<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?>
<rss xmlns:iweb="http://www.apple.com/iweb" version="2.0">
  <channel>
    <title>ABOUT THIS SITE</title>
    <link>http://www.syriacstudies.com/AFSS/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A3/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A3.html</link>
    <description>The American Foundation for Syriac Studies works to distribute works of historical and cultural importance in the subject of Syriac.  The Foundation is also committed to regular publications and lectures to bring knowledge on this extremely important subject.  Please feel free to browse our website.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;</description>
    <generator>iWeb 3.0.1</generator>
    <image>
      <url>http://www.syriacstudies.com/AFSS/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A3/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A3_files/palimp3.jpg</url>
      <title>ABOUT THIS SITE</title>
      <link>http://www.syriacstudies.com/AFSS/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A3/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A3.html</link>
    </image>
    <item>
      <title>تـاريـخ  الكنيسة السريانية الأرثوذكسية   البطريريك مار أغناطيوس زكا عيواص &#13; بطريريك انطاكية وسائر المشرق</title>
      <link>http://www.syriacstudies.com/AFSS/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A3/Entries/2010/8/18_%D8%AA%D9%80%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%80%D8%AE_%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%86%D9%8A%D8%B3%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%AB%D9%88%D8%B0%D9%83%D8%B3%D9%8A%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D8%B1%D9%8A%D9%83_%D9%85%D8%A7%D8%B1_%D8%A3%D8%BA%D9%86%D8%A7%D8%B7%D9%8A%D9%88%D8%B3_%D8%B2%D9%83%D8%A7_%D8%B9%D9%8A%D9%88%D8%A7%D8%B5_%D8%A8%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D8%B1%D9%8A%D9%83_%D8%A7%D9%86%D8%B7%D8%A7%D9%83%D9%8A%D8%A9_%D9%88%D8%B3%D8%A7%D8%A6%D8%B1_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%82.html</link>
      <guid isPermaLink="false">36f4e416-09b4-42dd-af0d-48ef3884e532</guid>
      <pubDate>Wed, 18 Aug 2010 09:49:44 -0400</pubDate>
      <description>&lt;br/&gt;والرئيس الأعلى للكنيسة السريانية الأرثوذكسية الجامعة في العالم وعضو المجمع العلمي العراقي &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;تأسيس كنيسة انطاكية :&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;الكنيسة السريانية الارثوذكسية هي كنيسة انطاكية . تأسست في فجر المسيحية ، يوم كانت انطاكية عاصمة سورية واحدى العواصم الثلاث في الدولة الرومانية . دخلت المسيحية مدينة انطاكية على يد بعض تلاميذ السيد المسيح الذين تشتتوا هاربين من اورشليم بسبب الاضطهاد الذي اثاره اليهود ضدهم بعد استشهاد اسطيفانس رئيس الشمامسة حوالي سنة 34 م . كما زارها برنابا احد التلاميذ السبعين ، ثم الرسول بولس حيث مكثا فيها سنة كاملة مبشرين . ونشر فيها الرسول بطرس تعاليم الانجيل ، كما اتخذها مقراً لكرسيه الرسولي سنة 37 م على الارجح . ويجعل بعضهم تنصر انطاكية على يد الرسول بطرس على مرحلتين ، الاولى تنصر اليهود وقيام كنيسة مسيحية منهم والثانية تنصر الوثنيين من آراميين ويونان وعرب ، بعد البت في قضية كرنيليوس وقبوله في الكنيسة . ومن مجرى الحوادث نستنتج ان بطرس الرسول في مجيئه الثاني الى انطاكية ، امتنع عن مخالطة المتنصرين من الامم الوثنية حتى بعد عمادهم خوفا من مسيحيي اورشليم الذين كانوا قد اختصموه في حادثة كرنيليوس . غير ان الرسول بولس قاومه علانية . فقد حاول بعض المتنصرين من اليهود أن يلزموا المتنصرين من الامم بان يختتنوا أي ان يتهودوا قبل ان يتنصروا، وعقد مجمع اورشليم سنة 51م للبت في هذه القضية ، وقرر المجمع (( الا يثقل على الراجعين الى الله من الامم بل يمتنعوا عن نجاسات الاصنام والزنا والمخنوق والدم )) وارسل هذا القرار الى انطاكية بيد بولس وبرنابا ومعـهما يهوذا الملقب برسابا وسيلا . ومن هنا نلمس اهمية كنيسة انطاكية في فجر المسيحية ويسجل سفر اعمال الرسل غيرة اعضاء كنيسة انطاكية ومحبتهم للاخوة اذ انهم جمعوا صدقة وارسلوها الى فقراء اورشليم بيد برنابا وشاول ، كما ان اتباع السيد المسيح سموا مسيحيين لاول مرة في انطاكية وتغيب بطرس وبولس عن انطاكية لدواعي التبشير ، فأقاما عليها اسقفين هما : افوديوس اسقفاً على المسيحيين من الذين من اصل وثني ، واغناطيوس اسقفاً على المسيحيين الذين من اصل يهودي واتحد الطرفان برباط الروح تحت رئاسة اغناطيوس النوراني بعد سنة 68 م فاطلق هذا على الكنيسة انطاكية عبارة الكنيسة الجامعة ، حيث جمعت الختان والغرلة معا ، وهو اول من استعمل هذا الاصطلاح في المسيحية.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;اللغة السريانية في انطاكية :&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;تعرف اللغة السريانية بالارامية ايضا، فقد كانت قديما لغة الاراميين الذين استوطنوا منذ القرن الخامس عشر قبل الميلاد بلاد ارام الشام وأرام النهرين وانتشرت هذه اللغة في العالم القديم انتشارا واسعاً ، وصارت حروفها حروف هجاء للغات شرقية عديـــدة حتى رأيناها على عهد الملك نابو بلاصر لغة البلاط البابلي ، وجعلت على عهد داريوس الكبير ( 521 ـ 486 ق.م ) اللغة الرسمية بين مقاطعات الأمبراطورية الفارسية ، بل امست لغة دولية في الشرق كله زمناً طويلاً ، وكان اليهود قد تعلموها واستعملوها منذ السبي البابلي في القرن الخامس قبل الميلاد ، بل صارت لغتهم اليومية اذ نسوا العبرية . لذلك تكلم السيد المسيح ورسله بالسريانية ، وأستمرت سائدة في قسم كبير من الشعوب الشرقية حتى أواخر القرن السابع للميلاد اذ انتشرت اللغة العربية ، فأخذت السريانية تتقلص رويداً رويداً ، ولاتزال لهجاتها محكية حتى اليوم في طور عبدين بتركية ، وقرى الموصل وغيرها في شمال العراق ، وقرية معلولا المجاورة لدمشق في سورية ، وأثارها ظاهرة في أسماء مدن وقرن عديدة في الشرق الأوسط ، وفي اللهجات العامية في قسم كبير منه . وفي فجر المسيحية كانت اللغة السريانية لغة أهل أنطاكية الأصليين لا سيما القاطنون في ضواحيها كما كانت لغة سائر بلاد سوريا الداخلية وكانت أيضاً لغة اليهود المهاجرين إلى انطاكية . أما اللغة اليونانية فكانت لغة المستعمر ( بكسر الميم الثانية ) ولغة الجالية اليونانية التي استقدمها السلوقيون واستعملت كنيسة انطاكية اللغة السريانية في طقوسها الدينية ، ففيها أقامت خدمة أول قداس كتبه بالسريانية مار يعقوب أخو الرب أسقف أورشليم ، ولا تزال جميع الكنائس السريانية في العالم حتى اليوم تتلوه بالسريانية الى جانب لغاتها المحلية الوطنية . وكتب بها آباؤها مصنفاتهم الدينية والعلمية .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;مكانة كنيسة انطاكية الدينية :&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;تعتبر كنيسة انطاكية اقدم الكنائس المسيحية وأشهرها بعد كنيسة أورشليم ، وقد إزدادت أهميتها بعد خراب أورشليم سنة 70م على يد طيطس الروماني. فمنها انطلق التلاميذ الى انحاء العالم المعروفة عصرئذ فنشروا تعاليم الأنجيل وأسسوا الكنائس والديارات والمدارس ، وقام فيهم العلماء الأفذاذ الذين أناروا العالم بالعلوم الدينية والمدنية ولآباء كنيسة انطاكية السريانية فضل يذكر بالفخر بدراسة الكتاب المقدس بعهديه ، فقد نقلوه الى لغتهم السريانية بنقول منها المعروفة بـ (( البسيطة )) كما نقلوه الى العربية ، والفارسية ، والمليالم ( لغة جنوبي الهند ) وتناولوه شرحاً وتفسيراً ، وتركوا لنا في ذلك بحوثاً مستفيضة تعد مراجع مهمة في هذا المضمار . كما كان لهذه الكنيسة في الماضي الفضل في حمل لواء الأنجيل الى مختلف الأمم كبلاد العرب ، وارمينية ، والهند ، والحبشة . وقدمت ألوف الشهداء في سبيل ذلك .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;الكرسي الأنطاكي أسسه الرسول بطرس &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;أجمع المؤرخون الثقات على جهود الرسول بطرس في انطاكية سورية وتاسيسه فيها كرسيه الرسولي ، كما أسلفنا، وهو أول أساقفتها أي بطاركتها الذين اليه يتسلسلون . فيقول اوسابيوس القيصري ( المتوفي سنة 340 م ) : (( في السنة الرابعة بعد صعود المسيح نادى بطرس بكلمة الرب في أنطاكية العاصمة الكبرى وصار أول أساقفتها )) ويقول أيضاً في تاريخه البيعي : (( كما أشتهر اغناطيوس الذي اختير اسقفاً لانطاكية خلفاً لبطرس)) . وقد خصص هيرونيموس في جدول الأعياد السنوية اليوم الثاني والعشرين من شهر شباط ، ( عيد تأسيس كرسي مار بطرس الرسول في انطاكية ) . ولاتزال الكنيسة الرومانية تحتفل به حتى الآن وهكذا صار القديس بطرس الرسول أول بطريرك جلس على هذا الكرسي الرسولي وتعاقب عليه بعده بطاركة عظام جلهم من صدور العلماء .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;مقر الكرسي الأنطاكي &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;كان مقر الكرسي الانطاكي مدينة انطاكية حتى سنة 518م وبسبب المتاعب الكثيرة التي عانتها الكنيسة ، فقد نقل الى أديرة ما بين النهرين حتى استقر في القرن الثالث عشر في دير الزعفران قرب ماردين في تركيا ، ونقل سنة 1959 الى دمشق. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;اسم بطاركة انطاكية &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;كان البطاركة عند تنصيبهم تحفظ لهم اسماؤهم الاصلية فلما ارتقى الى الكرسي البطريركي يشوع سنة 878م اتخذ اسم اغناطيوس تيمناً باغناطيوس النوراني الشهيد الذي خلف الرسول بطرس في انطاكية . وحذا حذو البطريرك يشوع اربعة بطاركة بعده ، فلما اعتلى الكرسي البطريركي يوسف بن وهيب مطران ماردين سنة 1293م وهو اغناطيوس الخامس ثبتت هذه العادة من بعده ، ولا تزال حتى اليوم ، وهي ان يسبق اسم المنتخب للكرسي البطريركي اسم مار اغناطيوس .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;سلطة الكرسي الأنطاكي وعلاقته بالكراسي الرسولية الأخرى &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;نشأ في القرن الأولى للميلاد النظام الكنسي فسمى اسقف المدينة الرئيسة بالمتروبوليت ومعناها اسقف ام المدن أي قاعدة المملكة ، وعن طريق المجامع الاقليمية والمسكونية ربطت الاسقفيات بالمطرانيات وحددت سلطة الكراسي الكبرى المتساوية بالسلطة في انطاكية والاسكندرية ورومية . ثم اضيفت القسطنطينية في مجمع القسطنطينية سنة 381 م الى الكراسي الثلاثة وحازت هذه الكراسي الاربعة مكانة مرموقة لمكانة المدن المذكورة السياسية وموقعها الجغرافي ، واطلق على اسقف كل منها في أواسط القرن الخامس لقب بطريرك ومعناها رئيس الآباء ولكل من هذه الكراسي حدود معينة تخضع الكنائس الموجودة فيها لسلطته الدينية عن طريق الكراسي المحلية أي مراكز المطرانيات والاسقفيات . وقد حدد المجمع النيقاوي سنة 325م في قانونـه الســادس سلطة هذه الكراسي بقولــه (( فلتحفظ العادة القديمة في مصر وليبيا والمدن الخمس لأن الاسقف الاسكندري يكون له السلطان على كل هؤلاء كما ان اسقف رومية له هذه العادة ايضا ومثل ذلك فلتحفظ الكرامة سالمة ايضا في الكنائس التي في انطاكية وفي الأبرشيات الاخرى )) .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;الشركة بالايمان وسلطة المجامع &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;كانت الكراسي الاربعة رومية والقسطنطينية والاسكندرية وانطاكية واحدة بالعقيدة الدينية ، وفي شركة روحية وكانت هذه الكراسي متساوية في السلطات والامتيازات ، وكان اصحابها عند انتخابهم يبعثون بصورة إيمانهم بعضهم الى بعض لنيل يمين الشركة . ولم تعتبر الشركة بمثابة تنصيب للبطريريك في وظيفته بل كانت فقط شرطاً ضرورياً لممارسة الوظيفة بطريقة شرعية وحوادث التاريخ تشهد بانه لم يكن لأصحاب هذه الكراسي الأربعة الكبرى حكم اوتونومي وحسب بل هو حكم اوتوكيفالي أيضاً . اذ لم يكن لأحدها حكم على الآخر ، ولا يتدخل رئيس بشؤون غيره البتة . كما لم يكن يحق لاسقف ما التدخل بشؤون اسقف آخر ، وكلما اعترضت مشاكل محلية داخلية ، او خلاف بين الأساقفة في الأبرشية الواحدة كان يعقد مجمع اقليمي من أساقفة الأبرشية برئاسة اسقف الأبرشية العام للفصل في هذا الخلاف ، ويعتبر المجمع أعلى من الاسقف بل هو أعلى سلطة في الأبرشية الواحدة . واذا ما برزت مشاكل عامة وقضايا إيمانية كبرى كان يعقد مجمع عام او مجمع مسكوني وسلطانه يعلو سلطان الأساقفة كافة بمن فيهم أساقفة الكراسي الاربعة الكبرى . وقوانينه نافذة المفعول في الكنيسة جمعاء ذلك ان أساقفة العالم جميعاً يدعون اليه ، ويحصر أغلبهم ، ولا يتغيب منهم أحد إلا بعذر مشروع فتمثل فيه الكنيسة الجامعة ، ويشترك بأعماله أغلب اساقفتها ويقبلون قراراته ، ويعتبر السلطة العليا في الكنيسة . فلم يكن لأحد الأساقفة حتى أساقفة الكراسي الأربعة الكبرى سلطان على البت في الأحكام والقضايا الإيمانية الكبرى منفرداً ، بل كان ذلك من حق المجامع . وان تضارب الآراء وتشعب القرارات في المجامع المكانية الاقليمية والعامة في قضية إيمانية تربك الكنيسة الجامعة ، وعندما تدرس هذه المسألة في المجمع المسكوني المتوفرة فيه شهادة الكنائس الرسولية يصدر المجمع فيها حكمه فتقبله الكنيسة الجامعة كأنه حكم السماء . وكانت المجامع تعقد لاقامة الحجة على أصالة التعليم الصحيح ودحض الهرطقات ، فدستور الايمان النيقاوي مثلاً كان متضمناً في كتابات الآباء بالتفصيل ومقبولاً من الكنيسة منذ فجرها ولكن المجمع صاغه بشكل واضح ، والزم قبوله على المؤمنين تحت طائلة الحرم .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;انقسام الكراسي الأربعة الكبرى &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;في عام 451م انعقد المجمــع الخلقيدوني وأدت نتائجـــه الى انقسام الكراســـي الرسولية الأربعة الى قسمين ، ضم القسم الأول كرسي رومية وكرسي القسطنطينية ، وضم القسم الثاني كرسي انطاكية وكرسي الاسكندرية . وقد استمر الكرسيّان الأخيران متحدين بالايمان حتى اليوم ، ولكل منهما رئاسته الخاصة واستقلاله التام كما كان منذ بدء النصرانية . أما الكرسيان الروماني والقسطنطيني فقد انقسما على ذاتهما في القرن الحادي عشر للميلاد . &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;منطقة الكرسي الانطاكي &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;كان للجالس على الكرسي الانطاكي مقام سام في الكنيسة ، وكان سلطانه الديني يمتد من بحر الروم غرباً الى اقصى بلاد الفرس والهند شرقاً ، ومن حدود آسيا الصغرى شمالاً الى تخوم فلسطين جنوباً . وكانت كنيسة انطاكية واحدة ويرأسها كلها بطريرك واحد ، ولم يكن غيره في كل بلاد المشرق التي كانت تشمل بلاد الشام وفلسطين وقليقية وبعض من بلاد آسيا الصغرى وما بين النهرين وبلاد فارس بأسرها وسلطانه يشمل جميع المسيحيين في هذه المنطقة على اختلاف قومياتهم وأجناسهم ولغاتهم ، وكان للابرشيات الكبرى رؤساء أساقفة وللأبرشيات الصغرى أساقفة يتولون إدارتها الروحية وهم تحت طاعته.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;مفريانية المشرق &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;أُطلق على البلاد الواقعة شرقي المملكة الرومانية اسم بلاد المشرق ، وكانت في فجر المسيحية تحت الحكم الفارسي ومنها جاء المجوس الى بيت لحم وسجدوا للرب وقدموا له الهدايا ولما عادوا الى بلادهم أذاعوا فيها بشارة الميلاد . كما كان فيها جاليات يهودية كان قوم منها في اورشليم يوم الخمسين ، ويذكر سفر اعمال الرسل ان اولئك كانوا من الفرثيين والماديين والعيلاميين والساكنين في ما بين النهرين . ولا بد أن الذين آمنوا من هؤلاء حملوا معهم مصباح الانجيل الى بلادهم . ويذكر التاريخ الكنسي أن ادي احد السبعين تلميذاً ، أرسله اخوه الرسول توما الى مدينة الرها السريانية عاصمة الأباجرة ، فشفى ملكها أبجر الخامس من برصه ، وتلمذه ، مع أهل المدينة كافة . ثم بشر في آمد ( ديار بكر ) وجنوبي بلاد ارزن ، ووادي دجلة الشرقي وبازبدي ، وجاء الى حدياب ( اربيل ) حيث أستقر مع رفيقه ماري وواصلا نشر البشارة في هذه البلاد . ويضيف المؤرخون السريان مار ميخائيل الكبير ، وابن العبري ، وابن الصلييي ، أن الرسول توما قد مر بهذه البلاد في طريقه الى الهند . وبشر أهلها . وهكذا انتشرت النصرانية في أطراف بلاد المشرق كافة منذ القرن الأول للميلاد ، وانشأت فيها الكنائس وبعض الأسقفيات . وفي صدر القرن الثالث كثر عدد المراكز الاسقفية وانتظمت تدريجياً حتى تكونت منها رئاسة عامة مقرها المدائن ضمن حدود المنطقة الكنسية الخاضعة للكرسي الرسولي الانطاكي ولقب اسقفها بمطران المشرق او جاثليق المشرق ، وسمي بعدئذ بمفريان المشرق . وكان لجاثليق المشرق سلطة عامة على كنائس منطقته متحداً مع البطريرك الانطاكي ، وقد زعزع الوضع السياسي أركان هذا الاتحاد ذلك ان مقر الكرسي الانطاكي كان في أراضي المملكة الرومانية أما بلاد المشرق فكانت خاضعة للحكم الفارسي ، وكانت العداوة متمكنة مابين الفرس والرومان . وفي سنة 431م حرم مجمع افسس نسطور بطريرك القسطنطينية فتحزب لنسطور عدد من أساقفة سورية ، ومعظم أساتذة مدرسة الرها وتلامذتها ، وانتشرت تعاليمه في بلاد المشرق ولم يسلم منها سوى تكريت وأرمينية ، وانقسم السريان من حيث العقيدة الدينية الى قسمين ، ومن جراء ذلك انقسمت اللغة السريانية ايضاً من حيث لفظها وقلمها الى قسمين يعرفان بالتقليدين الغربي والشرقي نسبة الى مواطن الشعب الذي كان يزاولهما أي بلاد الشام الغربية ، وبلاد ما بين النهرين الشرقية والعراق واذربيجان . والقسم الشرقي قطع علاقته مع الكرسي الانطاكي ، ويستثنى منه الشعب العراقي الاثوذكسي الذي استمر امينا للكرسي الرسولي الانطاكي وعانى في سبيل ذلك الامرين . ففي سنة 480 وشى برصوما اسقف نصيبين النسطوري بالمؤمنين الاثوذكس في بلاد المشرق لدى فيروز الملك الفارسي ، وقال أنهم يتجسسون لحساب المملكة البيزنطية ففتك بالعديد منهم وسفك دماءهم النقية . وبعد موت برصوما ، زار بلاد المشرق خرسطفورس جاثليق الارمن ورسم الراهب كرماي مطراناً على دير مار متى وخوله سلطة رسامة أساقفة كما كان لجثالقة المشرق ، ورسم خرسطفورس ايضا الراهب احودامه البدي اسقفا لباعرباي . وفي سنة 559 تفقد مار يعقوب البرادعي كنيسة المشرق ورسم مار احودامه مطراناً عاماً أي جاثليقاً عليها ، وعدّ هذا أول مطران عام على المشرق بعد أن استولى النساطرة على كرسيها . وفي سنة 628م عقد صلح بين المملكتين الفارسية الرومانية فأرسل البطريرك أثناسيوس الأول (595ـ631) كاتبه الربان يوحنا الى المشرق فقابل المطران خرسطفورس رئيس دير مار متى وفاتحه بموضوع إعادة العلاقات ما بين الكرسي الانطاكي وكنيسة المشرق ، فعقد هذا مجمعاً حضره الربان يوحنا وأربعة من الاساقفة القريبين وانتخبوا ثلاثة رهبان هم ماروثا وايثالاها وآحا واخذوهم الى البطريرك ليرسمهم أساقفة فاعتذر حفظاً للعادة القديمة في كنيسة المشرق ، فقام الأساقفة الشرقيون برسامتهم أساقفة بحضور أساقفة البطريرك . ثم قام البطريرك برسامة ماروثا مطراناً لتكريت وخوله الرئاسة على بلاد المشرق بالنيابة عنه . منه هنا نعلم انه كان لكنيسة المشرق حكم ذاتي ، ولجاثليقها سلطة عامة على ابرشياتها ، فالجاثليق يرسم أساقفتها ، والبطريرك الانطاكي يرسمه جاثليقاً ، كما أننا نرى في التاريخ ان البطريرك الانطاكي يرسم من آباء المجمع الانطاكي باشتراك جاثليق المشرق ، وكثيراً ما حدث شقاق في الكنيسة لمخالفة هذا التقليد .وأطلق على مار ماروثا التكريتي ( المتوفي عام 649م ) اسم مفريان لأول مرة ، وهكذا اخذت المفريانية تتسلسل منذ ذلك الحين . ومما يجدر بالذكر ان أبرشيات المشرق اتسعت ونمت عبر التاريخ حتى أنها فاقت أبرشيات الكرسي الانطاكي عدداً وشأناً على عهد العلامة مار غريغوريوس يوحنا ابن العبري مفريان المشرق ( 1264 ـ 1286م) كما صرح هو نفسه . ويعتبر ابن العبري من أشهر مفارنة المشرق علماً . وكان مقر الكرسي المفرياني في بدء الأمر في تكريت ، وظل فيها حتى سنة 1089 م فرحل المفارنة بعد ذلك الى الموصل ثم أعيد المقر الى تكريت ثانية حتى سنة 1152م اذ أنتقل الى دير ما متى واحياناً الى برطلة قرب الموصل ثم الموصل .  العادة قديماً عند ارتقاء المفريان الى الكرسي أن يحفظ له اسمه الاسقفي ، ومنذ القرن السادس عشر اصطلح على تسميته بباسيليوس مضافاً الى اسم المفريان الشخصي . وقد الغيت رتبة المفريانية سنة 1860 بقرار مجمعي بعد وفاة المفريان مار باسيليوس بهنام الرابع الموصلي .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;استئناف رتبة المفريانية &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;في 21 آيار سنة 1964 استأنفت رتبة المفريانية وصار مقرها في الهند وذلك بقرار من مجمع كوطيم ، في جنوب الهند ، الذي عقد برئاسة البطريرك مار اغناطيوس يعقوب الثالث ، وعضوية مطارنة السريان في الهند والمطارنة الثلاثة الذين رافقوا قداسته من الشرق الأوسط ، وكان كاتب هذه السطور أحدهم ، وقرر المجمع على أن تكون الهند وشرقيها المنطقة التي يرأسها المفريان ومفريان الهند اليوم هو غبطة مار باسيليوس بولس ، والمفريان ينتخب من المجمع المقدس في الهند ويرسمه قداسة البطريرك . وهو يمثل الكنيسة السريانية في الهند بالاشتراك بمجمع انتخاب البطريرك ورسامته .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;انقسامات في الكرسي الانطاكي &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;طرأت على الكرسي الانطاكي عبر التاريخ حوادث مؤلمة قسمت أتباعه الى فرق عديدة وأضعفته ، ولا بد لنا في هذه العجالة من أن نلم ببعض هذه الحوادث . فمنذ سنة 330م والى سنة 360 م اغتصب الكرسي ستة اريوسيين ، ثم تبوأه القديس ملاطيوس الى سنة 381م ثم فلابيانس الأول وفي عهدهما رأس فئة ارثوذكسية الاسقف بولينوس ثم اوغريوس (362 ـ 394) وفي أثناء نفي ملاطيوس قام دخيلان اريوسيان وزعيم شرذمة ابو لينارية ودام هذا الشقاق حتى سنة 412م فلما اعتلى مار الكسندروس الكرسي وحّد صفوف الارثوذكسيين . أما الإنقسامات التي مزقت جسم الكنيسة السريانية وشعبها الى فرق عديدة وكنائس شتى فهي كالآتي : في سنة 431م شجب مجمع افسس تعليم نسطور بطريرك القسطنطينية الذي زعم بأن السيد المسيح هو اقنومان وطبيعتان . وتحزب له يوحنا بطريرك انطاكية وحذا حذو هذا خلفه دمنوس وهو ابن شقيقته . غير أن مجمع افسس الثاني 449م حطه من رتبته وأقام بدلاً منه مكسيموس . ولاقت تعاليم نسطور قبولاً لدى بعض السريان في المملكة الفارسية واطراف سورية وفلسطين وجزيرة قبرص ، فتألفت منه كنيسة انسلخت من الكرسي الانطاكي سنة 498م واقامت لها رئيساً أطلق على نفسه لقب ( جاثليق ) وكان أول جاثليق اسمه باباي وجعل مقره في سلوقية القريبة من المدائن كما مر بنا ونقل مقره سنة 762م الى بغداد وفي أوائل القرن الخامس عشر نقلوه الى القوش وسنة 1561م الى أرمية .ولما انقسمت الكراسي الاربعة الكبرى الى اثنين كما مر بنا على اثر مجمع خلقيدونية عام 451م ، عمت الفوض النظام الكنسي وبدأ التدخل في الأبرشيات بطريقة لا شرعية ، واعتبر الاصطياد في الماء العكر مكسباً عظيماً ، واستطاع الكرسي الروماني أن يكسب مطراناً نسطورياً هو طيمثاوس مطران قبرص الذي انضم الى الكنيسة الكاثوليكية سنة 1445م مع فئة من كنيسته السابقة فأعلن البابا الروماني اوجانيوس الرابع بأنه (( لا يجوز من الآن فصاعداً أن يعامل هؤلاء السريان الراجعون من النسطرة كهراطقة ، ويجب أن يسموا بعد اليوم كلداناً )) وسنة 1450م عاد هؤلاء الى كنيستهم الأولى . وعلى أثر الخلاف الشديد الذي جرى في كنيستهم الأولى بسبب بطريركها عقد مجمع في الموصل وانسلخ عن شمعون قسم كبير من الشعب انضموا الى الكرسي الروماني سنة 1553م ورسم لهم البابا يوليوس الثالث بطريركاً هو يوحنا سولاقا ، ولم يثبت هذا الانسلاخ طويلاً إذ أن البطريرك يوحنا سولاقا قتل سنة 1555م وقطعت العلاقة مع الكرسي الروماني ثم توحدت الرئاسة سنة 1830م في عهد البطريرك يوحنا هرمزد ، اذا كان البابا لاون الثاني عشر قد أبطل سنة 1827 تمييز بطريركية آمد من بطريركية بابل ، واقتصر على بطريرك واحد يجلــس في الموصل ويدعى بطريـرك بابــل . ونصب في أواسـط القـــرن التاسع عشر البطريرك يوسف أودو ويتصف بمحبة الكنيسة الشرقية وتقاليدها العريقة . ونعود الى الكرسي الانطاكي في مركزه فنراه منذ عهد مكسيموس سنة 449م وحتى سنة 512م قد اغتصبه بطاركة تبعوا عقيدة مجمع خلقيدونية وآخرون متذبذبون ، واشتهر في هذه الفترة العصيبة مار بطرس الثاني المعروف بالقصار . وفي سنة 512م نصب مار سويريوس بطريركاً على انطاكية خلفاً لفلبيانس الذي عزله المجمع الانطاكي لتذبذبه في المعتقد ، ودبر مار سويريوس الكرسي بأمن وسلام حتى سنة 518م اذ توفي الامبراطور انسطاس الارثوذكسي وخلفه يوسطينوس الأول المؤيد لمجمع خلقيدونية الذي نفى في تلك السنة معظم الأساقفة الارثوذكسيين ومن جملتهم مار سويريوس الذي انتقل الى جوار ربه بمنفاه في مصر سنة 538م وخلفه مار سرجيس وهكذا لم تزل البطريركية الانطاكية السريانية متسلسلة الى يومنا هذا . وانتهز اتباع المجمع الخلقيدوني فرصة نفي مار سويريوس واقاموا منهم بطاركة أشهرهم أفرام الآمدي ومن هنا أي من سنة 518م تبدأ سلسلة البطاركة البيزنطيين وهم ( الروم الاثوذكس) وكان اغلبهم سريانا ً، وفيهم قسم من الجاليات اليونانية . وقد أطلق عليهم لقب الملكيين أي أتباع الملك ، لاتباعهم عقيدة مجمع خلقيدونية التي تبناها الملك عصرئذ . وكانوا يستعملون الطقس السرياني وفي القرنين العاشر والحادي عشر استبدلوه بالطقس اليوناني ، ولعدم معرفتهم اللغة اليونانية ترجموه الى لغتهم السريانية ، وفي الأجيال المتأخرة بعد تعلمهم اليونانية استعملوا الطقس اليوناني باليونانية والعربية ، وجمعوا الكتب السريانية في خزانة دير السيدة في قرية صيدنايا بالقرب من دمشق وأحرقوها. في القرن السابع حدث خلاف بين اتباع المجمع الخلقيدوني في منطقة الكرسي الانطاكي ، بسبب ظهور تعليم المشيئة الواحدة والمشيئتين في المسيح ، وانفصل على أثرها الرهبان الموارنة في لبنان وأقاموا لهم بطريركية خاصة ، وفي القرن الثاني عشر انضموا الى الكرسي الروماني وسموا بطريركيتهم ببطريركية انطاكية . وفي أوائل القرن الثامن عشر حدث خلاف اخر في صفوف الروم الارثوذكس ادى الى ترك بعضهم بطريركيتهم واتباعهم الكرسي الروماني وأقاموا لهم بطريركية خاصة دعوها ببطريركية انطاكية واطلقوا على أنفسهم اسم الروم الكاثوليك . وتشعبت ايضا البطريركية السريانية الانطاكية ، ففي أوائل القرن السابع عشر خرجت عنها في حلب فئة بتحريض الرهبان الكبوشيين وبمساعدة قنصل فرنسا ، وقصدوا مطراناً مارونياً سنة 1657م فرسم لهم القس اندراوس اخيجان الارمني المارديني الأصل اسقفاً نادوا به بطريركاً بعدئذ ، وبه تبتدئ سلسلة بطاركة السريان الكاثوليك . وفي الربع الأخير من القرن الثامن عشر انضم قسم من السريان الاثوذكس في العراق إلى الكرسي الروماني وذلك بدهاء القنصل الفرنسي الذي كان يشير على الحاكم العثماني في الموصل لتثقيل كواهل المسيحيين بالضرائب الباهضة ومن جهة اخرى كان يبث المرسلين الدومنكيين بين المسيحيين السذج يرغبونهم في طلب حماية فرنسا كي يتخلصوا من تلك الضرائب شريطة ان يخضعوا فقط لبابا روما ، وهكذا دخلت الكثلكة العراق وكان أهل قره قوش أول من اعتنقها سنة 1761م وبعد أواسط القرن التاسع عشر امتدت الى برطلة فالموصل مار يعقوب البرادعي عندما بطش قياصرة البيزنطيين برجالات الكنيسة السريانية الاثوذكسية وقتلوا بعضاً ونفوا آخرين ومات غيرهم من شدة الاضطهاد وتشرد غيرهم ، لم يبق للكنيسة السريانية سنة 544م سوى ثلاثة مطارنة . في هذه الفترة العصيبة قيض الله للكنيسة رجلاً هماماً هو مار يعقوب البرادعي الذي قصد القسطنطينية فاستقبلته بإحترام الملكة تيودورة ابنة قسيس منبج السرياني وزوجة الامبراطور جوستينيان التي كانت تخدم أساقفة الكنيسة المنفيين وتساعدهم في ضيقهم . وبهمتها رسم مار يعقوب مطراناً عام سنة 544م على يد مار تيودوسيوس بطريرك الاسكندرية الذي كان آنذاك منفياً في القسطنطينية ، واشترك معه بالرسامة ثلاثة أساقفة كانوا في السجن . فشمر مار يعقوب عن ساعد الجد وجال متفقداً الكنائس ومثبتاً المؤمنين ورسم سبعة وعشرين مطرانا ً، ومئات الكهنة والشمامسة ، وانتقل الى جوار ربه في 30 تموز سنة 578م وعيد له الكنيسة . وهكذا صمدت الكنيسة السريانية الأرثوذكسية أمام عاصفة الاضطهاد البيزنطي وحافظت على الايمان الرسولي المؤيد من المجامع المسكونية الثلاثة . وبقي كرسيها الانطاكي متحداً مع الكرسي الاسكندري حتى اليوم مشتركين بالايمان الواحد والعقيدة الواحدة ومعهما الأرمن الأرثوذكس وأتباع الكنيسة السريانية الارثوذكسية في الهند والكنيسة الاثيوبية . وقد سمى البيزنطيون في معجمهم السابع في القرن الثامن للميلاد الكنيسة السريانية الاثوذكسية بـ ( اليعقوبية ) نسبة الى مار يعقوب البرادعي . وغايتهم من هذا النعت الدخيل النيل من كرامة هذه الكنيسة العريقة التي هي سريانية أي مسيحية أرثوذكسية ، وليس مار يعقوب سوى أحد أبائها الميامين فهو ليس بمؤسسها ، كما أنه لم يأتها بعقيدة مستحدثة ، لذلك تستنكر بشدة هذا النعت الدخيل . ولابد أن نذكر أيضا ان الكنيسة السريانية الاثوذكسية تستنكر تسمية (المونوفيزيقية) التي هي ( الاوطاخية ) المعتقدة باستحالة الطبيعة الناسوتية في السيد المسيح الى الطبيعة الالهية وامتزاجها بها وتبلبل خواصها . والكنيسة السريانية الاثوذكسية تنبذ اوطاخي وتعاليمه وتطبع على غرار مار كيرلس الاسكندري بالاعتقاد أن السيد المسيح كامل بالناسوت وكامــل باللاهوت ولــه طبيعة واحدة مــن طبيعتين متحدتين بدون اختــلاط ولا امتزاج ولا استحالة .&lt;br/&gt;الكنيسة السريانية الارثوذكسية اليوم يربو عدد ابنائها على مليوني نسمة ، تقطن الاغلبية الساحقة منهم في الهند ، والباقي ينتشرون في سورية ، ولبنان ، والعراق ، والأردن ، وتركيا ، ومصر ، واوربا ، والامريركتين ، واوستراليا . ويعتبر البطريرك الأب العام لجميع السريان الارثوذكس في العالم . تجب طاعته على المطارنة والاساقفة والكهنة والرهبان والشمامسة والشعب قاطبة . وينادى باسمه قبل اسم الجاثليق في الهند ، والمطارنة في سائر الأبرشيات في أثناء القداس الالهي وفي ختام الصلوات اليومية وفي الاحتفالات الدينية والخدمات الكنسية ، كالرسامات . لقبه قداسة الحبر الأعظم مار اغناطيوس ( فلان) بطريرك انطاكية وسائر المشرق والرئيس الأعلى للكنيسة السريانية الاثوذكسية الجامعة ، ( في العالم ) . ومن حقوقه الدينية ، رسامة الجاثيليق والمطارنة والأساقفة المنتخبين شرعاً . وتقديس الميرون ، على أن يعاونه في ذلك على الأقل اثنان من المطارنة . كذلك له حق عقد المجامع ، وهو رئيس المجمع المقدس ( السنودوس ) ولا يمكن عزله الا اذا ابتدع بدعة في الدين المسيحي والايمان الارثوذكسي المقرر من المجامع المسكونية الثلاثة ( نيقية والقسطنطينية وافسس ) وتعاليم الآباء القديسين ، أو خالف قوانين الكنيسة أو أصيب بمرض عقلي لا يمكن شفاؤه او ساءت سيرته . والبطريرك مسؤول تجاه المجمع المقدس المؤلف من مطارنة الكرسي الرسولي الانطاكي كافة الذي يعتبر السلطة العليا في الكنيسة ، ففيه يتم انتخابه ، وتنصيبه ، واقرار انتخاب المطارنة والاساقفة ، والتحقيق معهم ومحاكمتهم في حالة مخالفتهم العقيدة والقوانين البيعية ، ونقلهم من أبرشية الى اخرى ، وعزلهم ، وقبول استعفائهم ، وكذلك تأسيس ابرشية جديدة ، أو الغائها ، ويعتبر اجتماع المجمع المقدس قانونياً اذا اجتمع فيه ثلثا المطارنة وتتخذ قراراته بالاكثرية وتعتبر نافذة بعد تصديق البطريرك عليها . تتألف الكنيسة اليوم من أربع وعشرين أبرشية ، عشر منها في الهند والباقي في البلاد الأخرى . ويرأس كلاً من هذه الأبرشيات مطران يدير شؤونها الروحية ، ويرسم لها الكهنة والشمامسة والرهبان ويكرس المذابح والهياكل ، ويقدس الزيت المقدس للعماد ويسن القوانين المحلية التهذيبية لخير أبرشيته وله مجلس كهنوتي ومجالس محلية واستشارية . وتحافظ الابرشيات على الإيمان الارثوذكسي وتتمسك بالتقليد الرسولي القديم وتمارس الطقوس البيعية باللغة السريانية الى جانب اللغات المحلية . لقد كان لهذه الكنيسة في الأزمنة الماضية مئات الاديرة ، بقي منها اليوم عدد ما زال عامراً ، اشهرها في الشرق الأوسط :&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;1- دير مار متى قرب الموصل في العراق . ودير مار كبرئيل في طورعبدين ـ تركيا ويعود تاريخهما الى القرن الرابع للميلاد .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; 2- ودير مار حننيا ( الزعفران ) في ماردين ـ تركيا الذي اسس في القرن الثامن للميلاد . وفي كل من الديرين الاخيرين مدرسة اكليريكية ابتدائية .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;3- ودير مار مرقس في القدس الذي يعد من مفاخر المسيحية اذ هو (( العلية )) التي أكل فيها السيد المسيح الفصح مع تلاميذه حسبما ظهر من رقيم اكتشف في كنيسة الدير سنة 1940 م يعود تاريخ كتابته السريانية الى ما قبل القرن السادس للميلاد ، جاء فيه ما ترجمته (( هذا هو بيت مريم أم يوحنا الذي يدعى مرقس )) . وللكنيسة معهد لاهوتي في العطشانة ـ لبنان ، ومعهد اخر في الهند يتخرج فيهما اكليروسها . والكنيسة السريانية الارثوذكسية اليوم آخذة بالنمو ، والتقدم والازدهار ، قال فيها احد مؤرخي الروم الارثوذكس ما يأتي : (( السريان شعب نشيط ، عامل ، مقتصد ، لذلك قلما ترى فيه متسولاً . وبالرغم عن الأزمات الشديدة التي مرت به ما برح محافظاً على مركزه الاقتصادي لحبه الدأب في العمل وبعده عن تقليد الغربيين بالاسراف والبذخ )) . وقال مؤرخ بحاثة من الكنيسة الاسقفية في القرن الماضي ، ما يأتي : (( ليس من الصعب على العناية الربانية ان يمد هذا الشعب جذوره في الارض ثانية ويحمل ثماراً كثيرة اذ قد تحرر من سيطرة عقيدة غريبة ، وسطوة أجنبية ، ومن الظلم والاضطهادات القاسية التي احتملها لمدة طويلة . فهو في الوقت الحاضر مع كل ضعفه يمثل الكنائس القديمة التي كانت في عصر غابر نضرة في شرق البلاد وجنوبها )) . والكنيسة السريانية الارثوذكسية عضو في مجلس الكنائس العالمي ، انضمت اليه عام 1960 . وهي عضو في المجالس الكنسية المحلية ، وتتعاون مع سائر الكنائس المسيحية ، وتشترك في الحوار اللاهوتي المسكوني على النطاق الرسمي والخاص .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;الخاتمة &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;هذه صورة صادقة ، قد تكون غير متكاملة ، رسمتها لكنيسة انطاكية . كنيسة الشرق الاصيلة ذات الشخصية المعنوية الكاملة من حيث الايمان والعقيدة والليتورجية والخدمة ونشر البشارة الانجيلية الى أقصى الشرق . الكنيسة التي مزقت الانقسامات جسمها . وكلي أمل أن نرجع الى مصادر تاريخها وندرس بإمعان أسباب تفكك أعضائها وتمزق شملها ، والنفور الذي دب في صفوفها فتعددت أسماؤها واختلفت اتجاهاتها . وبالصلاة ، والحوار ، يلم شعثها ، ويداوي جرحها ، وتعود شركة بالايمان بين فرقها فتزول الحروم واللعنات وتحل البركات ، وتتحقق وحدتها كما كانت فجر المسيحية وفق روح الانجيل القائل : (( ان يكون الجميع واحداً )).&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;</description>
    </item>
    <item>
      <title>الدولة العاشرة &#13; المنتقلة إلى ملوك المغول &#13;&#13;  غريغوريوس ابن العبري </title>
      <link>http://www.syriacstudies.com/AFSS/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A3/Entries/2009/9/27_%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D8%B4%D8%B1%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%AA%D9%82%D9%84%D8%A9_%D8%A5%D9%84%D9%89_%D9%85%D9%84%D9%88%D9%83_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D9%88%D9%84_%D8%BA%D8%B1%D9%8A%D8%BA%D9%88%D8%B1%D9%8A%D9%88%D8%B3_%D8%A7%D8%A8%D9%86_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%B1%D9%8A.html</link>
      <guid isPermaLink="false">53334b3a-db6b-4b71-aaf5-ae0b74c939ca</guid>
      <pubDate>Sun, 27 Sep 2009 19:04:46 -0400</pubDate>
      <description> &amp;quot; هولاكو بن تولي خان &amp;quot;&lt;br/&gt; و لما ملك هولاكو بغداد و رتب بها الشحاني و الولاة أنفذ بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل إليه ابنه الملك الصالح اسمعيل و معه جماعة من عسكره نجدةً له . فأظهر له هولاكو عبسة و قال : أنتم بعد في شك من أمرنا و مطلتم نفوسكم يوماً بعد يوم و قدمتم رجلاً و أخرتم أخرى لتنظروا من الظافر بصاحبه فلو انتصر الخليفة و خذلنا لكان مجيئكم إليه لا إلينا . قل لأبيك : لقد عجبنا منك تعجباً كيف ذهب عليك الصواب و عدل بك ذهنك عن سواء السبيل و اتخذت اليقين ظناً و قد لاح لك الصبح فلم تستصبح . فلما عاد الصالح إلى الموصل و بلغ أباه ما حمل من الرسالة الزاجرة أيقن بدر الدين أن المنايا قد كشرت له عن أنيابها و ذلت نفسه و هلع هلعاً شديداً و كاد يخسف بدره و يكسف نوره . فانتبه من غفلته و أخرج جميع ما في خزائنه من الأموال و اللآلئ و الجواهر و المحرمات من الثياب و صادر ذوي الثروة من رعاياه و أخذ حتى حلي حظاياه و الدرر من حلق أولاده و سار إلى طاعة هولاكو بجبال همذان . فأحسن هولاكو قبوله و احترمه لكبر سنه و رق له و جبر قلبه بالمواعيد الجميلة و استأمن إليه و داعبه و قدمه إلى أن أصعده إليه على التخت و أذن له أن يضع بيده في أذنيه حلقتين كانتا معه فيهما درتان يتيمتان . و أقام في خدمته أياماً ثم عاد إلى الموصل مسروراً مبروراً بل مذعوراً مما شاهد من عظمة هولاكو و هيبته و دهائه .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وفيها توجه الأشرف بن الملك الغازي بن الملك العادل صاحب ميافارقين إلى الملك الناصر صاحب حلب يطلب منه نجدة ليمنع المغول من الدخول إلى الشام . فاستخف برأيه و لم يسمع مشورته بل سوفه بكلام و سرحه من عنده بالأمان . و لما وصل إلى ميافارقين مدينته طرد شحاني المغول منها و صلب رجلاً قسيساً كان قد وصل إليه من خدمة قاان باليراليغ و البوايز . و بينما هو كذلك أدركته عساكر المغول و أحاطت بمدينته و في رأس العسكر يشموت بم هولاكو . و في يوم و ليلة بنى المغول حول مدينته سوراً و حفروا خندقاً عميقاً ثم نصبوا عليها المنجنيقات و ابتدأوا بالقتال و قاتلوا قتالاً شديداًمن الجانبين . و لما راى المغول أن المدينة لم يمكنهم أخذها بالقتال أبطلوا القتال و حاصروها و منعوا الناس من الدخول إليها و الخروج عنها .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;و في سنة سبع و خمسين و ستمائة أرسل هولاكو إيلجية إلى الملك الناصر صاحب حلب برسالة يقول فيها : يعلم الملك الناصر أننا نزلنا بغداد في سنة ست و خمسين و ستمائة و فتحناها بسيف الله تعالى و أحضرنا مالكها و سألناه مسئلتين فلم يجب لسؤالنا فلذلك استوجب منا العذاب كما قال في قرآنكم أن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم . و صان المال . فآل الدهر به إلى ما آل . و استبدل النفوس النفيسة .بنقوش معدنية خسيسة . و كان ذلك ظاهر قوله تعالى : وجدوا ما عملوا حاضراً . لأننا قد بلغنا بقوة الله الإرادة . و نحن بمعونة الله في الزيادة . و لا شك أن نحن جند الله في أرضه خلقنا و سلطنا على من حل عليه غضبه . فليكن لكم في ما مضى معتبر . و بما ذكرناه و قلناه مزدجر . فالحصون بين أيدينا لا تمنع . و العساكر للقائنا لاتضر و لا تنفع . و دعاؤكم علينا لا يستجاب و لا يسمع . فاتعظوا بغيركم . و سلموا إلينا أموركم . قبل أن ينكشف الغطا . و يحل عليكم الخطا . فنحن لا نرحم من شكا . و لا نرق لمن بكا . قد أخربنا البلاد . و أفنينا العباد . و أيتمنا الأولاد . و تركنا في الأرض الفساد . فعليكم بالهرب . و علينا بالطلب . فما لكم من سيوفنا خلاص . و لا من سهامنا مناص .فخيولنا سوابق . و سهامنا خوارق . و سيوفنا صواعق . و عقولنا كالجبال . و عددنا كالرمال . فمن طلب منا الأمان سلم . و من طلب الحرب ندم . فإن أنتم أطعتم أمرنا و قبلتم شرطنا كان لكم ما لنا و عليكم ما علينا . و إن أنتم خالفتم أمرنا و في غيكم تماديتم فلا تلومونا و لوموا أنفسكم . فالله عليكم يا ظالمين فهيئوا للبلايا جلباباً . و للرزايا أتراباً . فقد أعذر من أنذر . و أنصف من حذر . لأنكم أكلتم الحرام و خنتم بالإيمان . و أظهرتم البدع و استحسنتم الفسق بالصبيان . فابشروا بالذل و الهوان . فاليوم تجدون ما كنتم تعلمون . سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون . فقد ثبت عندكم أننا كفرة . و ثبت عندنا أنكم فجرة . و سلطنا عليكم من بيده الأمور مقدرة . و الأحكام مدبرة .فعزيزكم عندنا ذليل . و غنيكم لدينا فقير . و نحن مالكون الأرض شرقاً و غرباً . و أصحاب الأموال نهباً و سلباً . و أخذنا كل سفينة غصباً . فميزوا بعقولكم طرق الصواب قبل أن تضرم الكفرة نارها . و ترمي بشرارها . فلا تبقي منكم باقية . و تبقى الأرض منكم خالية . فقد أيقظناكم . حين راسلناكم . فسارعوا إلينا برد الجواب بتةً . قبل أن يأتيكم العذاب بغتةً . و أنتم تعلمون . فطلبه ليحضر عنده . و لما شاور الأمراء لم يمكنوه من المشي إلى هولاكو و بقي متحيراً خائفاً مذعوراً لم يدر ما يصنع . غير أنه استجار الله و سير ولده الملك العزيز و صحبته الأموال الكثيرة و الهدايا و التحف . و بقي هناك من أوائل الشتاء إلى الربيع ثم عاد إلى أبيه قائلاً : قد قال ملك الأرض : نحن للملك الناصر طلبنا لا لولده فالآن إن كان قلبه صحيحاً معنا يجيء إلينا و إلا فنحن نمشي إليه . فلما سمع الملك الناصر ذلك بقي متردداً في رأيه لأن الأمراء لم يمكنوه من المشي إليه و هو فقد وقع عنده الخوف و الجزع و لم يطمئن على القعود . ثم سير هولاكو في طلب سلطان الروم عز الدين و أخيه ركن الدين فأطاعاه و مشيا إليه و أحسن قبولهما و التقاهما مرحباً بهما فرحاناً و تقدم إليهما بأن عز الدين يتملك على قيسارية إلى تخوم إرمينية الكبرى و ركن الدين يتملك من اقسرا و إلى ساحل البحر حدود الافرنج . ثم أنه بعد ذلك توجه إلى الشام و توجها في خدمته إلى قريب الفرات و عادا إلى بلادهما مسرورين مغبوطين . و في هذه السنة توفي السلطان الملك الرحيم بدر الدين أبو الفضائل لؤلؤ صاحب الموصل في عشرين يوماً مضت من شهر تموز و تولى ولده الملك الصالح اسماعيل الموصل و ولده علاء الدين سنجار و ولده سيف الدين الجزيرة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;في سنة ثماني وخمسين و ستمائة دخا هولاكو إلخان الشام و معه من العساكر أربعمائة ألف و نزل بنفسه على حران و تسلمها بالأمان و كذلك الرها و لم يدن لأحدٍ فيهما سوء . و أما أهل سروج فإنهم أهملوا أمر المغول فقتلوا عن أقصاهم . و تقدم هولاكو فنصب جسراً على الفرات قريباً من مدينة ملطية و آخر عند قلعة الروم وآخر عند قرقيسياء و عبرت العساكر جملتها و قتلوا عند منبج مقتلة عظيمة . ثم تفرقت العساكر على القلاع و المدن .و نفر قليل من العسكر طلب حلب فخرج إليهم الملك المعظم ابن صلاح الدين الكبير فالتقاهم و انكسر قدام المغول و دخل المدينة منهزماً . و طرفٌ منهم وصل إلى المعرة و خربوها . و تسلموا حماة بالأمان و حمص أيضاً . فلما بلغ ذلك الملك الناصر أخذ أولاده و نساءه و جميع ما يعز عليه و توجه منهزماً إلى برية الكرك و الشوبك . و عندما وصلت المغول إلى دمشق خرج أعيانها إليهم و سلموها لهم بالأمان و لم يلحق بأحد منهم أذىً . و اما هولاكو فإنه بنفسه نزل على حلب و بنى عليها سيباً و نصب المنجنيقات و استضعف في سورها موضعاً عند باب العراق و أكثر القتال و الزحف عليه . و في أيام قلائل ملكوها و دخلوها يوم الأحد الثالث و العشرين من كانون الثاني من هذه السنة و قتل فيها أكثر من الذي قتل ببغداد . و بعد ذلك أخذوا القلعة في أسرع ما يكون وقتاً . ثم أن هولاكو رحل عنها و أحاط بقلعة الحارم و اختار أن يسلموها إليه و يؤمنهم على أنفسهم فلم يطمئنوا إلى قوله و إنما طلبوا منه رجلاً مسلماً يحلف لهم و يكون صاحب شريعة يطمأن إليه حيث يحلف لهم بالطلاق و المصحف أن لا يدنو لأحد منهم سوء و ينزلوا و يسلموا إليهم القلعة . فسألهم هولاكو : من تريدون أن يحلف لكم . قالوا : فخر الدين الوالي بقلعة حلب فإنه رجل صادق مؤمن خير . فتقدم هولاكو إليه فدخل إليهم و حلف لهم على جميع ما يريدون . فحينئذٍ فتحوا الأبواب و نزل الناس خلائق كثيرة و تسلم المغول القلعة . ثم أن هولاكو تقدم بقتل فخر الدين الوالي أولاً ثم بقتل جميع من كان في القلعة من الصغار و الكبار الرجال منهم و النساء حتى الطفل الصغير في المهد . و رحل هولاكو من هناك عائداً إلى البلاد الشرقية . و رتب في الشام أميراً كبيراً يسمى كتبوغا و معه عشرة آلاف فارس من العسكر . و لما وصل إلى تل باشر وصلت العساكر التي حاصرت ميافارقين و معهم الأشرف صاحبها و أنهوا أنهم أخذوها و قتلوا كل من فيها و لم يتخلف فيها إلا أنفار قليلة لأنهم هلكوا جوعاً و ماتوا . و لولا ذلك لم يتمكن المغول من أخذها . و قتل الأشرف صاحبها و بعد ذلك ندم هولاكو على قتله . ثم أنه ولى عليها رجلاً أميراً من أمراء الأشرف يسمى عبد الله . و لما وصل هولاكو قريب ماردين سير يطلب صاحب ماردين إليه . فأبى و لم ينزل إليه . بل سير ولده مظفر الدين لأنه كان في خدمة هولاكو هو و الملك الصالح ابن السلطان بدر الدين لما كان بالشام . قال له هولاكو : تصعد إلى أبيك و تقول له ينزل إلينا و لا يعصي و إن عصى لم يصب خيراً . و لما صعد إلى أبيه و خاطبه لم يقنع بأنه لم يسمع مشورته بل قيده و حبسه عنده . فعند ذلك أحاطت المغول بماردين و ابتدأوا بالقتال و لولا أن وقع فيها الوباء و الموت و مات السلطان و أكثر أهلها لما أخذوها لا في سنتين و لا في ثلاثة . و لما مات السلطان نزل ابنه الملك المظفر و سلم إليهم القلعة و الخزائن و الأموال . و تحقق عند ملك الأرض هولاكو ما جرى عليه من أبيه فلأجل ذلك أكرمه و أحسن إليه و ملكه موضع أبيه . و كتبوغا كبير عسكر المغول الذي نزل بالشام لم يزل يستفحص عن أخبار الملك الناصرالمنهزم في البراري حتى عرف موضعه و سير عليه بعض العسكر فلزموه و سيروه إلى هولاكو . و لما مثل بين يديه فرح به و وعده بكل خير و جميل و أنه يعيده إلى ملكه و هو يومئذٍ نازل بجبال الطاق . فبينما هم في ذلك وصل خبر أن قوتوز التركماني الذي تولى مصر لما بلغه أن هولاكو رجع إلى المشرق و كتبوغا بعشرة آلاف فارس في الشام استضعفه و جمع عسكراً كثيراً و خرج التقى به و كسره و قتله و استأسر أولاده و كان ذلك في السابع و العشرين من رمضان من سنة ثماني و خمسين و ستمائة . فغضب هولاكو لذلك و تقدم بقتل الملك الناصر و قتل أخيه الملك الظاهر و جميع من معهم .