<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?>
<rss xmlns:iweb="http://www.apple.com/iweb" version="2.0">
  <channel>
    <title>ABOUT THIS SITE</title>
    <link>http://www.syriacstudies.com/AFSS/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A1/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A1.html</link>
    <description>The American Foundation for Syriac Studies works to distribute works of historical and cultural importance in the subject of Syriac.  The Foundation is also committed to regular publications and lectures to bring knowledge on this extremely important subject.  Please feel free to browse our website.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;</description>
    <generator>iWeb 3.0.3</generator>
    <image>
      <url>http://www.syriacstudies.com/AFSS/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A1/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A1_files/palimp3.jpg</url>
      <title>ABOUT THIS SITE</title>
      <link>http://www.syriacstudies.com/AFSS/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A1/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A1.html</link>
    </image>
    <item>
      <title>   دور السريان في العلوم النظرية والتطبيقية&#13; &#13; الدكتور يعقوب نامق   </title>
      <link>http://www.syriacstudies.com/AFSS/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A1/Entries/2010/11/13_%D8%AF%D9%88%D8%B1_%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86_%D9%81%D9%8A_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%88%D9%85_%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%B1%D9%8A%D8%A9_%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B7%D8%A8%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%B1_%D9%8A%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8_%D9%86%D8%A7%D9%85%D9%82.html</link>
      <guid isPermaLink="false">e4992d06-de58-4520-8964-859d99719f83</guid>
      <pubDate>Sat, 13 Nov 2010 08:40:38 -0500</pubDate>
      <description>القى الدكتور الراحل يعقوب نامق محاضرة عن دور السريان العلمي وذلك بتاريخ ( 12/ 12/ 1993 ) من على مدرج الجامعة الأمريكية ببيروت حيث تحدث عن دور السريان في العلوم النظرية والتطبيقية وقد اكتسبت المحاضرة أهميتها كونها ألقيت من قبل دكتور في الكيمياء وفيما يلي نص المحاضرة كاملاً :&lt;br/&gt; يتصف القرن العشرين بما سمي \&amp;quot; تفجر المعرفة العلمية والتكنولوجية \&amp;quot; . ويقال أن ما ينشر من هذه المعرفة في سنة واحدة بجميع اللغات يحتاج الفرد الواحد مئة سنة لقراءتها دون التوقف ! وهذا لا يعني أن المعرفة الحديثة غير مترابطة بالمعرفة السابقة ، إذ أنها تنمو منها وتتسع . وعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر قول اسحق نيوتن وهو في أوج إنتاجه العلمي ، إذ قال بأنه توصل إلى ما توصل إليه لأنه كان يقف على أكتاف العلماء العمالقة الذين سبقوه . كما وأنه يتضح لكل باحث متبصر بتاريخ العلوم ونموها أن المستوى المتقدم الذي وصلت إليه العلوم في زماننا الحاضر يقوم على كونها قد تأسست على التراث العلمي العظيم الذي تركته الشعوب في موكب التاريخ .   يسرني في هذه الأمسية أن استعرض معكم نظرة شاملة على دور السريان العلمي وأبين لكم مدى إسهامهم في تقدم العلوم الطبيعية ، النظرية منها والتطبيقية ، دون التطرق إلى العلوم الإنسانية أو الدينية اللاهوتية  . تجدر الإشارة إلى أن العلوم الطبيعية تشمل أيضاً الرياضيات ،  لما بينهما من ترابط عضوي في مراحل النمو المختلفة . كما وإني أؤكد لكم أن هذه النظرية الشاملة هي نظرة علمانية موضوعية صادرة عن شخص علماني وليس عن رجل دين .فقد سعيت ألا يتداخل انتمائي الطائفي مع الحقائق التاريخية . ولكن لا أخفي عليكم بأنني أعالج موضوع هذا البحث من منظور إيماني بعظمة التراث السرياني في مجرى الحضارة البشرية . وقبل البحث بدور السريان العلمي يجب عليّ أن أوضح الخلفيات التاريخية مشيراً بصورة خاصة إلى دور الملل التي تكون منها السريان ، والأماكن التي قام فيها نشاطهم العلمي بصورة رئيسية .   تكون الشعب السرياني &lt;br/&gt; بدأ انتشار القبائل الآرامية في منطقة الهلال الخصيب ، أي بلاد ما بين النهرين وسورية والسواحل الفينيقية والأردن وفلسطين وشمال الجزيرة العربية ، وذلك في أواسط الألف الثاني قبل الميلاد أي حوالي ( 1500 ) ق . م  . وبمرور الزمن أصبح الآراميون يكوّنون الشعب السائد في الإمبراطوريات الآشورية والبابلية والكلدانية . كما أن اللغة الآرامية أصبحت اللغة المحكية في هذه الأقطار رُغم تعدد لهجاتها . وقد تفرع من الآراميين فرع هو الشعب العبراني اليهودي . لم يستطيع الآراميون أن ينشئوا دولة آرامية موحدة : بل ظلوا دويلات وإمارات صغيرة ، نذكر منها على سبيل المثال : آرام نهرين ( الواقعة بين نهري الخابور والفرات ) ، وآرام فدان وعاصمتها مدينة حران ، وآرام دمشق وعاصمتها دمشق . ويجدر بنا أن نذكر أن اللغة الآرامية القديمة توسعت إلى درجة حتى أصبحت لغة التداول الدبلوماسي في عهد الإمبراطورية الفارسية بعد سقوط بابل . &lt;br/&gt; وفي خلال انتشار المسيحية في هذه الديار واعتناق الشعوب الآرامية والآشورية والكلدانية الدين المسيحي ، نبذ هؤلاء التسميات القديمة ، الآراميون مثلاً ، لأنه أصبح يدل على الوثنية ، فسموا أنفسهم سريان (ܣܘܪ̈ܝܝܐ) لكون المسيحية أتت إليهم من سورية .  كما أن اللهجة الآرامية المتداولة في مدينة الرها وجوارها تطورت ، لأسباب سنذكرها فيما بعد ، وصارت اللغة الأدبية والكنسية لجميع السريان أينما كانوا فعرفت باللغة السريانية إلى يومنا هذا . واقتبس الآراميون الكتابة من إخوانهم الفينيقيين في لبنان ، وطورّ السريان الحروف الفينيقية إلى الشكل المعروف بالاسطرنجيلي ونشروها بعدئذ في بلدان الشرق الأدنى وفي بعض أقطار آسيا بعدما بسّطوا كتابتها .  انقسم السريان في القرون الأولى من المسيحية إلى فرق عدة  أهمها السريان الغربيين ومعظمهم في الأقطار الواقعة ضمن الإمبراطورية البيزنطية وعرفوا المنوفيزيين ، والسريان المشرقيين أو النساطرة ومعظمهم في الأقطار الواقعة ضمن الإمبراطورية الفارسية ، والسريان الحرانيين أو صائبة حران ومركزهم مدينة حران وجواره حيث بقي معظمهم على وثنيتهم الخاصة ، والسريان الموارنة ومركزهم لبنان .&lt;br/&gt; إن العوامل التي أدت إلى هذا التطور التاريخي كثيرة منها سياسية ومنها حضارية دينية . لقد سقطت الإمبراطورية الآشورية في عام ( 612 ) ق . م ثم تبعها سقوط الإمبراطورية البابلية الكلدانية على يد داريوس الفارسي في عام ( 538) ق .م  . ومن ثم سقطت الإمبراطورية الفارسية الأولى في عام ( 330 ) ق . م على يد اسكندر الكبير المقدوني وجيوشه الإغريقية . وقبل هذا الحادث التاريخي الهام كانت اللغة الآرامية ، كما ذكرنا قد أصبحت اللغة الرسمية الدولية لكل البلدان الواقعة في الشرق الأوسط . لم يكن احتلال اسكندر الكبير لهذه المنطقة في الشرق احتلالاً عسكرياً فقط بل كان احتلالاً حضارياً أيضاً ،  فبدأت الحضارة اليونانية ولغتها تمد جذورها في هذه البلدان .&lt;br/&gt; بعد وفاة الاسكندر الكبير في بابل في عام ( 323 ) ق. م ، انقسم قادته البلدان التي فتحها ، فوقعت بلاد فارس والعراق وسورية وآسيا الصغرى تحت حكم السلوقيين اليونان ، كما وقعت مصر وفلسطين تحت حكم البطالسة اليونان . وكان همهم الأول تأسيس مستعمرات ومعسكرات ومدن إغريقية وتغيير أسماء المدن المزدهرة إلى تسميات يونانية ، مثال ذلك مدينة الرها التي أصبحت تعرف  ب أوديسا . كما تأسست المدن الشهيرة : الإسكندرية في مصر ، وأنطاكية في سورية ، وسلوقية ( المدائن ) في العراق بالقرب من بابل . &lt;br/&gt; لم يقف في وجه السلوقيين قوة كبرى سوى دولة البارثيين الفرس في شمال إيران ، فكانت المعارك تحتدم بين السلوقيين  و البارثيين بين فترة وأخرى . دام حكم السلوقيين في سورية حتى مجيء الرومان في عام ( 64 ) ق . م  . أما دولة البارثيين فدامت حتى أوائل القرن الثالث للميلاد ومن ثم انتقل الحكم الفارسي إلى الساسانيين ،  فكان هؤلاء يشنون الحرب على الرومان ، فأصبحت بلاد ما بين النهرين ساحة مفتوحة للمعارك القائمة بين هاتين القوتين ، فنزلت الويلات بمناطق السريان ومدنها من جراء ذلك . &lt;br/&gt; ورغم المنافسة والحروب التي كانت قائمة بين الفرس البارثيين  و السلوقيين ، ثم بين الساسانيين والرومان ، فقد تكوّنت دويلات وطنية مستقلة أو شبه مستقلة في ما بين النهرين وسورية والأردن . من هذه الدويلات نذكر مملكة الرها ، مملكة تدمر ، ومملكة الأنباط في بتراء ، ومملكة الغساسنة  في حوران . ومملكة الحيرة في العراق .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;التفاعل بين الحضارة الآرامية السريانية والحضارة اليونانية :&lt;br/&gt; بعد الفتح الاسكندري للشرق الأدنى ومصر أخذت اللغة اليونانية والثقافة اليونانية تنتشران بسرعة بين شعوب هذه المنطقة . وكان لمكتبة ومدرسة الإسكندرية دوراً هاماً في التقاء الثقافات والمعارف المختلفة : اليونانية والبابلية والمصرية . &lt;br/&gt;   لقد طُمر القسم الأعظم من المعرفة البابلية وثقافتها تحت أنقاض القصور والمعابد والمدن التي هدمت وتلف كذلك ما كتب بالآرامية على الرق وعلى أوراق البردي ، ولكن بقي منها الكثير في حافظة الشعوب الآرامية والسريانية فيما بعد وقد ظهرت هذه الكنوز الحضارية للعيان منذ بدء الحفريات الأثرية في أوائل القرن الماضي ، فأدهشت العالم المعاصر !&lt;br/&gt; يقول جورج سارتون في كتابه عن تاريخ العلوم أن علم الفلك اليوناني هو من أصل بابلي في أكثر أمره ، وكذلك الحال في الرياضيات . فاستمرار التأثير البابلي ظاهر بشكل رائع إلى يومنا هذا في النظام الستوني في التوقيت وحساب المثلثات . وكذلك معظم نظريات فيثاغورث منقولة عن الهندسة البابلية . &lt;br/&gt; يذكر فيليب حتي أن الفلكي سلوقوس الكلداني الذي عاش في المائة الثانية قبل الميلاد كان يدافع عن اعتقاده بأن الشمس هي مركز الكون وليس كما قال بطليموس بأن كوكب الأرض هو مركز الكون . وكذلك وضع سلوقوس الكلداني نظريات صحيحة عن علاقة القمر بحدوث المد والجزر على السواحل البحرية . &lt;br/&gt; وخلاصة القول ، أنه من المرجح أن الكثير من المعرفة العلمية الصحيحة انتقل من بلاد ما بين النهرين ومصر إلى اليونانيين عندما احتك هؤلاء بشعوب هذه البلاد قبل الفتح الاسكندري وبعده ، فنقل علماء مدرسة الإسكندرية هذه المعرفة في مصنفاتهم دون الاعتراف بهذا الواقع . وكتب بهذا المعنى تاثيان الرهاوي المعروف بالآثوري والذي عاش في القرن الثاني الميلادي في مدينة الرها ، في مقالة \&amp;quot; ضد الأفارقة \&amp;quot; قائلاً أن اليونان لم يكتشفوا شيئاً وأنهم انتحلوا جميع معارفهم من أمم أخرى ، كالآشوريين والفينيقيين والمصريين وأن تفوقهم إنما يتجلى في إتقان الكتابة .&lt;br/&gt; تجدر الإشارة إلى أن معارف الشرق القديم التحمت بالمعارف اليونانية : العلوم والرياضيات والفلسفة ، وذلك من خلال النشاط الثقافي في مدرسة الإسكندرية ومتحفها ومكتبتها . وبعدما أصبح معظم العاملين في هذه المؤسسة مسيحيين ، أخذ هؤلاء يقومون بالتنسيق بين المعارف والفلسفة اليونانية وبين اللاهوت المسيحي ، فنتجت عن ذلك ثقافة متطورة سميت بالثقافة الهلينستية . وكان من الطبيعي أن يعمل معظم الآباء السريانيين في إطار هذه الثقافة إذ كان إعجابهم بفلاسفة اليونان وخاصة أفلاطون وأرسطو كبيراً جداً  .  مراكز النشاط العلمي عند السريان&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;يمكن تصنيف مراكز النشاط العلمي عند السريان إلى أربع فئات وهي كما يلي : &lt;br/&gt; أ – المدارس  أو الكليات التي أسسها السريان منذ المئة الأولى والثانية في بلاد ما بين النهرين وفارس وسورية ، وأشهرها مدرسة الرها ، ومدرسة نصيبين ، ومدرسة السلوقية أي المدائن ، ومدرسة حران ، ومدرسة جندشابور .&lt;br/&gt; ب – الأديرة ومدارس الكنائس التي انتشرت في طول البلاد وأهمها : دير قنسرين على ضفة الفرات الشرقية إزاء مدينة جرابلس ، دير العمود بالقرب من رأس العين في الجزيرة ، دير قرتمين ويعرف بدير العمر ، دير تلعدا الكبير في حلب جوار أنطاكية ، دير مار زكا بجوار الرقة ، دير مار متى ودير مار بهنام بالقرب من الموصل ، دير مار برصوم بالقرب من ملطية ، مدرسة البطريركية الشرقية في بغداد ، ومدارس الكنائس في الحيرة والكوفة وكركوك وأربيل .... &lt;br/&gt; ج – المدارس التي أسسها الفرس والعرب والمغول حيث كان علماء السريان يقومون بأبحاثهم أو يدرسون فيها أو يشتركون في إدارتها ، وأشهر هذه الكليات مدرسة جندشابور في شمال إيران ، وبيت الحكمة الذي أسسه الخلفاء العباسيين في بغداد ، ومكتبة ومرصد مراغا في شمال إيران .   د – المدارس اليونانية الشهيرة حيث عمل فيها بعض علماء السريان ، وأهم هذه المدارس مدرسة الإسكندرية ، ومدرسة أنطاكية ومدرسة أثينا .&lt;br/&gt; ويجدر الذكر مرة ثانية أن اليونان بعد الفتح الاسكندري أخذ عددهم يتزايد في هذه الديار ، فسعوا إلى بسط حضارتهم ولغتهم على أهل البلاد الأصليين وساعدهم على ذلك الرومان . استمر البيزنطيون الروم على هذه السياسة فيما بعد . &lt;br/&gt; فكان لا بد من أن تحدث ردة فعل ومقاومة عند الشعوب المتكلمة باللغة الآرامية السريانية ، فتزعمت هذه الحركة في صدر انتشار المسيحية في الربوع الشرقية المدن التالية : نصيبين و الرها وحران ، وكل واحدة منها وقعت مراراً تحت سيطرة السلوقيين والرومان والبيزنطيين حتى الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي . ويجدر الذكر أن هذه المدن الثلاث تقع على إحدى الطرق التجارية الرئيسية قديماً ، إذ كانت تمر بها القوافل الآتية من أو الذاهبة إلى بلاد الصين والهند وإيران .&lt;br/&gt; وكانت حران مدينة مقدسة عند سكان العراق قديماً لأنها كانت أهم مركز لعبادة القمر أو الإله سن ، وبقي الحرانيون على وثنيتهم حتى خراب مدينتهم في القرن الثاني عشر بعد الميلاد . وإلى حران قدم إبراهيم الخليل ومكث فيها مدة لدى نزوحه من أور الكلدانيين قاصداً فلسطين .كما وأرسل إبراهيم عبده إلى حران قائلاً له : \&amp;quot; اذهب إلى حران واختر من بني قومي عروساً لابني اسحق \&amp;quot; . وقد حافظ الحرانيون على قسم كبير من العلوم البابلية في الطب والرياضيات والفلك . وكانت حران جزءاً من مملكة الرها إذ أنها تبعد تقريباً ( 45 ) كم عن الرها العاصمة .&lt;br/&gt; تأسست مملكة الأباجرة في الرها حوالي مئة سنة  قبل الميلاد واستمرت مملكة مستقلة أو شبه مستقلة حتى العام ( 217) بعد الميلاد وحسب التقليد السرياني يقال أنه جرى اتصال بين الأبجر الخامس الملقب ( أوكومو ) ويسوع المسيح ، فقدم توما الرسول يبشر المسيحية في الرها وجوارها ومن ثم انتقل إلى الهند حيث أسس الكنيسة السريانية هناك . وتابع التبشير المسيحي في الرها مار أدى . أحد المبشرين السبعين . وهناك دلائل ثابتة على أن أبجر الثامن اعتنق الدين المسيحي هو ومعظم أتباعه في الرها في أواخر القرن الثاني ، وبذلك تكون الرها أقدم مملكة مسيحية في تاريخ الكنيسة . &lt;br/&gt; ترجم الكتاب المقدس إلى اللغة الآرامية الرهاوية وسميت هذه الترجمة ( بشيطو ) أي المبسطة ، ولما استقر ططيان في الرها في العام ( 170) م ترجم الأناجيل الأربعة بقالب موحد ، وسمى هذه الترجمة( دياطيسرون ) أي من خلال الأربعة ، ودام استخدامها في الكنيسة السريانية حتى أبطلها مار رابولا في أواخر القرن الخامس . وكان ططيان ضليعاً في الفلسفة القديمة اليونانية إلا أن معظم ما كتب فقد . وجاءت من بعده برديصان الذي ولد على نهر برديصان في الرها وترعرع في بلاط أبجر الثامن وصاحب الأمير أبجر التاسع . وكان برديصان نابغة الشعر السرياني فألف القصائد الدينية والدنيوية ولحنها وعلمها للشباب والشابات في الرها وجوارها ، فكان مؤسس الكورس الموسيقي السرياني . وقد توفي برديصان في العام ( 220 ) م . وكان من نتائج الترجمة والمقالات والأشعار والأناشيد التي وضعت جميعها باللغة الرهاوية أن أصبحت اللهجة الآرامية الرهاوية لغة الكنيسة السريانية في جميع أنحاء البلدان فعرفت مذ ذلك الوقت باللغة السريانية إلى يومنا هذا كما ذكرنا . وتجدر الإشارة إلى أن مدينة الرها لا تزال قائمة ومعروفة بمدينة أورفا وهي واقعة في تركيا بالقرب من الحدود السورية التركية .