزدن &amp;quot; .&lt;br/&gt;في كركوك بُنيتْ واحدة من أقدم الكنائس في التاريخ عام 470 م ، وظلتْ هذه الكنيسة حتى فجّرها الأتراك بعد انسحابهم عام 1918 ويُعتقد أن جامع النبي دانيال المعروف في المنطقة قد أقيم محل كنيسة نسطورية قديمة ظلتْ قائمة حتى عام 1700 م .&lt;br/&gt;بعد تكوين ولاية الموصل عام 1879 تبعت كركوك هذه الولاية . عام 1918 فصلت كركوك 3 أقضية لتكوين لواء أربيل . أما بالنسبة للتركمان القاطنين في المنطقة فهم من بقايا عدة مجاميع بدأتْ تستقر منذ القرن الثامن قبل الميلاد واستمر مع السلاجقة والأتابكة والعثمانيين ، وقد امتزجوا بالسكان السريان والعرب وحملوا ميراثهم الحضاري رغم تمايزهم اللغوي .&lt;br/&gt;يبلغ عدد سكان كركوك حالياً النصف مليون تقريباً بنسب عددية شبه متقاربة من الأكراد والتركمان مع نسبة أكبر من العرب تزداد مع الأعوام بحكم سياسة التعريب التي اتبعتها الحكومات العراقية بالإضافة إلى بضعة آلاف من السريان و الكلدان و النساطرة . &lt;br/&gt;- مدينة أربيل :&lt;br/&gt;تقع أربيل في السهول الزراعية بين الزابين الأعلى والأسفل اللذان يصبان في نهر دجلة . تعتبر من أقدم المدن الحية في العالم . عُثِرَ في طرفها الجنوبي على تجمعات سكنية تعود إلى العهد الآشوري . قلعة أربيل المعروفة تمثل الجزء التاريخي من المدينة وتقوم على سبعة &lt;br/&gt;تجمعات سكنية مدثورة منذ العهد السومري . يرد اسم أربيل في المنحوتات السومرية باسم &amp;quot; أوربيلم &amp;quot; ، وفي الوثائق البابلية والآشورية &amp;quot; أربعيلو &amp;quot; أي الآلهات الأربعة . كانت أربيل العاصمة الدينية للدولة الآشورية ، وقد أنشا الملك الآشوري &amp;quot; سنحاريب 705 - 681 ق . م &amp;quot;  أول مشروع مائي ، لا زالت آثاره واضحة حتى الآن ، ضمنها لوحة حجرية صغيرة تضم كتابات آشورية يذكر فيها سنحاريب أنه أنجز المشروع من أجل إيصال الماء إلى مدينة عشتار . &lt;br/&gt;اشتهرت &amp;quot; أربيل &amp;quot; بمعركة &amp;quot; كومل &amp;quot; التي جرت بين الأغريق بقيادة الأسكندر المقدوني والإيرانيين بقيادة داريوش ( داريوس ) عام 331 ق . م والتي انتهت بسيطرة الأغريق التامة على بلاد الرافدين وعموم المنطقة . منذ القرن الأول الميلادي بدأتْ المسيحية تنتشر في الرافدين وتمركزتْ في أربيل التي تحولت إلى مقر  لأسقفية نسطورية مثل كركوك . وفي زمن الساسانيين تعرض المسيحيون فيها إلى مذابح معروفة ، حتى أن حاكمها الفارسي &amp;quot; قرداخ &amp;quot; قد تم إعدامه عام 358 م بسبب تخليه عن المجوسية واعتناقه المسيحية . &lt;br/&gt;مسجد قلعة أربيل كان في الأصل معبداً لتقديس الآلهة عشتار ، ثم تحول إلى معبد لتقديس النيران بعد سيطرة الإيرانيين على الرافدين ، ثم تحول إلى كنيسة سريانية في القرن الثالث الميلادي ، وأخيراً إلى مسجد بعد دخول الجيش الإسلامي عام 16 هجرية .&lt;br/&gt;المؤرخون العرب يذكرون أربيل على أنها مركز أقليم حلوان التابع للعراق ، اشتهرت أيضاً بأخر معركة جرتْ بين الجيش العباسي والجيش الأموي وانتهت بمقتل الخليفة الأموي مروان بن محمد . لعبت هذه المدينة دوراً رئيسياً في زمن الدولة الأتابكية الكردية التركمانية ، التي سيطرت على معظم منطقة الجزيرة بين تكريت وسنجار وحران . &lt;br/&gt;حتى العصر المعولي كان السريان المسيحيون هم الغالبية في المدينة رغم سيطرة الأمراء الأكراد والتركمان . في ظل المغول عام 1261 تمكن أحد السريان &amp;quot; تاج الدين المكتاس &amp;quot; أن يصبح حاكماً على المدينة ، وساعد على نشر المسيحية اليعقوبية وبناء كنيسة وأسقفية خاصة بها . في عام 1294 قام المغول بعمليات اضطهاد ومذابح ضد السريان وهدموا ثلاثة كنائس . وفي عام 1309 قام المغول بمذابح جديدة ضد السريان وهدموا وحرقوا معظم كنائسهم . منذ ذلك الوقت فقد السريان حضورهم في أربيل وتحولتْ إلى مدينة كردية مع بعض الأقليات السريانية والتركمانية . بقيت أربيل في زمن العثمانيين جزءاً من كركوك وتابعة لبغداد ، في عام 1892 كان عدد سكان المدينة لا يتجاوز 3200 بينهم 457 يهودي . أما الآن فإن عدد سكان محافظة أربيل يقرب النصف مليون أغلبهم من الأكراد مع نسب مهمة من السريان والتركمان .&lt;br/&gt; - منطقة سنجار واليزيدية : &lt;br/&gt;إن الحديث عن سنجار يعني الحديث عن &amp;quot; اليزيديين &amp;quot; المحسوبين على الأكراد ، أن يُحتسب &amp;quot; اليزيديون &amp;quot; على الأكراد أمر ليس مهماً ما داموا يقطنون في منطقة عراقية وعاشوا تاريخ الرافدين وورثوا حضارة هذه البلاد من خلال دينهم الذي يُعتبر ديناً رافدياً خالصاً مع تأثيرات &amp;quot; كردية عراقية &amp;quot; واضحة . &lt;br/&gt;عدد اليزيدين يبلغ أكثر من مئة ألف في العراق ، 85 % منهم يقطنون في جبل سنجار في وسط منطقة الجزيرة غرب الموصل ، والباقون في قريتي &amp;quot; الشيخان &amp;quot; و &amp;quot; باعذرى &amp;quot; شرق الموصل . بعض اليزيدية موجودون أيضاً في سوريا وفي أرمينيا . معظم المؤرخين والباحثين اعتبروهم من الأكراد ، لكن بالحقيقة هم &amp;quot; عراقيون &amp;quot; بكل معنى الكلمة .&lt;br/&gt;بصورة أدق أنهم يملثون أفضل نموذج للجماعات العراقية السريانية التي تم تكريدها في القرون الأخيرة بحكم السيطرة الكردية على المنطقة والتزاوج القبائلي والثقافي الذي تم مع الجماعات الكردية النازحة . &lt;br/&gt;يشبهون في وضعهم هذا بعض القبائل العربية - الكردية الموجودة في العراق ، مثل بعض أفخاذ الجبور وربيعة والبيات وغيرهم . إنهم يحملون الثقافتين والإنتمائين العربي - الكردي بآن واحد . يتكلم اليزيديون العربية والكردية ويرتدون الأزياء الرجالية العربية السريانية والأزياء النسائية الكردية . لهم كتابان مقدسان أحدهما بالعربي كتاب &amp;quot; الجلوة &amp;quot; يعود إلى المتصوف الشامي &amp;quot; عدي بن مسافر &amp;quot; وكتاب حديث يُعتقد أنه مكتوب بالكردي &amp;quot; مصحف رش &amp;quot; أي &amp;quot; الكتاب الأسود &amp;quot; . يعتقدون بأن اسمهم &amp;quot; اليزيدية &amp;quot; يعود إلى يزيد بن معاوية الخليفة الأموي الذي تم تقديسه بعد سقوط الدولة الأمور كرد فعل على تقديس علي من قِبل العلوية والشيعة المجاورن لهم . ثم أنهم يقدسون فقيه عربي عراقي معروف هو الحسن البصري ، إن سلالة جميع شيوخ اليزيدية يجب أن يكونوا منحدرين من هذين الأمامين &amp;quot; عدي بن مسافر والحسن البصري &amp;quot; .&lt;br/&gt;من دلائل أصالتهم السريانية ، مثلاً أنهم في سنجار يقدسون دير &amp;quot; مار عدي &amp;quot; (مار أدي) أحد حواري السيد المسيح ، ويحتفظون فيه بأقدم مكتبة كلدانية مكتوبة على رق الغزال باعتبارها مكتبتهم المقدسة . &lt;br/&gt;من ناحية تكوينهم الديني فإن المؤرخين والفقهاء لم يحسموا قضية انتماء اليزيدية للإسلام أم لا ، لقد أسيء فهم الفكرة السائدة عنهم بأنهم يعبدون الشيطان : إنهم يهابون &amp;quot; الملاك طاووس &amp;quot; رمز قوة الشر ( الشيطان ) لا حباً به ولكن تجنباً لشره .&lt;br/&gt;يشبهون معظم الطوائف &amp;quot; الغالية &amp;quot; التي حاولت أن تغطي معتقداتها السامية الأصلية بتلاوين مسيحية وإسلامية ، مثلما فعلت العلوية والدرزية والأسماعيلية والشبكية وغيرهم . &lt;br/&gt;إن اليزيدية تمثل خلاصة الدين البابلي القديم القائم على تقديس الكواكب السبعة المعروفة ، والذي تأثر واضطر لتقبل المعتقدات السامية الجديدة التي انبثقتْ في المنطقة بعد سقوط بابل : المسيحية&lt;br/&gt;ثم المانوية البابلية ثم الإسلام . أي أن اليزيدية هم من بقايا المجاميع السامية السريانية التي فرض عليها التاريخ للحفاظ على دينها الأصلي ، أن تتقبل بعضاً من معتقدات الأديان الجديدة ، بل إن ديناميكية اليزيدية اضطرت كذلك لتقبل ثقافات الأقوام الجديدة التي فرضت نفسها على المنطقة ، أي ثقافة العنصر العربي أولاً ثم ثقافة العنصر الكردي الذي هيمن في القرون الأخيرة.&lt;br/&gt;تاريخ اليزيدية عموماً مجهول ولم يتم الاهتمام به إلا في القرن السابق ، وهذا يعود أساساً إلى تكتم اليزيدية ومحاولة ابتعادهم عن إثارة الطوائف الإسلامية والمسيحية المحيطة بهم . رغم هذا فإنهم تعرضوا لحقبات من الاضطهاد والمذابح المعروفة خصوصاً في زمن الدولة العثمانية . في القرن التاسع عشر قام العثمانيون بإبادة يزديي جزيرة ابن عمر في منطقة الجزيرة وكذلك تم ذبح الآلاف في جبل سنجار لإجبارهم على التخلي عن دينهم . &lt;br/&gt;في عام 1847 حاولتْ الحكومة العثمانية إجبارهم على الخدمة العسكرية باعتبارهم طائفة إسلامية ، وبعد مذابح كثيرة اضطر الكثير منهم للجوء للكنائس وإعلان مسيحيتهم للتخلص من الاضطهاد . وتكررت المذابح كذلك في عام 1872 لنفس السبب . حاولت البعثات التبشيرية الأوروبية كسبهم إلى المسيحية دون أن تحقق نجاحاً ملحوظاً . يبدوا أنهم قد لعبوا دوراً مميزاً بالتحالف مع السريان في ضم الموصل إلى العراق في عام 1925 .&lt;br/&gt;رغم ديمومة اللغة الكردية ( مع العربية ) في بعض نواحي اليزيدية فإن هناك شعوراً متنامياً لديهم بأصولهم السريانية الرافدية . في عام 1919 اشتركوا مع الآشوريين بوفد موّحد بقيادة الجنرال أغا بطرس في مؤتمر السلام في باريس للمطالبة بحقوقهم . لقد نشرت صحيفة الشرق الأوسط في 24 - 2 - 1993 برقية شيخ اليزيدية الأمير معاوية يقول فيها : &amp;quot; أنه ليس لمسعود البرزاني ولا جلال الطالباني - القادة الأكراد - الحق بالإدعاء بأنهما يمثلان اليزيديين والآشوريين &amp;quot; . ثم نشرتْ مجلة &amp;quot; حويودو - الوحدة &amp;quot; السريانية ( عدد 43 - 1994 ) بياناً للأمير معاوية يتحدث فيه عن : &amp;quot; نبتة أجدادنا أيام الإمبراطورية الآشورية .... إننا فهمنا تاريخنا بأننا والآشوريين من أصل واحد .... &amp;quot;&lt;br/&gt;[لوضع الراهن للسريان ومشكلة التسمية الموحدة : &lt;br/&gt;إن الحركات السياسية المدافعة عن حقوق الجماعات السريانية تعاني من مشكلة تبدو ثانوية ولكنها في الممارسة معقدة وتثير بعض الإشكاليات والحساسيات بين مختلف الاتجاهات السياسية والفكرية ، ونعني بهذا &amp;quot; مشكلة التسمية الموحدة &amp;quot; . &lt;br/&gt;المطلع على أدبيات هذه الحركات يكتشف مدى عمق هذه المشكلة ، فالبعض يقول &amp;quot; السريان &amp;quot; والبعض الآخر يقول &amp;quot; آشوريون &amp;quot; وآخرون &amp;quot; أثوريون &amp;quot; وهناك من يقول &amp;quot; الكلدان &amp;quot; ، ثم يحاول البعض الأكثر واقعية استخدام تسمية &amp;quot; الكلدو - آثوريون &amp;quot; والحقيقة أن هذه التسميات المختلفة تأتي من أسباب تاريخية أخذتْ شكل الانقسام الطائفي . منذ القرن الخامس الميلادي أثر مجمع أفسس المسيحي سنة 431 م انقسم سكان المشرق المسيحيين السريان إلى طائفتين :&lt;br/&gt;1- أتباع كنيسة الشرق &amp;quot; الرافدين &amp;quot; ومقرهم في &amp;quot; طيسفون - سليمان باك &amp;quot; أي كنيسة بابل ، وسميوا بالنساطرة نسبة إلى القديس نسطور السرياني .&lt;br/&gt;2- أتباع كنيسة الغرب &amp;quot; سوريا &amp;quot; وهم الأرثوذكس وتسمو بـ &amp;quot; اليعاقبة &amp;quot; نسبة إلى &amp;quot; يعقوب البرادعي &amp;quot; السرياني ، ومقرهم في انطاكيا وانتشر مذهبهم في عموم سوريا وكذلك في مصر ( الكنيسة القبطية ) .بالإضافة إلى الكنيسة &amp;quot; الملكية &amp;quot; وكذلك الكنيسة &amp;quot; المارونية &amp;quot; .&lt;br/&gt; وهذه الكنائس عموماً انتشرتْ كذلك بين القبائل العربية ، وامتزج خلالها السريان بالعرب ، وتبنتْ بمعظمها اللغة العربية في طقوسها الدينية . ظلتْ المنافسة خصوصاً بين الطائفتين النسطورية واليعقوبية طيلة قرون ، ثم أضيفتْ لها تعقيدات جديدة بعد القرن الخامس عشر مع نشاطات البعثات التبشيرية الغربية حيث تحول الكثير من النساطرة إلى &amp;quot; كاثوليك &amp;quot; وتسمو بـ &amp;quot; الكنيسة الكلدانية &amp;quot; وبعضهم حمل اسم &amp;quot; الكنيسة السريانية ( الكاثوليكية ) &amp;quot; ( من السريان الأرثوذكس الذين تكثلكوا ) . أما الذين بقوا على نسطوريتهم فأطلق عليهم &amp;quot; الآثوريين &amp;quot; . &lt;br/&gt;إذن فإن التسميات التاريخية القديمة حملت معنىً طائفياً جعل من الصعب تجاوزها نحو تسمية موحدة بسبب العقبة الطائفية ، هناك ميل قوي لدى بعض النخب والحركات السياسية لاستعمال تسمية &amp;quot; آشوريين &amp;quot; ، لكن هذه التسمية تتعارض مع تسمية الكلدان و السريان ، وهناك من يقترح تسمية &amp;quot; آرام &amp;quot; لأنها تسمية تاريخية لغوية خارج التقسيم المذهبي ، ورغم هذه الفروق في التسميات والفروق بين الطوائف فإن هناك عنصراً أساسياً يوّحد كل هذه الجماعات : أنهم رغم تبنيهم للعربية في الكثير من نشاطاتهم ، فإنهم جميعاً يعتبرون اللغة السريانية لغة كنسية مقدسة ويتحدثون بلهجات مختلفة بقربها وبعدها عن السريانية الفصحى . وهذا الانتماء إلى الثقافة السريانية يخلق لدى الكثير من النُخب والجماعات شعوراً بالانتماء المشترك لتاريخ بلاد الرافدين وسوريا ، أي الانتماء لعموم بلاد المشرق وحضاراتها السومرية البابلية الآشورية الكنعانية والآرامية .&lt;br/&gt;خلاصة القول أن إطلاق تسمية &amp;quot; السريان &amp;quot; تبدو الأكثر معقولية رغم نواقصها ، إن هؤلاء السريان بجميع تنوعات مسمياتهم يشكلون جزءاً متميزاً من الشعبين العراقي والسوري ، بل يصح القول أن &amp;quot; السريان &amp;quot; هم أسلاف شعوب &amp;quot; منطقة المشرق &amp;quot; مثلما الأقباط هم أسلاف الشعب المصري ، والبربر هم أسلاف شعوب المغرب والنوبيون هم أسلاف الشعب السوداني ، وكل هذه الانتماءات المتنوعة تجتمع اليوم في الانتماء إلى عالم عربي كبير وثقافة وتاريخ شرقاني مشترك .&lt;br/&gt;نتيجة الأوضاع السياسية المعقدة وعمليات الاضطهاد القومي والديني التي تعرض لها سريان منطقة الجزيرة فإن الكثير منهم هجروا قراهم ومدنهم بحثاً عن مناطق آمنة . وحسب الإحصائيات المتوفرة فإن السريان بجميع طوائفهم وتسمياتهم الكلدانية والآثورية وغيرها ، يتوزعون حالياً حسب التالي :&lt;br/&gt;1- العراق : مليون ونصف مليون ، نصفهم من بغداد والباقون في الموصل وأربيل ودهوك وكروك والبصرة.&lt;br/&gt;2- سوريا : ربع مليون ، أغلبهم في منطقة الجزيرة وحلب بالإضافة إلى دمشق . &lt;br/&gt;3- لبنان : عشرين ألق أغلبهم في بيروت .&lt;br/&gt;4- تركيا : عشرة آلاف أغلبهم في اسطنبول &lt;br/&gt;5- أكثر من مليون منتشرين في جميع بقاع العالم ، أوروبا الغربية والقارة الأمريكية واستراليا وإيران وروسيا .&lt;br/&gt;طبعاً هذه الأرقام تقريبية لأنها تعود لأعوام الثمانينات ، مع التغيرات المستمرة التعلقة بالهجرة وتنقل الجاليات وزيادة السكان. &lt;br/&gt;إن معظم السريان في سوريا والعراق تمكنوا من الاندماج في الحياة الاجتماعية والسياسية في البلدين ولعبوا دوراً بارزاً في النشاطات السياسية والثقافية لهذين البلدين ووصل بعضهم إلى مراكز قيادية ومميزة . في السنوات الأخيرة برزت بعض المراكز السياسية والثقافية والدينية الخاصة بالسريان ، الذين تعرضوا أكثر من غيرهم للمذابح والتشريد من مناطقهم الأصلية ومن أبرز هذه الحركات : &lt;br/&gt;1- نوادي &amp;quot; بيث نهرين &amp;quot; وهي منتديات اجتماعية ثقافية منتشرة بين جميع الجاليات الآثورية ( والسريانية ) في العالم . وتشرف كذلك على نشر المجلات والكتب باللغة السريانية والعربية.&lt;br/&gt;2- الكنائس المتنوعة الخاصة بالطوائف السريانية المختلفة ، والمنتشرة أيضاً بين الجاليات المهاجرة . وعموماً تتبع هذه الكنائس مراكزها في سوريا والعراق.&lt;br/&gt;3- الحركات السياسية المطالبة بحقوق السريان مثل المنظمة الآثورية الديمقراطية التي تأسستْ 1957 والحركة الديمقراطية الآشورية التي تأسستْ عام 1979 وفازت بالمقاعد الخمسة المخصصة لطوائف السريان في انتخابات كردستان عام 1992 .&lt;br/&gt;التعامل مع حقوق السريان : &lt;br/&gt;إن &amp;quot; مسألة حقوق السريان &amp;quot; التي طالما تم تجاهلها من قبل شعوب المنطقة وحركاتها السياسية ، تقع أولاً وقبل كل شيء على عاتق الشعبين العراقي والسوري بحكم انتماء السريان التاريخي والسياسي لهذين الشعبين .بالإضافة إلى أن هذه القضية تتطلب تفهماً من قبل الحركات القومية الكردية وبعضاً من روح التضامن مع شعب شقيق وجار للشعب الكردي . &lt;br/&gt;إن الحركات والنخب في العراق وسوريا يمكنها أن تتبنئ المبادئ التالية في التعامل مع حقوق السريان : &lt;br/&gt;1- الاعتراف بأن السريان بجميع طوائفهم الأرثوذكسية والنسطورية والكاثوليكية والبروتستانتية هم أشقاء وأسلاف للشعبين العراقي والسوري ، رغم أنهم جزء متميز دينياً ولغوياً من هذين الشعبين ، وهذا يتطلب جهداً خاصاً من أجل كتابة جديدة للتاريخ الرسمي والمدرسي والتربية الوطنية .&lt;br/&gt;2- أن يتم اعتبار اللغة السريانية لغة ثانية وتاريخية في جميع مدارس بلدان المشرق على اعتبارها الأساس الثقافي والحضاري الذي انبثقتْ منه اللغة العربية ، وهذا يشبه تماماً تدريس اللغة اللاتينية في مدارس أوروبا على اعتبارها الأساس التاريخي والحضاري للغات الأوروبية .&lt;br/&gt;3- اعتبار مناطق شمال الرافدين &amp;quot; الجزيرة &amp;quot; التي اقتطعتها تركيا ( ماردين وديار بكر والرفا ) بالإضافة إلى لواء الأسكندرون السوري ، هي جزء جغرافي وتاريخي من العراق وسوريا وأن السريان والعرب القاطنون في هذه المناطق هم سكان عراقيون وسوريون.يعني هذا أن يتم التثقيف وإشعار الحركات الكردية والحكومة التركية بهذا الموقف .وبالتالي الدفاع عن الحقوق الثقافية والتاريخية لهؤلاء الاشقاء وهذا الموقف يشمل أيضاً السريان القاطنين في مناطق غير رافدية أي تابعة تاريخياً لكردستان العراق وإيران وتركيا ( مثلاً في السليمانية والعمادية وأورميا وحكاري ) وهذا الموقف لا يعني أبداً التدخل بالشؤون الداخلية لهذه البلدان ، إنما نوعاً من التضامن مثلما تتعامل جميع الشعوب مع جاليتها المقيمة في أوطان أخرى .&lt;br/&gt;4- أن يتم التعامل مع الجاليات السريانية ( حتى من ذوي الجنسيات غير العراقية والسورية ) المقيمة في المهجر الأوروبي والأمريكي والاسترالي على اعتبارها جاليات عراقية سورية ، وأن يتم منح الجنسية لجميع الراغبين ، ومنحهم حق المشاركة والتعبير والإقامة في العراق وسوريا مثل جميع المهاجرين من البلدين ( لقد قامت الحكومة السورية بخطوات إيجابية في هذا المجال وخصوصاً ناحية الاتصال بهذه الجاليات ودعوتها لزيارة سوريا )&lt;br/&gt;5- إن منح الجنسية وحق العودة لسريان البلدان الأخرى لا يعني أبداً أن يتم الأمر على حساب السكان الذين توطنوا في هذه المناطق السريانية التاريخية ، ونعني بهذا خصوصاً المناطق والقرى التي يقطن فيها حالياً أكراد في العراق وسوريا . بمعنى أوضح أن &amp;quot; حق العودة &amp;quot; لا يعني أبداً &amp;quot; حق الطرد &amp;quot; على الطريقة الصهيونية العنصرية والمعادية للإنسانية .&lt;br/&gt;هذه بعض من المبادئ التي يمكن أن يتعمق حولها الحوار بين جميع المهتمين بحقوق السريان وقضية خلق &amp;quot; هوية تاريخية أصلية &amp;quot; تحترم جميع الخصوصيات والتنوعات الدينية والمذهبية واللغوية لبلدان &amp;quot; منطقة الشرق &amp;quot; .&lt;br/&gt; لمحة عن الكاتب : &lt;br/&gt;سليم مطر، ولد في بغداد 1956 من عائلة مهاجرة من جنوب العراق( العمارة ـ محافظة ميسان).&lt;br/&gt;ـ غادر العراق أواخر عام 1978 &amp;quot; بعد فشل ما سمي بالجبهة الوطنية.&lt;br/&gt;ـ بعد حوالي ثلاثة أعوام من التجوال والتجارب الثورية الخائبة في الشرق الأوسط ، أستقر في جنيف نهاية عام 1981 ، حيث تعلم الفرنسية ثم درس في معهد التنمية التابع لجامعة جنيف المختص بعلم اجتماع العالم الثالث.&lt;br/&gt; أما بالنسبة لمؤلفات الكاتب، الروائية والفكرية، فأنها جميعا تتمحور حول إشكاليات الهوية والانتماء بمعانيها التاريخية والنفسية والسياسية والفكرية، وهي كالتالي:&lt;br/&gt;ـ عام 1990 اصدر روايته الاولى ( إمرأة القارورة) التي فازت بمسابقة رياض الريس للرواية واستقبلها النقاد بصورة احتفائية وإيجابية. وهي عن مغامرات إمرأة عراقية خالدة منذ آلاف الاعوام، تعيش في داخل قارورة سحرية يتوارثها الاحفاد منذ ايام سومر وحتى الآن!! &lt;br/&gt;لقد صدرت الطبعة الفرنسية لهذه الرواية عام 1993 بعنوان:&lt;br/&gt;(La Femme à la fiole) Paris, L’Harmattan , Par (Marguerite GAVILLET) &lt;br/&gt;وكذلك ترجمت هذه الرواية الى الانكليزية بعنوان:&lt;br/&gt;( The women of the flask, The American University in Cairo &lt;br/&gt;Press, Cairo New York 2005, Py ( Peter CLARK).&lt;br/&gt;ـ عام 1997 اصدر كتابه الفكري الاول ( الذات الجريحة) الذي عالج فيه إشكاليات الهوية الخاصة بالأمة العراقية وكذالك باقي الأمم العربية. &lt;br/&gt;ـ عام 2000 اصدر روايته الثانية ( التوأم المفقود). عن تجوال شاب عراقي منفي يغادر جنيف بحثا عن (توأمه المفقود) ويقوده بحثه العجيب إلى متاهات نفسية وروحانية لم تخطر على البال.&lt;br/&gt;ـ عام 2003 اصدر كتابه الفكري الثاني ( جدل الهويات)، عن إشكاليات الفئات الأقوامية العراقية : العرب والأكراد والتركمان والسريان واليزيدية ، وقد أشرك المؤلف معه في تأليف الفصول باحثين مختصين من أبناء هذه الفئات التي تشكل كيان الأمة العراقية.&lt;br/&gt;ـ منذ عام 2004 وهو يشرف على إصدار مجلة(ميزوبوتاميا) وهي أول دورية عراقية موسوعية خاصة بالتعريف بالهوية العراقية بكل تنوعاتها الدينية والاقوامية والمذهبية والمناطقية. &lt;br/&gt;ـ يشرف على إصدار عدة موسوعات ضخمة خاصة بالمجتمع العراقي، حيث صدرت منها: &lt;br/&gt;ـ اشرف على إصدار عدة موسوعات ضخمة خاصة بالمجتمع العراقي: &lt;br/&gt;ـ (خمسة آلاف عام من الأنوثة&lt;br/&gt; العراقية) موسوعة نساء العراق 2004&lt;br/&gt;ـ(موسوعة المدائن العراقية) 2005&lt;br/&gt;ـ (خمسة آلاف عام من التدين العراقي) موسوعة أديان ومذاهب العراق 2006 &lt;br/&gt;ـ (موسوعة كركوك قلب العراق) 2008&lt;br/&gt;ـ (خمسة آلاف من الكتابة العراقية) موسوعة اللغات العراقية/ 2008&lt;br/&gt;ـ عام 2008 اصدر روايته(اعترافات رجل لا يستحي ـ سيرة روائية عراقية). وستصدر أيضا هذه الرواية قريبا بالفرنسية.&lt;br/&gt;&lt;a href=&quot;http://www.salim.mesopot.com/index.php?option=content&amp;task=view&amp;id=52&quot;&gt;ملخص النبذة عن الكاتب تم اقتباسها عن موقع الكاتب نفسه www.salim.mesopot.com&lt;/a&gt;&lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; &lt;br/&gt; </description>
    </item>
    <item>
      <title>تـاريـخ  الكنيسة السريانية الأرثوذكسية   &#13;&#13;البطريريك مار أغناطيوس زكا عيواص &#13; بطريريك انطاكية وسائر المشرق</title>
      <link>http://www.syriacstudies.com/AFSS/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A3/Entries/2010/8/18_%D8%AA%D9%80%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%80%D8%AE_%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%86%D9%8A%D8%B3%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%AB%D9%88%D8%B0%D9%83%D8%B3%D9%8A%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D8%B1%D9%8A%D9%83_%D9%85%D8%A7%D8%B1_%D8%A3%D8%BA%D9%86%D8%A7%D8%B7%D9%8A%D9%88%D8%B3_%D8%B2%D9%83%D8%A7_%D8%B9%D9%8A%D9%88%D8%A7%D8%B5_%D8%A8%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D8%B1%D9%8A%D9%83_%D8%A7%D9%86%D8%B7%D8%A7%D9%83%D9%8A%D8%A9_%D9%88%D8%B3%D8%A7%D8%A6%D8%B1_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%82.html</link>
      <guid isPermaLink="false">36f4e416-09b4-42dd-af0d-48ef3884e532</guid>
      <pubDate>Wed, 18 Aug 2010 09:49:44 -0400</pubDate>
      <description>&lt;br/&gt;والرئيس الأعلى للكنيسة السريانية الأرثوذكسية الجامعة في العالم وعضو المجمع العلمي العراقي &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;تأسيس كنيسة انطاكية :&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;الكنيسة السريانية الارثوذكسية هي كنيسة انطاكية . تأسست في فجر المسيحية ، يوم كانت انطاكية عاصمة سورية واحدى العواصم الثلاث في الدولة الرومانية . دخلت المسيحية مدينة انطاكية على يد بعض تلاميذ السيد المسيح الذين تشتتوا هاربين من اورشليم بسبب الاضطهاد الذي اثاره اليهود ضدهم بعد استشهاد اسطيفانس رئيس الشمامسة حوالي سنة 34 م . كما زارها برنابا احد التلاميذ السبعين ، ثم الرسول بولس حيث مكثا فيها سنة كاملة مبشرين . ونشر فيها الرسول بطرس تعاليم الانجيل ، كما اتخذها مقراً لكرسيه الرسولي سنة 37 م على الارجح . ويجعل بعضهم تنصر انطاكية على يد الرسول بطرس على مرحلتين ، الاولى تنصر اليهود وقيام كنيسة مسيحية منهم والثانية تنصر الوثنيين من آراميين ويونان وعرب ، بعد البت في قضية كرنيليوس وقبوله في الكنيسة . ومن مجرى الحوادث نستنتج ان بطرس الرسول في مجيئه الثاني الى انطاكية ، امتنع عن مخالطة المتنصرين من الامم الوثنية حتى بعد عمادهم خوفا من مسيحيي اورشليم الذين كانوا قد اختصموه في حادثة كرنيليوس . غير ان الرسول بولس قاومه علانية . فقد حاول بعض المتنصرين من اليهود أن يلزموا المتنصرين من الامم بان يختتنوا أي ان يتهودوا قبل ان يتنصروا، وعقد مجمع اورشليم سنة 51م للبت في هذه القضية ، وقرر المجمع (( الا يثقل على الراجعين الى الله من الامم بل يمتنعوا عن نجاسات الاصنام والزنا والمخنوق والدم )) وارسل هذا القرار الى انطاكية بيد بولس وبرنابا ومعـهما يهوذا الملقب برسابا وسيلا . ومن هنا نلمس اهمية كنيسة انطاكية في فجر المسيحية ويسجل سفر اعمال الرسل غيرة اعضاء كنيسة انطاكية ومحبتهم للاخوة اذ انهم جمعوا صدقة وارسلوها الى فقراء اورشليم بيد برنابا وشاول ، كما ان اتباع السيد المسيح سموا مسيحيين لاول مرة في انطاكية وتغيب بطرس وبولس عن انطاكية لدواعي التبشير ، فأقاما عليها اسقفين هما : افوديوس اسقفاً على المسيحيين من الذين من اصل وثني ، واغناطيوس اسقفاً على المسيحيين الذين من اصل يهودي واتحد الطرفان برباط الروح تحت رئاسة اغناطيوس النوراني بعد سنة 68 م فاطلق هذا على الكنيسة انطاكية عبارة الكنيسة الجامعة ، حيث جمعت الختان والغرلة معا ، وهو اول من استعمل هذا الاصطلاح في المسيحية.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;اللغة السريانية في انطاكية :&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;تعرف اللغة السريانية بالارامية ايضا، فقد كانت قديما لغة الاراميين الذين استوطنوا منذ القرن الخامس عشر قبل الميلاد بلاد ارام الشام وأرام النهرين وانتشرت هذه اللغة في العالم القديم انتشارا واسعاً ، وصارت حروفها حروف هجاء للغات شرقية عديـــدة حتى رأيناها على عهد الملك نابو بلاصر لغة البلاط البابلي ، وجعلت على عهد داريوس الكبير ( 521 ـ 486 ق.م ) اللغة الرسمية بين مقاطعات الأمبراطورية الفارسية ، بل امست لغة دولية في الشرق كله زمناً طويلاً ، وكان اليهود قد تعلموها واستعملوها منذ السبي البابلي في القرن الخامس قبل الميلاد ، بل صارت لغتهم اليومية اذ نسوا العبرية . لذلك تكلم السيد المسيح ورسله بالسريانية ، وأستمرت سائدة في قسم كبير من الشعوب الشرقية حتى أواخر القرن السابع للميلاد اذ انتشرت اللغة العربية ، فأخذت السريانية تتقلص رويداً رويداً ، ولاتزال لهجاتها محكية حتى اليوم في طور عبدين بتركية ، وقرى الموصل وغيرها في شمال العراق ، وقرية معلولا المجاورة لدمشق في سورية ، وأثارها ظاهرة في أسماء مدن وقرن عديدة في الشرق الأوسط ، وفي اللهجات العامية في قسم كبير منه . وفي فجر المسيحية كانت اللغة السريانية لغة أهل أنطاكية الأصليين لا سيما القاطنون في ضواحيها كما كانت لغة سائر بلاد سوريا الداخلية وكانت أيضاً لغة اليهود المهاجرين إلى انطاكية . أما اللغة اليونانية فكانت لغة المستعمر ( بكسر الميم الثانية ) ولغة الجالية اليونانية التي استقدمها السلوقيون واستعملت كنيسة انطاكية اللغة السريانية في طقوسها الدينية ، ففيها أقامت خدمة أول قداس كتبه بالسريانية مار يعقوب أخو الرب أسقف أورشليم ، ولا تزال جميع الكنائس السريانية في العالم حتى اليوم تتلوه بالسريانية الى جانب لغاتها المحلية الوطنية . وكتب بها آباؤها مصنفاتهم الدينية والعلمية .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;مكانة كنيسة انطاكية الدينية :&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;تعتبر كنيسة انطاكية اقدم الكنائس المسيحية وأشهرها بعد كنيسة أورشليم ، وقد إزدادت أهميتها بعد خراب أورشليم سنة 70م على يد طيطس الروماني. فمنها انطلق التلاميذ الى انحاء العالم المعروفة عصرئذ فنشروا تعاليم الأنجيل وأسسوا الكنائس والديارات والمدارس ، وقام فيهم العلماء الأفذاذ الذين أناروا العالم بالعلوم الدينية والمدنية ولآباء كنيسة انطاكية السريانية فضل يذكر بالفخر بدراسة الكتاب المقدس بعهديه ، فقد نقلوه الى لغتهم السريانية بنقول منها المعروفة بـ (( البسيطة )) كما نقلوه الى العربية ، والفارسية ، والمليالم ( لغة جنوبي الهند ) وتناولوه شرحاً وتفسيراً ، وتركوا لنا في ذلك بحوثاً مستفيضة تعد مراجع مهمة في هذا المضمار . كما كان لهذه الكنيسة في الماضي الفضل في حمل لواء الأنجيل الى مختلف الأمم كبلاد العرب ، وارمينية ، والهند ، والحبشة . وقدمت ألوف الشهداء في سبيل ذلك .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;الكرسي الأنطاكي أسسه الرسول بطرس &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;أجمع المؤرخون الثقات على جهود الرسول بطرس في انطاكية سورية وتاسيسه فيها كرسيه الرسولي ، كما أسلفنا، وهو أول أساقفتها أي بطاركتها الذين اليه يتسلسلون . فيقول اوسابيوس القيصري ( المتوفي سنة 340 م ) : (( في السنة الرابعة بعد صعود المسيح نادى بطرس بكلمة الرب في أنطاكية العاصمة الكبرى وصار أول أساقفتها )) ويقول أيضاً في تاريخه البيعي : (( كما أشتهر اغناطيوس الذي اختير اسقفاً لانطاكية خلفاً لبطرس)) . وقد خصص هيرونيموس في جدول الأعياد السنوية اليوم الثاني والعشرين من شهر شباط ، ( عيد تأسيس كرسي مار بطرس الرسول في انطاكية ) . ولاتزال الكنيسة الرومانية تحتفل به حتى الآن وهكذا صار القديس بطرس الرسول أول بطريرك جلس على هذا الكرسي الرسولي وتعاقب عليه بعده بطاركة عظام جلهم من صدور العلماء .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;مقر الكرسي الأنطاكي &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;كان مقر الكرسي الانطاكي مدينة انطاكية حتى سنة 518م وبسبب المتاعب الكثيرة التي عانتها الكنيسة ، فقد نقل الى أديرة ما بين النهرين حتى استقر في القرن الثالث عشر في دير الزعفران قرب ماردين في تركيا ، ونقل سنة 1959 الى دمشق. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;اسم بطاركة انطاكية &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;كان البطاركة عند تنصيبهم تحفظ لهم اسماؤهم الاصلية فلما ارتقى الى الكرسي البطريركي يشوع سنة 878م اتخذ اسم اغناطيوس تيمناً باغناطيوس النوراني الشهيد الذي خلف الرسول بطرس في انطاكية . وحذا حذو البطريرك يشوع اربعة بطاركة بعده ، فلما اعتلى الكرسي البطريركي يوسف بن وهيب مطران ماردين سنة 1293م وهو اغناطيوس الخامس ثبتت هذه العادة من بعده ، ولا تزال حتى اليوم ، وهي ان يسبق اسم المنتخب للكرسي البطريركي اسم مار اغناطيوس .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;سلطة الكرسي الأنطاكي وعلاقته بالكراسي الرسولية الأخرى &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;نشأ في القرن الأولى للميلاد النظام الكنسي فسمى اسقف المدينة الرئيسة بالمتروبوليت ومعناها اسقف ام المدن أي قاعدة المملكة ، وعن طريق المجامع الاقليمية والمسكونية ربطت الاسقفيات بالمطرانيات وحددت سلطة الكراسي الكبرى المتساوية بالسلطة في انطاكية والاسكندرية ورومية . ثم اضيفت القسطنطينية في مجمع القسطنطينية سنة 381 م الى الكراسي الثلاثة وحازت هذه الكراسي الاربعة مكانة مرموقة لمكانة المدن المذكورة السياسية وموقعها الجغرافي ، واطلق على اسقف كل منها في أواسط القرن الخامس لقب بطريرك ومعناها رئيس الآباء ولكل من هذه الكراسي حدود معينة تخضع الكنائس الموجودة فيها لسلطته الدينية عن طريق الكراسي المحلية أي مراكز المطرانيات والاسقفيات . وقد حدد المجمع النيقاوي سنة 325م في قانونـه الســادس سلطة هذه الكراسي بقولــه (( فلتحفظ العادة القديمة في مصر وليبيا والمدن الخمس لأن الاسقف الاسكندري يكون له السلطان على كل هؤلاء كما ان اسقف رومية له هذه العادة ايضا ومثل ذلك فلتحفظ الكرامة سالمة ايضا في الكنائس التي في انطاكية وفي الأبرشيات الاخرى )) .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;الشركة بالايمان وسلطة المجامع &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;كانت الكراسي الاربعة رومية والقسطنطينية والاسكندرية وانطاكية واحدة بالعقيدة الدينية ، وفي شركة روحية وكانت هذه الكراسي متساوية في السلطات والامتيازات ، وكان اصحابها عند انتخابهم يبعثون بصورة إيمانهم بعضهم الى بعض لنيل يمين الشركة . ولم تعتبر الشركة بمثابة تنصيب للبطريريك في وظيفته بل كانت فقط شرطاً ضرورياً لممارسة الوظيفة بطريقة شرعية وحوادث التاريخ تشهد بانه لم يكن لأصحاب هذه الكراسي الأربعة الكبرى حكم اوتونومي وحسب بل هو حكم اوتوكيفالي أيضاً . اذ لم يكن لأحدها حكم على الآخر ، ولا يتدخل رئيس بشؤون غيره البتة . كما لم يكن يحق لاسقف ما التدخل بشؤون اسقف آخر ، وكلما اعترضت مشاكل محلية داخلية ، او خلاف بين الأساقفة في الأبرشية الواحدة كان يعقد مجمع اقليمي من أساقفة الأبرشية برئاسة اسقف الأبرشية العام للفصل في هذا الخلاف ، ويعتبر المجمع أعلى من الاسقف بل هو أعلى سلطة في الأبرشية الواحدة . واذا ما برزت مشاكل عامة وقضايا إيمانية كبرى كان يعقد مجمع عام او مجمع مسكوني وسلطانه يعلو سلطان الأساقفة كافة بمن فيهم أساقفة الكراسي الاربعة الكبرى . وقوانينه نافذة المفعول في الكنيسة جمعاء ذلك ان أساقفة العالم جميعاً يدعون اليه ، ويحصر أغلبهم ، ولا يتغيب منهم أحد إلا بعذر مشروع فتمثل فيه الكنيسة الجامعة ، ويشترك بأعماله أغلب اساقفتها ويقبلون قراراته ، ويعتبر السلطة العليا في الكنيسة . فلم يكن لأحد الأساقفة حتى أساقفة الكراسي الأربعة الكبرى سلطان على البت في الأحكام والقضايا الإيمانية الكبرى منفرداً ، بل كان ذلك من حق المجامع . وان تضارب الآراء وتشعب القرارات في المجامع المكانية الاقليمية والعامة في قضية إيمانية تربك الكنيسة الجامعة ، وعندما تدرس هذه المسألة في المجمع المسكوني المتوفرة فيه شهادة الكنائس الرسولية يصدر المجمع فيها حكمه فتقبله الكنيسة الجامعة كأنه حكم السماء . وكانت المجامع تعقد لاقامة الحجة على أصالة التعليم الصحيح ودحض الهرطقات ، فدستور الايمان النيقاوي مثلاً كان متضمناً في كتابات الآباء بالتفصيل ومقبولاً من الكنيسة منذ فجرها ولكن المجمع صاغه بشكل واضح ، والزم قبوله على المؤمنين تحت طائلة الحرم .