و لم يخلص منهم غير محيي الدين المغربي بسبب أنه&lt;br/&gt;كان يقول إنني رجل أعرف بعلم السماء و الكواكب و التنجيم و لي كلام أقوله لملك الأرض . قال محيي الدين المذكور لما اجتمعنا به في مدينة مراغة : إنني لما قلت لهم هذا الكلام أخذوني و أحضروني بين يدي هولاكو فتقدم أن يسلموني إلى خواجا نصير الدين . و حكى لنا صورة ما جرى للملك الناصر قال : كنت في خدمته يوم الأربعاء عشرين شوال و هو يسألني عن مولده إذ وصل أمير من المغول و معه نحو خمسين فارساً . فخرج الملك النصر من الخيمة و التقاه و عرض عليه النزول . فامتنع قائلاً : إن هولاكو سيرني و يقول : هذا اليوم لنا فرحة و قد عملنا دعوة و حضر الأمراء كلهم فتحضر أنت و أخوك و أولادك للأمر الذي لك عندنا . فجمع الملك الناصر جماعته مقاربةً عشرين نفراً و ركبوا و ساروا صحبة ذلك الأمير .و بعد ساعة وصل أيضاً عشرون فارساً آخر و قالوا : يحضر الجماعة كلهم و لا يبقى في الخيم غير الفراشين و المماليك الصغار و الطباخين و الغلمان . و باقي الجماعة الخيالة و الكتاب يحضرون في الدعوة . &amp;quot; قال &amp;quot; فأخذونا إلى مواضع أودية عميقة بين حجارة عالية و نزلنا عن الخيل فاحتاط كل واحد منهم بواحد منا و كتفونا . فلما عاينت ذلك بقيت أقول بصوت عالٍ : إنني رجل منجم و أعرف بحركات الكواكب و معي كلام أقوله في خدمة السلطان ملك الأرض . فأخذوني و أقعدوني ورائهم مع جملة أتباعهم و شرعوا بقتل الجماعة و لم يخلص منهم غير ولدي الملك الناصر فاستأسروهما . ثم ركبوا و عادوا إلى البيوت التي للملك الناصر و نهبوها و قتلوا باقي الجماعة التي تخلفت هناك . ثم عرضوا الأمر على هولاكو و أنا صرت في خدمة خواجا نصير الدين في الرصد بمراغة و ابنا الملك الناصر في خدمته .كان يقول إنني رجل أعرف بعلم السماء و الكواكب و التنجيم و لي كلام أقوله لملك الأرض . قال محيي الدين المذكور لما اجتمعنا به في مدينة مراغة : إنني لما قلت لهم هذا الكلام أخذوني و أحضروني بين يدي هولاكو فتقدم أن يسلموني إلى خواجا نصير الدين . و حكى لنا صورة ما جرى للملك الناصر قال : كنت في خدمته يوم الأربعاء عشرين شوال و هو يسألني عن مولده إذ وصل أمير من المغول و معه نحو خمسين فارساً . فخرج الملك النصر من الخيمة و التقاه و عرض عليه النزول . فامتنع قائلاً : إن هولاكو سيرني و يقول : هذا اليوم لنا فرحة و قد عملنا دعوة و حضر الأمراء كلهم فتحضر أنت و أخوك و أولادك للأمر الذي لك عندنا . فجمع الملك الناصر جماعته مقاربةً عشرين نفراً و ركبوا و ساروا صحبة ذلك الأمير .و بعد ساعة وصل أيضاً عشرون فارساً آخر و قالوا : يحضر الجماعة كلهم و لا يبقى في الخيم غير الفراشين و المماليك الصغار و الطباخين و الغلمان . و باقي الجماعة الخيالة و الكتاب يحضرون في الدعوة . &amp;quot; قال &amp;quot; فأخذونا إلى مواضع أودية عميقة بين حجارة عالية و نزلنا عن الخيل فاحتاط كل واحد منهم بواحد منا و كتفونا . فلما عاينت ذلك بقيت أقول بصوت عالٍ : إنني رجل منجم و أعرف بحركات الكواكب و معي كلام أقوله في خدمة السلطان ملك الأرض . فأخذوني و أقعدوني ورائهم مع جملة أتباعهم و شرعوا بقتل الجماعة و لم يخلص منهم غير ولدي الملك الناصر فاستأسروهما . ثم ركبوا و عادوا إلى البيوت التي للملك الناصر و نهبوها و قتلوا باقي الجماعة التي تخلفت هناك . ثم عرضوا الأمر على هولاكو و أنا صرت في خدمة خواجا نصير الدين في الرصد بمراغة و ابنا الملك الناصر في خدمته .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&amp;quot; جلوس قوبلاي قاان على كرسي المملكة &amp;quot; &lt;br/&gt; فمن هذا التاريخ بعض ملوك الخطا تمرد و عصى على المغول لكونه قوي البأس متمكناً في أمره كثير العساكر يحكم على أربعمائة مدينة . و أوجب ذلك أن مونككا قاان بنفسه تهير لملتقى هذا المتمرد فترك أخاه الصغير و هو أريغبوكا مكانه و استصحب أخاه قوبلاي و دخل إلى بلاد الصين . و أول الملتقى اتفق أن أصابه نشابة و مات . فأخذ أخوه قوبلاي العساكر و خرج من بلاد الخطا . ثم وصل إلى خان باليق و أقام هناك . و اتفق عظماؤه و الأكثرون من المغول أن يكون هو موضع أخيه قاان . و أما الأخ الصغير و هو أريغبوكا فقال : إن عند توجه قاان إلى الخطا سلم إليه الملك فهو الأولى أن يكون موضع أخيه بمقتضى الياسا الذي لهم . و حصلت المنازعة و المقاومة بين الأخين لأجل ذلك مدة سبع عشرة سنة إلى أن عجز الأخ الصغير و بطل عزمه و قوي أمر قوبلاي قاان و ظهر منه العدل الحسن و الدراية و التدبير و الكفاية . و إنه كان يحب الحكماء و العلماء و المتدينين من سائر المذاهب و الأمم . و قيل عنه أنه كان قليل المباشرة للنساء بل باعتدال و متوسط التدبير بالشهوات و الشراب و اللذات و اللهو و لم يتناول من اللحوم إلا ألطفها بخلاف باقي الطوائف من المغول .&lt;br/&gt; و أما قوتوز التركماني صاحب مصر بعد ما كسر كتبوغا و تمكن من الشام أقام الشحاني و النواب في حلب و دمشق و سائر بلاد الشام و عاد إلى ديار مصر بحيث أن هناك يجمع العساكر و يشتد و يقوى على ملتقى المغول . و لما وصل قريباً من غزة نهض عليه بيبرز المعروف بالبندقدار الصغير و هو مملوك البندقدار الكبير و قتله و أخذ جماعة و دخل إلى مصر و تسلمها و تمكن و قوي و لقبوه ركن الدين الملك الظاهر و اشتد بأسه و تسلط على جميع المدن و القلاع التي على ساحل البحر للإفرنج . و في سنة تسع و خمسين و ستمائة عاد دخل المغول إلى الشام و في رأس العسكر أمير يسمى كوكالكي و دخلوا إلى قريب حمص و نهبوا و سبوا و قتلوا خلقاً كثيراً و عادوا إلى حلب و كان قد انهزم جميع أهل القرايا إلى حلب فتقدم كوكالكي أن يخرج أهل القرايا و المدن إلى ظاهر البلد و ينعزل أهل كل مدينة و قرية بمعزل بحيث يعدونهم و يسيرون كل قوم إلى مكانهم و وطنهم . و تسلمهم المغول كأنهم يسيرونهم إلى ضياعهم و عندما يبعدون يقولون : أنتم لو كانت قلوبكم معنا صافية لما انهزمتم من قدامنا . فقتلوهم عن أقصاهم و لم يفلت منهم غير أهل حلب بحيث أنهم لم ينتقلوا عن حلب . و عاد المغول خرجوا من الشام ثم عاد المصريون تملكوا الشام .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;و فيها هرب علاء الدين بن بدر الدين لؤلؤ صاحب سنجار إلى مصر . و لما أقام هناك مدة يسيرة كتب إلى أخيه الملك الصالح اسماعيل صاحب الموصل يعرفه قوة البندقدار و عظمته و أشار عليه بترك الموصل و قصده خدمة البندقدار بحيث أنه إذا استولى البندقدار على قهر المغول و أخذ البلاد منهم يكون له اليد البيضاء عنده و يملكه مع الموصل بلاداً أخرى من المشرق . و لما وصل الكتاب إلى الملك الصالح و وقف عليه وضعه تحت طراحته و كان عنده في ذلك الوقت من الأمراء شمس الدين محمد بن يونس الباعشيقي من جملة أمراء أبيه النواب ببلد نينوى . فغافله و أخذ الكتاب من تحت الطراحة و خرج من عنده و لم يلبث حتى وصل إلى قريته باعشيقا . بعد ذلك مد يده ليأخذ الكتاب فلم يجده فوقع عنده أن شمس الدين بن يونس قد أخذ الكتاب و صار عنده القلق العظيم لأجل ذلك و سير القصاد في الحال في طلبه و قد عزم على قتله . و عندما وصل المماليك إليه أشغلهم بالأكل و الشرب و قال لهم : أن هذه الليلة كلوا و اشربوا و عند الصباح نركب إلى خدمة السلطان . و أوصى غلمانه فأكثروا عليهم الشراب و أسكروهم و ناموا . فأخذ شمس الدين بن يونس أولاده و ما يعز عليه و ركب من أول الليل و توجه يقصد أربل و كان له مشورة مع الرؤساء النصارى بناحية برطلي فعبر عليهم و عرفهم أن الملك الصالح قد عزم على قتل جميع أكابر النصارى ببلد نينوىو أنه بعد ذلك يتوجه إلى الشام . و كان قد حصل لهم الشعور بذلك من قبل فصدقوه و تهيروا هم و ما يعز عليهم من أولادهم . و شاع الخبر في جميع النصارى ببلد نينوى فكل من أمكنه العبور إلى اربل سارع بالعبور فعبر أكثر أهل البلد من النصارى و كان ذلك ليلة يوم الخميس .أما المماليك الذين كانوا قد وصلوا إلى شمس الدين بن يونس فلما أصبحوا و صحوا من سكرهم فلم يجدوه فظنوا أنه قد سبقهم بالدخول إلى الموصل إلى الملك الصالح . و لما دخلوا و عرفوا الملك الصالح بما جرى وقع في الجزع و الخوف و قال : لا نأمن أن ابن يونس يمشي يعرف بالقضية المغول و يجيب علينا العساكر و يجيء . فتهير هو و جماعة من الأمراء و الأولاد و أخذوا ما يقدرون عليه مما يمكنهم حمله و خرج من المدينة يوم الجمعة ثاني يوم عبور ابن يونس و النصارى إلى اربل صلى الجمعة و خرج متوجهاً إلى الشام و بطلت عزيمته أنه يخرج هو و العسكر إلى بلد نينوى و يلزم أكابر النصارى و يأخذ أموالهم و يقتلهم ثم يمشي إلى الشام . ثم أنه لما خرج من الموصل وقع الخلف بين أمرائه اموالهم فمنهم من تبعه و منهم من عاد إلى الموصل . و الذين عادوا إلى الموصل كان كبيرهم الأمير علم الدين سنجر . فلما وصلوا إلى الموصل و كانت زوجة الملك الصالح تركان الخوارزمية في المدينة لم تتوجه معه و لا تبعته و كان في الموصل شحنة اسمه ياسان فاتفقوا هم و أتباعهم و غلقوا أبواب الموصل في وجوههم و لم يمكنوهم من الدخول . فنزلوا خارج المدينة و شرعوا يقاتلون أياماً يسيرة . فعند ذلك كان في المدينة رجل اسمه محيي الدين بن زبلاق من كتاب الإنشاء الذين كانوا للسلطان بدر الدين فاتفق هو و جماعة من أهل المدينة و خامروا على تركان خاتون و على الشحاني و فتحوا الأبواب . و لما دخل علم الدين و جماعته هرب الشحنة ياسان و تركان و أتباعهم و تحصنوا في قلعة الموصل . و ثار أهل الموصل على النصارى من الأعوام و نهبوهم و قتلوا كل من وقع بإيديهم و سلم من دخل في دين الإسلام . و أما أكراد الجبال فكان قد قرر معهم الملك الصالح أن يتهيروا و يجمعوا جموعهم و ينزلوا إلى نينوى . و يوم السبت ثاني الجمعة التي خرج الملك الصالح من المدينة نزلوا إلى بلد نينوى و نهبوا النصارى المتخلفين و سبوا و قتلوا . و بينما هم كذلك و ذلك في أيام يسيرة من أيار تلك السنة وقع الخبر أن عسكر المغول قد أقبل من صوب الجزيرة فخرج الأمير علم الدين سنجر و جماعته من الموصل و اجتمع إليه أمراء الأكراد . فلما صادف العسكر قاتلوهم وقاتلوه . و كان في رأس العسكر تورين شحنة الموصل فأحاطوا بعلم الدين سنجر و جميع من معه و قتلوهم عن أقصاهم و لم يفلت منهم إلا الطويل العمر . بعد ذلك بقي أمر بلد الموصل و الموصل مدة مديدة في حيرة . و عند أواخر الصيف تواترت الأخبار بوصول عساكر المغول . و قريب من كانون الأول وصل العسكر و أحاط بالموصل و في رأس العسكر أمير كبير اسمه سمدغو محب للنصارى . و بينما هم قد نزلوا على الموصل وصل الخبر برجوع الملك الصالح من الشام . و لما سمع المغول ذلك تأخروا عن المدينة إلى حين ما دخل إليها ثم عاد المغول أحاطوا بها و بنوا السيبا حولها في ليلة واحدة و ابتدأوابالقتال من داخل و من خارج و كان ذلك من كانون الأول إلى الربيع و قل القوت على أهل المدينة .و سير الأمير سمدغو يخدع الملك الصالح و يعده بالمواعيد الحسنة و بطل القتال و قعدوا قعوداً . و كان في وسط هذه المدة المذكورة وصل عسكر من الشام و مقدمهم أمير اسمه برلوا نجدة للملك الصالح الذي وعد به . فسارع المغول و التقوه عند سنجار و أحاطوا بهم و قتلوهم جميعهم و كسبوا ما معهم من الخيل و السلاح و غير ذلك . بعد ذاك لما صار الأمير سمدغو يخاطب الملك الصالح و يطايبه انخدع و فتح أبواب المدينة و خرج إليهم بالمطربين و الأغاني و المساخرة بين يديه . و حينما مثل بين يدي سمدغو احتاط المغول به و دخل العسكر الموصل و سبوا و نهبوا و قتلوا مدة ثمانية أيام و قتل فيها عالم لا يحصي عددهم إلا الله تعالى . و بعد ذلك قرر الأمير سمدغو في الموصل حاكماً الأمير شمس الدين بن يونس و رحل عنها . و كان قد قتل ولد الملك الصالح علاء الملك صبي حدث أسقوه خمراً كثيراً ثم شدوه و قطعوه وترين في المدينة عند القلعة و صحبوا الملك الصالح إلى هولاكو و قتل هناك .ير اسمه سمدغو محب للنصارى . و بينما هم قد نزلوا على الموصل وصل الخبر برجوع الملك الصالح من الشام . و لما سمع المغول ذلك تأخروا عن المدينة إلى حين ما دخل إليها ثم عاد المغول أحاطوا بها و بنوا السيبا حولها في ليلة واحدة و ابتدأوابالقتال من داخل و من خارج و كان ذلك من كانون الأول إلى الربيع و قل القوت على أهل المدينة .و سير الأمير سمدغو يخدع الملك الصالح و يعده بالمواعيد الحسنة و بطل القتال و قعدوا قعوداً . و كان في وسط هذه المدة المذكورة وصل عسكر من الشام و مقدمهم أمير اسمه برلوا نجدة للملك الصالح الذي وعد به . فسارع المغول و التقوه عند سنجار و أحاطوا بهم و قتلوهم جميعهم و كسبوا ما معهم من الخيل و السلاح و غير ذلك . بعد ذاك لما صار الأمير سمدغو يخاطب الملك الصالح و يطايبه انخدع و فتح أبواب المدينة و خرج إليهم بالمطربين و الأغاني و المساخرة بين يديه . و حينما مثل بين يدي سمدغو احتاط المغول به و دخل العسكر الموصل و سبوا و نهبوا و قتلوا مدة ثمانية أيام و قتل فيها عالم لا يحصي عددهم إلا الله تعالى . و بعد ذلك قرر الأمير سمدغو في الموصل حاكماً الأمير شمس الدين بن يونس و رحل عنها . و كان قد قتل ولد الملك الصالح علاء الملك صبي حدث أسقوه خمراً كثيراً ثم شدوه و قطعوه وترين في المدينة عند القلعة و صحبوا الملك الصالح إلى هولاكو و قتل هناك .&lt;br/&gt; و في سنة إحدى و ستين و ستمائة شخص اسمه زكي الاربلي منادٍ في سوق البهائم قد كان من أجناد الموصل سعى في الأمير شمس الدين بن يونس و قال أنه قد جمع الأموال و الجواهر من خزائن بيت بدر الدين . و ذكر عنه أنه سقاه سماً ليموت و أنه استعان بحكيم نصراني اسمه الموفق النصيبي حتى داواه . و لما سألوا لابن يونس ذلك أنكره فضربوه أشد ضرب ليقر . و بينما هم في ذلك وقع من ثيابه ورقة فيها آية من القرآن . فالساعي فيه و هو الزكي الاربلي قال أنها سحر لأجل المغول . فرسم بقتله . و تولى الموصل الزكي الاربلي موضعه . و في سنة أربع و ستين و ستمائة توفي هولاكو و كان حكيماً حليماً ذا فهم و معرفة يحب الحكماء و العلماء . و بعده بقليل اندرجت طقز خاتون زوجته و كانت أيضاً عظيمة في رأيها و خبرتها .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&amp;quot; اباقا ايلخان &amp;quot;&lt;br/&gt; بعد ذلك اجتمعت الأولاد و الأمراء و الخواتين و اتفقوا على أن اباقاابن هولاكو يقعد على كرسي المملكة لأن عنده العقل و الكفاية و العلم و الدراية . و لما جلس و تمكن كان سعيداً منصوراً في جميع حركاته و سكناته محبوباً من جميع الخلق . و كان قد سير هولاكو طلب ابنة ملك القسطنطينية خطبها لنفسه . فلما أخذها الرسل و خرجوا بها و وصلوا إلى القيسارية بلغهم الخبر بموت هولاكو و لم تتمكن من الرجوع إلى بلادها فوصلت إليه و دخل عليها . و فيها وصل اليرليغ من أباقا إلى بغداد أن علاء الدين صاحب الديوان يكون حاكماً مطلقاً لا يكون فوق يده يد . و كان شحنة بغداد قرابوغا و نائبه اسحق الأرمني يرومان أذيته فانكفأا عنه و صارا يتحيلان له بأذى فحصلا شخصاً أعرابياً و علماه أن يقول عنه أنه سير جاء به من البادية بحيث يكون له دليلاً عندما يريد أن يأخذ ماله و أولاده و ما يتعلق به و يمشي إلى الشام . و أوثقا مع البدوي هذا الكلام . حينئذٍ سيرا احتاطا بدار صاحب الديوان و البدوي يحملانه إلى الاردو . و عندما ضرب البدوي و قرر أقر أن اسحق الأرمني علمه ذلك فقتل البدوي و اسحق .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; و فيها سير البندقدار صاحب مصر إلى حاتم ملك الأرمن بحيث يدخل في طاعته و يحمل الجزية و يمكن الناس من مشترى الخيل و البغال و الحنطة و الشعير و الحديد من بلده و هم أيضاً يخرجون إلى الشام و يتاجرون و يبيعون و يشترون . و ملك الأرمن خوفاً من المغول لم يجب إلى ذلك . فلم يتأخر البندقدار عن إنفاذ العسكر و الركب إلى بلد الأرمن . و حاتم الذي هو ملك الأرمن لما تحقق ذلك خرج إلى بلد الروم يطلب النجدة من أمير المغول هناك يسمى نفجي . فقال له : نحن بلا أمر السلطان اباقا لا يمكن أن نفعل ذلك . و هجم المصريون على بلد الأرمن . و لما لم يكن ملكهم حاضراً اجتمعت أخوته و أولاده و أمراؤه و جمعوا أتباعهم و خرجوا ليمنعوا المصريين من الدخول إلى البلد . و لما التقوهم عند موضع يقال له حجر سروند انكسرت الأرمن و استؤسر ولد الملك حاتم و قتل ولده توروس و انهزم الأمراء و العسكر . و نهبوا و أخربوا بيعة سيس الكبيرة و كان الخراب العظيم في سيس و إياس و أقاموا هناك مدة عشرين يوماً ينهبون و يحرقون و يسبون . و بعد خروجهم من البلد و صل الملك حاتم و قد صحب معه عسكراً من المغول و الروم فما وجدوا أحداً بل البلد خراباً و اشتغلوا بالأكل و الشرب و مدوا أيديهم و جمعوا جميع ما كان قد تخلف من المصريين تمموه هم و الملك مشتغل بالهم و الغم على ما جرى على ولديه و أصحابه و بلده . و كانت المضرة منهم أشد و أصعب . و أما حاتم ملك الأرمن فإنه شرع يخاطب البندقدار في خلاص ولده و يعده بالأموال و المدن و القلاع إلى غير ذلك . فجاوبه : ان نحن ما لنا رغبة في الأموال و المدن و غيرها . و أنما لنا شخص صديق أسير عند المغول يسمى سنقر الأشقر تخلصه و تسيره و تأخذ ولدك . ففعل ذلك و خلص ولده . و ذلك أنه في سنة ثماني و ستين و ستمائة قصد الملك حاتم خدمة ملك الأرض اباقا و بكى لديه و طلب منه سنقر الأشقر ليخلص به ولده . فرحمه و رق لبكائه و قال له : تمشي إلى بلدك تستريح و نحن نطلب هذا سنقر من أي مكان هو فيه و نسيره إليك . فعاد حاتم من خدمة اباقا . و كان أمير من أمرائه سبقه إلى بلده في مهم له فاجتاز به بروانة فاستشار به أنه يريد يخطب لنفسه ابنة الملك حاتم . فأجابه بأن الملك حاتم واصل عقيبنا إليكم فأنتم التقوه و أحسنوا إليه و هو يجيبكم إلى ذلك . و لما وصل الملك حاتم إلى بروانة و قد جمع بروانة أكابره و التقاه أحسن ملتقى و أكرمه و قدم له تقدمات نفيسة إلى أن خجل الملك حاتم بحيث لم يعلم ما الذي أوجب هذا الإسراف في خدمته . فلما أظهر بروانة ما في قلبه أجابه بالسمع و الطاعة و أظهر له الفرح و البشاشة و الغبطة و قرر معه أنه لا يمكن التعريس قبل خلاص أخي البنت فإذا خلص نفعل ذلك إن شاء الله تعالى . و في سنة تسع و ستين و ستمائة وصل سنقر الأشقر من بلاد سمرقند إلى الملك حاتم و هو سيره إلى البندقدار مكرماً و أوهبه و أعطاه . ثم أن البندقدار سير له ولده أيضاً بحرمة عظيمة و خيالة كثيرة . و في هذه السنة حاصر البندقدار مدينة إنطاكية و أخذها و قتل فيها و سبى و أحرق كنائسها المشهورة في العالم . و فيها توجه الملك حاتم إلى اباقا و شكر و دعاله على خلاص ولده من الأسر و استقال من السلطنة و طلب أن يكون ولده موضعه و أنه شيخ عاجز . فقال له : إنه إذا حضر عندنا نحن نملكه . فتوجه إلى بلده و سير ولده إلى عبودية اباقا .له على خلاص ولده من الأسر و استقال من السلطنة و طلب أن يكون ولده موضعه و أنه شيخ عاجز . فقال له : إنه إذا حضر عندنا نحن نملكه . فتوجه إلى بلده و سير ولده إلى عبودية اباقا .&lt;br/&gt; و في سنة سبعين و ستمائة في شهر نيسان تزلزلت الأرض في بلاد الأرمن و خربت قلاع كثيرة و مات فيها مائة ألف نفر من الناس غير الدواب . و في سنة خمس و سبعين و ستمائة نزل اباقا إلى بغداد ليشتي بها و صار غلاء عظيم و مجاعة و عزت الأسعار .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; وفي هذا التاريخ توفي خواجا نصير الدين الطوسي الفيلسوف صاحب الرصد بمدينة مراغة حكيم عظيم &lt;br/&gt;الشأن في جميع فنون الحكمة . و اجتمع إليه في الرصد جماعة من الفضلاء المهندسين . و كان تحت حكمه جميع الأوقاف في جميع البلاد التي تحت حكم المغول . و له تصانيف كثيرة منطقيات و طبيعيات و إلاهيات و أوقليدس و مجسطي . و له كتاب أخلاق فارسي في غاية ما يكون من الحسن جمع فيه جميع نصوص أفلاطون و أرسطو في الحكمة العملية . و كان يقوي آراء المتقدمين و يحل شكوك المتأخرين و المؤاخذات التي قد أوردوا في مصنفاتهم . و كان من الفضلاء في زمانه نجم الدين القزويني منطقي عظيم صاحب كتاب العين . و مؤيد الدين العرضي و فخر الدين المراغي و قطب الدين الشيرازي و محيي الدينالمغربي . و من الأطباء المشهورين فخر الدين الاخلاطي و تقي الدين الحشائشي . و اشتهر هذا في عمل الترياق شهرة عظيمة و إن لم يكن من الأطباء المشتغلين المشهورين و بسفاهته استظهر على باقي الأطباء في هذا الزمان . و بينهم نفيس الدين بن طليب الدمشقي و ولده صفي الدين النصراني الملكي .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; و في هذا التاريخ و هو سنة خمس و سبعين و ستمائة و هي سنة سبع و ثمانين و خمسمائة للإسكندر عزم بندقدار أن يدخل بنفسه إلى بلد الروم لأن كان عنده أقوام قد هربوا من بلد الروم الذين هربوا إلى الشام قد قووا عزمه على ذلك . و لما أحس الملك لاون ابن ملك الأرمن سير إلى أمراء المغول الذين في بلد الروم و عرفهم ذلك و حذرهم . و أما بروانة فإنه بوجهين كان يكذب ملك الأرمن في هذا قوله الأول أنه كان يختار ورود البندقدار إذ له معه وعد . و الثاني لأنه كان يبغض ملك الأرمن و كان يختار أن يزيف قوله . و لما أن الأمراء المغول أهملوا الأمر إذ هاجمهم المصريون و هم سكارى فلم يلحق أحدهم أن يركب فرسه . و أن الياسا الذي لهم أنهم لا يهربون قبل أن ياتقوا العدو .و لما التقوا وقعت الكسرة فيهم و قتل جميع أكابر المغول أحدهم طوغو و الآخر توذان بهادر . و كان مع المغول ثلاثة ألف كرج فوقفوا و بذلوا المجهود فقتل منهم ألفان و تخلف ألف واحد . و قتل أيضاً من عسكر المصريين خلق كثير . و لما حقق بروانة كسرة المغول هرب و تحصن في بعض القلاع . و أما البندقدار فإنه نزل عند القيسارية في موضع سمي كيقوباد و بقي هناك خمسة عشر يوماً و دخل إلى القيسارية مرة واحدة و لم يدن منه لأحد من الرعايا شر و لا كلفهم شيئاً أصلاً و إنما جميع ما يحتاجون إليه كانوا يشترونه مشترىً . وكان يقول : إني ما جئت إلى ههنا لأخرب البلد لكن لأفك صاحبه من الأسر . و أما اباقا ايلخان فحين وصلت إليه الأخبار بذلك غضب غضباً شديداً و جمع العساكر و قصد بنفسه الروم . و لما عرف البندقدار أنه لا يمكنه مقاومته رحل عن بلد الروم و توجه إلى الشام . و لما وصل اباقا إلى بلد الروم لم يجد أحداً من المصريين و في الحال نزل البروانة إليه و لم يره اباقا شيئاً من الغضب و إنما أحسن إليه و أكرمه و أخذه صحبته إلى الطاق لما عاد حيث يستشيره كم يقدر أن يكون في الروم عسكر يقاوم المصريين . و عمل دعوة عظيمة و سقاه من لبن الخيل شيئاً كثيراً لأنه ما كان يشرب خمراً . و فيما هو قد خرج مع البروانة ليريق ماءه أشار اباقا إلى أناس من حوله ليقتلوه فقتلوه و قطعوه قطعاً و كان ذلك في ثاني يوم من شهر آب لتلك السنة . و أما البندقدار فلما قرب من حمص أدركه أجله و مات يقولون أصابه في الحرب مع المغول نشابة في وركه و لم يمكن إخراج النصل منه و بقي أياماً كثيرة و لما أذن للجرائحي أن يخرجه و جاهد في إخراجه مع خروج النصل فارق الدنيا . و آخرون قالوا أن أناساً من جماعته سقوه في لبن الخيل سماً و لما أحس عاد سقى لمن أسقاه منه فماتا اثناهما .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وفي سنة تسع و سبعين و ستمائة لما قام الألفي ليتملك على الديار المصرية و الشام لم يوافق في ذلك سنقر الأشقر . و لما تمكن الألفي و قوي جانبه هرب منه سنقر الأشقر و وصل إلى الرحبة و اتفق هو و أمير بدوي اسمه عيسى بن مهنا و سيرا رسولاً إلى اباقا ايلخان يستدعيانه ليركب إلى الشام و يسلما إليه البلاد الشامية و الديار المصرية . و لما وصلت عساكر المغول إلى الشام خاف سنقر الأشقر منهم على نفسه و لم يلتق بهم بل هرب و تحصن في قلعة صهيون .فوصل المغول إلى حلب و أي موضع صادفوه خربوه . و كان وصولهم إلى الشام في وقت الشتاء من سنة ثمانين و ستمائة و كان مقدمهم قونغرتاي أخو اباقا الصغير و عاد المغول إلى البلاد . و في سنة إحدى وثمانين و ستمائة دخل المغول إلى الشام في خمسين ألفاً و في رأسهم مونكاتمور الأخ الأصغر لأباقا و أخذوا معهم ملك الأرمن بعساكره . و اجتمع عسكر الشام و في رأسهم الألفي و سنقر الأشقر فإنهما اصطلحا في ذلك الوقت على محاربة المغول . و التقى العسكران بين حماة و حمص في يوم الخميس سلخ تشرين الأول لتلك السنة و قوي جانب المغول على جانب الشاميين . و لما قاربوا لينتصروا عليهم نصرة و يهزموهم إذ خرج على المغول كمين العرب من بني تغلب من ميسرتهم فتوهم المغول أن عساكر كثيرة قد أحاطت بهم من قدامهم و من خلفهم و لم يلحق الهرب أصحاب الميسرة مع أهل القلب . و أصحاب الميمنة و فيهم ملك الأرمن مع خمسة آلاف كرج لم يشعروا بالكمين و إنما كسروا المصريين الذين في مقابلتهم و ساقوا خلفهم إلى باب مدينة حمص و قتلوا فيهم خلقاً كثيراً و لم يزالوا إلى أن وصل إليهم الخبر بهرب أصحابهم . فعند ذلك رجعوا و في الرجعة صادفوا جماعة من عسكر المصريين الذين ساقوا خلف أصحابهم الهاربين و عاد بينهم القتال و قتل من الجانبين خلق كثير . و رجعوا و قد حملوا شيئاً كثيراً من الأموال و الخيل و السلاح الذي نهبوا . و لما وصل مونكاتمور إلى الجزيرة و هو قد خرج يومئذٍ من الحمام عملوا سراً مع بعض الشرابدارية و سقوه سماً . و لما أحس بتغير مزاجه توجه نحو نصيبين و قضى نحبه . و أما أهل الجزيرة فإنهم لما شعروا بذلك أدركهم الخوف العظيم و لزموا للصفي القرقوبي و كتفوه و داروا به في أسواق الجزيرة ثم قتلوه .&lt;br/&gt; و أما اباقا ايلخان فإنه توجه نحو بغداد و منها إلى همذان . و في يوم عيد النصارى الكبير لتلك السنة دخل إلى البيعة في تلك المدينة و عيد مع النصارى . و يوم الاثنين ثاني العيد عمل له شخص فارسي اسمه بهنام دعوة عظيمة في داره . و ليلة الثلاثاء تغير مزاجه و صار يرى خيالات في الهواء .و يوم الأربعاء و هو أول يوم من نيسان لتلك السنة و هو العشرون في ذي القعدة انتقل من هذا العالم . و مونكاتمور انتقل يوم الأحد سادس عشر المحرم في بلد الجزيرة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&amp;quot; السلطان أحمد &amp;quot;&lt;br/&gt; و لما توفي اباقا ايلخان اجتمع الأولاد و الأمراء و حصل الاتفاق بينهم أن أحمد بن هولاكو من قوتاي خاتون يصلح للتدبير و المملكة و أنه مستحق لهذا الملك و هو أولى به و الطريق له بعد اباقا . و لما جلس على كرسي المملكة يوم الأحد الحادي و العشرين من حزيران لتلك السنة سنة إحدى و ثمانين و ستمائة و عنده الكفاية و الدراية و الكرم أخرج من الخزائن و الأموال شيئاً كثيراً و قسم على الأولاد و الأمراء و العساكر و أظهر الإحسان و الشفقة إلى جميع المغول و إلى الأمم الباقية و خصوصاً إلى أكابر النصارى . و أرسل الرسل إلى سلطان مصر بسبب الصلح و كتب إليه رسالة هذه نسختها : بقوة الله تعالى باقبال قاان فرمان أحمد . أما بعد فإن الله تعالى بسابق عنايته و بنور هدايته قد كان أرشدنا في عنفوان الصبا و ريعان الحداثة إلى الإقرار بربوبيته و الاعتراف بوحدانيته . و الشهادة لمحمد عليه أفضل الصلاة و السلام بصدق نبوته . و حسن الاعتقاد في أوليائه الصالحين من عباده في بريته . فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام . فلم نزل نميل إلى إعلاء كلمة الدين . و إصلاح أمور الإسلام و المسلمين . إلى أن أفضى بعد أبينا الجيد و أخينا الكبير نوبة الملك إلينا فأفاض علينا من جلابيب ألطافه و لطائفه . ما تحقق به آمالنا في جزيل آلائه و عوارفه . و جلا هذه المملكة علينا . و أهدى عقيلتها إلينا . فاجتمع عندنا في قوريلتاي المبارك و هو المجمع الذي ينقدح فيه آراء جميع الأخوان والاخوة والأولاد و الأمراء الكبار و مقدمي العساكر و زعماء البلاد و اتفقت كلمتهم على أن ينفذ ما سبق به حكم أخينا الكبير في إنفاذ الجم الغفير من عساكرنا التي ضاقت الأرض برحبها من كثرتهم و امتلأت القلوب رعباً لعظم صولتهم و شديد بطشهم إلى تلك الجهة بهمة تخضع لها شم الأطواد . و عزيمة تلين لها الصم الصلاد . ففكرنا فيما مخضت زبدة عزائمهم عنه و اجتمعت أهواؤهم و آراؤهم عليه فوجدناه مخالفاً لما كان في ضميرنا من إنشاء الخير العام . الذي يقوم بقوته شعار الإسلام . و أن لا يصدر عن أوامرنا ما أمكننا إلا ما يوجب حقن الدماء . و تسكين الدهماء . و يجري به في الأقطار رخاء نسائم الأمن و الأمان . ويستريح المسلمون في سائر الأمصار في مهاد الشفقة و الإحسان . تعظيماً لأمر الله و شفقة على خلق الله . فألهمنا الله إطفاء تلك النائرة .و تسكين الفتن الثائرة . و إعلام من أشار بذلك الرأي ما أرشدنا الله إليه من تقديم ما يرجى به شفاء العالم من الأدواء . و تأخير ما يجب أن يكون آخر الدواء . و إننا لا نحب المسارعة إلى هز النصال للنضال إلا بعد إيضاح المحجة . و لا نأذن لها إلا بعد تبين الحق و تركيب الحجة . و قوى عزمنا على ما رأيناه من دواعي الصلاح . و تنفيذ ما ظهر لنا به وجه الإصلاح . اذكار شيخ الإسلام قدوة العارفين كمال الدين عبد الرحمن فهو نعم العون في أمور الدين . فأصدرناه رحمة من الله لمن دعاه . و نقمة على من أعرض عنه و عصاه . و أنفذنا أقضى القضاة قطب الدين و الأتابك بهاء الدين و هما من ثقات هذه الدولة القاهرة ليعرفاهم طريقتنا . و يتحقق عندهم ما ينطوي عليه لعموم المسلمين حميل سنتنا . و بينا لهم أننا من الله على بصيرة و أن الإسلام يجب ما قبله . وانه تعالى ألقى في قلبنا أن نتبع الحق و أهله . و يشاهدون عظيم نعم الله على الكافة بما دعانا إليه من تقديم أسباب الإحسان . و لا يحرمونها بالنظر إلى سالف الأحوال . و كل يوم هو في شان . فإن تطلعت نفوسهم إلى دليل يستحكم به دواعي الاعتماد . و حجة يثقون بها من بلوغ المراد . فلينظر إلى ما قد ظهر من مآثرنا مما اشتهر خبره و عم أثره . فإنا ابتدأنا بتوفيق الله تعالى بإعلاء أعلام الدين و إظهاره في إيراد كل أمر و إصداره تقديماً . وإقامة نواميس الشرع المحمدي على قانون العدل الأحمدي إجلالاً و تعظيماً . و أدخلنا السرور على قلوب الجمهور و عفونا عن كل من اخترع سيئة و اقترف . و قابلناه بالصفح و قلنا عفا الله عما سلف . و تقدمنا بإصلاح أمور أوقاف السلمين من المساجد و المشاهد و المدارس . و عمارة بقاع البر و الربط الدوارس . و إيصال حاصلها بموجب عوائدها القديمة إلى مستحقها بشروط واقفها . و منعنا أن يلتمس شيء مما استحدث عليها و أن لا يغير أحد شيئاً مما قرر أولاً فيها . و أمرنا بتعظيم أمرا لحج و تجهيز وفدها و تأسيس سبيلها و تسييرقوافلها . و أطلقنا سبيل التجار و المترددين إلى البلاد و ليسافروا بحسب اختيارهم على أحسن قواعدهم . و حرمنا على العساكر العسكر و الشحاني في الأطراف التعرض لهم في مصادرهم و مواردهم . و قد كان صادف قراغولنا جاسوساً في زي الفقراء كان سبيل مثله أن يهلك فلم نر إهراق دمه صيانةً لحرمة ما حرمه الله تعالى و أنفذناه إليهم . و لا يخفى عليهم ما كان في إنفاذ الجواسيس من الضرر العام للمسلمين . فإن عساكرنا طال ما رأوهم في زي الفقراء و النساك و أهل الصلاح فساءت ظنونهم في تلك الطوائف فقتلوا منهم من قتلوا . و فعلوا بهم ما فعلوا . و رفعت الحاجة بحمد الله تعالى إلى ذلك بما صدر إذننا به من فتح الطريق و تردد التجار و غيرهم . فإذا أمعنوا الفكر في هذه الأمور و أمثالها فلا يخفى عنهم أنها أخلاق جبلية طبيعية و عن شوائب التكلف و التصنع عرية . و إذا كانت الحال على ذلك فقد ارتفعت دواعي النفرة التي كانت موجبة للمخالفة . فإنها إن كانت بطريق الدين . و الذب عن حوذة المسلمين . فقد ظهر بفضل الله و يمن دولتنا النور المبين . و إن كان لما سبق من الأسباب . فمن يجري الآن طريق الصواب . فإن له عندنا الزلفى و حسن مآب . و قد رفعنا الحجاب بفصل الخطاب و عرفناكم ما عزمنا عليه من نية خالصة لله تعالى و أتينا باستيفائها . و حرمنا على جميع عساكرنا العمل بخلافها . ليرضى الله و الرسول . و تاوح على صفائحها آثار الاقبال والقبول . و تستريح من اختلاف الكلمة هذه الأمة . و تنجلي بنور الائتلاف و اللمة ظلمة الاختلاف و الغمة . فيسكن في سابغ ظلها البوادي و الحواضر . و تقوى القلوب التي بلغت من الجهد إلى الحناجر . و يعفى عن سائر الهفوات و الجرائر . فإن وفق الله تعالى سلطان مصر لما فيه صلاح العالم . و انتظام أمور بني آدم . فقد وجب عليه التمسك بالعروة الوثقى . و سلوك الطريقة المثلى . بفتح أبواب الطاعة و الاتحاد . و بذل الإخلاص بحيث تعمر تلك الممالك و البلاد . و تسكن الفتن الثائرة . و تغمد السيوف الباترة . تحل الكافة أرض الهوينا و روض الهدون . و تخلص أرقاب المسلمين من أغلال الذل و الهون . و إن غلب سوء الظن بما تفضل به واهب الرحمة . و منع عن معرفة قدر هذه النعمة . شكر الله مساعينا و أبلى عذرنا و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً . و الله الموفق للرشاد و السداد . و هو المهيمن على جميع البلاد و العباد . و حسبنا الله وحده . و كتب في أواسط جمادى الأولى سنة إحدى و ثمانين و ستمائة بمقام الطاق .لحج و تجهيز وفدها و تأسيس سبيلها و تسييرقوافلها . و أطلقنا سبيل التجار و المترددين إلى البلاد و ليسافروا بحسب اختيارهم على أحسن قواعدهم . و حرمنا على العساكر العسكر و الشحاني في الأطراف التعرض لهم في مصادرهم و مواردهم . و قد كان صادف قراغولنا جاسوساً في زي الفقراء كان سبيل مثله أن يهلك فلم نر إهراق دمه صيانةً لحرمة ما حرمه الله تعالى و أنفذناه إليهم . و لا يخفى عليهم ما كان في إنفاذ الجواسيس من الضرر العام للمسلمين . فإن عساكرنا طال ما رأوهم في زي الفقراء و النساك و أهل الصلاح فساءت ظنونهم في تلك الطوائف فقتلوا منهم من قتلوا . و فعلوا بهم ما فعلوا . و رفعت الحاجة بحمد الله تعالى إلى ذلك بما صدر إذننا به من فتح الطريق و تردد التجار و غيرهم . فإذا أمعنوا الفكر في هذه الأمور و أمثالها فلا يخفى عنهم أنها أخلاق جبلية طبيعية و عن شوائب التكلف و التصنع عرية . و إذا كانت الحال على ذلك فقد ارتفعت دواعي النفرة التي كانت موجبة للمخالفة . فإنها إن كانت بطريق الدين . و الذب عن حوذة المسلمين . فقد ظهر بفضل الله و يمن دولتنا النور المبين . و إن كان لما سبق من الأسباب . فمن يجري الآن طريق الصواب . فإن له عندنا الزلفى و حسن مآب . و قد رفعنا الحجاب بفصل الخطاب و عرفناكم ما عزمنا عليه من نية خالصة لله تعالى و أتينا باستيفائها . و حرمنا على جميع عساكرنا العمل بخلافها . ليرضى الله و الرسول . و تاوح على صفائحها آثار الاقبال والقبول . و تستريح من اختلاف الكلمة هذه الأمة . و تنجلي بنور الائتلاف و اللمة ظلمة الاختلاف و الغمة . فيسكن في سابغ ظلها البوادي و الحواضر . و تقوى القلوب التي بلغت من الجهد إلى الحناجر . و يعفى عن سائر الهفوات و الجرائر . فإن وفق الله تعالى سلطان مصر لما فيه صلاح العالم . و انتظام أمور بني آدم . فقد وجب عليه التمسك بالعروة الوثقى . و سلوك الطريقة المثلى . بفتح أبواب الطاعة و الاتحاد . و بذل الإخلاص بحيث تعمر تلك الممالك و البلاد . و تسكن الفتن الثائرة . و تغمد السيوف الباترة . تحل الكافة أرض الهوينا و روض الهدون . و تخلص أرقاب المسلمين من أغلال الذل و الهون . و إن غلب سوء الظن بما تفضل به واهب الرحمة . و منع عن معرفة قدر هذه النعمة . شكر الله مساعينا و أبلى عذرنا و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً . و الله الموفق للرشاد و السداد . و هو المهيمن على جميع البلاد و العباد . و حسبنا الله وحده . و كتب في أواسط جمادى الأولى سنة إحدى و ثمانين و ستمائة بمقام الطاق .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;ثم أن ملك مصر كتب إلى السلطان أحمد جواب هذه الرسالة : من سلطان مصر سيف الدين أبي مظفر قلاوون . أما بعد حمد الله الذي أوضح لنا نبأ الحق منهاجاً . و جاء بنا فجاء نصر الله و الفتح و دخل الناس في دين الله أفواجاً . و الصلاة على سيدنا و نبينا محمد الذي فضله على كل شيء نحي أسه و كل نبي ناجي . و على آله و صحبه صلاة تثير ما دحي و تنير من داجي . و الرضى عن الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين و سليل الخلفاء المهتدين . و ابن عم سيد المرسلين الخليفة الذي تتمسك ببيعته أهل هذا الدين . أنه ورد الكتاب الكريم . الملتقى بالتكريم . و المشتمل على النبأ العظيم . من دخوله في الدين . و خروجه عمن خالف من العشيرة و الأقربين . و لما فتح هذا الكتاب فاتح بهذا الخبر المعلم . و الحديث الذي صح عند أهل الإسلام إسلامه و أصح الحديث ما روي عن مسلم . و توجهت الوجوه بالدعاء إلى الله سبحانه و تعالى في أن يثبته على ذلك بالقول و العمل الثابت . و أن ينبت حب حب هذا الدين في قلبه كما أنبته في أحسن المنابت . و حصل التأمل للفضل المبتدأ بذكره من حديث إخلاصه النية في أول العمر و عنفوان الصبا و الإقرار بالوحدانية . و دخوله في الملة المحمدية بالقول و العمل و النية . و الحمد لله على أن شرح صدره للإسلام . و ألهمه شريف هذا الإلهام . فحمدنا الله على أن يجعلنا من السابقين الأولين إلى هذا و المقال المقام . و يثبت أقدامنا في كل موقف اجتهاد و جهاد تتزلزل دونه الأقدام . و أما إفضاء النوبة في الملك و ميراثه بعد والده و أخيه الكبير إليه . و إفاضة هذه المواهب العظيمة عليه و توقله الأسرة التي طهرها إيمانه و أظهرها سلطانه فقد أورثه الله من اصطفاه من عباده . و صدق المبشرات له من كرامة أوليائه و عباده . و أما حكاية اجتماع الأخوان و الأولاد و الأمراء الكبار في قوريلتاي الذي ينقدح فيه زند الآراء و إن كلمتهم اتفقت على ما سبق به حكم أخيه الكبير في إنفاذ العساكر إلى هذا الجانب و انه فكر فيما اجتمعت عليه آراؤهم و انتهت إليه أهواؤهم فوجده مخالفاً لما في ضميره إذ قصد الصلاح و دأبه الإصلاح . و انه أطفأ تلك النائرة . و سكن تلك الثائرة . فهذا فعل الملك التقي المشفق على قومه . و من يفي الفكر في العواقب . بالرأي الثاقب . و إلا فلو تركوا آراءهم حتى يحملهم الهوى لكانت تكون هذه الكرة هي الكرة . لكن هو كمن خاف مقام ربه و نهى النفس عن الهوى . و لم يوافق قول من ضل و لا فعل من غوى . و أما القول أنه لا يحب المسارعة للمقارعة إلا بعد إيضاح المحجة و تركيب الحجة . فانتظامه في سلك الإيمان صارت حجتنا و حجته المتركبة على من عدت طواغيه عن سلوك هذه المحجة مسكتة . و إن الله سبحانه و الناس كافة قد عملوا أن قيامنا إنما هو لنصر هذه الملة و جهادنا و اجتهادنا إنما هو لله . و حيث قد دخل معنا في الدين هذا الدخول .فقد ذهبت الأحقاد و زالت الذحول . و بارتفاع المنافرة . تحصل المناصرة . فالإيمان كالبنيان يشد بعضه من بعض . و من أقام مناره فله أهلٌ بأهلٍ في كل مكان وجيران بجيران في كل أرض . و أما تركيب هذه الفوائد الجمة على اذكار شيخ الإسلام قدوة العارفين كمال الدين عبد الرحمن أعاد الله من بركاته فلم ير ولي من قبل كرامة كهذه الكرامة . و الرجاء ببركة الصالحين أن تصبح كل دار للإسلام دار إقامة حتى تتم شرائط الإيمان . و يعود شمل الإسلام كأحسن ما كان . و لا ينكر بمن بكرامته ابتدأ هذا التمكن في الوجود . إن كل حق ببركته إلى مصابه يعود . و اما إنفاذ أقضى القضاة قطب الدين و الأتابك شهاب الدين الموثوق بنقلهما في إبداع رسائل هذه البلاغة . فقد حضرا و أعادا كل قول حسن من حوال أحواله و خطرات خاطره و مناظرات منظره . و من كل ما يشكر و يحمد . و يفيض حديثهما فيه عن مسند أحمد . و أما الإشارة إلى أن النفوس كانت تتطلع لى إقامة دليل تستحكم بسببه دواعي الأمر و مصادره من العدل و الإحسان . بالقلب و اللسان . و التقدم بإصلاح الأوقاف فهذه صفات من يريد لملكه دواماً . فلما ملك عدل . و لم يلتفت إلى لوم من عذل . على أنها لو كانت من الأفعال الحسنة . و المثوبات التي تستنطق بالدعاء الألسنة . فهي واجبات كلية تؤدى و هي أكبر من أنه يأجر أجر غيره يفتخر أو عليه يقتصر أو له يدخر . و إنما يفتخر الملك العظيم بأن يعطي ممالك و أقاليم و حصوناً يبذل في تشييد ملكه عن مصون . و أما تحريمه على العساكر و القراغولات و الشحاني بالأطراف التعرض إلى أحد بالأذى . و إصفاء موارد الواردين و الصادرين من شوائب القذى . فمن حين بلغنا تقدمه بذلك تقدمنا مثله أيضاً إلى سائر النواب بالرحبة و البيرة و حلب و عين تاب و تقدمنا إلى مقدمي العساكر بأطراف تلك الممالك بمثل ذلك . و إذا اتخذ الأمان و انعقد الإيمان بختم هذه الأحكام ترتبت عليه جميع الحكام . و أما الجاسوس الفقير الذي أمسك ثم أطلق و أن بسبب من يتزيا من الجواسيس بزي الفقراء قتلت جماعة من الفقراء الصلحاء رجماً بالظن فهذا باب من تلك الأبواب كان فتحه . و زند منه كان قدحه . و كم متزي بالفقر من ذلك الجانب سيروه . و إلى الاطلاع على الأمور سوروه . و ظفر النواب منهم بجماعة فرفع عنهم السيف . و لم يكشف ما غطته خرقة الفقر بلم و لا كيف . و أما الإشارة إلى أن في اتفاق الكلمة يكون صلاح العالم . و ينتظم شمل بني آدم . فلا ريب لمن طرق باب الاتحاد و من جنح السلم فما حاد . و من ثنى عنانه عن المكافحة . كمن مد يد المصالحة للمصافحة . و الصلح و إن كان سيد الأحكام فلا بد من أمور تبنى عليها قواعده و يعلم من مدلولها فوائده . فإن الأمور المسطورة في كتابه كليات لازمة يفهم بها كل معنى و يعلم أن يتهيأ صلح أو لم . و ثم أمور لا بد و أن يحكم في سلكها عقوداً لعهود تنظم قد يحملها لسان المشافهة التي إذا أفردت أقبلت إن شاء الله عليها النفوس . و أحرزتها صدور الرسل كأحسن ما تحرزه سطور الطروس .و أما الاستشهاد بقوله تعالى : و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً . فما على السبق من الود بنسج و لا على السبيل بنهج . بل الفضل لمن تقدم  . في الدين حقوق ترعى . و إفادات تستدعى . و عند الانتهاء إلى جوابٍ ما لعله يجب عنه الجواب من فصول الكتاب . و سمعنا المشافهة التي على لسان أقضى القضاة قطب الملة و الدين . و انتظام عقده بسلك المؤمنين . و ما بسطه من عدلٍ و إحسان . و سيرة مشكورة يكل عن وصفها اللسان . فقد أنزل الله على رسوله في حق من أمتن بإسلامه : قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان . و من المشافهة أنه قد أعطاه الله من العطايا ما اغناه عن امتداد الطرف إلى ما في يد غيره من أرضٍ و ماء . فإن حصلت الرغبة في الاتفاق على ذلك فالأمر حاصل . فالجواب أن ثم أموراً متى حصلت عليها الموافقة .تمت المصادقة . و رأى الله تعالى و الناس كيف يكون مصافينا . و ادلال معارفينا عند تصافينا . و كم من صاحبٍ وجد حيث لا يوجد الأب و الأخ و القرابة . و ما تم أمر الدين المحمدي و استحكم في صدور الإسلام إلا بمظاهرة أصحابه . فإن كانت له رغبة مصروفة إلى الاتحاد . و حسن الوداد . و جميل الاعتقاد . و كبت الأعداء و الأضداد . و الاستناد إلى من يشتد به الأزر عن الاستناد . فقد فهم المراد . و من المشافهة إذ كانت عزيمتنا غير ممتدة إلى ما في يده من أرض و ماء فلا حاجة إلى إنفاذ المفترين الذين يؤذون المسلمين بغير فائدة تعود . فالجواب لو كف كف العدوان من هنالك . و خلا للملوك المسلمين ما لهم من ممالك . سكنت الدهماء . و حقنت الدماء . و حقه أن ينهي عن خلقٍ و يأتي بمثله . و لا يأمر بشيءٍ و ينسى فعله . و قونغرتاي بالروم الآن و هي بلادٌ في أيديكم . و خراجها يجبى إليكم . قد سفك فيها الدماء و قتل و سبى وهتك و باع الأحرار . و أبى إلا التمادي على ذلك الإضرار . و من المشافهة أنه حصل التصميم على أن يبطل هذه الإغارات . و لا يفتر عن هذه الإثارات . فيعين مكاناً يكون فيه اللقاء . و يعطي الله النصر لمن يشاء . فالجواب عن ذلك الآن الأماكن التي اتفق فيها ملتقى الجمعين مرةً و مرةً و مرةً قد عاف مواردها من سلم من أولئك القوم . و خاف أن لا يعاودها فيغادره مصرع ذلك اليوم . و وقت اللقاء علمه عند الله لا يقدر . و ما النصر إلا من عند الله لمن أقدر لا لمن قدر . و ما نحن ممن ينتظر فلتة . و لا له إلى غير ذلك لفتة . و ما أمر ساعة النصر إلا كالساعة التي لا تأتي إلا بغتةً . و الله الموفق لما فيه صلاح هذه الأمة . و القادر على إتمام كل خيرٍ و نعمة . إن شاء الله تعالى . كتب في مستهل شهر رمضان المعظم سنة إحدى و ثمانين و ستمائة .