&lt;br/&gt; دور السريان العلمي &lt;br/&gt; لا شك الآن أنكم تتساءلون ما هو دور السريان العلمي ؟ ماذا قدم السريان إلى العلوم النظرية والتطبيقية والرياضيات ؟  وماذا كان إسهامهم في الحضارة الإنسانية ؟  للسريان تاريخ طويل وإنتاج غزير في الكتب الذي ألفوه . وللإجابة عن هذه الأسئلة نحتاج إلى مجلدات عديدة من التدقيق والبحث والمقارنة . ولكني سأوجز لكم في هذه الأمسية ما اعتقد أنه يشكل المآثر البارزة عن دور السريان العلمي .&lt;br/&gt; 1- كما ذكرت ، كان السريان معجبين أشد الإعجاب بالتراث العلمي والفلسفي عند اليونان والبعض منهم شارك بتطويره إلى مرحلة جديدة عرفت بالهلينستية . فقام علماء السريان بنقل القسم الأكبر من التراث اليوناني إلى لغتهم السريانية بغية احتواء ذلك التراث وتعليمه في مدارسهم . وعندما فَقِدَ الأصل اليوناني كان هذا التراث محفوظاً باللغة السريانية وفي العهد الإسلامي العربي قام السريان بدور الترجمة مرة ثانية . ونقلوا هذا التراث من السريانية وأحياناً من اليونانية إلى العربية ، هكذا انتقل هذا التراث إلى أوروبا في القرون الوسطى ومن بعدها ، فكان ذلك عنصراً فعالاً في قيام النهضة هناك . &lt;br/&gt; 2- لم ينحصر عمل السريان بالترجمة فقط بل قاموا بالشرح والتفسير والتعليق على النصوص ومقارنة محتوياتها بالتراث السرياني وتراث شعوب أخرى . كما أنهم عملوا على التنسيق بين الفلسفة اليونانية والفقه المسيحي . وأشهر من قام بهذه الأعمال سويرا سابوخت ، ومار يعقوب الرهاوي ، وسرجيس  ريشعيني  ، وحنين بن اسحق ، ويوحنا بن ماسوية ، وابن العبري .&lt;br/&gt; 3- قام ملافنة السريان بتعليم عظماء الفلاسفة والعلماء المسلمين فقد تتلمذ الفارابي على يد متى بن يونس في  بغداد وثم ليوحنا بن خيلان في حران ، وكذلك الجيل الأول من الأطباء المسلمين تعلموا الطب من الأطباء السريانيين في بيت الحكمة في بغداد أمثال سرجيس بختيشوع وأولاده وحنين بن اسحق .&lt;br/&gt; 4- أتقن السريان الطب وبرعوا فيه . نقلوا الطب اليوناني إلى لغتهم وإلى اللغة العربية وأضافوا عليه الكثير من الطب البابلي . ويعتبر الطب السرياني أساس الطب العربي . ومن أشهر أطباء السريان نذكر : حنين بن اسحق ، وسرجيس بختيشوع وأولاده ، وثابت بن قرة الحراني وأولاده . &lt;br/&gt; 5- يعتبر جابر بن حيان الحراني مؤسس علم الكيمياء عند السريان والعرب وقد اشتهر أيضاً في علم السيمياء (alchemy)  ) . وهو الذي اكتشف كيفية تحضير بعض الأحماض كروح الملح وحامض الكبريتيك ، كما أنه حضر عدداً كبيراً من الأملاح الكيميائية . وقد اشتهر بعض ملافنة السريان في الكيمياء أيضاً وكتبوا مصنفات في العقاقير الطبية .&lt;br/&gt; 6- وللسريان دور هام جداً في تطوير الرياضيات وعلم الفلك ، وبرع الحرانيون خاصة بهذه العلوم لأنهم كانوا ضليعيين في الرياضيات والفلك البابلي . وأشهر العلماء في هذا الحقل هم ثابت بن قرة وأولاده ، ومحمد بن جابر بن  سنان البتاني ( توفي 929  م ) وهو حراني اعتنق الدين الإسلامي . ويُعد البتاني من عظماء الفلكيين والرياضيين في العالم .&lt;br/&gt;   وتجدر الإشارة بكل فخر إلى أن سويرا سابوخت ، رئيس دير ومدرسة قنسرين كان مطلعاً على الرياضيات الهندية وهو أول من أدخل الأرقام الهندية إلى الأوساط السريانية وكتب عن مميزاتها ، فأخذ العرب هذه الأرقام عن  سابوخت وليس عن الهنود مباشرة . وكذلك تجدر الإشارة إلى أن مار يعقوب الرهاوي الذي كان تلميذ سابوخت استنبط الأرقام المعروفة بالأرقام العربية السورية ومنه أخذ الأمويون هذه الأرقام معهم عندما انتقلوا إلى الأندلس ومن ثم انتقلت هذه الأرقام إلى أوروبا وتطورت إلى الشكل المستعمل في عصرنا الحاضر . &lt;br/&gt; 7- رغم استخدام السريان الأرقام الهندية أو السورية في الرياضيات والفلك فقد استمروا على استخدام الأحرف السريانية الفينيقية في تسجيل التواريخ وفي حساب الجمل في أشعارهم . ولا يزال هذا التقليد مستخدماً في العربية لبيان ترتيب المقاطع في النصوص المكتوبة أو المطبوعة ومثال ذلك إننا نكتب  ( ا ، ب ، ج ، د ، ه ،  ... ) وليس ( ا ، ب ، ت ، ث .....) .   &lt;br/&gt; 8- عندما انتشرت إرساليات السريان المشرقيين في الأقطار الأسيوية حمل الرهبان معهم الخط السرياني مما أدى إلى اشتقاق الخطوط المغولية والتترية والتركية القديمة في أواسط آسيا من الحروف السريانية الفينيقية . وتجدر الإشارة إلى أن بعض الرهبان السريان في الصين أخذوا التقليد الصيني فكتبوا السريانية بخطوط عمودية ، من الأعلى إلى الأسفل وليس من اليمين إلى اليسار .&lt;br/&gt; 9- لقد تأثرت اللغة العربية الفصحى بالسريانية بالنواحي التالية : دخول ألفاظ سريانية عديدة إلى اللغة العربية وطبعاً منها المفردات العلمية . وثانياً ، تنظيم الصرف والنحو العربي على مثال نظام الصرف والنحو عند السريان . ويقال أن سيبويه تعلم ذلك من يوحنا بار ماسويه . وثالثاً ، اشتق الخط العربي الكوفي خاصة من الخط السرياني .&lt;br/&gt; 10- كان السريان أصحاب تقنيات صناعية وزراعية وهندسية ويدوية في جميع مراحل تاريخهم الطويل . فاشتهروا بصناعة السجاد ، والتطريز ، ودبغ الجلود ، وتحضير الرق للمخطوطات ، وحياكة النسيج ، وصناعة الفخار ، وتحضير الأدوية والمأكولات ، وإلى هناك من انجازات . وقد ابتكروا الكثير من هذه التقنيات الحرفية ، وأخذت عنهم الشعوب التي اتصلت بهم . ويكفي أن أذكر لكم أن القماش المسمى  \&amp;quot; موصلين  \&amp;quot;  وهو ابتكار قام به سريان الموصل في شمال العراق ، وكذلك مشتقات البرغل والمأكولات التي تحضر منه .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;نقرأ في إنجيل متى الإصحاح الحادي والعشرين ما يلي عن يسوع المسيح : \&amp;quot; وفي الصبح إذ كان راجعاً إلى المدينة جاع . فنظر شجرة تينٍ على الطريق وجاء إليها فلم يجد فيها شيئاً إلا ورقاً فقط . فقال لا يكن ثمر بعد إلى الأبد . فيبست التينة في الحال  \&amp;quot; &lt;br/&gt; هذا هو دستور الحياة ، فمن لا ثمرة له لن يعيش في هذا العالم . يوم كان العلماء السريان وكنائسهم يقدمون الثمار الحضارية .، كانت الشعوب الأخرى تقدرنا وتتعلم منا ، فكنا نعيش في هذه الربوع معززين مكرمين رغم الكوارث والاضطهادات العديدة . وإذ حفظنا التاريخ حتى يومنا هذا ، ويجدر بنا أن نتمسك بواقع العلم الحديث والتقنيات المعاصرة كي نسير نحو حياة أفضل مع الشعوب المتقدمة . &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;...الدكتور يعقوب الدكتور يعقوب رزق الله نامق ( 1924 - 2000 )&lt;br/&gt;-    من مواليد أورفا ( الرها ) عام ( 1924 )&lt;br/&gt;-    حصل على الثانوية العامة عام ( 1948 ) من معهد حلب العلمي بحلب وعلى بكالوريوس في العلوم (الكيمياء ) من الجامعة الأمريكية ببيروت عام ( 1956 ) وعلى الماجستير في تدريس العلوم عام ( 1958 )&lt;br/&gt;-    حصل على درجة الدكتوراه بامتياز في اختصاص تدريس العلوم عام ( 1968) من جامعة ويسكونسين  -الولايات المتحدة الأمريكية .&lt;br/&gt;-    شغل منصب بروفيسور مساعد خلال الفترة ( 1964 - 1994 ) في الجامعة الأمريكية ببيروت ، ومنصب عميد كلية العلوم والرياضيات أعوام ( 1984   وحتى   1990 ) .&lt;br/&gt;-    ألف ووضع مناهج تدريس مادة العلوم للمدارس ( المرحلة ) الابتدائية والتي تم تدريسها في لبنان بدءً من عام ( 1972 ) وفي السودان عام ( 1973 ) وفي السعودية عام ( 1975 ) وفي البحرين عام ( 1984 ) .&lt;br/&gt;-    عضو مؤسس ل المركز التنموي للبحوث والإنماء في لبنان .&lt;br/&gt;-    عضو محترفي الهيئة الوطنية لمدرسي العلوم والهيئة الوطنية لتدريس العلوم وهيئة مدرسي العلوم  - لبنان  .&lt;br/&gt;-    عضو قيادة الفرقة ( 171 ) بحلب لكشاف سورية ( 1941 – 1946 ) ، ثم عميد الفوج السادس بحلب لكشاف سورية وقائد فرقة الأنصار حتى عام ( 1953 ) . وأمين سر اللجنة المركزية لمفوضية حلب لكشاف  سورية ( 1947 – 1953 ) . رئيساً لجمعية النجمة    بيروت دورتين . &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;</description>
    </item>
    <item>
      <title>وداعاً يا ماردين &#13;&#13;هنرييت عبودي </title>
      <link>http://www.syriacstudies.com/AFSS/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A1/Entries/2010/6/18_%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D9%8B_%D9%8A%D8%A7_%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%AF%D9%8A%D9%86_%D8%AA%D8%A3%D9%84%D9%8A%D9%81___%D9%87%D9%86%D8%B1%D9%8A%D9%8A%D8%AA_%D8%B9%D8%A8%D9%88%D8%AF%D9%8A.html</link>
      <guid isPermaLink="false">429f183c-91fa-4bdd-abba-7aedb4838dcf</guid>
      <pubDate>Fri, 18 Jun 2010 06:28:35 -0400</pubDate>
      <description>رواية&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;ماردين هي احدى المناطق السورية التي انتقلت الى السيطرة التركية بفعل مؤامرة سايكس - بيكو وما جرّته على امتنا من ويلات على صعيد وحدتها ، وصولاً الى وعد بلفور وتأسيس دولة الاغتصاب في الجنوب السوري .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;مادرين ، كما مناطق اخرى في تركيا ، كان يقطنها ارمن أو سريان ، تعرّضت للمذابح والتهجير ، وهذا ما يعرفه كل مطلع على التاريخ الحديث لامتنا ، وللشرق الاوسط ، وشكلت - تلك المذابح - قضية سياسية ما تزال تتفاعل حتى يومنا هذا .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&amp;quot; وداعاً يا ماردين &amp;quot; هو الكتاب الصادر عن دار &amp;quot; بترا &amp;quot; بالاشتراك مع دار &amp;quot;الفرات&amp;quot; ، للروائية هنرييت عبودي وهو رواية من 312 صفحة ، حجم وسط .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;التعريف التالي ننقله عن الغلاف الاخير للرواية ، ومنه يستدل على مضمون الرواية التي رغبت هنرييت عبودي ان تحكي فيها عن قصة السريان السوريين في مدينة ماردين:&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;الذاكرة لا تخمد ما دام الراهن يستدعيها . وعندما تمتلئ الذاكرة البعيدة بصور القهر والاضطهاد وعندما تطغى على الذاكرة القريبة الصور ذاتها ، مع اختلاف الناس والزمن والجغرافيا ، لا يمكن لحاملتها - إن كانت كاتبة - إلا أن تعيد تظهير جميع الصور المتناثرة في ذاكرتها ، سواء منها ما عاشته او ما عايشته من خلال ذاكرة الآخرين . فالذكريات الأليمة ما لم تُبلسَم بالتسامح تبقى كالجرح غير المندمل تنكأه أبسط الاحداث فيعاود نزف الآلام .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وعلى سؤال &amp;quot; لماذا هذه الرواية &amp;quot; ، تجيب هنرييت عبودي :&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;كانت إذا ما استذوقت حبة عنب سارعت إلى القول: &amp;quot;يبقى عنب ماردين أحلى وأزكى&amp;quot; .&lt;br/&gt;وكانت إذا ما أكلت قطعة من الجبن الشهي عقّبت على الفور: &amp;quot;لا شيء يمكن أن يضاهي جبن ماردين نكهة&amp;quot; .&lt;br/&gt;وكانت إذا ما أعدّت لنا شواءً ، يسيل اللعاب لما يفوح منه من الروائح ، ضحكت من إقبالنا النهِم عليه وقالت: &amp;quot;ماذا كنتم ستفعلون لو قدمت لكم طبقاً من قليّة ماردين؟ كنتم ستلتهمون اللحم والطبق معاً&amp;quot; .&lt;br/&gt;حتى قمر حلب - ويعلم الله كم هو جميل قمر حلب في لياليها الصيفية - ما كان ينال كامل رضاها: فأين هو من &amp;quot;قمراية&amp;quot; ماردين؟ ذلك أنها ثابرت على التكلم بلهجة ماردين مع أنها غادرتها وهي طفلة .&lt;br/&gt;وما من مرة أتت فيها بذكر مدينتها ، التي تتفوق على سواها بمناخها وبساتينها ، بأهلها وعاداتها ، بطعامها وسهراتها ، إلا وكنت أمازحها قائلة: حتى لو بقي من عمري يوم فسأذهب لزيارة ماردينك هذه .&lt;br/&gt;عندما كنت أتعمد تكرار هذه العبارة كانت أمي لا تزال على قيد الحياة وكنت أنا لا أزال في مقتبل العمر . عمر كان يبدو لي مديداً ، مطاطاً ، له نهاية ولا شك ، ولكن بعيدة… ومضت السنوات ، وشسعت المسافات الفاصلة بيني وبين مدينة أمي ، وتضاءلت ، إلى حد التلاشي ، فرص زيارتها . ولكن بقي العهد الذي قطعته على نفسي يلازمني ويلّح عليّ بالتنفيذ . فعزمت على النهوض بتلك الرحلة ، بتلك العودة إلى ينابيعي الأولى ، ولكن بالوسيلة الوحيدة المتاحة لي : أعني المخّيلة ، فانكببت على كتابة هذه الرواية .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;ثمة اعتبار آخر دفعني إلى محاولة إعادة إحياء أجواء وأحداث لم أكن ، بالطبع ، شاهدة عليها : شعوري بأن للماضي حق الحضور في ذاكرتنا ، وبأن علينا واجب السهر عليه . فمن الظلم أن تكون آلاف مؤلفة من الضحايا البريئة قد قضت في لحظة من لحظات جنون التاريخ من دون أن تجد من يرثيها ويروي فاجعتها . ذلك أن ماردين ، التي اختارت أمي ألا تحتفظ عنها إلا بالذكريات الحلوة ، كانت في مطلع القرن الماضي مسرحاً لجرائم همجية وتصفيات جماعية أسوة بسائر مناطق ولايات الأناضول الشرقية . ولئن حفظت ذاكرة التاريخ المجزرة الرهيبة التي حلّت بالأرمن ، بل حرب الإبادة التي هدفت إلى استئصالهم ، فقد أسقطت من حسابها مأساة السريان الذين قدمّوا عشرات الآلاف من الضحايا ، لا على مذبح التمييز الإثني ، بل على مذبح التمييز الطائفي : فقد جرى الفتك بهم وتهجيرهم لا لسبب إلا لكونهم من دين مغاير .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;عندما كنت أصغي إلى الفواجع التي ألمّت بهم ، ترويها عليّ خالة مسنّة كانت في عداد من هاجر إلى حلب واستقر فيها ، كنت ، رغم تأثري الشديد بكل ما أسمع ، أشعر أن هذه المآسي هي ملك ماضٍ ذهب إلى غير رجعة . أفلم نكن نردد ، منتشين: &amp;quot;الدين لله والوطن للجميع&amp;quot; ، ساخرين من الطائفية ، محيلينها ، في أذهاننا ، إلى متحف التاريخ؟&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;ولكن أحداث لبنان جاءت توقظنا من حلمنا الجميل! فقد عاد &amp;quot;القتل على الهوية&amp;quot; يحصد الضحايا البريئة؛ في بلاد الأرز أولاً ، وفي بلاد الرافدين والعديد من الأقطار العربية الأخرى لاحقاً . وما عادت آلة القتل تكتفي باستهداف التمايز الديني ، بل غدت تبحث عن وقودها في التمايز الطائفي داخل الدين الواحد ، وهي لا تني تزداد شراسة وضراوة حتى غدا شبه مستحيل أن ينقضي يوم واحد بدون أن نسمع عن سقوط ضحايا لم تقترف من ذنب سوى أنها تمثل &amp;quot;الآخر&amp;quot; الذي أمسى ممقوتاً لأسباب يتأبى العقل عن فهمها ، فكم بالأحرى عن المصادقة عليها .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&amp;quot;وداعاً يا ماردين&amp;quot; رواية ، وهذا يعني أن للخيال فيها دوراً رئيسياً . لكن رجال السياسة والإدارة من أبطالها حقيقيون ، كما أن أحداثها المأسوية هي وقائع تاريخية مثبتة . وفي مطلق الأحوال ، كان الخيال سيخونني ، كما كان سيخون أي روائي آخر ، في تخيّل نظائر تلك الجرائم الهمجية التي اقترفت بحق أبرياء: فالواقع ، هنا ، يفوق بالفعل كل خيال .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;يبقى أن أقول إن بعض المصادر تقدّر إجمالي عدد الضحايا من السريان ، في سلسلة الاضطهادات والمجازر التي شهدها الربع الأخير من القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين ، بأكثر من خمسمائة ألف .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; كلمة الغلاف&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;الذاكرة لا تخمد ما دام الراهن يستدعيها . وعندما تمتلئ الذاكرة البعيدة بصور القهر والاضطهاد وعندما تطغى على الذاكرة القريبة الصور ذاتها ، مع اختلاف الناس والزمن والجغرافيا ، لا يمكن لحاملتها - إن كانت كاتبة - إلا أن تعيد تظهير جميع الصور المتناثرة في ذاكرتها ، سواء منها ما عاشته أو ما عايشته من خلال ذاكرة الآخرين . فالذكريات الأليمة ما لم تُبلسَم بالتسامح تبقى كالجرح غير المندمل تنكأه أبسط الأحداث فيعاود نزّ الآلام .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;بعمق الروح المتسامحة ، غير الغريبة عن هنرييت عبودي التي كانت ترجمت للقارئ العربي رسالة ڤولتير عن التسامح ، تروي لنا الكاتبة بسرد مشوق تاريخ أسرتها السريانية وحكاية مدينة ماردين ، وحكاية ديار بك وولايات الأناضول الشرقية ، بل حتى حكاية أهالي مدينة حلب التي فتحت صدرها للمنكوبين . فنتعرف من خلال أحداث الرواية على جانب مهم ومؤثر من تاريخ المجتمع السوري الحديث .