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;انقسام الكراسي الأربعة الكبرى &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;في عام 451م انعقد المجمــع الخلقيدوني وأدت نتائجـــه الى انقسام الكراســـي الرسولية الأربعة الى قسمين ، ضم القسم الأول كرسي رومية وكرسي القسطنطينية ، وضم القسم الثاني كرسي انطاكية وكرسي الاسكندرية . وقد استمر الكرسيّان الأخيران متحدين بالايمان حتى اليوم ، ولكل منهما رئاسته الخاصة واستقلاله التام كما كان منذ بدء النصرانية . أما الكرسيان الروماني والقسطنطيني فقد انقسما على ذاتهما في القرن الحادي عشر للميلاد . &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;منطقة الكرسي الانطاكي &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;كان للجالس على الكرسي الانطاكي مقام سام في الكنيسة ، وكان سلطانه الديني يمتد من بحر الروم غرباً الى اقصى بلاد الفرس والهند شرقاً ، ومن حدود آسيا الصغرى شمالاً الى تخوم فلسطين جنوباً . وكانت كنيسة انطاكية واحدة ويرأسها كلها بطريرك واحد ، ولم يكن غيره في كل بلاد المشرق التي كانت تشمل بلاد الشام وفلسطين وقليقية وبعض من بلاد آسيا الصغرى وما بين النهرين وبلاد فارس بأسرها وسلطانه يشمل جميع المسيحيين في هذه المنطقة على اختلاف قومياتهم وأجناسهم ولغاتهم ، وكان للابرشيات الكبرى رؤساء أساقفة وللأبرشيات الصغرى أساقفة يتولون إدارتها الروحية وهم تحت طاعته.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;مفريانية المشرق &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;أُطلق على البلاد الواقعة شرقي المملكة الرومانية اسم بلاد المشرق ، وكانت في فجر المسيحية تحت الحكم الفارسي ومنها جاء المجوس الى بيت لحم وسجدوا للرب وقدموا له الهدايا ولما عادوا الى بلادهم أذاعوا فيها بشارة الميلاد . كما كان فيها جاليات يهودية كان قوم منها في اورشليم يوم الخمسين ، ويذكر سفر اعمال الرسل ان اولئك كانوا من الفرثيين والماديين والعيلاميين والساكنين في ما بين النهرين . ولا بد أن الذين آمنوا من هؤلاء حملوا معهم مصباح الانجيل الى بلادهم . ويذكر التاريخ الكنسي أن ادي احد السبعين تلميذاً ، أرسله اخوه الرسول توما الى مدينة الرها السريانية عاصمة الأباجرة ، فشفى ملكها أبجر الخامس من برصه ، وتلمذه ، مع أهل المدينة كافة . ثم بشر في آمد ( ديار بكر ) وجنوبي بلاد ارزن ، ووادي دجلة الشرقي وبازبدي ، وجاء الى حدياب ( اربيل ) حيث أستقر مع رفيقه ماري وواصلا نشر البشارة في هذه البلاد . ويضيف المؤرخون السريان مار ميخائيل الكبير ، وابن العبري ، وابن الصلييي ، أن الرسول توما قد مر بهذه البلاد في طريقه الى الهند . وبشر أهلها . وهكذا انتشرت النصرانية في أطراف بلاد المشرق كافة منذ القرن الأول للميلاد ، وانشأت فيها الكنائس وبعض الأسقفيات . وفي صدر القرن الثالث كثر عدد المراكز الاسقفية وانتظمت تدريجياً حتى تكونت منها رئاسة عامة مقرها المدائن ضمن حدود المنطقة الكنسية الخاضعة للكرسي الرسولي الانطاكي ولقب اسقفها بمطران المشرق او جاثليق المشرق ، وسمي بعدئذ بمفريان المشرق . وكان لجاثليق المشرق سلطة عامة على كنائس منطقته متحداً مع البطريرك الانطاكي ، وقد زعزع الوضع السياسي أركان هذا الاتحاد ذلك ان مقر الكرسي الانطاكي كان في أراضي المملكة الرومانية أما بلاد المشرق فكانت خاضعة للحكم الفارسي ، وكانت العداوة متمكنة مابين الفرس والرومان . وفي سنة 431م حرم مجمع افسس نسطور بطريرك القسطنطينية فتحزب لنسطور عدد من أساقفة سورية ، ومعظم أساتذة مدرسة الرها وتلامذتها ، وانتشرت تعاليمه في بلاد المشرق ولم يسلم منها سوى تكريت وأرمينية ، وانقسم السريان من حيث العقيدة الدينية الى قسمين ، ومن جراء ذلك انقسمت اللغة السريانية ايضاً من حيث لفظها وقلمها الى قسمين يعرفان بالتقليدين الغربي والشرقي نسبة الى مواطن الشعب الذي كان يزاولهما أي بلاد الشام الغربية ، وبلاد ما بين النهرين الشرقية والعراق واذربيجان . والقسم الشرقي قطع علاقته مع الكرسي الانطاكي ، ويستثنى منه الشعب العراقي الاثوذكسي الذي استمر امينا للكرسي الرسولي الانطاكي وعانى في سبيل ذلك الامرين . ففي سنة 480 وشى برصوما اسقف نصيبين النسطوري بالمؤمنين الاثوذكس في بلاد المشرق لدى فيروز الملك الفارسي ، وقال أنهم يتجسسون لحساب المملكة البيزنطية ففتك بالعديد منهم وسفك دماءهم النقية . وبعد موت برصوما ، زار بلاد المشرق خرسطفورس جاثليق الارمن ورسم الراهب كرماي مطراناً على دير مار متى وخوله سلطة رسامة أساقفة كما كان لجثالقة المشرق ، ورسم خرسطفورس ايضا الراهب احودامه البدي اسقفا لباعرباي . وفي سنة 559 تفقد مار يعقوب البرادعي كنيسة المشرق ورسم مار احودامه مطراناً عاماً أي جاثليقاً عليها ، وعدّ هذا أول مطران عام على المشرق بعد أن استولى النساطرة على كرسيها . وفي سنة 628م عقد صلح بين المملكتين الفارسية الرومانية فأرسل البطريرك أثناسيوس الأول (595ـ631) كاتبه الربان يوحنا الى المشرق فقابل المطران خرسطفورس رئيس دير مار متى وفاتحه بموضوع إعادة العلاقات ما بين الكرسي الانطاكي وكنيسة المشرق ، فعقد هذا مجمعاً حضره الربان يوحنا وأربعة من الاساقفة القريبين وانتخبوا ثلاثة رهبان هم ماروثا وايثالاها وآحا واخذوهم الى البطريرك ليرسمهم أساقفة فاعتذر حفظاً للعادة القديمة في كنيسة المشرق ، فقام الأساقفة الشرقيون برسامتهم أساقفة بحضور أساقفة البطريرك . ثم قام البطريرك برسامة ماروثا مطراناً لتكريت وخوله الرئاسة على بلاد المشرق بالنيابة عنه . منه هنا نعلم انه كان لكنيسة المشرق حكم ذاتي ، ولجاثليقها سلطة عامة على ابرشياتها ، فالجاثليق يرسم أساقفتها ، والبطريرك الانطاكي يرسمه جاثليقاً ، كما أننا نرى في التاريخ ان البطريرك الانطاكي يرسم من آباء المجمع الانطاكي باشتراك جاثليق المشرق ، وكثيراً ما حدث شقاق في الكنيسة لمخالفة هذا التقليد .وأطلق على مار ماروثا التكريتي ( المتوفي عام 649م ) اسم مفريان لأول مرة ، وهكذا اخذت المفريانية تتسلسل منذ ذلك الحين . ومما يجدر بالذكر ان أبرشيات المشرق اتسعت ونمت عبر التاريخ حتى أنها فاقت أبرشيات الكرسي الانطاكي عدداً وشأناً على عهد العلامة مار غريغوريوس يوحنا ابن العبري مفريان المشرق ( 1264 ـ 1286م) كما صرح هو نفسه . ويعتبر ابن العبري من أشهر مفارنة المشرق علماً . وكان مقر الكرسي المفرياني في بدء الأمر في تكريت ، وظل فيها حتى سنة 1089 م فرحل المفارنة بعد ذلك الى الموصل ثم أعيد المقر الى تكريت ثانية حتى سنة 1152م اذ أنتقل الى دير ما متى واحياناً الى برطلة قرب الموصل ثم الموصل .  العادة قديماً عند ارتقاء المفريان الى الكرسي أن يحفظ له اسمه الاسقفي ، ومنذ القرن السادس عشر اصطلح على تسميته بباسيليوس مضافاً الى اسم المفريان الشخصي . وقد الغيت رتبة المفريانية سنة 1860 بقرار مجمعي بعد وفاة المفريان مار باسيليوس بهنام الرابع الموصلي .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;استئناف رتبة المفريانية &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;في 21 آيار سنة 1964 استأنفت رتبة المفريانية وصار مقرها في الهند وذلك بقرار من مجمع كوطيم ، في جنوب الهند ، الذي عقد برئاسة البطريرك مار اغناطيوس يعقوب الثالث ، وعضوية مطارنة السريان في الهند والمطارنة الثلاثة الذين رافقوا قداسته من الشرق الأوسط ، وكان كاتب هذه السطور أحدهم ، وقرر المجمع على أن تكون الهند وشرقيها المنطقة التي يرأسها المفريان ومفريان الهند اليوم هو غبطة مار باسيليوس بولس ، والمفريان ينتخب من المجمع المقدس في الهند ويرسمه قداسة البطريرك . وهو يمثل الكنيسة السريانية في الهند بالاشتراك بمجمع انتخاب البطريرك ورسامته .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;انقسامات في الكرسي الانطاكي &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;طرأت على الكرسي الانطاكي عبر التاريخ حوادث مؤلمة قسمت أتباعه الى فرق عديدة وأضعفته ، ولا بد لنا في هذه العجالة من أن نلم ببعض هذه الحوادث . فمنذ سنة 330م والى سنة 360 م اغتصب الكرسي ستة اريوسيين ، ثم تبوأه القديس ملاطيوس الى سنة 381م ثم فلابيانس الأول وفي عهدهما رأس فئة ارثوذكسية الاسقف بولينوس ثم اوغريوس (362 ـ 394) وفي أثناء نفي ملاطيوس قام دخيلان اريوسيان وزعيم شرذمة ابو لينارية ودام هذا الشقاق حتى سنة 412م فلما اعتلى مار الكسندروس الكرسي وحّد صفوف الارثوذكسيين . أما الإنقسامات التي مزقت جسم الكنيسة السريانية وشعبها الى فرق عديدة وكنائس شتى فهي كالآتي : في سنة 431م شجب مجمع افسس تعليم نسطور بطريرك القسطنطينية الذي زعم بأن السيد المسيح هو اقنومان وطبيعتان . وتحزب له يوحنا بطريرك انطاكية وحذا حذو هذا خلفه دمنوس وهو ابن شقيقته . غير أن مجمع افسس الثاني 449م حطه من رتبته وأقام بدلاً منه مكسيموس . ولاقت تعاليم نسطور قبولاً لدى بعض السريان في المملكة الفارسية واطراف سورية وفلسطين وجزيرة قبرص ، فتألفت منه كنيسة انسلخت من الكرسي الانطاكي سنة 498م واقامت لها رئيساً أطلق على نفسه لقب ( جاثليق ) وكان أول جاثليق اسمه باباي وجعل مقره في سلوقية القريبة من المدائن كما مر بنا ونقل مقره سنة 762م الى بغداد وفي أوائل القرن الخامس عشر نقلوه الى القوش وسنة 1561م الى أرمية .ولما انقسمت الكراسي الاربعة الكبرى الى اثنين كما مر بنا على اثر مجمع خلقيدونية عام 451م ، عمت الفوض النظام الكنسي وبدأ التدخل في الأبرشيات بطريقة لا شرعية ، واعتبر الاصطياد في الماء العكر مكسباً عظيماً ، واستطاع الكرسي الروماني أن يكسب مطراناً نسطورياً هو طيمثاوس مطران قبرص الذي انضم الى الكنيسة الكاثوليكية سنة 1445م مع فئة من كنيسته السابقة فأعلن البابا الروماني اوجانيوس الرابع بأنه (( لا يجوز من الآن فصاعداً أن يعامل هؤلاء السريان الراجعون من النسطرة كهراطقة ، ويجب أن يسموا بعد اليوم كلداناً )) وسنة 1450م عاد هؤلاء الى كنيستهم الأولى . وعلى أثر الخلاف الشديد الذي جرى في كنيستهم الأولى بسبب بطريركها عقد مجمع في الموصل وانسلخ عن شمعون قسم كبير من الشعب انضموا الى الكرسي الروماني سنة 1553م ورسم لهم البابا يوليوس الثالث بطريركاً هو يوحنا سولاقا ، ولم يثبت هذا الانسلاخ طويلاً إذ أن البطريرك يوحنا سولاقا قتل سنة 1555م وقطعت العلاقة مع الكرسي الروماني ثم توحدت الرئاسة سنة 1830م في عهد البطريرك يوحنا هرمزد ، اذا كان البابا لاون الثاني عشر قد أبطل سنة 1827 تمييز بطريركية آمد من بطريركية بابل ، واقتصر على بطريرك واحد يجلــس في الموصل ويدعى بطريـرك بابــل . ونصب في أواسـط القـــرن التاسع عشر البطريرك يوسف أودو ويتصف بمحبة الكنيسة الشرقية وتقاليدها العريقة . ونعود الى الكرسي الانطاكي في مركزه فنراه منذ عهد مكسيموس سنة 449م وحتى سنة 512م قد اغتصبه بطاركة تبعوا عقيدة مجمع خلقيدونية وآخرون متذبذبون ، واشتهر في هذه الفترة العصيبة مار بطرس الثاني المعروف بالقصار . وفي سنة 512م نصب مار سويريوس بطريركاً على انطاكية خلفاً لفلبيانس الذي عزله المجمع الانطاكي لتذبذبه في المعتقد ، ودبر مار سويريوس الكرسي بأمن وسلام حتى سنة 518م اذ توفي الامبراطور انسطاس الارثوذكسي وخلفه يوسطينوس الأول المؤيد لمجمع خلقيدونية الذي نفى في تلك السنة معظم الأساقفة الارثوذكسيين ومن جملتهم مار سويريوس الذي انتقل الى جوار ربه بمنفاه في مصر سنة 538م وخلفه مار سرجيس وهكذا لم تزل البطريركية الانطاكية السريانية متسلسلة الى يومنا هذا . وانتهز اتباع المجمع الخلقيدوني فرصة نفي مار سويريوس واقاموا منهم بطاركة أشهرهم أفرام الآمدي ومن هنا أي من سنة 518م تبدأ سلسلة البطاركة البيزنطيين وهم ( الروم الاثوذكس) وكان اغلبهم سريانا ً، وفيهم قسم من الجاليات اليونانية . وقد أطلق عليهم لقب الملكيين أي أتباع الملك ، لاتباعهم عقيدة مجمع خلقيدونية التي تبناها الملك عصرئذ . وكانوا يستعملون الطقس السرياني وفي القرنين العاشر والحادي عشر استبدلوه بالطقس اليوناني ، ولعدم معرفتهم اللغة اليونانية ترجموه الى لغتهم السريانية ، وفي الأجيال المتأخرة بعد تعلمهم اليونانية استعملوا الطقس اليوناني باليونانية والعربية ، وجمعوا الكتب السريانية في خزانة دير السيدة في قرية صيدنايا بالقرب من دمشق وأحرقوها. في القرن السابع حدث خلاف بين اتباع المجمع الخلقيدوني في منطقة الكرسي الانطاكي ، بسبب ظهور تعليم المشيئة الواحدة والمشيئتين في المسيح ، وانفصل على أثرها الرهبان الموارنة في لبنان وأقاموا لهم بطريركية خاصة ، وفي القرن الثاني عشر انضموا الى الكرسي الروماني وسموا بطريركيتهم ببطريركية انطاكية . وفي أوائل القرن الثامن عشر حدث خلاف اخر في صفوف الروم الارثوذكس ادى الى ترك بعضهم بطريركيتهم واتباعهم الكرسي الروماني وأقاموا لهم بطريركية خاصة دعوها ببطريركية انطاكية واطلقوا على أنفسهم اسم الروم الكاثوليك . وتشعبت ايضا البطريركية السريانية الانطاكية ، ففي أوائل القرن السابع عشر خرجت عنها في حلب فئة بتحريض الرهبان الكبوشيين وبمساعدة قنصل فرنسا ، وقصدوا مطراناً مارونياً سنة 1657م فرسم لهم القس اندراوس اخيجان الارمني المارديني الأصل اسقفاً نادوا به بطريركاً بعدئذ ، وبه تبتدئ سلسلة بطاركة السريان الكاثوليك . وفي الربع الأخير من القرن الثامن عشر انضم قسم من السريان الاثوذكس في العراق إلى الكرسي الروماني وذلك بدهاء القنصل الفرنسي الذي كان يشير على الحاكم العثماني في الموصل لتثقيل كواهل المسيحيين بالضرائب الباهضة ومن جهة اخرى كان يبث المرسلين الدومنكيين بين المسيحيين السذج يرغبونهم في طلب حماية فرنسا كي يتخلصوا من تلك الضرائب شريطة ان يخضعوا فقط لبابا روما ، وهكذا دخلت الكثلكة العراق وكان أهل قره قوش أول من اعتنقها سنة 1761م وبعد أواسط القرن التاسع عشر امتدت الى برطلة فالموصل مار يعقوب البرادعي عندما بطش قياصرة البيزنطيين برجالات الكنيسة السريانية الاثوذكسية وقتلوا بعضاً ونفوا آخرين ومات غيرهم من شدة الاضطهاد وتشرد غيرهم ، لم يبق للكنيسة السريانية سنة 544م سوى ثلاثة مطارنة . في هذه الفترة العصيبة قيض الله للكنيسة رجلاً هماماً هو مار يعقوب البرادعي الذي قصد القسطنطينية فاستقبلته بإحترام الملكة تيودورة ابنة قسيس منبج السرياني وزوجة الامبراطور جوستينيان التي كانت تخدم أساقفة الكنيسة المنفيين وتساعدهم في ضيقهم . وبهمتها رسم مار يعقوب مطراناً عام سنة 544م على يد مار تيودوسيوس بطريرك الاسكندرية الذي كان آنذاك منفياً في القسطنطينية ، واشترك معه بالرسامة ثلاثة أساقفة كانوا في السجن . فشمر مار يعقوب عن ساعد الجد وجال متفقداً الكنائس ومثبتاً المؤمنين ورسم سبعة وعشرين مطرانا ً، ومئات الكهنة والشمامسة ، وانتقل الى جوار ربه في 30 تموز سنة 578م وعيد له الكنيسة . وهكذا صمدت الكنيسة السريانية الأرثوذكسية أمام عاصفة الاضطهاد البيزنطي وحافظت على الايمان الرسولي المؤيد من المجامع المسكونية الثلاثة . وبقي كرسيها الانطاكي متحداً مع الكرسي الاسكندري حتى اليوم مشتركين بالايمان الواحد والعقيدة الواحدة ومعهما الأرمن الأرثوذكس وأتباع الكنيسة السريانية الارثوذكسية في الهند والكنيسة الاثيوبية . وقد سمى البيزنطيون في معجمهم السابع في القرن الثامن للميلاد الكنيسة السريانية الاثوذكسية بـ ( اليعقوبية ) نسبة الى مار يعقوب البرادعي . وغايتهم من هذا النعت الدخيل النيل من كرامة هذه الكنيسة العريقة التي هي سريانية أي مسيحية أرثوذكسية ، وليس مار يعقوب سوى أحد أبائها الميامين فهو ليس بمؤسسها ، كما أنه لم يأتها بعقيدة مستحدثة ، لذلك تستنكر بشدة هذا النعت الدخيل . ولابد أن نذكر أيضا ان الكنيسة السريانية الاثوذكسية تستنكر تسمية (المونوفيزيقية) التي هي ( الاوطاخية ) المعتقدة باستحالة الطبيعة الناسوتية في السيد المسيح الى الطبيعة الالهية وامتزاجها بها وتبلبل خواصها . والكنيسة السريانية الاثوذكسية تنبذ اوطاخي وتعاليمه وتطبع على غرار مار كيرلس الاسكندري بالاعتقاد أن السيد المسيح كامل بالناسوت وكامــل باللاهوت ولــه طبيعة واحدة مــن طبيعتين متحدتين بدون اختــلاط ولا امتزاج ولا استحالة .&lt;br/&gt;الكنيسة السريانية الارثوذكسية اليوم يربو عدد ابنائها على مليوني نسمة ، تقطن الاغلبية الساحقة منهم في الهند ، والباقي ينتشرون في سورية ، ولبنان ، والعراق ، والأردن ، وتركيا ، ومصر ، واوربا ، والامريركتين ، واوستراليا . ويعتبر البطريرك الأب العام لجميع السريان الارثوذكس في العالم . تجب طاعته على المطارنة والاساقفة والكهنة والرهبان والشمامسة والشعب قاطبة . وينادى باسمه قبل اسم الجاثليق في الهند ، والمطارنة في سائر الأبرشيات في أثناء القداس الالهي وفي ختام الصلوات اليومية وفي الاحتفالات الدينية والخدمات الكنسية ، كالرسامات . لقبه قداسة الحبر الأعظم مار اغناطيوس ( فلان) بطريرك انطاكية وسائر المشرق والرئيس الأعلى للكنيسة السريانية الاثوذكسية الجامعة ، ( في العالم ) . ومن حقوقه الدينية ، رسامة الجاثيليق والمطارنة والأساقفة المنتخبين شرعاً . وتقديس الميرون ، على أن يعاونه في ذلك على الأقل اثنان من المطارنة . كذلك له حق عقد المجامع ، وهو رئيس المجمع المقدس ( السنودوس ) ولا يمكن عزله الا اذا ابتدع بدعة في الدين المسيحي والايمان الارثوذكسي المقرر من المجامع المسكونية الثلاثة ( نيقية والقسطنطينية وافسس ) وتعاليم الآباء القديسين ، أو خالف قوانين الكنيسة أو أصيب بمرض عقلي لا يمكن شفاؤه او ساءت سيرته . والبطريرك مسؤول تجاه المجمع المقدس المؤلف من مطارنة الكرسي الرسولي الانطاكي كافة الذي يعتبر السلطة العليا في الكنيسة ، ففيه يتم انتخابه ، وتنصيبه ، واقرار انتخاب المطارنة والاساقفة ، والتحقيق معهم ومحاكمتهم في حالة مخالفتهم العقيدة والقوانين البيعية ، ونقلهم من أبرشية الى اخرى ، وعزلهم ، وقبول استعفائهم ، وكذلك تأسيس ابرشية جديدة ، أو الغائها ، ويعتبر اجتماع المجمع المقدس قانونياً اذا اجتمع فيه ثلثا المطارنة وتتخذ قراراته بالاكثرية وتعتبر نافذة بعد تصديق البطريرك عليها . تتألف الكنيسة اليوم من أربع وعشرين أبرشية ، عشر منها في الهند والباقي في البلاد الأخرى . ويرأس كلاً من هذه الأبرشيات مطران يدير شؤونها الروحية ، ويرسم لها الكهنة والشمامسة والرهبان ويكرس المذابح والهياكل ، ويقدس الزيت المقدس للعماد ويسن القوانين المحلية التهذيبية لخير أبرشيته وله مجلس كهنوتي ومجالس محلية واستشارية . وتحافظ الابرشيات على الإيمان الارثوذكسي وتتمسك بالتقليد الرسولي القديم وتمارس الطقوس البيعية باللغة السريانية الى جانب اللغات المحلية . لقد كان لهذه الكنيسة في الأزمنة الماضية مئات الاديرة ، بقي منها اليوم عدد ما زال عامراً ، اشهرها في الشرق الأوسط :&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;1- دير مار متى قرب الموصل في العراق . ودير مار كبرئيل في طورعبدين ـ تركيا ويعود تاريخهما الى القرن الرابع للميلاد .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; 2- ودير مار حننيا ( الزعفران ) في ماردين ـ تركيا الذي اسس في القرن الثامن للميلاد . وفي كل من الديرين الاخيرين مدرسة اكليريكية ابتدائية .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;3- ودير مار مرقس في القدس الذي يعد من مفاخر المسيحية اذ هو (( العلية )) التي أكل فيها السيد المسيح الفصح مع تلاميذه حسبما ظهر من رقيم اكتشف في كنيسة الدير سنة 1940 م يعود تاريخ كتابته السريانية الى ما قبل القرن السادس للميلاد ، جاء فيه ما ترجمته (( هذا هو بيت مريم أم يوحنا الذي يدعى مرقس )) . وللكنيسة معهد لاهوتي في العطشانة ـ لبنان ، ومعهد اخر في الهند يتخرج فيهما اكليروسها . والكنيسة السريانية الارثوذكسية اليوم آخذة بالنمو ، والتقدم والازدهار ، قال فيها احد مؤرخي الروم الارثوذكس ما يأتي : (( السريان شعب نشيط ، عامل ، مقتصد ، لذلك قلما ترى فيه متسولاً . وبالرغم عن الأزمات الشديدة التي مرت به ما برح محافظاً على مركزه الاقتصادي لحبه الدأب في العمل وبعده عن تقليد الغربيين بالاسراف والبذخ )) . وقال مؤرخ بحاثة من الكنيسة الاسقفية في القرن الماضي ، ما يأتي : (( ليس من الصعب على العناية الربانية ان يمد هذا الشعب جذوره في الارض ثانية ويحمل ثماراً كثيرة اذ قد تحرر من سيطرة عقيدة غريبة ، وسطوة أجنبية ، ومن الظلم والاضطهادات القاسية التي احتملها لمدة طويلة . فهو في الوقت الحاضر مع كل ضعفه يمثل الكنائس القديمة التي كانت في عصر غابر نضرة في شرق البلاد وجنوبها )) . والكنيسة السريانية الارثوذكسية عضو في مجلس الكنائس العالمي ، انضمت اليه عام 1960 . وهي عضو في المجالس الكنسية المحلية ، وتتعاون مع سائر الكنائس المسيحية ، وتشترك في الحوار اللاهوتي المسكوني على النطاق الرسمي والخاص .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;الخاتمة &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;هذه صورة صادقة ، قد تكون غير متكاملة ، رسمتها لكنيسة انطاكية . كنيسة الشرق الاصيلة ذات الشخصية المعنوية الكاملة من حيث الايمان والعقيدة والليتورجية والخدمة ونشر البشارة الانجيلية الى أقصى الشرق . الكنيسة التي مزقت الانقسامات جسمها . وكلي أمل أن نرجع الى مصادر تاريخها وندرس بإمعان أسباب تفكك أعضائها وتمزق شملها ، والنفور الذي دب في صفوفها فتعددت أسماؤها واختلفت اتجاهاتها . وبالصلاة ، والحوار ، يلم شعثها ، ويداوي جرحها ، وتعود شركة بالايمان بين فرقها فتزول الحروم واللعنات وتحل البركات ، وتتحقق وحدتها كما كانت فجر المسيحية وفق روح الانجيل القائل : (( ان يكون الجميع واحداً )).&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;</description>
    </item>
    <item>
      <title>الدولة العاشرة &#13; المنتقلة إلى ملوك المغول &#13;&#13;  غريغوريوس ابن العبري </title>
      <link>http://www.syriacstudies.com/AFSS/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A3/Entries/2009/9/27_%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D8%B4%D8%B1%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%AA%D9%82%D9%84%D8%A9_%D8%A5%D9%84%D9%89_%D9%85%D9%84%D9%88%D9%83_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D9%88%D9%84_%D8%BA%D8%B1%D9%8A%D8%BA%D9%88%D8%B1%D9%8A%D9%88%D8%B3_%D8%A7%D8%A8%D9%86_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%B1%D9%8A.html</link>
      <guid isPermaLink="false">53334b3a-db6b-4b71-aaf5-ae0b74c939ca</guid>
      <pubDate>Sun, 27 Sep 2009 19:04:46 -0400</pubDate>
      <description> &amp;quot; هولاكو بن تولي خان &amp;quot;&lt;br/&gt; و لما ملك هولاكو بغداد و رتب بها الشحاني و الولاة أنفذ بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل إليه ابنه الملك الصالح اسمعيل و معه جماعة من عسكره نجدةً له . فأظهر له هولاكو عبسة و قال : أنتم بعد في شك من أمرنا و مطلتم نفوسكم يوماً بعد يوم و قدمتم رجلاً و أخرتم أخرى لتنظروا من الظافر بصاحبه فلو انتصر الخليفة و خذلنا لكان مجيئكم إليه لا إلينا . قل لأبيك : لقد عجبنا منك تعجباً كيف ذهب عليك الصواب و عدل بك ذهنك عن سواء السبيل و اتخذت اليقين ظناً و قد لاح لك الصبح فلم تستصبح . فلما عاد الصالح إلى الموصل و بلغ أباه ما حمل من الرسالة الزاجرة أيقن بدر الدين أن المنايا قد كشرت له عن أنيابها و ذلت نفسه و هلع هلعاً شديداً و كاد يخسف بدره و يكسف نوره . فانتبه من غفلته و أخرج جميع ما في خزائنه من الأموال و اللآلئ و الجواهر و المحرمات من الثياب و صادر ذوي الثروة من رعاياه و أخذ حتى حلي حظاياه و الدرر من حلق أولاده و سار إلى طاعة هولاكو بجبال همذان . فأحسن هولاكو قبوله و احترمه لكبر سنه و رق له و جبر قلبه بالمواعيد الجميلة و استأمن إليه و داعبه و قدمه إلى أن أصعده إليه على التخت و أذن له أن يضع بيده في أذنيه حلقتين كانتا معه فيهما درتان يتيمتان . و أقام في خدمته أياماً ثم عاد إلى الموصل مسروراً مبروراً بل مذعوراً مما شاهد من عظمة هولاكو و هيبته و دهائه .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وفيها توجه الأشرف بن الملك الغازي بن الملك العادل صاحب ميافارقين إلى الملك الناصر صاحب حلب يطلب منه نجدة ليمنع المغول من الدخول إلى الشام . فاستخف برأيه و لم يسمع مشورته بل سوفه بكلام و سرحه من عنده بالأمان . و لما وصل إلى ميافارقين مدينته طرد شحاني المغول منها و صلب رجلاً قسيساً كان قد وصل إليه من خدمة قاان باليراليغ و البوايز . و بينما هو كذلك أدركته عساكر المغول و أحاطت بمدينته و في رأس العسكر يشموت بم هولاكو . و في يوم و ليلة بنى المغول حول مدينته سوراً و حفروا خندقاً عميقاً ثم نصبوا عليها المنجنيقات و ابتدأوا بالقتال و قاتلوا قتالاً شديداًمن الجانبين . و لما راى المغول أن المدينة لم يمكنهم أخذها بالقتال أبطلوا القتال و حاصروها و منعوا الناس من الدخول إليها و الخروج عنها .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;و في سنة سبع و خمسين و ستمائة أرسل هولاكو إيلجية إلى الملك الناصر صاحب حلب برسالة يقول فيها : يعلم الملك الناصر أننا نزلنا بغداد في سنة ست و خمسين و ستمائة و فتحناها بسيف الله تعالى و أحضرنا مالكها و سألناه مسئلتين فلم يجب لسؤالنا فلذلك استوجب منا العذاب كما قال في قرآنكم أن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم . و صان المال . فآل الدهر به إلى ما آل . و استبدل النفوس النفيسة .بنقوش معدنية خسيسة . و كان ذلك ظاهر قوله تعالى : وجدوا ما عملوا حاضراً . لأننا قد بلغنا بقوة الله الإرادة . و نحن بمعونة الله في الزيادة . و لا شك أن نحن جند الله في أرضه خلقنا و سلطنا على من حل عليه غضبه . فليكن لكم في ما مضى معتبر . و بما ذكرناه و قلناه مزدجر . فالحصون بين أيدينا لا تمنع . و العساكر للقائنا لاتضر و لا تنفع . و دعاؤكم علينا لا يستجاب و لا يسمع . فاتعظوا بغيركم . و سلموا إلينا أموركم . قبل أن ينكشف الغطا . و يحل عليكم الخطا . فنحن لا نرحم من شكا . و لا نرق لمن بكا . قد أخربنا البلاد . و أفنينا العباد . و أيتمنا الأولاد . و تركنا في الأرض الفساد . فعليكم بالهرب . و علينا بالطلب . فما لكم من سيوفنا خلاص . و لا من سهامنا مناص .فخيولنا سوابق . و سهامنا خوارق . و سيوفنا صواعق . و عقولنا كالجبال . و عددنا كالرمال . فمن طلب منا الأمان سلم . و من طلب الحرب ندم . فإن أنتم أطعتم أمرنا و قبلتم شرطنا كان لكم ما لنا و عليكم ما علينا . و إن أنتم خالفتم أمرنا و في غيكم تماديتم فلا تلومونا و لوموا أنفسكم . فالله عليكم يا ظالمين فهيئوا للبلايا جلباباً . و للرزايا أتراباً . فقد أعذر من أنذر . و أنصف من حذر . لأنكم أكلتم الحرام و خنتم بالإيمان . و أظهرتم البدع و استحسنتم الفسق بالصبيان . فابشروا بالذل و الهوان . فاليوم تجدون ما كنتم تعلمون . سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون . فقد ثبت عندكم أننا كفرة . و ثبت عندنا أنكم فجرة . و سلطنا عليكم من بيده الأمور مقدرة . و الأحكام مدبرة .فعزيزكم عندنا ذليل . و غنيكم لدينا فقير . و نحن مالكون الأرض شرقاً و غرباً . و أصحاب الأموال نهباً و سلباً . و أخذنا كل سفينة غصباً . فميزوا بعقولكم طرق الصواب قبل أن تضرم الكفرة نارها . و ترمي بشرارها . فلا تبقي منكم باقية . و تبقى الأرض منكم خالية . فقد أيقظناكم . حين راسلناكم . فسارعوا إلينا برد الجواب بتةً . قبل أن يأتيكم العذاب بغتةً . و أنتم تعلمون . فطلبه ليحضر عنده . و لما شاور الأمراء لم يمكنوه من المشي إلى هولاكو و بقي متحيراً خائفاً مذعوراً لم يدر ما يصنع . غير أنه استجار الله و سير ولده الملك العزيز و صحبته الأموال الكثيرة و الهدايا و التحف . و بقي هناك من أوائل الشتاء إلى الربيع ثم عاد إلى أبيه قائلاً : قد قال ملك الأرض : نحن للملك الناصر طلبنا لا لولده فالآن إن كان قلبه صحيحاً معنا يجيء إلينا و إلا فنحن نمشي إليه . فلما سمع الملك الناصر ذلك بقي متردداً في رأيه لأن الأمراء لم يمكنوه من المشي إليه و هو فقد وقع عنده الخوف و الجزع و لم يطمئن على القعود . ثم سير هولاكو في طلب سلطان الروم عز الدين و أخيه ركن الدين فأطاعاه و مشيا إليه و أحسن قبولهما و التقاهما مرحباً بهما فرحاناً و تقدم إليهما بأن عز الدين يتملك على قيسارية إلى تخوم إرمينية الكبرى و ركن الدين يتملك من اقسرا و إلى ساحل البحر حدود الافرنج . ثم أنه بعد ذلك توجه إلى الشام و توجها في خدمته إلى قريب الفرات و عادا إلى بلادهما مسرورين مغبوطين . و في هذه السنة توفي السلطان الملك الرحيم بدر الدين أبو الفضائل لؤلؤ صاحب الموصل في عشرين يوماً مضت من شهر تموز و تولى ولده الملك الصالح اسماعيل الموصل و ولده علاء الدين سنجار و ولده سيف الدين الجزيرة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;في سنة ثماني وخمسين و ستمائة دخا هولاكو إلخان الشام و معه من العساكر أربعمائة ألف و نزل بنفسه على حران و تسلمها بالأمان و كذلك الرها و لم يدن لأحدٍ فيهما سوء . و أما أهل سروج فإنهم أهملوا أمر المغول فقتلوا عن أقصاهم . و تقدم هولاكو فنصب جسراً على الفرات قريباً من مدينة ملطية و آخر عند قلعة الروم وآخر عند قرقيسياء و عبرت العساكر جملتها و قتلوا عند منبج مقتلة عظيمة . ثم تفرقت العساكر على القلاع و المدن .و نفر قليل من العسكر طلب حلب فخرج إليهم الملك المعظم ابن صلاح الدين الكبير فالتقاهم و انكسر قدام المغول و دخل المدينة منهزماً . و طرفٌ منهم وصل إلى المعرة و خربوها . و تسلموا حماة بالأمان و حمص أيضاً . فلما بلغ ذلك الملك الناصر أخذ أولاده و نساءه و جميع ما يعز عليه و توجه منهزماً إلى برية الكرك و الشوبك . و عندما وصلت المغول إلى دمشق خرج أعيانها إليهم و سلموها لهم بالأمان و لم يلحق بأحد منهم أذىً . و اما هولاكو فإنه بنفسه نزل على حلب و بنى عليها سيباً و نصب المنجنيقات و استضعف في سورها موضعاً عند باب العراق و أكثر القتال و الزحف عليه . و في أيام قلائل ملكوها و دخلوها يوم الأحد الثالث و العشرين من كانون الثاني من هذه السنة و قتل فيها أكثر من الذي قتل ببغداد . و بعد ذلك أخذوا القلعة في أسرع ما يكون وقتاً . ثم أن هولاكو رحل عنها و أحاط بقلعة الحارم و اختار أن يسلموها إليه و يؤمنهم على أنفسهم فلم يطمئنوا إلى قوله و إنما طلبوا منه رجلاً مسلماً يحلف لهم و يكون صاحب شريعة يطمأن إليه حيث يحلف لهم بالطلاق و المصحف أن لا يدنو لأحد منهم سوء و ينزلوا و يسلموا إليهم القلعة . فسألهم هولاكو : من تريدون أن يحلف لكم . قالوا : فخر الدين الوالي بقلعة حلب فإنه رجل صادق مؤمن خير . فتقدم هولاكو إليه فدخل إليهم و حلف لهم على جميع ما يريدون . فحينئذٍ فتحوا الأبواب و نزل الناس خلائق كثيرة و تسلم المغول القلعة . ثم أن هولاكو تقدم بقتل فخر الدين الوالي أولاً ثم بقتل جميع من كان في القلعة من الصغار و الكبار الرجال منهم و النساء حتى الطفل الصغير في المهد . و رحل هولاكو من هناك عائداً إلى البلاد الشرقية . و رتب في الشام أميراً كبيراً يسمى كتبوغا و معه عشرة آلاف فارس من العسكر . و لما وصل إلى تل باشر وصلت العساكر التي حاصرت ميافارقين و معهم الأشرف صاحبها و أنهوا أنهم أخذوها و قتلوا كل من فيها و لم يتخلف فيها إلا أنفار قليلة لأنهم هلكوا جوعاً و ماتوا . و لولا ذلك لم يتمكن المغول من أخذها . و قتل الأشرف صاحبها و بعد ذلك ندم هولاكو على قتله . ثم أنه ولى عليها رجلاً أميراً من أمراء الأشرف يسمى عبد الله . و لما وصل هولاكو قريب ماردين سير يطلب صاحب ماردين إليه . فأبى و لم ينزل إليه . بل سير ولده مظفر الدين لأنه كان في خدمة هولاكو هو و الملك الصالح ابن السلطان بدر الدين لما كان بالشام . قال له هولاكو : تصعد إلى أبيك و تقول له ينزل إلينا و لا يعصي و إن عصى لم يصب خيراً . و لما صعد إلى أبيه و خاطبه لم يقنع بأنه لم يسمع مشورته بل قيده و حبسه عنده . فعند ذلك أحاطت المغول بماردين و ابتدأوا بالقتال و لولا أن وقع فيها الوباء و الموت و مات السلطان و أكثر أهلها لما أخذوها لا في سنتين و لا في ثلاثة . و لما مات السلطان نزل ابنه الملك المظفر و سلم إليهم القلعة و الخزائن و الأموال . و تحقق عند ملك الأرض هولاكو ما جرى عليه من أبيه فلأجل ذلك أكرمه و أحسن إليه و ملكه موضع أبيه . و كتبوغا كبير عسكر المغول الذي نزل بالشام لم يزل يستفحص عن أخبار الملك الناصرالمنهزم في البراري حتى عرف موضعه و سير عليه بعض العسكر فلزموه و سيروه إلى هولاكو . و لما مثل بين يديه فرح به و وعده بكل خير و جميل و أنه يعيده إلى ملكه و هو يومئذٍ نازل بجبال الطاق . فبينما هم في ذلك وصل خبر أن قوتوز التركماني الذي تولى مصر لما بلغه أن هولاكو رجع إلى المشرق و كتبوغا بعشرة آلاف فارس في الشام استضعفه و جمع عسكراً كثيراً و خرج التقى به و كسره و قتله و استأسر أولاده و كان ذلك في السابع و العشرين من رمضان من سنة ثماني و خمسين و ستمائة . فغضب هولاكو لذلك و تقدم بقتل الملك الناصر و قتل أخيه الملك الظاهر و جميع من معهم .و لم يخلص منهم غير محيي الدين المغربي بسبب أنه&lt;br/&gt;كان يقول إنني رجل أعرف بعلم السماء و الكواكب و التنجيم و لي كلام أقوله لملك الأرض . قال محيي الدين المذكور لما اجتمعنا به في مدينة مراغة : إنني لما قلت لهم هذا الكلام أخذوني و أحضروني بين يدي هولاكو فتقدم أن يسلموني إلى خواجا نصير الدين . و حكى لنا صورة ما جرى للملك الناصر قال : كنت في خدمته يوم الأربعاء عشرين شوال و هو يسألني عن مولده إذ وصل أمير من المغول و معه نحو خمسين فارساً . فخرج الملك النصر من الخيمة و التقاه و عرض عليه النزول . فامتنع قائلاً : إن هولاكو سيرني و يقول : هذا اليوم لنا فرحة و قد عملنا دعوة و حضر الأمراء كلهم فتحضر أنت و أخوك و أولادك للأمر الذي لك عندنا . فجمع الملك الناصر جماعته مقاربةً عشرين نفراً و ركبوا و ساروا صحبة ذلك الأمير .و بعد ساعة وصل أيضاً عشرون فارساً آخر و قالوا : يحضر الجماعة كلهم و لا يبقى في الخيم غير الفراشين و المماليك الصغار و الطباخين و الغلمان . و باقي الجماعة الخيالة و الكتاب يحضرون في الدعوة . &amp;quot; قال &amp;quot; فأخذونا إلى مواضع أودية عميقة بين حجارة عالية و نزلنا عن الخيل فاحتاط كل واحد منهم بواحد منا و كتفونا . فلما عاينت ذلك بقيت أقول بصوت عالٍ : إنني رجل منجم و أعرف بحركات الكواكب و معي كلام أقوله في خدمة السلطان ملك الأرض . فأخذوني و أقعدوني ورائهم مع جملة أتباعهم و شرعوا بقتل الجماعة و لم يخلص منهم غير ولدي الملك الناصر فاستأسروهما . ثم ركبوا و عادوا إلى البيوت التي للملك الناصر و نهبوها و قتلوا باقي الجماعة التي تخلفت هناك . ثم عرضوا الأمر على هولاكو و أنا صرت في خدمة خواجا نصير الدين في الرصد بمراغة و ابنا الملك الناصر في خدمته .كان يقول إنني رجل أعرف بعلم السماء و الكواكب و التنجيم و لي كلام أقوله لملك الأرض . قال محيي الدين المذكور لما اجتمعنا به في مدينة مراغة : إنني لما قلت لهم هذا الكلام أخذوني و أحضروني بين يدي هولاكو فتقدم أن يسلموني إلى خواجا نصير الدين . و حكى لنا صورة ما جرى للملك الناصر قال : كنت في خدمته يوم الأربعاء عشرين شوال و هو يسألني عن مولده إذ وصل أمير من المغول و معه نحو خمسين فارساً . فخرج الملك النصر من الخيمة و التقاه و عرض عليه النزول . فامتنع قائلاً : إن هولاكو سيرني و يقول : هذا اليوم لنا فرحة و قد عملنا دعوة و حضر الأمراء كلهم فتحضر أنت و أخوك و أولادك للأمر الذي لك عندنا . فجمع الملك الناصر جماعته مقاربةً عشرين نفراً و ركبوا و ساروا صحبة ذلك الأمير .