و أن يبذل في تشييد ملكه عن مصون . و أما تحريمه على العساكر و القراغولات و الشحاني بالأطراف التعرض إلى أحد بالأذى . و إصفاء موارد الواردين و الصادرين من شوائب القذى . فمن حين بلغنا تقدمه بذلك تقدمنا مثله أيضاً إلى سائر النواب بالرحبة و البيرة و حلب و عين تاب و تقدمنا إلى مقدمي العساكر بأطراف تلك الممالك بمثل ذلك . و إذا اتخذ الأمان و انعقد الإيمان بختم هذه الأحكام ترتبت عليه جميع الحكام . و أما الجاسوس الفقير الذي أمسك ثم أطلق و أن بسبب من يتزيا من الجواسيس بزي الفقراء قتلت جماعة من الفقراء الصلحاء رجماً بالظن فهذا باب من تلك الأبواب كان فتحه . و زند منه كان قدحه . و كم متزي بالفقر من ذلك الجانب سيروه . و إلى الاطلاع على الأمور سوروه . و ظفر النواب منهم بجماعة فرفع عنهم السيف . و لم يكشف ما غطته خرقة الفقر بلم و لا كيف . و أما الإشارة إلى أن في اتفاق الكلمة يكون صلاح العالم . و ينتظم شمل بني آدم . فلا ريب لمن طرق باب الاتحاد و من جنح السلم فما حاد . و من ثنى عنانه عن المكافحة . كمن مد يد المصالحة للمصافحة . و الصلح و إن كان سيد الأحكام فلا بد من أمور تبنى عليها قواعده و يعلم من مدلولها فوائده . فإن الأمور المسطورة في كتابه كليات لازمة يفهم بها كل معنى و يعلم أن يتهيأ صلح أو لم . و ثم أمور لا بد و أن يحكم في سلكها عقوداً لعهود تنظم قد يحملها لسان المشافهة التي إذا أفردت أقبلت إن شاء الله عليها النفوس . و أحرزتها صدور الرسل كأحسن ما تحرزه سطور الطروس .و أما الاستشهاد بقوله تعالى : و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً . فما على السبق من الود بنسج و لا على السبيل بنهج . بل الفضل لمن تقدم  . في الدين حقوق ترعى . و إفادات تستدعى . و عند الانتهاء إلى جوابٍ ما لعله يجب عنه الجواب من فصول الكتاب . و سمعنا المشافهة التي على لسان أقضى القضاة قطب الملة و الدين . و انتظام عقده بسلك المؤمنين . و ما بسطه من عدلٍ و إحسان . و سيرة مشكورة يكل عن وصفها اللسان . فقد أنزل الله على رسوله في حق من أمتن بإسلامه : قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان . و من المشافهة أنه قد أعطاه الله من العطايا ما اغناه عن امتداد الطرف إلى ما في يد غيره من أرضٍ و ماء . فإن حصلت الرغبة في الاتفاق على ذلك فالأمر حاصل . فالجواب أن ثم أموراً متى حصلت عليها الموافقة .تمت المصادقة . و رأى الله تعالى و الناس كيف يكون مصافينا . و ادلال معارفينا عند تصافينا . و كم من صاحبٍ وجد حيث لا يوجد الأب و الأخ و القرابة . و ما تم أمر الدين المحمدي و استحكم في صدور الإسلام إلا بمظاهرة أصحابه . فإن كانت له رغبة مصروفة إلى الاتحاد . و حسن الوداد . و جميل الاعتقاد . و كبت الأعداء و الأضداد . و الاستناد إلى من يشتد به الأزر عن الاستناد . فقد فهم المراد . و من المشافهة إذ كانت عزيمتنا غير ممتدة إلى ما في يده من أرض و ماء فلا حاجة إلى إنفاذ المفترين الذين يؤذون المسلمين بغير فائدة تعود . فالجواب لو كف كف العدوان من هنالك . و خلا للملوك المسلمين ما لهم من ممالك . سكنت الدهماء . و حقنت الدماء . و حقه أن ينهي عن خلقٍ و يأتي بمثله . و لا يأمر بشيءٍ و ينسى فعله . و قونغرتاي بالروم الآن و هي بلادٌ في أيديكم . و خراجها يجبى إليكم . قد سفك فيها الدماء و قتل و سبى وهتك و باع الأحرار . و أبى إلا التمادي على ذلك الإضرار . و من المشافهة أنه حصل التصميم على أن يبطل هذه الإغارات . و لا يفتر عن هذه الإثارات . فيعين مكاناً يكون فيه اللقاء . و يعطي الله النصر لمن يشاء . فالجواب عن ذلك الآن الأماكن التي اتفق فيها ملتقى الجمعين مرةً و مرةً و مرةً قد عاف مواردها من سلم من أولئك القوم . و خاف أن لا يعاودها فيغادره مصرع ذلك اليوم . و وقت اللقاء علمه عند الله لا يقدر . و ما النصر إلا من عند الله لمن أقدر لا لمن قدر . و ما نحن ممن ينتظر فلتة . و لا له إلى غير ذلك لفتة . و ما أمر ساعة النصر إلا كالساعة التي لا تأتي إلا بغتةً . و الله الموفق لما فيه صلاح هذه الأمة . و القادر على إتمام كل خيرٍ و نعمة . إن شاء الله تعالى . كتب في مستهل شهر رمضان المعظم سنة إحدى و ثمانين و ستمائة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;و في هذا التاريخ نقل إلى السلطان أحمد أن أخاه قونغرتاي له كلام مع أرغون ابن اباقا و أنهم يريدون قتله فخاف و سارع إلى قونغرتاي و قتله . و لما بلغ الخبر أرغون بقتل عمه حزن لذلك و صعب عليه و أظهر تغيير قلبه على أحمد . فلما شعر أحمد بتغيير قلب أرغون عليه سير عسكراً عظيماً و كبيرهم أمير من المغول اسمه اليناخ فتوجهوا إليه و هو بخراسان . فلما وصل العسكر إليه انهزم أرغون من قدامه . فأهمل اليناخ أمره و اشتغل بالأكل و الشرب و السكر . و في بعض الليالي هجم أرغون على عسكر اليناخ و بعض العسكر معه . و لما سمع السلطان أحمد بذلك غضب وانزعج عظيماً ثم سير إلى جميع البلاد و جمع العساكر العظيمة و قصد أرغون . فلما رأى أرغون أنه عاجز عن مقاومته صعد إلى حصنٍ هناك و معه ثلاثمائة نفر من الفرسان البهادورية أتباعه و تحصن هناك من غير أن يحبس نفسه في مكان لكنه منتقل من موضع إلى موضع لأنه كان يفكر بقوله : كل محاصر مأخوذ و لم تطعه نفسه بالرجوع إلى طاعة السلطان أحمد . فبينما هو في هذه الأفكار و أميرٌ واحدٌ من أمراء أبيه اباقا كان محبوباً عند والده اسمه بوغا تقدم إلى السلطان أحمد قائلاً له : إن أعطيتني عهداً بأن لا تؤذي أرغون و لا يدنيه السوء فإني أمضي إليه و أحضره بين يديك . فسمع كلامه و استصوب مشورته و وقع الاتفاق على هذا . و حينئذٍ صعد بوغا في الحال إلى أرغون و خاطبه و جاء به إلى أحمد و فرح السلطان بذلك و عمل الدعوات و الأفراح ثلاثة أيام . و في اليوم الثالث تغير قلب السلطان أحمد على أرغون و جالت الأفكار في خاطره طالباً قتله . فدعى الأمير اليناخ و جماعة أخرى معه و وكل على أرغون و أوصاهم على الاحتياط به لئلا يهرب و أنه متوجه إلى بلاد أذربيجان إلى أمه قوتاي خاتون و أمرهم أن يصحبوه إليه . و لما جاء الليل عزم على الرحيل و كشف سره إلى بعض الأكابر حيث يقول : إن لم أهلك أرغون و سائر الأولاد لم أسترح و لا تنتظم السلطنة لي . و عند الصباح رحل و أوصى أن يصحبوا إليه أرغون قليلاً قليلاً . فأما الأمير بوغا فلما تحقق هذا الأمر و عرف ما في ضمير أحمد ما تبعه و أبطأ معتاقاً إلى الليل . و في الليل دار على جميع الأولاد و عرفهم ضمير أحمد و ما قد عول عليه أن يفعله بهم . فأخذتهم الغيرة و نهضوا في تلك الليلة بأجمعهم و قصدوا أرغون مكان كان موكل عليه و أخرجوه و ألبسوه السلاح و أركبوه الفرس و ركبوا جميعهم في خدمته إلى الموضع الذي كان فيه اليناخ و هجموا عليه و دخلوا قتلوه و قتلوا معه جميع الأكابر أصحابه في الخيمة و نادوا في العسكر أن أبناء الملوك قد قتلوا اليناخ و أصحابه فكل من هو في موضعٍ يلزم مكانه و لا يتحرك و لا يخف . و عند الصباح سيروا في طلب عسكر أرغون أحضروهم و ركبوا في جمعٍ عظيمٍ و ساقوا في أعقاب أحمد و أدركوه عند أمه فلزموه و كتفوه و استحفظوا به و نهبوا الاردو الذي له جميعها . و لما وصل أرغون و جماعة الأولاد اتفقوا على أن يملكوا عليهم أرغون و يكون الملك له موضع والده اباقا و أحمد ينعزل لآنه ما يصلح أن يدبرهم . و انتهت سلطنة أحمد إلى هذه الحالة و ذلك يوم الأربعاء حادي عشر من جمادى الأولى سنة ثلاث و ثمانين و ستمائة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&amp;quot; أرغون ايلخان &amp;quot;&lt;br/&gt; و لما جلس أرغون على كرسي المملكة اتفق الأكثرون من أمراء المغول و أكابرهم أن يقتلوا أحمد . فكان يقول أرغون : لا أوافق على قتله بل أم قونغرتاي و أولادها هم يعرفون به و الذي يختارون أن يفعلوا به فليفعلوا . حينئذٍ بقي تحت التوكل أياماً و بعد ذلك قتله أولاد قونغرتاي و انتقموا منه و أخذوا دم والدهم . و كان ذلك يوم الأربعاء ثاني جمادى الآخرة . ثم أن أرغون لما استقام له الأمر رتب كل واحد من الأولاد في رأس عسكر من عساكر مملكته . ثم قيل لأرغون أن صاحب الديوان هو قتل اباقا والدك بسمٍ سقاه . و لما يسير يطلبه من السلطان أحمد فما كان يسمح له به و لا كان يسلمه إله . فتحقق أرغون أن أحمد اختار موت والده . فلما استقر أرغون في الملك هرب شمس الدين صاحب الديوان إلى الجبال التي في الأهواز و احتمى بطائفةٍ من الأكراد يسمون باللور و كان كبيرهم شخص اسمه يوسف شاه . و لما وصل إلى طاعة أرغون قبله قبولاً حسناً و أكرمه لأنه قبل عليه أن يلزم صاحب الديوان و يحمله إلى عبوديته . و فعل ذلك و لزمه و حمله إلى أرغون . و لما قدم قدم أموالاً كثيرة نحو مائة تومانٍ من ذهب . ثم أنهم عرضوا عليه أن يشتري نفسه بحيث لا يهرق دمه فطلب المهلة ليبيع أملاكه و ما تخلف له و يقرض و يوصل ذلك . حينئذٍ حصل بطريق القرض من أصحابه و أهله و أنسبائه و أحبائه و أصدقائه قريباً من أربعين توماناً آخر من الذهب و قال : هذا الذي قد حصل و لا يمكن أن يحصل غيره فأنتم الذي تختارون فعله فافعلوه . فبرز الأمر من الملك أرغون بقتله و قتل يوم الثلاثاء خامس شهر شعبان لهذه السنة وافق ذلك سابع شهر تشرين الأول سنة ست و تسعين و خمسمائة و ألف للإسكندر . و كانت هذه آخرة مثل ذلك الرجل العظيم الهيوب الحكيم الذي كانت الدولة بأسرها معلقة بخنصره . و كان عنده العقل و الخبرة و كان كاملاً بجميع السياسات و التدابير و التواضع الحسن . ويقولون عنه أنه ما سبقه أحد بالسلام بل هو كان يبتدئ من تقدم إليه .&lt;br/&gt;   </description>
    </item>
    <item>
      <title> الدولة التاسعة&#13; المنتقلة إلى ملوك العرب المسلمين &#13;&#13;  غريغوريوس ابن العبري</title>
      <link>http://www.syriacstudies.com/AFSS/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A3/Entries/2009/9/27_%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B3%D8%B9%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%AA%D9%82%D9%84%D8%A9_%D8%A5%D9%84%D9%89_%D9%85%D9%84%D9%88%D9%83_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86_%D8%BA%D8%B1%D9%8A%D8%BA%D9%88%D8%B1%D9%8A%D9%88%D8%B3_%D8%A7%D8%A8%D9%86_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%B1%D9%8A.html</link>
      <guid isPermaLink="false">8ca68448-2ddf-433f-815e-094c3b908cad</guid>
      <pubDate>Sun, 27 Sep 2009 19:04:13 -0400</pubDate>
      <description>&lt;br/&gt;قال القاضي صاعد بن أحمد الأندلسي صاحب قضاء مدينة طليطلة : إن العرب فرقتان فرقة بائدة وفرقة باقية . أما الفرقة البائدة فكانت أمماً ضخمة كعاد وثمود وطسم وجديس . ولتقادم انقراضهم ذهبت عنا حقيقة أخبارهم وانقطعت عنا أسباب العلم بآثارهم . وأما الفرقة الباقية فهي متفرعة من جذمين قحطان وعدنان . ويضمها حالان حال الجاهلية وحال الإسلام . فأما حال العرب في الجاهلية فحالٌ مشهور عند الأمم من العز والمنعة وكان ملكهم في قبائل قحطان وكان بيت الملك الأعظم في بني حمير وكان منهم الملوك الجبابرة التبابعة . وأما سائر عرب الجاهلية بعد الملوك فكانوا طبقتين أهل مدر وأهل وبر . فأما أهل المدر فهم الحواضر وسكان القرى . وكانوا يحاولون المعيشة من الزرع والنخل والماشية والضرب في الأرض للتجارة . وأما أهل الوبر فهم قطّان الصحارى . وكانوا يعيشون من ألبان الإبل ولحومها منتجعين بمنابت الكلأ مرتادين لمواقع القطر فيخيمون هنالك ما ساعدهم الخصب وأمكنهم الرعي ثم يتوجهون لطلب العشب وابتغاء المياه فلا &lt;br/&gt;يزالون في حل وترحال كما قال بعضهم عن ناقته :&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; تقول إذا درأت لها وضيني             أهذا دينه أبداً وديني أكل الدهر حلٌّ وارتحالٌ                          أما يبقي عليَّ ولا يقيني&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;ذلك دأبهم زمان الصيف والربيع . فإذا جاء الشتاء واقشعرت الأرض انكمشوا إلى أرياف العراق وأطراف الشام . فشتّوا هناك مقاسين جهد الزمان ومصطبرين على بؤس العيش . وكانت أديانهم مختلفة . فكانت حمير تعبد الشمس . وكنانة القمر . وميسم الدبران . ولخم وجذام المشتري . وطيّء سهيلاً . وقيس الشعري العبور . وأسد عطارد . وثقيف بيتاً بأعلى نخلة يقال لها اللات . وكان فيهم من يقول بالمعاد ويعتقد أن من نحرت ناقته على قبره حشر راكباً ومن لم يفعل ذلك حشر ماشياً . فأما علم العرب الذين كانوا يفاخرون به فعلم لسانهم وأحكام لغتهم ونظم الأشعار وتأليف الخطب . وكان لهم مع هذا معرفة بأوقات مطالع النجوم ومغاربها وعلم بأنواء الكواكب وأمطارها على حسب ما أدركوه بفرط العناية وطول التجربة لاحتياجهم إلى معرفة ذلك في أسباب المعيشة لا على طريق تعلم الحقائق . وأما علم الفلسفة فلم يمنحهم الله شيئاً منه ولا هيأ طبائعهم للعناية به . فهذه كانت حالهم في الجاهلية . وأما حالهم في الإسلام فعلى ما نذكره بأوجز ما يمكننا وأقصر إن شاء الله .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;“ محمد بن عبد الله عليه السلام “&lt;br/&gt; ذكر النسابون أن نسبته ترتقي إلى إسماعيل ابن إبراهيم الخليل الذي ولدت له هاجر أمة سارة زوجته . وكان ولادته بمكة سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة للاسكندر . ولما مضى من عمره سنتان بالتقريب مات عبد الله أبوه وكان مع أمه آمنة بنت وهب ست سنين . فلما توفيت أخذه إليه جده عبد المطلب وحنا عليه . فلما حضرته الوفاة أوصى ابنه أبا طالب بحياطته فضمه إليه وكفله . ثم خرج به وهو ابن تسع سنين إلى الشام . فلما نزلوا بصرى خرج إليهم راهب عارف اسمه بحيرا من صومعته وجعل يتخلل القوم حتى انتهى إليه فأخذه بيده وقال : سيكون من هذا الصبي أمر عظيم ينتشر ذكره في مشارق الأرض ومغاربها فإنه حيث أشرف أقبل وعليه غمامة تظلله . ولما كمل له من العمر خمس وعشرون سنة عرضت عليه امرأة ذات شرف ويسار اسمها خديجة أن يخرج بمالها تاجراً إلى الشام وتعطيه أفضل ما تعطي غيره . فأجابها إلى ذلك وخرج . ثم رغبت فيه وعرضت نفسها عليه فتزوجها وعمرها يومئذ أربعون سنة . وأقامت معه إلى أن توفيت بمكة اثنتين وعشرين سنة . ولما كمل له أربعون سنة أظهر الدعوة . ولما مات أبو طالب عمه وماتت أيضاً خديجة زوجته أصابته قريش بعظيم أذى . فهاجر عنهم إلى المدينة وهي يثرب . وفي السنة الأولى من هجرته احتفل الناس اليه ونصروه على المكيين أعدائه . وفي السنة الثانية من هجرته إلى المدينة خرج بنفسه إلى غزاة بدر وهي البطشة الكبرى وهزم بثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً من المسلمين ألفاً من أهل مكة المشركين . وفي هذه السنة صرفت القبلة عن جهة البيت المقدس إلى جهة الكعبة . وفيها فرض صيام شهر رمضان . وفي السنة الثالثة خرج إلى غزاة أحد . وفيها هزم المشركون المسلمين وشجُّ في وجهه وكسرت رباعيته . وفي السنة الرابعة غزا بني النضير اليهود وأجلاهم عن الشام . وفيها اجتمع أحزاب شتى من قبائل العرب مع أهل مكة وساروا جميعاً إلى المدينة فخرج إليهم . ولأنه هال المسلمين أمرهم أمر بحفر خندق وبقوا بضعةً وعشرين يوماً لم يكن بينهم حرب . ثم جعل واحد من المشركين يدعو إلى البراز . فسعى نحوه علي بن أبي طالب وقتله وقتل بعده صاحباً له . وكان قتلهما سبب هزيمة الأحزاب على كثرة عددهم ووفرة عددهم . وفي السنة الخامسة كانت غزاة دومة الجندل وغزاة بني لحيان . وفي السنة السادسة خرج بنفسه إلى غزاة بني المصطلق وأصاب منهم سبياً كثيراً . وفي السنة السابعة خرج إلى غزاة خيبر مدينة اليهود . وينقل عن علي بن أبي طالب أنه عالج باب خيبر واقتلعه وجعله مجناً وقاتلهم . وفي الثامنة كانت غزاة الفتح فتح مكة وعهد إلى المسلمين أن لا يقتلوا فيها إلا من قاتلهم وأمن من دخل المسجد ومن أغلق على نفسه بابه وكفَّ يده ومن تعلق بأستار الكعبة سوى قوم كانوا يؤذونه . ولما أسلم أبو سفيان وهو عظيم مكة من تحت السيف ورأى جيوش المسلمين قال للعباس يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً . فقال له : ويحك إنها النبوة . قال نعم إذن . وفي السنة التاسعة خرج إلى غزاة تبوك من بلاد الروم ولم يحتج فيها إلى حرب . وفي السنة العاشرة حج حجة الوداع . وفيها تنبأ باليمامة مسيلمة الكذاب وجعل يسجع مضاهياً للقرآن فيقول : لقد أنعم الله على الحبلى أخرج منها نسمةً تسعى من بين صفاق وحشاً . وفي هذه السنة وعك عليه السلام ومرض وتوفي يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر . وكان عمره بجملته ثلاثاً وستين سنة منها أربعون سنة قبل دعوة النبوة ومنها بعدها ثلث عشرة سنة مقيماً بمكة ومنها بعد الهجرة عشر سنين مقيماً بالمدينة . ولما توفي أراد أهل مكة من المهاجرين رده إليها لأنها مسقط رأسه . وأراد أهل المدينة من الأنصار دفنه بالمدينة لأنها دار هجرته ومدار نصرته . وأرادت جماعة نقله إلى بيت المقدس لأنه موضع دفن الأنبياء . ثم اتفقوا على دفنه بالمدينة فدفنوه بحجرته حيث قبض . واختلفوا بعدد أزواجه . وأكثر ما قالوا سبع عشرة امرأة سوى السراري . وولد له سبعة أولاد ثلاثة بنين وأربع بنات كلهم من خديجة إلا إبراهيم ابنه فإنه من ماريا القبطية التي بعث بها المقوقس إلى الإسكندرية مع أختها شيرين . ولم يمت من نسائه قبله إلا اثنتان . ولم يعش من أولاده بعده إلا ابنة واحدة وهي فاطمة زوجة علي بن أبي طالب وتوفيت بعد أبيها بثلاثة أشهر .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt;وقد وقع في الإسلام اختلافات شتى كما وقع في غيره من الأديان بعضها في الأصول وهي موضوع علم الكلام وبعضها في الفروع وهي موضوع علم الفقه . والخلاف في الأصول فينحصر في أربع قواعد الأولى الصفات والتوحيد . الثانية القضاء والقدر . الثالثة الوعد والوعيد . الرابعة النبوة والإمامة .&lt;br/&gt; وكبار فرق الأصوليين ست . المعتزلة ثم الصفائية وهما متقابلتان تقابل التضاد . وكذلك القدرية تضاد الجبرية . والمرجئة الوعيدية . والشيعية الخوارج . ويتشعب عن كل فرقة أصناف فتصل إلى ثلث وسبعين فرقة . وأما المعتزلة فالذي يعممهم من الاعتقاد القول بنفي الصفات القديمة عن ذات الباري تعالى هرباً من أقانيم النصارى .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;فمنهم من قال أنه تعالى عالم لذاته لا بعلم وكذلك قادرٌ وحيّ . ومنهم من قال أنه عالم بعلم وهو ذاته وكذلك قادر وحي فالأول نفى الصفة رأساً والثاني أثبت صفةً هي بعينها ذاتً .واتفقوا على إن كلامه تعالى محدث بخلقه في محل وهو حرف وصوت وكتب مثاله في المصاحف . وبالجملة نفي الصفات مقتبس من الفلاسفة الذين اعتقدوا أن ذات الله تعالى واحدة لا كثرة فيها بوجهٍ . وبازاء المعتزلة الصفاتيَّة وهم يثبتون الله صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة وغيرها . وبلغ بعضهم في إثبات الصفات كالسمع والبصر والكلام إلى حد التجسيم فقال : لا بد من إجراء الآيات الدالة عليها كالاستواء على العرش والخلق باليد وغيرهما على ظاهرها من غير تعرض للتأويل . إلا أن قوماً منهم كأبي الحسن الاشعري وغيره لما بشروا علم الكلام منعوا التشبيه وصار ذلك مذهباً لأهل السنة والجماعة وانتقلت سنة الصفاتية إلى الاشعرية .&lt;br/&gt; وأما القدرية فهم معتزلة أيضاً وإنما لقبوا بالقدرية لنفيهم القدر لا لإثباتهم إياه فإنهم يقولون أن العبد قادر خالق لأفعاله خيرها وشرها مستحق على ما يفعله ثواباً وعقاباً . فالرب تعالى منزه عن أن يضاف إليه شر وظلم . وسموا هذا النمط عدلاً . وحدوه بأنه إصدار الفعل على وجه الصواب والمصلحة لمقتضى العقل من الحكمة . وبازاء القدرية الجبرية الذين ينفون الفعل والقدرة على الفعل عن العبد ويقولون أن الله تعالى يخلق الفعل ويخلق في الإنسان قدرة متعلقة بذلك الفعل ولا تأثير لتلك القدرة على ذلك الفعل . ومنهم من يثبت للعبد قدرة ذات أثر ما في الفعل ويقولون أن الله مالك في خلقه يفعل فيهم ما يشاء و لا يسأل عما يفعل . فلو أدخلوا الخلائق بأجمعهم الجنة لم يكن حيفاً . ولو أدخلهم بأجمعهم النار لم يكن جوراً بل هو في كل ذلك عادل لأن العدل على رأيهم هو التصرف فيما يملكه المتصرف .&lt;br/&gt; وأما المرجئة فهم يقولون بإرجاء حكم صاحب الكبيرة من المؤمنين إلى القيامة أي بتأخيره إليها . فلا يقضون عليه بحكم ما في الدنيا من كونه ناجياً أو هالكاً ويقولون أيضاً أنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة . وبازاء المرجئة الوعيدية القائلون بتكفير صاحب الكبيرة وتخليده في النار وإن كان مؤمناً لكن يكون عقابه أخف من عقاب الكفار . وأما الشيعة فهم الذين شايعوا علي بن أبي طالب وقالوا بإمامته بعد النبي . وإن الإمامة لا تخرج من أولاده إلا بظلم . ويجمعهم القول بثبوت عصمة الأيمة وجوباً عن الكبائر والصغائر . فإن الإمامة ركن من أركان الدين لا يجوز للنبي إغفاله ولا تفويضه إلى العامة . ومن غلاة الشيعة النصيرية القائلون بأن الله تعالى ظهر بصورة علي ونطق بلسانه مخبراً عما يتعلق بباطن الأسرار . وقوم منهم غلوا في حق أيمتهم حتى أخرجوهم من حدود الخليقة وحكموا فيهم بأحكام إلاهية . وبازاء الشيعة الخوارج فمنهم من خطّأ علي بن أبي طالب فيما تصرف فيه ومنهم من تخطى عن تخطئته إلى تكفيره ومنهم من جوز أن لا يكون في العالم إمام أصلاً وإن احتيج إليه فيجوز أن يكون عبداً أو حراً أو نبطياً أو قرشياً إذا كان عادلاً . فإن عدل عن الحق وجب عزله وقتله . فهذا اقتصاص مذهب الأصوليين على سبيل الاختصار .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وأما مذاهب الفروعيين المختلفين في الأحكام الشرعية والمسائل الاجتهادية فالمشهورة منها أربعة : مذهب مالك بن أنس . ومذهب أحمد بن إدريس الشافعي . ومذهب محمد بن حنبل . ومذهب أبي حنيفة النعمان بن ثابت . وأركان الاجتهاد أيضاً أربعة : الكتاب والسنة والإجماع والقياس . وذلك لأنه إذا وقعت لهم حادثة شرعية من حلال وحرام فزعوا إلى الاجتهاد وابتدأوا بكتاب الله تعالى . فإن وجدوا فيه نصاً تمسكوا به وإلا فزعوا إلى سنة النبي فإن رأوا لهم في ذلك خبراً نزلوا إلى حكمه وإلا فزعوا إلى إجماع الصحابة لأنهم راشدون حتى لا يجتمعون على ضلال . فإن عثروا بما يناسب مطلوبهم أجروا حكم الحادثة على مقتضاه وإلا فزعوا إلى القياس لأن الحوادث والوقائع غير متناهية والنصوص متناهية فلا يتطابقان فعلم قطعاً أن القياس واجب الاعتبار ليكون بصدد كل حادثة شرعية اجتهاد قياسي . ومن الأيمة داود الأصفهاني نفى القياس أصلاً . وأبو حنيفة شديد العناية به وربما يقدم القياس الجلي على آحاد الأخبار . ومالك والشافعي وابن حنبل لا يرجعون إلى القياس الجلي ولا الخفي ما وجدوا خبراً أو أمراً . وبينهم اختلاف في الأحكام ولهم فيها تصانيف وعليها مناظرات ولا يلزم بذلك تكفير ولا تضليل . وبالجملة أصول شريعة الإسلام الطهارة في حواشي الإنسان وأطرافه لإرسالها وملاقاتها النجاسات . والصلاة وهي خضوع وتواضع لرب العزة . والزكاة وهي مؤاساة ومعونة وافضال . والصيام وهو رياضة وتذليل وقمع الشهوة تحصل به رقة القلب وصفاء النفس . والحج وهو مثال الخروج عن الدنيا والإقبال على الآخرة وأكثر ما فيه من المناسك امتحان وابتلاء العبد بامتثاله ما شرع له وذلك كالسعي والهرولة في الطواف ورمي الجمار . وأما الجمعة والأعياد فجعلت مجمعاً للأمة يتلاقون فيها ويتزاورون ويستريحون فيها عن كد الكدح . وأما الختان فهو سنة فيه ابتلاء وامتحان وتسليم . وأما تحريم الميتة والدم ففي كراهية النفس ونفر الطبع ما يوجب الامتناع منها .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt; &amp;quot; أبو بكر الصديق &amp;quot;&lt;br/&gt; أعظم خلاف بين الأيمة الإسلامية خلاف الإمامة وعليه سل السيوف . وقد اتفق ذلك في الصدر الأول فاختلف المهاجرون والأنصار فيها . فقالت الأنصار : منا أمير ومنكم أمير . فاستدركهم أبو بكر وعمر في الحال . وقبل أن يشتغلوا بالكلام مد عمر يده إلى أبي بكر فبايعه وبايعه الناس وسكنت الثائرة . وبويع له في شهر ربيع الأول في أول سنة إحدى عشرة يوم توفي النبي عليه السلام في سقيفة بني ساعدة . وقيل لما بلغ ذلك علي بن أبي طالب لم ينكره . وأكثر ما روي انه قال : ما شاورتني . فقال له أبو بكر : ما اتسع الوقت للمشورة وانا خفنا أن يخرج الأمر منا . ثم صعد المنبر فقال : أقيلوني من هذا الأمر فلست بخيركم . فقال علي : لا نقيلك ولا نستقيلك . فأجمع المهاجرون والأنصار على خلافته . ولما ذاع خبر وفاة النبي عليه السلام ارتد خلق كثير من العرب ومنعوا الزكاة واشتد رعب المسلمين بالمدينة لإطباقهم على الردة . فأووا الذراري والعيال إلى الشعاب . فأمر أبو بكر خالد بن الوليد على الناس وبعثه في أربعة آلاف وخمسمائة . فسار حتى وافى المرتدة وناوشهم القتال وسبى ذراريهم وقسم أموالهم . وضج أيضاً المسلمون إلى أبي بكر فقالوا : ألا تسمع ما قد انتشر من ذكر هذا الكتاب مسيلمة بأرض اليمامة وادعائه النبوة . فأمر خالد بن الوليد بالمسير إلى محاربته . فسار بالناس حتى نزل بموضع يسمى عقرباء . وسار مسيلمة في جمع من بني حنيفة فنزل حذاء خالد . وكان بينهما وقعات واشتدت الحرب بين الفريقين واقتحم المسلمون بأجمعهم على مسيلمة وأصحابه فقتلوهم حتى احمرت الأرض بالدماء . ونظر عبد أسود اسمه وحشي إلى مسيلمة فرماه بحربة فوقعت على خاصرته فسقط عن فرسه قتيلاً . ومن هناك توجه خالد إلى أرض العراق فزحف إلى الحيرة ففتحها صلحاً . وكان ذلك أول شيء افتتح من العراق . وقد كان أبو بكر وجه قبل ذلك أبا عبيده بن الجراح في زهاء عشرين ألف رجل إلى الشام . وبلغ هرقل ملك الروم ورود العرب إلى أرض الشام فوجه إليهم سرجيس البطريق في خمسة آلاف رجل من جنوده ليحاربهم . وكتب أبو بكر إلى خالد عند افتتاحه الحيرة يأمره أن يسير إلى أبي عبيده بأرض الشام . ففعل والتقى العرب الروم فانهزم الروم وقتل سرجيس البطريق وذلك أنه في هربه سقط من فرسه فركبه غلمانه فسقط فركبوه ثانياً فهبط أيضاً وقال لهم : فوزوا بأنفسكم واتركوني أقتل وحدي . وفي سنة ثلث عشرة للهجرة مرض أبو بكر خمسة عشرة يوماً ومات رحمه الله يوم الاثنين لثمان خلون من جمادى الآخرة وهو ابن ثلاث وستين سنة . وكانت خلافته سنتين وأربعة أشهر إلا ثمانية أيام . وفيها وهي سنة تسعمائة وست وأربعين للاسكندر خالف هرقل الناموس وتزوج مرطياني ابنة أخيه وولدت منه ابناً غير ناموسي وسماه باسمه مصغراً هريقل .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;“ عمر بن الخطاب “&lt;br/&gt; ويكنى أبا حفص . قيل أن أبا بكر لما دنا أجله قال لعثمان ابن عفان كاتبه : اكتب بسم اله الرحمن الرحيم . هذا ما عمد عبد الله بن أبي قحافة وهو في آخر ساعات الدنيا وبأول ساعات الآخرة . ثم غمي عليه . فكتب عثمان : إلى عمر بن الخطاب . فلما أفاق قال : من كتبت . قال : عمر . قال : قد أصبت ما في نفسي . ولو كتبت نفسك لكنت أهلاً له . واجمعوا على ذلك . وكان يدعى خليفة خليفة رسول الله . قالوا : هذا يطول . فسمي أمير المؤمنين . وهو أو ل من سمي بذلك . ولما استخلف قام في الناس خطيباً فقال بعد الحمدلة : أيها الناس لولا ما أرجوه من ما أرجوه من خيركم وقوامكم عليه لما أوليتكم إلى غير ذلك . فلما ولي الأمر لم يكن له همة إلا العراق . فعقد لأبي عبيد بن مسعود على زهاء ألف رجل وأمره بالمسير إلى العراق ومعه المثنى بن حارثة وعمرو بن حزم وسليط بن قيس . فساروا حتى نزلوا الثعلبية . فقال سليط : يا أبا عبيد إياك وقطع هذه اللجة فإني أرى للعجم جموعاً كثيرة . والرأي أن تعبر بنا إلى ناحية البادية وتكتب إلى أمير المؤمنين عمر فتسأله المدد . فإذا جاءك عبرت إليهم فناجزهم الحرب . فقال أبو عبيد : جبنت والله يا سليط . فقال المثنى : والله ما جبن ولكن أشار عليك بالرأي فإياك أن تعبر إليهم فلتقي نفسك وأصحابك وسط أرضهم فتنشب بك مخالبهم . فلم يقبل منهما أبو عبيد وعقد الجسر وعبر بمن معه على كره منهما . فعبرا معه . وعبأ أبو عبيد أصحابه ووقف هو في القلب . فزحف إليهم العجم فرشقوهم بالنشاب حتى كثرت في المسلمين الجراحات . فحمل العرب جملة رجل واحد وكشفوا العجم . ثم أن العجم ثابوا وحملوا على المسلمين . فكان أبو عبيد أول قتيل وقتل من المسلمين عالم . فولى الباقون مارين نحو الجسر والمثنى يقاتل من ورائهم لجميعهم حتى عبروا جميعاً وعبر المثنى في آخرهم وقطعوا الجسر . وكتب إلى عمر بما جرى من المحاربة . وكتب إليه عمر أن يقيم إلى أن يأتيه المدد . ثم أن عمر أرسل رسله إلى قبائل العرب يستنفرهم . فلما اجتمعوا عنده بالمدينة ولى جرير بن عبد الله البجلي أمرهم . فسار بهم حتى وافى الثعلبية . وانضم إليه من هناك . ثم سار حتى نزل دير هند . ووجه سراياه للغارة بأرض السواد مما يلي الفرات . فبلغ ذلك ازرميدخت ملكة العجم فأمرت أن ينتدب من مقاتليها اثنا عشر ألف فارس من أبطالهم . فانتدبوا وولت عليهم مهران بن مهرويه عظيم المرازبة . فسار بالجيش حتى وافى الحيرة . ورجعت سرايا العرب واجتمعوا وتهيأ الفريقان للقتال وزحف بعضهم إلى بعض وتطاحنوا بالرماح وتضاربوا بالسيوف . وتوسط المثنى العجم يجلدهم بسيفه . ثم رجع منصرفاً إلى قومه . وصدقهم العجم القتال فثبت بعض العرب وانهزم البعض . فقبض المثنى على لحيته ينتفها . فحملت قبائل العرب وحملت عليهم العجم فاقتتلوا من وقت الزوال إلى أن توارت الشمس بالحجاب . ثم حملوا على العجم . وخرج مهران فوقف أمام أصحابه . فحمل عليه المثنى . فضربه مهران فنبا السيف عن الضربة . وضربه المثنى على منكبه فخر ميتاً وانهزم العجم لاحقين بالمدائن . وثاب المسلمون يدفنون موتاهم ويداوون جرحاهم . فلما نظرت العجم إلى العرب وقد أخذت أطراف بلادهم وشنوا الغارة في أرضهم قالوا : إنما أوتينا من تمليكنا النساء علينا . فاجتمعوا على خلع ازرميدخت بنت كسرى وتمليك غلام اسمه يزدجرد وقد كان نجم من عقب كسرى بن هرمز . فأجلسوه وبايعوه على السمع والطاعة . فاستجاش يزدجرد جنوده من آفاق مملكته وولى عليهم رجلاً عظيماً من عظماء مرازبته له سنٌّ وتجربة يقال له رستم . فوجهه إلى الحيرة ليحارب من ورد عليه هناك من العرب . وعقد أيضاً لرجل آخر من حر سادات العجم يسمى الهرمزان في جنود كثيرة ووجهه إلى ناحية الأهواز لمحاربة أبي موسى الاشعري ومن معه . وعند الالتقاء قتل هاذان المرزبانان العظيمان . ومرت العرب في أثر العجم يقتلون من أدركه منهم .&lt;br/&gt; وفي خلافة عمر عمر فتح أبو عبيده دمشق بعد حصار سبعة أشهر . وصالح أهل ميسان وطبرية وقيسارية وبعلبك . وفتح حمص بعد حصار شهرين . وفيها كتب عمر إلى معاوية بن أبي سفيان بولاية دمشق . وفيها دخل ميسرة بن مسروق العبسي أرض الروم في أربعة آلاف وهو أول جيش دخل الروم . وفيها فتح عمرو بن العاص مصر عنوةً وفتح الإسكندرية صلحاً . وفيها دخل عياض بن غنم سروج والرها صلحاً . وفيها افتتح أيضاً الرقة وآمد ونصيبين وطور وعبدين وماردين صلحاً . وفتح حبيب بن مسلمة قرقيسياء صلحاً . وفيها فتح عتبة بن تغزوان قرى البصرة ثم سار حتى وافى الأيلة فافتتحها عنوة . ثم صار إلى المدائن فحارب مرزبانها وضرب عنقه وقتل من جنوده مقتلة عظيمة . ثم أن عتبة كتب إلى عمر يستأذنه في الحج . فاستعمل عمر على عملة المغيرة بن شعبة . ثم عزله واستعمل على أرض ميسان أبا موسى الاشعري وأمره أن يبتني بأرض البصرة خططاً لمن عنده من العرب ويجعل كل قبيلة في محلة . وابتنوا لأنفسهم المنازل . وبنى بها مسجداً جامعاً متوسطاً . وعند فراغه من بناء مدينة البصرة اسكن فيها ذرية من كان بها من العرب وسار في جنوده إلى جميع كور الأهواز فافتتحها إلا مدينة تستر فإنهم امتنعوا لحصانتها . وفيها رحل هرقل من إنطاكية إلى القسطنطينية وهو يقول باليونانية سوزه سورية . وهي كلمة وداع لأرض الشام وبلادها . ثم مات هرقل وقام ابنه قسطنطين مكانه وبعد أربعة أشهر قتلته مرطياني امرأة أبيه بالسم وأقامت ابنها هريقل وسمته داود الحديث . فنقم أرباب الدولة أمره وخلعوه وملكوا قسطوس ابن القتيل . وفيها افتتح عبد الله بن بديل أصفان صلحاً . وفيها فتح جرير البجلي همذان . وفيها كانت وقعة نهاوند . وفيها افتتح معاوية عسقلان بصلح في شهر رمضان . ومات عمر يوم الأربعاء لخمس بقين من ذي الحجة سنة ثلث وعشرين للهجرة وعمره ثلث وستون سنة . وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وسبعة عشر يوماً . قتله أبو لؤلؤة فتى المغيرة بن شعبة في صلاة الفجر . وكان السبب في ذلك أن أبا لؤلؤة جاء إليه يشكو ثقل الخراج وكان عليه كل يوم درهمان . فقال له عمر : ليس بكثير في حقك فإني سمعت عنك أنك لو أردت أن تدير الرحى بالريح لقدرت عليه . فقال : لأديرن لك رحى لا تسكن إلى يوم القيامة . فقال : إن العبد أوعد ولو كنت أقتل أحداً بالتهمة لقتلت هذا . ثم أن الغلام ضربه بالخنجر في خاصرته طعنتين . فدعا عمر طبيباً لينظره فسقا لبناً فخرج اللبن بيناً . فقال له : أعهد يا أمير المؤمنين .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt; وفي هذا الزمان اشتهر بين الإسلاميين يحيى المعروف عندنا بغرماطيقوس أي النحوي . وكان اسكندرياً يعتقد اعتقاد النصارى اليعقوبية ويشيد عقيدة ساوري . ثم رجع عما يعتقده النصارى في التثليث . فاجتمع إليه الأساقفة بمصر وسألوه الرجوع عما هو عليه . فلم يرجع . فأسقطوه عن منزلته . وعاش إلى أن فتح عمرو بن العاص مدينة الإسكندرية . ودخل على عمرو وقد عرف موضعه من العلوم فأكرمه عمرو وسمع من ألفاظه الفلسفية التي لم تكن للعرب بها انسة ما هاله ففتن به . وكان عمرو عاقلاً حسن الاستماع صحيح الفكر فلازمه وكان لا يفارقه .&lt;br/&gt; ومن الأطباء المشهورين في هذا الزمان بولس الاجانيطي طبيب مذكور في زمانه وكان خيراً خبيراً بعلل النساء كثير المعاناة لهنّ . وكانت القوابل يأتينه ويسألنه عن الأمور التي تحدث للنساء عقيب الولادة فينعم بالجواب لهنَّ ويجيبهنَّ عن سؤالهنّ بما يفعلنه . فلذلك سموه بالقوابلي . وله كتاب في الطب تسع مقالات نقل حنين بن اسحق . وكتاب في علل النساء . ومنهم مغنوس له ذكر بين الأطباء ولم نر له تصنيفاً .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&amp;quot; عثمان بن عفان &amp;quot;&lt;br/&gt; ويكنى أبا عمرو . بويع له لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلث وعشرين للهجرة . قيل لما ضرب أبو لؤلؤة عمر بالخنجر وشرب اللبن فخرج من جراحه فقالوا له : اعهد إلى من تكون الخلافة بعدك . قال : لو كان سالم حياً لم أعدل به . قيل له : هذا علي بن طالب وقد تعرف قرابته وتقدمه وفضله . قال : فيه دعابة أي مزاح . قيل : فعثمان بن عفان . قال : هو كلف بأقاربه . قيل : فهذا الزبير بن العوام حواري النبي عليه السلام . قال : بخيل . قيل : فهذا سعد . قال : فارس مقنب . والمقنب ما بين الثلاثين إلى الأربعين من الخيل . قيل : فهذا طلحة ابن عم أبي بكر الصديق . قال : لولا بأوٌ فيه أي كبر وخيلاء . قيل : فابنك . قال : يكفي أن يسأل واحد من آل الخطاب عن إمرة أمير المؤمنين . ولكن جعلت هذا الأمر شورى بين ستة نفر وهم عثمان وعلي وطلحة والزبير وأبو عبيدة وسعد بن أبي وقاص إلى ثلاثة أيام . فلما دفن عمر جاء أبو عبيدة إلى علي بن أبي طالب فقال له : هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وسنة الشيخين . قال : أما كتاب الله وسنة نبيه فنعم . وأما سنة الشيخين فأجتهد رأي . فجاء إلى عثمان فقال له : هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وسنة الشيخين . قال : اللهم نعم . فبايعه أبو عبيدة والجماعة ورضوا به . وأول ما فتح في خلافته ماه البصرة وما كان بقى من حدود أصفهان والري على يد أبي موسى الأشعري . ثم بعث عثمان عبد الله بن عامر إلى اسطخر وبها يزدجرد . فركب المفازة حتى أبي كرمان وأخذ على طريق سجستان يريد الصين . وجاء مجاشع إلى سجستان . ثم انصرف لما لم يدرك يزدجرد وعاد إلى فارس .فاشتد خوف يزدجرد واستمد طرخان التركي لنصرته . ولما ورد استخف به وطرده لكلام تكلم به الترك . وعند انصرافهم أرسل ماهويه مرزبان مرو وكان قد خامر على يزدجرد إلى طرخان أن : كر عليه فاني ظاهرك . فكر طرخان على يزدجرد . فولى يريد المدينة . فاستقبله ماهويه فمزقه كل ممزق . وقيل أن يزدجرد انتهى إلى طاحونة بقرية من قرى مرو فقال للطحان : اخفني ولك منطقتي وسواري وخاتمي . فقال للرجل : إن كرى الطاحونة كل يوم أربعة دراهم . فإن اعطيتنيها عطلتها وإلا فلا . فبينا هو في راجعته إذ غشيته الخيل فقتلوه . وانتزع عثمان عمرو بن العاص عن الإسكندرية وأمر عليها عبد الله بن مسعود أخاه لأمه . فغزا إفريقية وغزا معاوية قبرص وأنقرة فافتتحها صلحاً . ثم أن الناس نقموا على عثمان أشياء منها كلفه بأقاربه . فآوى الحكم بن العاص بن أمية طريد النبي عليه السلام . وأعطى عبد الله بن خالد أربعمائة ألف درهم . وأعطى الحكم مائة ألف درهم . ولما ولي صعد المنبر فتسنم ذروته حيث كان يقعد النبي عليه السلام . وكان أبو بكر ينزل عنه درجة وعمر درجتين . فتكلم الناس عن ذلك وأظهروا الطعن . فخطب عثمان وقال : هذا مال الله أعطيه من شئت وامنعه ممن شئت . فأرغم الله انف من رغم انفه . فقام عمار بن ياسر فقال : أنا أول من رغم أنفه . فوثب بنو أمية عليه وضربوه حتى غشي عليه . فحنقت العرب على ذلك وجمعوا الجموع ونزلوا فرسخاً من المدينة وبعثوا إلى عثمان من يكلمه ويستعتبه ويقول له : إما أن تعدل أو تعتزل . وكان أشد الناس على عثمان طلحة والزبير وعائشة . فكتب عثمان إليهم كتاباً يقول فيه : إني أنزع عن كل شيءٍ أنكرتموه وأتوب إلى الله . فلم يقبلوا منه وحاصروه عشرين يوماً . فكتب إلى علي : أترضى أن يقتل ابن عمك ويسلب ملكك . قال علي : لا والله . وبعث الحسن والحسين إلى بابه يحرسانه . فتسور محمد ابن أبي بكر مع رجلين حائط عثمان فضربه أحدهم بغتةً بمشقص في أوداجه وقتله الآخر والمصحف في حجره وذلك لعشر مضين من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة بالتقريب وعمره نيف وثمانون سنة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; “ علي بن أبي طالب “&lt;br/&gt; لما قتل عثمان اجتمع الناس من المهاجرين والأنصار فأتوا علياً وفيهم طلحة والزبير ليبايعوه . فقال علي لطلحة والزبير : إن أحببتما أن تبايعاني وإن أحببتما بايعتكما . قالا له : لا بل نبايعك . فخرجوا إلى المسجد وبايعه الناس يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة سنة خمس وثلثن للهجرة . وكان أول مبايعيه طلحة . وكان في إصبعه شلل فتطير منه حبيب بن ذؤيب وقال : يد شلاء لا يتم هذا الأمر ما أخلقه أن يتنكث . وتخلف عن بيعة علي بنو أمية ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص والوليد بن عقبة . ولم يبايعه العثمانية من الصحابة وكانت عائشة تؤلب على عثمان وتطعن فيه وكان هواها في طلحة . فبينا هي قد أقبلت راجعة من الحج استقبلها راكب . فقالت : ما ورائك . قال : قتل عثمان . قالت : كأني أنظر إلى الناس يبايعون طلحة . فجاء راكب آخر . فقالت : ما وراءك . قال : بايع الناس علياً . واعثماناه ما قتله إلا علي . لإصبع من عثمان خير من طباق الأرض أمثالهم . فقال لها الرجل من أخوالها : والله أول من أمال حرفه لأنت . ولقد كنت تقولين : اقتلوا نعثلاً فقد كفر . قالت : إنهم استتابوه ثم قتلوه . ونعثل اسم رجل كان طويل اللحية وكان عثمان إذا نيل منه وعيب شبه به لطول لحيته . ثم انصرفت عائشة إلى مكة وضربت فسطاطاً في المسجد . وأراد علي أن ينزع معاوية عن الشام فقال له المغيرة بن شعبة : اقررمعاوية على الشام فإنه يرضى بذلك . وسأل طلحة وزبير أن يوليهما البصرة والكوفة . فأبى وقال : تكونان عندي أتجمل بكما فإني استوحش لفراقكما . فاستأذناه في العمرة فأذن لهما . فقدما على عائشة وعظما أمر عثمان . ولما سمع معاوية بقول عائشة في علي ونقض طلحة والزبير البيعة ازداد قوة وجراءة وكتب إلى الزبير : إني قد بايعتك ولطلحة من بعدك فلا يفوتكما العراق . وأعانهما بنو أمية وغيرهم وخرجوا بعائشة حتى قدموا البصرة فأخذوا ابن حنيف أميرها من قبل علي فنالوا من شعره ونتفوا لحيته وخلوا سبيله فقصد علياً وقال له : بعثني ذا لحية وقد جئتك أمرد . قال : أصبت أجراً وخيراً . وقتلوا من خزنة بيت المال خمسين رجلاً وانتهبوا الأموال . وبلغ ذلك علياً فخرج من المدينة وسار بتسعمائة رجل . وجاءه من الكوفة ستة آلاف رجل . وكانت الوقعة بالخريبة . فبرز القوم للقتال وأقاموا الجمل وعائشة في هودج ونشبت الحرب بينهم فخرج علي ودعا الزبير وطلحة وقال للزبير : ما جاء بك . قال : لا أراك لهذا الأمر أهلاً . وقال لطلحة : أجئت بعرس النبي تقاتل بها وخبيت عرسك في البيت . أما بايعتماني . قالا : بايعناك والسيف على عنقنا . وأقبل رجل سعدي من أصحاب علي فقال بأعلى صوته : يا أم المؤمنين والله لقتل عثمان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون إنه قد كان لك من الله ستر وحرمة فهتكتِ ستركِ وأبحتِ حرمتكِ . ثم اقتتل الناس . وفارق الزبير المعركة فاتبعه عمر بن جرموز وطعنه في جربان درعه فقتله . وأما طلحة فأتاه سهم فأصابه فأردفه غلامه فدخل البصرة وأنزله في دار خربة ومات بها . وقتل تسعون رجلاً على زمام الجمل . وجعلت عائشة تنادي : البقية البقية . ونادى علي : اعقروا الجمل . فضربه رجل فسقط . فحمل الهودج موضعاً وإذا هو كالقنفذ لما فيه من السهام . وجاء علي حتى وقف عليه وقال لمحمد بن أبي بكر : انظر أحية هي أم لا . فأدخل محمد رأسه في هودجها . فقالت : من أنت . قال : أخوك البر . فقالت : عقق . قال : يا أخيّة هل أصابك شيء . فقالت : ما أنت وذاك . ودخل علي البصرة ووبخ أهلها وخرج منها إلى الكوفة . ولما بلغ معاوية خبر الجمل دعا أهل الشام إلى القتال والمطالبة بدم عثمان . فبايعوه أميراً غير خليفة . وبعث علي رسولاً إلى معاوية يدعوه إلى البيعة . فأبى . فخرج علي من الكوفة في سبعين ألف رجل . وجاء معاوية في ثمانين ألف رجل فنزل صفين وهو موضع بين العراق والشام فسبق علياً على شريعة الفرات . فبعث علي الأشتر النخعي فقاتلهم وطردهم وغلبهم على الشريعة . ثم ناوشوا الحرب أربعين صباحاً حتى قتل من العراقيين خمسة وعشرون ألفاً ومن الشاميين خمسة وأربعون ألفاً . ثم خرج علي وقال لمعاوية : علام تقتل الناس بيني وبينك . أحاكمك إلى الله عز وجل فأينا قتل صاحبه استقام الأمر له . فقال معاوية لأصحابه : يعلم أنه لا يبارزه أحد إلا قتله . فأمرهم أن ينشروا المصاحف وينادوا : يا أهل العراق بيننا وبينكم كتاب الله ندعوكن اليه . قال علي : هذا كتاب الله فمن يحكم بيننا . فاختار الشاميون عمرو بن العاص والعراقيون أبا موسى الاشعري . فقال الأحنف : إن أبا موسى رجلٌ قريب القعر كليل الشفرة اجعلني مكانه آخذ لك بالوثيقة وأضعك في هذا الأمر بحيث تحب . فلم يرضى به أهل اليمن . فكتبوا القضية على أن يحكم الحكمان بكتاب الله والسنّة والجماعة وصيروا الأجل شهر رمضان . ورحل علي إلى الكوفة ومعاوية إلى الشام . فلما دخل علي الكوفة اعتزل اثنا عشر ألفاً من القراء وهم ينادونه : جزعت من البلية ورضيت بالقضية وحكمت الرجال والله يقول : أن الحكم إلا الله . ثم اجتمع أبو موسى الاشعري وعمرو بن العاص للتحكم بموضع بين مكة والكوفة والشام بعد صفين بثمانية أشهر وحضر جماعة من الصحابة والتابعين . فقال ابن العباس لأبي موسى : مهما نسيت فلا تنسى أن علياً ليست فيه خلة واحدة تباعده عن الخلافة وليس في معاوية خصلة واحدة تقربه من الخلافة . فلما اجتمع أبو موسى وعمرو للحكومة ضربا فسطاطاً . وقال عمرو :يجب أن لا نقول شيئاً إلا كتبناه حتى لا نرجع عنه . فدعا بكاتب وقال له سراً : ابدأ باسمي . فلما أخذا الكاتب الصحيفة وكتب البسملة بدأ باسم عمرو . فقال له عمرو : امحه وابدأ باسم أبي موسى فإنه أفضل مني وأولى بأن يقدم . وكانت منه خديعة . ثم قال : ما تقول يا أبا موسى في قتل عثمان . قال : قتل والله مظلوماً . قال : أكتب يا غلام . ثم قال : يا أبا موسى إن إصلاح الأمة وحقن الدماء خير مما وقع فيه علي ومعاوية . فإن رأيت أن تخرجهما وتستخلف على الأمة من يرضى به المسلمون فإن هذه أمانة عظيمة في رقابنا . قال : لا بأس بذلك . قال عمرو : اكتب يا غلام . ثم ختما على ذلك الكتاب . فلما قعدا من الغد للنظر قال عمرو : يا أبا موسى قد أخرجن علياً ومعاوية من هذا الأمر فسم له من شئت . فسمى عدة لا يرتضيهم عمرو . فعرف أبو موسى أنه يتلعب به . إليه . قال علي : هذا كتاب الله فمن يحكم بيننا . فاختار الشاميون عمرو بن العاص والعراقيون أبا موسى الاشعري . فقال الأحنف : إن أبا موسى رجلٌ قريب القعر كليل الشفرة اجعلني مكانه آخذ لك بالوثيقة وأضعك في هذا الأمر بحيث تحب . فلم يرضى به أهل اليمن . فكتبوا القضية على أن يحكم الحكمان بكتاب الله والسنّة والجماعة وصيروا الأجل شهر رمضان . ورحل علي إلى الكوفة ومعاوية إلى الشام . فلما دخل علي الكوفة اعتزل اثنا عشر ألفاً من القراء وهم ينادونه : جزعت من البلية ورضيت بالقضية وحكمت الرجال والله يقول : أن الحكم إلا الله . ثم اجتمع أبو موسى الاشعري وعمرو بن العاص للتحكم بموضع بين مكة والكوفة والشام بعد صفين بثمانية أشهر وحضر جماعة من الصحابة والتابعين . فقال ابن العباس لأبي موسى : مهما نسيت فلا تنسى أن علياً ليست فيه خلة واحدة تباعده عن الخلافة وليس في معاوية خصلة واحدة تقربه من الخلافة . فلما اجتمع أبو موسى وعمرو للحكومة ضربا فسطاطاً . وقال عمرو :يجب أن لا نقول شيئاً إلا كتبناه حتى لا نرجع عنه . فدعا بكاتب وقال له سراً : ابدأ باسمي . فلما أخذا الكاتب الصحيفة وكتب البسملة بدأ باسم عمرو . فقال له عمرو : امحه وابدأ باسم أبي موسى فإنه أفضل مني وأولى بأن يقدم . وكانت منه خديعة . ثم قال : ما تقول يا أبا موسى في قتل عثمان . قال : قتل والله مظلوماً . قال : أكتب يا غلام . ثم قال : يا أبا موسى إن إصلاح الأمة وحقن الدماء خير مما وقع فيه علي ومعاوية . فإن رأيت أن تخرجهما وتستخلف على الأمة من يرضى به المسلمون فإن هذه أمانة عظيمة في رقابنا . قال : لا بأس بذلك . قال عمرو : اكتب يا غلام . ثم ختما على ذلك الكتاب . فلما قعدا من الغد للنظر قال عمرو : يا أبا موسى قد أخرجن علياً ومعاوية من هذا الأمر فسم له من شئت . فسمى عدة لا يرتضيهم عمرو . فعرف أبو موسى أنه يتلعب به .