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وتصور لنا الرواية على لسان أبطالها ، وبلغة نابضة بالواقعية ، درب الآلام الذي سلكه السريان العرب هرباً من المذابح وحملات التهجير التي تعرضوا لها في الربع الأول من القرن العشرين عندما عصفت بالإمبراطورية العثمانية المحتضرة الرياح المجنونة للعصبية الاثنية والطائفية التي ما برحت تضرب بالجنون نفسه في شتى أرجاء منطقتنا وكأنها قدرنا الذي لا تخمد ناره تحت الرماد .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&amp;quot;من الظلم أن تكون آلاف مؤلفة من الضحايا البريئة قد قضت في لحظة من لحظات جنون التاريخ من دون أن تجد من يرثيها ويروي فاجعتها&amp;quot;؛ فللحقيقة حقها وللتاريخ حقه ، وكذلك لروح التسامح الذي ترى هنرييت عبودي فيه وسيلتنا لمواجهة ذلك القَدَر: لهذا كتبت روايتها مودِّعةً ماردين .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; هنرييت عبودي في ملحمتها الكبرى&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;بقلم : هاشم صالح&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;هذه ليست رواية . هذه ملحمة عائلية تخص شعبا بأسره : إنّه شعب السريان الذي لا نكاد نعرف عنه شيئا لأنه ينتمي إلى الأقلّيات المحتقرة عادة من قبل الأغلبيات ، وخاصة في ظل السيطرة العثمانية . فمن سيهتمّ بهؤلاء الناس الذين ينتمون إلى الأقلّية مرّتين لا مرّة واحدة : أقلية على المستوى العرقي ، وأقلية على المستوى الديني . ولماذا لم ينقرضوا أصلا ونرتاح منهم؟ في الواقع ، كادوا أن ينقرضوا من كثرة الاضطهاد والعسف ، أو التعصب الأعمى والجهل والطغيان . فمن يستطيع أن يصف مجرّد وصف طغيان الإمبراطورية العثمانية وجنرالاتها وباشواتها المرعبين خاصة في أواخر أيامها؟ لقد ضرب بها المثل في هذا المجال وانهارت غير مأسوف عليها . ولكنها قبل أن تنهار نهائيا ارتكبت أكبر مجزرة ضد الأرمن والسريان والكلدان وسواهم من الأقلّيات المسيحية . وهي المجازر التي امتدّت منذ نهايات القرن التاسع عشر حتى بدايات القرن العشرين . أي بشكل خاص عام 1895 ، و1909 ثم المجزرة الكبرى بين عامي 1915 و 1918 .&lt;br/&gt;وهنا ، في هذه الرواية ، نجد أحد فصول رعبها وهمجيتها الأكثر سوادا .&lt;br/&gt; هل هذه الرواية هي سيرة ذاتية أم قصة خيالية؟ لا يهمّ . هي كلّ ذلك دفعة واحدة . لا ريب أنّ الواقع يختلط فيها بالخيال . ولكن لم يحصل أي تلاعب بالأحداث التاريخية ، فقد وضعت كما هي . فقط حصل تغليف للظروف الشخصية بالخيال الروائي المحبّب والمشوق . ولولا ذلك لفقدت الرواية رونقها أو لتحوّلت إلى كتاب وثائقيّ جافّ في علم التاريخ عن مجازر الأرمن والسريان وسواهم . لولا ذلك لما كانت رواية تنبض بالحياة . ومعلوم أنّ الكاتبة تبرع في وصف شبكة العلاقات العائلية والاجتماعية بشكل إنساني ، حميمي ، دافئ . إنها قادرة على أن تخلق جوّا متكاملا يضجّ بالحياة ككلّ الروائيين الحقيقيين . وذلك على عكس الروائيّ الفاشل الذي يبدو جوّه أو عالمه مصطنعا متفكّكا غير مقنع على الإطلاق . وقد برهنت على مهارتها الفنية هذه أكثر من مرّة في رواياتها السابقة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; ولكنّ هذه الرواية تتفوّق على كل سابقاتها في رأيي لسببين : الأوّل هو أنها تطرح موضوعا حميميا يخصها نفسيا وشعوريا إلى أقصى الحدود . إنه ليس موضوعا خارجيا عليها وإنّما داخليّ . فهي تخرج إلى دائرة الضوء قصّة الاضطهاد الرهيب الذي تعرّض له ليس فقط شعب الأرمن وإنّما شعب السريان أيضا . فمن كثرة ما تمّ التركيز على مجزرة الأرمن نسي الناس مجازر أخرى تمّت تحت غطائها أو تحت معطفها إذا جاز التعبير . وبالتالي فهم &amp;quot;منسيّو التاريخ&amp;quot; كما يرى كبار مؤرّخي تلك الفترة المظلمة من حياة منطقتنا . والثاني هو أنّ المؤلفة لا تخترع هذه المرّة شخصيات روايتها من العدم وإنّما تستمدها من أقرب المقربين إليها : أي من أمّها وأبيها وجدّها وجدتها وعمّاتها وأعمامها وأخوالها وجيرانها .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; باختصار فإنّها تقدّم لنا الذكريات العائلية الشخصية على طبق من ذهب أو من نار . لا ريب في أنّه لزمها الكثير من الشجاعة والجرأة كي تتحدّث عن موضوع خطير ومؤلم كهذا الموضوع . فمن المعلوم أنّ الإنسان يميل إلى طمس الذكريات الأليمة في أعماق وعيه أو لاوعيه لكي يستطيع أن يعيش أو يستمرّ في العيش . إنّه يهرب منها باستمرار ولا يطيق تذكّرها إلا بشقّ النفس . كلّ من عاش طفولة تراجيدية أو كابوسية سوداء يعرف ذلك . أنا شخصيا عاجز عن مواجهة طفولتي حتى بعد مرور خمسين سنة تقريبا على الأحداث . وعاجز عن التحدّث عنها إلا بشكل تلميحيّ سريع هنا أو هناك . إنّها أكبر منّي . فما بالك بمجازر مرعبة تقشعرّ لها الأبدان؟ هل يمكن للمؤلفة أن تكون سعيدة بذلك وهي تستعرض أمامنا شريط الأحداث المتوالية رعبا على رعب؟ هناك صفحات لا تستطيع قراءتها بسهولة . وأنا شخصيا عانيت أثناء قراءتها وتقريبا أجبرت نفسي إجبارا على ذلك . صحيح أنّها تغلّفها بأسلوبها المشهور . ولكني أعتقد أن هنرييت عبودي استطاعت أن تفعل ذلك لأنّها لم تكن معنيّة مباشرة بالأحداث . فهي لم تكن قد ولدت بعد عندما حصلت المجزرة ثمّ الهرب من ماردين إلى حلب حيث ولدت بعد فترة طويلة نسبيا . أمّها كانت شاهدة عليها وهي التي تتّخذ في الرواية اسم : لطيفة . أمّها التي كانت مصابة مباشرة وليس هي . ولكن إذا كانت أمّك مصابة ألن تكون مصابا أنت أيضا بشكل من الأشكال؟&lt;br/&gt; لقد فوجئت عندما اطلعت على كلّ هذه التفاصيل . واستغربت كيف أنّ المؤلفة سكتت حتى هذه اللحظة عليها . كيف لم تكتب حتى الآن عن أخطر موضوع في حياتها؟ ولكن لحسن الحظّ أنّها تجرّأت وفتحت فمها أخيرا . وكما يقول المثل الفرنسيّ : من الأفضل أن يأتي الشيء متأخّرا على ألا يأتي أبدا . والواقع أنّ استمرار السكوت على موضوع إنسانيّ كهذا كان يمكن أن يتحوّل إلى جريمة بحدّ ذاته : أقصد جريمة بحقّ الإنسانية والحقيقة والتراجيديا الكبرى التي تعرّض لها أناس أبرياء كانوا مطمئنين في ديارهم . ثم انقلب عليهم الدهر فجأة وحوّل حياتهم إلى جحيم وأنقاض وأشلاء . من يستطيع أن يسكت على جرائم كهذه؟ نقول ذلك خاصة وأنّ الرواية ناجحة من الناحية الفنية ، بل ربما كانت أنجح رواياتها وأهمّها على الإطلاق . والواقع أنّ الجانب التاريخي من الرواية أو قل الجانب الوعظيّ الأخلاقيّ لم يطغ على الجانب الفنّي كما كان متوقعا ومخشيا في مثل هذه الحالة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; كان يمكن للمؤلفة أن تستسلم لعواطف الألم والضغينة على هؤلاء المجرمين الذين قتلوا عائلتها وتحوّل روايتها إلى مجرد إدانة كاملة لهم . لا ريب في أنّها أدانتهم ولكن بشكل غير مباشر وغير وعظي مملّ على الإطلاق . لقد عرفت الكاتبة كيف تظل مخلصة للفن الروائي وكيف تأخذ مسافة معينة عن عواطفها الذاتية وهي تقدم الأحداث التاريخية من خلال السرد المشوق لسيرة هذه العائلة وعائلات ماردين الأخرى وما تعرضت له من متاعب وويلات . في بعض اللحظات لا تستطيع أن تواصل القراءة . هناك صفحات مزعجة بالفعل ولا تكاد تحتمل من شدة الفظاعات والجرائم التي ارتكبت في حقّ أناس أبرياء لا ذنب لهم إلا أنهم مختلفون دينيا . فقد خلقهم الله مسيحيين لا مسلمين . هل يمكن أن تُحاسب على مكان ولادتك؟ شيء لا يكاد يصدّق . ومع ذلك فهذا ما حصل . الشيء المرعب في القصة هو التالي : يحصل أحيانا أن تنفرد بك قوّة غاشمة في غفلة من الدهر حيث كلّ الناس مشغولون عنك ، وحيث تتخلى عنك كلّ قوى الأرض والسماء فجأة وتجد نفسك أمام المصير المحتوم ولا مهرب ولا نجاة ولا مناص . هناك يكمن الرعب أو رعب الرعب . ولذلك فإنّ بعض شخصيات الرواية تكفر بالله في لحظة غضب ويأس وهلع لا تكاد توصف . (انظر ممدوح .ص 49 . إنه غضب الله…غضبه على ما يُقترف بحق الأبرياء! غضب الله! كان ممدوح يردد بحدة وانفعال وهو يصارع الطبيعة الهوجاء ، وفي ظلمة الليل ارتفع صوته يسأل : ولِمَ يكتفي بالغضب . لِمَ لا يتدخل؟&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;عندما يقرأ المرء هذه الصفحات يستغرب كيف أن أحدا لم يتحدث عن هذه الفترة العصيبة ، عن هذا الاضطهاد الذي لا يكاد يصدق والذي لم يحصل في العصور الوسطى وإنّما في بدايات القرن العشرين! ولكن هل تجاوزنا العصور الوسطى يا ترى؟ عندما يطلع المرء على كل ذلك لأوّل مرّة ، وهذه هي حالتي ، يستغرب كيف لم تحتلّ هذه الأحداث أية أهمية داخل الثقافة العربية أو داخل كتب التاريخ المدرسية التي قرأناها . على حدّ علمي لا أثر لها في برامج تعليمنا ولا حتى في جامعاتنا أو معاهدنا العليا . لو كانت المسألة تتعلق ببعض المشاغبات أو الاعتداءات البسيطة على هذا الطرف أو ذاك لهان الأمر . ولكنها تتعلق بمقتل مليون ونصف المليون أرمني بالإضافة إلى نصف مليون سرياني وكلداني! ومع ذلك فلا أثر لها تقريبا في تاريخنا أو في ثقافتنا . كيف يمكن لشخص مثلي يلتهم عشرات الكتب سنويا إلا يكون قد سمع بالموضوع حتى الآن؟ لولا رواية هنرييت عبودي لمرّ عليّ مرور الكرام . هذا هو الشيء المقلق وربما لم يكن أقل إقلاقا وخطورة من المجازر ذاتها!&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; هل يحقّ للمثقفين العرب أن يسكتوا أبديا عن موضوع كهذا؟ لحسن الحظّ فهناك استثناء على هذه الصورة السوداء . إنه صادر عن المثقفين الأتراك أنفسهم . ويمكن أن نذكر في طليعتهم أورهان باموك الحائز على جائزة نوبل للآداب . ومعلوم أنه تعرض للمتاعب بسبب موقفه المشرف من المجزرة الأرمنية الكبرى . فقد اعترف بها وأدانها ودعا قومه للاعتراف بها . وبسبب ذلك وأشياء أخرى تعرض للتهديد من قبل اليمين المتطرف التركي . ولذلك فهو يعيش خارج البلاد لكي يكتب ويتنفس ويفكر بحرية . ولكنه ليس الوحيد . فقد بلغ عدد التوقيعات على الانترنيت أكثر من سبعة آلاف مثقف وصحفي . وكلهم أتراك من جيلنا يدعون حكومتهم للاعتراف بما حصل . وهذا يعني أن الضمير التركي لم يمت بعد . بل إنه في طور الانبثاق والتشكل كضمير حديث ومسؤول . وربما كان قد سبقنا من هذه الناحية . ولا أعرف لماذا تكابر القيادة التركية الحالية وتعاند وترفض الاعتراف بالمجزرة الكبرى سواء تلك التي تخص الأرمن أو تلك التي تخص السريان . . فهي ليست مسؤولة عنها بأي شكل ولا كذلك الشعب التركي الحالي وإنّما الأجيال السابقة قبل مائة سنة . بل وليست الأجيال السابقة كلها مسؤولة وإنّما فقط القيادة الإجرامية التي حكمت في تلك الفترة . وهي معروفة بأسمائها وأسماء باشواتها وجنرالاتها وجلاديها وجلاوذتها . ومعظمها مذكور على مدار الرواية لحسن الحظ . فقد كان ينبغي أن نُتحف بأسمائهم لكي نتعرف عليهم على الأقلّ أو لكي نتذكرهم ونبصق عليهم إذا كنا قد نسيناهم بعد كل تلك الفترة الطويلة التي تفصلنا عنهم . إذا لم تخنّي الذاكرة فإن مؤسس التحليل النفسي سيغموند فرويد كان يقول ما معناه : سوف تظل روح المظلوم تصرخ وتستغيث حتى يعترف الظالم بما اقترفته يداه بشأنها . عندما يعترف بأنّه ظلمها واضطهدها بغير حقّ فإنّ روحه تستريح وتهدأ . أما قبل ذلك فلا . وهذا شيء يعرفه ويحس به أي مظلوم في التاريخ وليس فقط الأرمن أو السريان . انظر الحالة الفلسطينية . وبالتالي فالحكومة التركية سوف تعترف بذلك عاجلا أو آجلا ولن تستطيع التهرب من الحقيقة إلى الأبد . وسوف تكسب احترام العالم كله عندما تعترف بأن القادة الأتراك السابقين المجرمين استغلوا ظروف الحرب العالمية الأولى وانشغال الناس بها لكي يحلوا المسألة الأرمنية والمسيحية كلها على طريقتهم الخاصة : أي عن طريق التصفية الجماعية الكبرى : أو ما يعرف بالإبادة .&lt;br/&gt; هذا لا يعني أن الرواية كلها سواد في سواد أو بكاء ونحيب وعويل على مدار الصفحات! أبدا لا . فالرواية ممتعة بل ومضحكة في أحيان كثيرة . ومن يعرف هنرييت عبودي يعلم أنّها بارعة في التهكم الساخر المبطن . ورغم مأساوية الموضوع ورعب الأحداث إلا أن روح الدعابة لا تفارقها . هل تريدون أمثلة على ذلك؟ إليكم بعضها: كيف كان الجدّ يمضي وقتا طويلا في تضبيط الطربوش على رأسه فيستقيم تماما ولا يحيد عن موضعه قيد شعرة أبدا .ص12 . ويثير بذلك استغراب أحفاده وإعجابهم إن لم يكن ضحكهم وسخريتهم . أو كيف &amp;quot;نفدت&amp;quot; غالبية اليتيمات العازبات في ماردين وحواليها لأنّ من يتزوج يتيمة يعفى من الخدمة العسكرية لدى الأتراك .ص 14 . أو كيف منحوا الزعيم الديني للأرمن الأسقف مالويان وساما عثمانيا دون علمه وحتما ضد إرادته . وهذا هو المضحك المبكي . تقول المؤلفة :&lt;br/&gt;&amp;quot;هل علمت بالذي حصل؟ سألته بفضول . وإذ بدا واضحا على ملامحه أنه لم يعلم ارتفعت جوقة من الأصوات تزف إليه الخبر المذهل: لقد منح الأسقف مالويان وسام استحقاق! أعطاه السلطان نيشانا .حصل عليه بموجب فرمان . نيشان الشاهاني الذي منح هو من أسمى الأوسمة وأرفعها مكانة . لقد ذهل الأسقف عندما سمع بالنبأ . فهو لم يطلب أي وسام من الباب العالي ولم يكن يتوقع أصلا أي بادرة ايجابية من السلطات العثمانية بعد الذي حصل…&amp;quot;&lt;br/&gt;هذا الأسقف المسكين هو الذي قتلوه بعدئذ شرّ قتلة بعد أن أهانوه على رؤوس الأشهاد .&lt;br/&gt; أو لنستمع إلى هذه العبارة عن شخص آخر: &amp;quot;قطع ميخائيل العواد سيل التعليقات الصادرة من كل صوب ليقول ، وهو يخلع طربوشه ليحك صلعته الجافة البشرة&amp;quot; . .ص 21 الخ . وبانتظار أن يكون قد حك صلعته يكون قد نفد صبرهم وهم ينتظرون ما سيتفوه به من كلام . .&lt;br/&gt; وعموما فإن المؤلفة تبرع في تصوير النماذج البشرية وبخاصة البخلاء . فهي تنقض عليهم انقضاضا وتتلذذ بفضح حكايا بخلهم وشحهم وكل الحيل التي يستخدمونها لكيلا يصرفوا شيئا . انظر مثلا البورتريه الممتع الذي تقدمه عن ميخائيل العواد السالف الذكر . من الصفحة 30 إلى الصفحة 33 وما بعدها . إن قراءتها تمثل متعة ما بعدها متعة .&lt;br/&gt;  فهناك بورتريهات أخرى عديدة على مدار الرواية . وهي ليست محصورة بالبخلاء فقط وإنّما تخص مختلف أنواع النماذج البشرية . من خلال هذه البورتريهات أو الصور الشخصية تمارس المؤلفة النقد الاجتماعي على هواها كما تشاء وتشتهي وتقدم فلسفتها في الحياة أو عن الحياة بشكل غير مباشر .&lt;br/&gt; ولكن سرعان ما نحزن على ميخائيل العواد هذا ونتعاطف معه بعد أن نعرف إنهم قتلوه شر قتلة.&lt;br/&gt; لن أدخل في تفاصيل المجازر والفظاعات الواردة في الرواية لأن ذلك مزعج أولا ولأنها كثيرة جدا ثانيا . ولن أتحدث عن مغادرة آل مسعود لماردين على الرغم من أنّها أعز عليهم من روحهم . ولكن غادروها في آخر لحظة غصبا عنهم إلى حلب كيلا يبادوا كليا بعد مقتل ابنهم ممدوح  . وقصة هذه المغادرة وما حصل أثناء الطريق من حوادث وتقلبات وتضامن عائلي إبان المحن تشكل الجزء الثاني من الرواية بكل ما تحمله من تشويق ومتعة ومعلومات انتربولوجية عن منطقتنا في تلك الفترة . لقد قرأت هذه الفصول بدءا من مغادرتهم ماردين إلى رأس العين لركوب القطار إلى حلب أكثر من مرة . إنّها مغامرة ممتعة فعلا وتشدك إليها غصبا عنك . وفي أثناء ذلك يجد القارئ لمحة تاريخية عن ماردين منذ أقدم العصور وحتى اليوم . ص 113-125 . ما كنت أعرف أن صفي الدين الحلي كان أحد شعرائها بعد أن استضافته وأقام فيها لفترة طويلة من الزمن . بعدئذ تبتدئ فترة حلب ويتفرق بعض أعضاء العائلة في شتى أنحاء الأرض من زحلة إلى بيروت إلى الاسكندرية إلى أمريكا الجنوبية… وعندئذ تتحول ماردين إلى ذكرى أسطورية لا تنسى . إنّها تشبه الفردوس المفقود . من هنا العنوان الجميل الذي يشكل غصة حارقة في القلب: &lt;br/&gt; وداعا ماردين ، وداعا لا لقاء بعده . .  وفي آخر الرواية(ص 311) تسجل المؤلفة بشكل متواضع وشبه خفي تقريبا هذه العبارة: &amp;quot;سيتابع أبطال هذه الرواية حياتهم في جزء تال&amp;quot; . ولكن هل تعلم أن هذه العبارة البسيطة هي التي تزرع الأمل في القلوب؟ &lt;br/&gt; بم تذكّرني رواية هنرييت عبودي؟ سوف أقولها بكل صراحة وربما أدهشتكم: إنّها تذكرني بمجازر &lt;br/&gt;البروتستانتيين الفرنسيين على أيدي الأغلبية الكاثوليكية في فرنسا القرن السابع عشر وعلى يد لويس الرابع عشر بالذات . فمناظر التعذيب لتحويلهم عن مذهبهم ، وعمليات الطرد الجماعي على الطرقات والدروب/ وتمزيق العائلات ، و&amp;quot;الكبسات&amp;quot; على البيوت الآمنة في جنح الظلام ، واغتصاب الفتيات . .