و بعد ساعة وصل أيضاً عشرون فارساً آخر و قالوا : يحضر الجماعة كلهم و لا يبقى في الخيم غير الفراشين و المماليك الصغار و الطباخين و الغلمان . و باقي الجماعة الخيالة و الكتاب يحضرون في الدعوة . &amp;quot; قال &amp;quot; فأخذونا إلى مواضع أودية عميقة بين حجارة عالية و نزلنا عن الخيل فاحتاط كل واحد منهم بواحد منا و كتفونا . فلما عاينت ذلك بقيت أقول بصوت عالٍ : إنني رجل منجم و أعرف بحركات الكواكب و معي كلام أقوله في خدمة السلطان ملك الأرض . فأخذوني و أقعدوني ورائهم مع جملة أتباعهم و شرعوا بقتل الجماعة و لم يخلص منهم غير ولدي الملك الناصر فاستأسروهما . ثم ركبوا و عادوا إلى البيوت التي للملك الناصر و نهبوها و قتلوا باقي الجماعة التي تخلفت هناك . ثم عرضوا الأمر على هولاكو و أنا صرت في خدمة خواجا نصير الدين في الرصد بمراغة و ابنا الملك الناصر في خدمته .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&amp;quot; جلوس قوبلاي قاان على كرسي المملكة &amp;quot; &lt;br/&gt; فمن هذا التاريخ بعض ملوك الخطا تمرد و عصى على المغول لكونه قوي البأس متمكناً في أمره كثير العساكر يحكم على أربعمائة مدينة . و أوجب ذلك أن مونككا قاان بنفسه تهير لملتقى هذا المتمرد فترك أخاه الصغير و هو أريغبوكا مكانه و استصحب أخاه قوبلاي و دخل إلى بلاد الصين . و أول الملتقى اتفق أن أصابه نشابة و مات . فأخذ أخوه قوبلاي العساكر و خرج من بلاد الخطا . ثم وصل إلى خان باليق و أقام هناك . و اتفق عظماؤه و الأكثرون من المغول أن يكون هو موضع أخيه قاان . و أما الأخ الصغير و هو أريغبوكا فقال : إن عند توجه قاان إلى الخطا سلم إليه الملك فهو الأولى أن يكون موضع أخيه بمقتضى الياسا الذي لهم . و حصلت المنازعة و المقاومة بين الأخين لأجل ذلك مدة سبع عشرة سنة إلى أن عجز الأخ الصغير و بطل عزمه و قوي أمر قوبلاي قاان و ظهر منه العدل الحسن و الدراية و التدبير و الكفاية . و إنه كان يحب الحكماء و العلماء و المتدينين من سائر المذاهب و الأمم . و قيل عنه أنه كان قليل المباشرة للنساء بل باعتدال و متوسط التدبير بالشهوات و الشراب و اللذات و اللهو و لم يتناول من اللحوم إلا ألطفها بخلاف باقي الطوائف من المغول .&lt;br/&gt; و أما قوتوز التركماني صاحب مصر بعد ما كسر كتبوغا و تمكن من الشام أقام الشحاني و النواب في حلب و دمشق و سائر بلاد الشام و عاد إلى ديار مصر بحيث أن هناك يجمع العساكر و يشتد و يقوى على ملتقى المغول . و لما وصل قريباً من غزة نهض عليه بيبرز المعروف بالبندقدار الصغير و هو مملوك البندقدار الكبير و قتله و أخذ جماعة و دخل إلى مصر و تسلمها و تمكن و قوي و لقبوه ركن الدين الملك الظاهر و اشتد بأسه و تسلط على جميع المدن و القلاع التي على ساحل البحر للإفرنج . و في سنة تسع و خمسين و ستمائة عاد دخل المغول إلى الشام و في رأس العسكر أمير يسمى كوكالكي و دخلوا إلى قريب حمص و نهبوا و سبوا و قتلوا خلقاً كثيراً و عادوا إلى حلب و كان قد انهزم جميع أهل القرايا إلى حلب فتقدم كوكالكي أن يخرج أهل القرايا و المدن إلى ظاهر البلد و ينعزل أهل كل مدينة و قرية بمعزل بحيث يعدونهم و يسيرون كل قوم إلى مكانهم و وطنهم . و تسلمهم المغول كأنهم يسيرونهم إلى ضياعهم و عندما يبعدون يقولون : أنتم لو كانت قلوبكم معنا صافية لما انهزمتم من قدامنا . فقتلوهم عن أقصاهم و لم يفلت منهم غير أهل حلب بحيث أنهم لم ينتقلوا عن حلب . و عاد المغول خرجوا من الشام ثم عاد المصريون تملكوا الشام .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;و فيها هرب علاء الدين بن بدر الدين لؤلؤ صاحب سنجار إلى مصر . و لما أقام هناك مدة يسيرة كتب إلى أخيه الملك الصالح اسماعيل صاحب الموصل يعرفه قوة البندقدار و عظمته و أشار عليه بترك الموصل و قصده خدمة البندقدار بحيث أنه إذا استولى البندقدار على قهر المغول و أخذ البلاد منهم يكون له اليد البيضاء عنده و يملكه مع الموصل بلاداً أخرى من المشرق . و لما وصل الكتاب إلى الملك الصالح و وقف عليه وضعه تحت طراحته و كان عنده في ذلك الوقت من الأمراء شمس الدين محمد بن يونس الباعشيقي من جملة أمراء أبيه النواب ببلد نينوى . فغافله و أخذ الكتاب من تحت الطراحة و خرج من عنده و لم يلبث حتى وصل إلى قريته باعشيقا . بعد ذلك مد يده ليأخذ الكتاب فلم يجده فوقع عنده أن شمس الدين بن يونس قد أخذ الكتاب و صار عنده القلق العظيم لأجل ذلك و سير القصاد في الحال في طلبه و قد عزم على قتله . و عندما وصل المماليك إليه أشغلهم بالأكل و الشرب و قال لهم : أن هذه الليلة كلوا و اشربوا و عند الصباح نركب إلى خدمة السلطان . و أوصى غلمانه فأكثروا عليهم الشراب و أسكروهم و ناموا . فأخذ شمس الدين بن يونس أولاده و ما يعز عليه و ركب من أول الليل و توجه يقصد أربل و كان له مشورة مع الرؤساء النصارى بناحية برطلي فعبر عليهم و عرفهم أن الملك الصالح قد عزم على قتل جميع أكابر النصارى ببلد نينوىو أنه بعد ذلك يتوجه إلى الشام . و كان قد حصل لهم الشعور بذلك من قبل فصدقوه و تهيروا هم و ما يعز عليهم من أولادهم . و شاع الخبر في جميع النصارى ببلد نينوى فكل من أمكنه العبور إلى اربل سارع بالعبور فعبر أكثر أهل البلد من النصارى و كان ذلك ليلة يوم الخميس .أما المماليك الذين كانوا قد وصلوا إلى شمس الدين بن يونس فلما أصبحوا و صحوا من سكرهم فلم يجدوه فظنوا أنه قد سبقهم بالدخول إلى الموصل إلى الملك الصالح . و لما دخلوا و عرفوا الملك الصالح بما جرى وقع في الجزع و الخوف و قال : لا نأمن أن ابن يونس يمشي يعرف بالقضية المغول و يجيب علينا العساكر و يجيء . فتهير هو و جماعة من الأمراء و الأولاد و أخذوا ما يقدرون عليه مما يمكنهم حمله و خرج من المدينة يوم الجمعة ثاني يوم عبور ابن يونس و النصارى إلى اربل صلى الجمعة و خرج متوجهاً إلى الشام و بطلت عزيمته أنه يخرج هو و العسكر إلى بلد نينوى و يلزم أكابر النصارى و يأخذ أموالهم و يقتلهم ثم يمشي إلى الشام . ثم أنه لما خرج من الموصل وقع الخلف بين أمرائه اموالهم فمنهم من تبعه و منهم من عاد إلى الموصل . و الذين عادوا إلى الموصل كان كبيرهم الأمير علم الدين سنجر . فلما وصلوا إلى الموصل و كانت زوجة الملك الصالح تركان الخوارزمية في المدينة لم تتوجه معه و لا تبعته و كان في الموصل شحنة اسمه ياسان فاتفقوا هم و أتباعهم و غلقوا أبواب الموصل في وجوههم و لم يمكنوهم من الدخول . فنزلوا خارج المدينة و شرعوا يقاتلون أياماً يسيرة . فعند ذلك كان في المدينة رجل اسمه محيي الدين بن زبلاق من كتاب الإنشاء الذين كانوا للسلطان بدر الدين فاتفق هو و جماعة من أهل المدينة و خامروا على تركان خاتون و على الشحاني و فتحوا الأبواب . و لما دخل علم الدين و جماعته هرب الشحنة ياسان و تركان و أتباعهم و تحصنوا في قلعة الموصل . و ثار أهل الموصل على النصارى من الأعوام و نهبوهم و قتلوا كل من وقع بإيديهم و سلم من دخل في دين الإسلام . و أما أكراد الجبال فكان قد قرر معهم الملك الصالح أن يتهيروا و يجمعوا جموعهم و ينزلوا إلى نينوى . و يوم السبت ثاني الجمعة التي خرج الملك الصالح من المدينة نزلوا إلى بلد نينوى و نهبوا النصارى المتخلفين و سبوا و قتلوا . و بينما هم كذلك و ذلك في أيام يسيرة من أيار تلك السنة وقع الخبر أن عسكر المغول قد أقبل من صوب الجزيرة فخرج الأمير علم الدين سنجر و جماعته من الموصل و اجتمع إليه أمراء الأكراد . فلما صادف العسكر قاتلوهم وقاتلوه . و كان في رأس العسكر تورين شحنة الموصل فأحاطوا بعلم الدين سنجر و جميع من معه و قتلوهم عن أقصاهم و لم يفلت منهم إلا الطويل العمر . بعد ذلك بقي أمر بلد الموصل و الموصل مدة مديدة في حيرة . و عند أواخر الصيف تواترت الأخبار بوصول عساكر المغول . و قريب من كانون الأول وصل العسكر و أحاط بالموصل و في رأس العسكر أمير كبير اسمه سمدغو محب للنصارى . و بينما هم قد نزلوا على الموصل وصل الخبر برجوع الملك الصالح من الشام . و لما سمع المغول ذلك تأخروا عن المدينة إلى حين ما دخل إليها ثم عاد المغول أحاطوا بها و بنوا السيبا حولها في ليلة واحدة و ابتدأوابالقتال من داخل و من خارج و كان ذلك من كانون الأول إلى الربيع و قل القوت على أهل المدينة .و سير الأمير سمدغو يخدع الملك الصالح و يعده بالمواعيد الحسنة و بطل القتال و قعدوا قعوداً . و كان في وسط هذه المدة المذكورة وصل عسكر من الشام و مقدمهم أمير اسمه برلوا نجدة للملك الصالح الذي وعد به . فسارع المغول و التقوه عند سنجار و أحاطوا بهم و قتلوهم جميعهم و كسبوا ما معهم من الخيل و السلاح و غير ذلك . بعد ذاك لما صار الأمير سمدغو يخاطب الملك الصالح و يطايبه انخدع و فتح أبواب المدينة و خرج إليهم بالمطربين و الأغاني و المساخرة بين يديه . و حينما مثل بين يدي سمدغو احتاط المغول به و دخل العسكر الموصل و سبوا و نهبوا و قتلوا مدة ثمانية أيام و قتل فيها عالم لا يحصي عددهم إلا الله تعالى . و بعد ذلك قرر الأمير سمدغو في الموصل حاكماً الأمير شمس الدين بن يونس و رحل عنها . و كان قد قتل ولد الملك الصالح علاء الملك صبي حدث أسقوه خمراً كثيراً ثم شدوه و قطعوه وترين في المدينة عند القلعة و صحبوا الملك الصالح إلى هولاكو و قتل هناك .ير اسمه سمدغو محب للنصارى . و بينما هم قد نزلوا على الموصل وصل الخبر برجوع الملك الصالح من الشام . و لما سمع المغول ذلك تأخروا عن المدينة إلى حين ما دخل إليها ثم عاد المغول أحاطوا بها و بنوا السيبا حولها في ليلة واحدة و ابتدأوابالقتال من داخل و من خارج و كان ذلك من كانون الأول إلى الربيع و قل القوت على أهل المدينة .و سير الأمير سمدغو يخدع الملك الصالح و يعده بالمواعيد الحسنة و بطل القتال و قعدوا قعوداً . و كان في وسط هذه المدة المذكورة وصل عسكر من الشام و مقدمهم أمير اسمه برلوا نجدة للملك الصالح الذي وعد به . فسارع المغول و التقوه عند سنجار و أحاطوا بهم و قتلوهم جميعهم و كسبوا ما معهم من الخيل و السلاح و غير ذلك . بعد ذاك لما صار الأمير سمدغو يخاطب الملك الصالح و يطايبه انخدع و فتح أبواب المدينة و خرج إليهم بالمطربين و الأغاني و المساخرة بين يديه . و حينما مثل بين يدي سمدغو احتاط المغول به و دخل العسكر الموصل و سبوا و نهبوا و قتلوا مدة ثمانية أيام و قتل فيها عالم لا يحصي عددهم إلا الله تعالى . و بعد ذلك قرر الأمير سمدغو في الموصل حاكماً الأمير شمس الدين بن يونس و رحل عنها . و كان قد قتل ولد الملك الصالح علاء الملك صبي حدث أسقوه خمراً كثيراً ثم شدوه و قطعوه وترين في المدينة عند القلعة و صحبوا الملك الصالح إلى هولاكو و قتل هناك .&lt;br/&gt; و في سنة إحدى و ستين و ستمائة شخص اسمه زكي الاربلي منادٍ في سوق البهائم قد كان من أجناد الموصل سعى في الأمير شمس الدين بن يونس و قال أنه قد جمع الأموال و الجواهر من خزائن بيت بدر الدين . و ذكر عنه أنه سقاه سماً ليموت و أنه استعان بحكيم نصراني اسمه الموفق النصيبي حتى داواه . و لما سألوا لابن يونس ذلك أنكره فضربوه أشد ضرب ليقر . و بينما هم في ذلك وقع من ثيابه ورقة فيها آية من القرآن . فالساعي فيه و هو الزكي الاربلي قال أنها سحر لأجل المغول . فرسم بقتله . و تولى الموصل الزكي الاربلي موضعه . و في سنة أربع و ستين و ستمائة توفي هولاكو و كان حكيماً حليماً ذا فهم و معرفة يحب الحكماء و العلماء . و بعده بقليل اندرجت طقز خاتون زوجته و كانت أيضاً عظيمة في رأيها و خبرتها .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&amp;quot; اباقا ايلخان &amp;quot;&lt;br/&gt; بعد ذلك اجتمعت الأولاد و الأمراء و الخواتين و اتفقوا على أن اباقاابن هولاكو يقعد على كرسي المملكة لأن عنده العقل و الكفاية و العلم و الدراية . و لما جلس و تمكن كان سعيداً منصوراً في جميع حركاته و سكناته محبوباً من جميع الخلق . و كان قد سير هولاكو طلب ابنة ملك القسطنطينية خطبها لنفسه . فلما أخذها الرسل و خرجوا بها و وصلوا إلى القيسارية بلغهم الخبر بموت هولاكو و لم تتمكن من الرجوع إلى بلادها فوصلت إليه و دخل عليها . و فيها وصل اليرليغ من أباقا إلى بغداد أن علاء الدين صاحب الديوان يكون حاكماً مطلقاً لا يكون فوق يده يد . و كان شحنة بغداد قرابوغا و نائبه اسحق الأرمني يرومان أذيته فانكفأا عنه و صارا يتحيلان له بأذى فحصلا شخصاً أعرابياً و علماه أن يقول عنه أنه سير جاء به من البادية بحيث يكون له دليلاً عندما يريد أن يأخذ ماله و أولاده و ما يتعلق به و يمشي إلى الشام . و أوثقا مع البدوي هذا الكلام . حينئذٍ سيرا احتاطا بدار صاحب الديوان و البدوي يحملانه إلى الاردو . و عندما ضرب البدوي و قرر أقر أن اسحق الأرمني علمه ذلك فقتل البدوي و اسحق .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; و فيها سير البندقدار صاحب مصر إلى حاتم ملك الأرمن بحيث يدخل في طاعته و يحمل الجزية و يمكن الناس من مشترى الخيل و البغال و الحنطة و الشعير و الحديد من بلده و هم أيضاً يخرجون إلى الشام و يتاجرون و يبيعون و يشترون . و ملك الأرمن خوفاً من المغول لم يجب إلى ذلك . فلم يتأخر البندقدار عن إنفاذ العسكر و الركب إلى بلد الأرمن . و حاتم الذي هو ملك الأرمن لما تحقق ذلك خرج إلى بلد الروم يطلب النجدة من أمير المغول هناك يسمى نفجي . فقال له : نحن بلا أمر السلطان اباقا لا يمكن أن نفعل ذلك . و هجم المصريون على بلد الأرمن . و لما لم يكن ملكهم حاضراً اجتمعت أخوته و أولاده و أمراؤه و جمعوا أتباعهم و خرجوا ليمنعوا المصريين من الدخول إلى البلد . و لما التقوهم عند موضع يقال له حجر سروند انكسرت الأرمن و استؤسر ولد الملك حاتم و قتل ولده توروس و انهزم الأمراء و العسكر . و نهبوا و أخربوا بيعة سيس الكبيرة و كان الخراب العظيم في سيس و إياس و أقاموا هناك مدة عشرين يوماً ينهبون و يحرقون و يسبون . و بعد خروجهم من البلد و صل الملك حاتم و قد صحب معه عسكراً من المغول و الروم فما وجدوا أحداً بل البلد خراباً و اشتغلوا بالأكل و الشرب و مدوا أيديهم و جمعوا جميع ما كان قد تخلف من المصريين تمموه هم و الملك مشتغل بالهم و الغم على ما جرى على ولديه و أصحابه و بلده . و كانت المضرة منهم أشد و أصعب . و أما حاتم ملك الأرمن فإنه شرع يخاطب البندقدار في خلاص ولده و يعده بالأموال و المدن و القلاع إلى غير ذلك . فجاوبه : ان نحن ما لنا رغبة في الأموال و المدن و غيرها . و أنما لنا شخص صديق أسير عند المغول يسمى سنقر الأشقر تخلصه و تسيره و تأخذ ولدك . ففعل ذلك و خلص ولده . و ذلك أنه في سنة ثماني و ستين و ستمائة قصد الملك حاتم خدمة ملك الأرض اباقا و بكى لديه و طلب منه سنقر الأشقر ليخلص به ولده . فرحمه و رق لبكائه و قال له : تمشي إلى بلدك تستريح و نحن نطلب هذا سنقر من أي مكان هو فيه و نسيره إليك . فعاد حاتم من خدمة اباقا . و كان أمير من أمرائه سبقه إلى بلده في مهم له فاجتاز به بروانة فاستشار به أنه يريد يخطب لنفسه ابنة الملك حاتم . فأجابه بأن الملك حاتم واصل عقيبنا إليكم فأنتم التقوه و أحسنوا إليه و هو يجيبكم إلى ذلك . و لما وصل الملك حاتم إلى بروانة و قد جمع بروانة أكابره و التقاه أحسن ملتقى و أكرمه و قدم له تقدمات نفيسة إلى أن خجل الملك حاتم بحيث لم يعلم ما الذي أوجب هذا الإسراف في خدمته . فلما أظهر بروانة ما في قلبه أجابه بالسمع و الطاعة و أظهر له الفرح و البشاشة و الغبطة و قرر معه أنه لا يمكن التعريس قبل خلاص أخي البنت فإذا خلص نفعل ذلك إن شاء الله تعالى . و في سنة تسع و ستين و ستمائة وصل سنقر الأشقر من بلاد سمرقند إلى الملك حاتم و هو سيره إلى البندقدار مكرماً و أوهبه و أعطاه . ثم أن البندقدار سير له ولده أيضاً بحرمة عظيمة و خيالة كثيرة . و في هذه السنة حاصر البندقدار مدينة إنطاكية و أخذها و قتل فيها و سبى و أحرق كنائسها المشهورة في العالم . و فيها توجه الملك حاتم إلى اباقا و شكر و دعاله على خلاص ولده من الأسر و استقال من السلطنة و طلب أن يكون ولده موضعه و أنه شيخ عاجز . فقال له : إنه إذا حضر عندنا نحن نملكه . فتوجه إلى بلده و سير ولده إلى عبودية اباقا .له على خلاص ولده من الأسر و استقال من السلطنة و طلب أن يكون ولده موضعه و أنه شيخ عاجز . فقال له : إنه إذا حضر عندنا نحن نملكه . فتوجه إلى بلده و سير ولده إلى عبودية اباقا .&lt;br/&gt; و في سنة سبعين و ستمائة في شهر نيسان تزلزلت الأرض في بلاد الأرمن و خربت قلاع كثيرة و مات فيها مائة ألف نفر من الناس غير الدواب . و في سنة خمس و سبعين و ستمائة نزل اباقا إلى بغداد ليشتي بها و صار غلاء عظيم و مجاعة و عزت الأسعار .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; وفي هذا التاريخ توفي خواجا نصير الدين الطوسي الفيلسوف صاحب الرصد بمدينة مراغة حكيم عظيم &lt;br/&gt;الشأن في جميع فنون الحكمة . و اجتمع إليه في الرصد جماعة من الفضلاء المهندسين . و كان تحت حكمه جميع الأوقاف في جميع البلاد التي تحت حكم المغول . و له تصانيف كثيرة منطقيات و طبيعيات و إلاهيات و أوقليدس و مجسطي . و له كتاب أخلاق فارسي في غاية ما يكون من الحسن جمع فيه جميع نصوص أفلاطون و أرسطو في الحكمة العملية . و كان يقوي آراء المتقدمين و يحل شكوك المتأخرين و المؤاخذات التي قد أوردوا في مصنفاتهم . و كان من الفضلاء في زمانه نجم الدين القزويني منطقي عظيم صاحب كتاب العين . و مؤيد الدين العرضي و فخر الدين المراغي و قطب الدين الشيرازي و محيي الدينالمغربي . و من الأطباء المشهورين فخر الدين الاخلاطي و تقي الدين الحشائشي . و اشتهر هذا في عمل الترياق شهرة عظيمة و إن لم يكن من الأطباء المشتغلين المشهورين و بسفاهته استظهر على باقي الأطباء في هذا الزمان . و بينهم نفيس الدين بن طليب الدمشقي و ولده صفي الدين النصراني الملكي .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; و في هذا التاريخ و هو سنة خمس و سبعين و ستمائة و هي سنة سبع و ثمانين و خمسمائة للإسكندر عزم بندقدار أن يدخل بنفسه إلى بلد الروم لأن كان عنده أقوام قد هربوا من بلد الروم الذين هربوا إلى الشام قد قووا عزمه على ذلك . و لما أحس الملك لاون ابن ملك الأرمن سير إلى أمراء المغول الذين في بلد الروم و عرفهم ذلك و حذرهم . و أما بروانة فإنه بوجهين كان يكذب ملك الأرمن في هذا قوله الأول أنه كان يختار ورود البندقدار إذ له معه وعد . و الثاني لأنه كان يبغض ملك الأرمن و كان يختار أن يزيف قوله . و لما أن الأمراء المغول أهملوا الأمر إذ هاجمهم المصريون و هم سكارى فلم يلحق أحدهم أن يركب فرسه . و أن الياسا الذي لهم أنهم لا يهربون قبل أن ياتقوا العدو .و لما التقوا وقعت الكسرة فيهم و قتل جميع أكابر المغول أحدهم طوغو و الآخر توذان بهادر . و كان مع المغول ثلاثة ألف كرج فوقفوا و بذلوا المجهود فقتل منهم ألفان و تخلف ألف واحد . و قتل أيضاً من عسكر المصريين خلق كثير . و لما حقق بروانة كسرة المغول هرب و تحصن في بعض القلاع . و أما البندقدار فإنه نزل عند القيسارية في موضع سمي كيقوباد و بقي هناك خمسة عشر يوماً و دخل إلى القيسارية مرة واحدة و لم يدن منه لأحد من الرعايا شر و لا كلفهم شيئاً أصلاً و إنما جميع ما يحتاجون إليه كانوا يشترونه مشترىً . وكان يقول : إني ما جئت إلى ههنا لأخرب البلد لكن لأفك صاحبه من الأسر . و أما اباقا ايلخان فحين وصلت إليه الأخبار بذلك غضب غضباً شديداً و جمع العساكر و قصد بنفسه الروم . و لما عرف البندقدار أنه لا يمكنه مقاومته رحل عن بلد الروم و توجه إلى الشام . و لما وصل اباقا إلى بلد الروم لم يجد أحداً من المصريين و في الحال نزل البروانة إليه و لم يره اباقا شيئاً من الغضب و إنما أحسن إليه و أكرمه و أخذه صحبته إلى الطاق لما عاد حيث يستشيره كم يقدر أن يكون في الروم عسكر يقاوم المصريين . و عمل دعوة عظيمة و سقاه من لبن الخيل شيئاً كثيراً لأنه ما كان يشرب خمراً . و فيما هو قد خرج مع البروانة ليريق ماءه أشار اباقا إلى أناس من حوله ليقتلوه فقتلوه و قطعوه قطعاً و كان ذلك في ثاني يوم من شهر آب لتلك السنة . و أما البندقدار فلما قرب من حمص أدركه أجله و مات يقولون أصابه في الحرب مع المغول نشابة في وركه و لم يمكن إخراج النصل منه و بقي أياماً كثيرة و لما أذن للجرائحي أن يخرجه و جاهد في إخراجه مع خروج النصل فارق الدنيا . و آخرون قالوا أن أناساً من جماعته سقوه في لبن الخيل سماً و لما أحس عاد سقى لمن أسقاه منه فماتا اثناهما .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وفي سنة تسع و سبعين و ستمائة لما قام الألفي ليتملك على الديار المصرية و الشام لم يوافق في ذلك سنقر الأشقر . و لما تمكن الألفي و قوي جانبه هرب منه سنقر الأشقر و وصل إلى الرحبة و اتفق هو و أمير بدوي اسمه عيسى بن مهنا و سيرا رسولاً إلى اباقا ايلخان يستدعيانه ليركب إلى الشام و يسلما إليه البلاد الشامية و الديار المصرية . و لما وصلت عساكر المغول إلى الشام خاف سنقر الأشقر منهم على نفسه و لم يلتق بهم بل هرب و تحصن في قلعة صهيون .فوصل المغول إلى حلب و أي موضع صادفوه خربوه . و كان وصولهم إلى الشام في وقت الشتاء من سنة ثمانين و ستمائة و كان مقدمهم قونغرتاي أخو اباقا الصغير و عاد المغول إلى البلاد . و في سنة إحدى وثمانين و ستمائة دخل المغول إلى الشام في خمسين ألفاً و في رأسهم مونكاتمور الأخ الأصغر لأباقا و أخذوا معهم ملك الأرمن بعساكره . و اجتمع عسكر الشام و في رأسهم الألفي و سنقر الأشقر فإنهما اصطلحا في ذلك الوقت على محاربة المغول . و التقى العسكران بين حماة و حمص في يوم الخميس سلخ تشرين الأول لتلك السنة و قوي جانب المغول على جانب الشاميين . و لما قاربوا لينتصروا عليهم نصرة و يهزموهم إذ خرج على المغول كمين العرب من بني تغلب من ميسرتهم فتوهم المغول أن عساكر كثيرة قد أحاطت بهم من قدامهم و من خلفهم و لم يلحق الهرب أصحاب الميسرة مع أهل القلب . و أصحاب الميمنة و فيهم ملك الأرمن مع خمسة آلاف كرج لم يشعروا بالكمين و إنما كسروا المصريين الذين في مقابلتهم و ساقوا خلفهم إلى باب مدينة حمص و قتلوا فيهم خلقاً كثيراً و لم يزالوا إلى أن وصل إليهم الخبر بهرب أصحابهم . فعند ذلك رجعوا و في الرجعة صادفوا جماعة من عسكر المصريين الذين ساقوا خلف أصحابهم الهاربين و عاد بينهم القتال و قتل من الجانبين خلق كثير . و رجعوا و قد حملوا شيئاً كثيراً من الأموال و الخيل و السلاح الذي نهبوا . و لما وصل مونكاتمور إلى الجزيرة و هو قد خرج يومئذٍ من الحمام عملوا سراً مع بعض الشرابدارية و سقوه سماً . و لما أحس بتغير مزاجه توجه نحو نصيبين و قضى نحبه . و أما أهل الجزيرة فإنهم لما شعروا بذلك أدركهم الخوف العظيم و لزموا للصفي القرقوبي و كتفوه و داروا به في أسواق الجزيرة ثم قتلوه .&lt;br/&gt; و أما اباقا ايلخان فإنه توجه نحو بغداد و منها إلى همذان . و في يوم عيد النصارى الكبير لتلك السنة دخل إلى البيعة في تلك المدينة و عيد مع النصارى . و يوم الاثنين ثاني العيد عمل له شخص فارسي اسمه بهنام دعوة عظيمة في داره . و ليلة الثلاثاء تغير مزاجه و صار يرى خيالات في الهواء .و يوم الأربعاء و هو أول يوم من نيسان لتلك السنة و هو العشرون في ذي القعدة انتقل من هذا العالم . و مونكاتمور انتقل يوم الأحد سادس عشر المحرم في بلد الجزيرة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&amp;quot; السلطان أحمد &amp;quot;&lt;br/&gt; و لما توفي اباقا ايلخان اجتمع الأولاد و الأمراء و حصل الاتفاق بينهم أن أحمد بن هولاكو من قوتاي خاتون يصلح للتدبير و المملكة و أنه مستحق لهذا الملك و هو أولى به و الطريق له بعد اباقا . و لما جلس على كرسي المملكة يوم الأحد الحادي و العشرين من حزيران لتلك السنة سنة إحدى و ثمانين و ستمائة و عنده الكفاية و الدراية و الكرم أخرج من الخزائن و الأموال شيئاً كثيراً و قسم على الأولاد و الأمراء و العساكر و أظهر الإحسان و الشفقة إلى جميع المغول و إلى الأمم الباقية و خصوصاً إلى أكابر النصارى . و أرسل الرسل إلى سلطان مصر بسبب الصلح و كتب إليه رسالة هذه نسختها : بقوة الله تعالى باقبال قاان فرمان أحمد . أما بعد فإن الله تعالى بسابق عنايته و بنور هدايته قد كان أرشدنا في عنفوان الصبا و ريعان الحداثة إلى الإقرار بربوبيته و الاعتراف بوحدانيته . و الشهادة لمحمد عليه أفضل الصلاة و السلام بصدق نبوته . و حسن الاعتقاد في أوليائه الصالحين من عباده في بريته . فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام . فلم نزل نميل إلى إعلاء كلمة الدين . و إصلاح أمور الإسلام و المسلمين . إلى أن أفضى بعد أبينا الجيد و أخينا الكبير نوبة الملك إلينا فأفاض علينا من جلابيب ألطافه و لطائفه . ما تحقق به آمالنا في جزيل آلائه و عوارفه . و جلا هذه المملكة علينا . و أهدى عقيلتها إلينا . فاجتمع عندنا في قوريلتاي المبارك و هو المجمع الذي ينقدح فيه آراء جميع الأخوان والاخوة والأولاد و الأمراء الكبار و مقدمي العساكر و زعماء البلاد و اتفقت كلمتهم على أن ينفذ ما سبق به حكم أخينا الكبير في إنفاذ الجم الغفير من عساكرنا التي ضاقت الأرض برحبها من كثرتهم و امتلأت القلوب رعباً لعظم صولتهم و شديد بطشهم إلى تلك الجهة بهمة تخضع لها شم الأطواد . و عزيمة تلين لها الصم الصلاد . ففكرنا فيما مخضت زبدة عزائمهم عنه و اجتمعت أهواؤهم و آراؤهم عليه فوجدناه مخالفاً لما كان في ضميرنا من إنشاء الخير العام . الذي يقوم بقوته شعار الإسلام . و أن لا يصدر عن أوامرنا ما أمكننا إلا ما يوجب حقن الدماء . و تسكين الدهماء . و يجري به في الأقطار رخاء نسائم الأمن و الأمان . ويستريح المسلمون في سائر الأمصار في مهاد الشفقة و الإحسان . تعظيماً لأمر الله و شفقة على خلق الله . فألهمنا الله إطفاء تلك النائرة .و تسكين الفتن الثائرة . و إعلام من أشار بذلك الرأي ما أرشدنا الله إليه من تقديم ما يرجى به شفاء العالم من الأدواء . و تأخير ما يجب أن يكون آخر الدواء . و إننا لا نحب المسارعة إلى هز النصال للنضال إلا بعد إيضاح المحجة . و لا نأذن لها إلا بعد تبين الحق و تركيب الحجة . و قوى عزمنا على ما رأيناه من دواعي الصلاح . و تنفيذ ما ظهر لنا به وجه الإصلاح . اذكار شيخ الإسلام قدوة العارفين كمال الدين عبد الرحمن فهو نعم العون في أمور الدين . فأصدرناه رحمة من الله لمن دعاه . و نقمة على من أعرض عنه و عصاه . و أنفذنا أقضى القضاة قطب الدين و الأتابك بهاء الدين و هما من ثقات هذه الدولة القاهرة ليعرفاهم طريقتنا . و يتحقق عندهم ما ينطوي عليه لعموم المسلمين حميل سنتنا . و بينا لهم أننا من الله على بصيرة و أن الإسلام يجب ما قبله . وانه تعالى ألقى في قلبنا أن نتبع الحق و أهله . و يشاهدون عظيم نعم الله على الكافة بما دعانا إليه من تقديم أسباب الإحسان . و لا يحرمونها بالنظر إلى سالف الأحوال . و كل يوم هو في شان . فإن تطلعت نفوسهم إلى دليل يستحكم به دواعي الاعتماد . و حجة يثقون بها من بلوغ المراد . فلينظر إلى ما قد ظهر من مآثرنا مما اشتهر خبره و عم أثره . فإنا ابتدأنا بتوفيق الله تعالى بإعلاء أعلام الدين و إظهاره في إيراد كل أمر و إصداره تقديماً . وإقامة نواميس الشرع المحمدي على قانون العدل الأحمدي إجلالاً و تعظيماً . و أدخلنا السرور على قلوب الجمهور و عفونا عن كل من اخترع سيئة و اقترف . و قابلناه بالصفح و قلنا عفا الله عما سلف . و تقدمنا بإصلاح أمور أوقاف السلمين من المساجد و المشاهد و المدارس . و عمارة بقاع البر و الربط الدوارس . و إيصال حاصلها بموجب عوائدها القديمة إلى مستحقها بشروط واقفها . و منعنا أن يلتمس شيء مما استحدث عليها و أن لا يغير أحد شيئاً مما قرر أولاً فيها . و أمرنا بتعظيم أمرا لحج و تجهيز وفدها و تأسيس سبيلها و تسييرقوافلها . و أطلقنا سبيل التجار و المترددين إلى البلاد و ليسافروا بحسب اختيارهم على أحسن قواعدهم . و حرمنا على العساكر العسكر و الشحاني في الأطراف التعرض لهم في مصادرهم و مواردهم . و قد كان صادف قراغولنا جاسوساً في زي الفقراء كان سبيل مثله أن يهلك فلم نر إهراق دمه صيانةً لحرمة ما حرمه الله تعالى و أنفذناه إليهم . و لا يخفى عليهم ما كان في إنفاذ الجواسيس من الضرر العام للمسلمين . فإن عساكرنا طال ما رأوهم في زي الفقراء و النساك و أهل الصلاح فساءت ظنونهم في تلك الطوائف فقتلوا منهم من قتلوا . و فعلوا بهم ما فعلوا . و رفعت الحاجة بحمد الله تعالى إلى ذلك بما صدر إذننا به من فتح الطريق و تردد التجار و غيرهم . فإذا أمعنوا الفكر في هذه الأمور و أمثالها فلا يخفى عنهم أنها أخلاق جبلية طبيعية و عن شوائب التكلف و التصنع عرية . و إذا كانت الحال على ذلك فقد ارتفعت دواعي النفرة التي كانت موجبة للمخالفة . فإنها إن كانت بطريق الدين . و الذب عن حوذة المسلمين . فقد ظهر بفضل الله و يمن دولتنا النور المبين . و إن كان لما سبق من الأسباب . فمن يجري الآن طريق الصواب . فإن له عندنا الزلفى و حسن مآب . و قد رفعنا الحجاب بفصل الخطاب و عرفناكم ما عزمنا عليه من نية خالصة لله تعالى و أتينا باستيفائها . و حرمنا على جميع عساكرنا العمل بخلافها . ليرضى الله و الرسول . و تاوح على صفائحها آثار الاقبال والقبول . و تستريح من اختلاف الكلمة هذه الأمة . و تنجلي بنور الائتلاف و اللمة ظلمة الاختلاف و الغمة . فيسكن في سابغ ظلها البوادي و الحواضر . و تقوى القلوب التي بلغت من الجهد إلى الحناجر . و يعفى عن سائر الهفوات و الجرائر . فإن وفق الله تعالى سلطان مصر لما فيه صلاح العالم . و انتظام أمور بني آدم . فقد وجب عليه التمسك بالعروة الوثقى . و سلوك الطريقة المثلى . بفتح أبواب الطاعة و الاتحاد . و بذل الإخلاص بحيث تعمر تلك الممالك و البلاد . و تسكن الفتن الثائرة . و تغمد السيوف الباترة . تحل الكافة أرض الهوينا و روض الهدون . و تخلص أرقاب المسلمين من أغلال الذل و الهون . و إن غلب سوء الظن بما تفضل به واهب الرحمة . و منع عن معرفة قدر هذه النعمة . شكر الله مساعينا و أبلى عذرنا و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً . و الله الموفق للرشاد و السداد . و هو المهيمن على جميع البلاد و العباد . و حسبنا الله وحده . و كتب في أواسط جمادى الأولى سنة إحدى و ثمانين و ستمائة بمقام الطاق .لحج و تجهيز وفدها و تأسيس سبيلها و تسييرقوافلها . و أطلقنا سبيل التجار و المترددين إلى البلاد و ليسافروا بحسب اختيارهم على أحسن قواعدهم . و حرمنا على العساكر العسكر و الشحاني في الأطراف التعرض لهم في مصادرهم و مواردهم . و قد كان صادف قراغولنا جاسوساً في زي الفقراء كان سبيل مثله أن يهلك فلم نر إهراق دمه صيانةً لحرمة ما حرمه الله تعالى و أنفذناه إليهم . و لا يخفى عليهم ما كان في إنفاذ الجواسيس من الضرر العام للمسلمين . فإن عساكرنا طال ما رأوهم في زي الفقراء و النساك و أهل الصلاح فساءت ظنونهم في تلك الطوائف فقتلوا منهم من قتلوا . و فعلوا بهم ما فعلوا . و رفعت الحاجة بحمد الله تعالى إلى ذلك بما صدر إذننا به من فتح الطريق و تردد التجار و غيرهم . فإذا أمعنوا الفكر في هذه الأمور و أمثالها فلا يخفى عنهم أنها أخلاق جبلية طبيعية و عن شوائب التكلف و التصنع عرية . و إذا كانت الحال على ذلك فقد ارتفعت دواعي النفرة التي كانت موجبة للمخالفة . فإنها إن كانت بطريق الدين . و الذب عن حوذة المسلمين . فقد ظهر بفضل الله و يمن دولتنا النور المبين . و إن كان لما سبق من الأسباب . فمن يجري الآن طريق الصواب . فإن له عندنا الزلفى و حسن مآب . و قد رفعنا الحجاب بفصل الخطاب و عرفناكم ما عزمنا عليه من نية خالصة لله تعالى و أتينا باستيفائها . و حرمنا على جميع عساكرنا العمل بخلافها . ليرضى الله و الرسول . و تاوح على صفائحها آثار الاقبال والقبول . و تستريح من اختلاف الكلمة هذه الأمة . و تنجلي بنور الائتلاف و اللمة ظلمة الاختلاف و الغمة . فيسكن في سابغ ظلها البوادي و الحواضر . و تقوى القلوب التي بلغت من الجهد إلى الحناجر . و يعفى عن سائر الهفوات و الجرائر . فإن وفق الله تعالى سلطان مصر لما فيه صلاح العالم . و انتظام أمور بني آدم . فقد وجب عليه التمسك بالعروة الوثقى . و سلوك الطريقة المثلى . بفتح أبواب الطاعة و الاتحاد . و بذل الإخلاص بحيث تعمر تلك الممالك و البلاد . و تسكن الفتن الثائرة . و تغمد السيوف الباترة . تحل الكافة أرض الهوينا و روض الهدون . و تخلص أرقاب المسلمين من أغلال الذل و الهون . و إن غلب سوء الظن بما تفضل به واهب الرحمة . و منع عن معرفة قدر هذه النعمة . شكر الله مساعينا و أبلى عذرنا و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً . و الله الموفق للرشاد و السداد . و هو المهيمن على جميع البلاد و العباد . و حسبنا الله وحده . و كتب في أواسط جمادى الأولى سنة إحدى و ثمانين و ستمائة بمقام الطاق .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;ثم أن ملك مصر كتب إلى السلطان أحمد جواب هذه الرسالة : من سلطان مصر سيف الدين أبي مظفر قلاوون . أما بعد حمد الله الذي أوضح لنا نبأ الحق منهاجاً . و جاء بنا فجاء نصر الله و الفتح و دخل الناس في دين الله أفواجاً . و الصلاة على سيدنا و نبينا محمد الذي فضله على كل شيء نحي أسه و كل نبي ناجي . و على آله و صحبه صلاة تثير ما دحي و تنير من داجي . و الرضى عن الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين و سليل الخلفاء المهتدين . و ابن عم سيد المرسلين الخليفة الذي تتمسك ببيعته أهل هذا الدين . أنه ورد الكتاب الكريم . الملتقى بالتكريم . و المشتمل على النبأ العظيم . من دخوله في الدين . و خروجه عمن خالف من العشيرة و الأقربين . و لما فتح هذا الكتاب فاتح بهذا الخبر المعلم . و الحديث الذي صح عند أهل الإسلام إسلامه و أصح الحديث ما روي عن مسلم . و توجهت الوجوه بالدعاء إلى الله سبحانه و تعالى في أن يثبته على ذلك بالقول و العمل الثابت . و أن ينبت حب حب هذا الدين في قلبه كما أنبته في أحسن المنابت . و حصل التأمل للفضل المبتدأ بذكره من حديث إخلاصه النية في أول العمر و عنفوان الصبا و الإقرار بالوحدانية . و دخوله في الملة المحمدية بالقول و العمل و النية . و الحمد لله على أن شرح صدره للإسلام . و ألهمه شريف هذا الإلهام . فحمدنا الله على أن يجعلنا من السابقين الأولين إلى هذا و المقال المقام . و يثبت أقدامنا في كل موقف اجتهاد و جهاد تتزلزل دونه الأقدام . و أما إفضاء النوبة في الملك و ميراثه بعد والده و أخيه الكبير إليه . و إفاضة هذه المواهب العظيمة عليه و توقله الأسرة التي طهرها إيمانه و أظهرها سلطانه فقد أورثه الله من اصطفاه من عباده . و صدق المبشرات له من كرامة أوليائه و عباده . و أما حكاية اجتماع الأخوان و الأولاد و الأمراء الكبار في قوريلتاي الذي ينقدح فيه زند الآراء و إن كلمتهم اتفقت على ما سبق به حكم أخيه الكبير في إنفاذ العساكر إلى هذا الجانب و انه فكر فيما اجتمعت عليه آراؤهم و انتهت إليه أهواؤهم فوجده مخالفاً لما في ضميره إذ قصد الصلاح و دأبه الإصلاح . و انه أطفأ تلك النائرة . و سكن تلك الثائرة . فهذا فعل الملك التقي المشفق على قومه . و من يفي الفكر في العواقب . بالرأي الثاقب . و إلا فلو تركوا آراءهم حتى يحملهم الهوى لكانت تكون هذه الكرة هي الكرة . لكن هو كمن خاف مقام ربه و نهى النفس عن الهوى . و لم يوافق قول من ضل و لا فعل من غوى . و أما القول أنه لا يحب المسارعة للمقارعة إلا بعد إيضاح المحجة و تركيب الحجة . فانتظامه في سلك الإيمان صارت حجتنا و حجته المتركبة على من عدت طواغيه عن سلوك هذه المحجة مسكتة . و إن الله سبحانه و الناس كافة قد عملوا أن قيامنا إنما هو لنصر هذه الملة و جهادنا و اجتهادنا إنما هو لله . و حيث قد دخل معنا في الدين هذا الدخول .