&lt;br/&gt;ثم قال عمرو : إن هذا قد خلع صاحبه وأنا أيضاً خلعته كما خلعت هذا الخاتم من يدي . وافترقا . وعزم علي المسير إلى معاوية . وبايعه ستون ألفاً على الموت . فشغلته الخوارج وقتالهم . وأخذ معاوية في تسريب السرايا إلى النواحي التي يليها عمال علي وشن الغارات وبعث جيشاً إلى المدينة ومكة . فبايعه بقية أهلها . ثم تعاقد ثلثة نفر من الخوارج داود والبرك وابن ملجم أن يقتلوا عمرو بن العاص ومعاوية وعلياً ويريحوا العباد من أيمت الضلال . أما داود فإنه أتى إلى مصر ودخل المسجد وضرب خارجة ابن حذاقة فقتله وهو يظنه عمراً . وأخذ داوديه فقتل . وأما البرك فإنه مضى إلى الشام ودخل المسجد وضرب معاوية فقطع منه عرقاً فانقطع منه النسل . فأخذ البرك فقطعت يداه ورجلاه وخلي عنه . فقدم البصرة ونكح امرأة فولدت له . فقال له زياد : يولد لك ولا يولد لمعاوية . فضرب عنقه . وأما ابن ملجم فإنه أتى الكوفة وسم سيفه وشحذه وجاء فبات بالمسجد . فدخل علي المسجد ونبه النيام فركل ابن ملجم برجله وهو ملتف بعباءة وفتح ركعتي الفجر . فأتاه ابن الملجم فضربه على ضلعه ولم تبلغ الضربة مبلغ القتل ولكن عمل فيه السم . فثار الناس إليه وقبضوا عليه . فقال علي : لا تقتلوه فإن عشت رأيت فيه رأيي وإن مت فشأنكم به . فعاش ثلث أيام ثم مات يوم الجمعة لسبع عشرة من رمضان . فقتل ابن ملجم .&lt;br/&gt; &amp;quot; الحسن بن علي بن أبي طالب &amp;quot;&lt;br/&gt; ثم بويع الحسن بن علي بالكوفة . وبويع معاوية بالشام في مسجد ايليا . فسار الحسن عن الكوفة إلى لقاء معاوية . وكان قد نزل مسكن من أرض الكوفة . ووصل الحسن إلى المدائن وجعل قيس بن سعد على مقدمته واثني عشر ألفاً . وقدم معاوية على مقدمته بشر بن أرطأة . فكانت بينه وبين قيس مناوشة . ثم تحاجزوا ينتظرون الحسن . &amp;quot; قالوا &amp;quot; فنظر الحسن إلى ما يسفك من الدماء وينتهك من المحارم فقال : لا حاجة لي في هذا الأمر وقد رأيت أن أسلمه إلى معاوية فيكون في عنقه تباعته وأوزاره . فقال له الحسين : أنشدك الله أن تكون أول من عاب أباه ورغب في رأيه . فقال الحسن : لا بد من ذلك . وبعث إلى معاوية يذكر تسليمه الأمر إليه . فكتب إليه معاوية : أما بعد فأنت أولى مني بهذا الأمر لقرابتك وكذا وكذا . ولو علمت أنك أضبط له وأحوط على حريم هذه الأمة وأكيد للعدو لبايعتك . فاسأل ما شئت . فكتب الحسن أموالاً وضياعاً وأماناً لشيعة علي وأشهد على ذلك شهوداً من الصحابة . وكتب في تسليم الأمر كتاباً . فالتقى معاوية مع الحسن على منزل من الكوفة ودخلا الكوفة معاً . ثم قال : يا أبا محمد جدت بشيء لا تجود بمثله نفوس الرجال فقم وأعلم الناس بذلك . فقام الحسن فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس إن الله عز وجل هداكم بأولنا وحقن دمائكم بآخرنا . وإن معاوية نازعني حقاً لي دونه فرأيت أن أمنع الناس الحرب وأسلمه إليه . وإن لهذا الأمر مدة . والدنيا دول . فلما قالها قال له معاوية : اجلس . وحقدها عليه . ثم قام خطيباً فقال : إني كنت شرطت شروطاً أردت بها نظام الألفة . وقد جمع الله كلمتنا وأزال فرقتنا . فكل شرط شرطته فهو مردود . فقام الحسن : ألا وأنا اخترت العار على النار . وسار إلى المدينة وأقام بها إلى أن مات سنة سبع وأربعين من الهجرة . وكانت خلافته خمسة أشهر .&lt;br/&gt; &amp;quot; معاوية بن أبي سفيان &amp;quot;&lt;br/&gt; وصار الأمر إلى معاوية سنة أربعين من الهجرة . وكان ولي لعمر وعثمان عشرين سنة . ولما سلم الحسن الأمر إليه ولى الكوفة المغيرة بن شعبة وولى البصرة وخراسان عبد الله بن عامر وولى المدينة مروان بن الحكم . وانصرف معاوية إلى الشام فولى عبد الله بن حازم . ومات عمرو بن العاص بمصر يوم عيد الفطر فصلى عليه ابنه عبد الله ثم صلى بالناس صلاة العيد . وكان معاوية قد أزكى العيون على شيعة علي فقتلهم أين أصابهم .&lt;br/&gt;وفي سنة ست وأربعين من الهجرة وهي سنة تسعمائة وسبع وثمانين للاسكندر أرسل سابور المتغلب على أرمانيا إلى معاوية رسولاً اسمه سرجي يطلب منه النجدة على الروم . وأرسل قسطنطين الملك أيضاً رسولاً إلى معاوية لاندراا الخصي وهو من أخص خواصه . فأذن معاوية لسرجي أن يدخل أولاً فدخل ثم دخل اندراا . فلما رآه سرجي نهض له لأنه كان عظيماً . فوبخ معاوية لسرجي وقال : إذا كان العبد هالك فكيف مولاه . فقال سرجي : خدعت من العادة . ثم سأل معاوية لاندراا : لماذا جئت . فقال : الملك سيوني لئلا تصغوا إلى كلام هذا المتمرد ولا يكون الملك والمملوك عندك بسواء . فقال معاوية : كلكم أعداء لنا . فأيكم زاذ لنا من المال راعيناه . فلما سمع ذلك اندراا خرج . ومن الغد حضر وسرجي قد سبقه بالدخول . فلما دخل اندراا لم ينهض له . فشتمه اندراا فقال له : يا يؤوس استخففت بي . فقذفه سرجي قذف المخانيث . قال اندراا : سوف ترى . ثم أعاد كلامه الأول على معاوية فقال له معاوية : إن أعطيتمونا كل خراج بلادكم نبقي لكم اسم المملكة وإلا أزحناكم عنها . قال اندراا : كأنك تزعم أن العرب هم الجسم والروم الخيال . نستعين برب السماء . ثم استأذن للرحيل وسار مجتازاً على ملطية . وتقدم إلى مستحفظي الثغور أن يكمنوا لسرجي في الطريق ويلزموه ويحملوه إلى ملطية وينزعوا خصيتيه ويعلقوهما في رقبته ثم يسمروه . ففعلوا به كذلك . وقيل أن معاوية أول من خطب قاعداً لأنه كان بطيناً بادناً . وأول من قدم الخطبة على الصلاة خشية أن يتفرق الناس عنه قبل أن يقول ما بدا له . ثم أخذ بيعة أهل المدينة ومكة ليزيد ابنه بالسيف وبايعه الشاميون أيضاً . ثم مات معاوية بدمشق في رجب سنة ستين وهو ابن ثمانين سنة . وبايع أهل الشام يزيد بن معاوية .&lt;br/&gt; &amp;quot; يزيد بن معاوية &amp;quot;&lt;br/&gt; لما مات معاوية استدعى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وهو على المدينة الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير في جوف الليل ونعى لهما معاوية وأخذهما بالبيعة لابنه يزيد . فقالا : مثلنا لا يبايع سراً ولكن إذ نصبح . وانصرفا من عنده وخرجا من تحت الليل إلى مكة وأبيا أن يبايعا . وبلغ أهل الكوفة امتناعهما عن بيعة يزيد فكتبوا إلى الحسين في القدوم عليهم . فأرسل الحسين مسلم بن عقيل بن أبي طالب إلى الكوفة ليأخذ بيعة أهلها . فجاء واجتمع إليه خلق كثير من الشيعة يبايعون الحسين . وبلغ الخبر عبيد الله بن زياد وهو بالبصرة فتم إلى الكوفة . فسار إليه الشيعة وقاتلوه حتى دخل القصر وأغلق بابه . فلما كان عند المساء وتفرق الناس عن مسلم بعث ابن زياد خيلاً في خفية فقبضوا عليه ورفعوه بين شرف القصر ثم ضربوا عنقه . ولما بلغ الخبر الحسين هم بالرجوع إلى المدينة . وبعث إليه ابن زياد الحر بن يزيد التميمي في ألف فارس . فلقي الحسين بزبالة وقال له : لم أؤمر بقتالك إنما أمرت أن أقدمك إلى الكوفة . فإذا أبيت فخذ طريقاً لا يدخلك إلى الكوفة ولا يردك إلى المدينة حتى أكتب إلى ابن زياد . فتياسر عن طريق التعذيب والقادسية والحر يسايره حتى أنتهى إلى الغاضرية فنزل بها . وقدم عليه عمر بن سعد بن أبي وقاص في أربعة آلاف ومعه شمر ذو الجيوش فنزلوا بين نهري كربلاء وجرت الرسل بينهم وبين الحسين ومنعوه ومن معه الماء أن يشربوا وناهضهم القتال يوم عاشوراء وهو يوم الجمعة ومعه تسعة عشر إنساناً من أهل بيته فقتل الحسين عطشاناً وقتل معه سبعة من ولد علي بن أبي طالب وثلاثة من ولد الحسين . وتركوا علي ابن الحسين لأنه كان مريضاً . فمنه عقب الحسين إلى اليوم . وقتل من أصحابه سبعة وثمانون إنسانا . وساقوا علي بن الحسين مع نسائه وبناته إلى ابن زياد . فزعموا أنه وضع رأس الحسين في طست وجعل ينكت في وجهه بقضيب ويقول : ما رأيت مثل حسن هذا الوجه قط . ثم بعث به وبأولاده إلى يزيد بن معاوية . فأمر نسائه وبناته فأقمن بدرجة المسجد حيث توقف الاسارى لينظر الناس إليهم . وقتل الحسين سنة إحدى وستين من الهجرة يوم عاشوراء وهو يوم الجمعة . وكان قد بلغ من السن ثمانياً وخمسين سنة . وكان يخضب بالسواد . ثم بعث يزيد بأهله وبناته إلى المدينة . وللروافض في هذه القصة زيادات وتهاويل كثيرة . ولما احتضر يزيد بن معاوية بايع ابنه معاوية ومات وهو ابن ثماني وثلاثين سنة . وكان ملكه ثلث سنين وثمانية أشهر .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;“ معاوية بن يزيد “&lt;br/&gt; ولما مات يزيد صار الأمر إلى ولده معاوية وكان قدرياً لأن عمر المقصوص كان علمه ذلك فدان به وتحققه . فلما بايعه الناس قال للمقصوص : ما ترى . قال : إما أن تعتدل أو تعتزل . فخطب معاوية بن يزيد فقال : إن جدي معاوية نازع الأمر من كان أولى به وأحق . ثم تقلده أبي . ولقد كان غير خليق به . ولا أحب أن ألقى الله عز وجل بتبعاتكم . فشأنكم وأمركم ولوه من شئتم . ثم نزل وأغلق الباب في وجهه وتخلى بالعبادة حتى مات بالطاعون . وكانت ولايته عشرين يوماً . فوثب بنو أمية على عمر المقصوص وقالوا : أنت أفسدته وعلمته . فطمروه ودفنوه حياً . وأما ابن الزبير فلما مات يزيد دعا الناس إلى البيعة لنفسه وادعى الخلافة فظفر بالحجاز والعراق وخراسان واليمن ومصر والشام إلا الأردن .&lt;br/&gt; &amp;quot; مروان بن الحكم &amp;quot;&lt;br/&gt; بويع بالأردن سنة أربع وستين للهجرة وهو أول من أخذ الخلافة بالسيف . وسار إليه الضحاك بن قيس فاقتتلوا بمرج راهط من غوطة دمشق . فقتل الضحاك . وخرج سليمان بن صرد الخزاعي من الكوفة في أربعة آلاف من الشيعة يطلبون بدم الحسين فبعث إليه مروان بن الحكم عبيد الله بن زياد فالتقوا برأس العين فقتل سليمان وتفرق أصحابه . ومات مروان بدمشق وكانت ولايته سبعة أشهر وأياماً . وبايع أهل الشام عبد الملك بن مروان .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt; قال ابن جلجل الأندلسي أن ماسرجويه الطبيب البصري سرياني اللغة يهودي المذهب . وهو الذي تولى في أيام مروان تفسير كناش اهرون القس إلى العربي . وحدث أيوب بن الحكم أنه كان جالساً عند ماسرجويه إذ أتاه رجل من الخوز فقال : إني بليت بداء لم يبل أحد بمثله . فسأله عن دائه . فقال : اصبح وبصري مظلم علي وأنا أصيب مثل لحس الكلاب في معدتي فلا تزال هذه حالي إلى أن أطعم شيئاً فإذا طعمت سكن ما أجد إلى وقت انتصاف النهار . ثم يعاودني ما كنت فيه . فإذا عاودت الأكل سكن ما بي إلى وقت صلاة العتمة . ثم يعاودني فلا أجد له دواء إلا معاودة الأكل . فقال له ماسرجويه : على دائك هذا غضب الله . فإنه أساء لنفسه الاختيار حين قرنه بسفلة مثلك ولوددت أن هذا الداء تحول إلي وإلى صبياني فكنت أعوضك مما نزل بك مثل نصف ما أملك . فقال له الخوزي : ما افهم عنك . قال ماسرجويه : هذه صحة لا تستسحقها أسأل الله نقلها عنك إلى من هو أحق بها منك .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt; &amp;quot; عبد الملك بن مروان &amp;quot;&lt;br/&gt; بويع سنة خمس وستين بالشام . وأما ابن الزبير فبعث أخاه مصعباً على العراق . فقدم البصرة وأعطاه أهلها الطاعة واستولى مصعب على العراقيين . فسار إليه عبد الملك بن مروان فالتقوا بسكن . وقتل مصعب واستقام العراق لعبد الملك . وكان الحجاج بن يوسف على شرطه . فرأى عبد الملك من نفاذه وجلادته ما أعجب به ورجع إلى الشام ولا هم له دون ابن الزبير . فأتاه الحجاج فقال : ابعثني إليه فإني أرى في المنام كأني أقتله وأسلخ جلده . فبعثه إليه . فقتله وسلخ جلده وحشاه تبناً وصلبه . وكانت فتنة ابن الزبير تسع سنين منذ موت معاوية إلى أن مضت ست سنين من ولاية عبد الملك . وولي الحجاج الحجاز واليمامة . وبايع أهل مكة لعبد الملك بن مروان . وزعم قوم أن الحجاج بلاء صبه الله على أهل العراق . ولم قدم الكوفة دخل المسجد وصعد يوماً المنبر وسكت ساعة ثم نهض وقال : والله يا أهل العراق إني أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها .فكأني أنظر إلى الدماء من فوق العمائم واللحى . وفي سنة سبعين للهجرة وهي سنة ألف للاسكندر استجاش يوسطينيانوس ملك الروم على من بالشام من المسلمين . فصالحه عبد الملك على أن يؤدي إليه كل يوم جمعة ألف دينار . وقيل كل يوم ألف دينار وفرساً ومملوكاً . وفي سنة ثلث وثمانين بنى الحجاج مدينة واسط . وفي سنة ست وثمانين توفي عبد الملك بن مروان . وكان يقول : أخاف الموت في شهر رمضان . فيه ولدت وفيه فطمت وفيه جمعت القرآن وفيه بايع لي الناس . فمات في النصف من شوال حين أمن الموت على نفسه . وكان ابن ستين سنة وكانت خلافته من لدن قتل ابن الزبير ثلث عشرة سنة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;واختصّ بخدمة الحجاج بن يوسف تياذوق وثاودون الطبيبان . أما تياذوق فله تلاميذ أجلاء تقدموا بعده ومنهم من أدرك الدولة العباسية كفرات بن شحناثا في زمن المنصور . وأما ثاودون فله كناش كبير عمله لابنه . وقيل دخل إلى الحجاج يوماً فقال له الحجاج : أي شيء دواء أكل الطين . فقال : عزيمة مثلك أيها الأمير . فرمى الحجاج بالطين ولم يعد إلى أكله بعدها .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt; &amp;quot; الوليد بن عبد الملك &amp;quot;&lt;br/&gt; لما ولي الأمر أقر العمال على النواحي . وفي ولايته خرج قتيبة بن مسلم إلى ما وراء النهر . فجاشت الترك والسغد والشاش وفرغانة وأحدقوا به أربعة أشهر . ثم هزمهم وافتتح بخاراً . ثم مضى حتى أناخ على سمرقند فافتتحها صلحاً . وفي أيامه مات الحجاج . ذكروا أنه أخذه السل وهجره النوم والرقاد . فلما احتضر قال لمنجم عنده : هل ترى ملكاً يموت . قال : نعم أرى ملكاً يموت اسمه كليب . فقال : أنا والله كليب بذلك سمتني أمي . قال المنجم : أنت والله تموت كذلك دلت عليه النجوم . قال له الحجاج : لاقدمنك أمامي . فأمر به فضرب عنقه . ومات الحجاج وقد بلغ من السن ثلثاً وخمسين سنة . وولي الحجاز والعراق عشرين سنة . وكان قتل من الأشراف والرؤساء مائة ألف وعشرين ألفاً سوى العوام ومن قتل في معارك الحروب . وكان مات في حبسه خمسون ألفا رجل وثلاثون ألف امرأة . ومات الوليد سنة ست وتسعين وكانت ولايته تسع سنين وثمانية أشهر . وبنى مسجد دمشق وكان فيه كنيسة فهدمها . وبنى مسجد المدينة والمسجد الأقصى . وأعطى المجذمين ومنعهم من السؤال إلى الناس . وأعطى كل مقعد خادماً وكل ضرير قائداً . ومنع الكتاب النصارى من أن يكتبوا الفاتر بالرومية لكن بالعربية . وفتح في ولايته الأندلس وكاشغر والهند . وكان يمر بالبقال فيقف عليه يأخذ منه حزمة بقل فيقول : بكم هذا . فيقول : بفلس . فيقول : زد فيها . وكان صاحب بناء واتخاذ للمصانع والضياع . وقيل إنه كان لحاناً لا يحسن النحو . دخل عليه أعرابي فمتَّ إليه بصهر له .فقال له الوليد : من ختنك بفتح النون . فقال : بعض الأطباء . فقال سليمان : إنما يريد أمير المؤمنين من ختنك وضم النون . فقال الأعرابي : نعم فلان . وذكر ختنه . وعاتبه أبوه عبد الملك على ذلك وقال له : لا يلي العرب إلا من يحسن كلامهم . فجمع أهل النحو ودخل بيتاً ولم يخرج منه ستة أشهر . ثم خرج وهو أجهل منه يوم دخله . فقال عبد الملك : قد أعذر .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; “ سليمان بن عبد الملك “&lt;br/&gt; وفي سنة ست وتسعين بويع سليمان بن عبد الملك في اليوم الذي فيه مات الوليد أخوه . قالوا أنه كان خيراً فصيحاً نشأ بالبادية عند أخواله بني عبس . ورد المظالم وآوى المشترين وأخرج المحبسين . وفي سنة ثماني وتسعين من الهجرة وهي سنة ألف وسبعة وعشرين للاسكندر جهز سليمان جيشاً مع أخيه مسلمة ليسير إلى القسطنطينية . وسار حتى بلغها في مائة وعشرين ألفاً وعبر الخليج وحاصر المدينة . فلما برح بأهلها الحصار أرسلوا إلى مسلمة يعطونه عن كل رأس ديناراً . فأبى أن يفتتحها إلا عنوةً . فقالت الروم : للاون البطريق : إن صرفت عنا المسلمين ملكناك علينا . فاستوثق منهم وأتى مسلمة وطلب الأمان لنفسه وذويه ووعده أن يفتح له المدينة غير أنه ما تهيأ ذلك ما لم يتنح عنهم ليطمئنوا ثم يكر عليهم . فارتحل مسلمة وتنحى إلى بعض الرساتيق . ودخل لاون فلبس التاج وقعد على سرير الملك . واعتزل الملك ثاوذوسيوس ولبس الصوف منعكفاً في بعض الكنائس . ولأن مسلمة لما دنا من القسطنطينية أمر كل فارس أن يحمل معه مدين من الطعام على عجز فرسه إلى القسطنطينية لما دخل لاون المدينة وتنحى مسلمة اعدَّ لاون السفن والرجال فنقلوا في ليلةٍ ذلك الطعام ولم يتركوا منه إلا ما لم يذكر وأصبح لاون محارباً وقد خدع مسلمة خديعة لو كانت امرأة لعيبت بها . وبلغ الخبر لمسلمة فأقبل راجعاً ونزل بفناء القسطنطينية ثلاثين شهراً فشتا فيها وصاف وزرع الناس . ولقي جنده ما لم يلقه جيش آخر حتى كان الرجل يخاف أن يخرج من العسكر وحده من البلغاريين الذين استجاشهم لاون ومن الإفرنج الذين في السفن ومن الروم الذين يحاربونهم من داخل . وأكلوا الدواب والجلود وأصول الشجر والورق . وسليمان بن عبد الملك مقيم بدابق ونزل الشتاء فلم يقدر أن يمدهم حتى مات لعشر بقين من صفر سنة تسع وتسعين .فرحل مسلمة عن القسطنطينية وانصرف وكانت خلافته أعني سليمان سنتين وثمانية أشهر . وكان بايع ابنه أيوب فمات قبله فاستخلف عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم . ولما احتضر سليمان قيل له : اوصِ . فقال : إن بنيَّ صبية صغار . افلح من كانت له الكبار .&lt;br/&gt; &amp;quot; عمر بن عبد العزيز &amp;quot;&lt;br/&gt; لما استخلف عمر بن عبد العزيز وبويع له صعد المنبر وأمر برد المظالم ووضع اللعنة عن أهل البيت وكانوا يلعنونهم على المنابر وحض على التقوى والتواصل وقال : والله ما أصبحت ولي على أحد من أهل القبلة موجدة إلا على أسراف ومظلمة . ثم تصدق بثوبه ونزل . وتوفي عمر بن عبد العزيز في رجب لخمس بقين منه سنة إحدى ومائة . وكانت شكواه عشرين يوماً . ولما مرض قيل له : لو تداويت . فقال : لو كان دوائي في مسح أذني ما مسحتها نعم المذهوب إليه ربي . وكان موته بدير سمعان ودفن به . وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر . وكان عمره تسعاً وثلاثين سنة . قال مسلمة بن عبد الملك : دخلت على عمر أعوده فإذا هو على فراش من ليف وتحته وسادة من أديم مسجى بشملة ذابل الشفة كاسف اللون وعليه قميص وسخ . فقلت لأختي فاطمة وهي امرأته : اغسلوا ثياب أمير المؤمنين . فقالت : نفعل . ثم عدت فإذا القميص على حاله . فقلت : ألم آمركم أن تغسلوا قميصه . فقالت : والله ما له غيره . فسبحت الله وبكيت وقلت : يرحمك الله لقد خوفتنا بالله عز وجل وأبقيت لنا ذكراً في الصالحين  . قيل وكانت نفقته كل يوم درهمين . وفي أيامه تحركت دولة بني هاشم .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;“ يزيد بن عبد الملك “&lt;br/&gt;يكنى أبا خالد . عاشر بني مروان . ولما ولي الأمر استعمل على العراقين وخراسان عمر بن هبيرة الفزازي وبعث مسلمة بن عبد الملك لقتال يزيد ابن المهلب . فقتله وبعث برأس يزيد وكان يزيد بن عبد الملك صاحب لهوٍ وقصفٍ وشغف بحبابة المغنية واشتهر بذكرها . وقيل كان يزيد قد حج أيام سليمان أخيه فاشترى حبابة بأربعة آلاف دينار فقال سليمان : لقد هممت أن أحجر على يزيد . فلما سمع يزيد ردها فاشتراها رجل من أهل مصر . فلما أفضت الخلافة إليه قالت له امرأته سعدة : هل بقي من الدنيا شيء تتمناه . فقال : نعم حبابة . فأرسلت فاشترتها وصنعتها وأتت بها يزيد وأجلستها من وراء الستر فقالت : يا أمير المؤمنين أبقي من الدنيا شيء تتمناه . قال : قد أعلمتك . فرفعت الستر وقالت : هذه حبابة . وقامت وتركتها عنده . فحظيت سعدة عنده وأكرمها . وقال يوماً وقد طرب بغناء حبابة : دعوني أطير . وأهوى ليطير . فقالت : يا أمير المؤمنين إن لنا فيك حاجة . فقال : واللخ لأطيرن . فقالت : فعلى من تدع الأمة والملك . قال لها : عليك والله . وقبل يدها . فخرج بعض خدمه وهو يقول : سخنت عينك ما أسخفك . وخرجت معه إلى ناحية الأردن يتنزهان . فرماها بحبة عنب فاستقبلتها بفيها فدخلت حلقها فشرقت ومرضت بها وماتت . فتركها ثلاثة أيام لا يدفنها حتى نتنت وهو يشمها ويقبلها وينظر إليها ويبكي . فلما دفنت بقي بعدها خمسة عشر يوماً ومات ودفن إلى جانبها سنة خمس ومائة . وكانت ولايته أربع سنين وشهراً وله أربعون سنة .&lt;br/&gt; &amp;quot; هشام بن عبد الملك &amp;quot;&lt;br/&gt; في هذه السنة استخلف هشام بن عبد الملك لليالٍ بقين من شعبان . وكان عمره يومئذ أربعاً وثلاثين سنة . أتاه البريد بالخاتم والقضيب وسلم عليه بالخلافة وهو بالرصافة . فركب منها حتى أتى دمشق . وفي أيامه خرج يزيد بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب فقدم الكوفة وأسرعت إليه الشيعة وقالوا : لنرجو أن يكون هذا الزمان الذي تهلك فيه بنو أمية . وجعلوا يبايعونه سراً . وبايعه أربعة عشر ألفاً على جهاد الظالمين والرفع عن المستضعفين . وبلغ الخبر يوسف بن عمر وهو أمير البصرة فجد في طلب زيد . وتواعدت الشيعة بالخروج وجاءوا إلى يزيد فقالوا : ما تقول في أبي بكر وعمر . قال : ما أقول فيهما إلا خيراً . فتبرأوا منه ونكثوا بيعته وسعوا به إلى يوسف . فبعث في طلبه قوماً . فخرج زيد ولم يخرج معه إلا أربعة عشر رجلاً . فقال : جعلتموها حسينية . ثم ناوشهم القتال . فأصابه سهم بلغ دماغه فحمل من المعركة ومات تلك الليلة ودفن . فلما أصبحوا استخرجوه من قبره فصلبوه . فأرسل هشام إلى يوسف : احرق عجل العراق . فأحرقه . وهرب ابنه يحيى حنى أتى بلخ . قيل كان هشام محشواً عقلاً . وتفقد هشام بعض ولده فلم يحضر الجمعة . فقال : ما منعك من الصلاة .قال : نفقت دابتي . قال : أفعجزت عن المشي . فمنعه الدابة سنة . وأتي هشام برجل عنده قيان وخمر وبربط . فقال : اكسروا الطنبور على رأسه . فبكى الرجل لما ضربه . فقيل : عليك بالصبر . فقال : أتراني أبكي للضرب بل إنما أبكي لاحتقاره البربط إذ سماه طنبوراً . وقيل : وكتب إليه بعض عماله : قد بعثت إلى أمير المؤمنين بسلة دراقن . فكتب إليه : قد وصل الدراقن فأعجبتنا فزد منه واستوثق من الوعاء . وكتب إلى عامل آخر قد بعث بكمأة : قد وصلت الكمأة وهي أربعون وقد تغير بعضها . فإذا بعثت شيئاً فأجد حشوها في الظرف بالرمل حتى لا يضطرب ولا يصيب بعضها بعضاً . وقيل له : أتطمع في الخلافة وأنت بخيل جبان . وقيل له : أتطمع في الخلافة وأنت بخيل جبان . قال : ولم لا أطمع فيها وأنا حليم عفيف . ومات هشام بالرصافة سنة خمس وعشرين ومائة . وكانت ولايته عشرين سنة وعمره خمساً وخمسين سنة وكان مرضه الذبحة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;قيل أول من قدم خراسان من دعاة بني العباس سنة تسع ومائة زياد في ولاية أسد بعثه محمد الإمام ابن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب وقال له : الطف بمضر . ونهاه عن رجل من نيسابور يقال له غالب لأنه كان مفرطاً في حب بني فاطمة . فلما قدم زياد دعا إلى بني العباس وذكر سيرة بني أمية وظلمهم . وقدم عليه غالب وتناظرا في تفضيل آل علي وآل العباس وافترقا . وأقام زياد بمرو . ورفع أمره إلى أسد وخوف من جانبه فأحضره وقتله وقتل معه عشرة من أهل الكوفة . وفي سنة ثماني عشرة ومائة توجه عمار ابن يزيد إلى خراسان ودعا إلى محمد بن علي بن عبد الله ابن عباس . فأطاعه الناس وتسمى بخداش وأظهر دين الخرمية ورخص لبعضهم في نساء بعض وقال لهم : إنه لا صوم ولا صلاة ولا حج . وإن تأويل الصوم أن يصام عن ذكر الإمام فلا يباح باسمه . والصلاة فالدعاء له والحج فالقصد إليه .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt; &amp;quot; الوليد بن يزيد بن عبد الملك &amp;quot;&lt;br/&gt; كان يزيد أبوه عقد ولاية العهد له بعد أخيه هشام ابن عبد الملك . فلما ولي هشام أخو يزيد أكرم الوليد بن يزيد حتى ظهر من الوليد مجون وشرب الشراب وتهاون بالدين واستخف به . فتنكر له هشام وأض به وكان يعتبه ويتنقصه ويقصر به . فخرج الوليد ومعه ناس من خاصته ومواليه فنزل بالازرق . وكان يقول لأصحابه : هذا المشؤوم قدمه أبي على أهل بيته فصيره ولي عهده ثم يصنع بي ما ترون لا يعلم أن لي في أحد هوى إلا عبث به . ولم يزل الوليد مقيماً في تلك البرية حتى مات هشام . وأتاه رجلان على البريد فسلما عليه بالخلافة . فوجم ثم قال : أمات هشام . فقالا : نعم . فأرسل إلى الخزان . فقال : احتفظوا بما في أيديكم . فأفاق هشام فطلب شيئاً . فمنعوه . فقال : إنّا الله كأنّا كنا خزاناً للوليد . ومات في ساعته . وخرج عياض كاتب الوليد من السجن فختم أبواب الخزائن وأنزل هشاماً عن فراشه . وما وجدوا له قمقماً يسخن فيه الماء حتى استعاروه . ولا وجدوا كفناً من الخزائن . فكفنه غالب مولاه . وضيق الوليد على أهل هشام وأصحابه وكان يقول : كلناه بالصاع الذي كاله وما ظلمناه به أصبعاً . فلما ولي الوليد أجرى على زمني أهل الشام وعميانهم وكساهم وأخرج لعيالات الناس الطيب والكسوة وزاد الناس في العطاء عشرات ولم يقل في شيء يسأله : لا . ثم عقد لابنيه الحكم وعثمان البيعة من بعده وجعلهما وليي عهده أحدهما بعد الآخر . وفي هذه السنة أعني سنة خمس وعشرين ومائة قتل يحيى بن يزيد بن علي بن الحسين ابن علي ابن أبي طالب بجرجان وصلب ثم أنزل وأحرق ثم رض وحمل في سفينة وذر في الفرات . وفيها قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك قتله ابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك وكان سبب قتله ما تقدم من خلاعته ومجانته . فلما ولي الخلافة ولم يزدد من الذي كان فيه من اللهو والركوب للصيد وشرب الخمر ومنادمة الفساق إلا تمادياً ثقل ذلك على رعيته وجنده وكرهوا أمره . ولما حاصروه في قصره دنا من الباب وقال لهم : ألم أزد في أعطياتكم . ألم أرفع المؤن عنكم . ألم أعط فقراءكم . فقالوا : إنّا ما ننقم عليك في أنفسنا إنما ننقم عليك في انتهاك ما حرم الله وشرب الخمر ونكاح أمهات أولاد أبيك . قال : حسبكم فلعمري لقد أكثرتم وأغرقتم والله لا يرتق فتقكم ولا يلم شعثكم ولا تجمع كلمتكم . فنزل من الحائط إليه عشرة رجال فاحتزوا رأسه وسيروه إلى يزيد . فنصبه على رمح وطاف به بدمشق . وسجن ابنيه الحكم وعثمان . وكان قتله لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومائة . وكانت مدة خلافته سنة وثلاثة أشهر . وكان عمره اثنتين وأربعين سنة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt; وفي هذه السنة وجه ابراهيم بن محمد الأمام أبا هام بكير إلى خراسان . فقدم مرو وجمع النقباء والدعاة فنعى له محمد الامام ودعاهم إلى ابنه ابراهيم الأمام . فقبلوه ودفعوا إليه ما اجتمع عندهم من نفقات الشيعة شيعة بني العباس .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt; &amp;quot; يزيد بن الوليد بن عبد الملك &amp;quot;&lt;br/&gt; سمي الناقص لأنه نقص الزيادة التي كان الوليد زادها في عطيات الجند . وكان محمود السيرة مرضي الطريقة . أمر بالبيعة لأخيه ابراهيم ومن بعده لعبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك . وتوفي بدمشق لعشر بقين من ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائة . وكانت خلافته ستة أشهر . وكان عمره ستاً وأربعين سنة . وكانت أمه أم ولد اسمها شاه فرند ابنة فيروز ابن يزدجرد بن شهريار بن كسرى وهو القائل :&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;أنا ابن كسرى وأبي مروان  . . . وقيصر جدي وجدي خاقانُ&lt;br/&gt; وإنما جعل قيصر وخاقان جديه لأن أمه فيروز ابنة كسرى وأمها ابنة قيصر وأم كسرى ابنة خاقان ملك الترك .&lt;br/&gt; &amp;quot; ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك &amp;quot;&lt;br/&gt; فلما مات يزيد بن الوليد قام بالأمر أخوه ابراهيم بعده غير أنه لم يتم له الأمر وكان يسلم عليه تارةً بالخلافة وتارة بالامارة وتارة لا يسلم عليه بواحدة منهما . فمكث سبعين يوماً ثم سار إليه مروان بن محمد فخلعه . ثم لم يزل حياً حتى أصيب سنة اثنتين وثلاثين ومائة .&lt;br/&gt; &amp;quot; مروان بن محمد بن مروان بن الحكم &amp;quot;&lt;br/&gt; لما مات يزيد بن الوليد بن عبد الملك سار مروان في جنود الجزيرة إلى الشام لمحاربة ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك . ولما دخل دمشق أتى بالغلامين الحكم وعثمان ابني الوليد بن يزيد بن عبد الملك مقتولين فدفنهما وبايعه الناس . فلما استقر له الأمر رجع إلى منزله بحران فطلب منه الأمان لابراهيم ابن الوليد وسليمان بن هشام بن عبد الملك فأمنهما . وفي هذه السنة أعني سنة سبع وعشرين ومائة حارب سليمان بن هشام بن عبد الملك مروان بن محمد وانهزم أصحاب سليمان وقتل منهم نحو ستة آلاف . وفيها توجه سليمان بن كثير ولا هز بن قريط وقحطبة إلى مكة فلقوا ابراهيم بن محمد الأمام بها وأوصلوا إلى مولى له عشرين ألف دينار ومائتي ألف درهم ومسكاً ومتاعاً كثيراً . وكان معهم أبو مسلم . فقال سليمان لابراهيم الامام : هذا مولاك . فأمر ابراهيم أبا مسلم على خراسان . وفي سنة تسع وعشرين ومائة بعث ابراهيم الامام إلى أبي مسلم بلواء يدعى الظل وراية تدعى السحاب فعقدهما على رمحين وأظهر الدعوة العباسية بخراسان وتأول الظل والسحاب أن السحاب يطبق الأرض وكما أن الأرض لا تخلو من الظل كذلك لا تخلو من خليفة عباسي آخر الدهر . وفي سنة إحدى وثلاثين ومائة حج ابراهيم بن محمد الامام ومعه أخواه أبو العباس وأبو جعفر وولده وعمه ومواليه على ثلاثين نجيباً عليهم الثياب الفاخرة والرحال والأثقال . فشهره أهل الشام وأهل البوادي والحرمين معما انتشر في الدنيا من ظهور أمرهم . وبلغ مروان خبر حجهم فكتب إلى عاملة بدمشق يأمره بتوجيه خيل إليه . وكان مروان بأرض الشام . ووجه العامل خيلاً فهجموا على ابراهيم فأخذوه وحملوه إلى سجن حران فأثقلوه بالحديد وضيقوا عليه الحلقة حتى مات . ولما أحس ابراهيم بالطلب أوصى إلى أخيه أبي العباس ونعي نفسه إليه وأمره بالمسير إلى الكوفة بأهل بيته . فسار معه أخوه أبو جعفر وعمه وستة رجال حتى قدموا الكوفة مستخفين .&lt;br/&gt; &amp;quot; أبو العباس السفاح &amp;quot;&lt;br/&gt; وفي سنة اثنتين وثلاثين ومائة خرج أبو العباس بن محمد الامام بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ليلة الجمعة لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول من دار أبي مسلمة بالكوفة فصلى المغرب في مسجد بني أيوب ودخل منزله . فلما أصبح غدا عليه القواد في التعبية والهيئة وقد أعدوا له السواد والمركب والسيف . فخرج أبو العباس فيمن معه إلى القصر الذي للأمارة . ثم خرج إلى المقصورة وصعد المنبر وبايعه الناس . ثم وجه عمه عبد الله إلى مروان وهو نازل بالزاب . فوقاع عبد الله مروان فهزمه . فمر مروان على وجهه ومضى فعبر جسر الفرات فوق حران وجمع جمعاً عظيماًبنهر فطرس من أرض فلسطين . وعبر أيضاً عبد الله الفرات وحاصر دمشق حتى افتتحها وقتل من بها من بني أمية وهدم سورها حجراً حجراً ونبش عن قبور بني أمية وأحرق عظامهم بالنار . ثم ارتحل نحو مروان فهزمه واستباح عسكره . وهرب مروان إلى أرض مصر فاتبعه جيش عبد الله واستدلوا عليه وهو في كنيسة في بوصير فطعنه رجل فصرعه واحتز آخر رأسه وبعث به إلى أبي العباس السفاح . وكان قتله لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة . وفي سنة ست وثلاثين ومائة مات السفاح بالانبار مدينته التي بناها واستوطنها لثلث عشرة سنة مضت من ذي الحجة بالجدري . وكان له يوم مات ثلث وثلاثون سنة . وكانت ولايته من لدن قتل مروان أربع سنين . وكان أبو العباس رجلاً طويلاً أبيض اللون حسن الوجه يكره الدماء ويحامي على أهل البيت .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;“ أبو جعفر المنصور “&lt;br/&gt; هو عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بويع له سنة سبع وثلاثين ومائة . وفي هذه السنة قتل أبو مسلم الخراساني قتله المنصور بسبب أنهما حجا معاً في أيام السفاح . وكان أبومسلم يكسو الأعراب ويصلح الآبار والطرق . وكان الذكر له . فحقد أبو جعفر ذلك عليه . ولما صدر الناس عن الموسم تقدم أبو مسلم في الطريق على أبي جعفر فأتاه خبر وفاة السفاح فكتب إلى أبي جعفر يعزيه عن أخيه ولم يهنه بالخلافة ولم يقم حتى يلحقه ولم يرجع إليه . فخافه أبو جعفر المنصور وأجمع الرأي وعمل المكايد وهجر النوم إلى أن اقتنصه . وكان أبو مسلم استشار رجلاً من أصحابه بالري في رجوعه إلى المنصور فقال : لا أرى أن تأتيه وأرى أن تمتدّ إلى خراسان . فلما لم يقبل منه وسار نحو المنصور قيل له : تركت الرأي بالريّ فذهب مثلاً . فلما دنا أبو مسلم من المنصور أمر الناس بتلقيه وأكرامه غاية الكرامة . ثم قدم فدخل على المنصور وقبل يده . فأمره أن ينصرف ويروح نفسه ليلته ويدخل الحمام . فانصرف . فلما كان من الغد أعد المنصور من أصحاب الحرس أربعة نفر وأكمنهم خلف الرواق وقال لهم : إذا أنا صفقت بيديّ فشأنكم . وأرسل إلى أبي مسلم يستدعيه ودخل على المنصور فأقبل عليه يعاتبه ويذكر عثراته . فمما عد عليه أن قال : ألست الكاتب إليّ تبدأ بنفسك . ودخلت علينا وقلت : أين بان الحارثية . ويأتيك كتابي فتقرأه استهزاءً ثم تلقيه إلى مالك ابن الهيثم ويقرأه وتضحكان . فجعل أبو مسلم يعتذر إليه ويقبل الأرض بين يديه . فقال المنصور : قتلني الله إن لم أقتلك . وصفق بيديه فخرج الحراس يضربونه بسيوفهم وهو يصرخ ويستأمن ويقول : استبقني لعدوك يا أمير المؤمنين . فقال له المنصور : وأي عدو لي أعدى منك . وقيل كانت عند أبي مسلم ثلث نسوة وكان لايطأ المرأة منهم في السنة إلا مرة واحدة . وكان من أغير الناس لا يدخل قصره أحد غيره وفيه كوى يطرح منها لنسائه ما يحتجن إليه . قالوا ليلة زفت إليه امرأته أمر بالبرذون الذي ركبته فذبح وأحرق سرجه لئلا يركبه ذكر بعدها . قالوا وكان من أشد الناس طمعاً وأكثرهم طعاماً يخبز كل يوم في مطبخه ثلثة آلاف قرف ويطبخ مائة شاة سوى البقر والطير . وكان له ألف طباخ وآلة المطبخ تحمل على ألف ومائتي رأس من الدواب . وقيل كان أبو مسلم شجاعاً ذا رأي وعقل وتدبير وحزم ومروءة . وقيل بل كان فاتكاً قليل الرحمة قاسي القلب سوطه سيفه قتل ستمائة ألف ممن يعرف صبراً سوى من لايعرف ومن قتل في الحروب والهيجات . وسئل بعضهم : أبو مسلم كان خيراً أو الحجاج . قال : لا أقول أن أبا مسلم خير من أحد ولكن الحجاج كان شراً منه . وزعم قوم أن أبا مسلم كان من قرية من قرى مرو . ويقال : بل كان من العرب سمع الحديث وروى الأشعار . وقيل كان عبداً . وقد نسبه بعض الشعراء إلى الأكراد حين هجاه . وفي سنة أربعين ومائة سير المنصور عبد الوهاب ابن أخيه ابراهيم بن محمد الأمام في سبعين ألف مقاتل إلى ملطية . فنزلوا عليها وعمروا ماكان خربه الروم منها . ففرغوا من العمارة في ستة أشهر . واسكنها المنصور أربعة آلاف من الجند وأكثر فيها من السلاح والذخائر وبنى حصن قلوذية . وفي هذه السنة خرج الرواندية على المنصور بمدينة الهاشمية وهم قوم من أهل خراسان يقولون بتناسخ الأرواح ويزعمون أن ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم هو المنصور . وجعلوا يطوفو بقصره ويقولون : هذا قصر ربنا فأنكر ذلك المنصور وخرج إليهم ماشياً إذ لم يكن في القصر دابة . ونودي في أهل السوق فاجتمعوا وحملوا عليهم وقاتلوهم فقتلوا أعني الرواندية جميعاً وهم يومئذ ستمائة رجل . وفي السنة الرابعة والأربعين أخذ المنصور من أولاد الحسين بن علي بن أبي طالب اثني عشر إنساناً ورحلهم من المدينة إلى الكوفة وحبسهم في بيت ضيق لا يمكن لأحد من مقعده يبول بعضهم على بعض ويتغوط ولا يدخل عليهم روح الهواء ولا تخرج عنهم رائحة القذارة حتى ماتوا عن آخرهم . فخرج محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بالمدينة وجمع الجموع وتسمى بالمهدي . وخرج ابراهيم أخوه بالبصرة في ثلاثين ألفاً . وقتلا ولم ينجحا . وفي سنة خمس وأربعين ومائة ابتدأ المنصور في بناء عمارة مدينة بغداد . وسبب ذلك أنه كان قد ابتنى الهاشمية بنواحي الكوفة . فلما ثارت الرواندية به فيها كره سكناه لذلك ولجوار أهل الكوفة أيضاً&lt;br/&gt;إنه كان لا يأمن أهلها على نفسه وكانوا قد أفسدوا جنده . فخرج بنفسه يرتاد موضعاً يسكنه هو وجنده . فقال له أهل الحذق : إنّا نرى يا أمير المؤمنين أن يكون على الصراة وبين أنهار لا يصل إليك عدوك إلا على جسر فإذا قطعته لم يصل إليك . وأنت متوسط للبصرة والكوفة و واسط والموصل والسواد . ودجلة والفرات والصراة خنادق مدينتك . وتجيئك الميرة فيها من البر والبحر . فازداد المنصور حرصاً على النزول في ذلك الموضع . ولما عوم على بناء بغدا أمر بنقض المدائن وايوان كسرى . فنقضه ونقله إلى بغداد . فنقضت ناحية من القصر الأبيض وحمل نقضه فنظر وكان مقدار ما يلزمهم له أكثر من ثمن الجديد فأعرض عن الهدم . وجعل المدينة مدورة لئلا يكون بعض الناس أقرب إلى السلطان من بعض . وعمل له سورين للداخل أعلى من الخارج . وبنى قصره في وسطها والمسجد الجامع بجانب القصر وقبلته غير مستقيمة يحتاج المصليّ أن ينحرف إلى باب البصرة . وكانت الأسواق في مدينته فجاءه رسول لملك الروم . فأمر الربيع فطاف به في المدينة . فقال : كيف رأيت . قال : رأيت بناء حسناً إلا أني رأيت أعداءك معك وهم السوقة . فلما عاد الرسول عنه أمر بأخراجهم إلى ناحية الكرخ وأمر أن يجعل في كل ربع من مدينته بقال يبيع البقل والخل حسب . في سنة خمسين ومائة مات أبو حنيفة النعمان بن ثابت الأمام . وفي سنة ثماني وخمسين ومائة سار المنصور من بغداد ليحج فنزل قصر عبدويه فانقض في مقامه هنالك كوكب بعد إضاءة الفجر وبقي أثره بيناً إلى طلوع الشمس . فأحضر المهدي ابنه وكان قد صحبه ليودعه فوصاه بالمال والسلطان . وقال له أيضاً : أوصيك بأهل البيت أن تظهر كرامتهم فإن عزك عزهم وذكرهم لك وما أظنك تفعل . وانظر مواليك وأحسن إليهم واستكثر منهم فإنهم مادتك لشدةٍ إن نزلت بك وما أظنك تفعل . وانظر هذه المدينة وأياك أن تبني المدينة الشرقية فإنك لاتتم بناءها وأظنك ستفعل . وإياك أن تدخل النساء في أمرك وأظنك ستفعل . هذه وصيتي إليك والله خليفتي عليك . ثم ودعه وبكى كل منهما إلى صاحبه . ثم سار إلى الكوفة وكلما سار منزلاً اشتد وجعه الذي مات به وهو القيام . فلما وصل إلى بئر ميمون مات بها مع السحر لستّ خلون من ذي الحجة سنة ثماني وخمسين ومائة . وحمل إلى مكة وحفروا له مائة قبر ليعموا على الناس ودفن في غيرها مكشوف الرأس لاحرامه وكان عمره ثلاثاً وستين سنة وكانت مدة خلافته اثنتين وعشرين سنة . وقيل في صفته وسيرته أنه كان أسمر نحيفاً خفيف العارضين وكان من أحسن الناس خلقاً ما لم يخرج إلى الناس وأشدهم احتمالاً لما يكون من عبث الصبيان . فإذا لبس ثيابه وخرج هابه الأكابر فضلاً عن الأصاغر . ولم ير في داره لهو ولا شيء من اللعب والعبث . قال حماد التركي : كنت واقفاً على رأس المنصور فسمع جلبة فقال : انظر ما هذا . فذهبت فإذا خادم له قد جلس وحوله الجواري وهو يضرب لهن بالطنبور وهن يضحكن فأخبرته فقال : وأي شيء الطنبور . فوصفته له . فقال : ما يدريك أنت ما الطنبور . قلت : رأيته بخراسان . فقام ومشى إليهن . فلما رأينه تفرقن . فأمر بالخادم فضرب رأسه بالطنبور حتى تكسر الطنبور وأخرجه فباعه . ولم أفضى إليه الأمر أمر بتغيير الزي وتطويل القلانس . فجعلوا يحتالون لها بالقصب من داخل . وأمر بعد دور أهل الكوفة وقسمة خمسة دراهم على كل دار . فلما عرف عددهم جباهم أربعين درهماً أربعين درهماً .نه كان لا يأمن أهلها على نفسه وكانوا قد أفسدوا جنده . فخرج بنفسه يرتاد موضعاً يسكنه هو وجنده . فقال له أهل الحذق : إنّا نرى يا أمير المؤمنين أن يكون على الصراة وبين أنهار لا يصل إليك عدوك إلا على جسر فإذا قطعته لم يصل إليك . وأنت متوسط للبصرة والكوفة و واسط والموصل والسواد . ودجلة والفرات والصراة خنادق مدينتك . وتجيئك الميرة فيها من البر والبحر . فازداد المنصور حرصاً على النزول في ذلك الموضع . ولما عوم على بناء بغدا أمر بنقض المدائن وايوان كسرى . فنقضه ونقله إلى بغداد . فنقضت ناحية من القصر الأبيض وحمل نقضه فنظر وكان مقدار ما يلزمهم له أكثر من ثمن الجديد فأعرض عن الهدم . وجعل المدينة مدورة لئلا يكون بعض الناس أقرب إلى السلطان من بعض . وعمل له سورين للداخل أعلى من الخارج . وبنى قصره في وسطها والمسجد الجامع بجانب القصر وقبلته غير مستقيمة يحتاج المصليّ أن ينحرف إلى باب البصرة . وكانت الأسواق في مدينته فجاءه رسول لملك الروم . فأمر الربيع فطاف به في المدينة . فقال : كيف رأيت . قال : رأيت بناء حسناً إلا أني رأيت أعداءك معك وهم السوقة . فلما عاد الرسول عنه أمر بأخراجهم إلى ناحية الكرخ وأمر أن يجعل في كل ربع من مدينته بقال يبيع البقل والخل حسب . في سنة خمسين ومائة مات أبو حنيفة النعمان بن ثابت الأمام . وفي سنة ثماني وخمسين ومائة سار المنصور من بغداد ليحج فنزل قصر عبدويه فانقض في مقامه هنالك كوكب بعد إضاءة الفجر وبقي أثره بيناً إلى طلوع الشمس . فأحضر المهدي ابنه وكان قد صحبه ليودعه فوصاه بالمال والسلطان . وقال له أيضاً : أوصيك بأهل البيت أن تظهر كرامتهم فإن عزك عزهم وذكرهم لك وما أظنك تفعل . وانظر مواليك وأحسن إليهم واستكثر منهم فإنهم مادتك لشدةٍ إن نزلت بك وما أظنك تفعل . وانظر هذه المدينة وأياك أن تبني المدينة الشرقية فإنك لاتتم بناءها وأظنك ستفعل . وإياك أن تدخل النساء في أمرك وأظنك ستفعل . هذه وصيتي إليك والله خليفتي عليك . ثم ودعه وبكى كل منهما إلى صاحبه . ثم سار إلى الكوفة وكلما سار منزلاً اشتد وجعه الذي مات به وهو القيام . فلما وصل إلى بئر ميمون مات بها مع السحر لستّ خلون من ذي الحجة سنة ثماني وخمسين ومائة . وحمل إلى مكة وحفروا له مائة قبر ليعموا على الناس ودفن في غيرها مكشوف الرأس لاحرامه وكان عمره ثلاثاً وستين سنة وكانت مدة خلافته اثنتين وعشرين سنة . وقيل في صفته وسيرته أنه كان أسمر نحيفاً خفيف العارضين وكان من أحسن الناس خلقاً ما لم يخرج إلى الناس وأشدهم احتمالاً لما يكون من عبث الصبيان . فإذا لبس ثيابه وخرج هابه الأكابر فضلاً عن الأصاغر . ولم ير في داره لهو ولا شيء من اللعب والعبث . قال حماد التركي : كنت واقفاً على رأس المنصور فسمع جلبة فقال : انظر ما هذا . فذهبت فإذا خادم له قد جلس وحوله الجواري وهو يضرب لهن بالطنبور وهن يضحكن فأخبرته فقال : وأي شيء الطنبور . فوصفته له . فقال : ما يدريك أنت ما الطنبور . قلت : رأيته بخراسان . فقام ومشى إليهن . فلما رأينه تفرقن . فأمر بالخادم فضرب رأسه بالطنبور حتى تكسر الطنبور وأخرجه فباعه . ولم أفضى إليه الأمر أمر بتغيير الزي وتطويل القلانس . فجعلوا يحتالون لها بالقصب من داخل . وأمر بعد دور أهل الكوفة وقسمة خمسة دراهم على كل دار . فلما عرف عددهم جباهم أربعين درهماً أربعين درهماً .&lt;br/&gt;وكان المنصور في صدر أمره عندما بنى بغداد أدركه ضعف في معدته وسوء استمراء وقلة شهوة . وكلما عالجه الأطباء ازداد مرضه . فقيل له عن جيورجيس بن بختيشوع الجنديسابوري انه أفضل الأطباء . فتقدم بإحضاره . فأنفذه العامل بجنديسابور بعد ما أكرمه . فخرج ووصى ولده بختيشوع بالبيمارستان واستصحب معه تلميذه عيس ابن شهلاثا ولما وصل إلى بغداد أمر المنصور بإحضاره . فلما وصل إلى الحضرة دعا له بالفارسية والعربية . فعجب المنصور من حسن منطقه ومنظره وأمره بالجلوس وسأله عن أشياء فأجابه عنها بسكون . وخبره بمرضه . فقال له جيورجيس : أنا أدبرك بمشية الله وعونه . فأمر له في الوقت بخلعة جليلة وتقدم إلى الربيع بإنزاله في أجمل موضع من دوره وإكرامه كما يكرم أخص الأهل . ولم يزل جيورجيس يتلطف له في تدبيره حتى برئ من مرضه وفرح به فرحاً شديداً . وقال له يوماً : من يخدمك ههنا . قال : تلامذتي . فقال له الخليفة : سمعت أته ليست لك امرأة . فقال  : لي زوجة كبيرة ضعيفة لا تقدر على النهوض من موضعها . وانصرف من الحضرة ومضى إلى البيعة . فأمر المنصور خادمه سالماً أن يحمل من الجواري الروميات الحسان ثلاثاً إلى جيورجيس مع ثلاثة آلاف دينار . ففعل ذلك . فلما انصرف جيورجيس إلى منزله عرفه عيسى بن شهلاثا تلميذه بما جرى وأراه الجواري . فأنكر أمرهن وقال لعيسى : يا تلميذ الشيطان لم أدخلت هؤلاء إلى منزلي . أردت أن تنجسني . امضِ وردهن على أصحابهن . فمضى إلى دار الخليفة وردهن على الخادم . فلما اتصل الخبر إلى المنصور أحضره وقال له : لم رددت الجواري . قال : لا يجوز لنا معشر النصارى أن نتزوج بأكثر من امرأة واحدة وما دامت المرأة حية لا نأخذ غيرها . فحسن موضع هذا من الخليفة وزاد موضعه عنده . وهذا ثمرة العفة . ولما كان في سنة اثنتين وخمسين ومائة مرض جيورجيس مرضاً صعباً . ولما اشتد مرضه أمر المنصور بحمله إلى دار العامة وخرج ماشياً إليه وتعرف خبره . فخبره وقال له : إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في الانصراف إلى بلدي لانظر أهلي وولدي وإن متُّ قبرت مع آبائي . فقال له : يا حكيم اتق الله وأسلم وأنا أضمن لك الجنة . قال جيورجيس قد رضيت حيث آبائي في الجنة أو في النار . فضحك المنصور من قوله ثم قال : إنني منذ رأيتك وجدت راحة من الأمراض التي كانت تعتادني . فقال جيورجيس : أنا أخلف بين يدي أمير المؤمنين عيس تلميذي فهو ماهر . فأمر لجيورجيس بعشرة آلاف دينار وأذن له بالانصراف وأنفذ معه خادماً وقال : إن مات في الطريق فاحمله إلى منزله ليدفن هناك كما أحب . فوصل إلى بلده حياً . ثم أمر المنصور بإحضار عيسى ابن شهلاثا . فلما مثل بين يديه سأله عن أشياء فوجده ماهراً فاتخذه طبيباً . ولما استصحبه المنصور بدأ في التشاور والأذية خاصة على المطارنة والأساقفة ومطالبتهم بالرشى . ولما خرج المنصور في بعض أسفاره وصل إلى قريب نصيبين . فكتب عيسى إلى قوفريان مطران نصيبين يتهدده ويتوعده إن منع عنه ما التمسه منه . وكان عيسى قد التمس أن ينفذ له من آلات البيعة أشياء جليلة ثمينة لها قدر . وكتب في كتابه إلى المطران : ألست تعلم أن أمر الخليفة في يدي إن أردت أمرضته وإن أردت شفيته؟ فلما وقف المطران على الكتاب احتال في التوصل إلى الربيع وشرح له صورة الحال فأقرأه الكتاب وأوصله الربيع إلى الخليفة ووقفه على حقيقة الأمر . فأمر المنصور بأخذ جميع ما يملكه عيس الطبيب وتأديبه ونفيه . ففعل به ذلك ونفي أقبح نفي . وهذا ثمرة الشر . وكان نوبخت المنجم الفارسي يصحب المنصور وكان فاضلاً حاذقاً خبيراً باقتران الكواكب وحوادثها . ولما ضعف عن الصحة قال له المنصور : أحضر ولدك ليقوم مقامك . فسير ولده أبا سهل . قال أبو سهل : فلما دخلت على المنصور ومثلت بين يديه قيل لي : تسمَّ لأمير المؤمنين . فقلت : اسمي خرشاذماه طيماذاه ماباذار خسرو ابهمشاذ . فقال لي المنصور : كل ما ذكرت فهو اسمك! &amp;quot; قال &amp;quot; قلت : نعم . فتبسم المنصور ثم قال : ما صنع أبوك شيئاً فاختر مني إحدى خلتين إما أن اقتصر بك من كل ما ذكرت على طيماذ وإما أن تجعل لك كنية تقوم مقام الاسم وهي أبو سهل . قال أبو سهل : قد رضيت بالكنية . فبقيت كنيته وبطل اسمه .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;“ المهدي بن المنصور“&lt;br/&gt; لما مات المنصور ببئر ميمون لم يحضره عند وفاته إلا خدمه والربيع مولاه . فكتم الربيع موته وألبسه وسنده وجعل على وجهه كلة خفيفة يرى شخصه منها ولا يفهم أمره وأدنى أهله منه . ثم قرب منه الربيع كأنه يخاطبه . ثم رجع إليهم وأمرهم عنه بالبيعة للمهدي بن المنصور بن محمد الامام ولابن عمه عيسى بن موسى بن محمد الامام بعده . فبايعوا . ثم أخرجهم . وبعد ذلك خرج إليهم باكياً مشقوق الجيب لاطماً رأسه . ثم وجه إلى المهدي بخبر وفاة المنصور وبالبيعة له ولابن عمه عيسى بن موسى بعده . فأبى عيسى بن موسى من البيعة للمهدي وامتنع بالكوفة وأراد أن يتحصن بها . فبعث المهدي أبا هريرة في ألف فارس فأخذه إلى المهدي . ولم يزل يراوضه ويراوده حتى أجاب إلى خلع نفسه . فعوضه عنها عشرة آلاف دينار وبايع للمهدي ولابنه موسى الهادي . وفي أيام المهدي خرج بخراسان رجل يقال له يوسف البرم واستغوى خلقاً فبعث إليه المهدي جيوشاً ففضوا جموعه وأسوره وحملوه إلى المهدي . فأمر به فصلب . وخرج المقنع وادعى النبوة وقال بتناسخ الأرواح واتبه ناس كثيرون . وكان هذا رجلاً أعور من قرية بمرو يقال لها كره . وكان لايسفر عن وجهه لأصحابه فلذلك قيل له المقنع . وكان يحسن شيئاً من الشعبذة وأبواب النيرنجيات فاستغوى أهل العقول الضعيفة واستمالهم، فبعث المهدي في طلبه فصار إلى مار وراء النهر وتحصن في قلعة كنس وجمع فيها من الطعام والعلوفة وبث الدعاة في الناس وأدعى إحياء الموتى وعلم الغيب . وألح المهدي في طلبه فحوصر . فلما اشتد الحصار عليه وأيقن بالهلاك جمع نساءه وأهله كلهم وسقاهم السم فماتوا عن آخرهم . وأحرق كل ما في القلعة من دابة وثوب وطعام . وألقى نفسه في النار لئلا يلقى جسده العدو . ودخل العسكر القلعة ووجدوها خالية خاوية . وكان ذلك مما زاد في افتتان من بقي من أصحابه بما وراء النهر . وكان وعدهم أن تتحول روحه إلى قالب رجل أشمط على برذون أشهب وإنه يعود إليهم بعد كذا سنة ويملكهم الأرض . فهم بعد يتنظرونه ويسمون المبيضة . وفي سنة خمس وستين ومائة سير المهدي ابنه الرشيد لغزو الروم . فسار حتى بلغ خليج القسطنطينية . وصاحب الروم يومئذ ايريني امرأة لاون الملك . وذلك أن ابنها كان صغيراً قد هلك أبوه وهو في حجرها . فجزعت المرأة من المسلمين وطلبت الصلح من الرشيد . فجرى الصلح بينهم على الفدية وأن تقيم له الادلاء والأسواق في طريقه . وذلك أنه دخل مدخلاً ضيقاً مخوفاً من أحد جانبيه جبل وعر ومن جانبه الآخر نهر ساغريس . فأجابته إلى ذلك ومقدار الفدية سبعون ألف دينار لكل سنة ورجع عنها . واو كانت ذات همة لأمكنها منع المسلمين من الخروج والفتك بهم . وفي سنة تسع وستين ومائة عزم المهدي على خلع ابنه الموسى الهادي والبيعة للرشيد بولاية العهد . فبعث إليه وهو بجرجان في المعنى . فلم يفعل وامتنع من القدوم أيضاً . فسار المهدي يريده . فلما بلغ ماسبذان . عمدت حسنة جاريته إلى كمثرى فأهدته جارية أخرى كان المهدي يتخطاها وسمت منه كمثراة هي أحسن الكمثرى . فاجتاز الخادم بالمهدي وكان يعجبه الكمثرى فأخذ تلك الكمثراة المسمومة فأكلها . فلما وصلت إلى جوفه صاح : جوفي جوفي . فسمعت حسنة بموته فجاءت تبكي وتلطم وجهها وتقول : أردت أن أنفرد بك فقتلتك . فمات من يومه وكان موته في المحرم لثمان بقين منه سنة تسع وستين ومائة وكانت خلافته عشر سنين وتوفي وهو ابن ثلاث وأربعين سنة ودفن تحت جوزة كان يجلس تحتها .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;حكي إنه لما هم المهدي بالخروج إلى ماسبذان تقدم إلى حسنة حظيته أن تخرج معه . فأرسلت إلى توفيل بن توما النصراني المنجم الرهاوي وهو رئيس منجمي المهدي قائلة له : إنك أشرت على أمير المؤمنين بهذا السفر فجشمتنا سفراً لم يكن في الحساب . فعجل الله موتك وأراحنا منك . فلما بلغته رسالتها قال للجارية التي أتته بها : إرجعي إليه وقولي لها أن هذه الإشارة ليست مني . وإما دعاؤك علي بتعجيل الموت فهذا شيء قد قضى الله به وموتي سريع فلا تتوهمي أن دعوتك استجيبت . ولكن أعدي لنفسك تراباً كثيراً . فإذا أنا مت فاجعليه على رأسك . فما زالت متوقعة تأويل قوله منذ توفي حتى توفي المهدي بعد عشرين يوماً . وكان توفيل هذا على مذهب الموارنة الذين في جبل لبنان من مذاهب النصارى . وله كتاب تاريخ حسن ونقا كتابي اوميروس الشاعر على فتح مدينة ايليون في قديم الدهر من اليونانية إلى السريانية بغاية ما يكون من الفصاحة .&lt;br/&gt;وفي هذا الزمان اشتهر في الطب أبو قريش طبيب المهدي وهو المعروف بعيسى الصيدلاني . ولم يذكر هذا في جملة الأطباء لأنه كان ماهراً بالصناعة وإنما يذكر لظريف خبره وما فيه من العبرة وحسن الاتفاق . وهو أن هذا الرجل كان صيدلانياً ضعيف الحال جداً . فتشكت الخيزران حظية المهدي وكانت من مولدات المدينة . وتقدمت إلى جاريتها بأن تخرج القارورة إلى طبيب غريب لا يعرفها . وكان أبو قريش بالقرب من القصر الذي للمهدي . فلما وقع نظر الجارية عليه أرته القارورة . فقال لها : لمن هذا الماء؟ فقالت : لامرأة ضعيفة . فقال : بل لملكة جليلة عظيمة الشأن وهي حبلى بملك . وكان هذا القول منه على سبيل الرزق . فانصرفت الجارية من عنده وأخبرت الخيزران بما سمعت منه . ففرحت بذلك فرحاً شديداً وقالت : ينبغي أن تضعي علامة على دكانه حتى إذا صح قوله اتخذناه طبيباً لنا . وبعد مدة ظهر الحبل وفرح به المهدي فرحاً شديداً . فأنفذت الخيزران إلى أبي قريش خلعتين فاخرتين وثلاثمائة دينار وقالت : استعن بهذه على أمرك . فإن صح ما قلته استصحبناك . فعجب أبو قريش من ذلك وقال : هذا من عمدي ربي عز وجل لأنني ما قلته للجارية إلا وقد كان هاجساً من غير أصل . ولما ولدت الخيزران موسى الهادئ سر المهدي سروراً عظيماً . وحدثته الخيزران الحديث فاستدعى أبا قريش وخاطبه . فلم يجد عنده علماً بالصناعة إلا شيئاً يسيراً من علم الصيدلة . إلا أنه اتخذه طبيباً لما جرى منه واستصحبه وأكرمه الإكرام التام وحظي عنده .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt; &amp;quot; الهادي بن المهدي &amp;quot;&lt;br/&gt; لما توفي المهدي كان الرشيد معه في ماسبذان . فكتب إلى الآفاق بوفاة المهدي والبيعة لموسى الهادي . وسار نصير الوصيف إلى الهادي بجرجان يعلمه بوفاة المهدي والبيعة له . فنادى بالرحيل . ولما قدم بغداد استوزر الربيع . وفي هذه السنة وهي سنة تسع وستين ومائة تتبع الهادي الزنادقة وقتل منهم جماعة كانوا إذا نظروا إلى الناس في الطواف يهزلون ويقولون : ما أشبههم ببقر تدوس البيدر . وقتل أيضاً يعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب .&lt;br/&gt;وفي سنة سبعين ومائة توفي الهادي . وسبب وفاته إنه لما ولي الخلافة كانت أمه الخيزران تستبد بالأمور دونه . وكلمته يوماً في أمر لم يجد إلى أجابتها سبيلاً . فقالت : لا بد من الإجابة إليه . فغضب الهادي وقال : والله لا قضيتها لك . قالت : إذاً والله لا أسألك حاجة أبداً . قال : لا أبالي . فقامت مغضبة . فقال : مكانك . والله لئن بلغني أنه وقف في بابك أحد من قوادي لأضربنَّ عنقه . ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إلى بابك . أما لم مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك أو بيت يصونك! فانصرفت وهي لا تعقل . ووضعت جواريها عليه لما مرض فقتلنه بالغم وبالجلوس على وجهه . فمات ليلة الجمعة للنصف من ربيع الأول . وكانت خلافته سنة وثلاثة أشهر وكان عمره ستاً وعشرين سنة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&amp;quot; هرون الرشيد بن المهدي &amp;quot;&lt;br/&gt; لما توفي الهادي بويع الرشيد هرون بالخلافة في الليلة التي مات فيها الهادي . وكان عمره حين ولي اثنتين وعشرين سنة . وأمه الخيزران . ولما مات الهادي خرج الرشيد فصلى عليه بعيساباذ . ولما عاد الرشيد إلى بغداد وبلغ الجسر دعا الغواصين وقال : كان أبي قد وهب لي خاتماً شراؤه مائة ألف دينار . فأتاني رسول الهادي أخي يطلب الخاتم وأنا ههنا فألقيته في الماء . فغاصوا عليه وأخرجوه فسر به . ولما مات الهادي هجم خزيمة بن خازم تلك الليلة على جعفر بن الهادي فأخذه من فراشه وقال له : لتخلعنها أو لأضربن عنقك . فأجاب إلى الخلع . وأشهد الناس عليه . فحظي بها خزيمة .&lt;br/&gt;وقيل لما مات الهادي جاء يحيى بن خالد البرمكي إلى الرشيد فأعلمه بموته . فبينما هو يكلمه إذ أتاه رسول آخر يبشه بمولود . فسماه عبد الله وهو المأمون . فقيل : في ليلة مات خليفة وقام خليفة وولد خليفة . وفي هذه السنة ولد الأمين واسمه محمد في شوال وكان المأمون أكبر منه . ولما ولي الرشيد استوزر يحيى البرمكي . وفي سنة اثنتين وثمانين ومائة بايع الرشيد لعبد الله المأمون بولاية العهد بعد الأمين وولاه خراسان وما يتصل بها إلى همذان ولقبه المأمون وسلمه إلى جعفر بن يحيى البرمكي . وفيها حملت بنت خاقان الخزر إلى الفضل بن يحيى البرمكي . فماتت ببرذعة فرجع من معها إلى أبيها فأخبروه أنها قتلت غيلة فتجهز إلى بلاد الإسلام . وفيها سملت الروم عيني ملكهم قسطنطين بن لاون وأقروا أمه ايريني . وغزا المسلمون الصائفة فبلغوا أفسوس مدينة أصحاب الكهف . وفي سنة ثلاث وثمانين ومائة خرج الخزر بسبب ابنه خاقان من بابا الأبواب فأوقعوا بالمسلمين وأهل الذمة وسبوا أكثر من مائة ألف رأس وانتهكوا أمراً عظيماً لم يسمع بمثله في الأرض&lt;br/&gt;وفي سنة ست وثمانين ومائة أخرج الرشيد البيعة للقاسم ابنه بولاية العهد بعد المأمون وسماه المؤتمن . وفي سنة سبع وثمانين ومائة خلعت الروم ايريني الملكة وملكت نيقيفور وهو من أولاد جبلة . فكتب إلى الرشيد : من نيقيفور ملك الروم إلى هرون ملك العرب . أما بعد فإن الملكة ايريني حملت إليك من أموالها ما كنت حقيقاً بحمل أضعافه إليها . لكن ذلك ضعف النساء وحمقهن . فإذا قرأت كتابي هذا فاردد ما أخذت وإلا فالسيف بيننا وبينك . فلما قرأ الرشيد الكتاب استفزه الغضب وكتب في ظهر الكتاب : من هرون أمير المؤمنين إلى نيقيفور زعيم الروم . قد قرأت كتابك والجواب ما تراه دون ما تسمعه . ثم سار من يومه حتى نزل على هرقلة فأحرق وخرب ورجع . وفي هذه السنة أوقع الرشيد بالبرامكة وقتل جعفر بن يحيى البرمكي وحبس أخاه الفضل وأباه يحيى بالرقة حتى ماتا . وكتب إلى العمال في جميع النواحي بالقبض على البرامكة واستصفى أموالهم . وفي سنة تسعين ومائة ظهر رافع بن الليث بما وراء النهر مخالفاً للرشيد بسمرقند . وفي سنة اثنتين وتسعين ومائة سار الرشيد من الرقة إلى بغداد يريد خراسان لحرب رافع . ولما صار ببعض الطريق ابتدأت به العلة . ولما بلغ جرجان في صفر اشتد مرضه . وكان معه ابنه المأمون . فسيره إلى مرو ومعه جماعة من القواد . وسار الرشيد إلى طوس . واشتد به المرض حتى ضعف عن الحركة . ووصل إليه هناك بشير بن الليث أخو رافع أسيراً فقال له الرشيد : والله لو لم يبق من أجلي إلا أن أحرك شفتي بكلمة لقلت : اقتلوه . ثم دعا بقصاب فأمر به ففصل أعضاءه . فلما فرغ منه أغمي عليه ثم مات ودفن بطوس سنة ثلاث وتسعين ومائة . وكانت خلافته ثلاثاً وعشرين سنة . وكان عمره سبعاً وأربعين سنة . وكان جميلاً وسيماً أبيض جعداً قد وخطه الشيب . وكان بعهده ثلاثة الأمين وأمه زبيدة بنت جعفر بن المنصور ثم المأمون وأمه أم ولد اسمها مراجل ثم المؤتمن وأمه أم ولد . قيل : وكان الرشيد يصلي كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق الدنيا إلا من مرض . وكان يتصدق من صلب ماله كل يوم بألف درهم بعد زكاته .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt;قيل أن الرشيد في بدء خلافته سنة إحدى وسبعين ومائة مرض من صداع لحقه . فقال ليحيى بن خالد بن برمك : هؤلاء الأطباء ليسوا يفهمون شيئاً وينبغي أن تطلب لي طبيباً ماهراً . فقال له عن بختيشوع بن جيورجيس . فأرسل البريد في طلبه إلى جنديسابور . ولما كان بعد أيام ورد ودخل على الرشيد . فأكرمه وخلع عليه خلعة سنية ووهب له مالاً وافراً وجعله رئيس الأطباء . ولما كان في سنة خمس وسبعين ومائة مرض جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك . فتقدم الرشيد إلى بختيشوع أن يخدمه . ولما أفاق الجعفر من مرضه قال لبختيشوع : أريد أن تختار لي طبيباً ماهراً أكرمه وأحسن إليه . قال له بختيشوع : لست أعرف في هؤلاء الأطباء أحذق من ابني جبريل . فقال له جعفر : أحضرنيه . فلما أحضره شكا إليه مرضاً كان يخفيه . فدبره في مدة ثلاثة أيام وبرئ . فأحبه جعفر مثل نفسه . وفي بعض الأيام تمطت حظية الرشيد ورفعت يدها فبقيت مبسوطة لا يمكنها ردها والأطباء يعالجونها بالتمريخ والأدهان فلا ينفع ذلك شيئاً . فقال له جعفر عن جبريل ومهارته . فأحضره وشرح له حال الصبية . فقال جبريل : إن لم يسخط أمير المؤمنين علي فلها عندي حيلة . قال له الرشيد : ما هي؟ قال : تخرج الجارية إلى هاهنا بحضرة الجمع حتى أعمل ما أريد وتتمهل علي ولا تسخط عاجلاً . فأمر الرشيد فخرجت وحين رآها جبريل أسرع إليها ونكس رأسها وأمسك ذيلها فانزعجت الجارية ومن شدة الحياء والانزعاج استرسلت أعضاؤها وبسطت يدها إلى أسفل وأمسكت ذيلها . فقال جبريل : لقد برئت يا أمير المؤمنين . فقال الرشيد للجارية ابسطي يدك يمنة ويسرة . ففعلت . فعجب الرشيد وكل من حضر وأمر لجبريل في الوقت بخمسمائة ألف درهم وأحبه . ولما سئل عن سبب العلة قال : هذه الصبية انصب إلى أعضائها وقت الغشيان خلط رقيق بالحركة وانتشار الحرارة ولأجل أن سكون حركة الغشيان تكون بغتة جمدت الفضلة في بطون الأعصاب وما كان يحلها إلا حركة مثلها فاحتلت حتى انبسطت حرارتها وحلت الفضلة فبرئت .&lt;br/&gt;ومن أطباء الرشيد يوحنا بن ماسويه النصراني السرياني ولاه الرشيد ترجمة الكتب الطبية القديمة . وخدم الرشيد ومن بعده إلى أيام المتوكل وكان معظماً ببغداد جليل القدر وله تصانيف جميلة . وكان يعقد مجلساً للنظر ويجري فيه من كل نوع من العلوم القديمة بأحسن عبارة . وكان يدرس ويجتمع إليه تلاميذ كثيرون . وكان في يوحنا دعابة شديدة يحضره من يحضره لأجلها في الأكثر . وكان من ضيق الصدر وشدة الحدة على أكثر مما كان عليه جبريل بن بختيشوع . وكانت الحدة تخرج من يوحنا الفاظاً مضحكة . فما جفظ من نوادره أن رجلاً شكا إليه علة كان شفاه منها الفصد فأشار عليه به . فقال له : لم أعتد الفصد . قال له يوحنا : ولا أحسبك اعتدت العلة من بطن أمك . وصار إليه قسيس وقال : قد فسدت علي معدتي . فقال له يوحنا : استعمل جوارشن الخوزي . فقال له : قد فعلت . قال : فاستعمل الكموني . قال : قد استعملت منه أرطالاً . فأمره باستعمال البنداذيقون . فقال : قد شريت منه جرة . قال : استعمل المروسيا . فقال له : قد فعلت وأكثرت . فغضب يوحنا وقال له : إن أردت أن تبرأ فأسلم فإن الإسلام يصلح المعدة . وكان بختيشوع بن جبريل يداعب يوحنا كثيراً . فقال له في مجلس ابراهيم بن المهدي وهم في معسكر المعتصم بالمدائن سنة عشرين ومائتين : أنت أبا زكريا أخي ابن أبي . فقال يوحنا لإبراهيم : اشهد على أقراره فوالله لأقاسمنه ميراثه من أبيه . فقال له بختيشوع : إن أولاد الزنا لا يرثون . فانقطع يوحنا ولم يحر جواباً . ومن الأطباء في أيام الرشيد صالح بن بهلة الهندي . ومن عجيب ما جرى له أن الرشيد في بعض الأيام قدمت له الموائد . فطلب جبريل بن بختيشوع يحضر أكله على عادته في ذلك فلم يوجد فلعنه الرشيد . فبينما هو في لعنته إذ دخل عليه . فقال له : أين كنت وطفق يذكره بشرّ . فقال : إن أشتغل أمير المؤمنين بالبكاء على ابن عمه ابراهيم بن صالح وترك تناولي بالسب كان أشبه . فسأله عن خبر ابراهيم . فأعلمه أنه خلفه وبه رمق ينقضي آخره وقت صلاة العتمة . فاشتد جزع الرشيد من ذلك وأمر برفع الموائد وكثر بكاؤه . فأشار جعفر بن يحيى البرمكي أن يمضي صالح الطبيب الهندي إليه ويعاينه ويجس نبضه . فمضى وتأمله ورجع إلى جعفر قائلاً : إن مات هذا من هذه العلة كل امرأة لي طالق ثلاثاً بتاتاً . فلما كان وقت العتمة ورد كتاب صاحب البريد بوفاة ابراهيم على الرشيد فأقبل يلعن الهند وطبهم . فحضر صالح بين يدي الرشيد فقال : الله الله أن تدفن ابن عمك حياً فوالله ما مات . قم حتى أريك عجباً . فدخل إليه الرشيد ومعه جماعة من خواصه . فأخرج صالح أبرة كانت معه وأدخلها بين ظفر ابهام يده اليسرى ولحمه . فجذب ابراهيم يده وردها إلى بدنه . فقال صالح : يا أمير المؤمنين هل يحس الميت بالوجع . ثم نفخ شيئاً من الكندس في أنفه . فمكث مقدار سدس ساعة ثم اضطرب بدنه وعطس وجلس وكلم الرشيد وقبل يده . وسأله الرشيد عن قضيته . فذكر أنه كان نائماً نوماً لا يذكر أنه نام مثله قط طيِّباً إلا أنه رأى في منامه كلباً قد أهوى إليه فتوقاه بيده فعض ابهام يده اليسرى عضة انتبه بها وهو يحس بوجعها وأراه موضع الابرة . وعاش ابراهيم بعد ذلك دهراً وولي مصر وتوفي بها وهناك قبره .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; “ الأمين بن الرشيد “&lt;br/&gt; انتهى الامر إليه بعد أبيه باثني عشر يوماً . بويع له في عسكر الرشيد وكان المأمون حينئذ بمرو . وفي سنة أربع وتسعين ومائة قدم الفضل ابن الربيع العراق من طوس ونكث عهد المأمون وسعى في إغراء الأمين وحثه على خلع المأمون والبيعة لابنه موسى بولاية العهد . فأمر الأمين بالدعاء على المنابر لابنه موسى ونهى عن الدعاء للمأمون . وأمر بأبطال ما ضرب المأمون من الدراهم والدنانير بخراسان . وندب الأمين علي بن عيسى بن ماهان للقاء المأمون . ولما عزم على المسير من بغداد ركب إلى باب زبيدة أم الأمين ليودعها . فقالت له : يا علي أعرف لعبد الله المأمون حق ولادته ولا تقتسره اقتسار العبيد إذا ظفرت به ولا تعنف عليه في السير وإن شتمك فاحتمله . ثم دفعت إليه قيداً من فضة وقالت : قيده بهذا القيد . ثم خرج علي في عشرة آلاف فارس . وبلغ الخبر المأمون فتسمى بأمير المؤمنين وانهض هرثمة بن أعين في أقل من أربعة آلاف فارس وعلى مقدمته طاهر بن الحسين . ثم خرج طاهر في أصحابه من الري على خمسة فراسخ . وسار إليه علي وزحف الناس بعضهم إلى بعض وحملت ميمنة علي وميسرته على ميسرة طاهر وميمنته فأزالتاهما عن موضعيهما . وحمل قلب طاهر على قلب علي فهزموه . ورجع المنهزمون من معسكر طاهر على من بازائهم فهزموهم . ورمى رجل اسمه داود شاه علياً بسهم فقتله . وحمل رأسه إلى طاهر وأنفذه إلى المأمون . وكان علي قليل الاحتياط من طاهر . وكان يقول لأصحابه : ما بينكم وبين أن ينقصف طاهر انقصاف الشجر من الريح إلا أن نعبر عقبة همذان . ولما قتل علي بعث المأمون إلى طاهر بالهدايا وأمره أن يمضي إلى العراق . فأخذ طاهر على طريق الاهواز وأخذ هرثمة على طريق حلوان . فشغب الجند على محمد الامين ووثبوا عليه وخلعوه وحبسوه مع أمه زبيدة وولده . ثم أخرجوه وبايعوه وكان حبسه يومين . ثم حاصر طاهر وهرثمة محمداً الامين وجعلا يحاربان أصحابه سنة ببغداد فقل أصحابه وخفت يده من المال وضعف أمره . فوجه إلى هرثمة يسأله الأمان . فأمنه وضمن له الوفاء من المأمون . فلما علم ذلك طاهر اشتد عليه وأبى أن يدعه يخرج إلى هرثمة وقال : هو في حيزي والجانب الذي أنا فيه وأنا أخرجته بالحصار حتى طلب الامان فلا أرضى أن يخرج إلى هرثمة فيكون له الفتح دوني . وكان الأمين يكره الخروج إلى طاهر لمنام رآه . فلما كان ليلة الاحد لخمس بقين من محرم سنة ثماني وتسعين ومائة خرج بعد العشاء الآخرة إلى صحن الدار ودعا بابنيه وضمهما إليه وقبلهما وقال : استودعكما الله عز وجل . ثم جاء راكباً إلى الشط . فإذا حراقة هرثمة فصعد إليها وأمر هرثمة الحراقة أن تدفع . فأدركهم أصحاب طاهر في الزواريق وحملوا على الحراقة بالنفط والحجارة فانكفأت بمن فيها وسقط هرثمة إلى الماء فتعلق الملاح بشعره فأخرجه . وأما الأمين فإنه لما سقط إلى الماء شق ثيابه وسبح حتى خرج بشط البصرة . فأخذه أصحاب طاهر وجاءوا إلى بيت وهو عريان عليه سراويل وعمامة وعلى كتفه خرقة خلقة فحبسوه هناك . فلما انتصف الليل دخل عليه قوم من العجم معهم السيوف مسلولة . فلما رآهم جعل يقول : ويحكم أنا ابن عم رسول الله أنا ابن هرون أنا أخو المأمون . الله الله في دمي . فضربه رجل منهم بالسيف في مقدمة رأسه ونخسه آخر في خاصرته وركبوه فذبحوه ذبحاً وأخذوا رأسه ومضوا به إلى طاهر . فبعث به إلى المأمون . وكانت خلافة الأمين أربع سنين وثمانية أشهر وكان عمره ثمانياً وعشرين سنة . وقيل : لمل ملك الأمين وكاتبه المأمون وأعطاه بيعته طلب الخصيان وابتاعهم وغالى فيهم وصيرهم لخلوته في ليله ونهاره وأمره ونهيه ووجه إلى البلدان في طلب أصحاب اللهو وضمهم إليه وأجرى عليهم الأرزاق وقسم ما في بيوت الاموال من الجواهر في خصيانه ونسائه الاحرار وعمل خمس حراقات في دجلة على صورة الأسد والفيل والعقاب والحية والفرس . فقال أبو نواس في ذلك :&lt;br/&gt; عجب الناس إذ رأوك على صو  . . . رة ليث يمر مر السحابِ سبحوا إذ رأوك سرت عليه  . . . كيف لو أبصروك فوق العقابِ&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;واحتجب عن أخوته وأهل بيته واستخف بهم وبقواده وأمر ببناء مجالس لمنتزهاته ولهوه وأحبته . وأمر قيمة جواريه أن تهيئ له مائة جارية صانعة فتصعد إليه عشر عشر بأيديهن العيدان يغنين بصوت واحد . وقيل أنه لما أتاه نعي علي بن عيسى كان يصطاد السمك . فقال للذي أخبره بذلك : دعني فإن كوثراً قد اصطاد سمكتين وأنا ما اصطدت شيئاً بعد . وبالجملة لم يوجد في سيرته ما يستحسن ذكره من حكمة ومعدلة أو تجربة حتى تذكر .&lt;br/&gt; &amp;quot; المأمون بن الرشيد &amp;quot;&lt;br/&gt; لما خلص المأمون بعث إلى علي بن موسى بن جعفر ابن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فأقدمه خراسان وجعله ولي عهد المسلمين والخليفة من بعده وزوجه ابنته أم حبيبة ولقبه الرضا من آل محمد . وأمر جنده بطرح السواد ولبس ثياب الخضرة وكتب بذلك إلى الآفاق أنه نظر في بني العباس وبني علي فلم يجد أحداً أفضل ولا أروع ولا أعلم من علي بن موسى فلذلك عقد له العهد من بعده . فشق ذلك على بني هاشم وغضب بنو العباس فقالوا : لا تخرج الخلافة منا إلى أعدائنا . فخلعوا المأمون وبايعوا ابراهيم بن المهدي بن المنصور بن محمد الامام بن علي بن عبد الله بن عباس وسموه المبارك . وفي سنة ثلاث وثمانين مات علي بن موسى الرضا وكان سبب موته أنه أكل عنباً فأكثر منه فمات فجأة في آخر صفر بمدينة طوس فدفنه المأمون عند قبر أبيه الرشيد . وفي هذه السنة خلع أهل بغداد ابراهيم بن المهدي فاختفى ليلة الأربعاء لثلاث بقين من ذي الحجة ولم يزل متوارياً . وقدم المأمون بغداد وانقطعت الفتن . وفي هذه السنة وهي سنة أربع ومائتين مات الإمام محمد بن ادريس الشافعي . وفي سنة عشر ومائتين في ربيع الآخر أُخذ ابراهيم بن المهدي وهو متنقب مع امرأتين وهو في زي امرأة أخذه حارس أسود ليلاً فقال : من انتن وأين تردن هذا الوقت . ولما استراب بهن رفعهن إلى صاحب المسلحة . فأمرهن أن يسفرن . فامتنع ابراهيم . فجذبه فبدت لحيته فرفعه إلى بابا المأمون واحتفظ به إلى بكرة . فلما كان الغد أقعد ابراهيم في دار المأمون والمقنعة في عنقه والملحفة على صدره ليراه بنو هاشم . ثم عفا عنه وأمنه ونادمه . وفي سنة سبع عشرة ومائتين سار المأمون إلى بلد الروم فأناخ على لؤلؤة مائة يوم . ثم رحل عنها وترك لها عجيفاً . فخدعه أهلها وأسروه فبقي عندهم ثمانية أيام ثم أخرجوه . وفي سنة ثماني عشرة ومائتين كتب المأمون إلى اسحق بن ابراهيم في امتحان القضاة والمحدثين بالقرآن فمن أقر أنه مخلوق محدث خلى سبيله ومن أبى أعلمه به ليأمر فيه برأيه . وفي هذه السنة مرض المأمون مرضه الذي مات به لثلاث عشرة خلت من جمادى الآخرة . وكان سبب مرضه أنه كان جالساً على شاطئ البدندون وأخوه أبو اسحق المعتصم عن يمينه وهما قد دليا أرجلهما في الماء . فبينما هو متعجب من عذوبته وصفائه وشدة برده إذ جاءته الألطاف من العراق وكان فيها رطب ازاذ كأنما جني تلك الساعة . فأكل منه وشرب من ذلك الماء فما قام إلا وهو محموم وكانت منيته من تلك العلة . فلما أنه مرض خلع أخاه القاسم المؤتمن وأخذ البيعة لأخيه أبي اسحق المعتصم وأمر أن يكتب إلى البلاد الكتب من عبد الله المأمون أمير المؤمنين وأخيه الخليفة من بعده أبي اسحق المعتصم بن هرون الرشيد . ولما حضره الموت كان عنده ابن ماسويه الطبيب . وكان عنده من يلقنه فعرض عليه الشهادة . فأراد الكلام فعجز عنه . ثم أنه تكلم فقال : يا من لايموت أرحم من يموت . ثم توفي من ساعته . فحمله ابنه العباس وأخوه المعتصم إلى طرسوس فدفناه بدار خاقان خادم الرشيد . وكانت خلافته عشرين سنة . وكان ربعة أبيض جميلاً طويل اللحية رقيقها قد وخطه الشيب وقيل كان أسمر تعلوه صفرة . وكان عمره ثمانياً وأربعين سنة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;قاضي صاعد بن أحمد الاندلسي أن العرب في صدر الاسلام لم تعن بشيء من العلوم إلا بلغتها ومعرفة أحكام شريعتها حاشا صناعة الطب فإنها كانت موجودة عند أفراد منهم غير منكورة عند جماهيرهم لحاجة الناس طراً إليها . فهذه كانت حال العرب في الدولة الأموية . فلما أدال الله تعالى للهاشمية وصرف الملك إليهم ثابت الهمممن غفلتها وهبت الفطن من ميتتها . وكان أول من عني منهم بالعلوم الخليفة الثاني أبو جعفر المنصور . وكان مع براعته في الفقه كلفاً في علم الفلسفة وخاصة في علم النجوم . ثم لما أفضت الخلافة فيهم إلى الخليفة السابع عبد الله المأمون بن هرون الرشيد تمم ما بدأ به جده المنصور فأقبل على طلب العلم في مواضعه وداخل ملوك الروم وسألهم صلته بما لديهم من كتب الفلسفة . فبعثوا إليه منها ما حضرهم فاستجاد له مهرة التراجمة وكلفهم إحكام ترجمتها فترجمت له على غاية ما أمكن . ثم حرض الناس على قراءتها ورغبهم في تعليمها فكان يخلو بالحكماء ويأنس بمناظراتهم ويلتذ بمذاكرتهم علماً منه بأن أهل العلم هم صفوة الله من خلقه ونخبته من عباده لأنهم صرفوا عنايتهم إلى نيل فضائل النفس الناطقة وزهدوا فيما يرغب فيه الصين والترك ومن نزع منزعهم من التنافس في دقة الصنائع العملية والتباهي بأخلاق النفس الغضبية والتفاخر بالقوى الشهوانية إذ علموا أن البهائم تشركهم فيها وتفضلهم في كثير منها . أما في أحكام الصنعة فكالنحل المحكمة لتسديس مخازن قوتها . وأما في الجرأة والشجاعة فكالأسد وغيره من السباع التي لا يتعاطى الانسان إقدامها ولا يدعي بسالتها . وأما في الشبق فكالخنزير وغيره مما لا حاجة إلى ابانته . فلهذا السبب كان أهل العلم مصابيح الدجى وسادة البشر وأوحشت الدنيا لفقدهم . فمن المنجمين في أيام المأمون حبش الحاسب المروزي الأصل البغدادي الدار . وله ثلاثة أزياج . أولها المؤلف على مذهب السند هند . والثاني الممتحن وهو أشهرها ألفة بعد إن رجع إلى معاناة الرصد وأوجبه الامتحان في زمانه . والثالث الزيج الصغير المعروف بالشاة . وله كتب غير هذه . وبلغ من عمره مائة سنة . ومنهم أحمد بن كثير الفرغاني صاحب المدخل إلى هيئة الافلاك يحتوي على جوامع كتاب بطليموس بأعذب لفظ وأبين عبارة . ومنهم عبد الله بن سهل بن نوبخت كبير القدر في علم النجوم . ومنهم محمد بن موسى الخوارزمي . وكان الناس قبل الرصد وبعده يعولون على زيجه الأول والثاني ويعرف بالسند هند . ومنهم ماشاء الله اليهودي . كان في زمن المنصوروعاش إلى أيام المأمون وكان فاضلاً أوحد زمانه له حظ قوي في سهم الغيب . ومنهم يحيى ابن أبي المنصور رجل فاضل كبير القدر إذ ذاك مكين المكان . ولما عزم المأمون على رصد الكواكب تقدم إليه وإلى جماعة من العلماء بالرصد وإصلاح آلاته . ففعلوا ذلك بالشماسية ببغداد وجبل قاسيون بدمشق . قال أبو معشر : اخبرني محمد بن موسى المنجم الجليس وليس بالخوارزمي قال : حدثني يحيى بن منصور قال : دخلت إلى المأمون وعنده جماعة من المنجمين وعنده رجل يدعي النبوة وقد دعا له المأمون بالعاصمي ولم يحضر بعد ونحن لا نعلم . فقال لي ولمن حضر من المنجمين : اذهبوا وخذوا الطالع لدعوى الرجل في شيء يدعيه وعرفوني ما يدل عليه الفلك من صدقه وكذبه . ولم يعلمنا المأمون أنه متنبئ . &amp;quot; قال &amp;quot; فحملنا إلى بعض تلك الصحون فأحكمنا أمر الطالع وصورنا موضع الشمس والقمر في دقيقة واحدة وسهم السعادة منهم وسهم الغيب في دقيقة واحدة مع دقيقة الطالع والطالع الجدي والمشتري في السنبلة ينظر إليه والزهرة وعطارد في العقرب ينظران إليه . فقال كل من حضر من القوم : ما يدعيه صحيح . وأنا ساكت فقال لي المأمون : ما قلت أنت؟ فقلت : هو في طلب تصحيحه وله حجة زهرية عطاردية . وتصحيح الذي يدعيه لا يتم له ولا ينتظم . فقال لي : من أين قلت هذا؟ قلت : لأن صحة الدعاةي من المشتري ومن تثليث الشمس وتسديسها إذا كانت الشمس غير منحوسة وهذا الطالع يخالفه لأنه هبوط المشتري والمشتري ينظر إليه نظرة موافقة إلا أنه كاره لهذا البرج والبرج كاره له فلا يتم التصديق والتصحيح . والذي قال من حجة زهرية وعطاردية . إنما هو ضرب من التخمين والتزويق والخداع يتعجب منه ويستحب . فقال لي المأمون : أنت لله درك . ثم قال : أتدرون من الرجل؟ قلنا له : لا . قال : هذا يدعي النبوة . فقلت : يا أمير المؤمنين شيء يحتج به؟ فسأله . فقال : نعم معي خاتم ذو فصين ألبسه فلا يتعين منه شيء يحتج به ويلبسه غيري فيضحك ولا يتمالك من الضحك حتى ينزعه . ومعي قلم شامي آخذه فأكتب به ويأخذه غيري فلا ينطلق اصبعه . فقلت : يا سيدي هذه الزهرة وعطارد قد عملا عملهما . فأمره المأمون بعمل ما ادعاه . فقلنا له : هذا ضرب من الطلسمات . فما زال به المأمون أياماً كثيرة حنى أقر وتبرأ من دعوة النبوة ووصف الحيلة التي احتالها في الخاتم والقلم . فوهب له ألف دينار . فتلقيناه بعد ذلك فإذا هو أعلم الناس بعلم التنجيم . قال أبو معشر : وهو الذي عمل طلسم الخنافس في دور كثيرة من دور بغداد . قال أبو معشر : لو كنت مكان القوم لقلت أشياء ذهبت عليهم كنت أقول : الدعوى باطلة لأن البرج منقلب والمشتري في الوبال والقمر في المحاق والكوكبان الناظران في برج كذاب وهو العقرب . ومن الحكماء يوحنا بن البطريق الترجمان مولى المأمون كان أميناً على ترجمة الكتب الحكمية حسن التأدية للمعاني ألكن اللسان في العربية وكانت الفلسفة أغلب عليه من الطب . ومن الأطباء سهل بن سابور ويعرف بالكوسج . كان بالأهواز وفي لسانه لكنة خوزية وتقدم بالطب في أيام المأمون . وكان إذا اجتمع مع يوحنا ابن ماسويه وجيورجيس بن بختيشوع وعيسى بن الحكم وزكريا الطيفوري قصر عنهم في العبارة ولم يقصر عنهم في العلاج . ومن دعاباته أنه تمارض وأحضر شهوداً يشهدهم على وصيته وكتب كتاباً أثبت فيه أولاده فأثبت في أوله جيورجيس ابن بختيشوع والثاني يوحنا بن ماسويه وذكر أنه أصاب أميهما زناً فأحبلهما . فعرض لجيورجيس زمع من الغيظ وكان كثير الالتفات . فصاح سهل : صري وهك المسيه ارخؤا في أذنه آية خرسي . أراد بالعجمة التي فيه : صرع وحق المسيح اقرؤا في أذنه آية الكرسي . ومن دعاباته أنه خرج في يوم الشعانين يريد المواضع التي تخرج إليها النصارى فرأى يوحنا بن ماسويه في هيئة أحسن من هيئته . فحسده على ذلك فصار إلى صاحب مسلحة الناحية فقال له : إن ابني يعقني وإن أنت ضربته عشرين درة موجعة أعطيتك عشرين دينار . ثم أخرج الدنانير فدفعها إلى من وثق به صاحب المسلحة : ثم اعتزل ناحية إلى أن بلغ يوحنا الموضع الذي هو فيه فقدمه إلى صاحب المسلحة وقال : هذا ابني يعقني ويستخف بي . فجحد أن يكون ابنه . فقال : يهذي هذا . قال سهل : انظر يا سيدي . فغضب صاحب المسلحة ورمى يوحنا من دابته وضربه عشرين مقرعة ضرباً موجعاً مبرحاً . ومن أطباء المأمون جبريل الكحال . كانت وظيفته في كل شهر ألف درهم . وكان أول من يدخل إليه كل يوم . ثم سقطت منزلته بعد ذلك . فسئل عن سبب ذلك فقال : إني خرجت يوماً من عند المأمون فسألني بعض مواليه عن خبره فأخبرته أنه قد أغفى . فبلغه ذلك فأحضرني ثم قال : يا جبريل اتخذتك كحالاً أو عاملاً للاخبار علي . اخرج من داري . فأذكرته حرمتي فقال : إن له لحرمةً فليقتصر به على إجراء مائة وخمسين درهماً في الشهر ولا يؤذن له في الدخول .عه شيء يحتج به؟ فسأله . فقال : نعم معي خاتم ذو فصين ألبسه فلا يتعين منه شيء يحتج به ويلبسه غيري فيضحك ولا يتمالك من الضحك حتى ينزعه . ومعي قلم شامي آخذه فأكتب به ويأخذه غيري فلا ينطلق اصبعه . فقلت : يا سيدي هذه الزهرة وعطارد قد عملا عملهما . فأمره المأمون بعمل ما ادعاه . فقلنا له : هذا ضرب من الطلسمات . فما زال به المأمون أياماً كثيرة حنى أقر وتبرأ من دعوة النبوة ووصف الحيلة التي احتالها في الخاتم والقلم . فوهب له ألف دينار . فتلقيناه بعد ذلك فإذا هو أعلم الناس بعلم التنجيم . قال أبو معشر :وهو الذي عمل طلسم الخنافس في دور كثيرة من دور بغداد . قال أبو معشر : لو كنت مكان القوم لقلت أشياء ذهبت عليهم كنت أقول :الدعوى باطلة لأن البرج منقلب والمشتري في الوبال والقمر في المحاق والكوكبان الناظران في برج كذاب وهو العقرب . ومن الحكماء يوحنا بن البطريق الترجمان مولى المأمون كان أميناً على ترجمة الكتب الحكمية حسن التأدية للمعاني ألكن اللسان في العربية وكانت الفلسفة أغلب عليه من الطب . ومن الأطباء سهل بن سابور ويعرف بالكوسج . كان بالأهواز وفي لسانه لكنة خوزية وتقدم بالطب في أيام المأمون . وكان إذا اجتمع مع يوحنا ابن ماسويه وجيورجيس بن بختيشوع وعيسى بن الحكم وزكريا الطيفوري قصر عنهم في العبارة ولم يقصر عنهم في العلاج . ومن دعاباته أنه تمارض وأحضر شهوداً يشهدهم على وصيته وكتب كتاباً أثبت فيه أولاده فأثبت في أوله جيورجيس ابن بختيشوع والثاني يوحنا بن ماسويه وذكر أنه أصاب أميهما زناً فأحبلهما . فعرض لجيورجيس زمع من الغيظ وكان كثير الالتفات . فصاح سهل : صري وهك المسيه ارخؤا في أذنه آية خرسي . أراد بالعجمة التي فيه : صرع وحق المسيح اقرؤا في أذنه آية الكرسي . ومن دعاباته أنه خرج في يوم الشعانين يريد المواضع التي تخرج إليها النصارى فرأى يوحنا بن ماسويه في هيئة أحسن من هيئته . فحسده على ذلك فصار إلى صاحب مسلحة الناحية فقال له : إن ابني يعقني وإن أنت ضربته عشرين درة موجعة أعطيتك عشرين دينار . ثم أخرج الدنانير فدفعها إلى من وثق به صاحب المسلحة : ثم اعتزل ناحية إلى أن بلغ يوحنا الموضع الذي هو فيه فقدمه إلى صاحب المسلحة وقال : هذا ابني يعقني ويستخف بي . فجحد أن يكون ابنه . فقال : يهذي هذا . قال سهل : انظر يا سيدي . فغضب صاحب المسلحة ورمى يوحنا من دابته وضربه عشرين مقرعة ضرباً موجعاً مبرحاً . ومن أطباء المأمون جبريل الكحال . كانت وظيفته في كل شهر ألف درهم . وكان أول من يدخل إليه كل يوم . ثم سقطت منزلته بعد ذلك . فسئل عن سبب ذلك فقال : إني خرجت يوماً من عند المأمون فسألني بعض مواليه عن خبره فأخبرته أنه قد أغفى . فبلغه ذلك فأحضرني ثم قال : يا جبريل اتخذتك كحالاً أو عاملاً للاخبار علي . اخرج من داري . فأذكرته حرمتي فقال : إن له لحرمةً فليقتصر به على إجراء مائة وخمسين درهماً في الشهر ولا يؤذن له في الدخول .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;“ المعتصم بن الرشيد “&lt;br/&gt; هو اسحق محمد بن هرون الرشيد . بويع له بعد موت المأمون فشغب الجند ونادوا باسم العباس بن المأمون . فخرج إليهم العباس فقال : ما هذا الحب البارد وقد بايعت عمي . فسكنوا . ودخل كثير من أهل الجبال وهمذان واصفهان وماسبذان وغيرهم في دين الخرمية وتجمعوا فعسكروا في عمل همذان . فوجه إليهم المعتصم العساكر فأوقعوا بهم فقتلوا منهم ستون ألفاً وهرب الباقون إلى بلد الروم . وفي سنة تسع عشرة ومائتين أحضر المعتصم أحمد بن حنبل وامتحنه بالقرآن . فلما لم يجب بكونه مخلوقاً أمر به فجلد جلداً شديداً حتى غاب عقله وتقطع جلده . وكان أبو هرون بن البكاء من العلماء المنكرين لخلق القرآن يقر بكونه مجعولاً لقول الله : أنا جعلناه قرآناً عربياً . ويسلم أن كل مجعول مخلوق ويحجم عن النتيجة ويقول : لا أقول مخلوق ولكنه مجعول . وهذا عجب عاجب . وفي سنة عشرين ومائتين عقد المعتصم للأفشين حيدر بن كاوس على الجبال ووجهه لحرب بابك فسار إليه . وكان ابتداء خروج بابك سنة إحدى ومائتين وهزم من الجيوش السلطان عدةً وقتل من قواده جماعة ودخل الناس رعب شديد وهول عظيم واستعظموه واحتوى إليه القطاع وأصحاب الفتن وتكاثفت جموعه حتى بلغ فرسانه عشرين ألفاً سوى الرجالة وأخذ يمثل بالناس . وكان أصحابه لا يدعون رجلاً ولا امرأة ولا صبياً ولا طفلاً مسلماً أو ذمياً إلا قطعوه وقتلوه وأحصي عدد القتلى بأيديهم فكان مائتي ألف وخمسة وخمسين ألفاً وخمسمائة انسان . فلما انتدب الافشين لحر بابك إلى البذ مدينته . فلما ضاق أمره خرج هارباً ومعه أهله إلى بلاد الروم في زي التجار . فعرفه سهل بن سنباط الارمني البطريق فأسره . فافتدى نفسه بمال عظيم . فلم يقبل منه وبعثع إلى الافشين بعد ما ركب الارمن من أمه وأخته وامرأته الفاحشة بين يديه . وكذا كان يفعل الملعون بالناس إذا أسرهم مع حرمهم . وحمل الافشين بابك إلى المعتصم وهو بسر من رأى . فأمر بإحضار سياف بابك فحضر فأمره أن يديه ورجليه فقطعها فسقط . فأمر بذبحه وشق بطنه . وأنفذ رأسه إلى خراسان وصلب بدنه بسامرا . وفي سنة ثلاث وعشرين ومائتين خرج توفيل بن ميخائيل ملك الروم إلى بلاد الإسلام فبلغ زبطرة فقتل من بها من الرجال وسبى الذرية والنساء . وأغار على ملطية وغيرها وسبى المسلمات ومثل بمن صار يديه من المسلمين فسمل أعينهم وقطع آنافهم وآذانهم . فلما بلغ الخبر المعتصم استعظمه وتوجه إلى بلاد الروم وفتح عمورية وقتل ثلاثين ألفاً وأسر ثلاثين ألفاً . وفي سنة خمس وعشرين ومائتين تغير المعتصم على الافشين لأنه كاتب مازيار أصبهبذ طبرستان وحسن له الخلاف والمعصية وأراد أن ينقل الملك إلى العجم فقتله وصلبه بإزاء بابك . ووجده بقلفته لم يختن . وأخرجوا من منزله أصناماً فأحرقوه بها . وفي سنة سبع وعشرين ومائتين توفي المعتصم أبو اسحق يوم الخميس لثماني عشرة مضت من ربيع الأول عن ثمانية بنين وثماني بنات وكانت خلافته ثماني سنين وثمانية أشهر وكان عمره سبعاً وأربعين سنة . وحكي أن المعتصم بينما هو يسير وحده قد انقطع عن أصحابه في يوم مطر إذ رأى شيخاً معه حمار عليه شوك وقد زلق الحمار وسقط في الأرض والشيخ قائم . فنزل عن دابته ليخلص الحمار . فقال له الشيخ : بأبي أنت وأمي لا تهلك ثيابك . فقال له : لا عليك . ثم أنه خلص الحمار وجعل الشوك عليه وغسل يده ثم ركب . فقال له الشيخ : غفر الله لك يا شاب . ثم لحقه أصحابه فأمر له بأربعة آلاف درهم . وهذا دليل على غاية ما يمكن أن يكون من طيب أعراق الملوك وسعة أخلاقهم .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;قال حنين : إن سلمويه كان عالماً بصناعة الطب فاضلاً في وقته . ولما مرض عاده المعتصم وبكى عنده وقال له :أشر علي بعدك بمن يصلحني . فقال : عليك بهذا الفضولي يوحنا بن ماسويه . وإذا وصف شيئاً خذ أقله اخلاطاً . ولما مات سلمويه قال المعتصم : سألحق به لأنه كان يمسك حياتي ويدبر جسمي . وامتنع عن الأكل في ذلك اليوم وأمر بإحضار جنازته إلى الدار وأن يصلى عليها بالشمع والبخور على رأي النصارى . ففعل ذلك وهو يراهم . وكان سلمويه يفصد المعتصم في السنة مرتين ويسقيه عقيب كل فصد دواء . فلما باشره يوحنا أراد عكس ما كان يفعله سلمويه فسقاه الدواء قبل الفصد . فلما شربه حمي دمه وحم ومازال جسمه ينقص حتى مات وذلك بعد عشرين شهراً من وفاة سلمويه . وخدم الافششين زكريا الطيفوري وذكر : إني كنت مع الافشين في معسكره وهو في محاربة بابك . فجرى ذكر الصيادلة فقلت : أعز الله الأمير إن الصيدلاني لا يطلب منه شيء كان عنده أو لم يكن إلا أخبر بأنه عنده . فدعا الافشين بدفتر من دفاتر الاسروشنية فأخرج منها نحواً من عشرين اسماً ووجه إلى الصيادلة من يطلب منهم أدوية مسماة بتلك الاسماء . فبعض أنكرها وبعض ادعى معرفتها وأخذ الدراهم من الرسل ودفع إليهم شيئاً من حانوته .فأمر الافشين بإحضار جميع الصيادلة فمن أنكر معرفة تلك الاسماء أذن له بالمقام في معسكره ونفى الباقين .&lt;br/&gt; &amp;quot; الواثق بالله هرون بن المعتصم &amp;quot;&lt;br/&gt; بويع له في اليوم الذي مات فيه أبوه . وفي هذه السنة مات ثوفيل ملك الروم وكان ملكه اثنتي عشرة سنة وملكت بعده امرأته ثاودورا وابنها ميخائيل بن ثوفيل وهو صبي . وفي سنة ثماني وعشرين ومائتين غزا المسلمون في البحر جزيرة صقلية وفتحوا مدينة مسيني . وفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين كان الفداء بين المسلمين والروم على يد خاقان خادم الرشيد واجتمع المسلمون على نهر اللامس على مسيرة يوم من طرسوس وأمر الواثق خاقان خادم الرشيد أن يمتحن أسارى المسلمين فمن قال القرآن مخلوق وأن الله لا يرى في الآخرة فودي به وأعطي ديناراً ومن لم يقل ذلك ترك في أيدي الروم . فلما كان في يوم عاشوراء أتت الروم ومن معهم من الاسارى وكان الأمر بين الطائفتين فكان المسلمون يطلقون الاسير فيطلق الروم أسيراً فيلتقيان في وسط الجسر فإذا وصل الأسير إلى المسلمين كبروا وإذا وصل الرومي إلى الروم صاحوا : كرياليسون حتى فرغوا . فكان عدة أسارى المسلمين أربعة آلاف وأربعمائة وستين نفساً والنساء والصبيان ثمانمائة . وأهل ذمة المسلمين مائة نفس . ولما فرغوا من الفدية غزا المسلمون شاتين فأصابهم ثلج ومطر فمات منهم مائتا نفس وأسر نحوهم وغرق بالبدندون خلق كثير . وفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين مات الواثق في ذي الحجة لست بقين منه وكانت علته الاستسقاء فعولج بالإقعاد في تنور مسخن فوجد بذلك خفة فأمرهم من الغد بالزيادة في اسخانه ففعل ذلك وقعد فيه أكثر من اليوم الأول فحمي عليه فأخرج منه في محفة فمات فيها ولم يشعر بموته حتى ضرب وجهه المحفة . ولما اشتد مرضه أحضر المنجمين منهم الحسن بن سهل بن نوبخت فنظروا في مولده فقدروا له أن يعيش خمسين سنة مستأنفة من ذلك اليوم فلم يعش بعد قولهم إلا عشرة أيام وكانت خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وكان عمره اثنتين وثلاثين سنة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;لهذا حسن المذكور تصنيف وهو كتاب الأنواء . فآل نوبخت كلهم فضلاء ولهم فكرة صالحة ومشاركة في علوم الأوائل ولا مثل هذا . حدث أحمد بن هرون الشرابي بمصر أن المتوكل على الله حدثه في خلافة الواثق أن يوحنا بن ماسويه كان مع الواثق على دكان في دجلة وكان مع الواثق قصبة فيها شص وقد ألقاها في دجلة ليصيد بها السمك فحرم الصيد فالتفت إلى يوحنا وكان على يمينه وقال : قم يا مشؤوم عن يميني . فقال يوحنا : يا أمير المؤمنين لا تتكلم بمحال يوحنا أبوه ماسويه الخوزي وأمه رسالة الصقلبية المبتاعة بثمانمائة درهم وأقبلت به السعادة إلى أن صار نديم الخلفاء وسميرهم وعشيرهم حتى غمرته الدنيا فنال منها ما لم يبلغه أمله فمن أعظم المحال أن يكون هذا مشؤوماً ولكن إن أحب أمير المؤمنين بأن أخبره بالمشؤوم من هو أخبرته . فقال : من هو؟ فقال : من ولده أربع خلفاء ثم ساق الله إليه الخلافة فترك خلافته وقصورها وقعد في دكان مقدار عشرين ذراعاً في مثلها في وسط دجلة لا يأمن عصف الريح عليه فيغرقه ثم تشبه بأفقر قوم في الدنيا وشرهم صيادو السمك . قال المتوكل : فرأيت الكلام قد نجع فيه إلا أنه أمسك لمكاني .