كل ذلك حصل في كلتا الجهتين . هنا أيضا لا تستطيع أن تقرأ التفاصيل في كتب التاريخ الكبرى إلا بشقّ النفس . هنا أيضا يدمى قلبك في كل صفحة أو كل سطر وتستغرب وحشية الجنس البشري إذا ما أرغى وأزبد وأفلتت الأمور من عقالها . ويمكن أن نذكر أيضا كرومويل البروتستانتي وما فعله من فظاعات ضد الكاثوليك في ايرلندا الشمالية . فبعد أن استباحهم قال لجنوده: اقتلوهم عن بكرة أبيهم فإذا كأن فيهم أحد صالح فالله يعرف كيف يتعرف على عباده الصالحين . فذهبت مثلا . الفرق الوحيد هو أنه في الحالة الأولى كان هناك اختلاف ديني ، وفي الحالة الثانية اختلاف مذهبي داخل الدين الواحد . ولكن في كلتا الحالتين تلاحظ نفس آليات التعصب الأعمى . هنا أيضا تلعن الساعة التي ولد فيها الجنس البشري وتفهم لأول مرة هذا البيت الشهير للأحيمر السعدي:&lt;br/&gt; عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى&lt;br/&gt; وصوّت إنسان فكدت أطير!  الذئب أفضل من الإنسان . الذئب على الأقلّ لا يقتلك إلا لأنه جائع ، ثم يحل عنك بعد أن يشبع . أما الإنسان فيقتلك أنت وكل عائلتك وجيرانك وجماعتك ولا يشبع من الدم إلا بعد أن يوغل فيه ويسقط عشرات أو مئات الآلاف من الضحايا . بل وقد يمثل بك حتى بعد أن يقتلك ثم يتفنن في تعذيبك والتلذذ بهذا التعذيب . لا أستطيع أن أذكر مشاهد التعذيب في الرواية وأعتذر عن ذلك مرة أخرى . يكفيني أني قرأتها وصبرت عليها حتى النهاية . ولست مستعدا لقراءتها مرة أخرى .&lt;br/&gt; لكن لنضبط أعصابنا قليلا ولنتفاءل بمستقبل الجنس البشري رغم كلّ شيء خاصة بعد أن يتطور ويتحضر ويستنير . فليس هناك أعظم من الإنسان على وجه الأرض إذا ما كان مهذبا متعلما مثقفا . وليس هناك أبشع منه إذا ما كان جاهلا متخلفا أعمى التعصب قلبه . لنضع إذن مسؤولية كل ذلك على عاتق الجهل والظلامية الدينية التي كانت سائدة إبان عهد الإمبراطورية العثمانية خصوصا في أواخرها بعد أن شعرت بأنها أصبحت مهددة فراحت تخبط خبط عشواء . لا لست مستعدا للتضحية بمستقبل الجنس البشري على الرغم من كل المجازر التي حصلت في التاريخ . والدليل على ذلك حجم التقدم الذي حصل في أوروبا بعد انتصار التنوير وتبلور مفهوم ليبرالي جديد للدين . وهذا ما سيحصل عندنا أيضا لاحقا أن شاء الله . سوف أظل متطلعا إلى الأمام وحالما بمستقبل أفضل لمنطقتنا التي عانت من الويلات أكثر من غيرها . وأعتقد أن هذا هو موقف هنرييت عبودي . بل وتشعر بروحها الطيبة في كل صفحة تقريبا على الرغم من كل ما حل بقومها وأهلها من مصائب وويلات . لا تشعر بوجود أي روح للانتقام أو للحقد والكره . وربما كان يكمن هنا الدرس الأساسي للرواية . ومنذ الإهداء الأول تشعر بأنّها تكتب للتاريخ والذكرى ، ذكرى الذين قضوا وتعذبوا وماتوا ، لا لإشعال الضغينة على الآخرين . إنّها تغفر حتى للجلادين . يقول الإهداء :&lt;br/&gt; إلى أمي&lt;br/&gt; وإلى جميع الذين عانوا ، ثم سامحوا .  جميل . هل هناك أفضل من ذلك؟ انه موقف مسيحيّ إنجيلي بامتياز . ألا يقول الإنجيل هذه العبارة الرائعة التي لا تكاد تصدق: &amp;quot;سمعتم أنه قيل : أحبب قريبك وأبغض عدوك . أما أنا فأقول لكم:أحبوا أعداءكم ، وصلوا من اجل مضطهديكم…فان أحببتم من يحبكم فأي أجر لكم؟&amp;quot; .  لا أجد ردا أعظم من هذا الرد على الأشرار ومجازر التاريخ وظلمه الذي لا يحتمل . وهو الرد الذي واجه به غاندي جبروت الاستعمار الإنكليزي وخرج منه منتصرا . وحتى لو سقط على يد متعصب هندوسي في نهاية المطاف فانه ترك لنا درسا أخلاقيا لا ينسى . بل إنّ سقوطه مضرجا بدمائه على يد متعصب من أبناء جلدته ودينه دليل على عظمته أكثر فأكثر . فقد أثبت أنه كان يحارب التعصب من كل الجهات لا من جهة واحدة وإلا لما قتله واحد من أبناء طائفته . . وأنا واثق من أن الشعب التركي الناهض والصاعد حاليا سوف يفهم ذلك بل وابتدأ يفهمه على يد نخبه المستنيرة الرائعة كما ذكرت سابقا . و&amp;quot;لا تزر وازرة وزر أخرى&amp;quot; كما يقول القرآن الكريم في آيات بينات . لا يمكن إطلاقا تحميل الشعب التركي الحالي مسؤولية إجرام حصل قبل قرن أو أكثر . هذا ظلم وعبث . ولكن لا يمكن في ذات الوقت محو هذه الصفحة السوداء من تاريخ الأتراك بشكل أوتوماتيكي . هناك طريقة واحدة لمحوها أو لتقليصها على الأقلّ وطي الصفحة نهائيا هي: الاعتراف وطلب الصفح والغفران من أحفاد الضحايا . انه لشرف عظيم للشعب التركي الكبير أن يعترف بذلك ويتحمل مسؤوليته ويزيح هذه التركة الثقيلة عن كاهله . نقول ذلك وبخاصة أن هذا الشعب مرشح لقيادة مستقبل المنطقة وأن زعيمه أردوغان يقف بحزم لصالح شعب عانى هو الآخر من الاضطهاد والمجازر ولا يزال يعاني: قصدت الشعب الفلسطيني .&lt;br/&gt; على مدار الرواية نلتقي بشخصيات إسلامية محترمة جدا ، شخصيات حاولت بقدر ما تستطيع أن تنقذ المسيحيين من بطش الباشوات الأتراك . نذكر من بينهم الشيخ النبيل المستنير مصطفى حمدان . ولكنه ليس الوحيد . فعلى مدار الرواية نلتقي بهذه الشخصيات الطيبة التي حاولت مساعدة المسيحيين المنكوبين المطاردين في عقر دارهم . وبعضهم دفع حياته ثمنا لذلك . نضرب عليهم مثلا قائمقام منطقة ديريك . تقول المؤلفة بالحرف الواحد:&lt;br/&gt; &amp;quot;ومن ديريك وصلت المعلومات التالية: لقد أصدر والي ديار بكر ، رشيد السفاح ، أمرا إلى قائمقام ديريك بتصفية سائر سكان بلدته من النصارى ، أي ما يقارب من ألف شخص جلهم من الأرمن ، وبعضهم من السريان والكلدان . عزّ على القائمقام تنفيذ هذا الأمر ، اذ أن مسيحيي ديريك ، الذين يزرعون الكرمة أبا عن جد ، ويتجرون بالخضار والفاكهة ،كانوا يعيشون في وئام تام مع إخوانهم المسلمين ، ويسددون ضرائبهم بانتظام وفي المواعيد المحددة . وتفاديا لتنفيذ إرادة الوالي أعلن القائمقام أنه لن يحرك ساكنا ما لم يصله أمر خطي . فكان أن استدعاه رشيد إلى ديار بكر وأرسل من يغتاله وهو في طريقه إليه . وقد توج الوالي جريمته بأن ادعى بأن الأرمن هم الذين قتلوا القائمقام ، فاستباح دمهم واستولى على أموالهم . كهنة ديريك لم يُذبحوا ، أسوة بإخوانهم في بقية الولايات الشرقية ، وإنّما شنقوا . علقوا على الأعواد كأنهم من مجرمي الحق العام&amp;quot;ص 74 .  لن أدخل في تفاصيل المذبحة ومن هو المسؤول عنها وهل تورطت فيها القوى العظمى ممثلة بألمانيا حليفة العثمانيين إبان الحرب العالمية الأولى . أم هل هم يهود تسالونيك(الدونما) كما تنقل المؤلفة على لسان بعض الشخصيات في بعض صفحاتها . ص 55-60 . لا أعتقد أنه ينبغي أن نذهب بعيدا جدا في هذا الاتجاه الذي أوحى به الطبيب الانكليزي عدو الألمان آنذاك . ربما كان للقوى العظمى دور غير مباشر في العملية . ولكن لا ريب في أن التعصب القومي وليس فقط الديني هو المسؤول الأول . أما إلقاء المسؤولية على الألمان أو القول بأن قادة تركيا آنذاك كطلعت باشا ، وأنور باشا ، وجمال باشا ، كانوا من أصول يهودية فشيء لا يصمد أمام الامتحان . لقد كانوا مسلمين وأتراكا طورانيين متعصبين لقوميتهم ضد كل القوميات الأخرى بما فيها القوميات الإسلامية غير التركية . والدليل على ذلك أنهم اضطهدوا العرب المسلمين أيضا بل وشنقوا زعماءهم في الساحات الكبرى لبيروت ودمشق . ماذا فعل جمال باشا السفاح عام 1916: أي في نفس الفترة التي حصلت فيها مجازر الأرمن والسريان؟ ماذا فعل بشكري العسلي وعبد الحميد الزهراوي وعارف الشهابي وسليم الجزائري وآخرين عديدين من قادة النهضة العربية؟ نفس الشيء قالوه عن مصطفى كمال عندما فرض العلمانية . قالوا بأنّ أصله يهوديّ وهو مسلم مقنع وليس مسلما صحيحا ولذلك تبنّى العلمانية . كل هذا هراء . لقد كان مسلما مثله في ذلك مثل قادة الأتراك الآخرين .&lt;br/&gt;  بدلا من الانشغال بنظريات المؤامرة الهلوسية والخرافية التي اعتدنا عليها لا بد من الاعتراف بمسؤولية العوامل المحلية الداخلية وإلا فلن نتقدم خطوة واحدة إلى الأمام . لا بدّ من الإشارة إلى خطورة فقه العصور الوسطى بكلّ فتاواه المتخلفة والمتعصبة التي عفي عليها الزمن . فلولاها ولولا التربية الطائفية والتعليم الطائفي للدين في المدارس والجوامع والمكاتب لما تجرّأ كل هؤلاء الجهلة على ذبح المسيحيين بمثل هذه الطريقة الوحشية . وبالتالي فينبغي أن نعود إلى المسألة الأساسية التي تخص الشرق كله وليس فقط الأرمن والسريان . مادمنا نعتبر فتاوى القرون الوسطى التي تقسم الناس إلى مسلمين وكفار ، أو دار حرب ودار سلم ،أو فرقة ناجية وفرق ضالة منحرفة ، أقول ما دامت هذه الفتاوى صالحة لكل زمان ومكان فلن نخرج من الورطة . وأنتهز الفرصة هنا لكي أحيّي رجال الدين الذين اجتمعوا في ماردين نفسها مؤخّرا وألغوا إحدى الفتاوى التكفيرية لابن تيمية المعروفة &amp;quot;بفتوى ماردين&amp;quot; حيث أيد قتل غير المسلمين (&amp;quot;الأوان&amp;quot; بتاريخ الأول من ابريل عن الموضوع) . وهذا يعني أن التفكيك الراديكالي للاهوت القرون الوسطى يشكل شرطا أساسيا لا بد منه من اجل عدم تكرار مثل هذه المجازر الطائفية الإجرامية . وهذا ما ألححت عليه كثيرا وشرحته مطولا في كتابي الأخير: الإسلام والانغلاق اللاهوتي . منشورات رابطة العقلانيين العرب ودار الطليعة في آن معا . &lt;br/&gt;  أخيرا هل من داع للقول بأننا ننتظر الجزأين الثاني والثالث من هذه الملحمة الكبرى التي تلقي أضواء ساطعة على فترة هامة من فترات حياتنا وتاريخنا؟ إن هنرييت عبودي تقدم خدمة كبيرة ليس فقط للآداب العربية وإنّما أيضا إلى علم التاريخ والمؤرخين المقبلين الذين سيتخذون روايتها كوثيقة تاريخية لا تقدر بثمن من أجل فهم تلك الفترة بكل أحداثها وتقلباتها . فنحن ورثة تلك الفترة شئنا أم أبينا ، وهي لا تزال سارية المفعول حتى الآن بدليل ما يحصل من مجازر مرعبة في العراق وغير العراق .&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;دار بترا للنشر والتوزيع   دمشق - سوريا </description>
    </item>
    <item>
      <title>أسطورة الخلق البابلي - التكوين البابلي</title>
      <link>http://www.syriacstudies.com/AFSS/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A1/Entries/2010/4/20_%D8%A3%D8%B3%D8%B7%D9%88%D8%B1%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%84%D9%82_%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D8%A8%D9%84%D9%8A_-_%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%83%D9%88%D9%8A%D9%86_%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D8%A8%D9%84%D9%8A.html</link>
      <guid isPermaLink="false">645fb3de-c68b-49cd-9975-b4f76d975da6</guid>
      <pubDate>Tue, 20 Apr 2010 06:46:25 -0400</pubDate>
      <description>&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;تتوضع أفكار البابليين في الخلق والتكوين بشكلها الأكمل في ملحمة التكوين البابلية المعروفة باسم )الانيوما ايليش( وتعتبر هذه الملحمة إلى جانب ملحمة جلجامش من أقدم وأجمل الملاحم في العالم القديم فتاريخ كتابتها يعود إلى مطلع الألف الثاني ق.م أي قبل ألف وخمسمئة سنة تقريبا من كتابة الإلياذة وتدوين اسفار التورات العبرانية وقد لقيت كثيرا من الإهتمام والدراسة من قبل علماء المسماريات والانتروبولوجيا والميثولوجيا والثيولوجيا.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;فإلى جانب الشكل الشعري الجميل الذي صيغت فيه الملحمة والذي يعطينا نموذجا لأدب إنساني متطور فإنها تقدم لنا وثيقة هامة عن معتقدات البابليين ونشأة آلهتها ووظائفهم وعلاقاتهم كما أنها تقدم لدارسي الديانات المقارنة مادة غنية بسبب المشابهات الواضحة مع الاصحاحين الأول والثاني من كتاب التوراة.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وجدت الملحمة موزعة على سبعة ألواح فخارية أثناء الحفريات التي كشفت عن قصر آشور بانيبال ومكتبته التي احتوت على مئات الألواح الفخارية في شتى المواضيع الأدبية والدينية والقانونية وما إليها.&lt;br/&gt;جرى الكشف عن ألواح الملحمة تباعا منذ نهاية القرن الماضي وحتى نهاية الربع الأول من القرن الحالي.&lt;br/&gt;وإسم الملحمة مأخوذ كما هي عادة السومرريين والبابلين من الكلمات الإفتتاحية في النص فاينوما ايليش تعني : عندما في الأعالي فعندما في الأعالي لم يكن هناك سماء وفي الأسفل لم يكن هناك أرض . لم يكن في الوجود سوى المياه الأولى ممثلة في ثلاثة آلهة )ابسو( و )تعامة( و )ممو( .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;فأبسو هو الماء العذب وتعامة زوجته كانت الماء المالح أما ممو فيعتقد بأنه الأمواج المتلاطمة الناشئة عن المياه الأولى ولكني أؤيد الرأي القائل بأنه الضباب المنتشر فوق تلك المياه والناشئ عنها. هذه الكتلة المائية الأولى كانت تملأ الكون وهي العماء الأول الذي إنبثقت منه فيما بعد بقية الآلهة والموجودات . وكانت آلهتها الثلاثة تعيش في حالة سرمدية من السكون والصمت المطلق ، ممتزجة ببعضها البعض في حالة هيولية لا تمايز فيها ولا تشكل . ثم أخذت هذه الآلهة بالتناسل فولد لآبسو وتعامة الهان جديدان هما )لخمو( و )لخامو( وهذان بدورهما أنجبا )أنشار( و )كيشار( اللذين فاقا قوة أبويهما قوة ومنعة ، وبعد سنوات مديدة ولد لأنشار وكيشار إبن أسمياه  )آنو( وهو الذي صار فيما بعد الهاً للسماء ، وآنو بدوره أنجب  )أنكي( و )أيا( وهو إله الحكمة والفطنة ، والذي غدا فيما بعد إله المياه العذبة الباطنية ولقد بلغ إيا حداً من القوة والهيبة جعله يسود حتى على آبائه.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وهكذا امتلأت أعماق الآلهة تعامة بالآلهة الجديدة المليئة بالشباب والحيوية والتي كانت في فعالية دائما وحركة دائبة ، مما غير الحالة السابقة وأحدث وضعاً جديداً لم تألفه آلهة السكون البدائية التي عكرت صفوها الحركة وأقلقت سكونها الأزلي . حاولت الآلهة البدائية السيطرة على الموقف وإستيعاب نشاط الآلهة الجديدة ولكن عبثاً ، الأمر الذي دفعها إلى اللجوء للعنف ، فقام آبسو بوضع خطة لإبادة النسل الجديد والعودة للنوم مرة أخرى وباشر بتنفيذ الخطة ، رغم معارضة تعامة التي ما زالت تكن بعض عواطف الأمومة.&lt;br/&gt;لدى سماعهم بمخططات آبسو ، خاف الآلهة الشباب وإضطربوا، ولم يخلصهم من حيرتهم سوى أشدهم وأعقلهم الإله أيا الذي ضرب حلقة سحرية حول رفاقه تحميهم من بطش آبائهم ، ثم صنع تعويذة سحرية رماها على الإله آبسو الذي راح في سبات عميق ، وفيما هو نائم قام أيا بنزع العمامة الملكية عن رأس آبسو ووضعها على رأسه رمزاً لسلطانه الجديد . كمانزع عن آبسو أيضا اللقب الإلهي وأسبغه على نفسه ثم ذبحه وبنى فوقه مسكنا لنفسه . كما انقض على ممو )الضباب المنتشر فوق المياه الأولى( المعاضد لآبسو فسحقه وخرم أنفه بحبل يجره وراءه أينما ذهب ، ومنذ ذلك الوقت أصبح أيا إلهاً للماء العذب يدفع به إلى سطح الأرض بمقدار ويتحكم به بمقدار ، وهو الذي يعطي الأنهار والجداول والبحيرات ماءها العذب وهو الذي يفجر الأرض عيوناً من مسكنه الباطني . ومنذ ذلك الوقت يشاهد ممو فوق مياه الأنهار والبحيرات لأن أيا قد ربطه بحبل فهو موثق به إلى الأبد.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;بعد هذه الأحداث الجسام ولد الإله مردوخ أعظم آلهة بابل ، الذي أنقذهم مرة أخرى من بطش الآلهة القديمة ، ورفع نفسه سيداً للمجتمع المقدس وكيف لا ؟؟؟ وهو إبن إنكي الذي فاق أباه قوة وحكمة وبطشاً . وكما كان الإنقاذ الأول على يد الإب أنكي كذلك كان الإنقاذ الثاني على يد الإبن الشاب مردوخ.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;فتعامة التي تركت زوجها آبسو لمصيره المحزن دون أن تهرع لمساعدته وهو يذبح على يد الآلهة الصغيرة تجد نفسها الآن مقتنعة بضرورة السير على نفس الطريق لأن الآلهة الصغيرة لم تغير مسلكها بل زادها إنتصارها ثقة وتصميما على أسلوبها في الحياة . وهنا إجتمعت الآلهة القديمة إلى تعامة وحرضتها على حرب إولئك المتمردين على التقاليد الكونية فوافقت وشرعت بتجهيز جيش عرم قوامه 11 نوع من الكائنات الغريبة التي أنجبتها خصيصاً لساعة الصدام )أفاعي وزواحف وتنانين هائلة وحشرات عملاقة( جعلت عليها الإله )كينغو( قائداً بعد أن إختارته زوجاً لها وعلقت على صدره ألواح الأقدار.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;علم الفريق الآخر بما تخطط له تعامة وصحبها فاجتمعوا خائفين قلقين ، وأرسلو أيا الذي أنقذهم في المرة الأولى، عسى ينقذهم في المرة الثانية . لكن أيا عاد مذعورا مما رأى ، فأرسلو آنو الذي مضى وعاد في حالة هلع شديد .