فقد ذهبت الأحقاد و زالت الذحول . و بارتفاع المنافرة . تحصل المناصرة . فالإيمان كالبنيان يشد بعضه من بعض . و من أقام مناره فله أهلٌ بأهلٍ في كل مكان وجيران بجيران في كل أرض . و أما تركيب هذه الفوائد الجمة على اذكار شيخ الإسلام قدوة العارفين كمال الدين عبد الرحمن أعاد الله من بركاته فلم ير ولي من قبل كرامة كهذه الكرامة . و الرجاء ببركة الصالحين أن تصبح كل دار للإسلام دار إقامة حتى تتم شرائط الإيمان . و يعود شمل الإسلام كأحسن ما كان . و لا ينكر بمن بكرامته ابتدأ هذا التمكن في الوجود . إن كل حق ببركته إلى مصابه يعود . و اما إنفاذ أقضى القضاة قطب الدين و الأتابك شهاب الدين الموثوق بنقلهما في إبداع رسائل هذه البلاغة . فقد حضرا و أعادا كل قول حسن من حوال أحواله و خطرات خاطره و مناظرات منظره . و من كل ما يشكر و يحمد . و يفيض حديثهما فيه عن مسند أحمد . و أما الإشارة إلى أن النفوس كانت تتطلع لى إقامة دليل تستحكم بسببه دواعي الأمر و مصادره من العدل و الإحسان . بالقلب و اللسان . و التقدم بإصلاح الأوقاف فهذه صفات من يريد لملكه دواماً . فلما ملك عدل . و لم يلتفت إلى لوم من عذل . على أنها لو كانت من الأفعال الحسنة . و المثوبات التي تستنطق بالدعاء الألسنة . فهي واجبات كلية تؤدى و هي أكبر من أنه يأجر أجر غيره يفتخر أو عليه يقتصر أو له يدخر . و إنما يفتخر الملك العظيم بأن يعطي ممالك و أقاليم و حصوناً يبذل في تشييد ملكه عن مصون . و أما تحريمه على العساكر و القراغولات و الشحاني بالأطراف التعرض إلى أحد بالأذى . و إصفاء موارد الواردين و الصادرين من شوائب القذى . فمن حين بلغنا تقدمه بذلك تقدمنا مثله أيضاً إلى سائر النواب بالرحبة و البيرة و حلب و عين تاب و تقدمنا إلى مقدمي العساكر بأطراف تلك الممالك بمثل ذلك . و إذا اتخذ الأمان و انعقد الإيمان بختم هذه الأحكام ترتبت عليه جميع الحكام . و أما الجاسوس الفقير الذي أمسك ثم أطلق و أن بسبب من يتزيا من الجواسيس بزي الفقراء قتلت جماعة من الفقراء الصلحاء رجماً بالظن فهذا باب من تلك الأبواب كان فتحه . و زند منه كان قدحه . و كم متزي بالفقر من ذلك الجانب سيروه . و إلى الاطلاع على الأمور سوروه . و ظفر النواب منهم بجماعة فرفع عنهم السيف . و لم يكشف ما غطته خرقة الفقر بلم و لا كيف . و أما الإشارة إلى أن في اتفاق الكلمة يكون صلاح العالم . و ينتظم شمل بني آدم . فلا ريب لمن طرق باب الاتحاد و من جنح السلم فما حاد . و من ثنى عنانه عن المكافحة . كمن مد يد المصالحة للمصافحة . و الصلح و إن كان سيد الأحكام فلا بد من أمور تبنى عليها قواعده و يعلم من مدلولها فوائده . فإن الأمور المسطورة في كتابه كليات لازمة يفهم بها كل معنى و يعلم أن يتهيأ صلح أو لم . و ثم أمور لا بد و أن يحكم في سلكها عقوداً لعهود تنظم قد يحملها لسان المشافهة التي إذا أفردت أقبلت إن شاء الله عليها النفوس . و أحرزتها صدور الرسل كأحسن ما تحرزه سطور الطروس .و أما الاستشهاد بقوله تعالى : و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً . فما على السبق من الود بنسج و لا على السبيل بنهج . بل الفضل لمن تقدم  . في الدين حقوق ترعى . و إفادات تستدعى . و عند الانتهاء إلى جوابٍ ما لعله يجب عنه الجواب من فصول الكتاب . و سمعنا المشافهة التي على لسان أقضى القضاة قطب الملة و الدين . و انتظام عقده بسلك المؤمنين . و ما بسطه من عدلٍ و إحسان . و سيرة مشكورة يكل عن وصفها اللسان . فقد أنزل الله على رسوله في حق من أمتن بإسلامه : قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان . و من المشافهة أنه قد أعطاه الله من العطايا ما اغناه عن امتداد الطرف إلى ما في يد غيره من أرضٍ و ماء . فإن حصلت الرغبة في الاتفاق على ذلك فالأمر حاصل . فالجواب أن ثم أموراً متى حصلت عليها الموافقة .تمت المصادقة . و رأى الله تعالى و الناس كيف يكون مصافينا . و ادلال معارفينا عند تصافينا . و كم من صاحبٍ وجد حيث لا يوجد الأب و الأخ و القرابة . و ما تم أمر الدين المحمدي و استحكم في صدور الإسلام إلا بمظاهرة أصحابه . فإن كانت له رغبة مصروفة إلى الاتحاد . و حسن الوداد . و جميل الاعتقاد . و كبت الأعداء و الأضداد . و الاستناد إلى من يشتد به الأزر عن الاستناد . فقد فهم المراد . و من المشافهة إذ كانت عزيمتنا غير ممتدة إلى ما في يده من أرض و ماء فلا حاجة إلى إنفاذ المفترين الذين يؤذون المسلمين بغير فائدة تعود . فالجواب لو كف كف العدوان من هنالك . و خلا للملوك المسلمين ما لهم من ممالك . سكنت الدهماء . و حقنت الدماء . و حقه أن ينهي عن خلقٍ و يأتي بمثله . و لا يأمر بشيءٍ و ينسى فعله . و قونغرتاي بالروم الآن و هي بلادٌ في أيديكم . و خراجها يجبى إليكم . قد سفك فيها الدماء و قتل و سبى وهتك و باع الأحرار . و أبى إلا التمادي على ذلك الإضرار . و من المشافهة أنه حصل التصميم على أن يبطل هذه الإغارات . و لا يفتر عن هذه الإثارات . فيعين مكاناً يكون فيه اللقاء . و يعطي الله النصر لمن يشاء . فالجواب عن ذلك الآن الأماكن التي اتفق فيها ملتقى الجمعين مرةً و مرةً و مرةً قد عاف مواردها من سلم من أولئك القوم . و خاف أن لا يعاودها فيغادره مصرع ذلك اليوم . و وقت اللقاء علمه عند الله لا يقدر . و ما النصر إلا من عند الله لمن أقدر لا لمن قدر . و ما نحن ممن ينتظر فلتة . و لا له إلى غير ذلك لفتة . و ما أمر ساعة النصر إلا كالساعة التي لا تأتي إلا بغتةً . و الله الموفق لما فيه صلاح هذه الأمة . و القادر على إتمام كل خيرٍ و نعمة . إن شاء الله تعالى . كتب في مستهل شهر رمضان المعظم سنة إحدى و ثمانين و ستمائة .و أن يبذل في تشييد ملكه عن مصون . و أما تحريمه على العساكر و القراغولات و الشحاني بالأطراف التعرض إلى أحد بالأذى . و إصفاء موارد الواردين و الصادرين من شوائب القذى . فمن حين بلغنا تقدمه بذلك تقدمنا مثله أيضاً إلى سائر النواب بالرحبة و البيرة و حلب و عين تاب و تقدمنا إلى مقدمي العساكر بأطراف تلك الممالك بمثل ذلك . و إذا اتخذ الأمان و انعقد الإيمان بختم هذه الأحكام ترتبت عليه جميع الحكام . و أما الجاسوس الفقير الذي أمسك ثم أطلق و أن بسبب من يتزيا من الجواسيس بزي الفقراء قتلت جماعة من الفقراء الصلحاء رجماً بالظن فهذا باب من تلك الأبواب كان فتحه . و زند منه كان قدحه . و كم متزي بالفقر من ذلك الجانب سيروه . و إلى الاطلاع على الأمور سوروه . و ظفر النواب منهم بجماعة فرفع عنهم السيف . و لم يكشف ما غطته خرقة الفقر بلم و لا كيف . و أما الإشارة إلى أن في اتفاق الكلمة يكون صلاح العالم . و ينتظم شمل بني آدم . فلا ريب لمن طرق باب الاتحاد و من جنح السلم فما حاد . و من ثنى عنانه عن المكافحة . كمن مد يد المصالحة للمصافحة . و الصلح و إن كان سيد الأحكام فلا بد من أمور تبنى عليها قواعده و يعلم من مدلولها فوائده . فإن الأمور المسطورة في كتابه كليات لازمة يفهم بها كل معنى و يعلم أن يتهيأ صلح أو لم . و ثم أمور لا بد و أن يحكم في سلكها عقوداً لعهود تنظم قد يحملها لسان المشافهة التي إذا أفردت أقبلت إن شاء الله عليها النفوس . و أحرزتها صدور الرسل كأحسن ما تحرزه سطور الطروس .و أما الاستشهاد بقوله تعالى : و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً . فما على السبق من الود بنسج و لا على السبيل بنهج . بل الفضل لمن تقدم  . في الدين حقوق ترعى . و إفادات تستدعى . و عند الانتهاء إلى جوابٍ ما لعله يجب عنه الجواب من فصول الكتاب . و سمعنا المشافهة التي على لسان أقضى القضاة قطب الملة و الدين . و انتظام عقده بسلك المؤمنين . و ما بسطه من عدلٍ و إحسان . و سيرة مشكورة يكل عن وصفها اللسان . فقد أنزل الله على رسوله في حق من أمتن بإسلامه : قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان . و من المشافهة أنه قد أعطاه الله من العطايا ما اغناه عن امتداد الطرف إلى ما في يد غيره من أرضٍ و ماء . فإن حصلت الرغبة في الاتفاق على ذلك فالأمر حاصل . فالجواب أن ثم أموراً متى حصلت عليها الموافقة .تمت المصادقة . و رأى الله تعالى و الناس كيف يكون مصافينا . و ادلال معارفينا عند تصافينا . و كم من صاحبٍ وجد حيث لا يوجد الأب و الأخ و القرابة . و ما تم أمر الدين المحمدي و استحكم في صدور الإسلام إلا بمظاهرة أصحابه . فإن كانت له رغبة مصروفة إلى الاتحاد . و حسن الوداد . و جميل الاعتقاد . و كبت الأعداء و الأضداد . و الاستناد إلى من يشتد به الأزر عن الاستناد . فقد فهم المراد . و من المشافهة إذ كانت عزيمتنا غير ممتدة إلى ما في يده من أرض و ماء فلا حاجة إلى إنفاذ المفترين الذين يؤذون المسلمين بغير فائدة تعود . فالجواب لو كف كف العدوان من هنالك . و خلا للملوك المسلمين ما لهم من ممالك . سكنت الدهماء . و حقنت الدماء . و حقه أن ينهي عن خلقٍ و يأتي بمثله . و لا يأمر بشيءٍ و ينسى فعله . و قونغرتاي بالروم الآن و هي بلادٌ في أيديكم . و خراجها يجبى إليكم . قد سفك فيها الدماء و قتل و سبى وهتك و باع الأحرار . و أبى إلا التمادي على ذلك الإضرار . و من المشافهة أنه حصل التصميم على أن يبطل هذه الإغارات . و لا يفتر عن هذه الإثارات . فيعين مكاناً يكون فيه اللقاء . و يعطي الله النصر لمن يشاء . فالجواب عن ذلك الآن الأماكن التي اتفق فيها ملتقى الجمعين مرةً و مرةً و مرةً قد عاف مواردها من سلم من أولئك القوم . و خاف أن لا يعاودها فيغادره مصرع ذلك اليوم . و وقت اللقاء علمه عند الله لا يقدر . و ما النصر إلا من عند الله لمن أقدر لا لمن قدر . و ما نحن ممن ينتظر فلتة . و لا له إلى غير ذلك لفتة . و ما أمر ساعة النصر إلا كالساعة التي لا تأتي إلا بغتةً . و الله الموفق لما فيه صلاح هذه الأمة . و القادر على إتمام كل خيرٍ و نعمة . إن شاء الله تعالى . كتب في مستهل شهر رمضان المعظم سنة إحدى و ثمانين و ستمائة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;و في هذا التاريخ نقل إلى السلطان أحمد أن أخاه قونغرتاي له كلام مع أرغون ابن اباقا و أنهم يريدون قتله فخاف و سارع إلى قونغرتاي و قتله . و لما بلغ الخبر أرغون بقتل عمه حزن لذلك و صعب عليه و أظهر تغيير قلبه على أحمد . فلما شعر أحمد بتغيير قلب أرغون عليه سير عسكراً عظيماً و كبيرهم أمير من المغول اسمه اليناخ فتوجهوا إليه و هو بخراسان . فلما وصل العسكر إليه انهزم أرغون من قدامه . فأهمل اليناخ أمره و اشتغل بالأكل و الشرب و السكر . و في بعض الليالي هجم أرغون على عسكر اليناخ و بعض العسكر معه . و لما سمع السلطان أحمد بذلك غضب وانزعج عظيماً ثم سير إلى جميع البلاد و جمع العساكر العظيمة و قصد أرغون . فلما رأى أرغون أنه عاجز عن مقاومته صعد إلى حصنٍ هناك و معه ثلاثمائة نفر من الفرسان البهادورية أتباعه و تحصن هناك من غير أن يحبس نفسه في مكان لكنه منتقل من موضع إلى موضع لأنه كان يفكر بقوله : كل محاصر مأخوذ و لم تطعه نفسه بالرجوع إلى طاعة السلطان أحمد . فبينما هو في هذه الأفكار و أميرٌ واحدٌ من أمراء أبيه اباقا كان محبوباً عند والده اسمه بوغا تقدم إلى السلطان أحمد قائلاً له : إن أعطيتني عهداً بأن لا تؤذي أرغون و لا يدنيه السوء فإني أمضي إليه و أحضره بين يديك . فسمع كلامه و استصوب مشورته و وقع الاتفاق على هذا . و حينئذٍ صعد بوغا في الحال إلى أرغون و خاطبه و جاء به إلى أحمد و فرح السلطان بذلك و عمل الدعوات و الأفراح ثلاثة أيام . و في اليوم الثالث تغير قلب السلطان أحمد على أرغون و جالت الأفكار في خاطره طالباً قتله . فدعى الأمير اليناخ و جماعة أخرى معه و وكل على أرغون و أوصاهم على الاحتياط به لئلا يهرب و أنه متوجه إلى بلاد أذربيجان إلى أمه قوتاي خاتون و أمرهم أن يصحبوه إليه . و لما جاء الليل عزم على الرحيل و كشف سره إلى بعض الأكابر حيث يقول : إن لم أهلك أرغون و سائر الأولاد لم أسترح و لا تنتظم السلطنة لي . و عند الصباح رحل و أوصى أن يصحبوا إليه أرغون قليلاً قليلاً . فأما الأمير بوغا فلما تحقق هذا الأمر و عرف ما في ضمير أحمد ما تبعه و أبطأ معتاقاً إلى الليل . و في الليل دار على جميع الأولاد و عرفهم ضمير أحمد و ما قد عول عليه أن يفعله بهم . فأخذتهم الغيرة و نهضوا في تلك الليلة بأجمعهم و قصدوا أرغون مكان كان موكل عليه و أخرجوه و ألبسوه السلاح و أركبوه الفرس و ركبوا جميعهم في خدمته إلى الموضع الذي كان فيه اليناخ و هجموا عليه و دخلوا قتلوه و قتلوا معه جميع الأكابر أصحابه في الخيمة و نادوا في العسكر أن أبناء الملوك قد قتلوا اليناخ و أصحابه فكل من هو في موضعٍ يلزم مكانه و لا يتحرك و لا يخف . و عند الصباح سيروا في طلب عسكر أرغون أحضروهم و ركبوا في جمعٍ عظيمٍ و ساقوا في أعقاب أحمد و أدركوه عند أمه فلزموه و كتفوه و استحفظوا به و نهبوا الاردو الذي له جميعها . و لما وصل أرغون و جماعة الأولاد اتفقوا على أن يملكوا عليهم أرغون و يكون الملك له موضع والده اباقا و أحمد ينعزل لآنه ما يصلح أن يدبرهم . و انتهت سلطنة أحمد إلى هذه الحالة و ذلك يوم الأربعاء حادي عشر من جمادى الأولى سنة ثلاث و ثمانين و ستمائة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&amp;quot; أرغون ايلخان &amp;quot;&lt;br/&gt; و لما جلس أرغون على كرسي المملكة اتفق الأكثرون من أمراء المغول و أكابرهم أن يقتلوا أحمد . فكان يقول أرغون : لا أوافق على قتله بل أم قونغرتاي و أولادها هم يعرفون به و الذي يختارون أن يفعلوا به فليفعلوا . حينئذٍ بقي تحت التوكل أياماً و بعد ذلك قتله أولاد قونغرتاي و انتقموا منه و أخذوا دم والدهم . و كان ذلك يوم الأربعاء ثاني جمادى الآخرة . ثم أن أرغون لما استقام له الأمر رتب كل واحد من الأولاد في رأس عسكر من عساكر مملكته . ثم قيل لأرغون أن صاحب الديوان هو قتل اباقا والدك بسمٍ سقاه . و لما يسير يطلبه من السلطان أحمد فما كان يسمح له به و لا كان يسلمه إله . فتحقق أرغون أن أحمد اختار موت والده . فلما استقر أرغون في الملك هرب شمس الدين صاحب الديوان إلى الجبال التي في الأهواز و احتمى بطائفةٍ من الأكراد يسمون باللور و كان كبيرهم شخص اسمه يوسف شاه . و لما وصل إلى طاعة أرغون قبله قبولاً حسناً و أكرمه لأنه قبل عليه أن يلزم صاحب الديوان و يحمله إلى عبوديته . و فعل ذلك و لزمه و حمله إلى أرغون . و لما قدم قدم أموالاً كثيرة نحو مائة تومانٍ من ذهب . ثم أنهم عرضوا عليه أن يشتري نفسه بحيث لا يهرق دمه فطلب المهلة ليبيع أملاكه و ما تخلف له و يقرض و يوصل ذلك . حينئذٍ حصل بطريق القرض من أصحابه و أهله و أنسبائه و أحبائه و أصدقائه قريباً من أربعين توماناً آخر من الذهب و قال : هذا الذي قد حصل و لا يمكن أن يحصل غيره فأنتم الذي تختارون فعله فافعلوه . فبرز الأمر من الملك أرغون بقتله و قتل يوم الثلاثاء خامس شهر شعبان لهذه السنة وافق ذلك سابع شهر تشرين الأول سنة ست و تسعين و خمسمائة و ألف للإسكندر . و كانت هذه آخرة مثل ذلك الرجل العظيم الهيوب الحكيم الذي كانت الدولة بأسرها معلقة بخنصره . و كان عنده العقل و الخبرة و كان كاملاً بجميع السياسات و التدابير و التواضع الحسن . ويقولون عنه أنه ما سبقه أحد بالسلام بل هو كان يبتدئ من تقدم إليه .&lt;br/&gt;   </description>
    </item>
    <item>
      <title> الدولة التاسعة&#13; المنتقلة إلى ملوك العرب المسلمين &#13;&#13;  غريغوريوس ابن العبري</title>
      <link>http://www.syriacstudies.com/AFSS/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A3/Entries/2009/9/27_%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B3%D8%B9%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%AA%D9%82%D9%84%D8%A9_%D8%A5%D9%84%D9%89_%D9%85%D9%84%D9%88%D9%83_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86_%D8%BA%D8%B1%D9%8A%D8%BA%D9%88%D8%B1%D9%8A%D9%88%D8%B3_%D8%A7%D8%A8%D9%86_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%B1%D9%8A.html</link>
      <guid isPermaLink="false">8ca68448-2ddf-433f-815e-094c3b908cad</guid>
      <pubDate>Sun, 27 Sep 2009 19:04:13 -0400</pubDate>
      <description>&lt;br/&gt;قال القاضي صاعد بن أحمد الأندلسي صاحب قضاء مدينة طليطلة : إن العرب فرقتان فرقة بائدة وفرقة باقية . أما الفرقة البائدة فكانت أمماً ضخمة كعاد وثمود وطسم وجديس . ولتقادم انقراضهم ذهبت عنا حقيقة أخبارهم وانقطعت عنا أسباب العلم بآثارهم . وأما الفرقة الباقية فهي متفرعة من جذمين قحطان وعدنان . ويضمها حالان حال الجاهلية وحال الإسلام . فأما حال العرب في الجاهلية فحالٌ مشهور عند الأمم من العز والمنعة وكان ملكهم في قبائل قحطان وكان بيت الملك الأعظم في بني حمير وكان منهم الملوك الجبابرة التبابعة . وأما سائر عرب الجاهلية بعد الملوك فكانوا طبقتين أهل مدر وأهل وبر . فأما أهل المدر فهم الحواضر وسكان القرى . وكانوا يحاولون المعيشة من الزرع والنخل والماشية والضرب في الأرض للتجارة . وأما أهل الوبر فهم قطّان الصحارى . وكانوا يعيشون من ألبان الإبل ولحومها منتجعين بمنابت الكلأ مرتادين لمواقع القطر فيخيمون هنالك ما ساعدهم الخصب وأمكنهم الرعي ثم يتوجهون لطلب العشب وابتغاء المياه فلا &lt;br/&gt;يزالون في حل وترحال كما قال بعضهم عن ناقته :&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; تقول إذا درأت لها وضيني             أهذا دينه أبداً وديني أكل الدهر حلٌّ وارتحالٌ                          أما يبقي عليَّ ولا يقيني&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;ذلك دأبهم زمان الصيف والربيع . فإذا جاء الشتاء واقشعرت الأرض انكمشوا إلى أرياف العراق وأطراف الشام . فشتّوا هناك مقاسين جهد الزمان ومصطبرين على بؤس العيش . وكانت أديانهم مختلفة . فكانت حمير تعبد الشمس . وكنانة القمر . وميسم الدبران . ولخم وجذام المشتري . وطيّء سهيلاً . وقيس الشعري العبور . وأسد عطارد . وثقيف بيتاً بأعلى نخلة يقال لها اللات . وكان فيهم من يقول بالمعاد ويعتقد أن من نحرت ناقته على قبره حشر راكباً ومن لم يفعل ذلك حشر ماشياً . فأما علم العرب الذين كانوا يفاخرون به فعلم لسانهم وأحكام لغتهم ونظم الأشعار وتأليف الخطب . وكان لهم مع هذا معرفة بأوقات مطالع النجوم ومغاربها وعلم بأنواء الكواكب وأمطارها على حسب ما أدركوه بفرط العناية وطول التجربة لاحتياجهم إلى معرفة ذلك في أسباب المعيشة لا على طريق تعلم الحقائق . وأما علم الفلسفة فلم يمنحهم الله شيئاً منه ولا هيأ طبائعهم للعناية به . فهذه كانت حالهم في الجاهلية . وأما حالهم في الإسلام فعلى ما نذكره بأوجز ما يمكننا وأقصر إن شاء الله .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;“ محمد بن عبد الله عليه السلام “&lt;br/&gt; ذكر النسابون أن نسبته ترتقي إلى إسماعيل ابن إبراهيم الخليل الذي ولدت له هاجر أمة سارة زوجته . وكان ولادته بمكة سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة للاسكندر . ولما مضى من عمره سنتان بالتقريب مات عبد الله أبوه وكان مع أمه آمنة بنت وهب ست سنين . فلما توفيت أخذه إليه جده عبد المطلب وحنا عليه . فلما حضرته الوفاة أوصى ابنه أبا طالب بحياطته فضمه إليه وكفله . ثم خرج به وهو ابن تسع سنين إلى الشام . فلما نزلوا بصرى خرج إليهم راهب عارف اسمه بحيرا من صومعته وجعل يتخلل القوم حتى انتهى إليه فأخذه بيده وقال : سيكون من هذا الصبي أمر عظيم ينتشر ذكره في مشارق الأرض ومغاربها فإنه حيث أشرف أقبل وعليه غمامة تظلله . ولما كمل له من العمر خمس وعشرون سنة عرضت عليه امرأة ذات شرف ويسار اسمها خديجة أن يخرج بمالها تاجراً إلى الشام وتعطيه أفضل ما تعطي غيره . فأجابها إلى ذلك وخرج . ثم رغبت فيه وعرضت نفسها عليه فتزوجها وعمرها يومئذ أربعون سنة . وأقامت معه إلى أن توفيت بمكة اثنتين وعشرين سنة . ولما كمل له أربعون سنة أظهر الدعوة . ولما مات أبو طالب عمه وماتت أيضاً خديجة زوجته أصابته قريش بعظيم أذى . فهاجر عنهم إلى المدينة وهي يثرب . وفي السنة الأولى من هجرته احتفل الناس اليه ونصروه على المكيين أعدائه . وفي السنة الثانية من هجرته إلى المدينة خرج بنفسه إلى غزاة بدر وهي البطشة الكبرى وهزم بثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً من المسلمين ألفاً من أهل مكة المشركين . وفي هذه السنة صرفت القبلة عن جهة البيت المقدس إلى جهة الكعبة . وفيها فرض صيام شهر رمضان . وفي السنة الثالثة خرج إلى غزاة أحد . وفيها هزم المشركون المسلمين وشجُّ في وجهه وكسرت رباعيته . وفي السنة الرابعة غزا بني النضير اليهود وأجلاهم عن الشام . وفيها اجتمع أحزاب شتى من قبائل العرب مع أهل مكة وساروا جميعاً إلى المدينة فخرج إليهم . ولأنه هال المسلمين أمرهم أمر بحفر خندق وبقوا بضعةً وعشرين يوماً لم يكن بينهم حرب . ثم جعل واحد من المشركين يدعو إلى البراز . فسعى نحوه علي بن أبي طالب وقتله وقتل بعده صاحباً له . وكان قتلهما سبب هزيمة الأحزاب على كثرة عددهم ووفرة عددهم . وفي السنة الخامسة كانت غزاة دومة الجندل وغزاة بني لحيان . وفي السنة السادسة خرج بنفسه إلى غزاة بني المصطلق وأصاب منهم سبياً كثيراً . وفي السنة السابعة خرج إلى غزاة خيبر مدينة اليهود . وينقل عن علي بن أبي طالب أنه عالج باب خيبر واقتلعه وجعله مجناً وقاتلهم . وفي الثامنة كانت غزاة الفتح فتح مكة وعهد إلى المسلمين أن لا يقتلوا فيها إلا من قاتلهم وأمن من دخل المسجد ومن أغلق على نفسه بابه وكفَّ يده ومن تعلق بأستار الكعبة سوى قوم كانوا يؤذونه . ولما أسلم أبو سفيان وهو عظيم مكة من تحت السيف ورأى جيوش المسلمين قال للعباس يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً . فقال له : ويحك إنها النبوة . قال نعم إذن . وفي السنة التاسعة خرج إلى غزاة تبوك من بلاد الروم ولم يحتج فيها إلى حرب . وفي السنة العاشرة حج حجة الوداع . وفيها تنبأ باليمامة مسيلمة الكذاب وجعل يسجع مضاهياً للقرآن فيقول : لقد أنعم الله على الحبلى أخرج منها نسمةً تسعى من بين صفاق وحشاً . وفي هذه السنة وعك عليه السلام ومرض وتوفي يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر . وكان عمره بجملته ثلاثاً وستين سنة منها أربعون سنة قبل دعوة النبوة ومنها بعدها ثلث عشرة سنة مقيماً بمكة ومنها بعد الهجرة عشر سنين مقيماً بالمدينة . ولما توفي أراد أهل مكة من المهاجرين رده إليها لأنها مسقط رأسه . وأراد أهل المدينة من الأنصار دفنه بالمدينة لأنها دار هجرته ومدار نصرته . وأرادت جماعة نقله إلى بيت المقدس لأنه موضع دفن الأنبياء . ثم اتفقوا على دفنه بالمدينة فدفنوه بحجرته حيث قبض . واختلفوا بعدد أزواجه . وأكثر ما قالوا سبع عشرة امرأة سوى السراري . وولد له سبعة أولاد ثلاثة بنين وأربع بنات كلهم من خديجة إلا إبراهيم ابنه فإنه من ماريا القبطية التي بعث بها المقوقس إلى الإسكندرية مع أختها شيرين . ولم يمت من نسائه قبله إلا اثنتان . ولم يعش من أولاده بعده إلا ابنة واحدة وهي فاطمة زوجة علي بن أبي طالب وتوفيت بعد أبيها بثلاثة أشهر .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt;وقد وقع في الإسلام اختلافات شتى كما وقع في غيره من الأديان بعضها في الأصول وهي موضوع علم الكلام وبعضها في الفروع وهي موضوع علم الفقه . والخلاف في الأصول فينحصر في أربع قواعد الأولى الصفات والتوحيد . الثانية القضاء والقدر . الثالثة الوعد والوعيد . الرابعة النبوة والإمامة .&lt;br/&gt; وكبار فرق الأصوليين ست . المعتزلة ثم الصفائية وهما متقابلتان تقابل التضاد . وكذلك القدرية تضاد الجبرية . والمرجئة الوعيدية . والشيعية الخوارج . ويتشعب عن كل فرقة أصناف فتصل إلى ثلث وسبعين فرقة . وأما المعتزلة فالذي يعممهم من الاعتقاد القول بنفي الصفات القديمة عن ذات الباري تعالى هرباً من أقانيم النصارى .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;فمنهم من قال أنه تعالى عالم لذاته لا بعلم وكذلك قادرٌ وحيّ . ومنهم من قال أنه عالم بعلم وهو ذاته وكذلك قادر وحي فالأول نفى الصفة رأساً والثاني أثبت صفةً هي بعينها ذاتً .واتفقوا على إن كلامه تعالى محدث بخلقه في محل وهو حرف وصوت وكتب مثاله في المصاحف . وبالجملة نفي الصفات مقتبس من الفلاسفة الذين اعتقدوا أن ذات الله تعالى واحدة لا كثرة فيها بوجهٍ . وبازاء المعتزلة الصفاتيَّة وهم يثبتون الله صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة وغيرها . وبلغ بعضهم في إثبات الصفات كالسمع والبصر والكلام إلى حد التجسيم فقال : لا بد من إجراء الآيات الدالة عليها كالاستواء على العرش والخلق باليد وغيرهما على ظاهرها من غير تعرض للتأويل . إلا أن قوماً منهم كأبي الحسن الاشعري وغيره لما بشروا علم الكلام منعوا التشبيه وصار ذلك مذهباً لأهل السنة والجماعة وانتقلت سنة الصفاتية إلى الاشعرية .&lt;br/&gt; وأما القدرية فهم معتزلة أيضاً وإنما لقبوا بالقدرية لنفيهم القدر لا لإثباتهم إياه فإنهم يقولون أن العبد قادر خالق لأفعاله خيرها وشرها مستحق على ما يفعله ثواباً وعقاباً . فالرب تعالى منزه عن أن يضاف إليه شر وظلم . وسموا هذا النمط عدلاً . وحدوه بأنه إصدار الفعل على وجه الصواب والمصلحة لمقتضى العقل من الحكمة . وبازاء القدرية الجبرية الذين ينفون الفعل والقدرة على الفعل عن العبد ويقولون أن الله تعالى يخلق الفعل ويخلق في الإنسان قدرة متعلقة بذلك الفعل ولا تأثير لتلك القدرة على ذلك الفعل . ومنهم من يثبت للعبد قدرة ذات أثر ما في الفعل ويقولون أن الله مالك في خلقه يفعل فيهم ما يشاء و لا يسأل عما يفعل . فلو أدخلوا الخلائق بأجمعهم الجنة لم يكن حيفاً . ولو أدخلهم بأجمعهم النار لم يكن جوراً بل هو في كل ذلك عادل لأن العدل على رأيهم هو التصرف فيما يملكه المتصرف .&lt;br/&gt; وأما المرجئة فهم يقولون بإرجاء حكم صاحب الكبيرة من المؤمنين إلى القيامة أي بتأخيره إليها . فلا يقضون عليه بحكم ما في الدنيا من كونه ناجياً أو هالكاً ويقولون أيضاً أنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة . وبازاء المرجئة الوعيدية القائلون بتكفير صاحب الكبيرة وتخليده في النار وإن كان مؤمناً لكن يكون عقابه أخف من عقاب الكفار . وأما الشيعة فهم الذين شايعوا علي بن أبي طالب وقالوا بإمامته بعد النبي . وإن الإمامة لا تخرج من أولاده إلا بظلم . ويجمعهم القول بثبوت عصمة الأيمة وجوباً عن الكبائر والصغائر . فإن الإمامة ركن من أركان الدين لا يجوز للنبي إغفاله ولا تفويضه إلى العامة . ومن غلاة الشيعة النصيرية القائلون بأن الله تعالى ظهر بصورة علي ونطق بلسانه مخبراً عما يتعلق بباطن الأسرار . وقوم منهم غلوا في حق أيمتهم حتى أخرجوهم من حدود الخليقة وحكموا فيهم بأحكام إلاهية . وبازاء الشيعة الخوارج فمنهم من خطّأ علي بن أبي طالب فيما تصرف فيه ومنهم من تخطى عن تخطئته إلى تكفيره ومنهم من جوز أن لا يكون في العالم إمام أصلاً وإن احتيج إليه فيجوز أن يكون عبداً أو حراً أو نبطياً أو قرشياً إذا كان عادلاً . فإن عدل عن الحق وجب عزله وقتله . فهذا اقتصاص مذهب الأصوليين على سبيل الاختصار .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وأما مذاهب الفروعيين المختلفين في الأحكام الشرعية والمسائل الاجتهادية فالمشهورة منها أربعة : مذهب مالك بن أنس . ومذهب أحمد بن إدريس الشافعي . ومذهب محمد بن حنبل . ومذهب أبي حنيفة النعمان بن ثابت . وأركان الاجتهاد أيضاً أربعة : الكتاب والسنة والإجماع والقياس . وذلك لأنه إذا وقعت لهم حادثة شرعية من حلال وحرام فزعوا إلى الاجتهاد وابتدأوا بكتاب الله تعالى . فإن وجدوا فيه نصاً تمسكوا به وإلا فزعوا إلى سنة النبي فإن رأوا لهم في ذلك خبراً نزلوا إلى حكمه وإلا فزعوا إلى إجماع الصحابة لأنهم راشدون حتى لا يجتمعون على ضلال . فإن عثروا بما يناسب مطلوبهم أجروا حكم الحادثة على مقتضاه وإلا فزعوا إلى القياس لأن الحوادث والوقائع غير متناهية والنصوص متناهية فلا يتطابقان فعلم قطعاً أن القياس واجب الاعتبار ليكون بصدد كل حادثة شرعية اجتهاد قياسي . ومن الأيمة داود الأصفهاني نفى القياس أصلاً . وأبو حنيفة شديد العناية به وربما يقدم القياس الجلي على آحاد الأخبار . ومالك والشافعي وابن حنبل لا يرجعون إلى القياس الجلي ولا الخفي ما وجدوا خبراً أو أمراً . وبينهم اختلاف في الأحكام ولهم فيها تصانيف وعليها مناظرات ولا يلزم بذلك تكفير ولا تضليل . وبالجملة أصول شريعة الإسلام الطهارة في حواشي الإنسان وأطرافه لإرسالها وملاقاتها النجاسات . والصلاة وهي خضوع وتواضع لرب العزة . والزكاة وهي مؤاساة ومعونة وافضال . والصيام وهو رياضة وتذليل وقمع الشهوة تحصل به رقة القلب وصفاء النفس . والحج وهو مثال الخروج عن الدنيا والإقبال على الآخرة وأكثر ما فيه من المناسك امتحان وابتلاء العبد بامتثاله ما شرع له وذلك كالسعي والهرولة في الطواف ورمي الجمار . وأما الجمعة والأعياد فجعلت مجمعاً للأمة يتلاقون فيها ويتزاورون ويستريحون فيها عن كد الكدح . وأما الختان فهو سنة فيه ابتلاء وامتحان وتسليم . وأما تحريم الميتة والدم ففي كراهية النفس ونفر الطبع ما يوجب الامتناع منها .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt; &amp;quot; أبو بكر الصديق &amp;quot;&lt;br/&gt; أعظم خلاف بين الأيمة الإسلامية خلاف الإمامة وعليه سل السيوف . وقد اتفق ذلك في الصدر الأول فاختلف المهاجرون والأنصار فيها . فقالت الأنصار : منا أمير ومنكم أمير . فاستدركهم أبو بكر وعمر في الحال . وقبل أن يشتغلوا بالكلام مد عمر يده إلى أبي بكر فبايعه وبايعه الناس وسكنت الثائرة . وبويع له في شهر ربيع الأول في أول سنة إحدى عشرة يوم توفي النبي عليه السلام في سقيفة بني ساعدة . وقيل لما بلغ ذلك علي بن أبي طالب لم ينكره . وأكثر ما روي انه قال : ما شاورتني . فقال له أبو بكر : ما اتسع الوقت للمشورة وانا خفنا أن يخرج الأمر منا . ثم صعد المنبر فقال : أقيلوني من هذا الأمر فلست بخيركم . فقال علي : لا نقيلك ولا نستقيلك . فأجمع المهاجرون والأنصار على خلافته . ولما ذاع خبر وفاة النبي عليه السلام ارتد خلق كثير من العرب ومنعوا الزكاة واشتد رعب المسلمين بالمدينة لإطباقهم على الردة . فأووا الذراري والعيال إلى الشعاب . فأمر أبو بكر خالد بن الوليد على الناس وبعثه في أربعة آلاف وخمسمائة . فسار حتى وافى المرتدة وناوشهم القتال وسبى ذراريهم وقسم أموالهم . وضج أيضاً المسلمون إلى أبي بكر فقالوا : ألا تسمع ما قد انتشر من ذكر هذا الكتاب مسيلمة بأرض اليمامة وادعائه النبوة . فأمر خالد بن الوليد بالمسير إلى محاربته . فسار بالناس حتى نزل بموضع يسمى عقرباء . وسار مسيلمة في جمع من بني حنيفة فنزل حذاء خالد . وكان بينهما وقعات واشتدت الحرب بين الفريقين واقتحم المسلمون بأجمعهم على مسيلمة وأصحابه فقتلوهم حتى احمرت الأرض بالدماء . ونظر عبد أسود اسمه وحشي إلى مسيلمة فرماه بحربة فوقعت على خاصرته فسقط عن فرسه قتيلاً . ومن هناك توجه خالد إلى أرض العراق فزحف إلى الحيرة ففتحها صلحاً . وكان ذلك أول شيء افتتح من العراق . وقد كان أبو بكر وجه قبل ذلك أبا عبيده بن الجراح في زهاء عشرين ألف رجل إلى الشام . وبلغ هرقل ملك الروم ورود العرب إلى أرض الشام فوجه إليهم سرجيس البطريق في خمسة آلاف رجل من جنوده ليحاربهم . وكتب أبو بكر إلى خالد عند افتتاحه الحيرة يأمره أن يسير إلى أبي عبيده بأرض الشام . ففعل والتقى العرب الروم فانهزم الروم وقتل سرجيس البطريق وذلك أنه في هربه سقط من فرسه فركبه غلمانه فسقط فركبوه ثانياً فهبط أيضاً وقال لهم : فوزوا بأنفسكم واتركوني أقتل وحدي . وفي سنة ثلث عشرة للهجرة مرض أبو بكر خمسة عشرة يوماً ومات رحمه الله يوم الاثنين لثمان خلون من جمادى الآخرة وهو ابن ثلاث وستين سنة . وكانت خلافته سنتين وأربعة أشهر إلا ثمانية أيام . وفيها وهي سنة تسعمائة وست وأربعين للاسكندر خالف هرقل الناموس وتزوج مرطياني ابنة أخيه وولدت منه ابناً غير ناموسي وسماه باسمه مصغراً هريقل .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;“ عمر بن الخطاب “&lt;br/&gt; ويكنى أبا حفص . قيل أن أبا بكر لما دنا أجله قال لعثمان ابن عفان كاتبه : اكتب بسم اله الرحمن الرحيم . هذا ما عمد عبد الله بن أبي قحافة وهو في آخر ساعات الدنيا وبأول ساعات الآخرة . ثم غمي عليه . فكتب عثمان : إلى عمر بن الخطاب . فلما أفاق قال : من كتبت . قال : عمر . قال : قد أصبت ما في نفسي . ولو كتبت نفسك لكنت أهلاً له . واجمعوا على ذلك . وكان يدعى خليفة خليفة رسول الله . قالوا : هذا يطول . فسمي أمير المؤمنين . وهو أو ل من سمي بذلك . ولما استخلف قام في الناس خطيباً فقال بعد الحمدلة : أيها الناس لولا ما أرجوه من ما أرجوه من خيركم وقوامكم عليه لما أوليتكم إلى غير ذلك . فلما ولي الأمر لم يكن له همة إلا العراق . فعقد لأبي عبيد بن مسعود على زهاء ألف رجل وأمره بالمسير إلى العراق ومعه المثنى بن حارثة وعمرو بن حزم وسليط بن قيس . فساروا حتى نزلوا الثعلبية . فقال سليط : يا أبا عبيد إياك وقطع هذه اللجة فإني أرى للعجم جموعاً كثيرة . والرأي أن تعبر بنا إلى ناحية البادية وتكتب إلى أمير المؤمنين عمر فتسأله المدد . فإذا جاءك عبرت إليهم فناجزهم الحرب . فقال أبو عبيد : جبنت والله يا سليط . فقال المثنى : والله ما جبن ولكن أشار عليك بالرأي فإياك أن تعبر إليهم فلتقي نفسك وأصحابك وسط أرضهم فتنشب بك مخالبهم . فلم يقبل منهما أبو عبيد وعقد الجسر وعبر بمن معه على كره منهما . فعبرا معه . وعبأ أبو عبيد أصحابه ووقف هو في القلب . فزحف إليهم العجم فرشقوهم بالنشاب حتى كثرت في المسلمين الجراحات . فحمل العرب جملة رجل واحد وكشفوا العجم . ثم أن العجم ثابوا وحملوا على المسلمين . فكان أبو عبيد أول قتيل وقتل من المسلمين عالم . فولى الباقون مارين نحو الجسر والمثنى يقاتل من ورائهم لجميعهم حتى عبروا جميعاً وعبر المثنى في آخرهم وقطعوا الجسر . وكتب إلى عمر بما جرى من المحاربة . وكتب إليه عمر أن يقيم إلى أن يأتيه المدد . ثم أن عمر أرسل رسله إلى قبائل العرب يستنفرهم . فلما اجتمعوا عنده بالمدينة ولى جرير بن عبد الله البجلي أمرهم . فسار بهم حتى وافى الثعلبية . وانضم إليه من هناك . ثم سار حتى نزل دير هند . ووجه سراياه للغارة بأرض السواد مما يلي الفرات . فبلغ ذلك ازرميدخت ملكة العجم فأمرت أن ينتدب من مقاتليها اثنا عشر ألف فارس من أبطالهم . فانتدبوا وولت عليهم مهران بن مهرويه عظيم المرازبة . فسار بالجيش حتى وافى الحيرة . ورجعت سرايا العرب واجتمعوا وتهيأ الفريقان للقتال وزحف بعضهم إلى بعض وتطاحنوا بالرماح وتضاربوا بالسيوف . وتوسط المثنى العجم يجلدهم بسيفه . ثم رجع منصرفاً إلى قومه . وصدقهم العجم القتال فثبت بعض العرب وانهزم البعض . فقبض المثنى على لحيته ينتفها . فحملت قبائل العرب وحملت عليهم العجم فاقتتلوا من وقت الزوال إلى أن توارت الشمس بالحجاب . ثم حملوا على العجم . وخرج مهران فوقف أمام أصحابه . فحمل عليه المثنى . فضربه مهران فنبا السيف عن الضربة . وضربه المثنى على منكبه فخر ميتاً وانهزم العجم لاحقين بالمدائن . وثاب المسلمون يدفنون موتاهم ويداوون جرحاهم . فلما نظرت العجم إلى العرب وقد أخذت أطراف بلادهم وشنوا الغارة في أرضهم قالوا : إنما أوتينا من تمليكنا النساء علينا . فاجتمعوا على خلع ازرميدخت بنت كسرى وتمليك غلام اسمه يزدجرد وقد كان نجم من عقب كسرى بن هرمز . فأجلسوه وبايعوه على السمع والطاعة . فاستجاش يزدجرد جنوده من آفاق مملكته وولى عليهم رجلاً عظيماً من عظماء مرازبته له سنٌّ وتجربة يقال له رستم . فوجهه إلى الحيرة ليحارب من ورد عليه هناك من العرب . وعقد أيضاً لرجل آخر من حر سادات العجم يسمى الهرمزان في جنود كثيرة ووجهه إلى ناحية الأهواز لمحاربة أبي موسى الاشعري ومن معه . وعند الالتقاء قتل هاذان المرزبانان العظيمان . ومرت العرب في أثر العجم يقتلون من أدركه منهم .