&lt;br/&gt; &amp;quot; المتوكل على الله جعفر بن المعتصم &amp;quot;&lt;br/&gt; بويع له بعد موت أخيه الواثق وكان عمره يوم بويع ستاً وعشرين سنة . وفي سنة ثلث وثلاثين ومائتين وثب ميخائيل بن توفيل بأمه ثاودورا فألزمها الدير وقتل القتيط لأنه اتهمها به وكان ملكها ست سنين . وفي سنة خمس وثلاثين ومائتين عقد المتوكل البيعة لبنيه الثلاثة بولاية العهد وهو المنتصر والمعتز والمؤيد وعقد لكل واحد منهم لواءً وولى المنتصر العراق والحجاز واليمن والمعتز خراسان والري والمؤيد الشام . وفي سنة ست وثلاثين ومائتين أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي وأن يبذر ويسقى موضعه وأن يمنع الناس من إتيانه . وفي سنة سبع وثلاثين ومائتين ولى المتوكل يوسف بن محمد أرمينية واذربيجان ولما صار إلى اخلاط أتى بقراط بن اشوط البطريق فأمر بأخذه وتقييده وحمله إلى المتوكل فاجتمع بطارقة أرمينية مع ابن أخي بقراط وتحالفوا على قتل يوسف ووافقهم على ذلك موسى بن زرارة وهو صهر بقراط على ابنته فوثبوا بيوسف واجتمعوا عليه في قلعة موش في النصف من شهر رمضان وذلك في شدة من البرد وكلب الشتاء فخرج إليهم يوسف وقاتلهم فقتلوه وكل من قاتل معه . وأما من لم يقاتل فقالوا له : انزع ثيابك وانج بنفسك عرياناً ففعلوا ومشوا عراة حفاة فهلك أكثرهم من البرد . فلما بلغ المتوكل الخبر وجه بغا الكبير إليهم طالباً بدم يوسف فسار وأباح على قتلة يوسف فقتل منهم زهاء ثلاثين ألفاً وسبى خلقاً كثيراً ثم سار إلى مدينة تفليس وحاصرها ودعا النفاطين فضربوا المدينة بالنار فأحرقوها وهي من خشب الصنوبر فاحترق بها نحو خمسين ألف انسان . وفي سنة ثماني وثلاثين ومائتين جاءت ثلاثمائة مركب للروم مع ثلاثة رؤساء فأناخ أحدهم في مائة مركب بدمياط وبينها وبين الشط شبيه بالبحيرة يكون ماؤها إلى صدر الرجل فمن جازها إلى الأرض أمن من مراكب البحر فجازه قوم من المسلمين فسلموا وغرق كثير من نساء وصبيان . ومن كان به قوة سار إلى مصر . واتفق وصول الروم وهي فارغة من الجند فنهبوا واحرقوا وسبوا وأحرقوا جامعها وسبوا من النساء المسلمات والذميات نحم ستمائة امرأة وساروا إلى مصر ونهبوها ورجعوا ولم يعرض لهم أحد . وفي سنة اثنتين وأربعين ومائتين كانت زلازل هائلة وأصوات منكرة بقومس ورساتيقها في شعبان فتهدمت الدور وهلك تحت الهدم بشر كثير قيل كانت عدتهم خمسة وأربعين ألفاً وستة وتسعين نفساً . وكان أكثر ذلك بالدامغان . وكان بالشام وفارس وخراسان وباليمن مع خسف . وتقطع جبل الأقرع وسقط في البحر فمات أهل اللاذقية من تلك الهدة . وفي سنة سبع وأربعين ومائتين قتل المتوكل وهو ثمل بسر مرأى ليلة الأربعاء ثالث يوم من شوال قتله غلام تركي اسمه باغر وكانت خلافته أربع عشرة سنة وتسعة أشهر وعمره أربعين سنة وقتل معه الفتح ابن خاقان لأنه رمى بنفسه على المتوكل وقال : ويلكم تقتلون أمير المؤمنين فبعجوه بسيوفهم فقتلوه . ويقال أن ابنه المنتصر دس لقتله فعاش بعده ستة أشهر . وفي سنة الزلازل أخرج المتوكل أحمد ابن حنبل من الحبس ووصله وصرفه إلى بغداد وأمر بترك الجدل في القرآن وأن الذمة بريئة ممن يقول بخلق أو غير خلق .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;قال بعض الرواة : دخل بختيشوع بن جبريل الطبيب يوماً إلى المتوكل وهو جالس على سدة في وسط داره الخاصة فجلس بختيشوع على عادته معه فوق السدة وكان عليه دراعة ديباج رومي وكان قد انشق ذيلها قليلاً فجعل المتوكل يحادث بختيشوع ويعبث بذلك الفتق حتى بلغ إلى حد النيفق ودار بينهما الكلام يقتضي أن سأل المتوكل بختيشوع بماذا تعلمون أن الموسوس يحتاج إلى الشد . قال بختيشوع : إذا بلغ إلى فتق دراعة طبيبه إلى حد النيفق شددناه . فضحك المتوكل حتى استلقى على ظهره وأمر له بخلعة حسنة ومال جزيل . وهذا يدل على لطف منزلة بختيشوع عند المتوكل وانبساطه معه . وقال المتوكل يوماً لبختيشوع : ادعني . قال : نعم وكرامة . فاضافه وأظهر من التجمل والثروة ما أعجب المتوكل والحاضرين . واستكثر المتوكل لبختيشوع ما رآه من نعمته وكمال مروءته فحقد عليه ونكبه بعد أيام يسيرة فأخذ له مالاً كثيراً وحضر الحسين ابن مخلد فختم على خزائنه وباع شيئاً كثيراً وبقي بعد ذلك حطب وفحم ونبيذ وأمثال هذه فاشتراه الحسين بستة آلاف دينار وذكر إنه باع من جملته باثني عشر ألف دينار وكان هذا في سنة أربع وأربعين ومائتين وتوفي بختيشوع سنة ست وخمسين ومائتين . وفي أيام المتوكل استهر حنين بن اسحق الطبيب النصراني العبادي ونسبته إلى العباد وهم قوم من نصارى العرب من قبائل شتى اجتمعوا وانفردوا عن الناس في قصور ابتنوها بظاهر الحيرة وتسموا بالعباد لأنه لا يضاف إلا إلى الخالق وأما العبيد فيضاف إلى المخلوق الخالق . وكان اسحق والد حنين صيدلانياً بالحيرة فلما نشأ حنين أحب العلم فدخل بغداد وحضر مجلس يوحنا بن ماسويه وجعل يخدمه ويقرأ عليه . وكان حنين صاحب سؤال وكان يصعب على يوحنا فسأله حنين في بعض الأيام مسألة مستفهم فحرد يوحنا وقال : ما لأهل الحيرة والطب عليك ببيع الفلوس في الطريق .فأمر به فأخرج من داره . فخرج حنين باكياً وتوجه إلى بلاد الروم وأقام بها سنتين حتى أحكم اللغة اليونانية وتوصل في تحصيل كتب الحكمة غاية إمكانه وعاد إلى بغداد بعد سنتين ونهض من بغداد إلى أرض فارس ودخل البصرة ولزم الخليل بن أحمد حنى برع في اللسان العربي ثم رجع إلى بغداد . قال يوسف الطبيب : دخلت يوماً على جبريل بن بختيشوع فوجدت عنده حنيناً وقد ترجم له بعض التشريح وجبريل يخاطبه بالتبجيل ويسميه الربان فأعظمت ما رأيت وتبين ذلك جبريل مني فقال : لا تستكثر هذا مني في أمر هذا الفتى فوالله لئن مد له في العمر ليفضحن سرجيس . وسرجيس هذا هو الرأس عيني اليعقوبي ناقل علوم اليونانيين إلى السرياني . ولم يزل أمر حنين يقوى وعلمه يتزايد وعجائبه تظهر في النقل والتفاسير حتى صار ينبوعاً للعلوم ومعدناً للفضائل واتصل خبره بالخليفة المتوكل فأمر بإحضاره . ولما حضر اقطع اقطاعاً سنياً وقرر له جارٍ جيد . واحب امتحانه ليزول عنه ما في نفسه عليه إذ ظن أن ملك الروم ربما كان عمل شيئاً من الحيلة فاستدعاه وأمر أن يخلع عليه وأخرج له توقيعاً فيه اقطاع يشتمل على خمسين ألف درهم فشكر حنين هذا الفعل . ثم قال له بعد اشياء جرت : أريد أن تصف لي دواءً يقتل عدواً نريد قتله وليس يمكن إشهار هذا ونريده سراً . فقال حنين : ما تعلمت غير الأدوية النافعة ولا علمت أن أمير المؤمنين يطلب مني غيرها فإن أحب أن أمضي وأتعلم فعلت . فقال : هذا شيء يطول بنا . ثم رغبه وهدده وحبسه في بعض القلاع سنة ثم أحضره وأعاد عليه القول وأحضر سيفاً ونطعاً . فقال حنين : قد قلت لأمير المؤمنين ما فيه الكفاية . قال الخليفة : فإنني أقتلك . قال حنين : لي رب يأخذ لي حقي غداً في الموقف الأعظم . فتبسم المتوكل وقال له : طب نفساً فإننا أردنا امتحانك والطمأنينة إليك . فقبل حنين الأرض وشكر له . فقال الخليفة : ما الذي منعك من الإجابة مع ما رأيته من صدق الأمر منا في الحالين . قال حنين : شيئان هما الدين والصناعة . أما الدين فإنه يأمرنا باصطناع الجميل مع أعدائنا فكيف ظنك بالاصدقاء . وأما الصناعة فإنها فإنها موضوعة لنفع ابناء الجنس ومقصورة على معالجاتهم ومع هذا فقد جعل في رقاب الأطباء عهد مؤكد بإيمان مغلظة أن لا يعطوا دواءً قتالاً لأحد . فقال الخليفة : إنهما شرعان جليلان . وأمر بالخلع فافيضت عليه وحمل المال معه فخرج وهو أحسن الناس حالاً وجاهاً . وكان الطيفوري النصراني الكاتب يحسد حنيناً ويعاديه . واجتمعا يوماً في دار بعض النصارى ببغداد وهناك صورة المسيح والتلاميذ وقنديل يشتعل بين يدي الصورة . فقال حنين لصاحب البيت : لم تضيع الزيت فليس هذا المسيح ولا هؤلاء التلاميذ وإنما هي صور . فقال الطيفوري : إن لم يستحقوا الإكرام فأبصق عليهم فبصق فأشهد عليه الطيفوري ورفعه إلى المتوكل فسأله إباحة الحكم عليه لديانة النصرانية فبعث إلى الجاثليق والاساقفة وسئلوا عن ذلك فأوجبوا حرم حنين فحرم وقطع زناره وانصرف حنين إلى داره ومات من ليلته فجأة وقيل أنه سقى نفسه سماً . وكان لحنين ولدان داود واسحق . فأما اسحق فخدم على الترجمة وتولاها واتقنها وأحسن فيها وكانت نفسه أميل إلى الفلسفة . وإما داود فكان طبيباً للعامة وكان له ابن أخت يقال له حبيش بن الاعسم أحد الناقلين من اليوناني والسرياني إلى العربي . وكان يقدمه على تلاميذه ويصفه ويرضى نقله . وقيل من جملة سعادة حنين صحبة حبيش له فإن أكثر ما نقله حبيش نسب إلى حنين . وكثيراً ما يرى الجهال شيئاً من الكتب القديمة مترجماً بنقل حبيش فيظن الغر منهم أنه حنين وقد صحف فيكشطه ويجعله حنين .تمعا يوماً في دار بعض النصارى ببغداد وهناك صورة المسيح والتلاميذ وقنديل يشتعل بين يدي الصورة . فقال حنين لصاحب البيت : لم تضيع الزيت فليس هذا المسيح ولا هؤلاء التلاميذ وإنما هي صور . فقال الطيفوري : إن لم يستحقوا الإكرام فأبصق عليهم فبصق فأشهد عليه الطيفوري ورفعه إلى المتوكل فسأله إباحة الحكم عليه لديانة النصرانية فبعث إلى الجاثليق والاساقفة وسئلوا عن ذلك فأوجبوا حرم حنين فحرم وقطع زناره وانصرف حنين إلى داره ومات من ليلته فجأة وقيل أنه سقى نفسه سماً . وكان لحنين ولدان داود واسحق . فأما اسحق فخدم على الترجمة وتولاها واتقنها وأحسن فيها وكانت نفسه أميل إلى الفلسفة . وإما داود فكان طبيباً للعامة وكان له ابن أخت يقال له حبيش بن الاعسم أحد الناقلين من اليوناني والسرياني إلى العربي . وكان يقدمه على تلاميذه ويصفه ويرضى نقله . وقيل من جملة سعادة حنين صحبة حبيش له فإن أكثر ما نقله حبيش نسب إلى حنين . وكثيراً ما يرى الجهال شيئاً من الكتب القديمة مترجماً بنقل حبيش فيظن الغر منهم أنه حنين وقد صحف فيكشطه ويجعله حنين .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt; &amp;quot; المنتصر بن المتوكل &amp;quot;&lt;br/&gt; بايع له قتلة أبيه تلك الليلة التي قتلوا المتوكل . فلما أصبح يوم الأربعاء حضر القواد والكتاب والجند والوجوه الجعفرية فقرأ عليهم أحمد بن الخصيب كتاباً يخبر فيه عن المنتصر أن الفتح بن خاقان قتل المتوكل فقتله فبايع الناس وانصرفوا . وفي سنة ثماني وأربعين ومائتين جدَّ وصيف وبغا وباقي الأتراك في خلع المعتز والمؤيد وألحوا على المنتصر وقالوا : نخلعهما ونبايع لابنك عبد الوهاب . فلم يزالوا به حتى اجابهم وخلعهما بالكره منه ومنهما . ثم دعاهما وقال لهما : أترياني خلعتكما طمعاً في أن أعيش حتى يكبر ولدي وأبايع له والله ما طمعت في ذلك ساعة قط ولكن هؤلاء &amp;quot; وأومأ إلى سائر الموالي الأتراك ممن هو قائم وقاعد &amp;quot; ألحوا علي في خلعكما . وفي هذه السنة وهي سنة ثماني وأربعين ومائتين مات المنتصر يوم الأحد لخمس ليالٍ خلون من ربيع الآخر بالذبحة وكانت علته ثلاثة أيام . قيل وكان كثير من الناس حين أفضت الخلافة إليه إلى أن مات يقولون : إنما مدة حياته سنة أشهر مدة شيرويه بن كسرى قاتل أبيه تقوله العامة والخاصة . وكان عمره خمساً وعشرين سنة وستة أشهر وخلافته ستة أشهر .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;“ المستعين أحمد بن محمد بن المعتصم “&lt;br/&gt; لما توفي المنتصر اجتمع الموالي في الهاروني من الغد وفيهم بغا الكبير وبغا الصغير وأتامش وتشاوروا وكرهوا أن يتولى الخلافة واحد من ولد المتوكل لئلا يغتالهم فاجمعوا على المستعين أحمد بن محمد المعتصم وبايعوه . وفي سنة تسع وأربعين ومائتين سغب الجند والشاكرية ببغداد لما رأوا من استيلاء الترك على الدولة يقتلون من يريدون من الخلفاء ويستخلفون من أحبوه من غير ديانة ولا نظر للمسلمين . فاجتمعت العامة ببغداد بالصراخ والنداء والنفير وفتحوا السجون وأخرجوا من فيها وأحرقوا أحد الجسرين وقطعوا الآخر وانتهبوا دور أهل اليسار وأخرجوا أموالاً كثيرة ففرقوها فيمن نهض إلى حفظ الثغور وأخرجوا المعتز من الحبس وأخذوا من شعره وكان قد كثر وبايعوا له بالخلافة وخلعوا المستعين وكانت أيامه سنتين وتسعة أشهر . فسار المستعين إلى بغداد سنة إحدى وخمسين ومائتين وحوصر بها . ثم في سنة اثنتين وخمسين ومائتين خلع نفسه من الخلافة فبايع للمعتز بن المتوكل وخطب للمعتز ببغداد . فلما بايع المستعين للمعتز وجهه إلى البصرة ومنها إلى اواسط وتقدم بقتله فقتل وحمل رأسه إلى المعتز فقال : ضعوه حتى أفرغ من الدست . فلما فرغ نظر إليه وأمر بدفنه . وفي هذه السنة حبس المعتز المؤيد أخاه ثم أخرجه ميتاً لا أثر فيه ولا جرح فقيل أنه أدرج في لحاف سمور وأمسك طرفاه حتى مات . وفي سنة أربع وخمسين ومائتين ولى الأتراك أحمد بن طولون مصر وكان طولون مملوكاً تركياً للمأمون وولد له ولده أحمد في سنة عشرين ومائتين ببغداد . وكان أحمد عالي الهمة يستق بعقول الأتراك وأديانهم يثقون به في العظائم وتشاغل بالخير والصلاح فتمكنت في القلوب محبته وآل أمره إلى أن استولى على مصر وجميع مدن الشام . وفي سنة خمس وخمسين ومائتين صار الأتراك إلى المعتز يطلبون أرزاقهم فماطلهم بحقهم . فلما رأوا أنه لا يحصل منه شيء دخل إليه جماعة منهم فجروا برجله إلى باب الحجرة وضربوه بالدبابيس وأقاموه في الشمس في الدار وكان يرفع رجلاً ويضع رجلاً لشدة الحر . ثم سلموه إلى من يعذبه فمنعه الطعام والشراب ثلاثة أيام ثم أدخلوه سرداباً وجصصوا عليه فمات . وكانت خلافته من لدن بويع بسامرا إلى أن خلع أربع سنين وسبعة أشهر .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt; وفي هذه السنة مات سابور بن سهل صاحب بيمارستان جنديسابور وكان فاضلاً في وقته وله تصانيف مشهورة منها كتاب الأقراباذين المعول عليه في البيمارستانات ودكاكين الصيادلة إثنان وعشرون باباً . وتوفي نصرانياً في يوم الأثنين لتسع بقين من ذي الحجة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; &amp;quot; المهتدي بن الواثق &amp;quot;&lt;br/&gt; بويع له لليلة بقيت من رجب سنة خمس وخمسين ولم تقبل بيعته حتى أتى المعتز فخلع نفسه وأقر بالعجز عما أسند إليه وبالرغبة في تسليمها إلى محمد بن الواثق فبايعه الخاصة والعامة . وبعد قتل المعتز طلبت أمه الأمان لنفسها فأمنوها وظفروا لهل بخزائن في دار تحت الأرض ووجدوا فيها ألف ألف دينار وثلاثمائة ألف دينار وقدر مكوك زمرد ومقدار مكوك من اللؤلؤ الكبار ومقدار كيلجة من الياقوت الأحمر . وكان طلب منها ابنها المعتز مالاً يعطي الأتراك فقالت : ما عندي شيء . فسبوها وقالوا : عرضت ابنها للقتل في خمسين ألف دينار وعندها هذا المال جميعه . وفي منتصف رجب خلع المهتدي وتوفي لاثنتي عشرة ليلة بقيت منه سنة ست وخمسين ومائتين وكانت خلافته أحد عشر شهراً وعمره ثمانياً وثلاثين سنة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;“ المعتمد بن المتوكل “&lt;br/&gt; ولما أخذ المهتدي وحبس أحضر أبو العباس أحمد بن المتوكل وكان محبوساً بالجوسق فبايعه الأتراك وغيرهم ولقب المعتمد على الله . ثم أن المهتدي مات ثاني يوم بيعة المعتمد . وفي سنة إحدى وستين ومائتين ولى المعتمد ابنه جعفر العهد ولقبه المفوض إلى الله وولى أخاه أبا محمد العهد بعد جعفر ولقبه الموفق بالله . وفي سنة أربع وستين ومائتين دخل عبد الله بن رشيد بن كاووس بلد الروم في أربعة آلاف فارس فغنم وقتل . فلما رحل عن البدندون خرج عليه بطريق سلوقية وبطريق خرشنة وأصحابها وأحدقوا بالمسلمين . فنزل المسلمون فعرقبوا دوابهم وقتل الروم من قتلوا وأسر عبد الله بن رشيد وحمل إلى ملك الروم . وفي سنة خمس وستين ومائتين وقع خلاف بين المعتمد وأحمد بن طولون فسار إلى سيما وإلى حلب وبقية العواصم فوجده بانطاكية فحاصره بها وفتحها فظفر بسيما وقتله وجاء إلى حلب وملكها وملك دمشق وحمص وحماة وقنسرين إلى الرقة . وأمر المعتمد بلعب ابن طولون على المنابر فلعن ببغداد وسائر العراق ولعن ابن طولون المعتمد علىالمنابر في جميع أعماله بمصر وغيرها . وفي سنة سبعين ومائتين مات ابن طولون في ذي القعدة وخلف سبعة عشر ابناً أحدهم خمارويه وسبع عشرة بنتاً وترك أموالاً جمة ومماليك كثيرة . وكان كثير الصداقات والخيرات . وقام ولده خمارويه بعده بالملك أحسن قيام ودبر أحسن تدبير . وفي سنة ثماني وسبعين ومائتين عرض للموفق وجع النقرس واشتد به فلم يقدر على الركوب . فعمل له سرير عليه قبة وكان يقعد عليه هو وخادم له يبرد له رجله بالثلج ثم صارت علة رجله داء الفيل وكان يحمل سريره أربعون رجلاً بالنوبة . فقال لهم يوماً : قد ضجرتم من حملي بودي لو كنت كواحد منكم أحمل على رأسي وآكل وأنا في عافية . فوصل إلى داره لليلتين خلتا من صفر وشاع موته . وعلى يديه جرى أكثر الحروب مع الزنج وباقي الخوارج . ولما مات الموفق اجتمع القواد وبايعوا ابنه أبا العباس بولاية العهد بعد المفوض ولقب المعتضد بالله . وفي سنة تسع وسبعين ومائتين توفي المعتمد ليلة الاثنين لاحدى عشرة بقيت من رجب وكان قد شرب على الشط في الحسني يوم الأحد شراباً كثيراً وتعشى فأكثر فمات ليلاً . وكانت خلافته ثلاثاً وعشرين سنة . وكان في خلافته محكوماً عليه قد تحكم عليه أبو أحمد الموفق أخوه وضيق عليه حتى أنه احتاج في بعض الأوقات إلى ثلاثمائة دينار فلم يجدها .&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt; وكان استخص الموفق أخوه المعتمد جعفر بن محمد المعروف بأبي معشر البلخي واتخذه منجماً له وكان معه في محاصرته للزنج بالبصرة . وقيل أن أبا معشر كان في أول أمره من أصحاب الحديث ببغداد وكان يضاغن أبا يوسف يعقوب بن اسحق الكندي ويغري به العامة ويشنع عليه بعلوم الفلاسفة . فدس عليه الكندي من حسن له النظر في علم الحساب والهندسة فدخل في ذلك فلم يكمل له فعدل إلى علم أحكام النجوم وانقطع شره عن الكندي . ويقال إنه تعلمالنجوم بعد سبع وأربعين سنة من عمره . وكان فاضلاً حسن القريحة صنف كتباً عدة في هذا الفن . فضربه المستعين أسواطاً لأنه أصاب في شيء أخبر به قبل وقته . وكان يقول : اصبت فعوقبت . وجاوز أبو معشر المائة من عمره ومات بواسط . وقيل كان أبو معشر مدمناً على شرب الخمر مشتهراً بمعاقرتها وكان يعتريه صرع عند أوقات الامتلاآت القمرية . وأما يعقوب الكندي فكان شريف الأصل بصرياً وكان أبوه اسحق أميراً على الكوفة للمهدي والرشيد . وكان يعقوب عالماً بالطب والفلسفة والحساب والمنطق وتأليف اللحون والهندسة والهيئة وله في أكثر هذه العلوم تآليف مشهورة من المصنفات الطوال . ولم يكن في الاسلام من اشتهر عند الناس بمعاناة علم الفلسفة حتى سموه فيلسوفاً غير يعقوب هذا وعاصر قسطا بن لوقا البعلبكي وقسطا هذا الفيلسوف نصراني في الدولة الاسلامية دخل إلى بلاد الروم وحصل من تصانيفهم الكثيرة وعاد إلى الشام واستدعي إلى العراق ليترجم الكتب وله تصانيف مختصرة بارعة . وقيل اجتذبه سنحاريب إلى أرمينية وأقام بها إلى أن مات هناك وبنى على قبره قبة إكراماً له كإكرام قبور الملوك ورؤساء الشرائع . قال المؤرخ : لو قلت حقاً قلت أنه أفضل من صنف كتاباً بما احتوى عليه من العلوم والفضائل وما رزق من الاختصار للالفاظ وجمع المعاني .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وفي آخر دولة المعتمد تحرك بسواد الكوفة قوم يعرفون بالقرامطة وكان ابتداء أمرهم أم رجلاً فقيراً قدم من &lt;br/&gt;ناحية خوزستان إلى سواد الكوفة وكان يظهر الزهد والتقشف ويسف الخوص ويأكل من كسبه فأقام على ذلك مدة . وكان إذا قعد إليه رجل ذاكره أمر الدين وزهده في الدنيا وأعلمه أنه يدعو إلى إمام من أهل بيت النبي عليه السلام . فلم يزل على ذلك حتى استجاب له جمع كثير واتخذ منهم اثني عشر نقيباً على عدد الحوارين وأمرهم أن يدعوا الناس إلى مذهبهم . فبلغ خبره عامل تلك الناحية فأخذه وحبسه وحلف أنه يقتله وأغلق باب البيت عليه وجعل المفتاح تحت وسادته واشتغل بالشرب . فسمعت جارية له بيمينه فرقت للرجل . فلما نام العامل أخذت المفتاح وفتحت الباب وأخرجته ثم أعادت المفتاح إلى مكانه . فلما أصبح العامل فتح الباب ليقتله فلم يره وشاع ذلك في الناس وافتتن به أهل تلك الناحية وقالوا رفع . ثم ظهر في ناحية أخرى ولقي جماعة من أصحابه وغيرهم وقال لهم : لا يمكن أن ينالني أحد بسوء . فعظم في أعينهم . ثم خاف على نفسه فخرج إلى ناحية الشام ولم يوقف له على خبر وسمي باسم رجل كان ينزل عنده وهو كرمتية ثم خفف فقيل قرمطة . وكان فيما حكي عن القرامطة من مذهبهم أنهم جاءوا بكتاب فيه : بسم الله الرحمن الرحيم . يقول الفرج بن عثمان وهو من قرية يقال لها نصرانة أن المسيح تصور له في جسم انسان وقال له : إنك الداعية وإنك الحجة وإنك الناقة وإنك الدابة وإنك يحيى بن زكريا وإنك روح القدس وعرفه أن الصلاة أربع ركعات ركعتان قبل طلوع الشمس وركعتان قبل غروبها والصوم يومان في السنة وهما المهرجان والنيروز . وأن النبيذ حرام والخمر حلال ولا يؤكل كل ذي ناب ولا كل ذي مخلب .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;“ المعتضد بن الموفق “&lt;br/&gt; بويع له في صبيحة الليلة التي مات فيها عمه المعتمد . ولما ولي المعتضد بعث خمارويه بن أخمد بن طولون له هدايا وألطافاً شريفة ورسولاً وسأله أن يزوج ابنة خمارويه المسماة قطر الندى بعلي بن المعتضد . فقال المعتضد : أنا أتزوجها . فسر خمارويه بذلك . وفي سنة إحدى وثمانين ومائتين خرج المعتضد إلى الموصل قاصداً للأعراب والأكراد فسار إليهم فأوقع بهم وقتل منهم وغرق منهم في الزاب خلق كبير . وسار المعتضد إلى الموصل يريد قلعة ماردين وكانت لحمدان فهرب حمدان منها وخلف ابنه بها فنازلها المعتضد وقاتل من فيها يومه ذلك . فلما كان الغد ركب المعتضد فصعد إلى باب القلعة وصاح : يا ابن حمدان . فأجابه . فقال : افتح الباب . ففتحه فقعد المعتضد في الباب وأمر بنقل ما في القلعة وهدمها . ثم ظفر بحمدان بعد عوده إلى بغداد جاءه مستأمناً إليه . وفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين جهز خمارويه ابنته أحسن جهاز وبعث بها إلى المعتضد في المحرم . وفي هذه السنة لثلاث خلون من ذي الحجة قتل خمارويه بدمشق ذبحه على فراشه بعض خاصته . ولما قتل أقعدوا مكانه ابنه هرون والتزم أنه يحمل من مصر إلى خزانة المعتضد في كل سنة ألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار . وفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين سارت الصقالبة إلى الروم فحاصروا القسطنطينية وقتلوا من أهلها خلقاً كثيراً وخربوا البلاد . فلما لم يجد ملك الروم منهم خلاصاً جمع من عنده من أسارى المسلمين وأعطاهم السلاح وسألهم معونته على الصقالبة ففعلوا وكشفوهم وأزاحوهم عن القسطنطينية . فلما رأى ملك الروم ذلك خاف المسلمين على نفسه فأخذ سلاحهم وفرقهم في البلدان حذراً من جنايتهم عليه . وفي هذه السنة كان الفداء بين المسلمين والروم وكان جملة من فودي به من المسلمين من الرجال والنساء والصبيان ألفين وخمسمائة وأربعة أنفس . وفي هذه السنة وهي سنة أربع وثمانين ومائتين كان المنجمون يوعدون بغرق أكثر الأقاليم إلا إقليم بابل فإنه يسلم منه اليسير وإذ ذلك يكون بكثرة الأمطار وزيادة المياه في الأنهار والعيون . فقحط الناس وقلت الأمطار وغارت المياه حتى استسقى الناس ببغداد مرات . وفي سنة خمس وثمانين ومائتين ظهر رجل من القرامطة يعرف بأبي سعيد بالبحرين واجتمع إليه جماعة من الأعراب والقرامطة وقوي أمره فقاتل ما حوله من القرى ثم صار إلى القطيف وأظهر أنه يريد البصرة . فأمر المعتضد ببناء سور على البصرة فعمل وكان مبلغ الخرج عليه أربعة عشر ألف دينار . وفي سنة ثماني وثمانين ومائتين وقع الوباء بأذربيجان فمات منه خلق كثير إلى أن فقد الناس ما يكفنون به الموتى وكانوا يطرحونهم في الطريق . وفيها سارت الروم إلى كيسوم فنهبوها وغنموا أموال أهلها وأسروا منها نحو خمسة عشر ألف انسان من رجل وصبي وامرأة . وفي سنة تسع وثمانين ومائتين انتشر القرامطة بسواد الكوفة فأخذ رئيسهم وسير إلى المعتضد وأحضره وقال له : اخبرني هل تزعمون أن روح الله تحل في أجسادكم . فقال له الرجل : يا هذا إن حلت روح الله فينا فما يضرك وأن حلت روح ابليس فما ينفعك ولا تسأل عما لا يعنيك وسل عما يخصك . فقال : ما تقول فيما يخصني . فقال : أقول أن النبي عليه السلام مات وأبوكم العباس حي فهل طلب الخلافة أم هل بايعه أحد من الصحابة على ذلك . ثم مات أبو بكر واستخلف عمر وهو يرى موضع العباس ولم يوصى إليه . ثم مات عمر وجعلها شورى في ستة أنفس ولم يوصى إلى العباس ولا أدخله فيهم فبماذا تستحقون أنتم الخلافة وقد اتفق الصحابة على دفع جدك عنها . فأمر به المعتضد فعذب وخلعت عظامه ثم قطعت يداه ورجلاه ثم قتل . وبعد قليل في هذه السنة في ربيع الآخر لثمان بقين منه توفي المعتضد فاجتمع القواد وجددوا البيعة لابنه المكتفي وكانت خلافة المعتضد تسع سنين وتسعة أشهر وعمره سبع وأربعين سنة . وقيل كان المعتضد أسمر نحيفاً شهماً شجاعاً وكان فيه شح وكان عفيفاً مهيباً عند أصحابه يتقون سطوته ومع ذلك جاوز الحد في الحلم . قال الوزير عبد الله بن سليمان بن وهب : كنت عند المعتضد يوماً وخادم بيده المذبة إذ ضربت قلنسوة المعتضد فسقطت فكدت اختلط إعظاماً للحال ولم يتغير المعتضد وقال : هذا الغلام قد نعس . ولم ينكر عليه . فقبلت الأرض وقلت : والله يا أمير المؤمنين ما سمعت بمثل هذا ولا ظننت أن حلماً يسعه . قال : وهل يجوز غير هذا أن هذا الصبي البائس لو دار في خلده ما جرى لذهب عقله وتلف والانكار لا يكون إلا على المعتمد دون الساهي الخاطئ . أعلم أن هذا الصبي البائس لو دار في خلده ما جرى لذهب عقله وتلف والانكار لا يكون إلا على المعتمد دون الساهي الخاطئ .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt; وفي أيام المعتضد علت منزلة بني موسى بن شاكر وهم ثلاثة محمد وأحمد والحسن . وكان موسى بن شاكر يصحب المأمون ولم يكن موسى من أهل العلم بل كان في حداثته حرامياً يقطع الطريق ثم أنه تاب ومات وخلف هؤلاء الأولاد الثلاثة الصغار فوصى بهم المأمون اسحق بن ابراهيم المصعبي وأثبتهم مع يحيى بن أبي منصور في بيت الحكمة وكانت حالهم رثة رقيقة . على أن أرزاق أصحاب المأمون كلهم كانت قليلة . فخرج بنو موسى ابن شاكر نهاية في علومهم وكان أكبرهم وأجلهم أبو جعفر محمد وكان وافر الحظ من الهندسة والنجوم ثم خدم وصار من وجوه القواد إلى أن غلب الأتراك على الدولة . وكان أحمد دونه في العلم إلا صناعة الحيل فإنه فتح له فيها ما لم يفتح مثله لأحد . وكان الحسن وهو الثالث منفرداً بالهندسة وله طبع عجيب فيها لا يدانيه أحد علم كل ما علم بطبعه ولم يقرأ من كتب الهندسة إلا ست مقالات من كتاب أوقليذس في الأصول فقط وهي أقل من نصف الكتاب ولكن ذكره كان عجيباً وتخيله كان قوياً . وحكي أن المروزي قال عنه يوماً للمأمون أنه لم يقرأ من كتاب أوقليذيس إلا ست مقالات . أراد بذلك كسره . فقال الحسن : يا أمير المؤمنين لم يكن يسألني عن شكل من أشكال المقالات التي لم أقرأها إلا استخرجته بفكري وأتيته به ولم يكن يضرني أنني لم أقرأها ولا تنفعه قراءته لها إذ كان من الضعف فيها بحيث لم تغنه قرآته في أصغر مسألة من الهندسة فإنه لا يحسن أن يستخرجها . فقال له المأمون : ما أدفع قولك ولكني ما أعذرك ومحلك من الهندسة محلك أن يبلغ بك الكسل أن لا تقرأه كله وهو للهندسة كحروف ا ب ت ث للكلام والكتابة . وفي دار محمد بن موسى تعلم ثابت بن قرة بن مروان الصابئ الحراني نزيل بغداد فوجب على محمد حقه فوصله بالمعتضد وأدخله في جملة المنجمين . وبلغ ثابت هذا مع المعتضد أجل المراتب وأعلى المنازل حتى كان يجلس بحضرته في كل وقت ويحادثه طويلاً ويضاحكه ويقبل عليه دون وزرائه وخاصته . وله مصنفات كثيرة في التعليمات الرياضية والطب والمنطق وله تصانيف بالسريانية فيما يتعلق بمذهب الصابئة في الرسوم والفروض والسنن وتكفين الموتى ودفنهم وفي الطهارة والنجاسة وما يصلح من الحيوان للضحايا وما لا يصلح وفي أوقات العبادات وترتيب القراءة في الصلاة . والذي تحققنا من مذهب الصابئة أن دعوتهم هي دعوة الكلدانين القدماء بعينها وقبلتهم القطب الشمالي ولزموا فضائل النفس الأربع . والمفترض ثلاث صلوات أولها قبل طلوع الشمس بنصف ساعة أو أقل لتنقضي مع الطلوع ثماني زكعات في كل ركعة ثلاث سجدات . والثانية انقضاؤها مع نصف النهار والزوال خمسركعات في كل ركعة ثلاث سجدات . والثالثة مثل الثانية تنقضي مع الغروب . والصيام المفرض عليهم ثلاثون يوماً أولها الثامن من اجتماع آذار . وتسعة أيام أولها التاسع من اجتماع كانون الأول . وسبعة أيام أولها ثامن شباط . ويدعون الكواكب . وقرابينهم كثيرة لا يأكلون منها بل يحرقونها . ولا يأكلون الباقلى والثوم وبعضهم اللوبياء والقنبيط والكرنب والعدس . وأقوالهم قريبة من أقوال الحكماء ومقالاتهم في التوحيد على غاية من التقانة ويزعمون أن نفس الفاسق تعذب تسعة آلاف ثم تصير إلى رحمة الله تعالى . وكان في دولة المعتضد أحمد بن محمد بن مروان بن الطيب السرخسي أحد فلاسفة الاسلام وله تآليف جليلة في علوم كثيرة من علوم القدماء والعرب وكان حسن المعرفة جيد القريحة بليغ اللسان مليح التصنيف وكان أولاً معلماً للمعتضد ثم نادمه وخص به وكان يفضي إليه بأسراره كلها ويستشيره في أمور مملكته وكان الغالب على أحمد هذا علمه لا عقله واتفق أن أفضى إليه بسر فأذاعه فأمر المعتضد بقتله فقتل .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;“ المكتفي بن المعتضد “&lt;br/&gt; لما توفي المعتضد كتب الوزير إلى أبي محمد علي بن المعتضد وهو المكتفي وعرفه أخذ البيعة له وكان بالرقة فأخذ له البيعة علىمن عنده من الأجناد وسار إلى بغداد فدخلها لثمانٍ خلون من جمادى الأولى سنة تسع وثمانين ومائتين . وفيها ظهر بالشام رجل من القرامطة وجمع جموعاً من الأعراب وأتى دمشق وبها طغج بن جف من قبل هارون بن خمارويه بن أخمد بن طولون وكانت بينهم وقعات . وفي سنة احدى وتسعين ومائتين خرجت الترك في خلق كثير لا يحصون إلى ما وراء النهر وكان في عسكرهم سبعمائة قبة تركية ولا تكون إلا للرؤساء منهم . فسار إليهم جيش المسلمين وكبسوهم مع الصبح فقتلوا منهم خلقاً عظيماً وانهزم الباقون . وفيها خرج الروم في عشرة صلبان مع كل صليب عشرة آلاف إلى الثغور فأغاروا وسبوا وأحرقوا . وفي سنة اثنتين وتسعين ومائتين جهز المكتفي إلى هرون بن خمارويه جيشاً في البر والبحر فحاصروه بمصر وجرى بينهم قتال شديد ووقعات كثيرة آخرها أن بعض الرماة من أصحاب المكتفي رمى هرون بمزراق معه فقتله وانهزم المصريون وكان هو آخر أمراء آل طولون وانقرضت الدولة الطولونية في هذه السنة . وفي سنة ثلاث وتسعين ومائتين أغارت الروم على قورس ودخلوها فأحرقوا جامعها وساقوا من بقي من أهلها لأنهم قتلوا أكثرهم . وفي سنة خمس وتسعين ومائتين من ذي القعدة توفي المكتفي بالله وكانت خلافته ست سنين وستة أشهر وكان عمره ثلاثاً وثلاثين سنة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt; وفي أيام المكتفي اشتهر يوسف الساهر الطبيب ويعرف أيضاً بالقس وكان مشهور الذكر مكباً على الطب كثير الاجتهاد في تحصيل الفوائد وسمي الساهر لأنه كان لاينام في الليل إلا ربعه أو أزيد ثم يسهر في طلب العلم . وقيل إنما سمي الساهر لأن سرطان كان في مقدم رأسه وكان يمنعه من النوم . وإذا تأمل متأمل كناشه رأى فيه أشياء تدل على أنه كان به هذا المرض .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;“ المقتدر بن المعتضد “&lt;br/&gt; لما ثقل المكتفي في مرضه استشار الوزير وهو حينئذ العباس بن الحسن أصحابه فيمن يصلح للخلافة . فقالوا له : اتق الله ولا تولِّ من قد لقي الناس ولقوه وعاملهم وعاملوه وتحنك وحسب حساب نعم الناس وعرف وجوه دخلهم وخرجهم . فقال الوزير : صدقتم ونصحتم . فبمن تشيرون؟ قالوا : أصلح الموجودين جعفر بن المعتضد . قال : ويحكم هو صبي . قال ابن الفرات : إلا أنه ابن المعتضد ولا نأتي برجل يباشر الأمور بنفسه غير محتاج إلينا . فركن الوزير إلى قولهم فلما مات المكتفي نصب جعفراً للخلافة وأخذ له البيعة ولقبه المقتدر بالله . فلما بويع المقتدر استصغره الوزير وكان عمره إذ ذاك ثلاث عشرة سنة . وكثر كلام الناس فيه فعزم على خلعه . ثم في سنة ست وتسعين ومائتين اجتمع القواد والقضاة مع الوزير على خلع المقتدر بالله والبية لابن المعتز . ثم أن الوزير رأى أمره صالحاً مع المقتدر فبدا له في ذلك . فوثب به الحسين بن حمدان فقتله وخلع المقتدر وبايع الناس ابن المعتز ولقب المرتضي بالله ووجه إلى المقتدر يأمره بالانتقال إلى الدار التي كان مقيماً فيها لينتقل هو إلى دار الخلافة فأجابه بالسمع والطاعة وسأل الإمهال إلى الليل . وعاد الحسين بن حمدان بكرة غد إلى دار الخلافة فقاتله الخدم والغلمان والرجالة من وراء الستور عامة النهار فانصرف عنهم آخر النهار . فلما جنَّه الليل سار عن بغداد بأهله وماله إلى الموصل لا يدري لم فعل ذلك ولم يكن بقي مع المقتدر من القواد غير مؤنس الخادم ومؤنس الخازن . ولما رأى ابن المعتز ذلك ركب معه وزيره محمد بن داود وغلام له وساروا نحو الصحراء ظناً منهم أن من بايعه من الجند يتبعونه . فلما لم يلحقهم أحد رجعوا واختفوا ووقعت الفتنة والنهب والقتل ببغداد وثار العيارون والسفل ينهبون الدور وخرج المقتدر بالعسكر وقبض على جماعة وقتلهم وكتب إلى أبي الهيجاء بن حمدان يأمره بطلب أخيه الحسين فانهزم الحسين وأرسل أخاه ابراهيم يطلب له الأمان فأجيب إلى ذلك ودخل بغداد وخلع عليه وعقد له على قم وقاشان فسار إليها . وفي هذه السنة سقط ببغداد ثلج كثير من بكرة إلى العصر فصار على الأرض أربع أصابع وكان معه برد شديد وجمد الماء والخل والبيض وهلك النخل وكثير من الشجر . وفي سنة ثلاث وثلاثمائة خرج الحسين بن حمدان بالجزيرة عن طاعة المقتدر فجهز الوزير رائق الكبير في جيش وسيره إليه فالتقيا واقتتلا قتالاً شديداً فانهزم رائق وغنم الحسين سواده . فسمع ذلك مؤنس الخادم وجد بالسير نحو الحسين فرحل الحسين نحو أرمينية مع ثقله وأولاده وتفرق عسكره عنه فأدركه جيش مؤنس وأسروه ومعه ابنه عبد الوهاب . وعاد مؤنس إلى بغداد على الموصل ومعه الحسين فأركب على جمل هو وابنه وعليهما البرانس واللبود الطوال وقمصان من شعر أحمر وحبسا . وفي هذه السنة خرج مليح الأرمني إلى مرعش فعاث في بلدها وأسر جماعة ممن حولها وعاد . وفي سنة خمس وثلاثمائة وصل رسولان من ملك الروم إلى المقتدر يطلبان المهادنة والفداء فأكرما إكراماً تاماً كثيراً ودخلا على الوزير وهو في أكمل هيئة وأديا الرسالة إليه .&lt;br/&gt;ما دخلا على المقتدر وقد جلس لهما واصطفت الاجناد بالسلاح والزينة التامة وأديا الرسالة . فأجابهما المقتدر إلى ما طلب ملك الروم من الفداء وسير مؤنساً الخادم ليحضر الفداء وانفذ معه مائة ألف وعشرين ألف دينار لفداء أسارى المسلمين . وفيها أطلق أبو الهيجاء بن حمدان وأخوته وأهل بيته من الحبس . وفي سنة تسع وثلاثمائة قتل الحسين الحلاج بن منصور . وكان ابتداء حاله أنه كان يظهر الزهد ويظهر الكرمات وقيل أنه حرك يوماً يده فانتثر على قوم دراهم . فقال بعض من تفهم أمره ممن حضر : أرى دراهم معروفةً ولكني أؤمن بك وخلقٌ معي إن أعطيتني درهماً عليه اسمك واسم أبيك . فقال : و كيف لا يصنع . فقال له : من حضر ما ليس بحاضر صنع ما ليس بمصنوع . و كان قدم من خراسان إلى العراق و سار إلى مكة فأقام بها سنة في الحجر لا يستظل تحت سقف شتاءً و لا صيفاً و رئي في جبل أبي قبيس على صخرة حافياً مكشوف الرأس و العرق يجري منه إلى الأرض . و عاد الحلاج إلى بغداد فافتتن به خلق كثير و اعتقدوا فيه الحلول و الربوبية . ثم نقل عنه إلى الوزير حامد أنه أحيا جماعة من الموتى . فلما سأله الوزير عن ذلك أنكره و قال : أعوذ بالله أن أدعي النبوة أو الربوبية و إنما أنا رجل أعبد الله . فلم يتمكن الوزير من قتله حتى رأى كتاباً له فيه : أن الإنسان إذا أراد الحج و لم يمكنه أفرد من داره بيتاً طاهراً فإذا حضرت أيام الحج طاف حوله و فعل ما يفعل الحجاج بمكة ثم يطعم ثلاثين يتيماً و يكسوهم و يعطي كل واحد منهم سبعة دراهم . فأحضر الوزير القضاة و وجوه الفقهاء و استفتاهم . فكتبوا بإباحة دمه فسلمه الوزير إلى صاحب الشرطة فضربه ألف سوط فما تأوه لها ثم قطع يده ثم رجله ثم رجله الأخرى ثم يده ثم قتل و أحرق و ألقي رماده في دجلة و نصب الرأس ببغداد . و اختلف في بلدة الحلاج و منشأه فقيل من خراسان و قيل من نيسابور و قيل من مرو و قيل من الطالقان و قيل من الري . و قيل كان رجلاً محتالاً مشعوذاً يتعاطى مذاهب الصوفية و يدعي أن الإلهية قد حلت فيه وأنه هو هو . و قيل له و هو مصلوب : قل لا إلاه إلا الله . فقال : إن بيتاً أنت ساكنه غير محتاج إلى السرج . و امتحنه أبو الحسين علي ابن عيسى و ناظره فوجده صفراً من العلوم فقال له : تعلمك طهورك و فروضك أجدى عليك من رسائل لا تدري ما تقول فيها . لم تكتب إلى الناس بقولك : تبارك ذو النور الشعشعاني الذي يلمع بعد شعشعته . ما أحوجك إلى الأدب . و قال أبو الحسن بن الجندي أنه رأى الحلاج و شاهد من شعابيذه أشياء منها تصويره بين يديه بستاناً فيه زروع و ماء . و في سنة خمس عشرة و ثلاثمائة استشعر مؤنس الخادم خوفاً من المقتدر . فاجتمع إليه جميع الأجناد و قالوا له : لا تخف نحن نقاتل بين يديك إلى أن ينبت لك لحية . فوجه إليه المقتدر رقعة بخطه يحلف له على بطلان ما قد بلغه . فقصد دار المقتدر في جمع من القواد و دخل إليه و قبل يده . و حلف له المقتدر على صفاء نيته له . و في سنة سبع عشرة و ثلاثمائة خلع المقتدر بالله من الخلافة و بويع أخوه القاهر بالله محمد بن المعتضد فبقي يومين ثم أعيد المقتدر . و كان السبب في ذلك استيحاش مؤنس الخادم . و في سنة عشرين و ثلاثمائة سار مؤنس الخادم إلى الموصل مغاضباً و وجه خادمه بشرى برسالة إلى المقتدر . فسأله الوزير الحسين عن الرسالة فقال : لا أذكرها إلا للمقتدر كما أمرني صاحبي . فشتمه الوزير و شتم صاحبه و أمر بضربه و صادره بثلاثمائة ألف دينار . فلما بلغ مؤنساً ما جرى على خادمه و هو بحربى ينتظر أن يطيب المقتدر قلبه و يعيده سار نحو الموصل و معه جميع القواد فاجتمع بنو حمدان على محاربته . و لما قرب مؤنس من الموصل كان في ثمانمائة فارس و اجتمع بنو حمدان في ثلاثين ألفاُ فالتقوا و اقتتلوا فانهزم بنو حمدان و استولى مؤنس على أموالهم و ديارهم فخرج إليه كثير من العساكر من بغداد و الشام و مصر لإحسانه إليهم و أقام بالموصل تسعة أشهر ثم انحدر إلى بغداد و نزل بباب الشماسية . و أشار على المقتدر أصحابه بحضور الحرب فإن القوم متى رأوه عادوا جميعهم إليه فخرج و هو كاره و بين يديه الفقهاء و القراء و معهم المصاحف منشورة و عليه البردة و الناس حوله . فوقف على تل عال بعيد عن المعركة . فأرسل قواده يسألونه التقدم . فلما تقدم من موضعه انهزم أصحابه قبل وصولهاليهم . فأراد الرجوع فلحقه قوم من المغاربة و شهروا عليه سيوفهم . فقال : ويحكم أنا الخليفة . قالوا : قد عرفناك يا سفلة . و ضربه واحد بسيفه على عاتقه فسقط إلى الأرض و ذبحه بعضهم و رفعوا رأسه على خشبة و هم يكبرون و يلعنونه و أخذوا جميع ما عليه حتى سراويله و تركوه مكشوف العورة إلى أن مر به رجل من الأكرة فستره بحشيش ثم حفر له في موضعه و دفن و عفا قبره . و لما حمل رأس المقتدر إلى مؤنس بكى و لطم وجهه و رأسه و أنفذ إلى دار الخليفة من منعها من النهب . و كانت خلافة المقتدر خمساً و عشرين سنة و عمره ثماني و ثلاثين سنة .هم . فأراد الرجوع فلحقه قوم من المغاربة و شهروا عليه سيوفهم . فقال : ويحكم أنا الخليفة . قالوا : قد عرفناك يا سفلة . و ضربه واحد بسيفه على عاتقه فسقط إلى الأرض و ذبحه بعضهم و رفعوا رأسه على خشبة و هم يكبرون و يلعنونه و أخذوا جميع ما عليه حتى سراويله و تركوه مكشوف العورة إلى أن مر به رجل من الأكرة فستره بحشيش ثم حفر له في موضعه و دفن و عفا قبره . و لما حمل رأس المقتدر إلى مؤنس بكى و لطم وجهه و رأسه و أنفذ إلى دار الخليفة من منعها من النهب . و كانت خلافة المقتدر خمساً و عشرين سنة و عمره ثماني و ثلاثين سنة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt;و في سنة سبع عشرة و ثلاثمائة مات محمد بن جابر بن سنان أبو عبد الله الحراني المعروف بالبتاني أحد المشهورين برصد الكواكب و يعلم أحد من الإسلام بلغ مبلغه في تصحيح أرصاد الكواكب و امتحان حركاتها . و كان أصله من حران صابئاً . و في سنة عشرين و ثلاثمائة توفي محمد بن زكريا الرازي و كان في ابتداء أمره يضرب بالعود ثم ترك ذلك و أقبل على تعلم الفلسفة فنال منها كثيراً و ألف كتباً كثيرة أكثرها في صناعة الطب و سائرها في المعارف الطبيعية و دبر بيمارستان الري ثم بيمارستان بغداد زماناً . و كان في بصره رطوبة لكثرة أكله الباقلي ثم عمي في آخر عمره بماء نزل في عينيه . و جاءه كحال ليقدحهما فسأله عن العين كم طبقة هي . فقال لا أعلم . فقال له : لا يقدح عيني من لا يعلم ذلك . فقيل له : لو قدحت لكنت أبصرت . قال : لا قد أبصرت في الدنيا حتى مللت . و قيل أن أبا محمد بن زكريا الرازي أوحد دهره و فريد عصره جمع المعرفة بعلوم القدماء لا سيما الطب و كان شيخاً كبير الرأس مسفطاً . و لم يكن يفارق النسخ إما يسود أو يبيض . و ألف في الكيمياء اثني عشر كتاباً و ذكر أنها أقرب إلى الممكن منه إلى الممتنع . و كان كريماً متفضلاً باراً بالناس حسن الرأفة بالفقراء و الأعلاء حتى كان يجري عليهم الجرايات الواسعة و يمرضهم . و حكي عن الكعبي أنه قال لابن زكريا : رأيتك تدعي ثلاثة أصناف من العلوم و أنت أجهل الناس بها تدعي الكيمياء و قد حبستك زوجتك على عشرة دراهم فلو ملكت يوماً قدر مهرها ما رافعتك إلى الحاكم فحضرت معها و حلفت لها عليه . و تدعي الطب و تركت عينك حتى ذهبت . و تدعي النجوم و العلم بالكائنات و قد وقعت في نوايب لم تشعر بها حتى أحاطت بك . أقول الطعن الأول مباين لما نقل من حسن رأفته بالفقراء و لا يبعد أن الأخر قول حاسد . و من الأطباء الذين للمقتدر بختيشوع بن يحيى و سنان بن ثابا بن قرة الصابئ والد ثابت بن سنان صاحب التارخ . و لم يكن في أطبائه أخص من هذين . و سيأتي قصة سنان في باب خلافة القاهر .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&amp;quot; القاهر بن المعتضد &amp;quot;&lt;br/&gt; لما قتل المقتدر عظم قتله على مؤنس و قال : الرأي أن ننصب و لده أبا العباس فإنه تربيتي و هو صبي عاقل فيه دين و كرم و وفاء بما يقول . فاعترضعليه اسحق النوبختي و قال : بعد الكد استرحنا من خليفة له أم و خالة و خدم يدبرونه فنعود إلى تلك الحال لا و الله لا نرضى إلا برجل كامل يدبر نفسه و يدبرنا . و ما زال حتى رد مؤنساً عن رأيه و ذكر له أبو منصور بن محمد بن المعتضد فأجابه مؤنس إلى ذلك . و كان النوبختي في ذلك كالباحث عن حتفه بظلفه فإن القاهر قتله كما سيأتي ذكره . و أمر مؤنس بإحضار محمد ابن المعتضد فبايعوه بالخلافة لليلتين بقيتا من شوال سنة عشرين و ثلاثمائة و لقبوه بالله . و كان مؤنس كارهاً لخلافته و يقول : إنني عارف بشره و شؤمه . و لما بويع استحلفه مؤنس لنفسه و لحاجبه بليق و لعلي بن بليق . و استحجب القاهر علي بن بليق و تشاغل القاهر بالبحث عمن استتر من أولاد المقتدر و حرمه ثم أحضر القاهر أم المقتدر عنده و كانت مريضة قد ابتدأ بها استسقاء فسألها عن مالها فاعترفت له بما عندها من المتاع و الثياب و لم تعترف بشيء من المال و الجواهر . فضربها أشد ما يكون من الضرب و علقها برجلها و ضرب المواضع الغامضة من بدنها . فحلفت أنها لا تملك غير ما أطلعته عليه . و صادر جميع حاشية المقتدر و أصحابه و وكل على بيع أملاك أم المقتدر و حل وقوفها فبيع جميع ذلك . و في سنة إحدى و عشرين و ثلاثمائة استوحش مؤنس و بليق الحاجب و ولده علي الوزير و أبو علي بن مقلة من القاهر و ضيقوا عليه و وكلوا على دار الخليفة أحمد بن زيرك و أمروا بتفتيش كل من يدخل الدار و يخرج منها و أن يكشف وجوه النساء المنقبات . ففعل ذلك و زاد عليه حتى أنه حمل إلى دار القاهر لبنٌ فأدخل يده فيه لئلا يكون فيه رقعة . فعلم القاهر أن العتاب لا يفيد فأخذ في الحيلة و التدبير عليهم و أرسل إلى الساجية أصحاب يوسف بن أبي الساج يغريهم بمؤنس و بليق و يحلف لهم على الوفاء فتغيرت قلوبهم . فبلغ ابن مقلة أن القاهر يجتهد في التدبير عليهم فذكر ذلك لمؤنس و بليق و ابنه فاتفق رأيهم على خلع القاهر إلا مؤنس فإنه قال لهم : لست أشك في شر القاهر و خبثه و لقد كنت كارهاً لخلافته و أشرت بابن المقتدر فخالفتموني و قد بالغتم الآن في الاستهانة به و ما صبر على الهوان إلا من خبث طويته ليدبر عليكم فلا تعجلوا حتى تؤنسوه و ينبسط إليكم ثم اعملوا على ذلك . فقال علي ابن بليق و ابن مقلة : ما يحتاج إلى هذا التطويل فإن الحجبة لنا و الدار في أيدينا و ما يحتاج أن نستعين في القبض عليه بأحد لأنه بمنزلة طائر في قفص . و اتفقوا على أن يدخل علي بن بليق على القاهر و يكون قد أمر جماعة من عسكره بالركوب إلى أبواب دار الخليفة فيقبض عليه . فهم في هذا أن خضر ظريف السكري في زي امرأة فاجتمع بالقاهر فذكر له جميع ما قد عزموا عليه فأخذ حذره و أنفذ إلى الساجية أحضرهم متفرقين و أكمنهم في الدهليز و الممرات و الرواقات . و حضر علي بن بليق بعد العصر و في رأسه نبيذ و معه عدد يسير من غلمانه بسلاح خفيف و طلب الإذن فلم يؤذن له فغضب و أساء أدبه . فخرج إليه الساجية و شتموا أباه . فألقى نفسه إلى طيارة و عبر إلى الجانب الغربي و اختفى من ساعته . و بلغ الخبر ابن مقلة فاستتر . و أنكر بليق ما جرى على إبنه و سب الساجية و حضر دار الخليفة ليعاتب على ذلك فلم يوصله القاهر إليه و أمر بالقبض عليه و على ابن زيرك . و راسل القاهر مؤنساً يسأله الحضور عنده و قال : أنت عندي بمنزلة الوالد و ما أحب أن أعمل شيئاً إلا عن رأيك . فاعتذر مؤنس عن الحركة و أنه قد استولى عليه الكبر و الضعف . فأظهر له الرسول النصح و قال : إن تأخرت طمع و لو رآك نائماً ما تجاسر على أن يوقظك . فسار مؤنس إليه فلما دخل الدار قبض عليه القاهر و حبسه . قيل لما علم القاهر بمجيء مؤنس هابه و هاله أمره و ارتعد و تغيرت أحواله و زحف من صدر فراشه ثم ربط جأشه . و لما قبض على مؤنس شغب أصحابه و ثاروا و تبعهم سائر الجند . و كان القاهر قد ظفر بعلي بن بليق فدخل القاهر إليه و أمر به فذبح و أخذوا رأسه فوضعوه في طشت ثم مضى القاهر و الطشت يحمل بين يديه حتى دخل على بليق فوضع الطشت بين يديه و فيه رأس ابنه . فلما رآه بكى و أخذ يقبله و يترشفه . فأمر القاهر فذبح أيضاً و جعل رأسه لطشت و حمل بين يدي القاهر و مضى حتى دخل على مؤنس فوضعهما بين يديه .   فلما رأى الرأسين تشهد ولعن قاتلهما . فقال القاهر : جروا برجل الكلب الملعون فجروه و ذبحوه و جعلوا رأسه في طشت و أمر فطيف بالرؤوس في جانبي بغداد و نودي عليها : هذا جزاء من يخون الإمام و يسعى في فساد دولته . الطشت و حمل بين يدي القاهر و مضى حتى دخل على مؤنس فوضعهما بين يديه . فلما رأى الرأسين تشهد و لعن قاتلهما . فقال القاهر : جروا برجل الكلب الملعون فجروه و ذبحوه و جعلوا رأسه في طشت و أمر فطيف بالرؤوس في جانبي بغداد و نودي عليها : هذا جزاء من يخون الإمام و يسعى في فساد دولته .