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; أسقط في يد الجميع وأطرقوا حائرين كل يفكر في مصيره الأسود القريب وهنا خطر لكبيرهم أنشار خاطر جعل أساريره تتهلل إذ تذكر مردوخ الفتى القوي العتي ، فأرسل في طلبه حالاً ، وعندما مثل بين يديه وعلم بسبب دعوته أعلن عن إستعداده للقاء تعامة وجيشها بشرط الموافقة على إعطائه إمتيازات خاصة وسلطات إستثنائية فكان له ما أراد ، وجلسوا جميعا حول مائدة الشراب وقد اطمأنت قلوبهم لقيادة الأله الشاب.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;اعطى الآلهة مردوخ قوة تقرير المصائر بدلاً من أنشار وأعطوه قوة الكلمة الخالقة ولكي يمتحنوا قوة كلمته الخالقة أتوا بثوب وطلبوا من مردوخ أن يأمر بفناء الثوب ، فزال الثوب بكلمة آمرة من مردوخ، ثم عاد إلى الوجود بكلمة أخرى. هنا تأكد الآلهة من أن مردوخ إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون . فأقاموا له عرشاً يليق بألوهيته وأعلوه سيداً عليهم جميعاً ثم أسلموه الطريق إلى تعامة ، وقبل أن يمضي صنع لنفسه قوساً وجعبة وسهاماً وهراوة كما صنع شبكة هائلة ، أمر الرياح الأربعة أن تمسك أطرافها. ملأ جسمه باللهب الحارق وأرسل البرق أمامه يشق له الطريق دفع أمامه الأعاصير العاتية وأطلق طوفان المياه وانقض طائرا بعربته الإلهية وهي العاصفة الرهيبة التي لا تصد منطلقا نحو تعامة والآلهة تدافع من حوله تشهد مشهدا عجيبا.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;عندما إلتقى الجمعان طلب مردوخ قتالاً منفرداً مع تعامة فوافقت عليه ودخل الإثنان حالاً في صراع مميت وبعد فاصل قصير نشر مردوخ شبكته ورماها فوق تعامة محمولة على الرياح ، وعندما فتحت فمها لإلتهامه دفع في بطنها الرياح الشيطانية الصاخبة فانتفخت وامتنع عليها الحراك . وهنا أطلق الرب من سهامه واحداً تغلغل في حشاها وشطر قلبها . وعندما تهاوت على الأرض اجهز على حياتها، ثم التفت إلى زوجها وقائد جيشها كينغو فرماه في الأصفاد وسلبه ألواح الأقدار وعلقها على صدره وهنا تمزق جيش تعامة شر تمزيق وفر معظمه يطلب نجاة لنفسه ، ولكن مردوخ طاردهم فقتل من قتل وأسر من أسر.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;بعد هذا الإنتصار المؤزر على قوة السكون والسلب والفوضى التفت مردوخ إلى بناء الكون وتنظيمه وإخراجه من حالة الهيولية الأولى إلى حالة النظام والترتيب ، حالة الحركة والفعالية و....الحضارة .&lt;br/&gt;عاد مردوخ إلى جثة تعامة يتأملها ثم أمسك بها وشقها شقين ، رفع النصف الأول فصار سماءً وسوى النصف الثاني فصار أرضاً ، ثم إلتفت بعد ذلك إلى باقي عمليات الخلق فخلق النجوم محطات راحة للآلهة وصنع الشمس والقمر وحدّد لهما مساريهما ثم خلق الإنسان من دماء الإله السجين كينغو حيث قتله وأفرج عن بقية الأسرى بعد أن إعترفوا بأن المحرض الأول هو كنغو كما خلق الحيوان والنبات ونظم الآلهة في فريقين الأول في السماء وهم )الأنوناكي( والثاني جعله في الأرض وما تحتها وهم ) الأيجيجي (.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;بعد الإنتهاء من عملية الخلق يجتمع الإله مردوخ بجميع الآلهة ويحتفلون بتتويجه سيداً للكون . بنوا مدينة بابل ، ورفعوا له في وسطها معبداً تناطح ذروته السحاب وهو معبد )الازاجيلا( وفي الإحتفال المهيب أعلنوا أسماء مردوخ الخمسين.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;هذه هي الخطوط العريضة للملحمة البابلية الكبيرة عرضتها في عجالة لا تغني عن النص الشعري الكامل الذي يعتبر مع ملحمة جلجامش أجمل نصين من نصوص الأدب السامي ومن أجمل نتاجات الأدب القديم.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;اعتمدت الترجمة بشكل أساسي على نص السيد  )اليكسندرهيديل( الصادر في كتابه )the Babylanian Genesis( ونص السيد )سبيسر( المنشور في كتاب ) Ancient Near Eastern( وفي بعض المواضع على نص )غريسون( وتم الاسترشاد بترجمة)كينج( وترجمة )سلانجدون( فجاء النص العربي معبرا عن أهم الإتجاهات القائمة في ترجمة هذا النص العظيم.&lt;br/&gt;</description>
    </item>
    <item>
      <title>في سوريا .. سعيد اسحق رئيسا للجمهورية لساعات فقط  &#13;&#13;المحامي لؤي اسماعيل </title>
      <link>http://www.syriacstudies.com/AFSS/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A1/Entries/2010/3/26_%D9%81%D9%8A_%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_.._%D8%B3%D8%B9%D9%8A%D8%AF_%D8%A7%D8%B3%D8%AD%D9%82_%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D8%A7_%D9%84%D9%84%D8%AC%D9%85%D9%87%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9_%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA_%D9%81%D9%82%D8%B7_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%85%D9%8A_%D9%84%D8%A4%D9%8A_%D8%A7%D8%B3%D9%85%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D9%84.html</link>
      <guid isPermaLink="false">446df6e6-8601-47b7-8679-b0cca071a994</guid>
      <pubDate>Fri, 26 Mar 2010 16:20:12 -0400</pubDate>
      <description>&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; تميزت المرحلة السياسية التي عاشتها سورية بعد الاستقلال بعدم الانتظام والاضطراب بشقيه السياسي والاقتصادي وبدا الرئيس شكري القوتلي عاجزا عن ضبط الأمور السياسية في البلاد وجاءت نكبة فلسطين عام 1948 لتزيد الوضع سوءا حيث عمت الفوضى السياسية والمظاهرات و توجت الأحداث باستقالة حكومة جميل مردم في الأول من كانون الأول عام 1948 الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه للتدخل العسكري المباشر في شؤون الحكم حيث عمد قائد الجيش آنذاك حسني الزعيم وفي الثالث من كانون الأول عام 1948 إلى التدخل العسكري المباشر لوضع &amp;quot; حد للاضطرابات الواسعة وأخضع الصحافة لرقابة قاسية ونجح خالد العظم بتشكيل حكومة حكمت تحت مظلة الجيش حتى أواخر 1949 وفي صباح 30 آذار 1949 قام الزعيم حسني الزعيم بتسلم زمام الأمور في سوريا فعمد في 3 نيسان إلى حل المجلس النيابي رسمياً وقام بـ7 نيسان بإعلان إقالة كل من شكري القوتلي وخالد العظم ووضعهما في سجن المزة. شكل الزعيم في 17 نيسان 1949 حكومة وترأسها بنفسه ثم انتخب رئيساً للجمهورية بالإجماع ثم شكل حكومة رأسها محسن البرازي . &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;لم تستتب الأمور طويلا لمصلحة حسني الزعيم إذ عاجله سامي الحناوي في 13 آب بإنقلاب عسكري أطاح بالزعيم وبعد يومين على الانقلاب سلّم سامي الحناوي السلطة رسمياً إلى هاشم الأتاسي ، وفي 19 كانون الأول 1949 قام العقيد أديب الشيشكلي بالتحرك عسكرياً واحتجز اللواء سامي الحناوي وأعلم الرئيس الأتاسي بالأمر وطلب منه تشكيل حكومة جديدة ، وعندما لم ينجح بذلك ، قام خالد العظم بتشكيل حكومة جديدة وأدى الرئيس الأتاسي القسم الدستوري .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; لكن الخلافات لم تحل المشكلة وبدت الحكومات عاجزة ومترهلة لا تقوى على النهوض بنفسها حيث تغيرت عدة حكومات في هذا العهد فبعد حكومة خالد العظم قام ناظم القدسي بتشكيل حكومتين متتاليتين وكان الجيش ممثلاً بوزير الدفاع فوزي سلو ، ثم عاد خالد العظم وشكل وزارة جديدة في آذار عام 1951 وفي شهر تموز قدم استقالته ليقوم حسن الحكيم بتشكيل حكومة جديدة بموجب المرسوم التشريعي رقم 1191 بتاريخ 9- 8-1951 لكن لم يكتب لهذه الحكومة العيش مطولا نتيجة الخلاف المستمر مع البرلمان الذي كان يرأسه ناظم القدسي ونائبه سعيد اسحق حيث قدم السيد حسن الحكيم استقالة حكومته التي استمرت قرابة الثلاثة أشهر , بعد ذلك دخلت البلاد في أزمة وزارية لمده 19 يوما تم على أثرها تكليف السيد معروف الدواليبي بترؤس الحكومة فشكل حكومته بتاريخ 28 /11 عام 1951 ولكنها اصطدمت برفض الجيش لها مما دفع الجيش للتدخل عسكريا بعد يوم واحد فقط من إعلان الحكومة أي في 29 – 11 – 1951 واستلم الجيش زمام الأمور وتم اعتقال رئيس الوزراء معروف الدواليبي وناظم القدسي رئيس مجلس النواب كما تم إعتقال بعض الوزراء والنواب الآخرين , وقدم الدواليبي ( شفهيا ) استقالة حكومته لرئيس الجمهورية هاشم الاتاسي بتاريخ 1 كانون الأول 1951 من سجن المزة , وبتاريخ 2 كانون الأول قدم رئيس الجمهورية هاشم الاتاسي استقالته للمرحوم سعيد اسحق النائب الأول لرئيس مجلس النواب كون رئيس المجلس ناظم القدسي رهن الاعتقال وسجلت هذه الاستقالة في ديوان مجلس النواب برقم 177 تاريخ 2-12-1951 ( مقالة للأستاذ شمس الدين العجلاني ) وفي نفس اليوم ( 2 كانون الثاني ) صدر المرسوم رقم ( 1) عن رئيس الأركان العامة رئيس المجلس العسكري الأعلى العقيد أديب الشيشكلي هذا نصه :&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;إن المجلس العسكري الأعلى بناء على استقالة فخامة رئيس الجمهورية السورية وعدم وجود حكومة في البلاد تتولى شؤونها، يأمر بما يلي:&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;1- يتولى رئيس الأركان العامة (فوزي سلو) رئيس المجلس العسكري الأعلى مهام رئاسة الدولة ، ويتمتع بكافة الصلاحيات الممنوحة للسلطة التنفيذية.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;2- تصدر المراسيم اعتبارا من 2 كانون الأول 1951 عن رئيس الأركان العامة رئيس المجلس العسكري الأعلى.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;3- ينشر هذا الأمر العسكري ويبلغ من يلزم لتنفيذ أحكامه .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وكان أول مرسوم يصدر عن الشيشكلي بصفته رئيس المجلس العسكري الأعلى هو مرسوم حل مجلس النواب في 2/12 / 1951 علماً أن هذه المراسيم نشرت بتاريخ 3 كانون الثاني في الجريدة الرسمية بالعدد رقم ( 55 ) وهذا يعني من حيث الضرورة وجود شاغر دستوري في الفترة الواقعة بين الثاني من كانون الأول تاريخ صدور المراسيم وبين الثالث منه تاريخ نشرها لتصبح نافذة قانونا لذلك كان لا بد عمليا من العودة إلى النصوص الدستورية لمعرفة من قام بمهام رئيس الجمهورية في هذه الساعات الـ 24 تقريبا ؟ حيث أنه حدث فراغاً دستورياً نتيجة استقالة رئيس الوزراء السيد معروف الدواليبي وإيداع رئيس مجلس النواب ناظم القدسي قيد الاعتقال وقيام رئيس الجمهورية السيد هاشم الأتاسي بتقديم استقالته إلى نائب رئيس مجلس النواب السيد سعيد اسحق لذلك وطبقا للدستور القائم آنذاك في مادته السابعة والثمانين :&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; &amp;quot; يمارس رئيس مجلس النواب صلاحيات رئيس الجمهورية حين لا يمكنه القيام بها وفي حالتي الوفاة والاستقالة يجتمع مجلس النواب لانتخاب رئيس جمهورية جديد أما إذا كان مجلس النواب منحلاً أو بقي لانتهاء ولايته اقل من شهرين فان رئيس المجلس يستمر في ممارسة الصلاحيات المذكورة &amp;quot;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; وعليه يصبح السيد سعيد اسحق من الناحية الدستورية رئيسا للجمهورية العربية السورية بالوكالة ولمدة 24 ساعة تقريبا أي لحين نشر المراسيم التشريعية التي أصدرها المجلس العسكري الأعلى بالجريدة الرسمية وهنا لا بد من تقديم نبذة عن حياة سعيد اسحق و المفارقة الدستورية التي حصلت بتوليه لرئاسة الجمهورية بالوكالة :&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;ولد سعيد اسحق في مدينة ماردين من عائلة &amp;quot; مسيحية &amp;quot; وأتقن اللغتين العربية والسريانية، وألمّ باللغة التركية ثم انتقل وهو شاب مع الكثير من بني قومه إلى بلدة &amp;quot;عامودا&amp;quot; في الجزيرة السورية اثر رسم الحدود بين تركيا وسورية وإلحاق منطقة &amp;quot;ماردين&amp;quot; وتوابعها بالدولة التركية عام 1928 حيث دخل مجال العمل السياسي حين انتخب رئيسا للمجلس البلدي في مدينه عامودا رغماً عن إرادة الفرنسيين .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; شكل عام 1932 منعطفاً هاماً في حياة سعيد اسحق حيث خاض غمار أول تجربة برلمانية له حيث انتخب نائباً عن &amp;quot;الجزيرة&amp;quot; في مجلس النواب السوري كما تم انتخابه أمينا لسر المجلس النيابي وتوالى انتخابه نائباً عن الجزيرة خمس دورات انتخابية، حيث نجح في انتخابات عام 1936 عن منطقة الجزيرة , وأيضا كان عضوا في مجلس عام 1943 وفاز بمنصب المراقب وذلك في آب من عام 1943, وعام 1949فاز عن قضاء القامشلي وانتخب بتاريخ 12 كانون الأول 1949 مراقبا للجمعية التأسيسية والتي تحولت إلى مجلس النواب وانتخب بتاريخ 1-10 -1951 نائبا لرئيس مجلس النواب قبل أن يتولى رئاسة الجمهورية بالوكالة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وبالطبع فإن المفارقة الدستورية تكمن هنا في كونه &amp;quot; مسيحيا &amp;quot; في الوقت الذي يذهب فيه الدستور السوري إلى اشتراط الإسلام دينا لرئيس الجمهورية وهنا نذهب إلى رأي الزميل عبد الله علي في قوله &amp;quot; أن ذلك ممكن في إطار تفسير النص الدستوري على أنه يشترط شرط الإسلام في المرشح الذي يخضع لانتخابات أو استفتاء شعبي أما الرئيس المكلف فإنه لا يشترط فيه شرط الإسلام لأنه لا تتوافر فيه صفة المرشح التي تتطلب هذا الشرط&amp;quot; .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وبذلك يكون السيد سعيد اسحق دستوريا رئيسا للجمهورية العربية السورية بالوكالة في سابقة دستورية هي الأولى من نوعها في البلاد .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;المحامي لؤي اسماعيل - كلنا شركاء&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;</description>
    </item>
    <item>
      <title>سيرة شهداء أهل الكهف </title>
      <link>http://www.syriacstudies.com/AFSS/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A1/Entries/2010/3/26_%D8%B3%D9%8A%D8%B1%D8%A9_%D8%B4%D9%87%D8%AF%D8%A7%D8%A1_%D8%A3%D9%87%D9%84_%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%87%D9%81.html</link>
      <guid isPermaLink="false">e088d732-c93c-4c22-958a-152d92bfbee2</guid>
      <pubDate>Fri, 26 Mar 2010 15:38:47 -0400</pubDate>