&lt;br/&gt; وفي خلافة عمر عمر فتح أبو عبيده دمشق بعد حصار سبعة أشهر . وصالح أهل ميسان وطبرية وقيسارية وبعلبك . وفتح حمص بعد حصار شهرين . وفيها كتب عمر إلى معاوية بن أبي سفيان بولاية دمشق . وفيها دخل ميسرة بن مسروق العبسي أرض الروم في أربعة آلاف وهو أول جيش دخل الروم . وفيها فتح عمرو بن العاص مصر عنوةً وفتح الإسكندرية صلحاً . وفيها دخل عياض بن غنم سروج والرها صلحاً . وفيها افتتح أيضاً الرقة وآمد ونصيبين وطور وعبدين وماردين صلحاً . وفتح حبيب بن مسلمة قرقيسياء صلحاً . وفيها فتح عتبة بن تغزوان قرى البصرة ثم سار حتى وافى الأيلة فافتتحها عنوة . ثم صار إلى المدائن فحارب مرزبانها وضرب عنقه وقتل من جنوده مقتلة عظيمة . ثم أن عتبة كتب إلى عمر يستأذنه في الحج . فاستعمل عمر على عملة المغيرة بن شعبة . ثم عزله واستعمل على أرض ميسان أبا موسى الاشعري وأمره أن يبتني بأرض البصرة خططاً لمن عنده من العرب ويجعل كل قبيلة في محلة . وابتنوا لأنفسهم المنازل . وبنى بها مسجداً جامعاً متوسطاً . وعند فراغه من بناء مدينة البصرة اسكن فيها ذرية من كان بها من العرب وسار في جنوده إلى جميع كور الأهواز فافتتحها إلا مدينة تستر فإنهم امتنعوا لحصانتها . وفيها رحل هرقل من إنطاكية إلى القسطنطينية وهو يقول باليونانية سوزه سورية . وهي كلمة وداع لأرض الشام وبلادها . ثم مات هرقل وقام ابنه قسطنطين مكانه وبعد أربعة أشهر قتلته مرطياني امرأة أبيه بالسم وأقامت ابنها هريقل وسمته داود الحديث . فنقم أرباب الدولة أمره وخلعوه وملكوا قسطوس ابن القتيل . وفيها افتتح عبد الله بن بديل أصفان صلحاً . وفيها فتح جرير البجلي همذان . وفيها كانت وقعة نهاوند . وفيها افتتح معاوية عسقلان بصلح في شهر رمضان . ومات عمر يوم الأربعاء لخمس بقين من ذي الحجة سنة ثلث وعشرين للهجرة وعمره ثلث وستون سنة . وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وسبعة عشر يوماً . قتله أبو لؤلؤة فتى المغيرة بن شعبة في صلاة الفجر . وكان السبب في ذلك أن أبا لؤلؤة جاء إليه يشكو ثقل الخراج وكان عليه كل يوم درهمان . فقال له عمر : ليس بكثير في حقك فإني سمعت عنك أنك لو أردت أن تدير الرحى بالريح لقدرت عليه . فقال : لأديرن لك رحى لا تسكن إلى يوم القيامة . فقال : إن العبد أوعد ولو كنت أقتل أحداً بالتهمة لقتلت هذا . ثم أن الغلام ضربه بالخنجر في خاصرته طعنتين . فدعا عمر طبيباً لينظره فسقا لبناً فخرج اللبن بيناً . فقال له : أعهد يا أمير المؤمنين .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt; وفي هذا الزمان اشتهر بين الإسلاميين يحيى المعروف عندنا بغرماطيقوس أي النحوي . وكان اسكندرياً يعتقد اعتقاد النصارى اليعقوبية ويشيد عقيدة ساوري . ثم رجع عما يعتقده النصارى في التثليث . فاجتمع إليه الأساقفة بمصر وسألوه الرجوع عما هو عليه . فلم يرجع . فأسقطوه عن منزلته . وعاش إلى أن فتح عمرو بن العاص مدينة الإسكندرية . ودخل على عمرو وقد عرف موضعه من العلوم فأكرمه عمرو وسمع من ألفاظه الفلسفية التي لم تكن للعرب بها انسة ما هاله ففتن به . وكان عمرو عاقلاً حسن الاستماع صحيح الفكر فلازمه وكان لا يفارقه .&lt;br/&gt; ومن الأطباء المشهورين في هذا الزمان بولس الاجانيطي طبيب مذكور في زمانه وكان خيراً خبيراً بعلل النساء كثير المعاناة لهنّ . وكانت القوابل يأتينه ويسألنه عن الأمور التي تحدث للنساء عقيب الولادة فينعم بالجواب لهنَّ ويجيبهنَّ عن سؤالهنّ بما يفعلنه . فلذلك سموه بالقوابلي . وله كتاب في الطب تسع مقالات نقل حنين بن اسحق . وكتاب في علل النساء . ومنهم مغنوس له ذكر بين الأطباء ولم نر له تصنيفاً .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&amp;quot; عثمان بن عفان &amp;quot;&lt;br/&gt; ويكنى أبا عمرو . بويع له لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلث وعشرين للهجرة . قيل لما ضرب أبو لؤلؤة عمر بالخنجر وشرب اللبن فخرج من جراحه فقالوا له : اعهد إلى من تكون الخلافة بعدك . قال : لو كان سالم حياً لم أعدل به . قيل له : هذا علي بن طالب وقد تعرف قرابته وتقدمه وفضله . قال : فيه دعابة أي مزاح . قيل : فعثمان بن عفان . قال : هو كلف بأقاربه . قيل : فهذا الزبير بن العوام حواري النبي عليه السلام . قال : بخيل . قيل : فهذا سعد . قال : فارس مقنب . والمقنب ما بين الثلاثين إلى الأربعين من الخيل . قيل : فهذا طلحة ابن عم أبي بكر الصديق . قال : لولا بأوٌ فيه أي كبر وخيلاء . قيل : فابنك . قال : يكفي أن يسأل واحد من آل الخطاب عن إمرة أمير المؤمنين . ولكن جعلت هذا الأمر شورى بين ستة نفر وهم عثمان وعلي وطلحة والزبير وأبو عبيدة وسعد بن أبي وقاص إلى ثلاثة أيام . فلما دفن عمر جاء أبو عبيدة إلى علي بن أبي طالب فقال له : هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وسنة الشيخين . قال : أما كتاب الله وسنة نبيه فنعم . وأما سنة الشيخين فأجتهد رأي . فجاء إلى عثمان فقال له : هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وسنة الشيخين . قال : اللهم نعم . فبايعه أبو عبيدة والجماعة ورضوا به . وأول ما فتح في خلافته ماه البصرة وما كان بقى من حدود أصفهان والري على يد أبي موسى الأشعري . ثم بعث عثمان عبد الله بن عامر إلى اسطخر وبها يزدجرد . فركب المفازة حتى أبي كرمان وأخذ على طريق سجستان يريد الصين . وجاء مجاشع إلى سجستان . ثم انصرف لما لم يدرك يزدجرد وعاد إلى فارس .فاشتد خوف يزدجرد واستمد طرخان التركي لنصرته . ولما ورد استخف به وطرده لكلام تكلم به الترك . وعند انصرافهم أرسل ماهويه مرزبان مرو وكان قد خامر على يزدجرد إلى طرخان أن : كر عليه فاني ظاهرك . فكر طرخان على يزدجرد . فولى يريد المدينة . فاستقبله ماهويه فمزقه كل ممزق . وقيل أن يزدجرد انتهى إلى طاحونة بقرية من قرى مرو فقال للطحان : اخفني ولك منطقتي وسواري وخاتمي . فقال للرجل : إن كرى الطاحونة كل يوم أربعة دراهم . فإن اعطيتنيها عطلتها وإلا فلا . فبينا هو في راجعته إذ غشيته الخيل فقتلوه . وانتزع عثمان عمرو بن العاص عن الإسكندرية وأمر عليها عبد الله بن مسعود أخاه لأمه . فغزا إفريقية وغزا معاوية قبرص وأنقرة فافتتحها صلحاً . ثم أن الناس نقموا على عثمان أشياء منها كلفه بأقاربه . فآوى الحكم بن العاص بن أمية طريد النبي عليه السلام . وأعطى عبد الله بن خالد أربعمائة ألف درهم . وأعطى الحكم مائة ألف درهم . ولما ولي صعد المنبر فتسنم ذروته حيث كان يقعد النبي عليه السلام . وكان أبو بكر ينزل عنه درجة وعمر درجتين . فتكلم الناس عن ذلك وأظهروا الطعن . فخطب عثمان وقال : هذا مال الله أعطيه من شئت وامنعه ممن شئت . فأرغم الله انف من رغم انفه . فقام عمار بن ياسر فقال : أنا أول من رغم أنفه . فوثب بنو أمية عليه وضربوه حتى غشي عليه . فحنقت العرب على ذلك وجمعوا الجموع ونزلوا فرسخاً من المدينة وبعثوا إلى عثمان من يكلمه ويستعتبه ويقول له : إما أن تعدل أو تعتزل . وكان أشد الناس على عثمان طلحة والزبير وعائشة . فكتب عثمان إليهم كتاباً يقول فيه : إني أنزع عن كل شيءٍ أنكرتموه وأتوب إلى الله . فلم يقبلوا منه وحاصروه عشرين يوماً . فكتب إلى علي : أترضى أن يقتل ابن عمك ويسلب ملكك . قال علي : لا والله . وبعث الحسن والحسين إلى بابه يحرسانه . فتسور محمد ابن أبي بكر مع رجلين حائط عثمان فضربه أحدهم بغتةً بمشقص في أوداجه وقتله الآخر والمصحف في حجره وذلك لعشر مضين من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة بالتقريب وعمره نيف وثمانون سنة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; “ علي بن أبي طالب “&lt;br/&gt; لما قتل عثمان اجتمع الناس من المهاجرين والأنصار فأتوا علياً وفيهم طلحة والزبير ليبايعوه . فقال علي لطلحة والزبير : إن أحببتما أن تبايعاني وإن أحببتما بايعتكما . قالا له : لا بل نبايعك . فخرجوا إلى المسجد وبايعه الناس يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة سنة خمس وثلثن للهجرة . وكان أول مبايعيه طلحة . وكان في إصبعه شلل فتطير منه حبيب بن ذؤيب وقال : يد شلاء لا يتم هذا الأمر ما أخلقه أن يتنكث . وتخلف عن بيعة علي بنو أمية ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص والوليد بن عقبة . ولم يبايعه العثمانية من الصحابة وكانت عائشة تؤلب على عثمان وتطعن فيه وكان هواها في طلحة . فبينا هي قد أقبلت راجعة من الحج استقبلها راكب . فقالت : ما ورائك . قال : قتل عثمان . قالت : كأني أنظر إلى الناس يبايعون طلحة . فجاء راكب آخر . فقالت : ما وراءك . قال : بايع الناس علياً . واعثماناه ما قتله إلا علي . لإصبع من عثمان خير من طباق الأرض أمثالهم . فقال لها الرجل من أخوالها : والله أول من أمال حرفه لأنت . ولقد كنت تقولين : اقتلوا نعثلاً فقد كفر . قالت : إنهم استتابوه ثم قتلوه . ونعثل اسم رجل كان طويل اللحية وكان عثمان إذا نيل منه وعيب شبه به لطول لحيته . ثم انصرفت عائشة إلى مكة وضربت فسطاطاً في المسجد . وأراد علي أن ينزع معاوية عن الشام فقال له المغيرة بن شعبة : اقررمعاوية على الشام فإنه يرضى بذلك . وسأل طلحة وزبير أن يوليهما البصرة والكوفة . فأبى وقال : تكونان عندي أتجمل بكما فإني استوحش لفراقكما . فاستأذناه في العمرة فأذن لهما . فقدما على عائشة وعظما أمر عثمان . ولما سمع معاوية بقول عائشة في علي ونقض طلحة والزبير البيعة ازداد قوة وجراءة وكتب إلى الزبير : إني قد بايعتك ولطلحة من بعدك فلا يفوتكما العراق . وأعانهما بنو أمية وغيرهم وخرجوا بعائشة حتى قدموا البصرة فأخذوا ابن حنيف أميرها من قبل علي فنالوا من شعره ونتفوا لحيته وخلوا سبيله فقصد علياً وقال له : بعثني ذا لحية وقد جئتك أمرد . قال : أصبت أجراً وخيراً . وقتلوا من خزنة بيت المال خمسين رجلاً وانتهبوا الأموال . وبلغ ذلك علياً فخرج من المدينة وسار بتسعمائة رجل . وجاءه من الكوفة ستة آلاف رجل . وكانت الوقعة بالخريبة . فبرز القوم للقتال وأقاموا الجمل وعائشة في هودج ونشبت الحرب بينهم فخرج علي ودعا الزبير وطلحة وقال للزبير : ما جاء بك . قال : لا أراك لهذا الأمر أهلاً . وقال لطلحة : أجئت بعرس النبي تقاتل بها وخبيت عرسك في البيت . أما بايعتماني . قالا : بايعناك والسيف على عنقنا . وأقبل رجل سعدي من أصحاب علي فقال بأعلى صوته : يا أم المؤمنين والله لقتل عثمان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون إنه قد كان لك من الله ستر وحرمة فهتكتِ ستركِ وأبحتِ حرمتكِ . ثم اقتتل الناس . وفارق الزبير المعركة فاتبعه عمر بن جرموز وطعنه في جربان درعه فقتله . وأما طلحة فأتاه سهم فأصابه فأردفه غلامه فدخل البصرة وأنزله في دار خربة ومات بها . وقتل تسعون رجلاً على زمام الجمل . وجعلت عائشة تنادي : البقية البقية . ونادى علي : اعقروا الجمل . فضربه رجل فسقط . فحمل الهودج موضعاً وإذا هو كالقنفذ لما فيه من السهام . وجاء علي حتى وقف عليه وقال لمحمد بن أبي بكر : انظر أحية هي أم لا . فأدخل محمد رأسه في هودجها . فقالت : من أنت . قال : أخوك البر . فقالت : عقق . قال : يا أخيّة هل أصابك شيء . فقالت : ما أنت وذاك . ودخل علي البصرة ووبخ أهلها وخرج منها إلى الكوفة . ولما بلغ معاوية خبر الجمل دعا أهل الشام إلى القتال والمطالبة بدم عثمان . فبايعوه أميراً غير خليفة . وبعث علي رسولاً إلى معاوية يدعوه إلى البيعة . فأبى . فخرج علي من الكوفة في سبعين ألف رجل . وجاء معاوية في ثمانين ألف رجل فنزل صفين وهو موضع بين العراق والشام فسبق علياً على شريعة الفرات . فبعث علي الأشتر النخعي فقاتلهم وطردهم وغلبهم على الشريعة . ثم ناوشوا الحرب أربعين صباحاً حتى قتل من العراقيين خمسة وعشرون ألفاً ومن الشاميين خمسة وأربعون ألفاً . ثم خرج علي وقال لمعاوية : علام تقتل الناس بيني وبينك . أحاكمك إلى الله عز وجل فأينا قتل صاحبه استقام الأمر له . فقال معاوية لأصحابه : يعلم أنه لا يبارزه أحد إلا قتله . فأمرهم أن ينشروا المصاحف وينادوا : يا أهل العراق بيننا وبينكم كتاب الله ندعوكن اليه . قال علي : هذا كتاب الله فمن يحكم بيننا . فاختار الشاميون عمرو بن العاص والعراقيون أبا موسى الاشعري . فقال الأحنف : إن أبا موسى رجلٌ قريب القعر كليل الشفرة اجعلني مكانه آخذ لك بالوثيقة وأضعك في هذا الأمر بحيث تحب . فلم يرضى به أهل اليمن . فكتبوا القضية على أن يحكم الحكمان بكتاب الله والسنّة والجماعة وصيروا الأجل شهر رمضان . ورحل علي إلى الكوفة ومعاوية إلى الشام . فلما دخل علي الكوفة اعتزل اثنا عشر ألفاً من القراء وهم ينادونه : جزعت من البلية ورضيت بالقضية وحكمت الرجال والله يقول : أن الحكم إلا الله . ثم اجتمع أبو موسى الاشعري وعمرو بن العاص للتحكم بموضع بين مكة والكوفة والشام بعد صفين بثمانية أشهر وحضر جماعة من الصحابة والتابعين . فقال ابن العباس لأبي موسى : مهما نسيت فلا تنسى أن علياً ليست فيه خلة واحدة تباعده عن الخلافة وليس في معاوية خصلة واحدة تقربه من الخلافة . فلما اجتمع أبو موسى وعمرو للحكومة ضربا فسطاطاً . وقال عمرو :يجب أن لا نقول شيئاً إلا كتبناه حتى لا نرجع عنه . فدعا بكاتب وقال له سراً : ابدأ باسمي . فلما أخذا الكاتب الصحيفة وكتب البسملة بدأ باسم عمرو . فقال له عمرو : امحه وابدأ باسم أبي موسى فإنه أفضل مني وأولى بأن يقدم . وكانت منه خديعة . ثم قال : ما تقول يا أبا موسى في قتل عثمان . قال : قتل والله مظلوماً . قال : أكتب يا غلام . ثم قال : يا أبا موسى إن إصلاح الأمة وحقن الدماء خير مما وقع فيه علي ومعاوية . فإن رأيت أن تخرجهما وتستخلف على الأمة من يرضى به المسلمون فإن هذه أمانة عظيمة في رقابنا . قال : لا بأس بذلك . قال عمرو : اكتب يا غلام . ثم ختما على ذلك الكتاب . فلما قعدا من الغد للنظر قال عمرو : يا أبا موسى قد أخرجن علياً ومعاوية من هذا الأمر فسم له من شئت . فسمى عدة لا يرتضيهم عمرو . فعرف أبو موسى أنه يتلعب به . إليه . قال علي : هذا كتاب الله فمن يحكم بيننا . فاختار الشاميون عمرو بن العاص والعراقيون أبا موسى الاشعري . فقال الأحنف : إن أبا موسى رجلٌ قريب القعر كليل الشفرة اجعلني مكانه آخذ لك بالوثيقة وأضعك في هذا الأمر بحيث تحب . فلم يرضى به أهل اليمن . فكتبوا القضية على أن يحكم الحكمان بكتاب الله والسنّة والجماعة وصيروا الأجل شهر رمضان . ورحل علي إلى الكوفة ومعاوية إلى الشام . فلما دخل علي الكوفة اعتزل اثنا عشر ألفاً من القراء وهم ينادونه : جزعت من البلية ورضيت بالقضية وحكمت الرجال والله يقول : أن الحكم إلا الله . ثم اجتمع أبو موسى الاشعري وعمرو بن العاص للتحكم بموضع بين مكة والكوفة والشام بعد صفين بثمانية أشهر وحضر جماعة من الصحابة والتابعين . فقال ابن العباس لأبي موسى : مهما نسيت فلا تنسى أن علياً ليست فيه خلة واحدة تباعده عن الخلافة وليس في معاوية خصلة واحدة تقربه من الخلافة . فلما اجتمع أبو موسى وعمرو للحكومة ضربا فسطاطاً . وقال عمرو :يجب أن لا نقول شيئاً إلا كتبناه حتى لا نرجع عنه . فدعا بكاتب وقال له سراً : ابدأ باسمي . فلما أخذا الكاتب الصحيفة وكتب البسملة بدأ باسم عمرو . فقال له عمرو : امحه وابدأ باسم أبي موسى فإنه أفضل مني وأولى بأن يقدم . وكانت منه خديعة . ثم قال : ما تقول يا أبا موسى في قتل عثمان . قال : قتل والله مظلوماً . قال : أكتب يا غلام . ثم قال : يا أبا موسى إن إصلاح الأمة وحقن الدماء خير مما وقع فيه علي ومعاوية . فإن رأيت أن تخرجهما وتستخلف على الأمة من يرضى به المسلمون فإن هذه أمانة عظيمة في رقابنا . قال : لا بأس بذلك . قال عمرو : اكتب يا غلام . ثم ختما على ذلك الكتاب . فلما قعدا من الغد للنظر قال عمرو : يا أبا موسى قد أخرجن علياً ومعاوية من هذا الأمر فسم له من شئت . فسمى عدة لا يرتضيهم عمرو . فعرف أبو موسى أنه يتلعب به .&lt;br/&gt;ثم قال عمرو : إن هذا قد خلع صاحبه وأنا أيضاً خلعته كما خلعت هذا الخاتم من يدي . وافترقا . وعزم علي المسير إلى معاوية . وبايعه ستون ألفاً على الموت . فشغلته الخوارج وقتالهم . وأخذ معاوية في تسريب السرايا إلى النواحي التي يليها عمال علي وشن الغارات وبعث جيشاً إلى المدينة ومكة . فبايعه بقية أهلها . ثم تعاقد ثلثة نفر من الخوارج داود والبرك وابن ملجم أن يقتلوا عمرو بن العاص ومعاوية وعلياً ويريحوا العباد من أيمت الضلال . أما داود فإنه أتى إلى مصر ودخل المسجد وضرب خارجة ابن حذاقة فقتله وهو يظنه عمراً . وأخذ داوديه فقتل . وأما البرك فإنه مضى إلى الشام ودخل المسجد وضرب معاوية فقطع منه عرقاً فانقطع منه النسل . فأخذ البرك فقطعت يداه ورجلاه وخلي عنه . فقدم البصرة ونكح امرأة فولدت له . فقال له زياد : يولد لك ولا يولد لمعاوية . فضرب عنقه . وأما ابن ملجم فإنه أتى الكوفة وسم سيفه وشحذه وجاء فبات بالمسجد . فدخل علي المسجد ونبه النيام فركل ابن ملجم برجله وهو ملتف بعباءة وفتح ركعتي الفجر . فأتاه ابن الملجم فضربه على ضلعه ولم تبلغ الضربة مبلغ القتل ولكن عمل فيه السم . فثار الناس إليه وقبضوا عليه . فقال علي : لا تقتلوه فإن عشت رأيت فيه رأيي وإن مت فشأنكم به . فعاش ثلث أيام ثم مات يوم الجمعة لسبع عشرة من رمضان . فقتل ابن ملجم .&lt;br/&gt; &amp;quot; الحسن بن علي بن أبي طالب &amp;quot;&lt;br/&gt; ثم بويع الحسن بن علي بالكوفة . وبويع معاوية بالشام في مسجد ايليا . فسار الحسن عن الكوفة إلى لقاء معاوية . وكان قد نزل مسكن من أرض الكوفة . ووصل الحسن إلى المدائن وجعل قيس بن سعد على مقدمته واثني عشر ألفاً . وقدم معاوية على مقدمته بشر بن أرطأة . فكانت بينه وبين قيس مناوشة . ثم تحاجزوا ينتظرون الحسن . &amp;quot; قالوا &amp;quot; فنظر الحسن إلى ما يسفك من الدماء وينتهك من المحارم فقال : لا حاجة لي في هذا الأمر وقد رأيت أن أسلمه إلى معاوية فيكون في عنقه تباعته وأوزاره . فقال له الحسين : أنشدك الله أن تكون أول من عاب أباه ورغب في رأيه . فقال الحسن : لا بد من ذلك . وبعث إلى معاوية يذكر تسليمه الأمر إليه . فكتب إليه معاوية : أما بعد فأنت أولى مني بهذا الأمر لقرابتك وكذا وكذا . ولو علمت أنك أضبط له وأحوط على حريم هذه الأمة وأكيد للعدو لبايعتك . فاسأل ما شئت . فكتب الحسن أموالاً وضياعاً وأماناً لشيعة علي وأشهد على ذلك شهوداً من الصحابة . وكتب في تسليم الأمر كتاباً . فالتقى معاوية مع الحسن على منزل من الكوفة ودخلا الكوفة معاً . ثم قال : يا أبا محمد جدت بشيء لا تجود بمثله نفوس الرجال فقم وأعلم الناس بذلك . فقام الحسن فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس إن الله عز وجل هداكم بأولنا وحقن دمائكم بآخرنا . وإن معاوية نازعني حقاً لي دونه فرأيت أن أمنع الناس الحرب وأسلمه إليه . وإن لهذا الأمر مدة . والدنيا دول . فلما قالها قال له معاوية : اجلس . وحقدها عليه . ثم قام خطيباً فقال : إني كنت شرطت شروطاً أردت بها نظام الألفة . وقد جمع الله كلمتنا وأزال فرقتنا . فكل شرط شرطته فهو مردود . فقام الحسن : ألا وأنا اخترت العار على النار . وسار إلى المدينة وأقام بها إلى أن مات سنة سبع وأربعين من الهجرة . وكانت خلافته خمسة أشهر .&lt;br/&gt; &amp;quot; معاوية بن أبي سفيان &amp;quot;&lt;br/&gt; وصار الأمر إلى معاوية سنة أربعين من الهجرة . وكان ولي لعمر وعثمان عشرين سنة . ولما سلم الحسن الأمر إليه ولى الكوفة المغيرة بن شعبة وولى البصرة وخراسان عبد الله بن عامر وولى المدينة مروان بن الحكم . وانصرف معاوية إلى الشام فولى عبد الله بن حازم . ومات عمرو بن العاص بمصر يوم عيد الفطر فصلى عليه ابنه عبد الله ثم صلى بالناس صلاة العيد . وكان معاوية قد أزكى العيون على شيعة علي فقتلهم أين أصابهم .&lt;br/&gt;وفي سنة ست وأربعين من الهجرة وهي سنة تسعمائة وسبع وثمانين للاسكندر أرسل سابور المتغلب على أرمانيا إلى معاوية رسولاً اسمه سرجي يطلب منه النجدة على الروم . وأرسل قسطنطين الملك أيضاً رسولاً إلى معاوية لاندراا الخصي وهو من أخص خواصه . فأذن معاوية لسرجي أن يدخل أولاً فدخل ثم دخل اندراا . فلما رآه سرجي نهض له لأنه كان عظيماً . فوبخ معاوية لسرجي وقال : إذا كان العبد هالك فكيف مولاه . فقال سرجي : خدعت من العادة . ثم سأل معاوية لاندراا : لماذا جئت . فقال : الملك سيوني لئلا تصغوا إلى كلام هذا المتمرد ولا يكون الملك والمملوك عندك بسواء . فقال معاوية : كلكم أعداء لنا . فأيكم زاذ لنا من المال راعيناه . فلما سمع ذلك اندراا خرج . ومن الغد حضر وسرجي قد سبقه بالدخول . فلما دخل اندراا لم ينهض له . فشتمه اندراا فقال له : يا يؤوس استخففت بي . فقذفه سرجي قذف المخانيث . قال اندراا : سوف ترى . ثم أعاد كلامه الأول على معاوية فقال له معاوية : إن أعطيتمونا كل خراج بلادكم نبقي لكم اسم المملكة وإلا أزحناكم عنها . قال اندراا : كأنك تزعم أن العرب هم الجسم والروم الخيال . نستعين برب السماء . ثم استأذن للرحيل وسار مجتازاً على ملطية . وتقدم إلى مستحفظي الثغور أن يكمنوا لسرجي في الطريق ويلزموه ويحملوه إلى ملطية وينزعوا خصيتيه ويعلقوهما في رقبته ثم يسمروه . ففعلوا به كذلك . وقيل أن معاوية أول من خطب قاعداً لأنه كان بطيناً بادناً . وأول من قدم الخطبة على الصلاة خشية أن يتفرق الناس عنه قبل أن يقول ما بدا له . ثم أخذ بيعة أهل المدينة ومكة ليزيد ابنه بالسيف وبايعه الشاميون أيضاً . ثم مات معاوية بدمشق في رجب سنة ستين وهو ابن ثمانين سنة . وبايع أهل الشام يزيد بن معاوية .&lt;br/&gt; &amp;quot; يزيد بن معاوية &amp;quot;&lt;br/&gt; لما مات معاوية استدعى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وهو على المدينة الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير في جوف الليل ونعى لهما معاوية وأخذهما بالبيعة لابنه يزيد . فقالا : مثلنا لا يبايع سراً ولكن إذ نصبح . وانصرفا من عنده وخرجا من تحت الليل إلى مكة وأبيا أن يبايعا . وبلغ أهل الكوفة امتناعهما عن بيعة يزيد فكتبوا إلى الحسين في القدوم عليهم . فأرسل الحسين مسلم بن عقيل بن أبي طالب إلى الكوفة ليأخذ بيعة أهلها . فجاء واجتمع إليه خلق كثير من الشيعة يبايعون الحسين . وبلغ الخبر عبيد الله بن زياد وهو بالبصرة فتم إلى الكوفة . فسار إليه الشيعة وقاتلوه حتى دخل القصر وأغلق بابه . فلما كان عند المساء وتفرق الناس عن مسلم بعث ابن زياد خيلاً في خفية فقبضوا عليه ورفعوه بين شرف القصر ثم ضربوا عنقه . ولما بلغ الخبر الحسين هم بالرجوع إلى المدينة . وبعث إليه ابن زياد الحر بن يزيد التميمي في ألف فارس . فلقي الحسين بزبالة وقال له : لم أؤمر بقتالك إنما أمرت أن أقدمك إلى الكوفة . فإذا أبيت فخذ طريقاً لا يدخلك إلى الكوفة ولا يردك إلى المدينة حتى أكتب إلى ابن زياد . فتياسر عن طريق التعذيب والقادسية والحر يسايره حتى أنتهى إلى الغاضرية فنزل بها . وقدم عليه عمر بن سعد بن أبي وقاص في أربعة آلاف ومعه شمر ذو الجيوش فنزلوا بين نهري كربلاء وجرت الرسل بينهم وبين الحسين ومنعوه ومن معه الماء أن يشربوا وناهضهم القتال يوم عاشوراء وهو يوم الجمعة ومعه تسعة عشر إنساناً من أهل بيته فقتل الحسين عطشاناً وقتل معه سبعة من ولد علي بن أبي طالب وثلاثة من ولد الحسين . وتركوا علي ابن الحسين لأنه كان مريضاً . فمنه عقب الحسين إلى اليوم . وقتل من أصحابه سبعة وثمانون إنسانا . وساقوا علي بن الحسين مع نسائه وبناته إلى ابن زياد . فزعموا أنه وضع رأس الحسين في طست وجعل ينكت في وجهه بقضيب ويقول : ما رأيت مثل حسن هذا الوجه قط . ثم بعث به وبأولاده إلى يزيد بن معاوية . فأمر نسائه وبناته فأقمن بدرجة المسجد حيث توقف الاسارى لينظر الناس إليهم . وقتل الحسين سنة إحدى وستين من الهجرة يوم عاشوراء وهو يوم الجمعة . وكان قد بلغ من السن ثمانياً وخمسين سنة . وكان يخضب بالسواد . ثم بعث يزيد بأهله وبناته إلى المدينة . وللروافض في هذه القصة زيادات وتهاويل كثيرة . ولما احتضر يزيد بن معاوية بايع ابنه معاوية ومات وهو ابن ثماني وثلاثين سنة . وكان ملكه ثلث سنين وثمانية أشهر .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;“ معاوية بن يزيد “&lt;br/&gt; ولما مات يزيد صار الأمر إلى ولده معاوية وكان قدرياً لأن عمر المقصوص كان علمه ذلك فدان به وتحققه . فلما بايعه الناس قال للمقصوص : ما ترى . قال : إما أن تعتدل أو تعتزل . فخطب معاوية بن يزيد فقال : إن جدي معاوية نازع الأمر من كان أولى به وأحق . ثم تقلده أبي . ولقد كان غير خليق به . ولا أحب أن ألقى الله عز وجل بتبعاتكم . فشأنكم وأمركم ولوه من شئتم . ثم نزل وأغلق الباب في وجهه وتخلى بالعبادة حتى مات بالطاعون . وكانت ولايته عشرين يوماً . فوثب بنو أمية على عمر المقصوص وقالوا : أنت أفسدته وعلمته . فطمروه ودفنوه حياً . وأما ابن الزبير فلما مات يزيد دعا الناس إلى البيعة لنفسه وادعى الخلافة فظفر بالحجاز والعراق وخراسان واليمن ومصر والشام إلا الأردن .&lt;br/&gt; &amp;quot; مروان بن الحكم &amp;quot;&lt;br/&gt; بويع بالأردن سنة أربع وستين للهجرة وهو أول من أخذ الخلافة بالسيف . وسار إليه الضحاك بن قيس فاقتتلوا بمرج راهط من غوطة دمشق . فقتل الضحاك . وخرج سليمان بن صرد الخزاعي من الكوفة في أربعة آلاف من الشيعة يطلبون بدم الحسين فبعث إليه مروان بن الحكم عبيد الله بن زياد فالتقوا برأس العين فقتل سليمان وتفرق أصحابه . ومات مروان بدمشق وكانت ولايته سبعة أشهر وأياماً . وبايع أهل الشام عبد الملك بن مروان .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt; قال ابن جلجل الأندلسي أن ماسرجويه الطبيب البصري سرياني اللغة يهودي المذهب . وهو الذي تولى في أيام مروان تفسير كناش اهرون القس إلى العربي . وحدث أيوب بن الحكم أنه كان جالساً عند ماسرجويه إذ أتاه رجل من الخوز فقال : إني بليت بداء لم يبل أحد بمثله . فسأله عن دائه . فقال : اصبح وبصري مظلم علي وأنا أصيب مثل لحس الكلاب في معدتي فلا تزال هذه حالي إلى أن أطعم شيئاً فإذا طعمت سكن ما أجد إلى وقت انتصاف النهار . ثم يعاودني ما كنت فيه . فإذا عاودت الأكل سكن ما بي إلى وقت صلاة العتمة . ثم يعاودني فلا أجد له دواء إلا معاودة الأكل . فقال له ماسرجويه : على دائك هذا غضب الله . فإنه أساء لنفسه الاختيار حين قرنه بسفلة مثلك ولوددت أن هذا الداء تحول إلي وإلى صبياني فكنت أعوضك مما نزل بك مثل نصف ما أملك . فقال له الخوزي : ما افهم عنك . قال ماسرجويه : هذه صحة لا تستسحقها أسأل الله نقلها عنك إلى من هو أحق بها منك .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt; &amp;quot; عبد الملك بن مروان &amp;quot;&lt;br/&gt; بويع سنة خمس وستين بالشام . وأما ابن الزبير فبعث أخاه مصعباً على العراق . فقدم البصرة وأعطاه أهلها الطاعة واستولى مصعب على العراقيين . فسار إليه عبد الملك بن مروان فالتقوا بسكن . وقتل مصعب واستقام العراق لعبد الملك . وكان الحجاج بن يوسف على شرطه . فرأى عبد الملك من نفاذه وجلادته ما أعجب به ورجع إلى الشام ولا هم له دون ابن الزبير . فأتاه الحجاج فقال : ابعثني إليه فإني أرى في المنام كأني أقتله وأسلخ جلده . فبعثه إليه . فقتله وسلخ جلده وحشاه تبناً وصلبه . وكانت فتنة ابن الزبير تسع سنين منذ موت معاوية إلى أن مضت ست سنين من ولاية عبد الملك . وولي الحجاج الحجاز واليمامة . وبايع أهل مكة لعبد الملك بن مروان . وزعم قوم أن الحجاج بلاء صبه الله على أهل العراق . ولم قدم الكوفة دخل المسجد وصعد يوماً المنبر وسكت ساعة ثم نهض وقال : والله يا أهل العراق إني أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها .فكأني أنظر إلى الدماء من فوق العمائم واللحى . وفي سنة سبعين للهجرة وهي سنة ألف للاسكندر استجاش يوسطينيانوس ملك الروم على من بالشام من المسلمين . فصالحه عبد الملك على أن يؤدي إليه كل يوم جمعة ألف دينار . وقيل كل يوم ألف دينار وفرساً ومملوكاً . وفي سنة ثلث وثمانين بنى الحجاج مدينة واسط . وفي سنة ست وثمانين توفي عبد الملك بن مروان . وكان يقول : أخاف الموت في شهر رمضان . فيه ولدت وفيه فطمت وفيه جمعت القرآن وفيه بايع لي الناس . فمات في النصف من شوال حين أمن الموت على نفسه . وكان ابن ستين سنة وكانت خلافته من لدن قتل ابن الزبير ثلث عشرة سنة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;واختصّ بخدمة الحجاج بن يوسف تياذوق وثاودون الطبيبان . أما تياذوق فله تلاميذ أجلاء تقدموا بعده ومنهم من أدرك الدولة العباسية كفرات بن شحناثا في زمن المنصور . وأما ثاودون فله كناش كبير عمله لابنه . وقيل دخل إلى الحجاج يوماً فقال له الحجاج : أي شيء دواء أكل الطين . فقال : عزيمة مثلك أيها الأمير . فرمى الحجاج بالطين ولم يعد إلى أكله بعدها .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt; &amp;quot; الوليد بن عبد الملك &amp;quot;&lt;br/&gt; لما ولي الأمر أقر العمال على النواحي . وفي ولايته خرج قتيبة بن مسلم إلى ما وراء النهر . فجاشت الترك والسغد والشاش وفرغانة وأحدقوا به أربعة أشهر . ثم هزمهم وافتتح بخاراً . ثم مضى حتى أناخ على سمرقند فافتتحها صلحاً . وفي أيامه مات الحجاج . ذكروا أنه أخذه السل وهجره النوم والرقاد . فلما احتضر قال لمنجم عنده : هل ترى ملكاً يموت . قال : نعم أرى ملكاً يموت اسمه كليب . فقال : أنا والله كليب بذلك سمتني أمي . قال المنجم : أنت والله تموت كذلك دلت عليه النجوم . قال له الحجاج : لاقدمنك أمامي . فأمر به فضرب عنقه . ومات الحجاج وقد بلغ من السن ثلثاً وخمسين سنة . وولي الحجاز والعراق عشرين سنة . وكان قتل من الأشراف والرؤساء مائة ألف وعشرين ألفاً سوى العوام ومن قتل في معارك الحروب . وكان مات في حبسه خمسون ألفا رجل وثلاثون ألف امرأة . ومات الوليد سنة ست وتسعين وكانت ولايته تسع سنين وثمانية أشهر . وبنى مسجد دمشق وكان فيه كنيسة فهدمها . وبنى مسجد المدينة والمسجد الأقصى . وأعطى المجذمين ومنعهم من السؤال إلى الناس . وأعطى كل مقعد خادماً وكل ضرير قائداً . ومنع الكتاب النصارى من أن يكتبوا الفاتر بالرومية لكن بالعربية . وفتح في ولايته الأندلس وكاشغر والهند . وكان يمر بالبقال فيقف عليه يأخذ منه حزمة بقل فيقول : بكم هذا . فيقول : بفلس . فيقول : زد فيها . وكان صاحب بناء واتخاذ للمصانع والضياع . وقيل إنه كان لحاناً لا يحسن النحو . دخل عليه أعرابي فمتَّ إليه بصهر له .فقال له الوليد : من ختنك بفتح النون . فقال : بعض الأطباء . فقال سليمان : إنما يريد أمير المؤمنين من ختنك وضم النون . فقال الأعرابي : نعم فلان . وذكر ختنه . وعاتبه أبوه عبد الملك على ذلك وقال له : لا يلي العرب إلا من يحسن كلامهم . فجمع أهل النحو ودخل بيتاً ولم يخرج منه ستة أشهر . ثم خرج وهو أجهل منه يوم دخله . فقال عبد الملك : قد أعذر .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; “ سليمان بن عبد الملك “&lt;br/&gt; وفي سنة ست وتسعين بويع سليمان بن عبد الملك في اليوم الذي فيه مات الوليد أخوه . قالوا أنه كان خيراً فصيحاً نشأ بالبادية عند أخواله بني عبس . ورد المظالم وآوى المشترين وأخرج المحبسين . وفي سنة ثماني وتسعين من الهجرة وهي سنة ألف وسبعة وعشرين للاسكندر جهز سليمان جيشاً مع أخيه مسلمة ليسير إلى القسطنطينية . وسار حتى بلغها في مائة وعشرين ألفاً وعبر الخليج وحاصر المدينة . فلما برح بأهلها الحصار أرسلوا إلى مسلمة يعطونه عن كل رأس ديناراً . فأبى أن يفتتحها إلا عنوةً . فقالت الروم : للاون البطريق : إن صرفت عنا المسلمين ملكناك علينا . فاستوثق منهم وأتى مسلمة وطلب الأمان لنفسه وذويه ووعده أن يفتح له المدينة غير أنه ما تهيأ ذلك ما لم يتنح عنهم ليطمئنوا ثم يكر عليهم . فارتحل مسلمة وتنحى إلى بعض الرساتيق . ودخل لاون فلبس التاج وقعد على سرير الملك . واعتزل الملك ثاوذوسيوس ولبس الصوف منعكفاً في بعض الكنائس . ولأن مسلمة لما دنا من القسطنطينية أمر كل فارس أن يحمل معه مدين من الطعام على عجز فرسه إلى القسطنطينية لما دخل لاون المدينة وتنحى مسلمة اعدَّ لاون السفن والرجال فنقلوا في ليلةٍ ذلك الطعام ولم يتركوا منه إلا ما لم يذكر وأصبح لاون محارباً وقد خدع مسلمة خديعة لو كانت امرأة لعيبت بها . وبلغ الخبر لمسلمة فأقبل راجعاً ونزل بفناء القسطنطينية ثلاثين شهراً فشتا فيها وصاف وزرع الناس . ولقي جنده ما لم يلقه جيش آخر حتى كان الرجل يخاف أن يخرج من العسكر وحده من البلغاريين الذين استجاشهم لاون ومن الإفرنج الذين في السفن ومن الروم الذين يحاربونهم من داخل . وأكلوا الدواب والجلود وأصول الشجر والورق . وسليمان بن عبد الملك مقيم بدابق ونزل الشتاء فلم يقدر أن يمدهم حتى مات لعشر بقين من صفر سنة تسع وتسعين .فرحل مسلمة عن القسطنطينية وانصرف وكانت خلافته أعني سليمان سنتين وثمانية أشهر . وكان بايع ابنه أيوب فمات قبله فاستخلف عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم . ولما احتضر سليمان قيل له : اوصِ . فقال : إن بنيَّ صبية صغار . افلح من كانت له الكبار .&lt;br/&gt; &amp;quot; عمر بن عبد العزيز &amp;quot;&lt;br/&gt; لما استخلف عمر بن عبد العزيز وبويع له صعد المنبر وأمر برد المظالم ووضع اللعنة عن أهل البيت وكانوا يلعنونهم على المنابر وحض على التقوى والتواصل وقال : والله ما أصبحت ولي على أحد من أهل القبلة موجدة إلا على أسراف ومظلمة . ثم تصدق بثوبه ونزل . وتوفي عمر بن عبد العزيز في رجب لخمس بقين منه سنة إحدى ومائة . وكانت شكواه عشرين يوماً . ولما مرض قيل له : لو تداويت . فقال : لو كان دوائي في مسح أذني ما مسحتها نعم المذهوب إليه ربي . وكان موته بدير سمعان ودفن به . وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر . وكان عمره تسعاً وثلاثين سنة . قال مسلمة بن عبد الملك : دخلت على عمر أعوده فإذا هو على فراش من ليف وتحته وسادة من أديم مسجى بشملة ذابل الشفة كاسف اللون وعليه قميص وسخ . فقلت لأختي فاطمة وهي امرأته : اغسلوا ثياب أمير المؤمنين . فقالت : نفعل . ثم عدت فإذا القميص على حاله . فقلت : ألم آمركم أن تغسلوا قميصه . فقالت : والله ما له غيره . فسبحت الله وبكيت وقلت : يرحمك الله لقد خوفتنا بالله عز وجل وأبقيت لنا ذكراً في الصالحين  . قيل وكانت نفقته كل يوم درهمين . وفي أيامه تحركت دولة بني هاشم .