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt; و في أيام القاهر كان ابتداء دولة بني بويه و هم ثلاثة عماد الدولة علي و ركن الدولة الحسن و معز الدولة أحمد أولاد أبي شجاع بويه بن فناخسرو من ولد يزدجرد بن شهريار آخر ملوك الفرس . و هذا نسب عريق في الفرس و لا شك أنهم نسبوا إلى الديلم حيث طال مقامهم ببلادهم . و قيل أن أبا شجاع بويه كان متوسط الحال و رأى في منامه كأنه يبول فخرج من ذكره نار عظيمة استطالت و علت حتى كادت تبلغ السماء ثم انفرجت فصارت ثلث شعب و تولد من تلك الشعب عدة شعب فأضاءت الدنيا بتلك النيران و رأى البلاد و العباد خاضعين لتلك النيران . فمضى بويه إلى رجل يقول عن نفسه أنه منجم و معزم و معبر المنامات و يكتب الرقي و الطلسمات و قص عليه منامه . فقال المنجم : هذا منام عظيم لا أفسره إلا بخلعة و فرس . فقال بويه : و الله ما أملك إلا الثياب التي على جسدي فإن أخذتها بقيت عرياناً . قال المنجم : فعشرة دنانير . قال : و الله ما أملك دينارين فكيف عشرة . فأعطاه شيئاً . فقال المنجم : اعلم أنه يكون لك ثلاثة أولاد يملكون الأرض و يعلو ذكرهم في الآفاق و يولد لهم جماعة ملوك بقدر ما رأيت من تلك الشعب . فقال أبو شجاع بويه : اما تستحي تسخر منا أنا رجل فقير و أولادي هؤلاء مساكين فكيف يصيرون ملوكاً . قال المنجم : اذكروا لي هذا إذا قصدتكم و أنتم ملوك . فاغتاظ منه بويه و قال لأولاده : اصفعوا هذا الحكيم فقد أفرط في السخرية بنا . فصفعوه و أخرجوه . ثم خرج أولاد بويه من الديلم و صاروا إلى مرداويج بطبرستان فقبلهم أحسن قبول و خلع عليهم و قلد عماد الدولة علي بن بويه كرج . فاستمال أهلها بالصلات و الهبات فأحبوه و ملكوه و قوي جنابه و استولى على أصفهان و عظم في عيون الناس و ملك أرجان أيضاً . و أنفذ أخاه ركن الدولة الحسن إلى كارزون و غيرها من أعمال فارس . فاستخرج منها أموالاً جليلة و عاد إلى أخيه غانماً سالماً . و في سنة اثنتين و عشرين و ثلاثمائة استولى عماد الدولة علي بن بويه على شيراز و ملكها . و في هذه السنة خلع القاهر في جمادى الأولى و ذلك أن لبن مقلة كان مستتراً و القاهر يتطلبه و كان يراسل قواد الساجية و الحجرية و يخوفهم من شر القاهر و يذكر لهم غدره و نكثه مرة بعد أخرى كقتل مؤنس و بليق و ابنه بعد الإيمان لهم إلى غير ذلك . و كان ابن مقلة يجتمع بسيما زعيم الساجية تارةً في زي أعمى و تارةً في زي مكد و تارة في زي امرأة و يغريه بالقاهر . ثم إن ابن مقلة أعطى منجماً كان لسيما مائتي دينار . و كان يذكر أن طالعه يقتضي أن ينكبه القاهر . و أعطى أيضاً شيئاً لمعبر كان لسيما يعبر لهالمنامات و كان يحذره من القاهر . فازداد نفوراً . فاتفق مع أصحابه و مع الحجرية على خلع القاهر . و بلغ ذلك الوزير فأرسل الحاجب سلاماً و عيسى الطبيب ليعلماه بذلك فوجداه نائماً قد شرب أكثر ليلته فلم يقدرا على إعلامه بذلك . فزحف الحجرية و الساجية إلى الدار . و لما سمع القاهر الأصوات و الغلبة استيقظ و هو مخمور و طلب باباً يهرب منه فقيل له : أن الأبواب جميعها مشحونة بالرجال . فهرب إلى سطح حمام . فأخذوه من هناك و حبسوه و كانت خلافته عاماً واحداً و سبعة أشهر . ثم عاش خاملاً إلى أن مات سنة ثمان و ثلاثين و ثلاثمائة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;عيسى الطبيب المذكور ههنا هو ابن يوسف المعروف بابن العطار كان متطبب القاهر و ثقته و مشيره و سفيره بينه و بين وزرائه و تقدم في وقته تقدماً كثيراً . و شاركه سنان ابن ثابت بن قرة في الطب و كان خصيصاً بالقاهر و كان عيسى أشد تقدماً منه . و لكثرة اغتباط القاهر بسنان أراده على الإسلام فامتنع امتناعاً شديداً كثيراً . فتهدده القاهر فخافه لشدة سطوته فأسلم و أقام مدة . ثم رأى من القاهر أنه إذا أمره بشيء أخافه فانهزم إلى خراسان و عاد توفي ببغداد في سنة إحدى و ثلاثين و ثلاثمائة . و من ظريف ما جرى لسنان في امتحان الأطباء عند تقدم الخليفة إليه بذلك أنه أحضر إليه رجل مليح البشرة و الهيئة ذو هيبة و وقار فأكرمه سنان على موجب منظره و رفعته . ثم التفت إليه سنان فقال : قد اشتهيت أن أسمع من الشيخ شيئاً أحفظه عنه و أن يذكر شيخه في الصناعة . فأخرج الشيخ من كمه قرطاساً فيه دنانير صالحة و وضعها بين يدي سنان و قال : و الله ما أحسن أكتب و لا أقرأ شيئاً جملةً و لي عيال و معاشي دار دائره و أسألك أن لا تقطعه عني . فضحك سنان و قال : على شريطة أنك لا تهجم على مريض بما لا تعلم و لا تشير بفصد و لا بدواء مسهل إلا بما قرب من الأمراض . قال الشيخ : هذا مذهبي مذ كنت ما تعديت السكنجبين و الجلاب . و انصرف . و لما كان من الغد حضر إليه غلام شاب حسن البزة مليح الوجه ذكي . فنظر إليه سنان فقال له : على من قرأت . قال : على أبي . قال : و من يكون أبوك . قال : الشيخ الذي كان عندك بالأمس . قال : نعم الشيخ . و أنت على مذهبه . قال : نعم . قال : لا تتجاوزه و انصرف مصاحباً . و لسنان تصانيف جيدة و كان قوياً في علم الهيئة و له في ذلك أشياء ظاهرة تغني عن الإطالة بذكرها .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&amp;quot; الراضي بن المقتدر &amp;quot;&lt;br/&gt; لما قبضوا القاهر سألوا عن المكان الذي فيه أبو العباس أحمد بن المقتدر فدلوهم عليه فقصدوه و فتحوا عليه و دخلوا فسلموا بالخلافة و أخرجوه و أجلسوه على السرير و لقبوه الراضي بالله يوم الأربعاء لست خلون من جمادى الأولى سنة اثنتين و عشرين و ثلاثمائة و بايعه القواد و الناس . و أرادوا علي بن عيسى على الوزارة فقال الراضي : إن الوقت لا يحتمل أخلاق علي و ابن مقلة أليق بالوقت . فأحضره و استوزره . فلما استوزر أحسن إلى كل من أساء إليه و أحسن سيرته . و في سنة ثلاث و عشرين و ثلاثمائة عظم أمر الحنابلة و قويت شوكتهم و صاروا يكبسون دور القواد و العامة و إن وجدوا نبيذاً أراقوه و إن وجدوا مغنية ضربوها و كسروا آلة الغناء فأرهجوا بغداد . و ركب صاحب الشرطة و نادى في جانبي بغداد ألا يجتمع من الحنابلة اثنان و لا يصلي منهم إمام إلا جهر ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاة الصبح و العشائين . فلم يفد فيهم . فخرج توقيع الراضي بما يقرأ على الحنابلة ينكر عليهم فعلهم و يوبخهم على اعتقاد التشبيه و غيره . فمنه : إنكم تارةً تزعمون أن صورة وجوهكم القبيحة السمجة على مثال رب العالمين و تذكرون الكف و الأصابع و الرجلين و النعلين الذهب و الشعر القطط و النزول إلى الدنيا . فلعن الله شيطاناً زين لكم هذه المنكرات ما أغواه . و أمير المؤمنين يقسم بالله جهداً ألية يلزمه الوفاء بها لئن لم تنتهوا عن مذموم مذهبكم و معوج طريقكم هذه ليوسعنكم ضرباً و تشديداً و قتلاً و ليستعملن السيف في رقابكم و النار في منازلكم و محالكم . و في سنة أربع و عشرين و ثلاثمائة ألجأت الضرورة الراضي إلى أن قلد أبا بكر محمد بن رائق إمارة الجيش و جعله أمير الأمراء و ولاه الخراج و المعاون و الدواوين في جميع البلاد و أمر أن يخطب له على جميع المنابر و بطلت الوزارة من ذلك الوقت فلم يكن الوزير ينظر في شيء من الأمور إنما كان ابن رائق و كاتبه ينظران في الأمور جميعاً و كذلك كل من تولى إمرة الأمراء بعده و صارت الأموال تحمل إلى خزائنهم فيتصرفون فيها كما يريدون و يطلقون للخليفة ما يريدون . و في سنة ست وعشرين و ثلاثمائة استولى معز الدولة أبو الحسن أحمد بن بويه على الأهواز . و فيها كتب أبو علي بن مقلة إلى الراضي يشير عليه بالقبض على ابن رائق و أصحابه و يضمن أنه يستخرج منهم ثلاثة آلاف ألف ألف دينار و أشار عليه بإقامة بجكم مقام ابن رائق و طلب ابن مقلة من الراضي أن ينتقل و يقيم عنده بدار الخليفة فأذن له في ذلك . فلما حصل بدار الخليفة اعتقله في حجرة و عرض على ابن رائق خط ابن مقلة . فشكر الراضي . و ما زال ابن رائق يلح في طلب ابن مقلة حتى أخرج من مجسه و قطعت يده . ثم عولج فبرأ فعاد يكاتب الراضي و يخطب الوزارة و يذكر أن قطع يده لم يمنعه عن عمله و كان يشد القلم على يده المقطوعة و يكتب و يهدد ابن رائق . فأمر الراضي بقطع لسانه . ثم نقل إلى محبس ضيق و لم يكن عنده من يخدمه فآل به الحال إلى أنه كان يستقي الماء بيده اليسرى و يمسك الحبل بفمه .و لحقه شقاء شديد إلى أن مات . و فيها دخل بغداد و لقي الراضي و قلده إمرة الأمراء مكان ابن رائق . و في سنة تسع و عشرين و ثلاثمائة مات الراضي بالله بالاستسقاء في منتصف ربيع الأول و كانت خلافته ست سنين و عشرة أشهر و كان أديباً شاعراً سمحاً سخياً يحب محادثة الأدباء و الفضلاء و الجلوس معهم . و كان ببغداد في خلافة الراضي بعد سنة عشرين و ثلاثمائة و قبل سنة ثلاثين متى لبن يونس المنطقي النصراني عالم بالمنطق شارح له مكثر و طي الكلام قصده التعليم و التفهيم و هو من أهل دير قنى ممن نشأ في اسكول مار ماري قرأ على روفيل و بنيامين الراهبين اليعقوبيين . و متى نسطوري النحلة ذكره محمد بن اسحق النديم في كتابه و قال : إليه انتهت رئاسة المنطقيين في عصره و مصره .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;“ المتّقي بن المقتدر “&lt;br/&gt; لما مات الراضي كان بجكم بالكوفة فورد كتابه مع الكوفي كاتبه يأمر فيه أن يجتمع مع أبي القاسم وزير الراضي العلويون و القضاة و العباسيون و وجوه البلد و يشاورهم الكوفي فيمن ينصب للخلافة . فاتفقوا كلهم على ابراهيم ابن المقتدر و بايعوه و لقبوه المتقي لله و سير الخلع و اللواء إلى بجكم إلى واسط و أقر سليمان على وزارته و ليس له منها إلا اسمها و إنما التدبير كله إلى الكوفي كاتب بجكم . و في هذه السنة و هي سنة تسع و عشرين و ثلاثمائة قتل بجكم قتله الأكراد و هو يتصيد في نهر جور . و لما قتل بجكم دخل أبو عبيد الله البريدي بغداد فنزل بالشفيعي و لقيه الوزير و القضاة و الكتاب و أعيان الناس فأنفذ إليه المتقي يهنئه بسلامته و أنفذ له طعاماً عدة ليال ثم أنفذ البريدي إلى المتقي يطلب خمسمائة ألف دينار ليفرقها في الجند . فامتنع عليه . فأرسل إليه يتهدده و يذكره ما جرى على المعتز و المستعين و المهتدي . فأنفذ إليه تمام خمسمائة ألف دينار و لم يلق البريدي المتقي مدة مقامته ببغداد . فلما حصل المال في يد البريدي لم يؤثر الجند من المال بطائل فشغبوا عليه و حاربوه فهرب منهم هو و أخوه و ابنه و أصحابه و انحدروا في الماء إلى واسط و استولى كورتكين الديلمي على الأمور ببغداد و دخل إلى المتقي فقلده إمارة الأمراء و خلع عليه . و بعد قليل عاد محمد بن رائق من الشام إلى بغداد وصار أمير الأمراء . و في سنة ثلاثين و ثلاثمائة قتل ابن رائق و قلد ناصر الدولة ابن حمدان أمرة الأمراء و خلع على أخيه أبي الحسن علي و لقبه سيف الدولة . و بعد قليل ثار الأتراك بسيف الدولة فكبسوه ليلاً فهرب من معسكره فلما بلغ الخبر أخاه ناصر الدولة سار إلى الموصل و كانت إمارته ثلاثة عشر شهراً و تولى توزون إمارة الأمراء . و في سنة إحدى و ثلاثين و ثلاثمائة توفي السعيد نصر بن حمدان بن اسمعيل صاحب خراسان و ما وراء النهر و كان حليماً كريماً عاقلاً . و حكي عنه أنه طال مرضه فبقي به ثلاثة عشر شهراً فبنى له في قصره بيتاً و سماه بيت العبادة فكان يلبس ثياباً نظافاً و يمشي إليه حافياً و يصلي فيه و يدعو و يتضرع و تجنب المنكرات و الآثام إلى أن مات . و تولى بعده خراسان و ما وراء النهر ابنه نوح و لقب الأمير الحميد . و فيها خلع المتقي على توزون الأمير التركي و جعله أمير الأمراء . و فيها أرسل ملك الروم إلى المتقي يطلب منه منديلاً مسح بها المسيح وجهه فصارت صورة وجهه فيها و إنها في بيعة الرها و ذكر أنه إن أرسلها إليه أطلق عدداً كثيراً من أسارى المسلمين . فاستفتى المتقي القضاة و الفقهاء فأنكر بعضهم تسليمها و أجاب بعضهم قائلاً : إن خلاص المسلمين من الأسر و الضر و الضنك الذي هم فيه أوجب . فأمر المتقي بتسليم المنديل إلى الرسل و أرسل معهم من يتسلم الأسارى . و في سنة اثنتين و ثلاثين و ثلاثمائة ظهر ببغداد لص فأعجز الناس فأمنه ابن شيرزاد و هو من أكابر قواد توزون و خلع عليه و شرط عليه أن يوصل كل شهر خمسة عشر ألف دينار مما يسرقه هو و أصحابه و كان يستوفيها منه بالرواتب و هذا ما لم يسمع بمثله من شره . و فيها ازداد خوف المتقي من توزون أمير الأمراء و كان توزون بواسط فأنفذ المتقي يطلب من ناصر الدولة ابن حمدان إنفاذ جيش ليصحبوه إلى الموصل فأنفذهم مع ابن عمه . فخرج المتقي إليهم في حرمه و أهله و وزيره و ساروا إلى الموصل و أقام المتقي بها عند ابن حمدان ثم سار منها إلى الرقة و أنفذ رسلاً إلى توزون في الصلح . فحلف توزون للخليفة و الوزير و انحدر المتقي من الرقة في الفرات فلما وصل إلى هيت أقام بها و أنفذ من يجدد اليمين على توزون . فعاد و حلف و سار عن بغداد ليلتقي المتقي فالتقاه بالسندية و نزل و قبل الأرض و قال : ها انا قد وفيت بيميني و الطاعة لك . ثم وكل به و بالوزير و بالجماعة و أنزلهم في مضرب نفسه مع حرم المتقي ثم كحله فأذهب عينيه و عمي المتقي . و انحدر توزون من الغد إلى بغداد و الجماعة في قبضته . فكانت خلافة المتقي ثلاث سنين و ستة أشهر .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;“ المستكفي بن المكتفي “ &lt;br/&gt; لما قبض توزون على المتقي أحضر المستكفي بالله و هو أبو القاسم عبد الله بن المكتفي إليه إلى السندية و بايعه هو و عامة الناس في سنة ثلاث و ثلاثين و ثلاثمائة . و كان سبب البيعة له ما حكاه بعض خواص توزون قال : إنني دعاني صديق لي فمضيت إليه فذكر لي أنه تزوج إلى قوم و أن امرأة منهم قالت له أن هذا المتقي قد عاداكم و عاديتموه و كاشفكم و لا يصفو قلبه لكم و ههنا رجل من أولاد الخلافة و ذكرت عقله و دينه تنصبونه للخلافة فيكون صنيعكم و غرسكم و يدلكم على أموال جليلة لا يعرفها غيره و تستريحون من الخوف و الحراسة . فقلت له : أريد أن أسمع كلام المرأة . فجاءني بها و رأيت امرأة عاقلة جزلة . فذكرت لي نحواً من ذلك و أحضرت الرجل أيضاً عندي في زي امرأة فعرفني نفسه و ضمن إظهار ثمانمائة ألف دينار و خاطبني خطاب رجل لبيب فهم . فأتيت توزوت فأخبرته فوقع الكلام في قلبه و جرى ما جرى . و صارت تلك المرأة قهرمانة المستكفي و سمت نفسها علم و غلبت على أمره كله . و فيها سار سيف الدولة إلى حلب فملكها و كان مع المتقي بالرقة فلما عاد المتقي إلى بغداد قصد سيف الدولة حلب و استولى عليها ثم سار منها إلى حمص فلقيه بها عسكر الإخشيد محمد بن طغج صاحب مصر و الشام مع مولاه كافور فاقتتلوا فانهزم عسكر الإخشيد و كافور و ملك سيف الدولة مدينة حمص . و سار إلى دمشق فحاصرها فلم يفتحها أهلها له فرجع عنها . و في سنة أربع و ثلاثين و ثلاثمائة في المحرم مات توزون في داره ببغداد . فاجتمع الأجناد و عقدوا الئاسة عليهم لزيرك بن شيرزاد و حلفوا له و حلف له المستكفي و دخل إليه ابن شيرزاد و عاد مكرماً يخاطب بأمير الأمراء . و بعد مدة يسيرة قدم معز الدولة بن بويه إلى بغداد و اختفى المستكفي و ابن شيرزاد . فلما استتر سار الأتراك الذين في خدمته إلى الموصل . فلما بعدوا ظهر المستكفي و عاد إلى دار الخلافة و أظهر السرور بقدوم معز الدولة و دخل إليه معز الدولة بن بويه و بايعه و حلف له المستكفي . و ظهر ابن شيرزاد أيضاً و لقي معز الدولة فولاه أمر الخراج و جباية الأموال . و كانت إمارة ابن شيرزاد ثلاثة أشهر و عشرين يوماً . و خلع المستكفي على معز الدولة و لقبه ذلك اليوم معز الدولة و لقب أخاه علياً عماد الدولة و لقب أخاه الحسن ركن الدولة و أمر أن يضرب ألقابهم و كناهم على الدراهم و الدنانير . و في هذه السنة بلغ معز الدولة أن علم قهرمانة المستكفي عازمة على إزالته فحضر معز الدولة و الناس عند الخليفة في اثنين و عشرين من جمادى الآخرة ثم حضر رجلان من نقباء الديلم فتناولا يد المستكفي فظن أنهما يريدان تقبيلها فمدها إليهما فجذباه عن سريره و جعلا عمامته في حلقه و ساقاه ماشياً إلى دار معز الدولة فاعتقل بها . و أخذت علم القهرمانة فقطع لسانها . و كانت مدة خلافة المستكفي سنة واحدة و أربعة أشهر و ما زال مغلوباً على أمره مع توزون و ابن شيرزاد . و لما بويع المطيع سلم إليه المستكفي فسمله و أعماه و بقي محبوساً إلى أن مات .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt; و كان في هذا الزمان من الأطباء المشهورين هلال بن ابراهيم ابن زهرون الصابئ الحراني الطبيب نزيل بغداد و كان حاذقاً عاقلاً صالح العلاج متفنناً تقدم عند أجلاء بغداد و خالطهم بصناعته و خدم أمير الأمراء توزون . و حكى عنه ولده ابراهيم قال : رأيت والدي في يوم من أيام خدمته لتوزون و قد خلع عليه وحمله على بغل حسن بمركب ثقيل و وصله بخمسة آلاف درهم و هو مع ذلك مشغول القلب منقسم الفكر . فقلت له : ما لي أراك يا سيدي مهموماً و يجب أن تكون في مثل هذا اليوم مسروراً . فقال : يا ابني هذا الرجل يعني توزون جاهل يضع الأشياء في غير موضعها و لست أفرح بما يأتيني منه من جميلة عن غير معرفة . أتدري ما سبب هذه الخلعة . قلت : لا . قال : سقيته دواءً مسهلاً فحاف عليه فأسحجه فقام عدة مرار مجالس دماً عبيطاً حتى تداركته بما أزال ذلك عنه و كفي المحذور فيه فاعتقده بجهله أن في خروج ذلك الدم صلاحاً له فأنعم علي بما تراه و لست آمن أن يستشعر في السوء من غير استحقاق فتلحقني منه الأذية .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;“ المطيع بن المقتدر “&lt;br/&gt; هو أبو القاسم الفضل بن المقتدر . بويع له يوم الخميس ثاني عشر جمادى الآخرة سنة أربع و ثلاثين و ثلاثمائة و ازداد أمر الخلافة إدباراً و لم يبق بيد المطيع إلا ما أقطعه معز الدولة مما يقوم ببعض حاجاته . و في هذه السنة في ذي الحجة مات الأخشيد صاحب ديار مصر بدمشق و ولي الأمر بعده ابنه أبو جور و استولى على الأمر كافور الخادم الأسود . فسار كافور إلى مصر . فقصد سيف الدولة دمشق فملكها . ثم جاء كافور من مصر فأخرج أهل دمشق سيف الدولة عنهم . و في سنة سبع و ثلاثين سار سيف الدولة بن حمدان إلى بلد الروم فلقيه الروم و اقتتلوا فانهزم سيف الدولة و أخذ الروم مرعش و أوقعوا بأهل طرسوس . و في سنة ثماني و ثلاثين و ثلاثمائة توالت على عماد الدولة علي بن بويه الأسقام بمدينة شيراز فلما أحس بالموت و لم يكن له ولد أنفذ إلى أخيه ركن الدولة يطلب منه أن ينفذ إليه لبنه عضد الدولة فناخسروا ليجعله ولي عهده .فوصل إليه فأجلسه في داره على السرير و وقف هو بين يديه و أمر الناس بالانقياد له و كان يوماً عظيماً مشهوداً . و في سنة تسع وثلاثين و ثلاثمائة دخل سيف الدولة بن حمدان إلى بلاد الروم فغزا و أوغل فيها و سبى و غنم . فلما أراد الخروج أخذو عليه المضايق فهلك من كان معه من المسلمين أسراً و قتلاً واسترد الروم الغنائم و السبي و غنموا أثقال  و أموالهم و نجا سيف الدولة في عدد يسير . و في سنة ثلاث وأربعين و ثلاثمائة مات الأمير نوح بن نصر الساماني في ربيع الآخر و ملك خراسان بعده ابنه عبد الملك . وفيها غزا سيف الدولة ابن حمدان بلاد الروم و قتل ابن نيقيفور الدمستق فعظم الأمر عليه .فجمع عساكر كثيرة من الروم و الروس و البلغار و قصد الثغور فسار إليه سيف الدولة فالتقوا و اشتد القتال بينهم و صبر الفريقان . ثم انتصر المسلمون و انهزم الروم و استؤسر صهر الدمستق و ابن ابنته . و في سنة تسع و أربعين و ثلاثمائة غزا أيضاً سيف الدولة بلاد الروم و سبى و غنم و أسر و بلغ إلى خرشنة . ثم إن الروم أخذوا عليه المضايق فلما أراد الرجوع قال له من معه من أهل طرسوس : الرأي أن لا تعود في الدرب الذي دخلت منه و لكن ترجع معنا في مسالك نعرفها . فلم يقبل منهم و كان معجباً برأيه يحب أن يستبد و لا يشاور أحداً لئلا يقال أنه أصاب برأي غيره و عاد في الدرب الذي دخل منه . فظهر الروم عليه و استردوا ما معه من الغنائم و وضعوا السيف في أصحابه فأتوا عليهم قتلاً و أسراً و تخلص هو في ثلاثمائة رجل بعد جهدٍ ومشقةٍ . و في سنة خمسين و ثلاثمائة سقط الفرس تحت عبد الملك بن نوح صاحب خراسان فمات من سقطته . و ولي بعده أخوه منصور ابن نوح . و في سنة إحدى و خمسين و ثلاثمائة في المحرم نزل الروم مع الدمستق على عين زربة و فتحوها بالأمان فدخلها و نادى في البلد أول الليل بأن يخرج جميع أهلها إلى المسجد و من تأخر في منزله قتل . فخرج من أمكنه الخروج . فلما أصبح أنفذ رجاله و كانوا ستين ألفاً فقتلوا خلقاً كثيراً من الرجال و النساء و الصبيان ممن وجدوه خارج المسجد . و أمر من في المسجد بأن يخرجوا من البلد حيث شاؤوا يومهم ذلك و من أمسى قتل . فخرجوا مزدحمين فمات بالزحمة جماعةٌ و مروا على وجوههم لا يدرون أين يتوجهون فماتوا في الطرقات و قتل الروم من وجدوه بالمدينة آخر النهار . فلما أدرك الصوم انصرف الروم إلى القيسارية على أن يعودوا بعد العيد . و فيها استولى الروم على مدينة حلب و عادوا عنها بغير سبب . و فيها ملك الروم عليهم نيقيفور الدمستق و جعلوا شخصاً يسمى شوموشقيق دمستقاً له . و في سنة أربع و خمسين و ثلاثمائة فتح الروم مصيصة و طرسوس . و في سنة ست خمسين و ثلاثمائة مات معز الدولة بن بويه ببغداد و جلس ابنه بختيار في الإمارة و لقب عز الدولة . و كانت إحدى يدي عز الدولة مقطوعة قطعت في بعض الحروب . و فيها قبض أبو تغلب على أبيه ناصر الدولة بن حمدان و حبسه في القلعة لأنه كان قد كبر فساءت أخلاقه و ضيق على أولاده و خالفهم في أغراضهم للمصلحة فضجروا منه . و في سنة سبع و خمسين و ثلاثمائة ملك الروم مدينة إنطاكية . و في سنة إحدى وستين و ثلاثمائة سار المعز لدين الله العلوي صاحب بلاد المغرب من إفريقية يريد الديار المصرية فأقام قريباً من مدينة قيروان و لحقه رجاله وعماله و أهل جميع ما كان له في قصره من الأموال و الأمتعة حتى ان الدنانير سبكت و جعلت كهيئة الطواحين و حمل كل طاحونتين على جمل ثم سار حتى وصل إلى الإسكندرية . و أتاه أهل مصر و أعيانها فلقيهم و أكرمهم و أحسن إليهم و سار فدخل القاهرة خامس شهر رمضان سنة اثنتين و ستين و ثلاثمائة و ملك الديار المصرية بلا ضربٍ و لا طعنٍ . و في سنة اثنتين و ستين و ثلاثمائة سار الدمستق إلى آمد و بها هزارمرد غلام أبي الهيجاء بن حمدان . فكتب إلى أبي تغلب يستصرخه و يستنجده . فسير إليه أخاه هبة الله بن ناصر الدولة فاجتمعا على حرب الدمستق و سارا إليه فالتقياه سلخ رمضان و كان الدمستق في كثرة و لقياه في مضيق لا تجول فيه الخيل . و الروم على غير أهبة الحرب فانهزموا . و أخذ المسلمون الدمستق أسيراً و لم يزل محبوساً إلى أن مرض سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة فبالغ أبو تغلب في علاجه و جمع الأطباء فلم ينفعه ذلك و مات . و في سنة ثلاث و ستين في منتصف ذي القعدة خلع المطيع نفسه من الخلافة و سلمها إلى ولده الطائع لله فكانت مدة خلافته تسعاً و عشرين سنة و خمسة أشهر .يته و جميع ما كان له في قصره من الأموال و الأمتعة حتى ان الدنانير سبكت و جعلت كهيئة الطواحين و حمل كل طاحونتين على جمل ثم سار حتى وصل إلى الإسكندرية . و أتاه أهل مصر و أعيانها فلقيهم و أكرمهم و أحسن إليهم و سار فدخل القاهرة خامس شهر رمضان سنة اثنتين و ستين و ثلاثمائة و ملك الديار المصرية بلا ضربٍ و لا طعنٍ . و في سنة اثنتين و ستين و ثلاثمائة سار الدمستق إلى آمد و بها هزارمرد غلام أبي الهيجاء بن حمدان . فكتب إلى أبي تغلب يستصرخه و يستنجده . فسير إليه أخاه هبة الله بن ناصر الدولة فاجتمعا على حرب الدمستق و سارا إليه فالتقياه سلخ رمضان و كان الدمستق في كثرة و لقياه في مضيق لا تجول فيه الخيل . و الروم على غير أهبة الحرب فانهزموا . و أخذ المسلمون الدمستق أسيراً و لم يزل محبوساً إلى أن مرض سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة فبالغ أبو تغلب في علاجه و جمع الأطباء فلم ينفعه ذلك و مات . و في سنة ثلاث و ستين في منتصف ذي القعدة خلع المطيع نفسه من الخلافة و سلمها إلى ولده الطائع لله فكانت مدة خلافته تسعاً و عشرين سنة و خمسة أشهر .&lt;br/&gt; و في سنة تسعٍ و ثلاثين و ثلاثمائة توفي محمد بن محمد بن طرخان أبو نصر الفارابي بمدينة دمشق . و فاراب هي إحدى مدن الترك فيما وراء النهر . و دخل أبو نصر العراق و استوطن بغداد و قرأ بها العلم الحكمي على يوحنا بن حيلان المتوفي في أيام المقتدر و استفاد منه و برز في ذلك على أقرانه و أربى عليهم في التحقيق و أظهر الغوامض المنطقية و كشف سرها و قرب متناولها و جمع ما يحتاج إليه منها في كتبٍصحيحة العبارة لطيفة الإشارة منبهةٍ على ما أغفله الكندي و غيره من صناعة التحليل و أنحاء التعاليم فجاءت كتبه المنطقية و الطبيغية و الإلهية و السياسية الغاية الكافية و النهاية الفاضلة . و كان أبو نصر الفارابي معاصراً لأبي بشر متى بن يونس إلا أنه كان دونه في السن و فوقه في العلم . و قدم أبو نصر الفارابي على سيف الدولة أبي الحسن علي بن أبي الهيجاء بن حمدان إلى حلب و أقام في كنفه مدة بزي أهل التصوف و قدمه سيف الدولة و أكرمه و عرف موضعه من العلم و منزلته من الفهم و رحل في صحبته إلى دمشق فأدركه أجله بها .&lt;br/&gt;وكان في أيام المطيع لله و في إمارة الأقطع معز الدولة أحمد بن بويه ثابت بن سنان ابن ثابت بن قرة و كان بارعاً في الطب عالماً بأصوله فكاكاً للمشكلات من الكتب . و كان يتولى تدبير البيمارستان ببغداد في وقته . و عمل ثابت هذا كتاب التاريخ المشهور في الآفاق الذي ما كتب كتاب في التاريخ أكثر مما كتبه و هو من سنة نيف و تسعين و مائتين إلى حين وفاته في شهور سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة . و عليه ذيل ابن أخته هلال و لولاهما لجهل شيءٌ كثيرٌ من التاريخ في المدتين . و في هذا الزمان اشتهر يحيى بن عدي بن حميد ابن زكريا التكريتي المنطقي نزيل بغداد . إليه انتهت رئاسة أهل المنطق في زمانه . قرأ على أبي نصر الفارابي . و كان نصرانياً يعقوبي النحلة و كان ملازماً للنسخ بيده كتب كثيراً من الكتب و كان يكتب خطاً قاعداً بيناً في اليوم و الليلة مائة ورقة و أكثر . و له تصانيف و تفاسير و نقول عدة . و مات ثالث عشر آب سنة ألف و مائتين و خمس و ثمانين للإسكندر و دفن في بيعة القطيعة ببغداد و كان عمره إحدى و ثمانين سنة شمسية .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;“ الطائع بن المطيع “&lt;br/&gt; و اسمه أبو الفضل عبد الكريم وسبب خلافته أن أباه المطيع لحقه فالج ثقل لسانه منه و تعذرت الحركة عليه و هو يستر ذلك . فانكشف حاله لسبكتكين فدعاه إلى أن يخلع نفسه و يسلم الخلافة إلى ولده الطائع لله ففعل ذلك في سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة . و فيها خطب للمعز لدين الله العلوي صاحب مصر بمكة و المدينة في الموسم . و فيها وصل عضد الدولة و استولى على العراق و قبض على بختيار ثم عاد فأخرجه و عاد بختيار إلى مكة كما كان أمير الأمراء . و في سنة خمس و ستين و ثلاثمائة مات المعز العلوي بمصر و هو أول الخلفاء العلويين ملك مصر و استخلف عليها ابنه العزيز . و في سنة ست و ستين و ثلاثمائة في المحرم توفي ركن الدولة أبو علي الحسن بن بويه و استخلف على ممالكه ابنه عضد الدولة . و فيها مات منصور بن نوح صاحب خراسان ببخارا و ولي الأمر بعده ابنه نوح . و في سنة سبع و ستين سار عضد الدولة إلى بغداد و أرسل إلى بختيار يدعو إلى طاعته و أن يسير عن العراق إلى أي جهةٍ أراد إلا الموصل . فخرج بختيار عن بغداد عازماً على قصد الشام . و دخل عضد الدولة بغداد و خطب له فيها بخلاف العادة و ضرب على بابه ثلث نوب و لم تجر بذلك عادة من تقدمه . و أما بختيار لما سار عن بغداد إلى الحديثة أتاه أبو تغلب في عشرين ألف مقاتل و وسارا جميعاً نحو العراق . فبلغ ذلك عضد الدولة فسار عن بغداد نحوهما . فالتقوا بنواحي تكريت فهزمهما وأسر بختيار و قتله . و سار نحو الموصل و استولى على ملك بني حمدان . و سار أبو تغلب ابن ناصر الدولة بن حمدان إلى الشام فوصل إلى دمشق و قتل بها .و في سنة تسع و ستين و ثلاثمائة راسل عضد الدولة أخويه فخر الدولة و مؤيد الدولة يدعوهما إلى طاعته و موافقته . أما مؤيد الدولة فأجاب راغباً و أما فخر الدولة فأجاب جواب المناظر المناوي فنقم عليه عضد الدولة ذلك و سار نحو همذان و بها فخر الدولة فخافه ذاكراً قتل ابن عمه بختيار فخرج هارباً و قصد جرجان فنزل على شمس المعالي قابوس بن وشمكير و التجأ إليه فأمنه و آواه و حمل إليه فوق ما حدثته به نفسه . و في هذه السفرة حدث لعضد الدولة صرع و كان هذا قد أخذه بالموصل فكتمه و صار كثير النسيان لا يذكر الشيء إلا بعد جهدٍ و كتم ذلك أيضاً . و هذا دأب الدنيا لا تصفو لأحد . و فيها شرع عضد الدولة في عمارة بغداد و كانت قد خربت بتوالي الفتن فيها و عمر مساجدها و أسواقها و أدر الأموال على الأئمة و العلماء و القراء و الغرباء و الضعفاء الذين يأوون إلى المساجد . و جدد ما دثر من الأنهار و أعاد حفرها و تسويتها . و فيها تجددت وصلة بين الطائع لله و بين عضد الدولة فتزوج الطائع ابنته و كان غرض عضد الدولة أن تلد ابنته ولداً ذكراً فيجعله و لي عهده فتكون الخلافة في ولدٍ لهم فيه نسب و كان الصداق مائة ألف دينار . و فيها كانت فتنة عظيمة بين عامة شيراز من المسلمين و المجوس و نهبت فيها دور المجوس و ضربوا و قتل منهم جماعة فسير إليهم عضد الدولة من جمع له كل من له في ذلك أثر و ضربهم و بالغ في تأديبهم و زجرهم . و في سنة إحدى و سبعين و ثلاثمائة فتح البيمارستان العضدي غربي بغداد و نقل إليه جميع ما يحتاج إليه من الأدوية . و فيها أرسل عضد الدولة القاضي أبا بكر المعروف بابن الباقلاني رسولاً إلى ملك الروم فلما وصل قيل له ليقبل الأرض بين يديه فامتنع . فعمل الملك باباً صغيراً ليدخل منه القاضي منحنياً . فلما رأى القاضي الباب علم ذلك فاستدبره ودخل منه . فلما دخل و جازه استقبل الملك قائماً . و في سنة اثنتين و سبعين و ثلاثمائة اشتد الصرع الذي كان يعتاده عضد الدولة فخنقه فمات منه ثامن شوال ببغداد . و كانت ولايته بالعراق خمس سنين و نصفاً . ووجلس ابنه صمصام الدولة أبو كاليجار للعزاء فأتاه الطائع لله معزياً . و كان عمر عضد الدولة سبعاً وأربعين سنة . و كان قد سير ولده شرف الدولة أبا الفوارس إلى كرمان مالكاً لها . و كان عضد الدولة عاقلاً فاضلاً حسن السياسة كثير الإصابة شديد الهيبة بعيد الهمة ثاقب الرأي محباً للفضائل و أهلها باذلاً في مواطن العطاء و مانعاً في أماكن الحرم ناظراً في عواقب الأمور . و لما توفي عضد الدولة ولي الأمر بعده ولده صمصام الدولة أبو كاليجار و خلع على أخويه أبي الحسين أحمد و أبي طاهر فيروزشاه فأقطعهما&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;ان أخوهم الآخر شرف الدولة بكرمان فسبقهما إلى شيراز فملكها . و في سنة ثلاث و سبعين و ثلاثمائة مات مؤيد الدولة بجرجان و كانت علته الخوانيق . و عاد فخر الدولة أخوه إلى مملكته و اتفق مع صمصام الدولة و صارا يداً واحدةً . و فيها دخل باد الكردي الحميدي إلى الموصل و استولى عليها و قويت شوكته و حدث نفسه بالتغلب على بغداد و إزالة الديلم عنها . فخافه صمصام الدولة و أهمه أمره و شغله عن غيره و جمع العساكر فساروا إلى باد فخرج إليهم و لقيهم في صفر سنة أربع و سبعين فأجلت الوقعة عن هزيمة باد و أصحابه و ملك الديلم الموصل . و في سنة سبع و سبعين سار شرف الدولة أبو الفوارس بن عضد الدولة من الأهواز إلى واسط فملكها . فخافه أخوه صمصام الدولة و سار في طيار إليه في خواصه فلقيه و طيب قلبه فلما خرج من عنده قبض عليه و سار فوصل إلى بغداد في شهر رمضان و أخوه صمصام الدولة معه تحت الاعتقال و كانت إمارته بالعراق أربع سنين . و في سنة تسع و سبعين و ثلاثمائة اعتل شرف الدولة فلما اشتدت علته قيل له : الدولة مع صمصام الدولة على خطر فإن لم تقتله فأسمله . فسمله و حبسه مع أخيه طاهر في بعض القلاع التي بفارس . و فيها في مستهل جمادى الآخرة مات الملك شرف الدولة أبو الفوارس شيرزيل بن عضد الدولة مستسقياً و كانت إمارته بالعراق سنتين و ثمانية أشهر و كان عمره ثمانياً و عشرين سنة . و ولي الأمر بعده أخوه بهاء الدولة أبو نصر . و أما ابنه أبو علي فكان سيره إلى بلاد فارس و أصحبه الخزائن و العدد و جماعة كثيرة من الأتراك . ثم أن المرتبين في القلعة التي فيها صمصام الدولة و أخوه أبو طاهر لما بلغهم الخبر بموت شرف الدولة أطلقوهما و معهما فولاذ فساروا إلى شيراز و اجتمع على صمصام الدولة و هو أعمى كثير من الديلم و استولى على فارس و ملكها . و أما أبو علي بن شرف الدولة فأرسل إليه عمه بهاء الدولة و طيب قلبه و وعده فسار إليه فقبض عليه ثم قتله بعد ذلك بيسير . و فيها ملك أبو طاهر إبراهيم و أبو عبد الله الحسين ابنا ناصر الدولة بن حمدان الموصل . و في سنة ثمانين و ثلاثمائة جمع باد الأكراد و سار نحو الموصل فخرج إليه أبو طاهر و الحسين ابنا ناصر الدولة بن حمدان فناوشاه القتال . و أراد بادٌ الانتقال من فرسٍ إلى آخر فسقط فأراده أصحابه على الركوب فلم يقدروا فتركوه و انصرفوا فعرفه بعض العرب فقتله و صلبت جثته على دار الإمارة فثار العامة و قالوا : رجل غاز و لا يحل فعل هذا به فأنزلوه و كفنوه و صلوا عليه و دفنوه و ظهر منهم محبةٌ كثيرةٌ له . و لما قتل باد الكردي سار ابن أخته أبو علي بن مروان في طائفةٍ من الجيش إلى حصن كيفا و هو على دجلة فملكه و نزل فقصد حصناً حصناً حتى ملك ما كان لخاله . و بعد مدةٍ يسيرةٍ قتل بآمد قتله إنسانٌ يقال له ابن دمنة وقف له في الدركاه و ضربه بالسكين في مقاتله . و ملك ميافارقين بعده أخوه ممهد الدولة بن مروان و استولى على آمد عبد البر شيخ البلد و زوج ابن دمنة قاتل أبي علي ابنته . فعمل له ابن دمنة دعوة و قتله و ملك آمد و عمر البلد و أصلح أمره مع ممهد الدولة و هادى ملك الروم و صاحب مصر و غيرهما من الملوك و انتشر ذكره . و في سنة إحدى و ثمانين و ثلاثمائة قبض بهاء الدولة على الطائع بن المطيع . و حمل إلى دار بهاء الدولة فحبس بها و أشهد عليه بالخلع و أخذ بهاء الدولة ما في دار الخلافة من الذخائر فمشى به الحال و كانت مدة خلافة الطائع سبع عشرة سنة و ثمانية أشهر و لم يكن له من الحكم في ولايته ما يعرف به حال يستدل به على سيرته .رس . و كان أخوهم الآخر شرف الدولة بكرمان فسبقهما إلى شيراز فملكها . و في سنة ثلاث و سبعين و ثلاثمائة مات مؤيد الدولة بجرجان و كانت علته الخوانيق . و عاد فخر الدولة أخوه إلى مملكته و اتفق مع صمصام الدولة و صارا يداً واحدةً . و فيها دخل باد الكردي الحميدي إلى الموصل و استولى عليها و قويت شوكته و حدث نفسه بالتغلب على بغداد و إزالة الديلم عنها . فخافه صمصام الدولة و أهمه أمره و شغله عن غيره و جمع العساكر فساروا إلى باد فخرج إليهم و لقيهم في صفر سنة أربع و سبعين فأجلت الوقعة عن هزيمة باد و أصحابه و ملك الديلم الموصل . و في سنة سبع و سبعين سار شرف الدولة أبو الفوارس بن عضد الدولة من الأهواز إلى واسط فملكها . فخافه أخوه صمصام الدولة و سار في طيار إليه في خواصه فلقيه و طيب قلبه فلما خرج من عنده قبض عليه و سار فوصل إلى بغداد في شهر رمضان و أخوه صمصام الدولة معه تحت الاعتقال و كانت إمارته بالعراق أربع سنين . و في سنة تسع و سبعين و ثلاثمائة اعتل شرف الدولة فلما اشتدت علته قيل له : الدولة مع صمصام الدولة على خطر فإن لم تقتله فأسمله . فسمله و حبسه مع أخيه طاهر في بعض القلاع التي بفارس . و فيها في مستهل جمادى الآخرة مات الملك شرف الدولة أبو الفوارس شيرزيل بن عضد الدولة مستسقياً و كانت إمارته بالعراق سنتين و ثمانية أشهر و كان عمره ثمانياً و عشرين سنة . و ولي الأمر بعده أخوه بهاء الدولة أبو نصر . و أما ابنه أبو علي فكان سيره إلى بلاد فارس و أصحبه الخزائن و العدد و جماعة كثيرة من الأتراك . ثم أن المرتبين في القلعة التي فيها صمصام الدولة و أخوه أبو طاهر لما بلغهم الخبر بموت شرف الدولة أطلقوهما و معهما فولاذ فساروا إلى شيراز و اجتمع على صمصام الدولة و هو أعمى كثير من الديلم و استولى على فارس و ملكها . و أما أبو علي بن شرف الدولة فأرسل إليه عمه بهاء الدولة و طيب قلبه و وعده فسار إليه فقبض عليه ثم قتله بعد ذلك بيسير . و فيها ملك أبو طاهر إبراهيم و أبو عبد الله الحسين ابنا ناصر الدولة بن حمدان الموصل . و في سنة ثمانين و ثلاثمائة جمع باد الأكراد و سار نحو الموصل فخرج إليه أبو طاهر و الحسين ابنا ناصر الدولة بن حمدان فناوشاه القتال . و أراد بادٌ الانتقال من فرسٍ إلى آخر فسقط فأراده أصحابه على الركوب فلم يقدروا فتركوه و انصرفوا فعرفه بعض العرب فقتله و صلبت جثته على دار الإمارة فثار العامة و قالوا : رجل غاز و لا يحل فعل هذا به فأنزلوه و كفنوه و صلوا عليه و دفنوه و ظهر منهم محبةٌ كثيرةٌ له . و لما قتل باد الكردي سار ابن أخته أبو علي بن مروان في طائفةٍ من الجيش إلى حصن كيفا و هو على دجلة فملكه و نزل فقصد حصناً حصناً حتى ملك ما كان لخاله . و بعد مدةٍ يسيرةٍ قتل بآمد قتله إنسانٌ يقال له ابن دمنة وقف له في الدركاه و ضربه بالسكين في مقاتله . و ملك ميافارقين بعده أخوه ممهد الدولة بن مروان و استولى على آمد عبد البر شيخ البلد و زوج ابن دمنة قاتل أبي علي ابنته . فعمل له ابن دمنة دعوة و قتله و ملك آمد و عمر البلد و أصلح أمره مع ممهد الدولة و هادى ملك الروم و صاحب مصر و غيرهما من الملوك و انتشر ذكره . و في سنة إحدى و ثمانين و ثلاثمائة قبض بهاء الدولة على الطائع بن المطيع . و حمل إلى دار بهاء الدولة فحبس بها و أشهد عليه بالخلع و أخذ بهاء الدولة ما في دار الخلافة من الذخائر فمشى به الحال و كانت مدة خلافة الطائع سبع عشرة سنة و ثمانية أشهر و لم يكن له من الحكم في ولايته ما يعرف به حال يستدل به على سيرته .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;في سنة تسع و ستين و ثلاثمائة توفي ثابت بن إبراهيم بن زهرون الحراني الصابىء ببغداد و كان طبيباً حاذقاً مصيباً . حكى عنه أبو الفرج ابن أبي الحسن بن سنان قال : كنت و إبراهيم الحراني يوماً في دار أبي محمد المهلبي الوزير فتقدم أبو عبد الله بن الحجاج الشاعر إلى الحراني فأعطاه مجسه . فقال له : قلت لك غلظ غذاك و أظنك أسرفت و ذلك حتى أكلت مضيرة بلحم عجل . فقال : كذلك و الله كان . و عجب هو و الجماعة منه . و مد إليه أبو العباسالمنجم يده فأخذ مجسه فقال : فأنت يا سيدي أسرفت في التبريد أيضاً و أظنك قد أكلت إحدى عشرة رمانة . فقال أبو العباس المنجم : هذه نبوة لا طب . و زاد الهجب و التفاوض في ذلك . و كنت أنا أيضاً أكثرهم استطرافاً و تعجباً . فلما خرجنا قلت له : يا سيدي أبا الحسن صناعة الطب معروفة بيننا لا يخفى عني شيء منها فبين لي من أين ذلك النص على أن المضيرة كانت بلحم عجل لا بقرة و لا ثور و من أين لك الدليل على أن عدد الرمان إحدى عشرة . فقال : هو شيءٌ يخطر ببالي فينطق به لساني . فقلت : صدقتني و الله إذاً أرني مولدك . و جئت معه إلى الدار و نظرت في مولده فرأيت سهم الغيب في درجة الطالع مع درجة المشتري و سهم السعادة فقلت له : يا عزيزي هذا يتكلم لا أنت و كلما تصيب في الطب من مثل هذا الحدس و القول فهذا سببه و أصله .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وحكي أن عضد الدولة فناخسرو شاهنشاه بن بويه كان إذا افتخر بالعلم و المعلمين يقول : معلمي في الكواكب الثابتة و أماكنها عبد الرحمن الصوفي و في حل الزيج الشريف ابن الأعلم و في النحو أبو علي الفارسي . و كان عبد الرحمن بن عمر بن سهل أبو الحسين الصوفي الرازي فاضلاً نبيهاً و من تصانيفه كتاب الصور السمائية مصور و الأرجوزة و كتاب مطارح الشعاعات . و توفي في سنة ست و سبعين و ثلاثمائة و كان عمره خمساً و ثمانين سنة . و أما ابن الأعلم فاسمه علي بن الحسين رجل علوي شريف عالم بعلم الهيئة و صناعة التسيير مذكور مشهور في وقته و كان قد تقدم عند عضد الدولة . و لما توفي عضد الدولة نقصت حاله و تأخر أمره عند صمصام الدولة ابنه فانقطع عنهم و أقام منقطعاً و حج في شهور سنة أربع و سبعين و ثلاثمائة و في عودته مات بمنزلةٍ تعرف بالعسيلة . و كان في هذه المدة جماعة صالحة من مشاهير الحكماء منهم التميمي المقدسي الطبيب كان بمصر في حدود سبعين و ثلاثمائة أحكم ما علمه من علم الطب غاية الأحكام و كان له غرام و عناية تامة في تركيب الأدوية و عنده غوصٌ و استغراقٌ في طلب غوامض هذا النوع و كان منصفاً في مذاكراته غير راد على أحد إلا بطريق الحقيقة . و منهم علي بن العباس المجوسي فاضل كامل فارسي الأصل يعرف بأبي ماهر و طالع هو و اجتهد و صنف للملك عضد الدولة بن بويه كتابه المسمى بالملكي و هو كتاب جليل و كناش نبيل مال الناس إليه في وقته و لزموا درسه إلى أن ظهر كتاب القانون لابن سينا فمالوا إليه و تركوا الملكي بعض الترك . و الملكي في العمل أبلغ و القانون في العلم أثبت . و منهم نظيف القس الرومي كان طبيباً عالماً بالنقل من اليوناني إلى العربي و لم يكن سعيد المباشرة و لا منجح المعالجة و كان الناس يتطيرون به و يولعون به إذا دخل إلى مريض حتى أنه حكى في بعض أوقاته أن عضد الدولة أنفذه إلى بعض القواد ليعوده في مرض كان عرض له . فلما خرج من عند القائد استدعى القائد ثقته و أنفذه إلى حاجب عضد الدولة يستعلم منه نية الملك فيه . و يقول : إن كان ثم تغير نية فليأخذ له الإذن في الانصراف و البعد فقد قلق لما جرى . و سأله الحاجب عن السبب . فقال : ما أعرف أكثر من أنه جاء نظيف الطبيب و قال له : مولانا الملك أنفذني لعيادتك . فمضى الحاجب و أعاد بحضرة عضد الدولة هذا القول . فضحك و أمره بإعلامه حسن نية الملك فيه و حملت إليه خلع سنية سكنت نفسه بها . و منهم عبيد الله بن الحسن أبو القاسم المعروف بغلام زحل المنجم مقيم ببغداد من أفاضل الحساب و المنجمين أصحاب الحجج و البراهين و له يدٌ طولى فيما يعانيه من هذا الشأن . ذكر أنه اجتمع يوماً عند أبي سليمان المنطقي جماعةٌ من سادة علماء الأوائل و أخذوا في المذاكرة فذكروا في علم النجامة و قالوا : هي من العلوم التي لا تجدي فائدة و لا يصح لها حكم . فأطالوا القول في ذلك . فقال بعضهم : أيها القوم اختصروا الكلام و قربوا البغية هل تصح الأحكام . فقال غلام زحل : عن هذا جواب يستثبت على كل وجه . فقيل : لم بين . قال لأن صحتها و بطلانها يتعلقان بآثار الفلك و قد يقتضي شكل الفلك في زمان أن لا يصح منها شيء و إن غيص على دقائقها و بلغ إلى أعماقها . و قد يزول ذلك الشكل فيجيء زمان لا يبطل منها شيء فيه و إن قورب في الاستدلال . و قد يتحول هذا الشكل في وقتٍ آخر إلى أن يكثر الصواب فيها و الخطأ . و متى وقف الأمر على هذا الحد فلا يثبت على قولٍ قضاء و لا يوثق بجواب . فقال أبو سليمان المنطقي : هذا أحسن ما يمكن أن يقال في هذا الباب . و منهم مسكويه أبو علي الخازن من كبار فضلاء العجم و أجلاء فارس له مشاركةٌ حسنةٌ في العلوم الأدبية و العلوم القديمة كان خازناً للملك عضد الدولة بن بويه مأموناً لديه أثيراً عنده . و له تصانيف في العلوم و مناظرات و محاضرات . و قال أبو علي بن سينا في بعض كتبه و قد ذكر مسألة فقال : و هذه المسألة حاضرت بها أبا علي مسكويه فاستعادها كرات و كان عسر الفهم فتركه و لم يفهمها على الوجه . و عاش زماناً طويلاً إلى أن قارب سنة عشرين و أربعمائة . و حكي أن عضد الدولة لما قدم إلى بغداد قيل له عن أبي الفضل جعفر بن المكتفي بالله أنه من أولاد الخلفاء و أنه فاضل كبير القدر عالم بعلومٍ متعددةٍ من علوم الأوائل متحقق بذلك أتم تحقيق . فاشتاقت نفسه إليه فسير إليه سراً و كان يجتمع به خفية و يأتيه في خفٍ و إزار فإذا حصل في داره أقعده في موضعٍ خالٍ بغير إزار . فإذا خلا عضد الدولة استدعاه فإذا شاهده تطاول له في القيام و أكرمه و خلا به و سأله عن فنه في علم أحكام النجوم و أخبار الحدثان فيخبره من ذلك بما يعجب منه و لا يبعد وقوعه . و توفي جعفر هذا سنة سبعٍ و سبعين و ثلاثمائة . و من جملة من اختص بشرف الدولة بن عضد الدولة من الحكماء أحمد بن محمد الصاغاني أبو حامد كان فاضلاً في الهندسة و علم الهيئة و كان ببغداد يحكم الآلات الرصدية غاية الإحكام . و لما بنى شرف الدولة بيت الرصد في طرف بستان دار المملكة و تقدم برصد الكواكب السبعة و اعتمد في ذلك على ويجن الكوهي و رصد و كتب مختصرين بصورة الرصد كان ممن شاهد ذلك و كتب خطه بتصحيح نزول الشمس في برجين أحمد بن محمد المنطقي الصاغاني . و مات أحمد هذا سنة تسعٍ و سبعين و ثلاثمائة ببغداد . وأما ويجن بن وشم أبو سهل الكوهي فكان حسن المعرفة بالهندسة و علم الهيئة متقدماً فيهما إلى الغاية المتناهية . و كان رصده لحلول الشمس برجي السرطان و الميزان سنة ألفٍ و مائتين و تسعٍ و تسعين للإسكندر . و كان من جملة من حضر هذين الرصدين من العلماء إبراهيم بن هلال بن إبراهيم بن زهرون الصابىء صاحب الرسائل أصل سلفه من حران و نشأ ببغداد و تأدب بها و كان بليغاً في صناعتي النظم و النثر و له يد طولى في علم الرياضة و خصوصاً في الهندسة و الهيئة و له فيهما مصنفات . و ديوان رسائله مجموه . و خدم ملوك العراق من بني بويه و اختلفت به الأيام ما بين رفع و وضع و تقديم و تأخير و اعتقال و إطلاق .