      <description>&lt;br/&gt;عندما ملك الملك داكيوس الأثيم على المملكة الرومانية ( من 249 م الى 251 م ) وزار مدينة أفسس أصدر أمره الى نبلائها بتقديم الذبائح للأصنام وأمر بقتل المسيحيين الذين لم يخضعوا لأمره وألقيت جثثهم للغربان والنسور وسائر الجوارح ، وحاول بالوعد والوعيد إقناع سبعة شبان من النبلاء ، أن ينكروا دينهم المسيحى الذى تمسكوا به ويقدموا الذبائح للأوثان فرفضوا ، فنزع عنهم الرتب الجندية وأخرجهم من أمامه . واستمهلهم أياماً علّهم يعدلون عن رأيهم ويخضعون لأمره وانطلق الملك داكيوس الى زيارة مدن أخرى مجاورة الى افسس .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وكانت الفرصة سانحة للفتيان السبعة ليقرنوا إيمانهم بأعمال الرحمة ، فاخذوا من دور آبائهم ذهبـــاً ومالاً ، وتصــدقوا به على الفقـــراء والتجأوا الى كهف كبير فـى ( جبل أنكليوس ) مواظبين على الصلاة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وكان ( يمليخا ) أحدهم يتشح متخفياً ويدخل المدينة ليبتاع لهم الطعام ، ويتعرف على الأخبار ، ويعود الى رفاقه فيخبرهم عمّا فى المدينة وما يقع من أحداث . وذات يوم عاد الملك داكيوس الى أفسس ، وطلب الفتيان السبعة فلم يجدهم وكان يمليخا إذ ذاك فى المدينة فخرج منها هلعاً ناجياً ، ومعه قليل من الطعام ، وصعد الى الكهف حيث رفاقه وأخبرهم عن دخول الملك الى المدينة ، وبحثه عنهم فتملكهم الخوف وركعوا على الأرض ممرغين وجوههم بالتراب متضرعين الى الله بحزن وكآبه ، ثم أكلوا ما جلبه لهم يمليخا من الطعام ، وبينما كانوا يتجاذبون أطراف الحديث أستولى عليهم النعاس وغشاهم سبات هنئ فرقدوا بهدوء رقاد الموت ولم يشعروا بموتهم . ولما لم يعثر عليهم الملك فى المدينة اخبروه بأن الفتية قد هربوا الى كهف فى جبل ( أنكيلوس ) فأمر الملك بسد باب الكهف بالحجارة ليموتوا فيصير الكهف قبراً لهم غير عالم أن الله فصل أرواحهم عن أجسادهم لقصد الهى أعلن بعد سنين بأعجوبة باهرة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وكان &amp;quot; انتودورس &amp;quot; و &amp;quot; اريوس &amp;quot; خادما الملك مسيحيين وقد أخفيا عقيدتهما خوفاً منه فتشاوروا معاً وكتبا سيرة هؤلاء المعترفين بصحائف من رصاص وضعت داخل صندوق من النحاس وختمت ودست فى البنيان عند مدخل الكهف . &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وهلك الملك داكيوس وخلفه على العرش الرومانى ملوك كثيرون الى أن جلس على العرش الملك المؤمن ثيؤدوسيوس الصغير ( 408 الى 450 م ) وظهرت فى عهده بدع عديدة حتى أن بعضهم أنكر قيامة الموتى ، وتبلبلت أفكار الملك وشقه الحزن فاتشح بالمسوح ، وأفترش الرماد وطلب من الرب أن يضئ أمامه سبيل الإيمان . &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;والقى الله فى نفس &amp;quot; أدوليس &amp;quot; صاحب المرعى الذى يقع فيه الكهف أن يشيد هناك حظيرة للماشية فنزع العمال الحجارة عن باب الكهف لبناء الحظيرة ولما انفتح أمر اللـه أن يبعث الفتية الراقدين أحياء فعادت أرواحهم الى أجسادهم واستيقظوا وسلم بعضهم على بعض كعادتهم ولم تظهر عليهم علامات الموت ولم تتغير هيئتهم ولا لباسهم التى كانوا متشحين بها فظنوا وكأنما قد ناموا مساء واستيقظوا صباحاً ، ونهض يمليخا كعادته صباح كل يوم وأخذ فضة وخرج من الكهف متجها نحو المدينة ليشترى طعاماً وعندما أقترب من بابها دهش حين رأى علامة الصليب منحوتة أعلاه ، فدخل المدينة فلم يعرفها إذ شاهد فيها أبنية جديدة ، وسمع الناس تقسم باسم السيد المسيح ، فسأل أحد المارين عن أسم المدينة فأجابه أسمها أفسس فأزداد يمليخا حيرة وتسائل آلعلى فقدت عقلى وغاب عنى صوابى؟! الأفضل أن أسرع بالخروج من هذه المدينة قبل أن يمسنى الجنون فأهلك . &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وأثناء خروجه تقدم الى أحد الخبازين وأخرج دراهم من جيبه وأعطاه إياها فأخذ يتأملها فراها كبيرة الحجم ، ويختلف طابعها عن الدراهم المتداولة فى عصرهم ، وناولها لزملائه فتطلعوا الى يمليخا وقالوا أنه قد عثر على كنز من زمن طويل ، فالقوا القبض عليه وجاءوا به الى اسقف المدينة وكان يزوره وقتئذ والي أفسس فقد شاءت العناية ألالهيه أن يجمعهما معاً ليظهر على أيديهما للشعوب كلها كنز بعث الموتى ، فأصر يمليخا أمامهما بأنه رجل من أهل أفسس وانه لم يعثر على كنز وقد اشترى بمثلها قبل يوم واحد فقط خبزاً ، فقال له الوالى أن صورة الدرهم تشير الى إنها ضربت قبل عهد داكيوس الملك بسنين . فهل وجدت يا هذا قبل أجيال عديدة وأنت مازلت شاباً ؟ فعندما سمع يمليخا ذلك سجد أمامهم وقال ، أجيبونى أيها السادة عن الملك داكيوس الذى كان عشية أمس فى هذه المدينة ، أين هو الأن ؟ أجابه الأسقف قائلاً أنه مات قبل أجيال ، فقال يمليخا ان خبرى أصعب من أن يصدقه أحد هلم معى الى الكهف فى جبل ( انكليوس ) لأريكم أصحابى وسنعرف منهم الأمر الأكيد . أما أنا فاعرف أمراً واحداً هو أننا هربنا منذ أيام من الملك داكيوس ، وعشية أمس رأيت داكيوس يدخل مدينة أفسس ولا أعلم الأن إذا كانت هذه المدينة أفسس أم لا . حينئذ قال الأسقف انها لرؤيا يظهرها الله لنا اليوم على يد هذا الشاب ، قال هذا و انطلقوا جميعاً الى الكهف ، وعندما بلغوا الكهف عثروا فى الجهه اليمنى من بابه على صندوق من نحاس عليه ختمان من فضة ، فتناوله الأسقف و فتح الصندوق فوجد لوحين من رصاص و قرأ ما كتب عليهما : &amp;quot; لقد هرب الى هذا الكهف من أمام وجه داكيوس الملك المعترفون مكسيمليانوس ابن الوالى ، يمليخا ، ومرتينيانوس ، يونيسيوس ، و يوانس ، و سرافيوس ، وقسطنطنوس ، و انطونيوس وقد سد عليهم الكهف بالحجارة وكتب عليه ايضاً صورة إيمان المعترفين . ودخلوا الكهف فشاهدوا المعترفين جالسين بجلال وجوههم وسمعوا منهم أخبار الحوادث التى جرت فى عهد داقيوس .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;فارسل الأسقف الى الملك ثيؤدوسيوس قائلاً : لتسرع جلالتك وتأت فترى ما أظهره الله العلى على عهدك من العجائب ، فقد اشرق من التراب نور موعد الحياة وسطعت من ظلمات القبور أشعة قيامة الموتى بانبعاث أجساد القديسين الطاهرة . ولما بلغ هذا الأمر الى الملك وهو فى القسطنطينية أسرع الى أفسس ومعه الأساقفة و جاءوا الى الكهف فرأوهم وحدثوهم .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;ثم ودع المعترفون الملك والأساقفة والشعب ، و أسلموا أرواحهم بيد الله ، فأمر الملك أن يصنع لهم توابيت من ذهب ، ولكن الفتية ظهروا له فى حلم وقالوا له أن أجسادنا انبعثت من التراب لا من ذهب فاتركنا فى كهفنا على التراب ، وأقر مجمع الأساقفة عيداً لهؤلاء المعترفين ،&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وتعيد لهم الكنيسة القبطية يوم 20 مسرى.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;((هذه القصة نقلاً من المصادر السريانية من كتاب سيرة أهل الكهف للقس يوسف تادرس الحومى))&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;</description>
    </item>
    <item>
      <title>انتقال الطب اليوناني من السريان الى العرب&#13;&#13;مايكل دولز&#13;&#13; ترجمة : د. أدمير كوريه</title>
      <link>http://www.syriacstudies.com/AFSS/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A1/Entries/2009/10/7_%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%82%D8%A7%D9%84_%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A_%D9%85%D9%86_%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86_%D8%A7%D9%84%D9%89_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8_%D9%85%D8%A7%D9%8A%D9%83%D9%84_%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%B2_%D8%AA%D8%B1%D8%AC%D9%85%D8%A9_%D8%AF._%D8%A3%D8%AF%D9%85%D9%8A%D8%B1_%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%8A%D9%87.html</link>
      <guid isPermaLink="false">02e4d49a-fc23-4c64-aa49-2181af1b1589</guid>
      <pubDate>Wed, 7 Oct 2009 08:03:37 -0400</pubDate>
      <description>انها لحقيقة معروفة بان الثقافة الاسلامية ، في القرون الوسطى ، انتعشت كثيرا بواسطة العلوم اليونانية ، مما ادى فيما بعد الى قيام ما اطلق عليه بـ &amp;quot; نهضة الحضارة الاسلامية &amp;quot; (1 ) . اما الامر الذي لم يحظ باهتمام واف فهو الكيفية والأسباب التي ادت الى حدوث ذلك تاريخياً . بالنسبة لي يستحيل تقديم معالجة وافية لموضوع ضخم وصعب كهذا ، ولكن اود ان القي نظرة فاحصة على عنصر هام واحد يتعلق بالتراث الكلاسيكي الخاص بالشرق الادنى الوسيط ، الا وهو الميراث الطبي اليوناني عند هيبوقريطس و جالينوس .                                                                     &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;    رغم ان الترجمات السريانية للكتب الطبية اليونانية كانت الرابطة الحاسمة بين النصوص اليونانية وانتقالها الى العربية وبالتالي في انتشارها في المجتمع الاسلامي ، الا انها كالعادة ظلت منسية. ان ترجمة النصوص اليونانية الى السريانية بدأت بترجمات للأدب الاهوتي في القرن الرابع ، واستمرت بلا انقطاع الى نهاية القرن التاسع. أما ترجمة النصوص الطبية ، على وجه التخصيص ، فيبدو انها بدأت حوالي الخمسمائة بعد الميلاد على يد سيرجيس الراسعيني ( توفي 536 ميلادية ) الذي ، من ضمن محاولات علمية اخرى ، ترجم الى السريانية اثنين وثلاثين عملا لـ جالينوس، وكانت تتضمن ترجمات الراسعيني النصوص الرئيسية للطب و المعتمدة في مدرسة الاسكندرية في ذلك الحين. ويتضح ان ترجماته السريانية كانت اولى الترجمات لاعمال طبية يونانية الى لغة سامية.  أما حركة الترجمة التي تلت سرجيس الراسعيني فبلغت أوجها على يد حنين بن اسحاق و زملائه في بغداد وذلك في القرن التاسع. وفي ذات  الوقت كان قد تم انتاج العديد من الترجمات العربية لتلك النصوص. وهناك احتمال ان الترجمات العربية للنصوص   الطبية   كانت قد بدأت في القرن الاول للهجرة ، كما يجزم فؤاد سيزكين (2 ) ، الا انها لم تكن كثيرة حتى اواخر       &lt;br/&gt;القرن الثامن.   &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;    وكان هناك ، على صعيد اللغة السريانية ، استمرارية مدهشة لمراكز التعليم ومتابعة العلم،وكلها تعود الى ما قبل  الاسلام وخلال العصرالاسلامي. (3 )  وهذه الاستمرارية هي في غاية الاهمية لما نجم عنها من ترجمات لنصوص طبية يونانية الى العربية. أولا، الترجمات السريانية والدراسات المتواصلة حافظت على النصوص الطبية ، في الوقت الذي كانت اليونانية قد اخذت تتلاشى بعد أن كانت لغة المثقفين لألف عام في شرقي البحر المتوسط. وفيما يتعلق بهذا الأمر ، ينبغي ان نتذكر ان تلك الترجمات السريانية العديدة كانت قد اعدت تلبية للاحتياجات العملية الخاصة بالاطباء المسيحيين الذين لم يعد لديهم مقدرة على قراءة اليونانية. كما ان استمرارية العلوم السريانية ، رغم الفتح العربي ، حافظت ايضا على البرنامج الطبي التابع لمدرسة الاسكندرية في الفترة المتأخرة. وفيما بعد ، صارت هذه المجموعة من النصوص ، و خصوصا اعمال جالينوس ، قاعدة لتعليم  الطب في المجتمع الاسلامي. (4)&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;     ذكر حنين بن اسحق في لآئحته التي تضم اعمال جالينوس المترجمة ، أن أول عشرين كتابا هي تلك الكتب التي كان يفترض في طلاب مدرسة الاسكندرية للطب أن يقرأوها. كان هؤلاء الطلاب قد اعتادوا على قراءة تلك الكتب وفق الترتيب الذي اتبعته انا في لآئحتي. وكانوا اعتادوا ان يلتقوا كل يوم لقراءة وتفسير واحد من تلك الكتب القياسية ((standard بذات الطريقة التي اعتاد اصدقائنا المسيحيون ، في ايامنا ، على اللقاء كل يوم في المعهد (الثقافي المعروف بـ (schola ، وذلك لدراسة كتاب قياسي من بين كتب الأقدمين. أما بالنسبة لما تبقى من كتب جالينوس فكان طلاب الاسكندرية قد اخذوا على عاتقهم قراءتها ، وذلك بعد دراسة تمهيدية للكتب المذكورة آنفا، تماما كما يقرأ الآن أصدقاؤنا المسيحيون شروحات كتب الأقدمين.( 5)&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;      أما الأمر الآخر الذي له أهمية مماثلة فهو أن استمرار ترجمة نصوص طبية يونانية الى السريانية منذ بداية القرن السادس ادى الى ابداع ذخيرة لغوية اختصاصية برهنت على اهميتها القصوى في ترجمة ذات النصوص فيما بعد الى العربية ، اذ كان حنين بن اسحق وزملائه ، عادة ، يترجمون نصوص يونانية علمية او فلسفية الى السريانية اولا ، ومن ثم الى العربية. وكتب سباستيان بروك عن ترجمة هذه النصوص الفلسفية قائلا:&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;أحد الاسباب التي تجعل هذا النهج يبدو غيرعملي ، غير طيع) للوهلة الاولى) هو ان حنين بن اسحق كان استند في ترجمة النصوص اليونانية المعقدة الى السريانية على خبرة تراكمت منذ خمسمائة سنة ، اما بالنسبة للعربية فلم يكن لها ارث يتعلق بالترجمة ، لذا لم يكن امر انجاز الترجمة من اليونانية التي هي لغة هندواروبية الى   العربية السامية سهلا الا اذا تمت عبر السريانية ، التي هي الاخرى لغة سامية. لذلك معرفة اللغة السريانية كخلفية تاريخية هي شأن أساسي في دراسة الفلسفة الارسطوطالية عند العرب   (6).               &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;    والى حد ما يمكن أن يقال ذات الشيء عن تدريس طب جالينوس بين العرب. وهناك اجماع عام بأن حنين بن اسحق كان بارعا للغاية في ابتداع مفردات تقنية جديدة ومناسبة للطب في اللغة العربية ؛ وبذات الوقت تم ادخال الفاظ سريانية على اللغة العربية باعداد كبيرة(7 ).                                                                                         &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;      وهناك دليل هام آخر على استمرار الترجمات السريانية الطبية ورد في تعداد حنين بن اسحق لكل مؤلفات جالينوس التي كانت موجودة حتى عام 880 ميلادية في ترجمات عربية وسريانية. (8)  وهذه اللآئحة (وضعها حنين بن اسحق) ظهرت تحت عنوان &amp;quot; بحث لـ حنين بن اسحق الى علي بن يحي يعدد فيه ، حسب معرفته،  ما ترجم من كتب جالينوس  وما لم يترجم &amp;quot;. وبناء على هذا البحث وعلى دراسة حديثة تناول فيها ديغين راينر مخطوطة سريانية بامكاننا ان نخلص الى بعض الملاحظات العامة. (9)  يبدو من خلال طبعة كوهن القياسية للقرن التاسع عشر ان كل عناوين كتب جالينوس كانت تقريبا قد ترجمت الى السريانية عند نهاية القرن التاسع الميلادي ، بالاضافة الى اربعين عملا شهيرا آخر لـ جالينوس.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;      ولكن ليس هناك وضوح تام الى اي حد كانت نصوص الطب اليوناني الاخرى قد  ترجمت الى السريانية ، لاسيما اعمال هيبوقريطس ، لأن لائحة حنين بن اسحق كانت وصفا لمؤلفات جالينوس فقط. ويحتمل ان الترجمات السريانية لاعمال هيبوقريطس لم تكن كثيرة ، وهي التي حددت النموذج الذي اتبعه الطب الاسلامي فيما بعد.  اذ بقيت تعاليم هيبوقريطس تسير في ظل جالينوس خلال العصور الوسطى المتأخرة. وبالرغم من اجلال اطباء القرون الوسطى لـ هيبوقريطس الا ان اعماله لم تلفت اهتمام المترجمين و ممّوّليهم كما فعلت اعمال جالينوس. وتكاد الترجمات العربية المتأخرة لأعمال هيبوقريطس ان تكون تقريبا مستمدة برمتها من اعمال جالينوس المترجمة ومن بعض الكتاب الهيلنستيين. وكانت مؤلفات هيبوقريطس الصعبة قد اعيدت صياغتها وفق شكل يسهل فهمه وينسجم مع نظرية جالينوس. وكما نوه ابن رضوان ، الطبيب المصري للقرن الحادي عشر،  &amp;quot;ان جالينوس قام بتنقية تعاليم هيبوقريطس وجعل مهنة الطب سهلة ومفهومة للناس الموهوبين والراغبين في تعلمها&amp;quot;.(10) &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;    وهناك ايضا أدلة في النصوص الطبية العربية عن ابحاث متميزة كتبت باللغة السريانية ، ولكن قليلة هي تلك   النصوص الكاملة التي كتب لها البقاء. مثلا:  كان هناك عمل لـ سرجيس الراسعيني عن داء الاستسقاء ، و ابحاث لـ   أيوب الرهاوي عن داء الكلب ، و اسباب الحمة ، و فحص البول(11). أما بالنسبة للموسوعات والشروحات السريانية      فالقليل منها ظل باقيا الآن. ونعرف ايضا انه توجد موسوعات هامة مثل &amp;quot;Pandektas &amp;quot; وضها أهرون الكاهن ،     وترجمت الى السريانية ربما في القرن الثامن الميلادي (12) ، وكان هناك كتاب يدعى &amp;quot;كوناش اشليمون &amp;quot; و            &amp;quot;كوناشالخوز &amp;quot; ، ويبدو انه كان موجز طبي من تأليف اطباء جنديسابور. وكان هذا النموذج للملخصات والموسوعات السريانية قد اتبعه كتاب الطب العرب. وهذا بدوره ادى الى ظهور المؤلفات الموسوعية العربية في    القرن العاشر والحادي عشر ، الا ان هذا التطور الذي تم في منأى عن النصوص الكلاسيكية كان غالبا مخيبا لآمال الاطباء المسلمين. وبالرغم من ازدياد هذه المؤلفات الثانوية ظلت كتابات جالينوس هي المهيمنة كليا على التراث الطبي السرياني ، وتلك الهيمنة استمرت فيما بعد في التراث الطبي عند العرب. أما اعمال هيبوقريطس و جالينوس السريانية فلم ينشر منها حتى اللآن الا &amp;quot; أمثال &amp;quot; هيبوقريطس ، و أجزاء قصيرة من المجموعة الكاملة لأثار جالينوس. (13)  كما لم ينشر حتى الآن من الشروحات والكتابات السريانية الا الندر اليسير.( 14)                     &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;        أما فيما يتعلق بالترجمات ذاتها والذين ترجموا تلك النصوص من اليونانية الى السريانية فوصف حنين بن اسحق لهم ، كما ورد في الرسالة ، هو صحيح ، اذ كان جميع المترجمين مسيحييون ، معظهم من السريان الشرقيين ، الذين يعرفون اليونانية والسريانية والعربية. الا ان حنين بن اسحق وآخرين كان لديهم معرفة بالفارسية، ولكن ليس    هناك ما يثبت ان أطباء جنديسابور قاموا بترجمة أي نصوص طبية الى العربية. أما الذين دعموا وشجعوا على         ترجمة الاعمال الطبية فكان اهتمامهم الاكبر بجالينوس ، واعمال عديدة لجالينوس تمت ترجمتها بدعم من بعض المسيحيين. واحيانا كانت توجد ترجمات عديدة لنص واحد ، وكانت جميع الترجمات تتم مباشرة من اليونانية الى السريانية ، باستثناء ثلاث ترجمات قام بها حبيش ، حفيد حنين بن اسحق ، من العربية الى السريانية (15) . وكانت   الترجمات السريانية لاعمال جالينوس تتم لاجل الاطباء المسيحيين واصحابهم الذين لهم علاقة بالطب. أما الترجمات العربية فكانت تتم لأجل ممولين واصدقاء المترجمين الذين كانوا عادة من مشاهير رجالات الدولة المسلمين.           &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;   أود الان ان اضع هذه الحقائق الموضوعية في سياقها التاريخي ، الا وهو العراق في بداية العصر العباسي .   