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;“ يزيد بن عبد الملك “&lt;br/&gt;يكنى أبا خالد . عاشر بني مروان . ولما ولي الأمر استعمل على العراقين وخراسان عمر بن هبيرة الفزازي وبعث مسلمة بن عبد الملك لقتال يزيد ابن المهلب . فقتله وبعث برأس يزيد وكان يزيد بن عبد الملك صاحب لهوٍ وقصفٍ وشغف بحبابة المغنية واشتهر بذكرها . وقيل كان يزيد قد حج أيام سليمان أخيه فاشترى حبابة بأربعة آلاف دينار فقال سليمان : لقد هممت أن أحجر على يزيد . فلما سمع يزيد ردها فاشتراها رجل من أهل مصر . فلما أفضت الخلافة إليه قالت له امرأته سعدة : هل بقي من الدنيا شيء تتمناه . فقال : نعم حبابة . فأرسلت فاشترتها وصنعتها وأتت بها يزيد وأجلستها من وراء الستر فقالت : يا أمير المؤمنين أبقي من الدنيا شيء تتمناه . قال : قد أعلمتك . فرفعت الستر وقالت : هذه حبابة . وقامت وتركتها عنده . فحظيت سعدة عنده وأكرمها . وقال يوماً وقد طرب بغناء حبابة : دعوني أطير . وأهوى ليطير . فقالت : يا أمير المؤمنين إن لنا فيك حاجة . فقال : واللخ لأطيرن . فقالت : فعلى من تدع الأمة والملك . قال لها : عليك والله . وقبل يدها . فخرج بعض خدمه وهو يقول : سخنت عينك ما أسخفك . وخرجت معه إلى ناحية الأردن يتنزهان . فرماها بحبة عنب فاستقبلتها بفيها فدخلت حلقها فشرقت ومرضت بها وماتت . فتركها ثلاثة أيام لا يدفنها حتى نتنت وهو يشمها ويقبلها وينظر إليها ويبكي . فلما دفنت بقي بعدها خمسة عشر يوماً ومات ودفن إلى جانبها سنة خمس ومائة . وكانت ولايته أربع سنين وشهراً وله أربعون سنة .&lt;br/&gt; &amp;quot; هشام بن عبد الملك &amp;quot;&lt;br/&gt; في هذه السنة استخلف هشام بن عبد الملك لليالٍ بقين من شعبان . وكان عمره يومئذ أربعاً وثلاثين سنة . أتاه البريد بالخاتم والقضيب وسلم عليه بالخلافة وهو بالرصافة . فركب منها حتى أتى دمشق . وفي أيامه خرج يزيد بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب فقدم الكوفة وأسرعت إليه الشيعة وقالوا : لنرجو أن يكون هذا الزمان الذي تهلك فيه بنو أمية . وجعلوا يبايعونه سراً . وبايعه أربعة عشر ألفاً على جهاد الظالمين والرفع عن المستضعفين . وبلغ الخبر يوسف بن عمر وهو أمير البصرة فجد في طلب زيد . وتواعدت الشيعة بالخروج وجاءوا إلى يزيد فقالوا : ما تقول في أبي بكر وعمر . قال : ما أقول فيهما إلا خيراً . فتبرأوا منه ونكثوا بيعته وسعوا به إلى يوسف . فبعث في طلبه قوماً . فخرج زيد ولم يخرج معه إلا أربعة عشر رجلاً . فقال : جعلتموها حسينية . ثم ناوشهم القتال . فأصابه سهم بلغ دماغه فحمل من المعركة ومات تلك الليلة ودفن . فلما أصبحوا استخرجوه من قبره فصلبوه . فأرسل هشام إلى يوسف : احرق عجل العراق . فأحرقه . وهرب ابنه يحيى حنى أتى بلخ . قيل كان هشام محشواً عقلاً . وتفقد هشام بعض ولده فلم يحضر الجمعة . فقال : ما منعك من الصلاة .قال : نفقت دابتي . قال : أفعجزت عن المشي . فمنعه الدابة سنة . وأتي هشام برجل عنده قيان وخمر وبربط . فقال : اكسروا الطنبور على رأسه . فبكى الرجل لما ضربه . فقيل : عليك بالصبر . فقال : أتراني أبكي للضرب بل إنما أبكي لاحتقاره البربط إذ سماه طنبوراً . وقيل : وكتب إليه بعض عماله : قد بعثت إلى أمير المؤمنين بسلة دراقن . فكتب إليه : قد وصل الدراقن فأعجبتنا فزد منه واستوثق من الوعاء . وكتب إلى عامل آخر قد بعث بكمأة : قد وصلت الكمأة وهي أربعون وقد تغير بعضها . فإذا بعثت شيئاً فأجد حشوها في الظرف بالرمل حتى لا يضطرب ولا يصيب بعضها بعضاً . وقيل له : أتطمع في الخلافة وأنت بخيل جبان . وقيل له : أتطمع في الخلافة وأنت بخيل جبان . قال : ولم لا أطمع فيها وأنا حليم عفيف . ومات هشام بالرصافة سنة خمس وعشرين ومائة . وكانت ولايته عشرين سنة وعمره خمساً وخمسين سنة وكان مرضه الذبحة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;قيل أول من قدم خراسان من دعاة بني العباس سنة تسع ومائة زياد في ولاية أسد بعثه محمد الإمام ابن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب وقال له : الطف بمضر . ونهاه عن رجل من نيسابور يقال له غالب لأنه كان مفرطاً في حب بني فاطمة . فلما قدم زياد دعا إلى بني العباس وذكر سيرة بني أمية وظلمهم . وقدم عليه غالب وتناظرا في تفضيل آل علي وآل العباس وافترقا . وأقام زياد بمرو . ورفع أمره إلى أسد وخوف من جانبه فأحضره وقتله وقتل معه عشرة من أهل الكوفة . وفي سنة ثماني عشرة ومائة توجه عمار ابن يزيد إلى خراسان ودعا إلى محمد بن علي بن عبد الله ابن عباس . فأطاعه الناس وتسمى بخداش وأظهر دين الخرمية ورخص لبعضهم في نساء بعض وقال لهم : إنه لا صوم ولا صلاة ولا حج . وإن تأويل الصوم أن يصام عن ذكر الإمام فلا يباح باسمه . والصلاة فالدعاء له والحج فالقصد إليه .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt; &amp;quot; الوليد بن يزيد بن عبد الملك &amp;quot;&lt;br/&gt; كان يزيد أبوه عقد ولاية العهد له بعد أخيه هشام ابن عبد الملك . فلما ولي هشام أخو يزيد أكرم الوليد بن يزيد حتى ظهر من الوليد مجون وشرب الشراب وتهاون بالدين واستخف به . فتنكر له هشام وأض به وكان يعتبه ويتنقصه ويقصر به . فخرج الوليد ومعه ناس من خاصته ومواليه فنزل بالازرق . وكان يقول لأصحابه : هذا المشؤوم قدمه أبي على أهل بيته فصيره ولي عهده ثم يصنع بي ما ترون لا يعلم أن لي في أحد هوى إلا عبث به . ولم يزل الوليد مقيماً في تلك البرية حتى مات هشام . وأتاه رجلان على البريد فسلما عليه بالخلافة . فوجم ثم قال : أمات هشام . فقالا : نعم . فأرسل إلى الخزان . فقال : احتفظوا بما في أيديكم . فأفاق هشام فطلب شيئاً . فمنعوه . فقال : إنّا الله كأنّا كنا خزاناً للوليد . ومات في ساعته . وخرج عياض كاتب الوليد من السجن فختم أبواب الخزائن وأنزل هشاماً عن فراشه . وما وجدوا له قمقماً يسخن فيه الماء حتى استعاروه . ولا وجدوا كفناً من الخزائن . فكفنه غالب مولاه . وضيق الوليد على أهل هشام وأصحابه وكان يقول : كلناه بالصاع الذي كاله وما ظلمناه به أصبعاً . فلما ولي الوليد أجرى على زمني أهل الشام وعميانهم وكساهم وأخرج لعيالات الناس الطيب والكسوة وزاد الناس في العطاء عشرات ولم يقل في شيء يسأله : لا . ثم عقد لابنيه الحكم وعثمان البيعة من بعده وجعلهما وليي عهده أحدهما بعد الآخر . وفي هذه السنة أعني سنة خمس وعشرين ومائة قتل يحيى بن يزيد بن علي بن الحسين ابن علي ابن أبي طالب بجرجان وصلب ثم أنزل وأحرق ثم رض وحمل في سفينة وذر في الفرات . وفيها قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك قتله ابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك وكان سبب قتله ما تقدم من خلاعته ومجانته . فلما ولي الخلافة ولم يزدد من الذي كان فيه من اللهو والركوب للصيد وشرب الخمر ومنادمة الفساق إلا تمادياً ثقل ذلك على رعيته وجنده وكرهوا أمره . ولما حاصروه في قصره دنا من الباب وقال لهم : ألم أزد في أعطياتكم . ألم أرفع المؤن عنكم . ألم أعط فقراءكم . فقالوا : إنّا ما ننقم عليك في أنفسنا إنما ننقم عليك في انتهاك ما حرم الله وشرب الخمر ونكاح أمهات أولاد أبيك . قال : حسبكم فلعمري لقد أكثرتم وأغرقتم والله لا يرتق فتقكم ولا يلم شعثكم ولا تجمع كلمتكم . فنزل من الحائط إليه عشرة رجال فاحتزوا رأسه وسيروه إلى يزيد . فنصبه على رمح وطاف به بدمشق . وسجن ابنيه الحكم وعثمان . وكان قتله لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومائة . وكانت مدة خلافته سنة وثلاثة أشهر . وكان عمره اثنتين وأربعين سنة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt; وفي هذه السنة وجه ابراهيم بن محمد الأمام أبا هام بكير إلى خراسان . فقدم مرو وجمع النقباء والدعاة فنعى له محمد الامام ودعاهم إلى ابنه ابراهيم الأمام . فقبلوه ودفعوا إليه ما اجتمع عندهم من نفقات الشيعة شيعة بني العباس .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt; &amp;quot; يزيد بن الوليد بن عبد الملك &amp;quot;&lt;br/&gt; سمي الناقص لأنه نقص الزيادة التي كان الوليد زادها في عطيات الجند . وكان محمود السيرة مرضي الطريقة . أمر بالبيعة لأخيه ابراهيم ومن بعده لعبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك . وتوفي بدمشق لعشر بقين من ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائة . وكانت خلافته ستة أشهر . وكان عمره ستاً وأربعين سنة . وكانت أمه أم ولد اسمها شاه فرند ابنة فيروز ابن يزدجرد بن شهريار بن كسرى وهو القائل :&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;أنا ابن كسرى وأبي مروان  . . . وقيصر جدي وجدي خاقانُ&lt;br/&gt; وإنما جعل قيصر وخاقان جديه لأن أمه فيروز ابنة كسرى وأمها ابنة قيصر وأم كسرى ابنة خاقان ملك الترك .&lt;br/&gt; &amp;quot; ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك &amp;quot;&lt;br/&gt; فلما مات يزيد بن الوليد قام بالأمر أخوه ابراهيم بعده غير أنه لم يتم له الأمر وكان يسلم عليه تارةً بالخلافة وتارة بالامارة وتارة لا يسلم عليه بواحدة منهما . فمكث سبعين يوماً ثم سار إليه مروان بن محمد فخلعه . ثم لم يزل حياً حتى أصيب سنة اثنتين وثلاثين ومائة .&lt;br/&gt; &amp;quot; مروان بن محمد بن مروان بن الحكم &amp;quot;&lt;br/&gt; لما مات يزيد بن الوليد بن عبد الملك سار مروان في جنود الجزيرة إلى الشام لمحاربة ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك . ولما دخل دمشق أتى بالغلامين الحكم وعثمان ابني الوليد بن يزيد بن عبد الملك مقتولين فدفنهما وبايعه الناس . فلما استقر له الأمر رجع إلى منزله بحران فطلب منه الأمان لابراهيم ابن الوليد وسليمان بن هشام بن عبد الملك فأمنهما . وفي هذه السنة أعني سنة سبع وعشرين ومائة حارب سليمان بن هشام بن عبد الملك مروان بن محمد وانهزم أصحاب سليمان وقتل منهم نحو ستة آلاف . وفيها توجه سليمان بن كثير ولا هز بن قريط وقحطبة إلى مكة فلقوا ابراهيم بن محمد الأمام بها وأوصلوا إلى مولى له عشرين ألف دينار ومائتي ألف درهم ومسكاً ومتاعاً كثيراً . وكان معهم أبو مسلم . فقال سليمان لابراهيم الامام : هذا مولاك . فأمر ابراهيم أبا مسلم على خراسان . وفي سنة تسع وعشرين ومائة بعث ابراهيم الامام إلى أبي مسلم بلواء يدعى الظل وراية تدعى السحاب فعقدهما على رمحين وأظهر الدعوة العباسية بخراسان وتأول الظل والسحاب أن السحاب يطبق الأرض وكما أن الأرض لا تخلو من الظل كذلك لا تخلو من خليفة عباسي آخر الدهر . وفي سنة إحدى وثلاثين ومائة حج ابراهيم بن محمد الامام ومعه أخواه أبو العباس وأبو جعفر وولده وعمه ومواليه على ثلاثين نجيباً عليهم الثياب الفاخرة والرحال والأثقال . فشهره أهل الشام وأهل البوادي والحرمين معما انتشر في الدنيا من ظهور أمرهم . وبلغ مروان خبر حجهم فكتب إلى عاملة بدمشق يأمره بتوجيه خيل إليه . وكان مروان بأرض الشام . ووجه العامل خيلاً فهجموا على ابراهيم فأخذوه وحملوه إلى سجن حران فأثقلوه بالحديد وضيقوا عليه الحلقة حتى مات . ولما أحس ابراهيم بالطلب أوصى إلى أخيه أبي العباس ونعي نفسه إليه وأمره بالمسير إلى الكوفة بأهل بيته . فسار معه أخوه أبو جعفر وعمه وستة رجال حتى قدموا الكوفة مستخفين .&lt;br/&gt; &amp;quot; أبو العباس السفاح &amp;quot;&lt;br/&gt; وفي سنة اثنتين وثلاثين ومائة خرج أبو العباس بن محمد الامام بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ليلة الجمعة لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول من دار أبي مسلمة بالكوفة فصلى المغرب في مسجد بني أيوب ودخل منزله . فلما أصبح غدا عليه القواد في التعبية والهيئة وقد أعدوا له السواد والمركب والسيف . فخرج أبو العباس فيمن معه إلى القصر الذي للأمارة . ثم خرج إلى المقصورة وصعد المنبر وبايعه الناس . ثم وجه عمه عبد الله إلى مروان وهو نازل بالزاب . فوقاع عبد الله مروان فهزمه . فمر مروان على وجهه ومضى فعبر جسر الفرات فوق حران وجمع جمعاً عظيماًبنهر فطرس من أرض فلسطين . وعبر أيضاً عبد الله الفرات وحاصر دمشق حتى افتتحها وقتل من بها من بني أمية وهدم سورها حجراً حجراً ونبش عن قبور بني أمية وأحرق عظامهم بالنار . ثم ارتحل نحو مروان فهزمه واستباح عسكره . وهرب مروان إلى أرض مصر فاتبعه جيش عبد الله واستدلوا عليه وهو في كنيسة في بوصير فطعنه رجل فصرعه واحتز آخر رأسه وبعث به إلى أبي العباس السفاح . وكان قتله لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة . وفي سنة ست وثلاثين ومائة مات السفاح بالانبار مدينته التي بناها واستوطنها لثلث عشرة سنة مضت من ذي الحجة بالجدري . وكان له يوم مات ثلث وثلاثون سنة . وكانت ولايته من لدن قتل مروان أربع سنين . وكان أبو العباس رجلاً طويلاً أبيض اللون حسن الوجه يكره الدماء ويحامي على أهل البيت .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;“ أبو جعفر المنصور “&lt;br/&gt; هو عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بويع له سنة سبع وثلاثين ومائة . وفي هذه السنة قتل أبو مسلم الخراساني قتله المنصور بسبب أنهما حجا معاً في أيام السفاح . وكان أبومسلم يكسو الأعراب ويصلح الآبار والطرق . وكان الذكر له . فحقد أبو جعفر ذلك عليه . ولما صدر الناس عن الموسم تقدم أبو مسلم في الطريق على أبي جعفر فأتاه خبر وفاة السفاح فكتب إلى أبي جعفر يعزيه عن أخيه ولم يهنه بالخلافة ولم يقم حتى يلحقه ولم يرجع إليه . فخافه أبو جعفر المنصور وأجمع الرأي وعمل المكايد وهجر النوم إلى أن اقتنصه . وكان أبو مسلم استشار رجلاً من أصحابه بالري في رجوعه إلى المنصور فقال : لا أرى أن تأتيه وأرى أن تمتدّ إلى خراسان . فلما لم يقبل منه وسار نحو المنصور قيل له : تركت الرأي بالريّ فذهب مثلاً . فلما دنا أبو مسلم من المنصور أمر الناس بتلقيه وأكرامه غاية الكرامة . ثم قدم فدخل على المنصور وقبل يده . فأمره أن ينصرف ويروح نفسه ليلته ويدخل الحمام . فانصرف . فلما كان من الغد أعد المنصور من أصحاب الحرس أربعة نفر وأكمنهم خلف الرواق وقال لهم : إذا أنا صفقت بيديّ فشأنكم . وأرسل إلى أبي مسلم يستدعيه ودخل على المنصور فأقبل عليه يعاتبه ويذكر عثراته . فمما عد عليه أن قال : ألست الكاتب إليّ تبدأ بنفسك . ودخلت علينا وقلت : أين بان الحارثية . ويأتيك كتابي فتقرأه استهزاءً ثم تلقيه إلى مالك ابن الهيثم ويقرأه وتضحكان . فجعل أبو مسلم يعتذر إليه ويقبل الأرض بين يديه . فقال المنصور : قتلني الله إن لم أقتلك . وصفق بيديه فخرج الحراس يضربونه بسيوفهم وهو يصرخ ويستأمن ويقول : استبقني لعدوك يا أمير المؤمنين . فقال له المنصور : وأي عدو لي أعدى منك . وقيل كانت عند أبي مسلم ثلث نسوة وكان لايطأ المرأة منهم في السنة إلا مرة واحدة . وكان من أغير الناس لا يدخل قصره أحد غيره وفيه كوى يطرح منها لنسائه ما يحتجن إليه . قالوا ليلة زفت إليه امرأته أمر بالبرذون الذي ركبته فذبح وأحرق سرجه لئلا يركبه ذكر بعدها . قالوا وكان من أشد الناس طمعاً وأكثرهم طعاماً يخبز كل يوم في مطبخه ثلثة آلاف قرف ويطبخ مائة شاة سوى البقر والطير . وكان له ألف طباخ وآلة المطبخ تحمل على ألف ومائتي رأس من الدواب . وقيل كان أبو مسلم شجاعاً ذا رأي وعقل وتدبير وحزم ومروءة . وقيل بل كان فاتكاً قليل الرحمة قاسي القلب سوطه سيفه قتل ستمائة ألف ممن يعرف صبراً سوى من لايعرف ومن قتل في الحروب والهيجات . وسئل بعضهم : أبو مسلم كان خيراً أو الحجاج . قال : لا أقول أن أبا مسلم خير من أحد ولكن الحجاج كان شراً منه . وزعم قوم أن أبا مسلم كان من قرية من قرى مرو . ويقال : بل كان من العرب سمع الحديث وروى الأشعار . وقيل كان عبداً . وقد نسبه بعض الشعراء إلى الأكراد حين هجاه . وفي سنة أربعين ومائة سير المنصور عبد الوهاب ابن أخيه ابراهيم بن محمد الأمام في سبعين ألف مقاتل إلى ملطية . فنزلوا عليها وعمروا ماكان خربه الروم منها . ففرغوا من العمارة في ستة أشهر . واسكنها المنصور أربعة آلاف من الجند وأكثر فيها من السلاح والذخائر وبنى حصن قلوذية . وفي هذه السنة خرج الرواندية على المنصور بمدينة الهاشمية وهم قوم من أهل خراسان يقولون بتناسخ الأرواح ويزعمون أن ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم هو المنصور . وجعلوا يطوفو بقصره ويقولون : هذا قصر ربنا فأنكر ذلك المنصور وخرج إليهم ماشياً إذ لم يكن في القصر دابة . ونودي في أهل السوق فاجتمعوا وحملوا عليهم وقاتلوهم فقتلوا أعني الرواندية جميعاً وهم يومئذ ستمائة رجل . وفي السنة الرابعة والأربعين أخذ المنصور من أولاد الحسين بن علي بن أبي طالب اثني عشر إنساناً ورحلهم من المدينة إلى الكوفة وحبسهم في بيت ضيق لا يمكن لأحد من مقعده يبول بعضهم على بعض ويتغوط ولا يدخل عليهم روح الهواء ولا تخرج عنهم رائحة القذارة حتى ماتوا عن آخرهم . فخرج محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بالمدينة وجمع الجموع وتسمى بالمهدي . وخرج ابراهيم أخوه بالبصرة في ثلاثين ألفاً . وقتلا ولم ينجحا . وفي سنة خمس وأربعين ومائة ابتدأ المنصور في بناء عمارة مدينة بغداد . وسبب ذلك أنه كان قد ابتنى الهاشمية بنواحي الكوفة . فلما ثارت الرواندية به فيها كره سكناه لذلك ولجوار أهل الكوفة أيضاً&lt;br/&gt;إنه كان لا يأمن أهلها على نفسه وكانوا قد أفسدوا جنده . فخرج بنفسه يرتاد موضعاً يسكنه هو وجنده . فقال له أهل الحذق : إنّا نرى يا أمير المؤمنين أن يكون على الصراة وبين أنهار لا يصل إليك عدوك إلا على جسر فإذا قطعته لم يصل إليك . وأنت متوسط للبصرة والكوفة و واسط والموصل والسواد . ودجلة والفرات والصراة خنادق مدينتك . وتجيئك الميرة فيها من البر والبحر . فازداد المنصور حرصاً على النزول في ذلك الموضع . ولما عوم على بناء بغدا أمر بنقض المدائن وايوان كسرى . فنقضه ونقله إلى بغداد . فنقضت ناحية من القصر الأبيض وحمل نقضه فنظر وكان مقدار ما يلزمهم له أكثر من ثمن الجديد فأعرض عن الهدم . وجعل المدينة مدورة لئلا يكون بعض الناس أقرب إلى السلطان من بعض . وعمل له سورين للداخل أعلى من الخارج . وبنى قصره في وسطها والمسجد الجامع بجانب القصر وقبلته غير مستقيمة يحتاج المصليّ أن ينحرف إلى باب البصرة . وكانت الأسواق في مدينته فجاءه رسول لملك الروم . فأمر الربيع فطاف به في المدينة . فقال : كيف رأيت . قال : رأيت بناء حسناً إلا أني رأيت أعداءك معك وهم السوقة . فلما عاد الرسول عنه أمر بأخراجهم إلى ناحية الكرخ وأمر أن يجعل في كل ربع من مدينته بقال يبيع البقل والخل حسب . في سنة خمسين ومائة مات أبو حنيفة النعمان بن ثابت الأمام . وفي سنة ثماني وخمسين ومائة سار المنصور من بغداد ليحج فنزل قصر عبدويه فانقض في مقامه هنالك كوكب بعد إضاءة الفجر وبقي أثره بيناً إلى طلوع الشمس . فأحضر المهدي ابنه وكان قد صحبه ليودعه فوصاه بالمال والسلطان . وقال له أيضاً : أوصيك بأهل البيت أن تظهر كرامتهم فإن عزك عزهم وذكرهم لك وما أظنك تفعل . وانظر مواليك وأحسن إليهم واستكثر منهم فإنهم مادتك لشدةٍ إن نزلت بك وما أظنك تفعل . وانظر هذه المدينة وأياك أن تبني المدينة الشرقية فإنك لاتتم بناءها وأظنك ستفعل . وإياك أن تدخل النساء في أمرك وأظنك ستفعل . هذه وصيتي إليك والله خليفتي عليك . ثم ودعه وبكى كل منهما إلى صاحبه . ثم سار إلى الكوفة وكلما سار منزلاً اشتد وجعه الذي مات به وهو القيام . فلما وصل إلى بئر ميمون مات بها مع السحر لستّ خلون من ذي الحجة سنة ثماني وخمسين ومائة . وحمل إلى مكة وحفروا له مائة قبر ليعموا على الناس ودفن في غيرها مكشوف الرأس لاحرامه وكان عمره ثلاثاً وستين سنة وكانت مدة خلافته اثنتين وعشرين سنة . وقيل في صفته وسيرته أنه كان أسمر نحيفاً خفيف العارضين وكان من أحسن الناس خلقاً ما لم يخرج إلى الناس وأشدهم احتمالاً لما يكون من عبث الصبيان . فإذا لبس ثيابه وخرج هابه الأكابر فضلاً عن الأصاغر . ولم ير في داره لهو ولا شيء من اللعب والعبث . قال حماد التركي : كنت واقفاً على رأس المنصور فسمع جلبة فقال : انظر ما هذا . فذهبت فإذا خادم له قد جلس وحوله الجواري وهو يضرب لهن بالطنبور وهن يضحكن فأخبرته فقال : وأي شيء الطنبور . فوصفته له . فقال : ما يدريك أنت ما الطنبور . قلت : رأيته بخراسان . فقام ومشى إليهن . فلما رأينه تفرقن . فأمر بالخادم فضرب رأسه بالطنبور حتى تكسر الطنبور وأخرجه فباعه . ولم أفضى إليه الأمر أمر بتغيير الزي وتطويل القلانس . فجعلوا يحتالون لها بالقصب من داخل . وأمر بعد دور أهل الكوفة وقسمة خمسة دراهم على كل دار . فلما عرف عددهم جباهم أربعين درهماً أربعين درهماً .نه كان لا يأمن أهلها على نفسه وكانوا قد أفسدوا جنده . فخرج بنفسه يرتاد موضعاً يسكنه هو وجنده . فقال له أهل الحذق : إنّا نرى يا أمير المؤمنين أن يكون على الصراة وبين أنهار لا يصل إليك عدوك إلا على جسر فإذا قطعته لم يصل إليك . وأنت متوسط للبصرة والكوفة و واسط والموصل والسواد . ودجلة والفرات والصراة خنادق مدينتك . وتجيئك الميرة فيها من البر والبحر . فازداد المنصور حرصاً على النزول في ذلك الموضع . ولما عوم على بناء بغدا أمر بنقض المدائن وايوان كسرى . فنقضه ونقله إلى بغداد . فنقضت ناحية من القصر الأبيض وحمل نقضه فنظر وكان مقدار ما يلزمهم له أكثر من ثمن الجديد فأعرض عن الهدم . وجعل المدينة مدورة لئلا يكون بعض الناس أقرب إلى السلطان من بعض . وعمل له سورين للداخل أعلى من الخارج . وبنى قصره في وسطها والمسجد الجامع بجانب القصر وقبلته غير مستقيمة يحتاج المصليّ أن ينحرف إلى باب البصرة . وكانت الأسواق في مدينته فجاءه رسول لملك الروم . فأمر الربيع فطاف به في المدينة . فقال : كيف رأيت . قال : رأيت بناء حسناً إلا أني رأيت أعداءك معك وهم السوقة . فلما عاد الرسول عنه أمر بأخراجهم إلى ناحية الكرخ وأمر أن يجعل في كل ربع من مدينته بقال يبيع البقل والخل حسب . في سنة خمسين ومائة مات أبو حنيفة النعمان بن ثابت الأمام . وفي سنة ثماني وخمسين ومائة سار المنصور من بغداد ليحج فنزل قصر عبدويه فانقض في مقامه هنالك كوكب بعد إضاءة الفجر وبقي أثره بيناً إلى طلوع الشمس . فأحضر المهدي ابنه وكان قد صحبه ليودعه فوصاه بالمال والسلطان . وقال له أيضاً : أوصيك بأهل البيت أن تظهر كرامتهم فإن عزك عزهم وذكرهم لك وما أظنك تفعل . وانظر مواليك وأحسن إليهم واستكثر منهم فإنهم مادتك لشدةٍ إن نزلت بك وما أظنك تفعل . وانظر هذه المدينة وأياك أن تبني المدينة الشرقية فإنك لاتتم بناءها وأظنك ستفعل . وإياك أن تدخل النساء في أمرك وأظنك ستفعل . هذه وصيتي إليك والله خليفتي عليك . ثم ودعه وبكى كل منهما إلى صاحبه . ثم سار إلى الكوفة وكلما سار منزلاً اشتد وجعه الذي مات به وهو القيام . فلما وصل إلى بئر ميمون مات بها مع السحر لستّ خلون من ذي الحجة سنة ثماني وخمسين ومائة . وحمل إلى مكة وحفروا له مائة قبر ليعموا على الناس ودفن في غيرها مكشوف الرأس لاحرامه وكان عمره ثلاثاً وستين سنة وكانت مدة خلافته اثنتين وعشرين سنة . وقيل في صفته وسيرته أنه كان أسمر نحيفاً خفيف العارضين وكان من أحسن الناس خلقاً ما لم يخرج إلى الناس وأشدهم احتمالاً لما يكون من عبث الصبيان . فإذا لبس ثيابه وخرج هابه الأكابر فضلاً عن الأصاغر . ولم ير في داره لهو ولا شيء من اللعب والعبث . قال حماد التركي : كنت واقفاً على رأس المنصور فسمع جلبة فقال : انظر ما هذا . فذهبت فإذا خادم له قد جلس وحوله الجواري وهو يضرب لهن بالطنبور وهن يضحكن فأخبرته فقال : وأي شيء الطنبور . فوصفته له . فقال : ما يدريك أنت ما الطنبور . قلت : رأيته بخراسان . فقام ومشى إليهن . فلما رأينه تفرقن . فأمر بالخادم فضرب رأسه بالطنبور حتى تكسر الطنبور وأخرجه فباعه . ولم أفضى إليه الأمر أمر بتغيير الزي وتطويل القلانس . فجعلوا يحتالون لها بالقصب من داخل . وأمر بعد دور أهل الكوفة وقسمة خمسة دراهم على كل دار . فلما عرف عددهم جباهم أربعين درهماً أربعين درهماً .&lt;br/&gt;وكان المنصور في صدر أمره عندما بنى بغداد أدركه ضعف في معدته وسوء استمراء وقلة شهوة . وكلما عالجه الأطباء ازداد مرضه . فقيل له عن جيورجيس بن بختيشوع الجنديسابوري انه أفضل الأطباء . فتقدم بإحضاره . فأنفذه العامل بجنديسابور بعد ما أكرمه . فخرج ووصى ولده بختيشوع بالبيمارستان واستصحب معه تلميذه عيس ابن شهلاثا ولما وصل إلى بغداد أمر المنصور بإحضاره . فلما وصل إلى الحضرة دعا له بالفارسية والعربية . فعجب المنصور من حسن منطقه ومنظره وأمره بالجلوس وسأله عن أشياء فأجابه عنها بسكون . وخبره بمرضه . فقال له جيورجيس : أنا أدبرك بمشية الله وعونه . فأمر له في الوقت بخلعة جليلة وتقدم إلى الربيع بإنزاله في أجمل موضع من دوره وإكرامه كما يكرم أخص الأهل . ولم يزل جيورجيس يتلطف له في تدبيره حتى برئ من مرضه وفرح به فرحاً شديداً . وقال له يوماً : من يخدمك ههنا . قال : تلامذتي . فقال له الخليفة : سمعت أته ليست لك امرأة . فقال  : لي زوجة كبيرة ضعيفة لا تقدر على النهوض من موضعها . وانصرف من الحضرة ومضى إلى البيعة . فأمر المنصور خادمه سالماً أن يحمل من الجواري الروميات الحسان ثلاثاً إلى جيورجيس مع ثلاثة آلاف دينار . ففعل ذلك . فلما انصرف جيورجيس إلى منزله عرفه عيسى بن شهلاثا تلميذه بما جرى وأراه الجواري . فأنكر أمرهن وقال لعيسى : يا تلميذ الشيطان لم أدخلت هؤلاء إلى منزلي . أردت أن تنجسني . امضِ وردهن على أصحابهن . فمضى إلى دار الخليفة وردهن على الخادم . فلما اتصل الخبر إلى المنصور أحضره وقال له : لم رددت الجواري . قال : لا يجوز لنا معشر النصارى أن نتزوج بأكثر من امرأة واحدة وما دامت المرأة حية لا نأخذ غيرها . فحسن موضع هذا من الخليفة وزاد موضعه عنده . وهذا ثمرة العفة . ولما كان في سنة اثنتين وخمسين ومائة مرض جيورجيس مرضاً صعباً . ولما اشتد مرضه أمر المنصور بحمله إلى دار العامة وخرج ماشياً إليه وتعرف خبره . فخبره وقال له : إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في الانصراف إلى بلدي لانظر أهلي وولدي وإن متُّ قبرت مع آبائي . فقال له : يا حكيم اتق الله وأسلم وأنا أضمن لك الجنة . قال جيورجيس قد رضيت حيث آبائي في الجنة أو في النار . فضحك المنصور من قوله ثم قال : إنني منذ رأيتك وجدت راحة من الأمراض التي كانت تعتادني . فقال جيورجيس : أنا أخلف بين يدي أمير المؤمنين عيس تلميذي فهو ماهر . فأمر لجيورجيس بعشرة آلاف دينار وأذن له بالانصراف وأنفذ معه خادماً وقال : إن مات في الطريق فاحمله إلى منزله ليدفن هناك كما أحب . فوصل إلى بلده حياً . ثم أمر المنصور بإحضار عيسى ابن شهلاثا . فلما مثل بين يديه سأله عن أشياء فوجده ماهراً فاتخذه طبيباً . ولما استصحبه المنصور بدأ في التشاور والأذية خاصة على المطارنة والأساقفة ومطالبتهم بالرشى . ولما خرج المنصور في بعض أسفاره وصل إلى قريب نصيبين . فكتب عيسى إلى قوفريان مطران نصيبين يتهدده ويتوعده إن منع عنه ما التمسه منه . وكان عيسى قد التمس أن ينفذ له من آلات البيعة أشياء جليلة ثمينة لها قدر . وكتب في كتابه إلى المطران : ألست تعلم أن أمر الخليفة في يدي إن أردت أمرضته وإن أردت شفيته؟ فلما وقف المطران على الكتاب احتال في التوصل إلى الربيع وشرح له صورة الحال فأقرأه الكتاب وأوصله الربيع إلى الخليفة ووقفه على حقيقة الأمر . فأمر المنصور بأخذ جميع ما يملكه عيس الطبيب وتأديبه ونفيه . ففعل به ذلك ونفي أقبح نفي . وهذا ثمرة الشر . وكان نوبخت المنجم الفارسي يصحب المنصور وكان فاضلاً حاذقاً خبيراً باقتران الكواكب وحوادثها . ولما ضعف عن الصحة قال له المنصور : أحضر ولدك ليقوم مقامك . فسير ولده أبا سهل . قال أبو سهل : فلما دخلت على المنصور ومثلت بين يديه قيل لي : تسمَّ لأمير المؤمنين . فقلت : اسمي خرشاذماه طيماذاه ماباذار خسرو ابهمشاذ . فقال لي المنصور : كل ما ذكرت فهو اسمك! &amp;quot; قال &amp;quot; قلت : نعم . فتبسم المنصور ثم قال : ما صنع أبوك شيئاً فاختر مني إحدى خلتين إما أن اقتصر بك من كل ما ذكرت على طيماذ وإما أن تجعل لك كنية تقوم مقام الاسم وهي أبو سهل . قال أبو سهل : قد رضيت بالكنية . فبقيت كنيته وبطل اسمه .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;“ المهدي بن المنصور“&lt;br/&gt; لما مات المنصور ببئر ميمون لم يحضره عند وفاته إلا خدمه والربيع مولاه . فكتم الربيع موته وألبسه وسنده وجعل على وجهه كلة خفيفة يرى شخصه منها ولا يفهم أمره وأدنى أهله منه . ثم قرب منه الربيع كأنه يخاطبه . ثم رجع إليهم وأمرهم عنه بالبيعة للمهدي بن المنصور بن محمد الامام ولابن عمه عيسى بن موسى بن محمد الامام بعده . فبايعوا . ثم أخرجهم . وبعد ذلك خرج إليهم باكياً مشقوق الجيب لاطماً رأسه . ثم وجه إلى المهدي بخبر وفاة المنصور وبالبيعة له ولابن عمه عيسى بن موسى بعده . فأبى عيسى بن موسى من البيعة للمهدي وامتنع بالكوفة وأراد أن يتحصن بها . فبعث المهدي أبا هريرة في ألف فارس فأخذه إلى المهدي . ولم يزل يراوضه ويراوده حتى أجاب إلى خلع نفسه . فعوضه عنها عشرة آلاف دينار وبايع للمهدي ولابنه موسى الهادي . وفي أيام المهدي خرج بخراسان رجل يقال له يوسف البرم واستغوى خلقاً فبعث إليه المهدي جيوشاً ففضوا جموعه وأسوره وحملوه إلى المهدي . فأمر به فصلب . وخرج المقنع وادعى النبوة وقال بتناسخ الأرواح واتبه ناس كثيرون . وكان هذا رجلاً أعور من قرية بمرو يقال لها كره . وكان لايسفر عن وجهه لأصحابه فلذلك قيل له المقنع . وكان يحسن شيئاً من الشعبذة وأبواب النيرنجيات فاستغوى أهل العقول الضعيفة واستمالهم، فبعث المهدي في طلبه فصار إلى مار وراء النهر وتحصن في قلعة كنس وجمع فيها من الطعام والعلوفة وبث الدعاة في الناس وأدعى إحياء الموتى وعلم الغيب . وألح المهدي في طلبه فحوصر . فلما اشتد الحصار عليه وأيقن بالهلاك جمع نساءه وأهله كلهم وسقاهم السم فماتوا عن آخرهم . وأحرق كل ما في القلعة من دابة وثوب وطعام . وألقى نفسه في النار لئلا يلقى جسده العدو . ودخل العسكر القلعة ووجدوها خالية خاوية . وكان ذلك مما زاد في افتتان من بقي من أصحابه بما وراء النهر . وكان وعدهم أن تتحول روحه إلى قالب رجل أشمط على برذون أشهب وإنه يعود إليهم بعد كذا سنة ويملكهم الأرض . فهم بعد يتنظرونه ويسمون المبيضة . وفي سنة خمس وستين ومائة سير المهدي ابنه الرشيد لغزو الروم . فسار حتى بلغ خليج القسطنطينية . وصاحب الروم يومئذ ايريني امرأة لاون الملك . وذلك أن ابنها كان صغيراً قد هلك أبوه وهو في حجرها . فجزعت المرأة من المسلمين وطلبت الصلح من الرشيد . فجرى الصلح بينهم على الفدية وأن تقيم له الادلاء والأسواق في طريقه . وذلك أنه دخل مدخلاً ضيقاً مخوفاً من أحد جانبيه جبل وعر ومن جانبه الآخر نهر ساغريس . فأجابته إلى ذلك ومقدار الفدية سبعون ألف دينار لكل سنة ورجع عنها . واو كانت ذات همة لأمكنها منع المسلمين من الخروج والفتك بهم . وفي سنة تسع وستين ومائة عزم المهدي على خلع ابنه الموسى الهادي والبيعة للرشيد بولاية العهد . فبعث إليه وهو بجرجان في المعنى . فلم يفعل وامتنع من القدوم أيضاً . فسار المهدي يريده . فلما بلغ ماسبذان . عمدت حسنة جاريته إلى كمثرى فأهدته جارية أخرى كان المهدي يتخطاها وسمت منه كمثراة هي أحسن الكمثرى . فاجتاز الخادم بالمهدي وكان يعجبه الكمثرى فأخذ تلك الكمثراة المسمومة فأكلها . فلما وصلت إلى جوفه صاح : جوفي جوفي . فسمعت حسنة بموته فجاءت تبكي وتلطم وجهها وتقول : أردت أن أنفرد بك فقتلتك . فمات من يومه وكان موته في المحرم لثمان بقين منه سنة تسع وستين ومائة وكانت خلافته عشر سنين وتوفي وهو ابن ثلاث وأربعين سنة ودفن تحت جوزة كان يجلس تحتها .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;حكي إنه لما هم المهدي بالخروج إلى ماسبذان تقدم إلى حسنة حظيته أن تخرج معه . فأرسلت إلى توفيل بن توما النصراني المنجم الرهاوي وهو رئيس منجمي المهدي قائلة له : إنك أشرت على أمير المؤمنين بهذا السفر فجشمتنا سفراً لم يكن في الحساب . فعجل الله موتك وأراحنا منك . فلما بلغته رسالتها قال للجارية التي أتته بها : إرجعي إليه وقولي لها أن هذه الإشارة ليست مني . وإما دعاؤك علي بتعجيل الموت فهذا شيء قد قضى الله به وموتي سريع فلا تتوهمي أن دعوتك استجيبت . ولكن أعدي لنفسك تراباً كثيراً . فإذا أنا مت فاجعليه على رأسك . فما زالت متوقعة تأويل قوله منذ توفي حتى توفي المهدي بعد عشرين يوماً . وكان توفيل هذا على مذهب الموارنة الذين في جبل لبنان من مذاهب النصارى . وله كتاب تاريخ حسن ونقا كتابي اوميروس الشاعر على فتح مدينة ايليون في قديم الدهر من اليونانية إلى السريانية بغاية ما يكون من الفصاحة .&lt;br/&gt;وفي هذا الزمان اشتهر في الطب أبو قريش طبيب المهدي وهو المعروف بعيسى الصيدلاني . ولم يذكر هذا في جملة الأطباء لأنه كان ماهراً بالصناعة وإنما يذكر لظريف خبره وما فيه من العبرة وحسن الاتفاق . وهو أن هذا الرجل كان صيدلانياً ضعيف الحال جداً . فتشكت الخيزران حظية المهدي وكانت من مولدات المدينة . وتقدمت إلى جاريتها بأن تخرج القارورة إلى طبيب غريب لا يعرفها . وكان أبو قريش بالقرب من القصر الذي للمهدي . فلما وقع نظر الجارية عليه أرته القارورة . فقال لها : لمن هذا الماء؟ فقالت : لامرأة ضعيفة . فقال : بل لملكة جليلة عظيمة الشأن وهي حبلى بملك . وكان هذا القول منه على سبيل الرزق . فانصرفت الجارية من عنده وأخبرت الخيزران بما سمعت منه . ففرحت بذلك فرحاً شديداً وقالت : ينبغي أن تضعي علامة على دكانه حتى إذا صح قوله اتخذناه طبيباً لنا . وبعد مدة ظهر الحبل وفرح به المهدي فرحاً شديداً . فأنفذت الخيزران إلى أبي قريش خلعتين فاخرتين وثلاثمائة دينار وقالت : استعن بهذه على أمرك . فإن صح ما قلته استصحبناك . فعجب أبو قريش من ذلك وقال : هذا من عمدي ربي عز وجل لأنني ما قلته للجارية إلا وقد كان هاجساً من غير أصل . ولما ولدت الخيزران موسى الهادئ سر المهدي سروراً عظيماً . وحدثته الخيزران الحديث فاستدعى أبا قريش وخاطبه . فلم يجد عنده علماً بالصناعة إلا شيئاً يسيراً من علم الصيدلة . إلا أنه اتخذه طبيباً لما جرى منه واستصحبه وأكرمه الإكرام التام وحظي عنده .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt; &amp;quot; الهادي بن المهدي &amp;quot;&lt;br/&gt; لما توفي المهدي كان الرشيد معه في ماسبذان . فكتب إلى الآفاق بوفاة المهدي والبيعة لموسى الهادي . وسار نصير الوصيف إلى الهادي بجرجان يعلمه بوفاة المهدي والبيعة له . فنادى بالرحيل . ولما قدم بغداد استوزر الربيع . وفي هذه السنة وهي سنة تسع وستين ومائة تتبع الهادي الزنادقة وقتل منهم جماعة كانوا إذا نظروا إلى الناس في الطواف يهزلون ويقولون : ما أشبههم ببقر تدوس البيدر . وقتل أيضاً يعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب .&lt;br/&gt;وفي سنة سبعين ومائة توفي الهادي . وسبب وفاته إنه لما ولي الخلافة كانت أمه الخيزران تستبد بالأمور دونه . وكلمته يوماً في أمر لم يجد إلى أجابتها سبيلاً . فقالت : لا بد من الإجابة إليه . فغضب الهادي وقال : والله لا قضيتها لك . قالت : إذاً والله لا أسألك حاجة أبداً . قال : لا أبالي . فقامت مغضبة . فقال : مكانك . والله لئن بلغني أنه وقف في بابك أحد من قوادي لأضربنَّ عنقه . ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إلى بابك . أما لم مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك أو بيت يصونك! فانصرفت وهي لا تعقل . ووضعت جواريها عليه لما مرض فقتلنه بالغم وبالجلوس على وجهه . فمات ليلة الجمعة للنصف من ربيع الأول . وكانت خلافته سنة وثلاثة أشهر وكان عمره ستاً وعشرين سنة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&amp;quot; هرون الرشيد بن المهدي &amp;quot;&lt;br/&gt; لما توفي الهادي بويع الرشيد هرون بالخلافة في الليلة التي مات فيها الهادي . وكان عمره حين ولي اثنتين وعشرين سنة . وأمه الخيزران . ولما مات الهادي خرج الرشيد فصلى عليه بعيساباذ . ولما عاد الرشيد إلى بغداد وبلغ الجسر دعا الغواصين وقال : كان أبي قد وهب لي خاتماً شراؤه مائة ألف دينار . فأتاني رسول الهادي أخي يطلب الخاتم وأنا ههنا فألقيته في الماء . فغاصوا عليه وأخرجوه فسر به . ولما مات الهادي هجم خزيمة بن خازم تلك الليلة على جعفر بن الهادي فأخذه من فراشه وقال له : لتخلعنها أو لأضربن عنقك . فأجاب إلى الخلع . وأشهد الناس عليه . فحظي بها خزيمة .