و توفي سنة أربع و ثمانين و ثلاثمائة . قال أبو حيان التوحيدي : سألني وزير صمصام الدولة بن عضد الدولة عن زيد بن رفاعة في حدود سنة ثلاث و سبعين و ثلاثمائة و قال : لا أزال أسمع من زيد بن رفاعة قولاً يريبني و مذهباً لا عهد لي به . و قد بلغني أنك تغشاه و تجلس إليه و تكثر عنده . و من طالت عشرته لإنسان أمكن اطلاعه على مستكن رأيه . فقلت : أيها الوزير هناك ذكاء غالب و ذهن وقاد . قال : فعلى هذا ما مذهبه . قلت : لا ينسب إلى شيء لكنه قد أقام بالبصرة زماناً طويلاً و صادف بها جماعة لأصناف العلم فصحبهم و خدمهم و كانت هذه العصابة قد تألفت بالعشرة و تصافت بالصداقة و اجتمعت على القدس و الطهارة و النصيحة فوضعوا بينهم مذهباً زعموا أنهم قربوا به الطريق إلى الفوز برضوان الله و ذلك أنهم قالوا : إن الشريعة قد تدنست بالجهالات و اختلطت بالضلالات و لا سبيل إلى غسلها و تطهيرها إلا بالفلسفة و زعموا أنه متى انتظمت الفلسفة اليونانية و الشريعة العربية فقد حصل الكمال و صنفوا خمسين رسالة في خمسين نوعاً من الحكمة و مقالة حادية و خمسين جامعة لأنواع المقالات على طريق الاختصار و الإيجاز و سموها رسائل إخوان الصفا و كتموا فيها أسماءهم و بثوها في الوراقين و وهبوها للناس و حشوا هذه الرسائل بالكلمات الدينية و الأمثال الشرعية و الحروف المجتمعة و الطرق المموهة و هي مبثوثة من كل فنٍ بلا إشباع و لا كفاية و فيها خرافات و كنايات و تلفيقات و تلزيقات فتعبوا و ما أغنوا و غنوا و ما أطربوا و نسجوا فهلهلوا و مشطوا ففلفلوا و بالجملة فهي مقالات مشوقات غير مستقصاة و لا ظاهرة الأدلة و الاحتجاج . و لما كتم مصنفوها أسماءهم اختلف الناس في الذي وضعها فكل قوم قالوا قولاً بطريق الحدس و التخمين . فقوم قالوا : هي من كلام بعض الأئمة العلويين . و قال آخرون : هي تصنيف بعض متكلمي المعتزلة في العصر الأول .ه إليه فسير إليه سراً و كان يجتمع به خفية و يأتيه في خفٍ و إزار فإذا حصل في داره أقعده في موضعٍ خالٍ بغير إزار . فإذا خلا عضد الدولة استدعاه فإذا شاهده تطاول له في القيام و أكرمه و خلا به و سأله عن فنه في علم أحكام النجوم و أخبار الحدثان فيخبره من ذلك بما يعجب منه و لا يبعد وقوعه . و توفي جعفر هذا سنة سبعٍ و سبعين و ثلاثمائة . و من جملة من اختص بشرف الدولة بن عضد الدولة من الحكماء أحمد بن محمد الصاغاني أبو حامد كان فاضلاً في الهندسة و علم الهيئة و كان ببغداد يحكم الآلات الرصدية غاية الإحكام . و لما بنى شرف الدولة بيت الرصد في طرف بستان دار المملكة و تقدم برصد الكواكب السبعة و اعتمد في ذلك على ويجن الكوهي و رصد و كتب مختصرين بصورة الرصد كان ممن شاهد ذلك و كتب خطه بتصحيح نزول الشمس في برجين أحمد بن محمد المنطقي الصاغاني . و مات أحمد هذا سنة تسعٍ و سبعين و ثلاثمائة ببغداد . وأما ويجن بن وشم أبو سهل الكوهي فكان حسن المعرفة بالهندسة و علم الهيئة متقدماً فيهما إلى الغاية المتناهية . و كان رصده لحلول الشمس برجي السرطان و الميزان سنة ألفٍ و مائتين و تسعٍ و تسعين للإسكندر . و كان من جملة من حضر هذين الرصدين من العلماء إبراهيم بن هلال بن إبراهيم بن زهرون الصابىء صاحب الرسائل أصل سلفه من حران و نشأ ببغداد و تأدب بها و كان بليغاً في صناعتي النظم و النثر و له يد طولى في علم الرياضة و خصوصاً في الهندسة و الهيئة و له فيهما مصنفات . و ديوان رسائله مجموه . و خدم ملوك العراق من بني بويه و اختلفت به الأيام ما بين رفع و وضع و تقديم و تأخير و اعتقال و إطلاق .و توفي سنة أربع و ثمانين و ثلاثمائة . قال أبو حيان التوحيدي : سألني وزير صمصام الدولة بن عضد الدولة عن زيد بن رفاعة في حدود سنة ثلاث و سبعين و ثلاثمائة و قال : لا أزال أسمع من زيد بن رفاعة قولاً يريبني و مذهباً لا عهد لي به . و قد بلغني أنك تغشاه و تجلس إليه و تكثر عنده . و من طالت عشرته لإنسان أمكن اطلاعه على مستكن رأيه . فقلت : أيها الوزير هناك ذكاء غالب و ذهن وقاد . قال : فعلى هذا ما مذهبه . قلت : لا ينسب إلى شيء لكنه قد أقام بالبصرة زماناً طويلاً و صادف بها جماعة لأصناف العلم فصحبهم و خدمهم و كانت هذه العصابة قد تألفت بالعشرة و تصافت بالصداقة و اجتمعت على القدس و الطهارة و النصيحة فوضعوا بينهم مذهباً زعموا أنهم قربوا به الطريق إلى الفوز برضوان الله و ذلك أنهم قالوا : إن الشريعة قد تدنست بالجهالات و اختلطت بالضلالات و لا سبيل إلى غسلها و تطهيرها إلا بالفلسفة و زعموا أنه متى انتظمت الفلسفة اليونانية و الشريعة العربية فقد حصل الكمال و صنفوا خمسين رسالة في خمسين نوعاً من الحكمة و مقالة حادية و خمسين جامعة لأنواع المقالات على طريق الاختصار و الإيجاز و سموها رسائل إخوان الصفا و كتموا فيها أسماءهم و بثوها في الوراقين و وهبوها للناس و حشوا هذه الرسائل بالكلمات الدينية و الأمثال الشرعية و الحروف المجتمعة و الطرق المموهة و هي مبثوثة من كل فنٍ بلا إشباع و لا كفاية و فيها خرافات و كنايات و تلفيقات و تلزيقات فتعبوا و ما أغنوا و غنوا و ما أطربوا و نسجوا فهلهلوا و مشطوا ففلفلوا و بالجملة فهي مقالات مشوقات غير مستقصاة و لا ظاهرة الأدلة و الاحتجاج . و لما كتم مصنفوها أسماءهم اختلف الناس في الذي وضعها فكل قوم قالوا قولاً بطريق الحدس و التخمين . فقوم قالوا : هي من كلام بعض الأئمة العلويين . و قال آخرون : هي تصنيف بعض متكلمي المعتزلة في العصر الأول .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&amp;quot; القادر بن اسحق بن المقتدر &amp;quot;&lt;br/&gt; لما قبض الطائع ذكر بهاء الدولة من يصلح للخلافة و اتفقوا على القادر بالله أبي العباس أحمد بن اسحق المقتدر و كان بالبطيحة . و لما وصل الرسل إليه كان تلك الساعة يحكي مناماً رآه تلك الليلة يدل على خلافته . فبويع له يوم حادي عشر من شهر رمضان سنة إحدى و ثمانين و ثلاثمائة . و فيها مات سعد الدولة ابن سيف الدولة بن حمدان صاحب حلب بالقولنج و ولي بعده ابنه أبو الفضائل و وصى إلى لؤلؤة به و بسائر أهله . و في سنة اثنتين و ثمانين و ثلاثمائة نزل ملك الروم بإرمينية وحصر خلاط و ملازكرد و أرجيش فضعفت نفوس الناس عنه ثم هادنه أبو علي الحسن ابن مروان مدة عشر سنين و عاد ملك الروم . و في سنة ست و ثمانين و ثلاثمائة توفي العزيز العلوي صاحب مصر و عمره اثنتان و أربعون سنة و ثمانية أشهر بمدينة بلبيس و ولي بعده ابنه أبو علي المنصور و لقب الحاكم بأمر الله . و كان العزيز يحب العفو و يستعمله فمن حلمه أنه كان بمصر شاعر كثير الهجاء فهجا يعقوب بن كلس الوزير و أبا نصر كاتب الإنشاء فقال : قل لأبي نصر كاتب القصر  . . . و المتأني انقض ذا الأمر انقض عرى الملك للوزير تفز  . . . منه بحسن الثنا و الذكر و أعط و أمنع و لا تخف أحداً  . . . فصاحب القصر ليس بالقصر و ليس يدري ماذا يراد به  . . . و هو إذا ما درى فما يدري&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; فشكاه الوزير إلى العزيز و أنشده الشعر . فقال له : هذا شيءٌ اشتركنا في الهجاء به فشاركني في العفو عنه . و في سنة سبعٍ و ثمانين و ثلاثمائة توفي الأمير نوح بن منصور صاحب بخارا و ولي الأمر بعده ابنه منصور . و فيها مات سبكتكين و ملك بعده اسماعيل . ثم أرسل إليه و هو بغزنة أخوه يمين الدولة محمود من نيسابور يعرفه أن أباه إنما عهد إليه لبعده عنه و يذكره ما يتعين من تقديم الكبير . فلم يجبه إلى ذلك . فسار إليه و قاتله و قبض عليه ثم أعلى منزلته و شركه في الملك . و فيها مات فخر الدولة ابن ركن الدولة بن بويه و قام بملكه بعده ولده مجد الدولة أبو طالب رستم و عمره أربع سنين و كان المرجع إلى أمه في تدبير الملك و عن رأيها يصدرون . و فيها توفي مأمون ابن محمد صاحب خوارزم و ولي الأمر بعده ولده علي . و في سنة إحدى و أربعمائة خطب قرواش بن المقلد أمير بني عقيل للحاكم العلوي صاحب مصر بأعماله كلها و هي الموصل و الأنبار و المدائن و الكوفة و غيرها . و في سنة ثلاث و أربعمائة قتل شمس المعالي قابوس بن وشمكير و كان سبب قتله أنه كان مع كثرة فضائله و مناقبه عظيم السياسة شديد الأخذ قليل العفو يقتل على الذنب اليسير . فضجر أصحابه منه و مضوا إلى الدار التي هو فيها و قد دخل إلى الطهارة متخففاً فأخذوا ما عليه من كسوةٍ و كان الزمان شتاءً و كان يستغيث : أعطوني و لو جل فرس . فلم يفعلوا فمات من شدة البرد . و ولي بلاده ابنه منوجهر و لقب فلك المعالي . و كان قابوس عزيز الأدب وافر العلم له رسائل و شعر حسن و كان عالماً بالنجوم و غيرها من العلوم . و فيها توفى بهاء الدولة ابن عضد الدولة بن بويه و هو الملك حينئذٍ بالعراق و ولي بعده ابنه سلطان الدولة أبو شجاع . و في سنة سبعٍ و أربعمائة قتل خوارزمشاه أبو العباس مأمون بن مأمون و ملك يمين الدولة خوارزم . و في سنة ثماني و أربعمائة خرج الترك من الصين في عددٍ كثير يزيدون على ثلاثمائة ألف خركاه و ملكوا بعض البلاد و غنموا و سبوا و بقي بينهم و بين بلاساغون ثمانية أيام . ولما سمعوا بجمع عساكر طغان خان عادوا إلى بلادهم . فسار خلفهم نحو ثلاثة أشهر حتى أدركهم و هم آمنون لبعد المسافة فكبسهم و قتل منهم زيادة على مائتي ألف رجل و غنم من الدواب و أواني الذهب و الفضة و معمول الصين ما لا عهد لأحد بمثله . و في سنة إحدى عشرة و أربعمائة عظم أمر أبي علي مشرف الدولة ابن بهاء الدولة ثم ملك العراق و أزال عنه أخاه سلطان الدولة . و فيها فقد الحاكم بن العزيز ابن المعز العلوي صاحب مصر بها و لم يعرف له خبر . و قيل أنه خرج يطوف ليلته على رسمه و عادته و أصبح عند قبر الفقاعي و توجه إلى شرق حلوان و معه ركابيان فأعادهما فعادا و ذكرا أنهما خلفاه عند العين و بقي الناس على رسومهم يخرجون كل يوم يلتمسون رجوعه . فلما أبطأ خرج جماعة من خواصه فبلغوا حلوان و دخلوا في الجبل فبصروا بالحمار الذي كان عليه و قد ضربت يداه بسيفٍ و عليه سرجه و لجامه . فاتبعوا الأثر فانتهى بهم إلى البركة فرأوا ثيابه و هي سبع قطع صوف و هي مزررة بحالها لم تحل و فيها أثر السكاكين فعادوا و لم يشكوا في قتله . و كان عمره سبعاً و ثلاثين سنة و ولايته خمساً و عشرين سنة . و كان جواداً بالمال سفاكاً للدماء و كانت سيرته عجيبةً أمر بسب الصحابة و كتب إلى سائر عماله بذلك . ثم أمر بعد ذلك بمدةٍ بالكف عن السب و هدم بيعة القيامة ببيت المقدس ثم عاد بناها . و حمل أهل الذمة على الإسلام أو المسير إلى مأمنهم أو لبس الغيار فأسلم كثيرٌ منهم . ثم كان الرجل منهم بعد ذلك يلقاه فيقول له : أريد العود إلى ديني فيأذن له . و منع النساء عن الخروج من بيوتهن و قتل من خرج منهن . فشكى إليه من لا قيم لها يقوم بأمرها فأمر الناس أن يحملوا كلما يباع في الأسواق إلى الدروب و يبيعوه على النساء و أمر من يبيع أن يكون معه شبه المغرفة بساعدٍ طويل يمده إلى المرأة و هي من وراء الباب و فيه ما تشتريه فإذا رضيته و ضعت الثمن في المغرفة و أخذت ما فيها لئلا يراها . فنال من ذلك شدةً عظيمة . و لما عدم الحاكم بويع ابنه أبو الحسن علي و هو صبي و لقب الظاهر لإعزاز دين الله و باشرت ست الملك أخت الحاكم الأمور بنفسها و قامت هيبتها عند الناس و استقامت الأمور . و عاشت بعد الحاكم أربع سنين و ماتت . و في سنة أربع عشرة و أربعمائة استولى علاء الدولة أبو جعفر بن كاكويه على همذان و ملكها . و فيها توفي علي بن هلال المعروف بابن البواب الكاتب المشهور و إليه انتهى الخط . و في سنة خمس عشرة في شوال توفي الملك سلطان الدولة بشيراز و ملك بعده ابنه أبو كاليجار . و في سنة ست عشرة و أربعمائة توفي الملك مشرف الدولة أبو علي بن بهاء الدولة و خطب ببغداد لأخيه أبي طاهر جلال الدولة . و فيها ملك نصير الدولة بن مروان صاحب ديار بكر مدينة الرها و كانت لرجلٍ من بني نمير يسمى عطيراً و فيه شرٌ و جهل فكتب الرهاويون ليسلموا إليه البلد فسير إليهم نائباً كان بآمد يسمى زنكي فتسلمها و قتل عطيراً . و في سنة عشرين و أربعمائة أوقع يمين الدولة بالأتراك الغزية أصحاب أرسلان بن سلجوق و كانوا يفسدون بخراسان و ينهبون فيها فأرسل إليهم جيشاً فسبوهم و أجلوهم عن خراسان فسار منهم أهل ألفي خركاه فلحقوا بأصفهان . و أما طغرلبك و داود و أخوهما بيغو و هم بنو ميكائيل بن سلجوق بن تقاق فإنهم كانوا بما وراء النهر و طائفة من الغز الذين كانوا بخراسان وصلوا إلى أذربيجان و ساروا إلى مراغة فدخلوها و أحرقوا جامعها و قتلوا من عوامها مقتلةً عظيمةً و من الأكراد الهذبانية ثم سار طائفة منهم إلى الري و طائفة إلى همذان فملكوها . و فيها ملك الغز الموصل و وثب بهم أهل الموصل . و في سنة إحدى و عشرين و أربعمائة مات يمين الدولة محمود بن سبكتكين و ملك ولده محمد ثم خلعه أخوه مسعود و ولي مكانه . و في سنة اثنتين و عشرين و أربعمائة في ذي الحجة توفي الإمام القادر بالله و عمره ست و ثمانون سنة و عشرة أشهر و خلافته إحدى و أربعون سنة . و كانت الخلافة قبله قد طمع فيها الديلم و الأتراك فلما وليها ألقى الله هيبته في قلوب الخلق فأطاعوه أحسن طاعة . و كان حليماً كريماً ديناً و كان يخرج من داره في زي العامة و يزور قبور الصالحين كقبر معروف و غيره . عشرة و أربعمائة استولى علاء الدولة أبو جعفر بن كاكويه على همذان و ملكها . و فيها توفي علي بن هلال المعروف بابن البواب الكاتب المشهور و إليه انتهى الخط . و في سنة خمس عشرة في شوال توفي الملك سلطان الدولة بشيراز و ملك بعده ابنه أبو كاليجار . و في سنة ست عشرة و أربعمائة توفي الملك مشرف الدولة أبو علي بن بهاء الدولة و خطب ببغداد لأخيه أبي طاهر جلال الدولة . و فيها ملك نصير الدولة بن مروان صاحب ديار بكر مدينة الرها و كانت لرجلٍ من بني نمير يسمى عطيراً و فيه شرٌ و جهل فكتب الرهاويون ليسلموا إليه البلد فسير إليهم نائباً كان بآمد يسمى زنكي فتسلمها و قتل عطيراً . و في سنة عشرين و أربعمائة أوقع يمين الدولة بالأتراك الغزية أصحاب أرسلان بن سلجوق و كانوا يفسدون بخراسان و ينهبون فيها فأرسل إليهم جيشاً فسبوهم و أجلوهم عن خراسان فسار منهم أهل ألفي خركاه فلحقوا بأصفهان . و أما طغرلبك و داود و أخوهما بيغو و هم بنو ميكائيل بن سلجوق بن تقاق فإنهم كانوا بما وراء النهر و طائفة من الغز الذين كانوا بخراسان وصلوا إلى أذربيجان و ساروا إلى مراغة فدخلوها و أحرقوا جامعها و قتلوا من عوامها مقتلةً عظيمةً و من الأكراد الهذبانية ثم سار طائفة منهم إلى الري و طائفة إلى همذان فملكوها . و فيها ملك الغز الموصل و وثب بهم أهل الموصل . و في سنة إحدى و عشرين و أربعمائة مات يمين الدولة محمود بن سبكتكين و ملك ولده محمد ثم خلعه أخوه مسعود و ولي مكانه . و في سنة اثنتين و عشرين و أربعمائة في ذي الحجة توفي الإمام القادر بالله و عمره ست و ثمانون سنة و عشرة أشهر و خلافته إحدى و أربعون سنة . و كانت الخلافة قبله قد طمع فيها الديلم و الأتراك فلما وليها ألقى الله هيبته في قلوب الخلق فأطاعوه أحسن طاعة . و كان حليماً كريماً ديناً و كان يخرج من داره في زي العامة و يزور قبور الصالحين كقبر معروف و غيره .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; وفي سنة ثماني و أربعين و ثلاثمائة انتقل إلى العراق محمد بن محمد بن يحيى بن الوفاء البوزجاني من بلد نيسابور قرأ عليه الناس و استفادوا و صنف كتباً جمةً في العلوم العددية و الحسابية و له كتاب مجسطي و فسر متاب ديوفنطوس في الجبر و المقابلة .&lt;br/&gt; وفي سنة ثماني و تسعين و ثلاثمائة توفي أبو علي عيسى بن زرعة النصراني اليعقوبي المنطقي ببغداد و هو أحد المتقدمين في علم المنطق و الفلسفة و أحد النقلة المجودين و له تصانيف مذكورة و نقولٌ من السرياني إلى العربي . ومن الأطباء المتقدمين بالديار المصرية منصور بن مقشر أبو الفتح المصري النصراني و له منزلة سامية من أصحاب القصر و لا سيما في أيام العزيز منهم . و اعتل منصور هذا في أيام العزيز في سنة خمس و ثمانين و ثلاثمائة و تأخر عن الركوب فلما تماثل منصور ابن مقشر كتب إليه العزيز بخطه : بسم الله الرحمن الرحيم طبيبنا سلمه الله سلام الله الطيب و أتم النعمة عليه . و صلت إلينا البشارة بما وهبه الله من عافية الطبيب و برئه . و الله العظيم لقد عدل عندنا ما رزقناه نحن من الصحة في جسمنا . أقالك الله العثرة و أعادك إلى أفضل ما عودك من صحة الجسم و طيبة النفس و خفض العيش بحوله و قوته . و خدم منصور هذا بعد العزيز الحاكم ابنه أيضاً . و اتفق أن عرض لرجل الحاكم عقد زمن و لم يبرأ . فكان ابن مقشر و غيره من أطباء الخاص المشاركين له يتولون علاجه فلا يؤثر ذلك إلا شراً في العقد . فأحضر له جرائحي يهودي كان يرتزق بصناعة مداواة الجراح في غاية الخمول . فلما رأى العقد طرح عليه دواءً يابساً فشقه و شفاه في ثلاثة أيام . فأطلق له الحاكم ألف دينار و خلع عليه و لقبه بالحقير النافع و جعله من أطباء الخاص . و لما ولي الحاكم الأمر بمصر و كان يميل إلى الحكمة بلغه خبر أبي علي بن الحسين بن الهيثم المهندس البصري أنه صاحب تصانيف في علم الهندسة عالمٌ بهذا الشأن متقنٌ له متفننٌ فيه قائمٌ بغوامضه و معانيه . فتاقت نفسه إلى رؤيته . ثم نقل له عنه أنه قال : لو كنت بمصر لعملت في نيلها عملاً يحصل به النفع في كل حالةٍ من حالاته من زيادةٍ و نقصٍ . فازداد الحاكم إليه شوقاً و سير إليه سراً جملةً من مال فأرغبه في الحضور . فسار نحو مصر و لما وصلها خرج الحاكم للقائه و التقيا بقريةٍ على باب القاهرة المعزية تعرف بالخندق و أمر بإنزاله و إكرامه و أقام ريثما استراح و طالبه بما وعد به من أمر النيل فسار معه جماعةٌ من الصناع ليستعين بهم على هندسةٍ كانت خطرت له . و لما سار إلى الإقليم بطوله و رأى آثار من تقدم من ساكنيه من الأمم الخالية و هي على غاية من إحكام الصنعة و جودة الهندسة و ما اشتملت عليه من أشكالٍ سماويةٍ و مثالاتٍ هندسيةٍ و تصويرٍ معجزٍ تحقق أن الذي يقصده ليس بممكن فإن من تقدمه لم يعزب عنهم علم ما علمه و لو أمكن لفعلوا . فانكسرت همته و وقف خاطره . و وصل إلى الموضع المعروف بالجنادل قبلي مدينة أسوان و هو موضعٌ مرتفعٌ ينحدر فيه ماء النيل فعاينه و باشره و اختبره من جانبيه فوجد أمره لا يمشي على موافقة مراده و تحقق الخطأ عما وعد به و عاد منخجلاً منخذلاً و اعتذر بما قبل الحاكم ظاهره و وافقه عليه . ثم إن الحاكم ولاه بعض الدواوين فتولاها رهبةً لا رغبةً . و تحقق الغلط في الولاية لكثرة استحالة الحاكم و إراقته الدماء بغير سببٍ أو بأضعف سببٍ من خيال مخيلة . فأجال أبو الحسن بن الهيثم فكرته في أمرٍ يتخلص به فلم يجد طريقاً إلى ذلك إلا إظهار الجنون و الخيال فاعتمد ذلك و شاع . فأحيط على موجوده بيد الحاكم و نوابه . و جعل برسمه من يخدمه و يقوم بمصالحه و قيد و ترك في موضعٍ من منزله . و لم يزل على ذلك إلى أن مات الحاكم . و بعد ذلك بيسير أظهر العقل و عاد إلى ما كان عليه و أقام متنسكاً منقبعاً و اشتغل بالتصنيف و النسخ و الإفادة و كان له خطٌ قاعدٌ في غاية الصحة . و حكي عنه أنه كان ينسخ فيمدة سنة ثلاثة كتبٍ في ضمن أشغاله و هي إقليذس و المتوسطات و المجسطي و يشكلها فإذا شرع في نسخها جاءه من يعطيه فيها مائة و خمسين ديناراً مصرية . و صار ذلك كالرسم الذي لا يحتاج إلى مواكسة و لا معاودة قول فيجعلها مؤنته لسنته . و لم يزل على ذلك إلى أن مات بالقاهرة بعد سنة ثلاثين و أربعمائة . و أما تصانيفه فهي كثيرةُ مشهورة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&amp;quot; القائم بن القادر &amp;quot;&lt;br/&gt; و لما توفي القادر بالله جددت البيعة لابنه القائم بأمر الله سنة اثنتين و عشرين و أربعمائة و كان أبوه قد بايع له بولاية العهد سنة إحدى و عشرين . و فيها أعني سنة اثنتين و عشرين ملك الروم مدينة الرها و كانت بيد نصير الدولة بن مروان . و فيها سارت عساكر السلطان مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب خراسان إلى كرمان فملكوها . و في سنة خمس و عشرين و أربعمائة كانت حرب شديدة بين نور الدولة و دبيس و أخيه أبي قوام ثابت ثم اصطلحا و تحالفا . و سار البساسيري نجدة لثابت فلما سمع بصلحهم عاد إلى بغداد . و هؤلاء أمراء عرب من بني أسد و خفاجة . و فيها توفي رومانوس ملك الروم و ملك بعده رجلٌ صيرفي ليس من بيت الملك و إنما ابنة قسطنطين اختارته و تزوجته . و في سنة سبع و عشرين و أربعمائة توفي الظاهر لإعزاز دين الله الخليفة العلوي بمصر و كان له مصر و الشام و الخطبة له بافريقية . و ولي بعده ابنه أبو تميم و لقب المستنصر بالله . و في سنة تسع و عشرين و أربعمائة دخل ركن الدين أبو طالب طغرلبك محمد بن ميكائيل بن سلجوق مدينة نيسابور مالكاً لها . و في سنة ثلاثين و أربعمائة وصل الملك مسعود من غزنة إلى بلخ و أجلى السلجوقية عن خراسان . و فيها خطب شبيب بن وثاب النميري صاحب حران و الرقة للإمام القائم بأمر الله و قطع خطبة المستنصر بالله العلوي المصري . و في سنة اثنتين و ثلاثين و أربعمائة اتفق أنوستكين الخصي البلخي في جماعة من الغلمان الدارية و ثاروا بالملك مسعود و قبضوا عليه و أقاموا أخاه محمداً و سلموا عليه بالإمارة . فأحضر أخاه الملك مسعوداً و قال له : لا قابلتك على فعلك بي . و ذلك لأنه كان سمله و أعماه . فانظر أين تريد أن تقيم حتى أحملك إليه ومعك أولادك و حرمك . فاختار قلعة كرى فأنفذه إليها . ثم إن أحمد ابن محمد دخل إلى أبيه فطلب خاتمه ليختم به بعض الخزائن فأعطاه . فسار به غلمانه إلى القلعة و أعطوا الخاتم لمستحفظيها و قالوا : معنا رسالة إلى مسعود فأدخلوهم إليه فقتلوه . فلما وصل الخبر إلى مودود بن مسعود و هو بخراسان عاد مجداً بعساكره إلى غزنة فتصاف هو وعمه محمد و قبض عليه و على ولده أحمد و أنوستكين الخصي البلخي فقتلهم و قتل أولاد عمه جميعهم و قتل كل من كان له في القبض على والده صنع . و في سنة ثلاث و ثلاثين و أربعمائة ملك السلطان طغرلبك جرجان و طبرستان . و فيها توفي ميخائيل ملك الروم و ملك بعده ابن أخيه ميخائيل أيضاً . و في سنة خمس و ثلاثين توفي الملك جلال الدولة بن بهاء الدولة بن عضد الدولة بن بويه ببغداد و ملك أبو كاليجار ابن سلطان الدولة بن بهاء الدولة . و في سنة تسع و ثلاثين وقع الصلح بين الملك كاليجار و السلطان طغرلبك . و في سنة أربعين و أربعمائة مات الملك أبو كاليجار ببغداد و ملك ابنه الملك الرحيم . و في سنة إحدى و أربعين ملك البساسيري الأنبار و دخلها أصحابه و فيها مات مودود بن مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة و ملك عمه عبد الرشيد . و في سنة اثنتين و أربعين ملك السلطان طغرلبك أصفهان . و في سنة ست و أربعين استولى طغرلبك على إذربيجان . و في سنة سبعٍ و أربعين وصل طغرلبك إلى بغداد و خطب له بها . و في سنة خمسين و أربعمائة سار طغرلبك في أثر البساسيري ودبيس و معهما أهلهما فأوقع بهم الأتراك و قتلوا البساسيري و دخلوا في الظعن فساقوه جميعه . و كان البساسيري مملوكاً تركياً من مماليك بهاء الدولة بن عضد الدولة و هو منسوبٌ إلى بساسير مدينته . و في سنة إحدى و خمسين أصلح دبيس بن مزيد و أحضر إلى خدمة السلطان طغرلبك فأحسن إليه . و في سنة خمسٍ و خمسين سار السلطان طغرلبك من بغداد إلى بلد الجبل فوصل إلى الري فمرض بها و توفي و كان عمره سبعين سنة تقريباً و كان عقيماً لم يلد ولداً . و ملك بعده الب أرسلان بن داود جغرى أخي السلطان طغرلبك . و في سنة ثمان و خمسين ولدت صبية بباب الازج ولداً برأسين و رقبتين و وجهين و أربع أيدٍ على بدنٍ واحد . و في سنة إحدى و ستين احترق جامع دمشق فدثرت محاسنه و زال ما كان فيه من الأعمال النفيسة . و كان سبب ذلك حربٌ وقعت بين المغاربة أًحاب المصريين و المشارقة فضربوا داراً مجاورةً للجامع بالنار فاحترقت و اتصلت النار بالجامع . و في سنة ثلاث و ستين و أربعمائة خرج رومانوس ملك الروم الملقب يوجانيس و هو اسمٌ من أسماء الحكماء في مائة ألف و وافى بتجمل كثير و زي عظيم فوصل إلى ملازكرد من أعمال خلاط و كان السلطان الب أرسلان بمدينة خونج من أذربيجان فسار إليه في خمسة عشر ألف فارس إذ لم يتمكن من جمع العساكر لبعدها و قرب العدو . فجد في السير فلما قرب العسكران أرسل السلطان إلى رومانوس الملك يطلب منه المهادنة . فقال : لا أهادنه إلا بالري . فانزعج السلطان لذلك . فلما كان يوم الجمعة بعد الزوال صلى و بكى فبكى الناس لبكائه . و قال لهم : من أراد الانصراف فلينصرف فما هنا سلطان يأمر و ينهى . و ألقى القوس و النشاب و أخذ السيف و الدبوس و عقد ذنب فرسه بيده و فعل عسكره مثله و لبس البياض و تحنط و قال : إن قتلت فهذا كفني .و زحف إلى الروم و زحفوا إليه و اشتد القتال فانهزم الروم و قتل منهم خلقٌ و أسر الملك أسره بعض المماليك اسمه شادي و كان قد ح ضر عنده مع رسولٍ فعرفه فلما رآه نزل و سجد له و قصد به السلطان . فضربه ثلاث مقارع بيده و قال له : ألم أرسل إليك في المهادنة فأبيت . فقال : دعني من التوبيخ و افعل ما تريد . فقال السلطان : ما عزمت أن تفعل بي إن أسرتني . فقال : القبيح . قال له : فما تظن أنني أفعل بك . قال : إما أن تقتلني و إما أن تشهرني في بلادك . و الأخرى بعيدة و هي العفو و قبول الأموال و اصطناعي نائباً عنك . قال : ما عزمت على غير هذا . ففداه بألف ألف دينار و أن يطلق كل أسيرعنده من المسلمين . و استقر الأمر على ذلك و أجلسه معه على سريره و أنزله في خيمةٍ و أرسل إليه عشرة آلاف دينار يتجهز بها و أطلق جماعة من البطارقة و خلع عليه و عليهم و سير معه عسكراً يوصلوه إلى مأمنه و شيعه فرسخاً . و أما الروم فلما بلغهم خبر الوقعة وثب ميخائيل على المملكة فملك البلاد . فلما وصل رومانوس الملك إلى قلعة دوقية بلغه الخبر فلبس الصوف و أظهر الزهد و أرسل إلى ميخائيل يعرفه ما تقرر مع السلطان . و جمع رومانوس ما عنده من المال و كان مائتي ألف دينار فأرسله إلى السلطان و حلف له أنه لا يقدر على غير ذلك . و في سنة خمسٍ و ستين و أربعمائة قصد السلطان الب أرسلان محمد بن داود جغري بك ما وراء النهر فعقد على جيحون جسراً و عبر عليه في نيف و عشرين يوماً و عسكره يزيد على مائتي ألف فارس فأتاه أصحابه بمستحفظ قلعة اسمه يوسف الخوارزمي و حمل إلى قرب سريره مع غلامين . فتقدم أن يضرب له أربعة أوتاد و يشد أطرافه إليها . فقال له يوسف : يا مخنث مثلي يقتل هذه القتلة . فغضب السلطان و أخذ القوس و النشاب و قال للغلامين : خلياه . فخلياه . و رماه السلطان بسهمٍ فأخطأه . فوثب يوسف يريده . فقام السلطان عن السرير و نزل عنه فعثر فوقع على وجهه . فبرك عليه يوسف و ضربه بسكينٍ كانت معه في خاصرته . و نهض السلطان فدخل إلى خيمةٍ أخرى . و ضرب بعض الفراشين يوسف بمرزبةٍ على رأسه فقتله . و لما جرح السلطان الب أرسلان أوصى بالسلطنة لابنه ملكشاه و قام بوزارته نظام الملك .نيس و هو اسمٌ من أسماء الحكماء في مائة ألف و وافى بتجمل كثير وزي عظيم فوصل إلى ملازكرد من أعمال خلاط و كان السلطان الب أرسلان بمدينة خونج من أذربيجان فسار إليه في خمسة عشر ألف فارس إذ لم يتمكن من جمع العساكر لبعدها و قرب العدو . فجد في السير فلما قرب العسكران أرسل السلطان إلى رومانوس الملك يطلب منه المهادنة . فقال : لا أهادنه إلا بالري . فانزعج السلطان لذلك . فلما كان يوم الجمعة بعد الزوال صلى و بكى فبكى الناس لبكائه . و قال لهم : من أراد الانصراف فلينصرف فما هنا سلطان يأمر و ينهى . و ألقى القوس و النشاب و أخذ السيف و الدبوس و عقد ذنب فرسه بيده و فعل عسكره مثله و لبس البياض و تحنط و قال : إن قتلت فهذا كفني .و زحف إلى الروم و زحفوا إليه و اشتد القتال فانهزم الروم و قتل منهم خلقٌ و أسر الملك أسره بعض المماليك اسمه شادي و كان قد ح ضر عنده مع رسولٍ فعرفه فلما رآه نزل و سجد له و قصد به السلطان . فضربه ثلاث مقارع بيده و قال له : ألم أرسل إليك في المهادنة فأبيت . فقال : دعني من التوبيخ و افعل ما تريد . فقال السلطان : ما عزمت أن تفعل بي إن أسرتني . فقال : القبيح . قال له : فما تظن أنني أفعل بك . قال : إما أن تقتلني و إما أن تشهرني في بلادك . و الأخرى بعيدة و هي العفو و قبول الأموال و اصطناعي نائباً عنك . قال : ما عزمت على غير هذا . ففداه بألف ألف دينار و أن يطلق كل أسيرعنده من المسلمين . و استقر الأمر على ذلك و أجلسه معه على سريره و أنزله في خيمةٍ و أرسل إليه عشرة آلاف دينار يتجهز بها و أطلق جماعة من البطارقة و خلع عليه و عليهم و سير معه عسكراً يوصلوه إلى مأمنه و شيعه فرسخاً . و أما الروم فلما بلغهم خبر الوقعة وثب ميخائيل على المملكة فملك البلاد . فلما وصل رومانوس الملك إلى قلعة دوقية بلغه الخبر فلبس الصوف و أظهر الزهد و أرسل إلى ميخائيل يعرفه ما تقرر مع السلطان . و جمع رومانوس ما عنده من المال و كان مائتي ألف دينار فأرسله إلى السلطان و حلف له أنه لا يقدر على غير ذلك . و في سنة خمسٍ و ستين و أربعمائة قصد السلطان الب أرسلان محمد بن داود جغري بك ما وراء النهر فعقد على جيحون جسراً و عبر عليه في نيف و عشرين يوماً و عسكره يزيد على مائتي ألف فارس فأتاه أصحابه بمستحفظ قلعة اسمه يوسف الخوارزمي و حمل إلى قرب سريره مع غلامين . فتقدم أن يضرب له أربعة أوتاد و يشد أطرافه إليها . فقال له يوسف : يا مخنث مثلي يقتل هذه القتلة . فغضب السلطان و أخذ القوس و النشاب و قال للغلامين : خلياه . فخلياه . و رماه السلطان بسهمٍ فأخطأه . فوثب يوسف يريده . فقام السلطان عن السرير و نزل عنه فعثر فوقع على وجهه . فبرك عليه يوسف و ضربه بسكينٍ كانت معه في خاصرته . و نهض السلطان فدخل إلى خيمةٍ أخرى . و ضرب بعض الفراشين يوسف بمرزبةٍ على رأسه فقتله . و لما جرح السلطان الب أرسلان أوصى بالسلطنة لابنه ملكشاه و قام بوزارته نظام الملك .&lt;br/&gt;و في سنة سبعٍ و ستين و أربعمائة ليلة الخميس ثالث عشر شعبان توفي القائم بأمر الله .و لما أيقن بالموت أحضر النقيبين و قاضي القضاة و الوزير ابن جهير و أشهدهم على نفسه أنه جعل ابن ابنه أبا القاسم عبد الله بن محمد بن القائم ولي عهده . و كان عمر القائم ستاً و سبعين سنة و ثلاثة أشهر و خلافته أربعاً وأربعين سنة و تسعة أشهر .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;***&lt;br/&gt; و في هذه السنين اشتهر بعلوم الأوائل أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني مبحرٌ في فنون الحكمة اليونانية و الهندية و تخصص بأنواع الرياضيات و صنف فيها الكتب الجليلة و دخل إلى بلاد الهند و أقام بها عدة سنين و تعلم من حكمائها فنونهم و علمهم طرق اليونانيين في فلسفتهم . و مصنفاته كثيرةٌ متقنةٌ محكمةٌ غاية الإحكام . و بالجملة لم يكن في نظرائه في زمانه و بعده إلى هذه الغاية أحذق منه بعلم الفلك و لا اعرف بدقيقه و جليله . و عرف أيضاً بالعلوم الحكمية أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا الشيخ الرئيس . و حكى عن نفسه قال : إن أبي كان رجلاً من أهل بلخ و انتقل منها إلى بخارا في أيام نوح بن منصور و اشتغل بالتصرف بقرية خرميثن و تزوج أمي من قريةٍ يقال لها أفشنة و ولدت منها و ولد أخي ثم انتقلنا إلى بخارا و أحضرت معلم القرآن و الأدب و كملت العشر من العمر و قد أتيت على القرآن و على كثيرٍ من الأدب . حتى كان يقضى مني العجب . و أخذ والدي يوجهني إلى رجلٍ كان يبيع البقل و يقوم بحساب الهند حتى أتعلمه منه . ثم جاء إلى بخارأ أبو عبد الله الناتلي و كان يدعي الفلسفة و أنزله أبي دارنا رجاء تعلمي منه . فقرأت ظواهر المنطق عليه و أما دقائقه فلم يكن عنده منها خبرة . ثم أخذت أقرأ الكتب على نفسي و أطالع الشروح و كذلك كتاب إقليذس فقرأت من أوله خمسة أشكالٍ أو ستةٍ عليه ثم توليت حل الكتاب بأسره . ثم انتقلت إلى المجسطي . و فارقني الناتلي . ثم رغبت في علم الطب و صرت أقرأ الكتب المصنفة فيه و تعهدت المرضى فانفتح علي من أبواب المعالجات المقتبسة من التجربة ما لا يوصف و أنا في هذا الوقت من أبناء ست عشرة سنة . ثم توفرت على القراءة سنةً و نصفاً و كلما كنت أتحير في مسألةٍ و لم أكن أظفر بالحد الأوسط في قياس ترددت إلى الجامع و صليت و ابتهلت إلى مبدع الكل حتى فتح لي المغلق منه و المتعسر . و كنت أرجع بالليل إلى داري و أضع السراج بين يدي و أشتغل بالقراءة و الكتابة فمهما غلبني النوم أو شعرت بضعفٍ عدلت إلى شرب قدحٍ من الشراب ريثما تعود إلي قوتي ثم أرجع إلى القراءة و متى أخذني أدنى نوم أحلم بتلك المسائل بأعيانها حتى أن كثيراً منها انفتح لي وجوهها في المنام . و لم أزل كذلك حتى أحكمت علم المنطق و الطبيعي و الرياضي . ثم عدلت إلى العلم الإلهي و قرأت كتاب ما بعد الطبيعة فما كنت أفهم ما فيه و التبس علي غرض واضعه حتى أعدت قراءته أربعين مرة و صار لي محفوظاً و أنا مع ذلك لا أفهمه و أيست من نفسي و قلت : هذا كتابٌ لا سبيل إلى فهمه . و إذا أنا يوماً حضرت وقت العصر في الوراقين و بيد دلال مجلد ينادي عليه فعرضه علي فرددته رد متبرمٍ معتقد أن لا فائدة في هذا العلم . فقال لي : اشتر مني هذا فإنه رخيص أبيعكه بثلاثة دراهم و صاحبه محتاجٌ إلى ثمنه . فاشتريته فإذا هو كتابٌ لأبي نصر الفارابي في أغراض كتاب ما بعد الطبيعة . فرجعت إلى بيتي و أسرعت قراءته فانفتح علي في الوقت أغراض ذلك الكتاب بسبب أنه قد صار لي على ظهر القلب و فرحت بذلك و تصدقت بشيْ على الفقراء شكراً لله تعالى . فلما بلغت ثماني عشرة سنة من عمري فرغت من هذه العلوم كلها و كنت إذ ذاك للعلم أحفظ و لكنه اليوم معي أنضج و إلا فالعلم واحدٌ لم يتجدد لي بعده شيء . ثم مات والدي و تصرفت بي الأحوال و تقلدت شيئاً من أعمال السلطان . و دعتني الضرورة إلى الارتحال من بخارا و الانتقال عنها إلى جرجان و كان قصدي الأمير قابوس فاتفق في أثناء هذا أخذ قابوس و حبسه و موته . ثم مضيت إلى دهستان و مرضت بها مرضاً صعباً و عدت إلى جرجان و أنشأت في حالي قصيدةً فيها بيت القائل :&lt;br/&gt; لما عظمت فليس مصر واسعي  . . . لما غلا ثمني عدمت المشتري&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;قال أبو عبيدة الجوزجاني : إلى ههنا انتهى ما حكاه الشيخ عن نفسه . و في هذا الموضع أذكر أنا بعض ما شاهدت من أحواله في حال صحبتي له و إلى حين انقضاء مدته . قال : في مدة مقامه بجرجان صنف أول القانون و مختصر المجسطي و غير ذلك . ثم انتقل إلى الري و اتصل بخدمة السيدة و ابنها مجد الدولة . ثم خرج إلى قزوين و منها إلى همذان فاتصل بخدمة كدبانويه و تولى النظر في أسبابها . ثم سألوه تقلد الوزارةفتقلدها . ثم اتفق تشويش العسكر عليه و إشفاقهم منه على أنفسهم فكبسوا داره و أخذوه إلى الحبس و أخذوا جميع ما كان يملكه و ساموا الأمير شمس الدولة قتله فامتنع منه و عدل إلى نفيه عن الدولة طلباً لمرضاتهم . فتوارى الشيخ في دار بعض أصدقائه أربعين يوماً . فعاد الأمير و قلده الوزارة ثانياً . و لما توفي شمس الدولة و بويع ابنه طلبوا أن يستوزر الشيخ فأبى عليهم و توارى في دار أبي غالب العطار و هناك أتى على جميع الطبيعيات و الإلهيات ما خلا كتابي الحيوان و النبات من كتاب الشفاء . و كاتب علاء الدولة سراً يطلب المسير إليه فاتهمه تاج الملك بمكاتبته وأنكر عليه ذلك و حث في طلبه . فدل عليه بعض أعدائه فأخذوه و أدوه إلى قلعةٍ يقال لها بردجان و أنشأ هناك قصيدةً فيها :&lt;br/&gt; دخولي باليقين كما تراه  . . . و كل الشك في أمر الخروج    &lt;br/&gt; و بقي فيها أربعة أشهر . ثم أخرجوه و حملوه إلى همذان ثم خرج منها متنكراً و أنا و أخوه و غلامان معه في زي الصوفية إلى أن وصلنا إلى أصفهان فصادف في مجلس علاء الدولة الإكرام و الإعزاز الذي يستحقه مثله . و صنف هناك كتباً كثيرةً . &amp;quot; قال &amp;quot; و كان الشيخ قوي القوى كلها و كانت قوة المجامعة من قواه الشهوانية أقوى و أغلب و كان كثيراً ما يشتغل به فأثر في مزاجه . و كان سبب موته قولنج عرض له و لحرصه على برئه حقن نفسه في يومٍ واحدٍ ثماني مرات فتقرح بعض أمعائه و ظهر به سحج و عرض له الصرع الذي قد يتبع القولنج و صار من الضعف بحيث لا يقدر على القيام . فلم يزل يعالج نفسه حتى قدر على المشي لكنه مع ذلك لا يتحفظ و يكثر التخليط في أمر المعالجة و لم يبرأ من العلة كل البرء و كان ينتكس و يبرأ كل وقت . ثم قصد علاء الدولة همذان و سار معه الشيخ فعاودته في الطريق تلك العلة إلى أن وصل إلى همذان و علم أن قوته قد سقطت و أنها لا تفي بدفع المرض فأهمل مداواة نفسه و أخذ يقول : المدبر الذي كان يدبرني قد عجز عن التدبير و الآن فلا تنفع المعالجة . و بقي على هذا أياماً ثم انتقل إلى جوار ربه و دفن بهمذان و كان عمره ثمانياً و خمسين سنة و كان موته في سنة ثمان و عشرين و أربعمائة . و فيه قال بعضهم :&lt;br/&gt; ما نفع الرئيس من حكمه الطب  . . . و لا حكمه على النيرات&lt;br/&gt;ما شفاه الشفاء من ألم الموت  . . . و لا نجاه كتاب النجاة&lt;br/&gt; و قيل أول حكيم توسم بخدمة الملوك أرسطوطاليس و كان الحكماء قبله مثل فيثاغوروس و سقراطيس و أفلاطون يترفعون عن ذلك و لا يقربون أبواب السلاطين . و الدليل على ذلك أن بعض ملوك اليونانيين كان مجتازاً بمكانٍ كان فيه سقراطيس جالساً فلما دنا بقربه و هو لم ينهض و لم يتحرك من مكانه و لا يلتفت فأقبل إليه بعض الغلمان فركله برجله . فقال له : لم تركلني . قال له : أما تبصر الملك كيف لا تنهض و تقوم له . أجابه سقراطيس قائلاً : كيف أقوم لعبد عبدي . فالتفت الملك إلى مشاجرتهما فاستدعى به فحمل إليه فقال له : أي شيءٍ قلت . قال : قلت لا أقوم لعبد عبدي . قال الملك : و أنا عبد عبدك . قال : نعم أيها الملك أنت استعبدتك الدنيا و أنت خادمها و أنا زهدتها و استعبدتها فهي عبدي و أنت عبدها . فالملك استحسن له ذلك و تقدم بالإحسان إليه فلم يقبل . قيل و أول حكيمٍ شغف بشرب الخمر و استفراغ القوى الشهوانية الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا . ثم اقتدى به في الانهماك من كان بعده فهذان غيرا السنة الفلسفية . و قيل أن شيخ الشيخ أبي علي في الطب أبو سهل المسيحي و كان طبيباً فاضلاً منطقياً عالماً بعلوم الأوائل مذكوراً في بلد خراسان له كناش يعرف بالمائة كتاب مشهور . مات و عمره أربعون سنة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; وفي سنة خمس و ثلاثين و أربعمائة توفي أبو الفرج عبد الله بن الطيب و هو عراقي فيلسوف فاضل مطلع على كتب الأوائل و أقاويلهم و عني بشروح الكتب القديمة في المنطق و أنواع الحكمة من تآليف أرسطوطاليس و من الطب كتب جالينوس و بسط القول في الشروح بسطاً شافياً قصد به التعليم و التفهيم . قال القاضي الأكرم جمال الدين القفطي رحمه الله : لقد رأيت بعض من ينتحل هذه الصناعة يذم أبا الفرج بن الطيب بالتطويل و كان هذا العائب يهودياً ضيق الفطن قد وقف مع عبارة ابن سينا . فاما أنا و كل مصنفٍ فلا يقول إلا أن أبا الفرج بن الطيب قد أحيا من هذه العلوم ما دثرو أبان منها ما خفي . و قد تلمذ له جماعةٌ سادوا و أفادوا منهم المختار بن الحسن بن عبدون المعروف بابن بطلان . قال ابن بطلان : إن شيخنا ابو الفرج ابن الطيب بقي عشرين سنة في تفسير ما بعد الطبيعة و مرض من الفكر فيه مرضةً كان تلفظ نفسه فيها و هذا يدلك على شدة حرصه و اجتهاده و طلب العلم لعينه . و ابن بطلان هذا فهو طبيب نصراني بغدادي و كان مشوه الخلقة غير صبيحها كما شاء الله منه و فضل في علم الأوائل و كان يرتزق بصناعة الطب و خرج عن بغداد إلى الموصل و ديار بكر و دخل حلب و أقام بها مدةً و ما حمدها و خرج عنها إلى مصر فأقام بها مدة قريبة و اجتمع بابن رضوان المصري الفيلسوف في وقته و جرت بينهما منافرة أحدثتها المغالبة في المنظرة . و خرج ابن بطلان عن مصر مغضباً على ابن رضوان و ورد إنطاكية و أقام بها و قد سئم كثرة الأسفار و ضاق عطنه عن معاشرة الأغمار فغلب على خاطره الانقطاع فنزل بعض الأديرة بإنطاكية و ترهب و انقطع إلى العبادة إلى أن توفي سنة أربعٍ و أربعين و أربعمائة . و من مشاهير تصانيف ابن بطلان كتاب تقويم الصحة مجدول و كتاب دعوة الأطباء مقامة ظريفة . و رسالة اشتراء الرقيق . و لما جرى لابن بطلان بمصر مع ابن رضوان ما جرى كتب إليه ابن بطلان رسالةً يقطعه فيها و يذكر معايبه و يشير إلى جهله بما يدعيه من علم الأوائل و رتبها على سبعة فصول الأول فضل من لقي الرجال على من درس في الكتب . الثاني في أن الذي علم المطالب من الكتب علماً رديئاً شكوكه بحسب علمه يعسر حلها . الثالث في أن إثبات الحق في عقلٍ لم يثبت فيه المحال أسهل من إثباته عند من ثبت في عقله المحال . الرابع في أن من عادات الفضلاء عند قراءاتهم كتب القدماء أن لا يقطعوا في مصنفها بطعنٍ إذا رأوا في المطالب تبايناً و تناقضاً لكن يخلدوا إلى البحث و التطلب . الخامس في مسائل مختلفة صادرة عن براهين صحيحة من مقدمات صادقة يلتمس أجوبتها بالطريقة البرهانية . السادس في تصفح مقالته في المباهلة التي ضمن فيها : انني أسأله ألف مسألةٍ و يسألني مسألةً واحدة . السابع في تتبع مقالته في النقطة الطبيعية و التعيين على موضع الشبهة في هذه التسمية . و ختم الرسالة بقوله : و ليتحقق أن اللذة بمضغ الكلام لا تفي بغصة الجواب . فإن لنا موقف حساب . و مجمع ثواب و عقاب . يتظلم فيه المرضى إلى خالقهم . و يطالبون الأطباء بالأغلاط القاضية في هلاكهم . و انهم لا يسامحون الشيخ كما سامحته بسبي و لا يغضون عنه كما أغضيت عن ثلب عرضي . فليكن من لقائهم على يقين . و يتحقق أنهم لا يرضون منه إلا بالحق المبين . و الله يوفقنا و إياه للعمل بطاعته و التقرب إليه بابتغاء مرضاته و هو حسبي و نعم الوكيل . و ذكر ابن بطلان في الفصل الرابع من رسالته إلى ابن رضوان حكايةً ظريفةً وجب إيرادها ههنا قال : إنني حضرت مع تلميذٍ من تلامذة الشيخ يعني الشيخ ابن رضوان ظاهر التجمل بادي الذكاء إن صدقت الفراسة فيه بحضرة الأمير أبي علي ابن جلالة الدولة بن عضد الدولة فناخسرو في حمى نائبة أخذت أربعة أيام و لا تبدو ببردٍ و تقشعٍ بنداوة و قد سقاه ذلك الطبيب دواءً مسهلاً و هو عازمٌ على فصده من بعد على عادة المصريين في تأخير الفصد بعد الدواء و إطعام المريض القطائف بجلاب في نوب الحمى . فسألت الطبيب مستخبراً عن الحمى . فقال بلفظة المصريين : نعم سيدي حمى يوم مركبة من دم و صفراء نائبة أربعة أيام فلما سقيناه الدواء تحلل الدم و بقيت الصفراء و نحن على فصده لنأمن الصفراء بمشيئة الله . فذهبت لا أعلم مما أعجب أمن كون حمى يوم تنوب في أربعة أيام بعلامات الموظبة أم من كونها من أخلاط مركبة أم من الدواء الذي حلل الدم الغليظ و ترك الصفراء اللطيفة . و ما أشبه ذلك من حكايته إلا بما سمعت بإنطاكية أن طبيباً رومياً شارطمريضه به غب خالصة على برئه دراهم معلومة و أخذ في تدبيره بما غلظ المادة فصارت شطر غب بعد ما كانت خالصة . فأنكروا ذلك عليه و راموا صرفه فقال : إنني أستحق نصف الكراء لأن الحمى ذهب نصفها . و ظن من جهة التسمية أن الشطر قد ذهب من الحمى . و ما زال يسألهم عما كانت فيقولون غباً . و عما هي الآن فيقولون شطراً فيتظلم و يقول : فلم منعتموني نصف القبالة . و حكي أن ابن رضوان هذا كان في أول أمره منجماً يقعد على الطريق و يرتزق ثم قرأ شيئاً من الطب و المنطق و كان من المفلفلين لا المحققين و لم يكن حسن المنظر و لا الهيئة و مع هذا تتلمذ له جماعة من الطلبة بمصر و أخذوا عنه و سار ذكره و صنف كتباً مختطفة ملتقطة مستنبطة من غيره و كان تلاميذه ينقلون عنه من التعاليل الطبية و الألفاظ المنطقية ما يضحك منه إن صدق النقلة . و لم يزل ابن رضوان بمصر متصدراً للإفادة إلى أن مات في حدود سنة ستين و أربعمائة . و كان من مشاهير الأطباء في هذه الأيام طبيب نصراني من أهل بغداد يقال له كتيفات خدم البساسيري معروف بالعمل غير موصوف بعلم ارتفع بصائب معالجته .لل الدم الغليظ و ترك الصفراء اللطيفة . و ما أشبه ذلك من حكايته إلا بما سمعت بإنطاكية أن طبيباً رومياً شارطمريضه به غب خالصة على برئه دراهم معلومة و أخذ في تدبيره بما غلظ المادة فصارت شطر غب بعد ما كانت خالصة . فأنكروا ذلك عليه و راموا صرفه فقال : إنني أستحق نصف الكراء لأن الحمى ذهب نصفها . و ظن من جهة التسمية أن الشطر قد ذهب من الحمى . و ما زال يسألهم عما كانت فيقولون غباً . و عما هي الآن فيقولون شطراً فيتظلم و يقول : فلم منعتموني نصف القبالة . و حكي أن ابن رضوان هذا كان في أول أمره منجماً يقعد على الطريق و يرتزق ثم قرأ شيئاً من الطب و المنطق و كان من المفلفلين لا المحققين و لم يكن حسن المنظر و لا الهيئة و مع هذا تتلمذ له جماعة من الطلبة بمصر و أخذوا عنه و سار ذكره و صنف كتباً مختطفة ملتقطة مستنبطة من غيره و كان تلاميذه ينقلون عنه من التعاليل الطبية و الألفاظ المنطقية ما يضحك منه إن صدق النقلة . و لم يزل ابن رضوان بمصر متصدراً للإفادة إلى أن مات في حدود سنة ستين و أربعمائة . و كان من مشاهير الأطباء في هذه الأيام طبيب نصراني من أهل بغداد يقال له كتيفات خدم البساسيري معروف بالعمل غير موصوف بعلم ارتفع بصائب معالجته .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&amp;quot; المقتدي بن محمد بن القائم &amp;quot;&lt;br/&gt; لما توفي القائم بأمر الله بويع عبد الله بن محمد ابن القائم بالخلافة و لقب المقتدي بأمر الله سنة سبع و ستين و أربعمائة . و لم يكن للقائم من أعقابه ذكر سواه فإن الذخيرة أبا العباس محمد بن القائم توفي في أيام أبيه و لم يكن له غيره و كان المقتدي حملاً في بطن أمه فولد بعد موت أبيه محمد بستة أشهر . و في سنة ثماني و ستين سار اقسيس الخوارزمي و هو أحد الأمراء من عسكر السلطان ملكشاه إلى دمشق فحصرها فغلت الأسعار فبيعت الغرارة بأكثر من عشرين ديناراً فسلموها إليه بالأمان و خطب بها للمقتدي الخليفة العباسي و كان آخر ما خطب فيها للعلويين المصريين . و تغلب اقسيس على أكثر الشام . و في سنة أربع و سبعين توفي نور الدولة دبيس الأسدي و كان عمره ثمانين سنة و إمارته سبعاً و خمسين سنة و كان مذكوراً بالفضل و الإحسان . و ولي بعده ما كان إليه ابنه منصور و لقب بهاء الدولة فأحسن السيرة و سار إلى السلطان ملكشاه فاستقر له الأمر و خلع الخليفة أيضاً عليه ثم مات في سنة تسعٍ و سبعين و ولي الحلة و النيل و جميع ما كان له ابنه سيف الدولة صدقة . و في سنة خمسٍ و ثمانين قتل نظام الملك الوزير بالقرب من نهاوند قتله صبي ديلمي من الباطنية أتاه في صورة مستمنح أو مستغيث فضربه بسكين كانت معه فقضي عليه . و بقي نظام الملك و