والعنصر الهام ضمن هذا السياق هو الانتشار الواسع للاطباء المسيحيين والخدمات الطبية. كان ظهور المستشفى من ابرز سمات هذه الخدمات ، وكان ملجأ خيري عام ولكن غير معروف في العصر القديم. الا ان المسيحيين السريان ، منذ القرن الرابع الميلادي ، كانوا قد قدموا في الزينوديكيا (xenodcheia ) أو المستشفيات خدمات مجانية للمرضى والعجز ، وكانت هذه المؤسسة الطبية الجديدة قد انتقلت الى السريان من بيزنطية حيث كانت موجودة ومتطورة للغاية(16). رغم انه لم يكن في الشرق تخصص مؤسساتي مشابه للفعالية الخيرية ، الا ان المستشفى المسيحي كانت مترسخة في منطقة الساسانين. وبما ان زينوديكيا(  (xenodcheia اليونانية هي لفظة استعارتها اللغة السريانية فهو دليل جيد على ان الكنيسة آنذاك كانت قد تهلينت (17) . كما نعرف من التاريخ الذي وضعه زكريا النحوي (مؤرخ   سرياني) ان مثل هذه المستشفيات كانت قد بنيت في منتصف القرن السادس ، حين أعطى الملك خوسرو انوشروان  للبطريرك ترخيصا، وكان الاول من نوعه ، يسمح له ان يبني مستشفى في الامبراطورية الساسانية ، ومد الشاه المستشفى بالمساعدات المالية وخصها باثنى عشر طبيبا.(18)                                                                  &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;    استمر انشاء المستشفيات المسيحية في العصر الاسلامي ، ولحسن الحظ لدينا رسالة من البطريرك تيموثاوس تنص على أنه كان قد بنى مستشفى في &amp;quot;المادا&amp;quot; سماها بيمارستان ، وذلك عام 90 7 . (19) ويبدو ان لفظة &amp;quot;بيمارستان&amp;quot;  التي تعني بالفارسية &amp;quot;مكان لأجل المرضى&amp;quot; تشير الى ان المستشفى المسيحي كانت قد اصبحت مؤسسة معروفة في بلاد فارس في اواخر القرن الثامن الميلادي. وهذا أمر هام لأنه حين اقيمت مستشفى اسلامية في بغداد في بداية القرن التاسع كان المسلمون قد تبنوا ذات الاسم  (بيمارستان) وذات المؤسسة المسيحية.     &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;        كانت المستشفيات المسيحية تعتمد ، بالطبع ، على تدريب مستخدمين طبيين ، ويتضح ان دراسة الطب اليوناني في معاهد اللاهوت السريانية الشرقية كانت مادة اضافية (مساعدة) تدرس كـ  &amp;quot;علم&amp;quot; مفيد. كان رجل الدين ، وحتى القديس ، يستخدم طرائق الطبيب المقتدر ، أو كانوا يعرفون متى يحيلون المريض الى طبيب اختصاصي. لسوء الحظ ان الدليل التاريخي الوحيد على هذا الارتباط الوثيق بين المعهد اللاهوتي المسيحي وتدريس النصوص الطبية كان في نصيبين وبشكل خاص في القرن السادس ، أما بالنسبة لمدرسة ومستشفى جنديسابور الشهيرة فالادلة تكاد ان تكون واهنة. كان هناك اسطورة ابتدعت ، على الاغلب ، في اواخر القرون الوسطى تفيد بانه ربم كان في جنديسابور (بشكل جدا متواضع) معهد لاهوتي له مشفى ، على غرار نصيبين ، كان يدرس فيه طب جالينوس. (20) ولكن الاطباء الذين تدربوا في جنديسابور، بعكس هولاء الذين كانوا في نصيبين ، صاروا بارزين في العصر العباسي لقربهم من عاصمة الخلفاء الجديدة.     &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;        بالرغم من ندرة الادلة التاريخية عن التعليم الطبي في معاهد الاهوت ، يبدو أنه كان هناك نسبيا عدد كبير من الاطباء المسيحين كمطارنة واطباء في البلاط الفارسي قبل وخلال العصور الاسلامية. ولعب هؤلاء الاطباء دورا حاسما في تطور الطب الاسلامي ( ).بالمناسبة انا مستغرب انه لم يكن هناك اي دليل على وجود اطباء يهود او نصوص طبية عبرية ، ولم يكن لهم اي تأثير على الاحداث الطبية في بغداد. على اي حال ، ادى الاطباء المسيحيون خدمات كبيرة للخافاء العباسيين ، اذ كانوا ، بالطبع ، مفيدين كاطباء للعائلة الحاكمة والبلاط ، ولكنهم تلقوا رواتب جدا عالية. وأدت منزلتهم الرفيعة الى تعزيز هيبة البلاط ، وكذلك في الماضي، وربما كانت اهتماماتهم العلمية ملائمة والاتجاه العقلاني للاهوت الاسلامي في بداية العصر العباسي. كما كانوا اداة مناسبة  للتحكم بجزء كبير من السكان ، ومن ناحية اخرى ، استطاعوا ان يعملوا كوسطاء ، لدى النظام الاسلامي ، نيابة عن السكان المسيحيين. وربما كان الاطباء المسيحيون في البلاط يهيئون ايضا الفرص لتتدخل الدولة في شؤون الكنيسة خدمة لمصالحهم الشخصية.    (21) أما استمرار بناء المستشفيات المسيحية فيعود بالتأكيد الى تأثير الاطباء على البلاط والدعم المالي المباشرالذي قدموه. ومن الواضح ان الاطباء المسيحيين أخذوا المبادرة لتعزيز مهنتهم كوسيلة لتذليل العقبات القانونية والمذهبية المتعلقة بوضع أهل الذمة. وبذلك اوجدوا قوة توازن ثقافية واختصاصية لمواجهة النمو المعاصر لما سمي بـ &amp;quot;العلوم العربية&amp;quot;.  (22)  وربم كانت جهود اطباء السريان الشرقيين ، فضلا عن الحفاظ على مهنة الطب بين المسيحيين ،   طرفا في التنافس مع السريان الغربيين لاكتساب انصار-- وهكذا خدمات خيرية لم تكن غير عادية في تاريخ          المسيحية. بصرف النظر عن أي شيء آخر، باستطاعتنا ضمن هذا السياق التاريخي ان نفهم تبني الاطباء المسيحيين ترجمة العديد من النصوص الطبية اليونانية القديمة الى السريانية.     &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;     وجانب آخر للسياق التاريخي الخاص بالقرن التاسع هو التنافس بين نظامين طبيين. كان الاطباء السريان في موقع قوي بحكم خبرتهم لدراسة الطب وممارسته ، وكذلك علاقتهم الشخصية مع الخلفاء العباسيين. واذا اعتمدنا في حكمنا على قصص الجاحظ  -الكاتب الشهير-  فقد كانت مذهبية الخبرة الطبية شيئا معروفا ايضا لدى عامة الشعب    في بغداد في مطلع القرن التاسع. يبدو ان الاطباء السريان سعوا الى تقوية الارث الطبي بترجمات اخرى.  ومن ناحية اخرى ، كان المنافسون لهم نسبيا ضعفاء ، اذ لم يكن التقليد الطبي عند الزردشتيين ولا التقليد الاسلامي, أي&amp;quot;الطب النبوي&amp;quot;  قويا. كان النظام الطبي عند الهنود الوحيد الذي يمكن ان يشكل تحديا للطب الجالينوسي ، ويبدو انه كان من البدء متواجدا والطب اليوناني في بغداد.     &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;    ودعوني اقول شيء أكثر عن الطب النبوي ونظام الطب الهندي اللذين ، طبعا ، استمرا رغم انتصار الطب اليوناني ـ العربي. يبدو لي ان الطب النبوي تطور في هذه الفترة كنقيض للطب الجالينوسي. كان الطب النبوي ، بالاساس ، طب عربي شعبي ، مزيج من التجريبية والسحر ، وكان قد نسب الى البي محمد ، الامر الذي منحه شرعية كبيرة بين المؤمنين من المسلمين. وكان هذا الطب يمارس باعطاء نصيحة شبه طبية ، على شكل ، احاديث او اقوال للنبي. وكان القرن التاسع الزمن الذي درست فيه كل الاحاديث الدينية بشكل مكثف ، وجرى تقييمها ، ووضعت مع بعضها في مجموعات قانونية هامة لتكون مصدرا اساسيا في القانون الاسلامي . والاحاديث والاحداث المتناقضة المتعلقة بالنبي في هذه المجاميع تعكس ، بشكل عام ، التشعب في الرأي عند المسلمين حول مواضيع مختلفة في القرن التاسع وقبله. أما بالنسبة للطب ، فهذه الاحاديث المتناقضة معنية بوجود العدوى/الاصابة ، انواع مناسبة للمعالجة الطبية ، وشرعية الدواء ذاته. والكثير من هذه الاحاديث الطبية كانت ، بلا شك ، قد لفقت بعد زمن النبي. على اي حال ، كانت الاحاديث الطبية قد جمعت ، بشكل مستقل ، من قبل كتاب مسلمين لاحقين ، ولكنها كانت تشرح على ضوء مبادى جالينوس بصورة غير متناغمة. و يبدو ، في الواقع ، أنه كان هناك رغبة لدى بعض المسلمين في انقاذ الطب من ادانة المتدينين الذين لم يجدوه ضروريا ، ومن ناحية اخرى ، ايجاد نظام طبي غير ملطخ بالتراث الوثني ومتحرر من ممارسي الاطباء الغير مسلمين.                                    &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;   كان الطب الهندي-الفارسي ، في المحصلة الاخيرة ، مهما بحكم الخدمة التي اداها الى الفرع المعني بتحضير الادوية. بالاضافة الى ذلك ، أود ان اوضح ان هذا النظام الطبي(الهندي-الفارسي) كان هاما خصوصا لارتباطه بانشاء اول مستشفى اسلامي. نعرف ان هارون الرشيد و وزيره ، يحي بن برمك ، كانا من المؤيدين المتحمسين        للثقافة الشرقية ، وكان الوزير قد دعم ترجمة الكتب الطبية الهندية في المستشفى التي بناها في بغداد في اواخر القرن  الثامن. وربما هذه المستشفى ذاتها اصبحت اول مستشفى اسلامية عندما خسر البرامكة الحكم واستولى هارون الرشيد على املاكهم في عام803 .  ليس هناك اي دليل معاصر يربط بين الاطباء المسيحيين في جنديسابور وبناء أي مستشفى اسلامي ، اما بالنسبة لعددهم وتأثيرهم في العاصمة فمن الطبيعي انهم سعوا ان يكونوا الهيئة الطبية لأي مؤسسة طبية ونجحوا في القيام بذلك. أما السيطرة المبكرة للمسيحيين على الطب واسهاماتهم فيحتمل انها اصبحت     أمرا مستساغا عند المسلمين بعد القرن العاشر ، حين كل اعمال جالينوس التي كتب لها البقاء كانت قد ترجمت الى    العربية وكان الاطباء المسلمون قد سيطروا على مهنة الطب . عندئذ تكونت نظرة ودية تجاه اطباء جنديسابور السريان ، وبرزت شهرة مركزهم الطبي الكبير في جنديسابور وعلاقته بأول مستشفى اسلامي.                           &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;    من الواضح ان الاطباء المسيحيين عززوا مكانت طب جالينوس ، ومن اوائل القرن التاسع كانوا قادرين ان يحددوا مهنة الطب وممارستها وفق تعاليم جالينوس. وكان وجود النصوص الطبية السريانية سببا ونتيجة للتطور الرائع للمستشفى الاسلامي. كان الاطباء المسيحيون ، بناء على مجمل اعمال جالينوس المترجمة ، قادرين ان ينشئوامؤسسة طبية حقيقية ، بمعنى ان المستشفى كانت مزودة بموظفيين طبيين متحررين من القيود الدينية ، سواء كانت    مسيحية او اسلامية ، ويمارسون الطب كنظام عقلاني. كانت تعاليم جالينوس ، خلال القرن التاسع ، قد     تبسطت   وانتظمت في نسق فكري متماسك ، وعلى وجه التخصيص ، في اتجاه التركيز الكامل على السبب        الفيزيولوجي للمرض ومعالجته الفيزيائية ، الامر الذي ساعد على توسيع الطب ليشمل مجالات جديدة كالجنون الذي اندمج تطبيبه في المستشفى. وكان لتأثير تعليم طب جالينوس ايضا الفضل في فصل المستشفى برعايتها المدنية (العلمانية) عن  السيطرة الدينية للمسلمين وعن دمجها بالتعليم الاسلامي. وظل التركيز على نصوص جالينوس الطبية ، سواء في السريانية او العربية ، ميزة هامة للطب الاسلامي ، لأن المجتمع الاسلامي كان يفتقر لمقاييس المهارة الطبية ،        باستثناء ما كان يثبته الطبيب عمليا من خلال معرفته للكتب اليونانية. لهذا استمرت كتب جالينوس في التدريس داخل وخارج المستشفى.   &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;       وفي العودة الى ترجمات القرن التاسع ، نستطيع ان نرى تنافس بين اطراف متنازعة ،اذ تترجم النصوص الطبية من السنسكريتية والفارسية الى العربية ويضا من اليونانية الى السريانية و العربية. لقد اكد ، بشكل عام ، المتأخرون من مؤرخي القرون الوسطى للطب والمحدثون الذين جاءوا بعدهم على اهمية الترجمات العربية لأن الهيمنة النهائية كانت للنصوص العربية والاطباء المسلمين. ويزعم عادة ان الترجمات العربية كانت نتيجة رعاية&lt;br/&gt;( غيرية (حب الغير وعلم منزه. ولكن هذا الوصف يخفي المصلحة الذاتية للمتعهدين المسلمين الذين دعموا هذه الترجمات ، وكذلك هؤلاء الذين دعموا الترجمات السريانية. ان المصلحة الذاتية في العلم النفعي ، وان اسيء فهمها،هي تعليل جدا مقنع للتجاوب الرائع للثقافة الاسلامية مع &amp;quot; حكمة أجنبية.&amp;quot;      &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;     كان الدعم الاسلامي للترجمات العربية والمستشفيات الجديدة نتيجة مباشرة لتعهد البلاط وهكذ ظل. بصرف النظر عن الرغبة في ايجاد اطباء ومؤسسات اسلامية ، و لربما لعب دعم الطب الاسلامي دورا في تنافس العباسيين مع معاصريهم من الاباطرة البيزنطيين الذين كانوا من المتعهدين المعروفين لمثل هذه النشاطات الخيرية. أما على الصعيد المحلي ، فلربما كان هناك مزاحمةللاعمال الخيرية التي تقوم بها المؤسسات المسيحية لأنه ليس هناك من يضاهي المسلمين في الاعمال الخيرية للذين من دينهم.  وينبغي ان نتذكر ان الاسلام ينطوي على التزام قوي بالقيام باعمال خيرية للفقراء والمعوزين ، وبذلك الاسلام مساو للمسيحية. وكان التعهد السلطوي لاعمال خيرية جمعية وسيلة مباشرة لتأسيس أو تعزيز الشرعية السياسية . ولربما كان هناك ايضا احتياج ملحوظ لعمل خيري اسلامي بحكم الفشل العام للضريبة الالزامية( الزكاة) ان تلبي مطاليب السكان المسلمين الذين كانوا يتزايدون، لاسيما ، في المدن المزدهرة. بالاضافة الى ذلك ، كان غياب الاديرة المسيحية ، كمراكز للخدمات الاجتماعية في المدن الاسلامية ، كمدينة بغداد ، والانخفاظ الآحق في عدد الاديرة والسكان المسيحين في امكنة اخرى من الامبراطورية العباسية ، محرضا اضافيا على الاحسان الاسلامي.                     &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;    كانت الاعمال الكلاسيكية اليونانية بذاتها تنطوي دائما على شعور قوي بالاسس الاخلاقية للطب ، وقيمة الحياة البشرية ، ومهمة الشفاء-- وهذه الميزات ربما كانت الارث الاقوى الذي تحدر الى الطب الحديث. وكان جالينوس قد عزز هذه الميزات في مهنة الطب القديمة وذلك بتعلية منزلة الطبيب ، والمسيحية بدورها أكدت أكثر على العوامل الاخلاقية لممارسة الطب. وبذلك كان المسيحيون ، كوسطاء بين النصوص اليونانية والمسلمين ، &amp;quot;قد زودوا المسلمين بالحافز الاول والحاسم ليصبحوا واعين لواجبات الطب تجاه المجتمع&amp;quot;.( 23 )                                                &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;      أود أن اختتم حديثي بملاحظة عامة ، داحضا فيها الفكرة الشائعة عن عملية الترجمة. انه لخطأ فادح أن نقول ، كما فعل العديد ، بأن هذا العصر الخلاق في الثقافة الاسلامية شهد أول انتقال واسع للمعرفة العلمية من حضارة الى اخرى وباستطاعتنا توثيقه كليا. (24)  هذا الأمر ، بكل بساطة ، غير صحيح ، لأننا على معرفة جيدة بانتقال المعرفة الطبية اليونانية وتعاليم علمية وفلسفية اخرى الى ثقافة روما. طبعا كانت هذه عملية تختلف بالاساس عن انصهار العلم اليوناني في المجتمع الاسلامي . بالاضافة الى ذلك ، وكما حاولت ان اثبت ، ان استجابة المسلمين لللارث الكلاسيكي ، أو جعله ، على الاصح ، ميراثا لهم، كانت ناتجة مباشرة عن تبني مسبق لعناصر هامة من الثقافة اليونانية قام بها المسيحيون السريان. وكان نقل العلوم الطبية من السريانية الى العربية يتم بالجملة ، أما بالنسبة للمجالات الاخرى فكانت الاستعارة الثقافية اكثر انتقائية. كما ان فقدان الاهتمام الشبه كلي بالنصوص الادبية اليونانية-الرومانية ملحوظ في الفترة السريانية: بالنتيجة لم تكن مفاجأة ان تلك النصوص لم تترجم الى العربية. لذلك يعقل ان نقول ان الترجمات السريانية وضعت الاساس واستشرفت ، الىحد كبير، نموذج الازدهار الثقافي الذي عرف بنهضة الاسلامية.                                                                                                                                &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;</description>
    </item>
    <item>
      <title>الفلسفة والاسلام</title>
      <link>http://www.syriacstudies.com/AFSS/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A1/Entries/2009/6/29_%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A9_%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85.html</link>
      <guid isPermaLink="false">9fc6ebb6-e5f6-4116-9b97-9be96794b628</guid>
      <pubDate>Mon, 29 Jun 2009 13:54:23 -0400</pubDate>