&lt;br/&gt;وقيل لما مات الهادي جاء يحيى بن خالد البرمكي إلى الرشيد فأعلمه بموته . فبينما هو يكلمه إذ أتاه رسول آخر يبشه بمولود . فسماه عبد الله وهو المأمون . فقيل : في ليلة مات خليفة وقام خليفة وولد خليفة . وفي هذه السنة ولد الأمين واسمه محمد في شوال وكان المأمون أكبر منه . ولما ولي الرشيد استوزر يحيى البرمكي . وفي سنة اثنتين وثمانين ومائة بايع الرشيد لعبد الله المأمون بولاية العهد بعد الأمين وولاه خراسان وما يتصل بها إلى همذان ولقبه المأمون وسلمه إلى جعفر بن يحيى البرمكي . وفيها حملت بنت خاقان الخزر إلى الفضل بن يحيى البرمكي . فماتت ببرذعة فرجع من معها إلى أبيها فأخبروه أنها قتلت غيلة فتجهز إلى بلاد الإسلام . وفيها سملت الروم عيني ملكهم قسطنطين بن لاون وأقروا أمه ايريني . وغزا المسلمون الصائفة فبلغوا أفسوس مدينة أصحاب الكهف . وفي سنة ثلاث وثمانين ومائة خرج الخزر بسبب ابنه خاقان من بابا الأبواب فأوقعوا بالمسلمين وأهل الذمة وسبوا أكثر من مائة ألف رأس وانتهكوا أمراً عظيماً لم يسمع بمثله في الأرض&lt;br/&gt;وفي سنة ست وثمانين ومائة أخرج الرشيد البيعة للقاسم ابنه بولاية العهد بعد المأمون وسماه المؤتمن . وفي سنة سبع وثمانين ومائة خلعت الروم ايريني الملكة وملكت نيقيفور وهو من أولاد جبلة . فكتب إلى الرشيد : من نيقيفور ملك الروم إلى هرون ملك العرب . أما بعد فإن الملكة ايريني حملت إليك من أموالها ما كنت حقيقاً بحمل أضعافه إليها . لكن ذلك ضعف النساء وحمقهن . فإذا قرأت كتابي هذا فاردد ما أخذت وإلا فالسيف بيننا وبينك . فلما قرأ الرشيد الكتاب استفزه الغضب وكتب في ظهر الكتاب : من هرون أمير المؤمنين إلى نيقيفور زعيم الروم . قد قرأت كتابك والجواب ما تراه دون ما تسمعه . ثم سار من يومه حتى نزل على هرقلة فأحرق وخرب ورجع . وفي هذه السنة أوقع الرشيد بالبرامكة وقتل جعفر بن يحيى البرمكي وحبس أخاه الفضل وأباه يحيى بالرقة حتى ماتا . وكتب إلى العمال في جميع النواحي بالقبض على البرامكة واستصفى أموالهم . وفي سنة تسعين ومائة ظهر رافع بن الليث بما وراء النهر مخالفاً للرشيد بسمرقند . وفي سنة اثنتين وتسعين ومائة سار الرشيد من الرقة إلى بغداد يريد خراسان لحرب رافع . ولما صار ببعض الطريق ابتدأت به العلة . ولما بلغ جرجان في صفر اشتد مرضه . وكان معه ابنه المأمون . فسيره إلى مرو ومعه جماعة من القواد . وسار الرشيد إلى طوس . واشتد به المرض حتى ضعف عن الحركة . ووصل إليه هناك بشير بن الليث أخو رافع أسيراً فقال له الرشيد : والله لو لم يبق من أجلي إلا أن أحرك شفتي بكلمة لقلت : اقتلوه . ثم دعا بقصاب فأمر به ففصل أعضاءه . فلما فرغ منه أغمي عليه ثم مات ودفن بطوس سنة ثلاث وتسعين ومائة . وكانت خلافته ثلاثاً وعشرين سنة . وكان عمره سبعاً وأربعين سنة . وكان جميلاً وسيماً أبيض جعداً قد وخطه الشيب . وكان بعهده ثلاثة الأمين وأمه زبيدة بنت جعفر بن المنصور ثم المأمون وأمه أم ولد اسمها مراجل ثم المؤتمن وأمه أم ولد . قيل : وكان الرشيد يصلي كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق الدنيا إلا من مرض . وكان يتصدق من صلب ماله كل يوم بألف درهم بعد زكاته .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt;قيل أن الرشيد في بدء خلافته سنة إحدى وسبعين ومائة مرض من صداع لحقه . فقال ليحيى بن خالد بن برمك : هؤلاء الأطباء ليسوا يفهمون شيئاً وينبغي أن تطلب لي طبيباً ماهراً . فقال له عن بختيشوع بن جيورجيس . فأرسل البريد في طلبه إلى جنديسابور . ولما كان بعد أيام ورد ودخل على الرشيد . فأكرمه وخلع عليه خلعة سنية ووهب له مالاً وافراً وجعله رئيس الأطباء . ولما كان في سنة خمس وسبعين ومائة مرض جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك . فتقدم الرشيد إلى بختيشوع أن يخدمه . ولما أفاق الجعفر من مرضه قال لبختيشوع : أريد أن تختار لي طبيباً ماهراً أكرمه وأحسن إليه . قال له بختيشوع : لست أعرف في هؤلاء الأطباء أحذق من ابني جبريل . فقال له جعفر : أحضرنيه . فلما أحضره شكا إليه مرضاً كان يخفيه . فدبره في مدة ثلاثة أيام وبرئ . فأحبه جعفر مثل نفسه . وفي بعض الأيام تمطت حظية الرشيد ورفعت يدها فبقيت مبسوطة لا يمكنها ردها والأطباء يعالجونها بالتمريخ والأدهان فلا ينفع ذلك شيئاً . فقال له جعفر عن جبريل ومهارته . فأحضره وشرح له حال الصبية . فقال جبريل : إن لم يسخط أمير المؤمنين علي فلها عندي حيلة . قال له الرشيد : ما هي؟ قال : تخرج الجارية إلى هاهنا بحضرة الجمع حتى أعمل ما أريد وتتمهل علي ولا تسخط عاجلاً . فأمر الرشيد فخرجت وحين رآها جبريل أسرع إليها ونكس رأسها وأمسك ذيلها فانزعجت الجارية ومن شدة الحياء والانزعاج استرسلت أعضاؤها وبسطت يدها إلى أسفل وأمسكت ذيلها . فقال جبريل : لقد برئت يا أمير المؤمنين . فقال الرشيد للجارية ابسطي يدك يمنة ويسرة . ففعلت . فعجب الرشيد وكل من حضر وأمر لجبريل في الوقت بخمسمائة ألف درهم وأحبه . ولما سئل عن سبب العلة قال : هذه الصبية انصب إلى أعضائها وقت الغشيان خلط رقيق بالحركة وانتشار الحرارة ولأجل أن سكون حركة الغشيان تكون بغتة جمدت الفضلة في بطون الأعصاب وما كان يحلها إلا حركة مثلها فاحتلت حتى انبسطت حرارتها وحلت الفضلة فبرئت .&lt;br/&gt;ومن أطباء الرشيد يوحنا بن ماسويه النصراني السرياني ولاه الرشيد ترجمة الكتب الطبية القديمة . وخدم الرشيد ومن بعده إلى أيام المتوكل وكان معظماً ببغداد جليل القدر وله تصانيف جميلة . وكان يعقد مجلساً للنظر ويجري فيه من كل نوع من العلوم القديمة بأحسن عبارة . وكان يدرس ويجتمع إليه تلاميذ كثيرون . وكان في يوحنا دعابة شديدة يحضره من يحضره لأجلها في الأكثر . وكان من ضيق الصدر وشدة الحدة على أكثر مما كان عليه جبريل بن بختيشوع . وكانت الحدة تخرج من يوحنا الفاظاً مضحكة . فما جفظ من نوادره أن رجلاً شكا إليه علة كان شفاه منها الفصد فأشار عليه به . فقال له : لم أعتد الفصد . قال له يوحنا : ولا أحسبك اعتدت العلة من بطن أمك . وصار إليه قسيس وقال : قد فسدت علي معدتي . فقال له يوحنا : استعمل جوارشن الخوزي . فقال له : قد فعلت . قال : فاستعمل الكموني . قال : قد استعملت منه أرطالاً . فأمره باستعمال البنداذيقون . فقال : قد شريت منه جرة . قال : استعمل المروسيا . فقال له : قد فعلت وأكثرت . فغضب يوحنا وقال له : إن أردت أن تبرأ فأسلم فإن الإسلام يصلح المعدة . وكان بختيشوع بن جبريل يداعب يوحنا كثيراً . فقال له في مجلس ابراهيم بن المهدي وهم في معسكر المعتصم بالمدائن سنة عشرين ومائتين : أنت أبا زكريا أخي ابن أبي . فقال يوحنا لإبراهيم : اشهد على أقراره فوالله لأقاسمنه ميراثه من أبيه . فقال له بختيشوع : إن أولاد الزنا لا يرثون . فانقطع يوحنا ولم يحر جواباً . ومن الأطباء في أيام الرشيد صالح بن بهلة الهندي . ومن عجيب ما جرى له أن الرشيد في بعض الأيام قدمت له الموائد . فطلب جبريل بن بختيشوع يحضر أكله على عادته في ذلك فلم يوجد فلعنه الرشيد . فبينما هو في لعنته إذ دخل عليه . فقال له : أين كنت وطفق يذكره بشرّ . فقال : إن أشتغل أمير المؤمنين بالبكاء على ابن عمه ابراهيم بن صالح وترك تناولي بالسب كان أشبه . فسأله عن خبر ابراهيم . فأعلمه أنه خلفه وبه رمق ينقضي آخره وقت صلاة العتمة . فاشتد جزع الرشيد من ذلك وأمر برفع الموائد وكثر بكاؤه . فأشار جعفر بن يحيى البرمكي أن يمضي صالح الطبيب الهندي إليه ويعاينه ويجس نبضه . فمضى وتأمله ورجع إلى جعفر قائلاً : إن مات هذا من هذه العلة كل امرأة لي طالق ثلاثاً بتاتاً . فلما كان وقت العتمة ورد كتاب صاحب البريد بوفاة ابراهيم على الرشيد فأقبل يلعن الهند وطبهم . فحضر صالح بين يدي الرشيد فقال : الله الله أن تدفن ابن عمك حياً فوالله ما مات . قم حتى أريك عجباً . فدخل إليه الرشيد ومعه جماعة من خواصه . فأخرج صالح أبرة كانت معه وأدخلها بين ظفر ابهام يده اليسرى ولحمه . فجذب ابراهيم يده وردها إلى بدنه . فقال صالح : يا أمير المؤمنين هل يحس الميت بالوجع . ثم نفخ شيئاً من الكندس في أنفه . فمكث مقدار سدس ساعة ثم اضطرب بدنه وعطس وجلس وكلم الرشيد وقبل يده . وسأله الرشيد عن قضيته . فذكر أنه كان نائماً نوماً لا يذكر أنه نام مثله قط طيِّباً إلا أنه رأى في منامه كلباً قد أهوى إليه فتوقاه بيده فعض ابهام يده اليسرى عضة انتبه بها وهو يحس بوجعها وأراه موضع الابرة . وعاش ابراهيم بعد ذلك دهراً وولي مصر وتوفي بها وهناك قبره .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; “ الأمين بن الرشيد “&lt;br/&gt; انتهى الامر إليه بعد أبيه باثني عشر يوماً . بويع له في عسكر الرشيد وكان المأمون حينئذ بمرو . وفي سنة أربع وتسعين ومائة قدم الفضل ابن الربيع العراق من طوس ونكث عهد المأمون وسعى في إغراء الأمين وحثه على خلع المأمون والبيعة لابنه موسى بولاية العهد . فأمر الأمين بالدعاء على المنابر لابنه موسى ونهى عن الدعاء للمأمون . وأمر بأبطال ما ضرب المأمون من الدراهم والدنانير بخراسان . وندب الأمين علي بن عيسى بن ماهان للقاء المأمون . ولما عزم على المسير من بغداد ركب إلى باب زبيدة أم الأمين ليودعها . فقالت له : يا علي أعرف لعبد الله المأمون حق ولادته ولا تقتسره اقتسار العبيد إذا ظفرت به ولا تعنف عليه في السير وإن شتمك فاحتمله . ثم دفعت إليه قيداً من فضة وقالت : قيده بهذا القيد . ثم خرج علي في عشرة آلاف فارس . وبلغ الخبر المأمون فتسمى بأمير المؤمنين وانهض هرثمة بن أعين في أقل من أربعة آلاف فارس وعلى مقدمته طاهر بن الحسين . ثم خرج طاهر في أصحابه من الري على خمسة فراسخ . وسار إليه علي وزحف الناس بعضهم إلى بعض وحملت ميمنة علي وميسرته على ميسرة طاهر وميمنته فأزالتاهما عن موضعيهما . وحمل قلب طاهر على قلب علي فهزموه . ورجع المنهزمون من معسكر طاهر على من بازائهم فهزموهم . ورمى رجل اسمه داود شاه علياً بسهم فقتله . وحمل رأسه إلى طاهر وأنفذه إلى المأمون . وكان علي قليل الاحتياط من طاهر . وكان يقول لأصحابه : ما بينكم وبين أن ينقصف طاهر انقصاف الشجر من الريح إلا أن نعبر عقبة همذان . ولما قتل علي بعث المأمون إلى طاهر بالهدايا وأمره أن يمضي إلى العراق . فأخذ طاهر على طريق الاهواز وأخذ هرثمة على طريق حلوان . فشغب الجند على محمد الامين ووثبوا عليه وخلعوه وحبسوه مع أمه زبيدة وولده . ثم أخرجوه وبايعوه وكان حبسه يومين . ثم حاصر طاهر وهرثمة محمداً الامين وجعلا يحاربان أصحابه سنة ببغداد فقل أصحابه وخفت يده من المال وضعف أمره . فوجه إلى هرثمة يسأله الأمان . فأمنه وضمن له الوفاء من المأمون . فلما علم ذلك طاهر اشتد عليه وأبى أن يدعه يخرج إلى هرثمة وقال : هو في حيزي والجانب الذي أنا فيه وأنا أخرجته بالحصار حتى طلب الامان فلا أرضى أن يخرج إلى هرثمة فيكون له الفتح دوني . وكان الأمين يكره الخروج إلى طاهر لمنام رآه . فلما كان ليلة الاحد لخمس بقين من محرم سنة ثماني وتسعين ومائة خرج بعد العشاء الآخرة إلى صحن الدار ودعا بابنيه وضمهما إليه وقبلهما وقال : استودعكما الله عز وجل . ثم جاء راكباً إلى الشط . فإذا حراقة هرثمة فصعد إليها وأمر هرثمة الحراقة أن تدفع . فأدركهم أصحاب طاهر في الزواريق وحملوا على الحراقة بالنفط والحجارة فانكفأت بمن فيها وسقط هرثمة إلى الماء فتعلق الملاح بشعره فأخرجه . وأما الأمين فإنه لما سقط إلى الماء شق ثيابه وسبح حتى خرج بشط البصرة . فأخذه أصحاب طاهر وجاءوا إلى بيت وهو عريان عليه سراويل وعمامة وعلى كتفه خرقة خلقة فحبسوه هناك . فلما انتصف الليل دخل عليه قوم من العجم معهم السيوف مسلولة . فلما رآهم جعل يقول : ويحكم أنا ابن عم رسول الله أنا ابن هرون أنا أخو المأمون . الله الله في دمي . فضربه رجل منهم بالسيف في مقدمة رأسه ونخسه آخر في خاصرته وركبوه فذبحوه ذبحاً وأخذوا رأسه ومضوا به إلى طاهر . فبعث به إلى المأمون . وكانت خلافة الأمين أربع سنين وثمانية أشهر وكان عمره ثمانياً وعشرين سنة . وقيل : لمل ملك الأمين وكاتبه المأمون وأعطاه بيعته طلب الخصيان وابتاعهم وغالى فيهم وصيرهم لخلوته في ليله ونهاره وأمره ونهيه ووجه إلى البلدان في طلب أصحاب اللهو وضمهم إليه وأجرى عليهم الأرزاق وقسم ما في بيوت الاموال من الجواهر في خصيانه ونسائه الاحرار وعمل خمس حراقات في دجلة على صورة الأسد والفيل والعقاب والحية والفرس . فقال أبو نواس في ذلك :&lt;br/&gt; عجب الناس إذ رأوك على صو  . . . رة ليث يمر مر السحابِ سبحوا إذ رأوك سرت عليه  . . . كيف لو أبصروك فوق العقابِ&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;واحتجب عن أخوته وأهل بيته واستخف بهم وبقواده وأمر ببناء مجالس لمنتزهاته ولهوه وأحبته . وأمر قيمة جواريه أن تهيئ له مائة جارية صانعة فتصعد إليه عشر عشر بأيديهن العيدان يغنين بصوت واحد . وقيل أنه لما أتاه نعي علي بن عيسى كان يصطاد السمك . فقال للذي أخبره بذلك : دعني فإن كوثراً قد اصطاد سمكتين وأنا ما اصطدت شيئاً بعد . وبالجملة لم يوجد في سيرته ما يستحسن ذكره من حكمة ومعدلة أو تجربة حتى تذكر .&lt;br/&gt; &amp;quot; المأمون بن الرشيد &amp;quot;&lt;br/&gt; لما خلص المأمون بعث إلى علي بن موسى بن جعفر ابن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فأقدمه خراسان وجعله ولي عهد المسلمين والخليفة من بعده وزوجه ابنته أم حبيبة ولقبه الرضا من آل محمد . وأمر جنده بطرح السواد ولبس ثياب الخضرة وكتب بذلك إلى الآفاق أنه نظر في بني العباس وبني علي فلم يجد أحداً أفضل ولا أروع ولا أعلم من علي بن موسى فلذلك عقد له العهد من بعده . فشق ذلك على بني هاشم وغضب بنو العباس فقالوا : لا تخرج الخلافة منا إلى أعدائنا . فخلعوا المأمون وبايعوا ابراهيم بن المهدي بن المنصور بن محمد الامام بن علي بن عبد الله بن عباس وسموه المبارك . وفي سنة ثلاث وثمانين مات علي بن موسى الرضا وكان سبب موته أنه أكل عنباً فأكثر منه فمات فجأة في آخر صفر بمدينة طوس فدفنه المأمون عند قبر أبيه الرشيد . وفي هذه السنة خلع أهل بغداد ابراهيم بن المهدي فاختفى ليلة الأربعاء لثلاث بقين من ذي الحجة ولم يزل متوارياً . وقدم المأمون بغداد وانقطعت الفتن . وفي هذه السنة وهي سنة أربع ومائتين مات الإمام محمد بن ادريس الشافعي . وفي سنة عشر ومائتين في ربيع الآخر أُخذ ابراهيم بن المهدي وهو متنقب مع امرأتين وهو في زي امرأة أخذه حارس أسود ليلاً فقال : من انتن وأين تردن هذا الوقت . ولما استراب بهن رفعهن إلى صاحب المسلحة . فأمرهن أن يسفرن . فامتنع ابراهيم . فجذبه فبدت لحيته فرفعه إلى بابا المأمون واحتفظ به إلى بكرة . فلما كان الغد أقعد ابراهيم في دار المأمون والمقنعة في عنقه والملحفة على صدره ليراه بنو هاشم . ثم عفا عنه وأمنه ونادمه . وفي سنة سبع عشرة ومائتين سار المأمون إلى بلد الروم فأناخ على لؤلؤة مائة يوم . ثم رحل عنها وترك لها عجيفاً . فخدعه أهلها وأسروه فبقي عندهم ثمانية أيام ثم أخرجوه . وفي سنة ثماني عشرة ومائتين كتب المأمون إلى اسحق بن ابراهيم في امتحان القضاة والمحدثين بالقرآن فمن أقر أنه مخلوق محدث خلى سبيله ومن أبى أعلمه به ليأمر فيه برأيه . وفي هذه السنة مرض المأمون مرضه الذي مات به لثلاث عشرة خلت من جمادى الآخرة . وكان سبب مرضه أنه كان جالساً على شاطئ البدندون وأخوه أبو اسحق المعتصم عن يمينه وهما قد دليا أرجلهما في الماء . فبينما هو متعجب من عذوبته وصفائه وشدة برده إذ جاءته الألطاف من العراق وكان فيها رطب ازاذ كأنما جني تلك الساعة . فأكل منه وشرب من ذلك الماء فما قام إلا وهو محموم وكانت منيته من تلك العلة . فلما أنه مرض خلع أخاه القاسم المؤتمن وأخذ البيعة لأخيه أبي اسحق المعتصم وأمر أن يكتب إلى البلاد الكتب من عبد الله المأمون أمير المؤمنين وأخيه الخليفة من بعده أبي اسحق المعتصم بن هرون الرشيد . ولما حضره الموت كان عنده ابن ماسويه الطبيب . وكان عنده من يلقنه فعرض عليه الشهادة . فأراد الكلام فعجز عنه . ثم أنه تكلم فقال : يا من لايموت أرحم من يموت . ثم توفي من ساعته . فحمله ابنه العباس وأخوه المعتصم إلى طرسوس فدفناه بدار خاقان خادم الرشيد . وكانت خلافته عشرين سنة . وكان ربعة أبيض جميلاً طويل اللحية رقيقها قد وخطه الشيب وقيل كان أسمر تعلوه صفرة . وكان عمره ثمانياً وأربعين سنة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;قاضي صاعد بن أحمد الاندلسي أن العرب في صدر الاسلام لم تعن بشيء من العلوم إلا بلغتها ومعرفة أحكام شريعتها حاشا صناعة الطب فإنها كانت موجودة عند أفراد منهم غير منكورة عند جماهيرهم لحاجة الناس طراً إليها . فهذه كانت حال العرب في الدولة الأموية . فلما أدال الله تعالى للهاشمية وصرف الملك إليهم ثابت الهمممن غفلتها وهبت الفطن من ميتتها . وكان أول من عني منهم بالعلوم الخليفة الثاني أبو جعفر المنصور . وكان مع براعته في الفقه كلفاً في علم الفلسفة وخاصة في علم النجوم . ثم لما أفضت الخلافة فيهم إلى الخليفة السابع عبد الله المأمون بن هرون الرشيد تمم ما بدأ به جده المنصور فأقبل على طلب العلم في مواضعه وداخل ملوك الروم وسألهم صلته بما لديهم من كتب الفلسفة . فبعثوا إليه منها ما حضرهم فاستجاد له مهرة التراجمة وكلفهم إحكام ترجمتها فترجمت له على غاية ما أمكن . ثم حرض الناس على قراءتها ورغبهم في تعليمها فكان يخلو بالحكماء ويأنس بمناظراتهم ويلتذ بمذاكرتهم علماً منه بأن أهل العلم هم صفوة الله من خلقه ونخبته من عباده لأنهم صرفوا عنايتهم إلى نيل فضائل النفس الناطقة وزهدوا فيما يرغب فيه الصين والترك ومن نزع منزعهم من التنافس في دقة الصنائع العملية والتباهي بأخلاق النفس الغضبية والتفاخر بالقوى الشهوانية إذ علموا أن البهائم تشركهم فيها وتفضلهم في كثير منها . أما في أحكام الصنعة فكالنحل المحكمة لتسديس مخازن قوتها . وأما في الجرأة والشجاعة فكالأسد وغيره من السباع التي لا يتعاطى الانسان إقدامها ولا يدعي بسالتها . وأما في الشبق فكالخنزير وغيره مما لا حاجة إلى ابانته . فلهذا السبب كان أهل العلم مصابيح الدجى وسادة البشر وأوحشت الدنيا لفقدهم . فمن المنجمين في أيام المأمون حبش الحاسب المروزي الأصل البغدادي الدار . وله ثلاثة أزياج . أولها المؤلف على مذهب السند هند . والثاني الممتحن وهو أشهرها ألفة بعد إن رجع إلى معاناة الرصد وأوجبه الامتحان في زمانه . والثالث الزيج الصغير المعروف بالشاة . وله كتب غير هذه . وبلغ من عمره مائة سنة . ومنهم أحمد بن كثير الفرغاني صاحب المدخل إلى هيئة الافلاك يحتوي على جوامع كتاب بطليموس بأعذب لفظ وأبين عبارة . ومنهم عبد الله بن سهل بن نوبخت كبير القدر في علم النجوم . ومنهم محمد بن موسى الخوارزمي . وكان الناس قبل الرصد وبعده يعولون على زيجه الأول والثاني ويعرف بالسند هند . ومنهم ماشاء الله اليهودي . كان في زمن المنصوروعاش إلى أيام المأمون وكان فاضلاً أوحد زمانه له حظ قوي في سهم الغيب . ومنهم يحيى ابن أبي المنصور رجل فاضل كبير القدر إذ ذاك مكين المكان . ولما عزم المأمون على رصد الكواكب تقدم إليه وإلى جماعة من العلماء بالرصد وإصلاح آلاته . ففعلوا ذلك بالشماسية ببغداد وجبل قاسيون بدمشق . قال أبو معشر : اخبرني محمد بن موسى المنجم الجليس وليس بالخوارزمي قال : حدثني يحيى بن منصور قال : دخلت إلى المأمون وعنده جماعة من المنجمين وعنده رجل يدعي النبوة وقد دعا له المأمون بالعاصمي ولم يحضر بعد ونحن لا نعلم . فقال لي ولمن حضر من المنجمين : اذهبوا وخذوا الطالع لدعوى الرجل في شيء يدعيه وعرفوني ما يدل عليه الفلك من صدقه وكذبه . ولم يعلمنا المأمون أنه متنبئ . &amp;quot; قال &amp;quot; فحملنا إلى بعض تلك الصحون فأحكمنا أمر الطالع وصورنا موضع الشمس والقمر في دقيقة واحدة وسهم السعادة منهم وسهم الغيب في دقيقة واحدة مع دقيقة الطالع والطالع الجدي والمشتري في السنبلة ينظر إليه والزهرة وعطارد في العقرب ينظران إليه . فقال كل من حضر من القوم : ما يدعيه صحيح . وأنا ساكت فقال لي المأمون : ما قلت أنت؟ فقلت : هو في طلب تصحيحه وله حجة زهرية عطاردية . وتصحيح الذي يدعيه لا يتم له ولا ينتظم . فقال لي : من أين قلت هذا؟ قلت : لأن صحة الدعاةي من المشتري ومن تثليث الشمس وتسديسها إذا كانت الشمس غير منحوسة وهذا الطالع يخالفه لأنه هبوط المشتري والمشتري ينظر إليه نظرة موافقة إلا أنه كاره لهذا البرج والبرج كاره له فلا يتم التصديق والتصحيح . والذي قال من حجة زهرية وعطاردية . إنما هو ضرب من التخمين والتزويق والخداع يتعجب منه ويستحب . فقال لي المأمون : أنت لله درك . ثم قال : أتدرون من الرجل؟ قلنا له : لا . قال : هذا يدعي النبوة . فقلت : يا أمير المؤمنين شيء يحتج به؟ فسأله . فقال : نعم معي خاتم ذو فصين ألبسه فلا يتعين منه شيء يحتج به ويلبسه غيري فيضحك ولا يتمالك من الضحك حتى ينزعه . ومعي قلم شامي آخذه فأكتب به ويأخذه غيري فلا ينطلق اصبعه . فقلت : يا سيدي هذه الزهرة وعطارد قد عملا عملهما . فأمره المأمون بعمل ما ادعاه . فقلنا له : هذا ضرب من الطلسمات . فما زال به المأمون أياماً كثيرة حنى أقر وتبرأ من دعوة النبوة ووصف الحيلة التي احتالها في الخاتم والقلم . فوهب له ألف دينار . فتلقيناه بعد ذلك فإذا هو أعلم الناس بعلم التنجيم . قال أبو معشر : وهو الذي عمل طلسم الخنافس في دور كثيرة من دور بغداد . قال أبو معشر : لو كنت مكان القوم لقلت أشياء ذهبت عليهم كنت أقول : الدعوى باطلة لأن البرج منقلب والمشتري في الوبال والقمر في المحاق والكوكبان الناظران في برج كذاب وهو العقرب . ومن الحكماء يوحنا بن البطريق الترجمان مولى المأمون كان أميناً على ترجمة الكتب الحكمية حسن التأدية للمعاني ألكن اللسان في العربية وكانت الفلسفة أغلب عليه من الطب . ومن الأطباء سهل بن سابور ويعرف بالكوسج . كان بالأهواز وفي لسانه لكنة خوزية وتقدم بالطب في أيام المأمون . وكان إذا اجتمع مع يوحنا ابن ماسويه وجيورجيس بن بختيشوع وعيسى بن الحكم وزكريا الطيفوري قصر عنهم في العبارة ولم يقصر عنهم في العلاج . ومن دعاباته أنه تمارض وأحضر شهوداً يشهدهم على وصيته وكتب كتاباً أثبت فيه أولاده فأثبت في أوله جيورجيس ابن بختيشوع والثاني يوحنا بن ماسويه وذكر أنه أصاب أميهما زناً فأحبلهما . فعرض لجيورجيس زمع من الغيظ وكان كثير الالتفات . فصاح سهل : صري وهك المسيه ارخؤا في أذنه آية خرسي . أراد بالعجمة التي فيه : صرع وحق المسيح اقرؤا في أذنه آية الكرسي . ومن دعاباته أنه خرج في يوم الشعانين يريد المواضع التي تخرج إليها النصارى فرأى يوحنا بن ماسويه في هيئة أحسن من هيئته . فحسده على ذلك فصار إلى صاحب مسلحة الناحية فقال له : إن ابني يعقني وإن أنت ضربته عشرين درة موجعة أعطيتك عشرين دينار . ثم أخرج الدنانير فدفعها إلى من وثق به صاحب المسلحة : ثم اعتزل ناحية إلى أن بلغ يوحنا الموضع الذي هو فيه فقدمه إلى صاحب المسلحة وقال : هذا ابني يعقني ويستخف بي . فجحد أن يكون ابنه . فقال : يهذي هذا . قال سهل : انظر يا سيدي . فغضب صاحب المسلحة ورمى يوحنا من دابته وضربه عشرين مقرعة ضرباً موجعاً مبرحاً . ومن أطباء المأمون جبريل الكحال . كانت وظيفته في كل شهر ألف درهم . وكان أول من يدخل إليه كل يوم . ثم سقطت منزلته بعد ذلك . فسئل عن سبب ذلك فقال : إني خرجت يوماً من عند المأمون فسألني بعض مواليه عن خبره فأخبرته أنه قد أغفى . فبلغه ذلك فأحضرني ثم قال : يا جبريل اتخذتك كحالاً أو عاملاً للاخبار علي . اخرج من داري . فأذكرته حرمتي فقال : إن له لحرمةً فليقتصر به على إجراء مائة وخمسين درهماً في الشهر ولا يؤذن له في الدخول .عه شيء يحتج به؟ فسأله . فقال : نعم معي خاتم ذو فصين ألبسه فلا يتعين منه شيء يحتج به ويلبسه غيري فيضحك ولا يتمالك من الضحك حتى ينزعه . ومعي قلم شامي آخذه فأكتب به ويأخذه غيري فلا ينطلق اصبعه . فقلت : يا سيدي هذه الزهرة وعطارد قد عملا عملهما . فأمره المأمون بعمل ما ادعاه . فقلنا له : هذا ضرب من الطلسمات . فما زال به المأمون أياماً كثيرة حنى أقر وتبرأ من دعوة النبوة ووصف الحيلة التي احتالها في الخاتم والقلم . فوهب له ألف دينار . فتلقيناه بعد ذلك فإذا هو أعلم الناس بعلم التنجيم . قال أبو معشر :وهو الذي عمل طلسم الخنافس في دور كثيرة من دور بغداد . قال أبو معشر : لو كنت مكان القوم لقلت أشياء ذهبت عليهم كنت أقول :الدعوى باطلة لأن البرج منقلب والمشتري في الوبال والقمر في المحاق والكوكبان الناظران في برج كذاب وهو العقرب . ومن الحكماء يوحنا بن البطريق الترجمان مولى المأمون كان أميناً على ترجمة الكتب الحكمية حسن التأدية للمعاني ألكن اللسان في العربية وكانت الفلسفة أغلب عليه من الطب . ومن الأطباء سهل بن سابور ويعرف بالكوسج . كان بالأهواز وفي لسانه لكنة خوزية وتقدم بالطب في أيام المأمون . وكان إذا اجتمع مع يوحنا ابن ماسويه وجيورجيس بن بختيشوع وعيسى بن الحكم وزكريا الطيفوري قصر عنهم في العبارة ولم يقصر عنهم في العلاج . ومن دعاباته أنه تمارض وأحضر شهوداً يشهدهم على وصيته وكتب كتاباً أثبت فيه أولاده فأثبت في أوله جيورجيس ابن بختيشوع والثاني يوحنا بن ماسويه وذكر أنه أصاب أميهما زناً فأحبلهما . فعرض لجيورجيس زمع من الغيظ وكان كثير الالتفات . فصاح سهل : صري وهك المسيه ارخؤا في أذنه آية خرسي . أراد بالعجمة التي فيه : صرع وحق المسيح اقرؤا في أذنه آية الكرسي . ومن دعاباته أنه خرج في يوم الشعانين يريد المواضع التي تخرج إليها النصارى فرأى يوحنا بن ماسويه في هيئة أحسن من هيئته . فحسده على ذلك فصار إلى صاحب مسلحة الناحية فقال له : إن ابني يعقني وإن أنت ضربته عشرين درة موجعة أعطيتك عشرين دينار . ثم أخرج الدنانير فدفعها إلى من وثق به صاحب المسلحة : ثم اعتزل ناحية إلى أن بلغ يوحنا الموضع الذي هو فيه فقدمه إلى صاحب المسلحة وقال : هذا ابني يعقني ويستخف بي . فجحد أن يكون ابنه . فقال : يهذي هذا . قال سهل : انظر يا سيدي . فغضب صاحب المسلحة ورمى يوحنا من دابته وضربه عشرين مقرعة ضرباً موجعاً مبرحاً . ومن أطباء المأمون جبريل الكحال . كانت وظيفته في كل شهر ألف درهم . وكان أول من يدخل إليه كل يوم . ثم سقطت منزلته بعد ذلك . فسئل عن سبب ذلك فقال : إني خرجت يوماً من عند المأمون فسألني بعض مواليه عن خبره فأخبرته أنه قد أغفى . فبلغه ذلك فأحضرني ثم قال : يا جبريل اتخذتك كحالاً أو عاملاً للاخبار علي . اخرج من داري . فأذكرته حرمتي فقال : إن له لحرمةً فليقتصر به على إجراء مائة وخمسين درهماً في الشهر ولا يؤذن له في الدخول .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;“ المعتصم بن الرشيد “&lt;br/&gt; هو اسحق محمد بن هرون الرشيد . بويع له بعد موت المأمون فشغب الجند ونادوا باسم العباس بن المأمون . فخرج إليهم العباس فقال : ما هذا الحب البارد وقد بايعت عمي . فسكنوا . ودخل كثير من أهل الجبال وهمذان واصفهان وماسبذان وغيرهم في دين الخرمية وتجمعوا فعسكروا في عمل همذان . فوجه إليهم المعتصم العساكر فأوقعوا بهم فقتلوا منهم ستون ألفاً وهرب الباقون إلى بلد الروم . وفي سنة تسع عشرة ومائتين أحضر المعتصم أحمد بن حنبل وامتحنه بالقرآن . فلما لم يجب بكونه مخلوقاً أمر به فجلد جلداً شديداً حتى غاب عقله وتقطع جلده . وكان أبو هرون بن البكاء من العلماء المنكرين لخلق القرآن يقر بكونه مجعولاً لقول الله : أنا جعلناه قرآناً عربياً . ويسلم أن كل مجعول مخلوق ويحجم عن النتيجة ويقول : لا أقول مخلوق ولكنه مجعول . وهذا عجب عاجب . وفي سنة عشرين ومائتين عقد المعتصم للأفشين حيدر بن كاوس على الجبال ووجهه لحرب بابك فسار إليه . وكان ابتداء خروج بابك سنة إحدى ومائتين وهزم من الجيوش السلطان عدةً وقتل من قواده جماعة ودخل الناس رعب شديد وهول عظيم واستعظموه واحتوى إليه القطاع وأصحاب الفتن وتكاثفت جموعه حتى بلغ فرسانه عشرين ألفاً سوى الرجالة وأخذ يمثل بالناس . وكان أصحابه لا يدعون رجلاً ولا امرأة ولا صبياً ولا طفلاً مسلماً أو ذمياً إلا قطعوه وقتلوه وأحصي عدد القتلى بأيديهم فكان مائتي ألف وخمسة وخمسين ألفاً وخمسمائة انسان . فلما انتدب الافشين لحر بابك إلى البذ مدينته . فلما ضاق أمره خرج هارباً ومعه أهله إلى بلاد الروم في زي التجار . فعرفه سهل بن سنباط الارمني البطريق فأسره . فافتدى نفسه بمال عظيم . فلم يقبل منه وبعثع إلى الافشين بعد ما ركب الارمن من أمه وأخته وامرأته الفاحشة بين يديه . وكذا كان يفعل الملعون بالناس إذا أسرهم مع حرمهم . وحمل الافشين بابك إلى المعتصم وهو بسر من رأى . فأمر بإحضار سياف بابك فحضر فأمره أن يديه ورجليه فقطعها فسقط . فأمر بذبحه وشق بطنه . وأنفذ رأسه إلى خراسان وصلب بدنه بسامرا . وفي سنة ثلاث وعشرين ومائتين خرج توفيل بن ميخائيل ملك الروم إلى بلاد الإسلام فبلغ زبطرة فقتل من بها من الرجال وسبى الذرية والنساء . وأغار على ملطية وغيرها وسبى المسلمات ومثل بمن صار يديه من المسلمين فسمل أعينهم وقطع آنافهم وآذانهم . فلما بلغ الخبر المعتصم استعظمه وتوجه إلى بلاد الروم وفتح عمورية وقتل ثلاثين ألفاً وأسر ثلاثين ألفاً . وفي سنة خمس وعشرين ومائتين تغير المعتصم على الافشين لأنه كاتب مازيار أصبهبذ طبرستان وحسن له الخلاف والمعصية وأراد أن ينقل الملك إلى العجم فقتله وصلبه بإزاء بابك . ووجده بقلفته لم يختن . وأخرجوا من منزله أصناماً فأحرقوه بها . وفي سنة سبع وعشرين ومائتين توفي المعتصم أبو اسحق يوم الخميس لثماني عشرة مضت من ربيع الأول عن ثمانية بنين وثماني بنات وكانت خلافته ثماني سنين وثمانية أشهر وكان عمره سبعاً وأربعين سنة . وحكي أن المعتصم بينما هو يسير وحده قد انقطع عن أصحابه في يوم مطر إذ رأى شيخاً معه حمار عليه شوك وقد زلق الحمار وسقط في الأرض والشيخ قائم . فنزل عن دابته ليخلص الحمار . فقال له الشيخ : بأبي أنت وأمي لا تهلك ثيابك . فقال له : لا عليك . ثم أنه خلص الحمار وجعل الشوك عليه وغسل يده ثم ركب . فقال له الشيخ : غفر الله لك يا شاب . ثم لحقه أصحابه فأمر له بأربعة آلاف درهم . وهذا دليل على غاية ما يمكن أن يكون من طيب أعراق الملوك وسعة أخلاقهم .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;قال حنين : إن سلمويه كان عالماً بصناعة الطب فاضلاً في وقته . ولما مرض عاده المعتصم وبكى عنده وقال له :أشر علي بعدك بمن يصلحني . فقال : عليك بهذا الفضولي يوحنا بن ماسويه . وإذا وصف شيئاً خذ أقله اخلاطاً . ولما مات سلمويه قال المعتصم : سألحق به لأنه كان يمسك حياتي ويدبر جسمي . وامتنع عن الأكل في ذلك اليوم وأمر بإحضار جنازته إلى الدار وأن يصلى عليها بالشمع والبخور على رأي النصارى . ففعل ذلك وهو يراهم . وكان سلمويه يفصد المعتصم في السنة مرتين ويسقيه عقيب كل فصد دواء . فلما باشره يوحنا أراد عكس ما كان يفعله سلمويه فسقاه الدواء قبل الفصد . فلما شربه حمي دمه وحم ومازال جسمه ينقص حتى مات وذلك بعد عشرين شهراً من وفاة سلمويه . وخدم الافششين زكريا الطيفوري وذكر : إني كنت مع الافشين في معسكره وهو في محاربة بابك . فجرى ذكر الصيادلة فقلت : أعز الله الأمير إن الصيدلاني لا يطلب منه شيء كان عنده أو لم يكن إلا أخبر بأنه عنده . فدعا الافشين بدفتر من دفاتر الاسروشنية فأخرج منها نحواً من عشرين اسماً ووجه إلى الصيادلة من يطلب منهم أدوية مسماة بتلك الاسماء . فبعض أنكرها وبعض ادعى معرفتها وأخذ الدراهم من الرسل ودفع إليهم شيئاً من حانوته .فأمر الافشين بإحضار جميع الصيادلة فمن أنكر معرفة تلك الاسماء أذن له بالمقام في معسكره ونفى الباقين .&lt;br/&gt; &amp;quot; الواثق بالله هرون بن المعتصم &amp;quot;&lt;br/&gt; بويع له في اليوم الذي مات فيه أبوه . وفي هذه السنة مات ثوفيل ملك الروم وكان ملكه اثنتي عشرة سنة وملكت بعده امرأته ثاودورا وابنها ميخائيل بن ثوفيل وهو صبي . وفي سنة ثماني وعشرين ومائتين غزا المسلمون في البحر جزيرة صقلية وفتحوا مدينة مسيني . وفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين كان الفداء بين المسلمين والروم على يد خاقان خادم الرشيد واجتمع المسلمون على نهر اللامس على مسيرة يوم من طرسوس وأمر الواثق خاقان خادم الرشيد أن يمتحن أسارى المسلمين فمن قال القرآن مخلوق وأن الله لا يرى في الآخرة فودي به وأعطي ديناراً ومن لم يقل ذلك ترك في أيدي الروم . فلما كان في يوم عاشوراء أتت الروم ومن معهم من الاسارى وكان الأمر بين الطائفتين فكان المسلمون يطلقون الاسير فيطلق الروم أسيراً فيلتقيان في وسط الجسر فإذا وصل الأسير إلى المسلمين كبروا وإذا وصل الرومي إلى الروم صاحوا : كرياليسون حتى فرغوا . فكان عدة أسارى المسلمين أربعة آلاف وأربعمائة وستين نفساً والنساء والصبيان ثمانمائة . وأهل ذمة المسلمين مائة نفس . ولما فرغوا من الفدية غزا المسلمون شاتين فأصابهم ثلج ومطر فمات منهم مائتا نفس وأسر نحوهم وغرق بالبدندون خلق كثير . وفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين مات الواثق في ذي الحجة لست بقين منه وكانت علته الاستسقاء فعولج بالإقعاد في تنور مسخن فوجد بذلك خفة فأمرهم من الغد بالزيادة في اسخانه ففعل ذلك وقعد فيه أكثر من اليوم الأول فحمي عليه فأخرج منه في محفة فمات فيها ولم يشعر بموته حتى ضرب وجهه المحفة . ولما اشتد مرضه أحضر المنجمين منهم الحسن بن سهل بن نوبخت فنظروا في مولده فقدروا له أن يعيش خمسين سنة مستأنفة من ذلك اليوم فلم يعش بعد قولهم إلا عشرة أيام وكانت خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وكان عمره اثنتين وثلاثين سنة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;لهذا حسن المذكور تصنيف وهو كتاب الأنواء . فآل نوبخت كلهم فضلاء ولهم فكرة صالحة ومشاركة في علوم الأوائل ولا مثل هذا . حدث أحمد بن هرون الشرابي بمصر أن المتوكل على الله حدثه في خلافة الواثق أن يوحنا بن ماسويه كان مع الواثق على دكان في دجلة وكان مع الواثق قصبة فيها شص وقد ألقاها في دجلة ليصيد بها السمك فحرم الصيد فالتفت إلى يوحنا وكان على يمينه وقال : قم يا مشؤوم عن يميني . فقال يوحنا : يا أمير المؤمنين لا تتكلم بمحال يوحنا أبوه ماسويه الخوزي وأمه رسالة الصقلبية المبتاعة بثمانمائة درهم وأقبلت به السعادة إلى أن صار نديم الخلفاء وسميرهم وعشيرهم حتى غمرته الدنيا فنال منها ما لم يبلغه أمله فمن أعظم المحال أن يكون هذا مشؤوماً ولكن إن أحب أمير المؤمنين بأن أخبره بالمشؤوم من هو أخبرته . فقال : من هو؟ فقال : من ولده أربع خلفاء ثم ساق الله إليه الخلافة فترك خلافته وقصورها وقعد في دكان مقدار عشرين ذراعاً في مثلها في وسط دجلة لا يأمن عصف الريح عليه فيغرقه ثم تشبه بأفقر قوم في الدنيا وشرهم صيادو السمك . قال المتوكل : فرأيت الكلام قد نجع فيه إلا أنه أمسك لمكاني .&lt;br/&gt; &amp;quot; المتوكل على الله جعفر بن المعتصم &amp;quot;&lt;br/&gt; بويع له بعد موت أخيه الواثق وكان عمره يوم بويع ستاً وعشرين سنة . وفي سنة ثلث وثلاثين ومائتين وثب ميخائيل بن توفيل بأمه ثاودورا فألزمها الدير وقتل القتيط لأنه اتهمها به وكان ملكها ست سنين . وفي سنة خمس وثلاثين ومائتين عقد المتوكل البيعة لبنيه الثلاثة بولاية العهد وهو المنتصر والمعتز والمؤيد وعقد لكل واحد منهم لواءً وولى المنتصر العراق والحجاز واليمن والمعتز خراسان والري والمؤيد الشام . وفي سنة ست وثلاثين ومائتين أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي وأن يبذر ويسقى موضعه وأن يمنع الناس من إتيانه . وفي سنة سبع وثلاثين ومائتين ولى المتوكل يوسف بن محمد أرمينية واذربيجان ولما صار إلى اخلاط أتى بقراط بن اشوط البطريق فأمر بأخذه وتقييده وحمله إلى المتوكل فاجتمع بطارقة أرمينية مع ابن أخي بقراط وتحالفوا على قتل يوسف ووافقهم على ذلك موسى بن زرارة وهو صهر بقراط على ابنته فوثبوا بيوسف واجتمعوا عليه في قلعة موش في النصف من شهر رمضان وذلك في شدة من البرد وكلب الشتاء فخرج إليهم يوسف وقاتلهم فقتلوه وكل من قاتل معه . وأما من لم يقاتل فقالوا له : انزع ثيابك وانج بنفسك عرياناً ففعلوا ومشوا عراة حفاة فهلك أكثرهم من البرد . فلما بلغ المتوكل الخبر وجه بغا الكبير إليهم طالباً بدم يوسف فسار وأباح على قتلة يوسف فقتل منهم زهاء ثلاثين ألفاً وسبى خلقاً كثيراً ثم سار إلى مدينة تفليس وحاصرها ودعا النفاطين فضربوا المدينة بالنار فأحرقوها وهي من خشب الصنوبر فاحترق بها نحو خمسين ألف انسان . وفي سنة ثماني وثلاثين ومائتين جاءت ثلاثمائة مركب للروم مع ثلاثة رؤساء فأناخ أحدهم في مائة مركب بدمياط وبينها وبين الشط شبيه بالبحيرة يكون ماؤها إلى صدر الرجل فمن جازها إلى الأرض أمن من مراكب البحر فجازه قوم من المسلمين فسلموا وغرق كثير من نساء وصبيان . ومن كان به قوة سار إلى مصر . واتفق وصول الروم وهي فارغة من الجند فنهبوا واحرقوا وسبوا وأحرقوا جامعها وسبوا من النساء المسلمات والذميات نحم ستمائة امرأة وساروا إلى مصر ونهبوها ورجعوا ولم يعرض لهم أحد . وفي سنة اثنتين وأربعين ومائتين كانت زلازل هائلة وأصوات منكرة بقومس ورساتيقها في شعبان فتهدمت الدور وهلك تحت الهدم بشر كثير قيل كانت عدتهم خمسة وأربعين ألفاً وستة وتسعين نفساً . وكان أكثر ذلك بالدامغان . وكان بالشام وفارس وخراسان وباليمن مع خسف . وتقطع جبل الأقرع وسقط في البحر فمات أهل اللاذقية من تلك الهدة . وفي سنة سبع وأربعين ومائتين قتل المتوكل وهو ثمل بسر مرأى ليلة الأربعاء ثالث يوم من شوال قتله غلام تركي اسمه باغر وكانت خلافته أربع عشرة سنة وتسعة أشهر وعمره أربعين سنة وقتل معه الفتح ابن خاقان لأنه رمى بنفسه على المتوكل وقال : ويلكم تقتلون أمير المؤمنين فبعجوه بسيوفهم فقتلوه . ويقال أن ابنه المنتصر دس لقتله فعاش بعده ستة أشهر . وفي سنة الزلازل أخرج المتوكل أحمد ابن حنبل من الحبس ووصله وصرفه إلى بغداد وأمر بترك الجدل في القرآن وأن الذمة بريئة ممن يقول بخلق أو غير خلق .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;قال بعض الرواة : دخل بختيشوع بن جبريل الطبيب يوماً إلى المتوكل وهو جالس على سدة في وسط داره الخاصة فجلس بختيشوع على عادته معه فوق السدة وكان عليه دراعة ديباج رومي وكان قد انشق ذيلها قليلاً فجعل المتوكل يحادث بختيشوع ويعبث بذلك الفتق حتى بلغ إلى حد النيفق ودار بينهما الكلام يقتضي أن سأل المتوكل بختيشوع بماذا تعلمون أن الموسوس يحتاج إلى الشد . قال بختيشوع : إذا بلغ إلى فتق دراعة طبيبه إلى حد النيفق شددناه . فضحك المتوكل حتى استلقى على ظهره وأمر له بخلعة حسنة ومال جزيل . وهذا يدل على لطف منزلة بختيشوع عند المتوكل وانبساطه معه . وقال المتوكل يوماً لبختيشوع : ادعني . قال : نعم وكرامة . فاضافه وأظهر من التجمل والثروة ما أعجب المتوكل والحاضرين . واستكثر المتوكل لبختيشوع ما رآه من نعمته وكمال مروءته فحقد عليه ونكبه بعد أيام يسيرة فأخذ له مالاً كثيراً وحضر الحسين ابن مخلد فختم على خزائنه وباع شيئاً كثيراً وبقي بعد ذلك حطب وفحم ونبيذ وأمثال هذه فاشتراه الحسين بستة آلاف دينار وذكر إنه باع من جملته باثني عشر ألف دينار وكان هذا في سنة أربع وأربعين ومائتين وتوفي بختيشوع سنة ست وخمسين ومائتين . وفي أيام المتوكل استهر حنين بن اسحق الطبيب النصراني العبادي ونسبته إلى العباد وهم قوم من نصارى العرب من قبائل شتى اجتمعوا وانفردوا عن الناس في قصور ابتنوها بظاهر الحيرة وتسموا بالعباد لأنه لا يضاف إلا إلى الخالق وأما العبيد فيضاف إلى المخلوق الخالق . وكان اسحق والد حنين صيدلانياً بالحيرة فلما نشأ حنين أحب العلم فدخل بغداد وحضر مجلس يوحنا بن ماسويه وجعل يخدمه ويقرأ عليه . وكان حنين صاحب سؤال وكان يصعب على يوحنا فسأله حنين في بعض الأيام مسألة مستفهم فحرد يوحنا وقال : ما لأهل الحيرة والطب عليك ببيع الفلوس في الطريق .فأمر به فأخرج من داره . فخرج حنين باكياً وتوجه إلى بلاد الروم وأقام بها سنتين حتى أحكم اللغة اليونانية وتوصل في تحصيل كتب الحكمة غاية إمكانه وعاد إلى بغداد بعد سنتين ونهض من بغداد إلى أرض فارس ودخل البصرة ولزم الخليل بن أحمد حنى برع في اللسان العربي ثم رجع إلى بغداد . قال يوسف الطبيب : دخلت يوماً على جبريل بن بختيشوع فوجدت عنده حنيناً وقد ترجم له بعض التشريح وجبريل يخاطبه بالتبجيل ويسميه الربان فأعظمت ما رأيت وتبين ذلك جبريل مني فقال : لا تستكثر هذا مني في أمر هذا الفتى فوالله لئن مد له في العمر ليفضحن سرجيس . وسرجيس هذا هو الرأس عيني اليعقوبي ناقل علوم اليونانيين إلى السرياني . ولم يزل أمر حنين يقوى وعلمه يتزايد وعجائبه تظهر في النقل والتفاسير حتى صار ينبوعاً للعلوم ومعدناً للفضائل واتصل خبره بالخليفة المتوكل فأمر بإحضاره . ولما حضر اقطع اقطاعاً سنياً وقرر له جارٍ جيد . واحب امتحانه ليزول عنه ما في نفسه عليه إذ ظن أن ملك الروم ربما كان عمل شيئاً من الحيلة فاستدعاه وأمر أن يخلع عليه وأخرج له توقيعاً فيه اقطاع يشتمل على خمسين ألف درهم فشكر حنين هذا الفعل . ثم قال له بعد اشياء جرت : أريد أن تصف لي دواءً يقتل عدواً نريد قتله وليس يمكن إشهار هذا ونريده سراً . فقال حنين : ما تعلمت غير الأدوية النافعة ولا علمت أن أمير المؤمنين يطلب مني غيرها فإن أحب أن أمضي وأتعلم فعلت . فقال : هذا شيء يطول بنا . ثم رغبه وهدده وحبسه في بعض القلاع سنة ثم أحضره وأعاد عليه القول وأحضر سيفاً ونطعاً . فقال حنين : قد قلت لأمير المؤمنين ما فيه الكفاية . قال الخليفة : فإنني أقتلك . قال حنين : لي رب يأخذ لي حقي غداً في الموقف الأعظم . فتبسم المتوكل وقال له : طب نفساً فإننا أردنا امتحانك والطمأنينة إليك . فقبل حنين الأرض وشكر له . فقال الخليفة : ما الذي منعك من الإجابة مع ما رأيته من صدق الأمر منا في الحالين . قال حنين : شيئان هما الدين والصناعة . أما الدين فإنه يأمرنا باصطناع الجميل مع أعدائنا فكيف ظنك بالاصدقاء . وأما الصناعة فإنها فإنها موضوعة لنفع ابناء الجنس ومقصورة على معالجاتهم ومع هذا فقد جعل في رقاب الأطباء عهد مؤكد بإيمان مغلظة أن لا يعطوا دواءً قتالاً لأحد . فقال الخليفة : إنهما شرعان جليلان . وأمر بالخلع فافيضت عليه وحمل المال معه فخرج وهو أحسن الناس حالاً وجاهاً . وكان الطيفوري النصراني الكاتب يحسد حنيناً ويعاديه . واجتمعا يوماً في دار بعض النصارى ببغداد وهناك صورة المسيح والتلاميذ وقنديل يشتعل بين يدي الصورة . فقال حنين لصاحب البيت : لم تضيع الزيت فليس هذا المسيح ولا هؤلاء التلاميذ وإنما هي صور . فقال الطيفوري : إن لم يستحقوا الإكرام فأبصق عليهم فبصق فأشهد عليه الطيفوري ورفعه إلى المتوكل فسأله إباحة الحكم عليه لديانة النصرانية فبعث إلى الجاثليق والاساقفة وسئلوا عن ذلك فأوجبوا حرم حنين فحرم وقطع زناره وانصرف حنين إلى داره ومات من ليلته فجأة وقيل أنه سقى نفسه سماً . وكان لحنين ولدان داود واسحق . فأما اسحق فخدم على الترجمة وتولاها واتقنها وأحسن فيها وكانت نفسه أميل إلى الفلسفة . وإما داود فكان طبيباً للعامة وكان له ابن أخت يقال له حبيش بن الاعسم أحد الناقلين من اليوناني والسرياني إلى العربي . وكان يقدمه على تلاميذه ويصفه ويرضى نقله . وقيل من جملة سعادة حنين صحبة حبيش له فإن أكثر ما نقله حبيش نسب إلى حنين . وكثيراً ما يرى الجهال شيئاً من الكتب القديمة مترجماً بنقل حبيش فيظن الغر منهم أنه حنين وقد صحف فيكشطه ويجعله حنين .تمعا يوماً في دار بعض النصارى ببغداد وهناك صورة المسيح والتلاميذ وقنديل يشتعل بين يدي الصورة . فقال حنين لصاحب البيت : لم تضيع الزيت فليس هذا المسيح ولا هؤلاء التلاميذ وإنما هي صور . فقال الطيفوري : إن لم يستحقوا الإكرام فأبصق عليهم فبصق فأشهد عليه الطيفوري ورفعه إلى المتوكل فسأله إباحة الحكم عليه لديانة النصرانية فبعث إلى الجاثليق والاساقفة وسئلوا عن ذلك فأوجبوا حرم حنين فحرم وقطع زناره وانصرف حنين إلى داره ومات من ليلته فجأة وقيل أنه سقى نفسه سماً . وكان لحنين ولدان داود واسحق . فأما اسحق فخدم على الترجمة وتولاها واتقنها وأحسن فيها وكانت نفسه أميل إلى الفلسفة . وإما داود فكان طبيباً للعامة وكان له ابن أخت يقال له حبيش بن الاعسم أحد الناقلين من اليوناني والسرياني إلى العربي . وكان يقدمه على تلاميذه ويصفه ويرضى نقله . وقيل من جملة سعادة حنين صحبة حبيش له فإن أكثر ما نقله حبيش نسب إلى حنين . وكثيراً ما يرى الجهال شيئاً من الكتب القديمة مترجماً بنقل حبيش فيظن الغر منهم أنه حنين وقد صحف فيكشطه ويجعله حنين .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt; &amp;quot; المنتصر بن المتوكل &amp;quot;&lt;br/&gt; بايع له قتلة أبيه تلك الليلة التي قتلوا المتوكل . فلما أصبح يوم الأربعاء حضر القواد والكتاب والجند والوجوه الجعفرية فقرأ عليهم أحمد بن الخصيب كتاباً يخبر فيه عن المنتصر أن الفتح بن خاقان قتل المتوكل فقتله فبايع الناس وانصرفوا . وفي سنة ثماني وأربعين ومائتين جدَّ وصيف وبغا وباقي الأتراك في خلع المعتز والمؤيد وألحوا على المنتصر وقالوا : نخلعهما ونبايع لابنك عبد الوهاب . فلم يزالوا به حتى اجابهم وخلعهما بالكره منه ومنهما . ثم دعاهما وقال لهما : أترياني خلعتكما طمعاً في أن أعيش حتى يكبر ولدي وأبايع له والله ما طمعت في ذلك ساعة قط ولكن هؤلاء &amp;quot; وأومأ إلى سائر الموالي الأتراك ممن هو قائم وقاعد &amp;quot; ألحوا علي في خلعكما . وفي هذه السنة وهي سنة ثماني وأربعين ومائتين مات المنتصر يوم الأحد لخمس ليالٍ خلون من ربيع الآخر بالذبحة وكانت علته ثلاثة أيام . قيل وكان كثير من الناس حين أفضت الخلافة إليه إلى أن مات يقولون : إنما مدة حياته سنة أشهر مدة شيرويه بن كسرى قاتل أبيه تقوله العامة والخاصة . وكان عمره خمساً وعشرين سنة وستة أشهر وخلافته ستة أشهر .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;“ المستعين أحمد بن محمد بن المعتصم “&lt;br/&gt; لما توفي المنتصر اجتمع الموالي في الهاروني من الغد وفيهم بغا الكبير وبغا الصغير وأتامش وتشاوروا وكرهوا أن يتولى الخلافة واحد من ولد المتوكل لئلا يغتالهم فاجمعوا على المستعين أحمد بن محمد المعتصم وبايعوه . وفي سنة تسع وأربعين ومائتين سغب الجند والشاكرية ببغداد لما رأوا من استيلاء الترك على الدولة يقتلون من يريدون من الخلفاء ويستخلفون من أحبوه من غير ديانة ولا نظر للمسلمين . فاجتمعت العامة ببغداد بالصراخ والنداء والنفير وفتحوا السجون وأخرجوا من فيها وأحرقوا أحد الجسرين وقطعوا الآخر وانتهبوا دور أهل اليسار وأخرجوا أموالاً كثيرة ففرقوها فيمن نهض إلى حفظ الثغور وأخرجوا المعتز من الحبس وأخذوا من شعره وكان قد كثر وبايعوا له بالخلافة وخلعوا المستعين وكانت أيامه سنتين وتسعة أشهر . فسار المستعين إلى بغداد سنة إحدى وخمسين ومائتين وحوصر بها . ثم في سنة اثنتين وخمسين ومائتين خلع نفسه من الخلافة فبايع للمعتز بن المتوكل وخطب للمعتز ببغداد . فلما بايع المستعين للمعتز وجهه إلى البصرة ومنها إلى اواسط وتقدم بقتله فقتل وحمل رأسه إلى المعتز فقال : ضعوه حتى أفرغ من الدست . فلما فرغ نظر إليه وأمر بدفنه . وفي هذه السنة حبس المعتز المؤيد أخاه ثم أخرجه ميتاً لا أثر فيه ولا جرح فقيل أنه أدرج في لحاف سمور وأمسك طرفاه حتى مات . وفي سنة أربع وخمسين ومائتين ولى الأتراك أحمد بن طولون مصر وكان طولون مملوكاً تركياً للمأمون وولد له ولده أحمد في سنة عشرين ومائتين ببغداد . وكان أحمد عالي الهمة يستق بعقول الأتراك وأديانهم يثقون به في العظائم وتشاغل بالخير والصلاح فتمكنت في القلوب محبته وآل أمره إلى أن استولى على مصر وجميع مدن الشام . وفي سنة خمس وخمسين ومائتين صار الأتراك إلى المعتز يطلبون أرزاقهم فماطلهم بحقهم . فلما رأوا أنه لا يحصل منه شيء دخل إليه جماعة منهم فجروا برجله إلى باب الحجرة وضربوه بالدبابيس وأقاموه في الشمس في الدار وكان يرفع رجلاً ويضع رجلاً لشدة الحر . ثم سلموه إلى من يعذبه فمنعه الطعام والشراب ثلاثة أيام ثم أدخلوه سرداباً وجصصوا عليه فمات . وكانت خلافته من لدن بويع بسامرا إلى أن خلع أربع سنين وسبعة أشهر .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt; وفي هذه السنة مات سابور بن سهل صاحب بيمارستان جنديسابور وكان فاضلاً في وقته وله تصانيف مشهورة منها كتاب الأقراباذين المعول عليه في البيمارستانات ودكاكين الصيادلة إثنان وعشرون باباً . وتوفي نصرانياً في يوم الأثنين لتسع بقين من ذي الحجة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; &amp;quot; المهتدي بن الواثق &amp;quot;&lt;br/&gt; بويع له لليلة بقيت من رجب سنة خمس وخمسين ولم تقبل بيعته حتى أتى المعتز فخلع نفسه وأقر بالعجز عما أسند إليه وبالرغبة في تسليمها إلى محمد بن الواثق فبايعه الخاصة والعامة . وبعد قتل المعتز طلبت أمه الأمان لنفسها فأمنوها وظفروا لهل بخزائن في دار تحت الأرض ووجدوا فيها ألف ألف دينار وثلاثمائة ألف دينار وقدر مكوك زمرد ومقدار مكوك من اللؤلؤ الكبار ومقدار كيلجة من الياقوت الأحمر . وكان طلب منها ابنها المعتز مالاً يعطي الأتراك فقالت : ما عندي شيء . فسبوها وقالوا : عرضت ابنها للقتل في خمسين ألف دينار وعندها هذا المال جميعه . وفي منتصف رجب خلع المهتدي وتوفي لاثنتي عشرة ليلة بقيت منه سنة ست وخمسين ومائتين وكانت خلافته أحد عشر شهراً وعمره ثمانياً وثلاثين سنة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;“ المعتمد بن المتوكل “&lt;br/&gt; ولما أخذ المهتدي وحبس أحضر أبو العباس أحمد بن المتوكل وكان محبوساً بالجوسق فبايعه الأتراك وغيرهم ولقب المعتمد على الله . ثم أن المهتدي مات ثاني يوم بيعة المعتمد . وفي سنة إحدى وستين ومائتين ولى المعتمد ابنه جعفر العهد ولقبه المفوض إلى الله وولى أخاه أبا محمد العهد بعد جعفر ولقبه الموفق بالله . وفي سنة أربع وستين ومائتين دخل عبد الله بن رشيد بن كاووس بلد الروم في أربعة آلاف فارس فغنم وقتل . فلما رحل عن البدندون خرج عليه بطريق سلوقية وبطريق خرشنة وأصحابها وأحدقوا بالمسلمين . فنزل المسلمون فعرقبوا دوابهم وقتل الروم من قتلوا وأسر عبد الله بن رشيد وحمل إلى ملك الروم . وفي سنة خمس وستين ومائتين وقع خلاف بين المعتمد وأحمد بن طولون فسار إلى سيما وإلى حلب وبقية العواصم فوجده بانطاكية فحاصره بها وفتحها فظفر بسيما وقتله وجاء إلى حلب وملكها وملك دمشق وحمص وحماة وقنسرين إلى الرقة . وأمر المعتمد بلعب ابن طولون على المنابر فلعن ببغداد وسائر العراق ولعن ابن طولون المعتمد علىالمنابر في جميع أعماله بمصر وغيرها . وفي سنة سبعين ومائتين مات ابن طولون في ذي القعدة وخلف سبعة عشر ابناً أحدهم خمارويه وسبع عشرة بنتاً وترك أموالاً جمة ومماليك كثيرة . وكان كثير الصداقات والخيرات . وقام ولده خمارويه بعده بالملك أحسن قيام ودبر أحسن تدبير . وفي سنة ثماني وسبعين ومائتين عرض للموفق وجع النقرس واشتد به فلم يقدر على الركوب . فعمل له سرير عليه قبة وكان يقعد عليه هو وخادم له يبرد له رجله بالثلج ثم صارت علة رجله داء الفيل وكان يحمل سريره أربعون رجلاً بالنوبة . فقال لهم يوماً : قد ضجرتم من حملي بودي لو كنت كواحد منكم أحمل على رأسي وآكل وأنا في عافية . فوصل إلى داره لليلتين خلتا من صفر وشاع موته . وعلى يديه جرى أكثر الحروب مع الزنج وباقي الخوارج . ولما مات الموفق اجتمع القواد وبايعوا ابنه أبا العباس بولاية العهد بعد المفوض ولقب المعتضد بالله . وفي سنة تسع وسبعين ومائتين توفي المعتمد ليلة الاثنين لاحدى عشرة بقيت من رجب وكان قد شرب على الشط في الحسني يوم الأحد شراباً كثيراً وتعشى فأكثر فمات ليلاً . وكانت خلافته ثلاثاً وعشرين سنة . وكان في خلافته محكوماً عليه قد تحكم عليه أبو أحمد الموفق أخوه وضيق عليه حتى أنه احتاج في بعض الأوقات إلى ثلاثمائة دينار فلم يجدها .&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt; وكان استخص الموفق أخوه المعتمد جعفر بن محمد المعروف بأبي معشر البلخي واتخذه منجماً له وكان معه في محاصرته للزنج بالبصرة . وقيل أن أبا معشر كان في أول أمره من أصحاب الحديث ببغداد وكان يضاغن أبا يوسف يعقوب بن اسحق الكندي ويغري به العامة ويشنع عليه بعلوم الفلاسفة . فدس عليه الكندي من حسن له النظر في علم الحساب والهندسة فدخل في ذلك فلم يكمل له فعدل إلى علم أحكام النجوم وانقطع شره عن الكندي . ويقال إنه تعلمالنجوم بعد سبع وأربعين سنة من عمره . وكان فاضلاً حسن القريحة صنف كتباً عدة في هذا الفن . فضربه المستعين أسواطاً لأنه أصاب في شيء أخبر به قبل وقته . وكان يقول : اصبت فعوقبت . وجاوز أبو معشر المائة من عمره ومات بواسط . وقيل كان أبو معشر مدمناً على شرب الخمر مشتهراً بمعاقرتها وكان يعتريه صرع عند أوقات الامتلاآت القمرية . وأما يعقوب الكندي فكان شريف الأصل بصرياً وكان أبوه اسحق أميراً على الكوفة للمهدي والرشيد . وكان يعقوب عالماً بالطب والفلسفة والحساب والمنطق وتأليف اللحون والهندسة والهيئة وله في أكثر هذه العلوم تآليف مشهورة من المصنفات الطوال . ولم يكن في الاسلام من اشتهر عند الناس بمعاناة علم الفلسفة حتى سموه فيلسوفاً غير يعقوب هذا وعاصر قسطا بن لوقا البعلبكي وقسطا هذا الفيلسوف نصراني في الدولة الاسلامية دخل إلى بلاد الروم وحصل من تصانيفهم الكثيرة وعاد إلى الشام واستدعي إلى العراق ليترجم الكتب وله تصانيف مختصرة بارعة . وقيل اجتذبه سنحاريب إلى أرمينية وأقام بها إلى أن مات هناك وبنى على قبره قبة إكراماً له كإكرام قبور الملوك ورؤساء الشرائع . قال المؤرخ : لو قلت حقاً قلت أنه أفضل من صنف كتاباً بما احتوى عليه من العلوم والفضائل وما رزق من الاختصار للالفاظ وجمع المعاني .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وفي آخر دولة المعتمد تحرك بسواد الكوفة قوم يعرفون بالقرامطة وكان ابتداء أمرهم أم رجلاً فقيراً قدم من &lt;br/&gt;ناحية خوزستان إلى سواد الكوفة وكان يظهر الزهد والتقشف ويسف الخوص ويأكل من كسبه فأقام على ذلك مدة . وكان إذا قعد إليه رجل ذاكره أمر الدين وزهده في الدنيا وأعلمه أنه يدعو إلى إمام من أهل بيت النبي عليه السلام . فلم يزل على ذلك حتى استجاب له جمع كثير واتخذ منهم اثني عشر نقيباً على عدد الحوارين وأمرهم أن يدعوا الناس إلى مذهبهم . فبلغ خبره عامل تلك الناحية فأخذه وحبسه وحلف أنه يقتله وأغلق باب البيت عليه وجعل المفتاح تحت وسادته واشتغل بالشرب . فسمعت جارية له بيمينه فرقت للرجل . فلما نام العامل أخذت المفتاح وفتحت الباب وأخرجته ثم أعادت المفتاح إلى مكانه . فلما أصبح العامل فتح الباب ليقتله فلم يره وشاع ذلك في الناس وافتتن به أهل تلك الناحية وقالوا رفع . ثم ظهر في ناحية أخرى ولقي جماعة من أصحابه وغيرهم وقال لهم : لا يمكن أن ينالني أحد بسوء . فعظم في أعينهم . ثم خاف على نفسه فخرج إلى ناحية الشام ولم يوقف له على خبر وسمي باسم رجل كان ينزل عنده وهو كرمتية ثم خفف فقيل قرمطة . وكان فيما حكي عن القرامطة من مذهبهم أنهم جاءوا بكتاب فيه : بسم الله الرحمن الرحيم . يقول الفرج بن عثمان وهو من قرية يقال لها نصرانة أن المسيح تصور له في جسم انسان وقال له : إنك الداعية وإنك الحجة وإنك الناقة وإنك الدابة وإنك يحيى بن زكريا وإنك روح القدس وعرفه أن الصلاة أربع ركعات ركعتان قبل طلوع الشمس وركعتان قبل غروبها والصوم يومان في السنة وهما المهرجان والنيروز . وأن النبيذ حرام والخمر حلال ولا يؤكل كل ذي ناب ولا كل ذي مخلب .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;“ المعتضد بن الموفق “&lt;br/&gt; بويع له في صبيحة الليلة التي مات فيها عمه المعتمد . ولما ولي المعتضد بعث خمارويه بن أخمد بن طولون له هدايا وألطافاً شريفة ورسولاً وسأله أن يزوج ابنة خمارويه المسماة قطر الندى بعلي بن المعتضد . فقال المعتضد : أنا أتزوجها . فسر خمارويه بذلك . وفي سنة إحدى وثمانين ومائتين خرج المعتضد إلى الموصل قاصداً للأعراب والأكراد فسار إليهم فأوقع بهم وقتل منهم وغرق منهم في الزاب خلق كبير . وسار المعتضد إلى الموصل يريد قلعة ماردين وكانت لحمدان فهرب حمدان منها وخلف ابنه بها فنازلها المعتضد وقاتل من فيها يومه ذلك . فلما كان الغد ركب المعتضد فصعد إلى باب القلعة وصاح : يا ابن حمدان . فأجابه . فقال : افتح الباب . ففتحه فقعد المعتضد في الباب وأمر بنقل ما في القلعة وهدمها . ثم ظفر بحمدان بعد عوده إلى بغداد جاءه مستأمناً إليه . وفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين جهز خمارويه ابنته أحسن جهاز وبعث بها إلى المعتضد في المحرم . وفي هذه السنة لثلاث خلون من ذي الحجة قتل خمارويه بدمشق ذبحه على فراشه بعض خاصته . ولما قتل أقعدوا مكانه ابنه هرون والتزم أنه يحمل من مصر إلى خزانة المعتضد في كل سنة ألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار . وفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين سارت الصقالبة إلى الروم فحاصروا القسطنطينية وقتلوا من أهلها خلقاً كثيراً وخربوا البلاد . فلما لم يجد ملك الروم منهم خلاصاً جمع من عنده من أسارى المسلمين وأعطاهم السلاح وسألهم معونته على الصقالبة ففعلوا وكشفوهم وأزاحوهم عن القسطنطينية . فلما رأى ملك الروم ذلك خاف المسلمين على نفسه فأخذ سلاحهم وفرقهم في البلدان حذراً من جنايتهم عليه . وفي هذه السنة كان الفداء بين المسلمين والروم وكان جملة من فودي به من المسلمين من الرجال والنساء والصبيان ألفين وخمسمائة وأربعة أنفس . وفي هذه السنة وهي سنة أربع وثمانين ومائتين كان المنجمون يوعدون بغرق أكثر الأقاليم إلا إقليم بابل فإنه يسلم منه اليسير وإذ ذلك يكون بكثرة الأمطار وزيادة المياه في الأنهار والعيون . فقحط الناس وقلت الأمطار وغارت المياه حتى استسقى الناس ببغداد مرات . وفي سنة خمس وثمانين ومائتين ظهر رجل من القرامطة يعرف بأبي سعيد بالبحرين واجتمع إليه جماعة من الأعراب والقرامطة وقوي أمره فقاتل ما حوله من القرى ثم صار إلى القطيف وأظهر أنه يريد البصرة . فأمر المعتضد ببناء سور على البصرة فعمل وكان مبلغ الخرج عليه أربعة عشر ألف دينار . وفي سنة ثماني وثمانين ومائتين وقع الوباء بأذربيجان فمات منه خلق كثير إلى أن فقد الناس ما يكفنون به الموتى وكانوا يطرحونهم في الطريق . وفيها سارت الروم إلى كيسوم فنهبوها وغنموا أموال أهلها وأسروا منها نحو خمسة عشر ألف انسان من رجل وصبي وامرأة . وفي سنة تسع وثمانين ومائتين انتشر القرامطة بسواد الكوفة فأخذ رئيسهم وسير إلى المعتضد وأحضره وقال له : اخبرني هل تزعمون أن روح الله تحل في أجسادكم . فقال له الرجل : يا هذا إن حلت روح الله فينا فما يضرك وأن حلت روح ابليس فما ينفعك ولا تسأل عما لا يعنيك وسل عما يخصك . فقال : ما تقول فيما يخصني . فقال : أقول أن النبي عليه السلام مات وأبوكم العباس حي فهل طلب الخلافة أم هل بايعه أحد من الصحابة على ذلك . ثم مات أبو بكر واستخلف عمر وهو يرى موضع العباس ولم يوصى إليه . ثم مات عمر وجعلها شورى في ستة أنفس ولم يوصى إلى العباس ولا أدخله فيهم فبماذا تستحقون أنتم الخلافة وقد اتفق الصحابة على دفع جدك عنها . فأمر به المعتضد فعذب وخلعت عظامه ثم قطعت يداه ورجلاه ثم قتل . وبعد قليل في هذه السنة في ربيع الآخر لثمان بقين منه توفي المعتضد فاجتمع القواد وجددوا البيعة لابنه المكتفي وكانت خلافة المعتضد تسع سنين وتسعة أشهر وعمره سبع وأربعين سنة . وقيل كان المعتضد أسمر نحيفاً شهماً شجاعاً وكان فيه شح وكان عفيفاً مهيباً عند أصحابه يتقون سطوته ومع ذلك جاوز الحد في الحلم . قال الوزير عبد الله بن سليمان بن وهب : كنت عند المعتضد يوماً وخادم بيده المذبة إذ ضربت قلنسوة المعتضد فسقطت فكدت اختلط إعظاماً للحال ولم يتغير المعتضد وقال : هذا الغلام قد نعس . ولم ينكر عليه . فقبلت الأرض وقلت : والله يا أمير المؤمنين ما سمعت بمثل هذا ولا ظننت أن حلماً يسعه . قال : وهل يجوز غير هذا أن هذا الصبي البائس لو دار في خلده ما جرى لذهب عقله وتلف والانكار لا يكون إلا على المعتمد دون الساهي الخاطئ . أعلم أن هذا الصبي البائس لو دار في خلده ما جرى لذهب عقله وتلف والانكار لا يكون إلا على المعتمد دون الساهي الخاطئ .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt; وفي أيام المعتضد علت منزلة بني موسى بن شاكر وهم ثلاثة محمد وأحمد والحسن . وكان موسى بن شاكر يصحب المأمون ولم يكن موسى من أهل العلم بل كان في حداثته حرامياً يقطع الطريق ثم أنه تاب ومات وخلف هؤلاء الأولاد الثلاثة الصغار فوصى بهم المأمون اسحق بن ابراهيم المصعبي وأثبتهم مع يحيى بن أبي منصور في بيت الحكمة وكانت حالهم رثة رقيقة . على أن أرزاق أصحاب المأمون كلهم كانت قليلة . فخرج بنو موسى ابن شاكر نهاية في علومهم وكان أكبرهم وأجلهم أبو جعفر محمد وكان وافر الحظ من الهندسة والنجوم ثم خدم وصار من وجوه القواد إلى أن غلب الأتراك على الدولة . وكان أحمد دونه في العلم إلا صناعة الحيل فإنه فتح له فيها ما لم يفتح مثله لأحد . وكان الحسن وهو الثالث منفرداً بالهندسة وله طبع عجيب فيها لا يدانيه أحد علم كل ما علم بطبعه ولم يقرأ من كتب الهندسة إلا ست مقالات من كتاب أوقليذس في الأصول فقط وهي أقل من نصف الكتاب ولكن ذكره كان عجيباً وتخيله كان قوياً . وحكي أن المروزي قال عنه يوماً للمأمون أنه لم يقرأ من كتاب أوقليذيس إلا ست مقالات . أراد بذلك كسره . فقال الحسن : يا أمير المؤمنين لم يكن يسألني عن شكل من أشكال المقالات التي لم أقرأها إلا استخرجته بفكري وأتيته به ولم يكن يضرني أنني لم أقرأها ولا تنفعه قراءته لها إذ كان من الضعف فيها بحيث لم تغنه قرآته في أصغر مسألة من الهندسة فإنه لا يحسن أن يستخرجها . فقال له المأمون : ما أدفع قولك ولكني ما أعذرك ومحلك من الهندسة محلك أن يبلغ بك الكسل أن لا تقرأه كله وهو للهندسة كحروف ا ب ت ث للكلام والكتابة . وفي دار محمد بن موسى تعلم ثابت بن قرة بن مروان الصابئ الحراني نزيل بغداد فوجب على محمد حقه فوصله بالمعتضد وأدخله في جملة المنجمين . وبلغ ثابت هذا مع المعتضد أجل المراتب وأعلى المنازل حتى كان يجلس بحضرته في كل وقت ويحادثه طويلاً ويضاحكه ويقبل عليه دون وزرائه وخاصته . وله مصنفات كثيرة في التعليمات الرياضية والطب والمنطق وله تصانيف بالسريانية فيما يتعلق بمذهب الصابئة في الرسوم والفروض والسنن وتكفين الموتى ودفنهم وفي الطهارة والنجاسة وما يصلح من الحيوان للضحايا وما لا يصلح وفي أوقات العبادات وترتيب القراءة في الصلاة . والذي تحققنا من مذهب الصابئة أن دعوتهم هي دعوة الكلدانين القدماء بعينها وقبلتهم القطب الشمالي ولزموا فضائل النفس الأربع . والمفترض ثلاث صلوات أولها قبل طلوع الشمس بنصف ساعة أو أقل لتنقضي مع الطلوع ثماني زكعات في كل ركعة ثلاث سجدات . والثانية انقضاؤها مع نصف النهار والزوال خمسركعات في كل ركعة ثلاث سجدات . والثالثة مثل الثانية تنقضي مع الغروب . والصيام المفرض عليهم ثلاثون يوماً أولها الثامن من اجتماع آذار . وتسعة أيام أولها التاسع من اجتماع كانون الأول . وسبعة أيام أولها ثامن شباط . ويدعون الكواكب . وقرابينهم كثيرة لا يأكلون منها بل يحرقونها . ولا يأكلون الباقلى والثوم وبعضهم اللوبياء والقنبيط والكرنب والعدس . وأقوالهم قريبة من أقوال الحكماء ومقالاتهم في التوحيد على غاية من التقانة ويزعمون أن نفس الفاسق تعذب تسعة آلاف ثم تصير إلى رحمة الله تعالى . وكان في دولة المعتضد أحمد بن محمد بن مروان بن الطيب السرخسي أحد فلاسفة الاسلام وله تآليف جليلة في علوم كثيرة من علوم القدماء والعرب وكان حسن المعرفة جيد القريحة بليغ اللسان مليح التصنيف وكان أولاً معلماً للمعتضد ثم نادمه وخص به وكان يفضي إليه بأسراره كلها ويستشيره في أمور مملكته وكان الغالب على أحمد هذا علمه لا عقله واتفق أن أفضى إليه بسر فأذاعه فأمر المعتضد بقتله فقتل .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;“ المكتفي بن المعتضد “&lt;br/&gt; لما توفي المعتضد كتب الوزير إلى أبي محمد علي بن المعتضد وهو المكتفي وعرفه أخذ البيعة له وكان بالرقة فأخذ له البيعة علىمن عنده من الأجناد وسار إلى بغداد فدخلها لثمانٍ خلون من جمادى الأولى سنة تسع وثمانين ومائتين . وفيها ظهر بالشام رجل من القرامطة وجمع جموعاً من الأعراب وأتى دمشق وبها طغج بن جف من قبل هارون بن خمارويه بن أخمد بن طولون وكانت بينهم وقعات . وفي سنة احدى وتسعين ومائتين خرجت الترك في خلق كثير لا يحصون إلى ما وراء النهر وكان في عسكرهم سبعمائة قبة تركية ولا تكون إلا للرؤساء منهم . فسار إليهم جيش المسلمين وكبسوهم مع الصبح فقتلوا منهم خلقاً عظيماً وانهزم الباقون . وفيها خرج الروم في عشرة صلبان مع كل صليب عشرة آلاف إلى الثغور فأغاروا وسبوا وأحرقوا . وفي سنة اثنتين وتسعين ومائتين جهز المكتفي إلى هرون بن خمارويه جيشاً في البر والبحر فحاصروه بمصر وجرى بينهم قتال شديد ووقعات كثيرة آخرها أن بعض الرماة من أصحاب المكتفي رمى هرون بمزراق معه فقتله وانهزم المصريون وكان هو آخر أمراء آل طولون وانقرضت الدولة الطولونية في هذه السنة . وفي سنة ثلاث وتسعين ومائتين أغارت الروم على قورس ودخلوها فأحرقوا جامعها وساقوا من بقي من أهلها لأنهم قتلوا أكثرهم . وفي سنة خمس وتسعين ومائتين من ذي القعدة توفي المكتفي بالله وكانت خلافته ست سنين وستة أشهر وكان عمره ثلاثاً وثلاثين سنة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt; وفي أيام المكتفي اشتهر يوسف الساهر الطبيب ويعرف أيضاً بالقس وكان مشهور الذكر مكباً على الطب كثير الاجتهاد في تحصيل الفوائد وسمي الساهر لأنه كان لاينام في الليل إلا ربعه أو أزيد ثم يسهر في طلب العلم . وقيل إنما سمي الساهر لأن سرطان كان في مقدم رأسه وكان يمنعه من النوم . وإذا تأمل متأمل كناشه رأى فيه أشياء تدل على أنه كان به هذا المرض .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;“ المقتدر بن المعتضد “&lt;br/&gt; لما ثقل المكتفي في مرضه استشار الوزير وهو حينئذ العباس بن الحسن أصحابه فيمن يصلح للخلافة . فقالوا له : اتق الله ولا تولِّ من قد لقي الناس ولقوه وعاملهم وعاملوه وتحنك وحسب حساب نعم الناس وعرف وجوه دخلهم وخرجهم . فقال الوزير : صدقتم ونصحتم . فبمن تشيرون؟ قالوا : أصلح الموجودين جعفر بن المعتضد . قال : ويحكم هو صبي . قال ابن الفرات : إلا أنه ابن المعتضد ولا نأتي برجل يباشر الأمور بنفسه غير محتاج إلينا . فركن الوزير إلى قولهم فلما مات المكتفي نصب جعفراً للخلافة وأخذ له البيعة ولقبه المقتدر بالله . فلما بويع المقتدر استصغره الوزير وكان عمره إذ ذاك ثلاث عشرة سنة . وكثر كلام الناس فيه فعزم على خلعه . ثم في سنة ست وتسعين ومائتين اجتمع القواد والقضاة مع الوزير على خلع المقتدر بالله والبية لابن المعتز . ثم أن الوزير رأى أمره صالحاً مع المقتدر فبدا له في ذلك . فوثب به الحسين بن حمدان فقتله وخلع المقتدر وبايع الناس ابن المعتز ولقب المرتضي بالله ووجه إلى المقتدر يأمره بالانتقال إلى الدار التي كان مقيماً فيها لينتقل هو إلى دار الخلافة فأجابه بالسمع والطاعة وسأل الإمهال إلى الليل . وعاد الحسين بن حمدان بكرة غد إلى دار الخلافة فقاتله الخدم والغلمان والرجالة من وراء الستور عامة النهار فانصرف عنهم آخر النهار . فلما جنَّه الليل سار عن بغداد بأهله وماله إلى الموصل لا يدري لم فعل ذلك ولم يكن بقي مع المقتدر من القواد غير مؤنس الخادم ومؤنس الخازن . ولما رأى ابن المعتز ذلك ركب معه وزيره محمد بن داود وغلام له وساروا نحو الصحراء ظناً منهم أن من بايعه من الجند يتبعونه . فلما لم يلحقهم أحد رجعوا واختفوا ووقعت الفتنة والنهب والقتل ببغداد وثار العيارون والسفل ينهبون الدور وخرج المقتدر بالعسكر وقبض على جماعة وقتلهم وكتب إلى أبي الهيجاء بن حمدان يأمره بطلب أخيه الحسين فانهزم الحسين وأرسل أخاه ابراهيم يطلب له الأمان فأجيب إلى ذلك ودخل بغداد وخلع عليه وعقد له على قم وقاشان فسار إليها . وفي هذه السنة سقط ببغداد ثلج كثير من بكرة إلى العصر فصار على الأرض أربع أصابع وكان معه برد شديد وجمد الماء والخل والبيض وهلك النخل وكثير من الشجر . وفي سنة ثلاث وثلاثمائة خرج الحسين بن حمدان بالجزيرة عن طاعة المقتدر فجهز الوزير رائق الكبير في جيش وسيره إليه فالتقيا واقتتلا قتالاً شديداً فانهزم رائق وغنم الحسين سواده . فسمع ذلك مؤنس الخادم وجد بالسير نحو الحسين فرحل الحسين نحو أرمينية مع ثقله وأولاده وتفرق عسكره عنه فأدركه جيش مؤنس وأسروه ومعه ابنه عبد الوهاب . وعاد مؤنس إلى بغداد على الموصل ومعه الحسين فأركب على جمل هو وابنه وعليهما البرانس واللبود الطوال وقمصان من شعر أحمر وحبسا . وفي هذه السنة خرج مليح الأرمني إلى مرعش فعاث في بلدها وأسر جماعة ممن حولها وعاد . وفي سنة خمس وثلاثمائة وصل رسولان من ملك الروم إلى المقتدر يطلبان المهادنة والفداء فأكرما إكراماً تاماً كثيراً ودخلا على الوزير وهو في أكمل هيئة وأديا الرسالة إليه .&lt;br/&gt;ما دخلا على المقتدر وقد جلس لهما واصطفت الاجناد بالسلاح والزينة التامة وأديا الرسالة . فأجابهما المقتدر إلى ما طلب ملك الروم من الفداء وسير مؤنساً الخادم ليحضر الفداء وانفذ معه مائة ألف وعشرين ألف دينار لفداء أسارى المسلمين . وفيها أطلق أبو الهيجاء بن حمدان وأخوته وأهل بيته من الحبس . وفي سنة تسع وثلاثمائة قتل الحسين الحلاج بن منصور . وكان ابتداء حاله أنه كان يظهر الزهد ويظهر الكرمات وقيل أنه حرك يوماً يده فانتثر على قوم دراهم . فقال بعض من تفهم أمره ممن حضر : أرى دراهم معروفةً ولكني أؤمن بك وخلقٌ معي إن أعطيتني درهماً عليه اسمك واسم أبيك . فقال : و كيف لا يصنع . فقال له : من حضر ما ليس بحاضر صنع ما ليس بمصنوع . و كان قدم من خراسان إلى العراق و سار إلى مكة فأقام بها سنة في الحجر لا يستظل تحت سقف شتاءً و لا صيفاً و رئي في جبل أبي قبيس على صخرة حافياً مكشوف الرأس و العرق يجري منه إلى الأرض . و عاد الحلاج إلى بغداد فافتتن به خلق كثير و اعتقدوا فيه الحلول و الربوبية . ثم نقل عنه إلى الوزير حامد أنه أحيا جماعة من الموتى . فلما سأله الوزير عن ذلك أنكره و قال : أعوذ بالله أن أدعي النبوة أو الربوبية و إنما أنا رجل أعبد الله . فلم يتمكن الوزير من قتله حتى رأى كتاباً له فيه : أن الإنسان إذا أراد الحج و لم يمكنه أفرد من داره بيتاً طاهراً فإذا حضرت أيام الحج طاف حوله و فعل ما يفعل الحجاج بمكة ثم يطعم ثلاثين يتيماً و يكسوهم و يعطي كل واحد منهم سبعة دراهم . فأحضر الوزير القضاة و وجوه الفقهاء و استفتاهم . فكتبوا بإباحة دمه فسلمه الوزير إلى صاحب الشرطة فضربه ألف سوط فما تأوه لها ثم قطع يده ثم رجله ثم رجله الأخرى ثم يده ثم قتل و أحرق و ألقي رماده في دجلة و نصب الرأس ببغداد . و اختلف في بلدة الحلاج و منشأه فقيل من خراسان و قيل من نيسابور و قيل من مرو و قيل 