      <description>&lt;br/&gt;لقد استعار الإسلام في الفلسفة كما استعار في الطب من بلاد الشام المسيحية ما خلفته بلاد اليونان الوثنية , ثم رد هذا الدين إلى أوربا المسيحية عن طريق الأندلس الإسلامية . وكانت هناك بطبيعة الحال عوامل كثيرة هي التي أدت مجتمعة إلى ثورة المعتزلة وإلى فلسفات الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد  . وكان للآراء الزرادشتية واليهودية عن الحشر والحساب بعض الأثر في الفلسفة الإسلامية وكان الملاحدة المسيحيون قد أثاروا عجاج الجدل في بلاد الشرق الأدنى في صفات الله وفي طبيعة المسيح وكلمة الله وفي الجبرية والقدرية والوحي والعقل . لكن العامل الذي كان له أكبر الأثر غي التفكير الإسلامي في آسية - كما كان له أكبر الأثر في إيطاليا أيام النهضة - هو كشف آثار اليونان الفكرية من جديد فقد أدى هذا الكشف - وإن أتى عن طريق التراجم الناقصة المعيبة لنصوص مشكوك في صحتها - إلى ظهور عالم جديد: عالم كان الناس يفكرون فيه في كل شيء ولا يخشون أن يصيبهم أذى بسبب هذا التفكير ولا تقيد عقولهم نصوص الكتب المقدسة ولا يرون أن السماء والأرض وما بينهما قد خلقت عبثاً أو أنها وجدت بمعجزة من المعجزات التي لا تستند إلى قانون من قوانين العقل بل يرون أنها تستند إلى قانون عام عظيم يحكمها جميعاً وتتضح آثاره في كل جزء من أجزاء الكون . وقد افتتن المسلمون بالمنطق اليوناني في صورته الكاملة الواضحة التي جاء بها كتاب أورغانون (الآلة الفكرية) لأرسطو بعد أن أتيح لهم الفراغ الذي لا بد منه للتفكير ووجدوا فيهِ الأدوات التي يحتاجونها لتفكيرهم وظل المسلمون ثلاثة قرون طوال يحاجون بالمنطق وتسلب لبهم بهجة الفلسفة المحببة كما سلبت لب الشباب في أيام أفلاطون . وسرعان ما أخذ صرح العقائد التعسفية يتصدع وينهار كما انهارت العقائد اليونانية بتأثير بلاغة السوفسطائيين وكما ضعفت العقائد المسيحية وتزعزعت قواعدها تحت ضربات أصحاب الموسوعات الفرنسيين وسخرية فلتير اللاذعة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وكانت البداية التقريبية للعهد الذي نستطيع أن نسميه عهد الاستنارة الإسلامية هي الجدل الذي ثار حول موضوع عجيب هو موضوع خلق القرآن . ذلك أن عقيدة فيلون في الكلمة وقوله إنها حكمة الله الأبدية وما جاء بهِ الإنجيل الرابع من أن المسيح هو كلمة الله أو العقل القدسي : &amp;quot; في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله . هذا كان في البدء عند الله كل شيء به كان وبغيرهِ لم يكن شيء مما كان &amp;quot; . وعقيدة المسيحيين العارفين وأتباع الأفلاطونية الحديثة الذين يجسدون الحكمة الإلهية يقولون إنها هي أداة الخلق الفعالة وعقيدة اليهود في أزلية التوراة - كل هذه الآراء قد أوجدت عند المسلمين السنيين عقيدة مماثلة تقول إن القرآن كان على الدوام موجوداً في عقل الله وإن نزوله على محمد كان هو دون غيره حادثاً في زمان معين وكانت نشأة الفلسفة في الإسلام على يد المعتزلة الذين ينكرون قدم القرآن وهم يجهزون باحترامهم لكتاب الله (الكريم) ولكنهم يقولون إنه إذا تعارض هو أو الحديث مع العقل وجب ألا يفسر تفسيراً حرفياً بل مجازياً وأطلقوا على يد هذه الجهود التي يحاولون بها التوفيق بين العقل والدين اسم الكلام أي المنطق . وقد بدا لهم أن من السخف أن تؤخذ بحرفيتها العبارات الواردة في القرآن والتي تقول إن لله يدين وقدمين وإنه يغضب ويكره وقالوا إن تشبيه الله بالكائنات البشرية على هذا النحو الشعري إذا كان يتفق مع أغراض النبي الأخلاقية والسياسية في أيام الرسالة لا يمكن أن يقبله المتعلمون المستنيرون في أيامهم وإن العقل البشري عاجز كل العجز عن معرفة طبيعة الله وصفاته وكل ما يستطيعه أن يقبل ما جاء به الدين من إثبات وجود قوة روحية عليا هي أساس الحقائق عامة . وفضلاً عن هذا فقد كان المعتزلة يرون أن الخطر الشديد على أخلاق الناس وأعمالهم أ يؤمنوا كما يؤمن عامة المسلمين بأن الحادثات كلها مقدرة تقديراً كاملاً من عند الله وأن الله قد اختار منذ الأزل من سيثاب ومن سيعذب .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وانتشرت عقائد المعتزلة بهذه الصورة وبما أدخل عليها من الصور الأخرى التي يخطئها الحصرأثناء خلافة المنصور وهارون الرشيد والمأمون واعتنق هذه المبادئ العقلية الجديدة سِرَّاًً في بادئ الأمر عدد من العلماء والخارجين على الدين ثم جهز بها رجال في ندوة الخلفاء المسائية ثم وجدت من يدعو إليها في المحاضرات التي تلقى في المدارس والمساجد بل تغلبت في أماكن متفرقة على غيرها من الآراء . وافتتن المأمون نفسه بهذه النزعة العقلية الآخذة في القوة وبسط عليها حمايته وانتهى الأمر بأن جعل عقائد المعتزلة مذهب الدولة الرسمي . ذلك المأمون مزج بعض عادات الملكية الشرقية بآخر الآراء الإسلامية المستمدة من الثقافة اليونانية وأصدر في عام 832 أمراً يفرض فيه على جميع المسلمين أن يعتقدوا بأن القرآن قد خلق في وقت بعينهِ وأتبع هذا بأمر آخر يقضي بألا يعين قاضياً في المحاكم من لا يعلن قبولهُ لهذه العقيدة الجديدة أو أن تقبل فيها شهادتهُ وصدرت بعد هذين القرارين قرارات أخرى تحتم قبول عقيدة حرية الإرادة وعجز النفس البشرية عن رؤية الله رأى العين وانتهى الأمر بأن جعل رفض هذه العقائد من الجرائم التي يعاقب مرتكبها بالإعدام .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وتوفي المأمون في عام 833 ولكن المعتصم والواثق اللذين توليا الخلافة بعده واصلا هذه الحملة الفكرية وقاوم الإمام ابن حنبل هذا الاضطهاد الفكري وندد بهِ ولما استدعي لمناقشته في أمر المبادئ الجديدة أجاب عن كل ما وجه إليه من الأسئلة بإيراد شواهد من القرآن تؤيد آراء أهل السنة فضرب حتى أغمي عليهِ وألقي في السجن ولكنه أصبح في أعين المسلمين بسبب هذا التعذيب من الشهداء والأولياء الصالحين وكان تعذيبه هذا من العوامل التي مهدت السبيل للانتفاض على الفلسفة الإسلامية .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وكانت هذه الفلسفة قد أخرجت في ذلك الوقت أول داعٍ كبير لها وهو أبو يوسف يعقوب بن إسحق الكندي الذي ولد في الكوفة عام 803 م . وكان والد الكندي من ولاة الأعمال في المدينة وتلقى هو العلم فيها وفي بغداد وذاعت شهرته في الترجمة والعلم والفلسفة في بلاط المأمون والمعتصم ونبغ مثل الكثيرين من أمثاله في مجد الإسلام الفكري في عدد كبير من العلوم فدرس كل شيء وكتب 265 رسالة في كل شيء - في الحساب والهندسة النظرية والهيئة والظواهر الجوية وتقويم البلدان والطبيعة والسياسة والموسيقى والطب والفلسفة . . . وكان يرى ما يراه أفلاطون من أنه ليس في وسع إنسان أن يصبح فيلسوفاً من غير أن يكون قبل ذلك عالماً في الرياضة وحاول أن يبني علم الصحة والطب والموسيقى على نسب رياضية . وقددرس فيما درس ظاهرة المد والجزر وبحث القوانين التي تحدد سرعة الأجسام الساقطة في الهواء كما بحث ظاهرة الضوء في كتابهِ عن البصريات الذي كان له أكبر الأثر في روجر بيكن (وقد أدهش الكندي العالم الإسلامي برسالتهِ في الدفاع عن المسيحية) واشترك هو وزميل له في ترجمة كتاب أرسطو في الإلهيات (أوثولوجيا) . وتأثر الكندي أشد التأثر بهذا الكتاب المنحول وسره كل السرور أن يوفق بين أرسطو وأفلاطون إذ يجعل كليهما من أتباع الأفلاطونية الجديدة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;ذلك أن فلسفة الكندي نفسه هي الأفلاطونية الجديدة مصبوغة صبغة جديدة : فالنفس عنده ثلاث مراتب : الله ونفس العالم الخلاقة والنفس البشرية التي هي فيض من هذه النفس الثانية .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وإذا استطاع الإنسان أن يدرب نفسه على العلم الحق استطاع أن ينال الحرية والخلود . ويلوح أن الكندي قد حاول ما استطاع أن يبتعد عن آراء المعتزلة وأن يعتنق آراء أهل السنة ولكنه أخذ عن أرسطو التفرقة بين العقل الفاعل أي العقل الإلهي وعقل الإنسان المنفعل الذي لا يعدو أن يكون هو القدرة على التفكير . ونقل ابن سينا هذا التفريق إلى ابن رشد الذي أثار بهِ العالم واتخذ حجة ضد القائلين بالخلود الفردي . وانتهى الكندي بالانضمام إلى المعتزلة فلما قام عليهم أهل السنة صودرت كتبهُ وكاد يقضى على حياتهِ ولكنه نجا من هذه العاصفة واسترد مكتبتهُ وعاش حتى عام 873 .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;إن المجتمع الذي يرتبط فيه نظام الحكم والقانون والأخلاق بالعقيدة الدينية يرى كل خروج على تلك العقيدة تهديداً خطيراً للنظام الاجتماعي نفسه . ولقد عادت إلى النشاط من جديد جميع القوى التي طغى عليها الفتح العربي وهي الفلسفة اليونانية والمسيحية والغنوسطية والقومية الفارسية والشيوعية المزدكية وكان نشاطها عنيفاً فأخذت تجادل في القرآن وجهر شاعر فارسي بأن شعره أعلى منزلة من القرآن نفسه فكان جزاؤه على قولهِ هذا قطع رأسهُ وبدا أن صرح الإسلام القائم على القرآن قد أصبح وشيك الانهيار . غير أن عوامل ثلاثة في هذه الأزمة الشديدة جعلت النصر النهائي لأهل السنة: وهذه العوامل هي وجود خليفة محافظ مستمسك بدينهِ واشتداد ساعد الحرس التركي وولاء الناس الطبيعي لعقائدهم الموروثة . فلما أن تولى المتوكل على الله الخلافة في عام 847 استمد العون من الشعب ومن الأتراك . وكان الترك حديثي العهد بالإسلام حاقدين على الفرس غريبين عن الفكر اليوناني فاندفعوا بكل ما فيهم من قوة لتأييد السياسة التي ترمي إلى نصرة الدين بحد السيف . فنقض المتوكل السياسة الحرة العنيفة التي جرى عليها المأمون وألغى ما أصدره فيها من المراسيم وأخرج المعتزلة وغيرهم من الملحدين عن مناصب الدولة والوظائف التعليمية وحرم الجهر بالآراء المخالفة لآراء أهل السنة في الأدب والفلسفة وسَنَّ قانوناً يحتم القول بأن القرآن أزلي غير مخلوق واضطهِد الشيعة وهُدم مشهد الحسين في كربلاء . وجدد المتوكل الأمر المعزو إلى عمر بن الخطاب ضد المسيحيين والذي وسعه هارون الرشيد حتى شمل اليهود ثم أهمل العمل بهِ بعد صدورهِ جدد المتوكل هذا الأمر ففرض على اليهود والمسيحيين أن يلبسوا ثياباً من لون خاص تميزهم من غيرهم من أفراد الشعب وأن يضعوا رقعاً ملونة على أكمام أثواب عبيدهم وألا يركبوا غير البغال والحمير وأن يثبتوا صوراً خشبية للشيطان على أبواب بيوتهم وأمر بهدم جميع الكنائس والمعابد المسيحية واليهودية الجديدة وحرم رفع الصليب علناً في المواكب المسيحية ولم يسمح لمسيحي أو يهودي أن يتلقى العلم في المدارس الإسلامية .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;واتخذ رد الفعل في الجيل التالي صورة أقل عنفاً من هذه الصورة السابق وصفها . فقد قام جماعة من العلماء السنيين وجهروا في شجاعة بقبول حكم المنطق في الجدل القائم وعرضوا أن يثبتوا بالرجوع إلى العقل صدق العقائد الأصلية . وهؤلاء المتكلمون (المناطقة) في الإسلام يشبهون الفلاسفة المدرسين في أوربا في العصور الوسطى وقد حاولوا أن يوفقوا بين العقائد الدينية والفلسفة اليونانية كما حاول ابن ميمون ذلك في القرن الثاني عشر بالنسبة لليهود وتومس أكوناس في القرن الثالث عشر بالنسبة للمسيحية . وظل أبو الحسن الأشعري (873 - 935) يعلم الناس مبادئ المعتزلة نحو عشر سنين في البصرة ولكنه انقلب عليهم حين بلغ الأربعين من عمرهِ وهاجمهم بسلاحهم هم أنفسهم وهو سلاح المنطق وسلط عليهم سيلاً جارفاً من الجدل القوي كان له أكبر الأثر في انتصار عقائد أهل السنة . وقد آمن أبو الحسن إيماناً قوياً بمبدأ الجبرية فقال إن الله قدر منذ الأزل كل عمل وكل حادث وإنه عللها كلها وإنه يعلو على القوانين والأخلاق وإنه يصرف شؤون خلقه كما يشاء فإذا بعث بهم جميعاً إلى النار فليس في ذلك ولم يرضَ أهل السنة كلهم بإخضاع الدين إلى هذا الجدل العقلي ونادى كثيرون منهم بمبدأ &amp;quot; بلاكيف &amp;quot; أي أن من واجب الإنسان أن يؤمن دون أن يسأل كيف يكون هذا الإيمان وامتنع معظم علماء الدين عن الجدل في الموضوعات الأساسية ولكنهم اندفعوا يجادلون في التفاصيل الجزئية لعقيدة اتخذوا مبادئها الأساسية بداية يسلمون بها دون مناقشة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وهكذا هدأت موجة الفلسفة في بغداد ولكنها ثارت في الوقت نفسه في العواصم الإسلامية الصغرى فوهب سيف الدولة أبا نصر الفارابي بيتاً في بغداد وكان الفارابي أول من نبغ وانتشر صيتهُ من العلماء الأتراك . كان مولده في فاراب إحدى ولايات التركستان ودرس المنطق في بغداد على معلمين مسيحيين وقرأ كتاب الطبيعة لأرسطو أربعين مرة وكتاب النفس مائتي مرة ورمي بالزندقة في بغداد وارتدى ملابس المتصوفة واعتنق مبادئهم وعاش كما يعيش طير الهواء . ويقول عنه ابن خلكان إنه &amp;quot; كان أزهد الناس في الدنيا لا يحتفل بأي مكسب ولا مسكن &amp;quot; . وسأله سيف الدولة عما يكفيه من المال فقال الفارابي إنه يكفيه أربعة دراهم في اليوم &amp;quot; فأجرى عليه الأمير هذا القدر من بيت المال واقتصر عليها لقناعتهِ ولم يزل إلى أن توفي &amp;quot; .&lt;br/&gt; وقد بقي من مؤلفات الفارابي تسعة وثلاثون كتاباً كثير منها شروح لأرسطو وتعليقات على آرائهِ . وقد لخص في كتابهِ إحصاء العلوم علم عصره في الفلسفة والمنطق والرياضيات والطبيعة والكيمياء والاقتصاد والسياسة . وقد أجاب إجابة سلبية صريحة عن السؤال الذي أثار ثائرة الفلاسفة المسيحيين بعد قليل من ذلك الوقت وهو هل الكلي (أي الجنس والنوع والصفة) يوجد قائماً بنفسهِ منفصلاً عن الجزئي وقد خدع كما خدع غيره بإلهيات أرسطو فبدل الاصطاغيري العنيد إلى رجل متصوف . وطال به العمر حتى هدأت ثورته العلمية واستمسك بقواعد الدين . وكان في شبابهِ قد جهر بنزعة لا إرادية متشككة ثم خطا في مستقبل حياته خطوات واسعة فأعطانا وصفاً مفصلاً للخالق مستعيناً على ذلك بالبراهين التي أوردها أرسطو ليثبت بها وجود الله والتي استعان بها أكوناس بعد ثلاثة قرون من ذلك الوقت فقال إن حدوث سلسلة من الحوادث العارضة لا يمكن إدراكها إلا إذا أرجعناها في النهاية إلى كائن لا بد من وجوده لوقوعها وجود سلسلة من العلل يتطلب وجود علة أولى وسلسلة من الحركات يتطلب محركاً أول غير متحرك والتعدد يتطلب الوحدة . وإن الهدف النهائي للفلسفة وهو الهدف الذي لا يمكن بلوغه كاملاً هو معرفة العلة الأولى وخير طريق للوصول إلى هذه المعرفة هو تطهير النفس . وقد استطاع الفارابي كما استطاع أرسطو أن يعنى بجعل أقواله عن الخلود غامضة غير مفهومة . ومات الرجل في دمشق عام 950 م .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;ومن بين كتب الفارابي الباقية كلها كتاب واحد يدهشنا ما يدل عليهِ من قوة الابتكار ونعني به كتاب المدينة الفاضلة . ويبدأ الكتاب بوصف قانون الطبيعة بأنه كفاح واحد دائم يقوم بهِ كل كائن حي ضد سائر الكائنات وهو في ذلك يشبه ما يقول هبز من أن الأشياء كلها يحارب بعضها بعضاً ثم يقول إن كل كائن حي يرى في آخر الأمر أن سائر الكائنات الحية وسائل يحقق بها أغراضه ثم يعقب على هذا بقولهِ إن بعض الساخرين يستنتجون من هذا أن الرجل العاقل في هذا التنافس الذي لا مفر منه هو أقدر الناس على إخضاع غيره لإرادتهِ وأعظمهم تحقيقاً لرغباتهِ كاملة . فكيف خرج المجتمع الإنساني إذن من هذا القانون قانون الغاب وإذا ما أمعنا الفكر في أقوال الفارابي رأينا أنه كان بين المسلمين الذين بحثوا هذا الموضوع فلاسفة من طراز روسو وآخرون من طراز نتشة: فمنهم من قال إن المجتمع قام في بادئ الأمر على أساس نوع من الاتفاق بين أفراد على أن بقاءهم يتطلب قبول بعض القيود التي تعتمد على العادات والقانون ومنهم من سخر من هذا &amp;quot; العقد الاجتماعي &amp;quot; وقال إن مثل هذا التعاقد لم يوجد قط في تاريخ العالم وأكد أن المجتمع بدأ أو أن الدولة بدأت بإخضاع الأقوياء للضعفاء وتجنيدهم تحت سلطانها . ويضيف هؤلاء النتشيون أن الدولة نفسها أدوات للتنافس وأن يقاتل بعضها بعضاً سعياً وراء سيادتها على غيرها وسلامتها وسلطانها وثرائها وأن الحرب طبيعية ولا مفر من وقوعها وأن الذي سيسفر عنه هذا الصراع لا بد أن يتمشى مع قانون الطبيعة الأزلي وهو أن الحق الوحيد هو القوة . ويقاوم الفارابي هذه النزعة بأن يدعو إلى إقامة مجتمع على قواعد العقل والوفاء والحب لا على أساس الحسد والقوة والخصام . ويختم بحثه خاتمة موفقة بالدعوة إلى إقامة ملكية على أساس العقيدة الدينية القوية .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وأنشأ تلميذ لأحد تلاميذ الفارابي في بغداد عام 970 جمعية من العلماء - معروفة لنا باسم موطن منشئها - الجمعية السجستانية غرضها بحث المسائل الفلسفية . ولم تكن هذه الجمعية تسأل أعضائها عن أصلهم أو مللهم ويبدو أنها صرفت همها كله إلى دراسة المنطق وفلسفة المعرفة ولكن وجودها يدل على أن الرغبة في البحوث العلمية والعقلية لم تخبُ جذوتها في عاصمة الدولة الإسلامية . وأهم من هذه الجمعية شأناً أو بالأحرى أعظم منها أثراً جمعية أخرى من نوعها ولكنها في واقع الأمر جمعية سرية من العلماء والفلاسفة أنشئت في مدينة البصرة عام 983 ونعني بها جمعية إخوان الصفا . وكان سبب قيامها أن هؤلاء الإخوان روعهم ما شاهدوه من ضعف الخلافة الإسلامية وفقر شعوبها وفساد أخلاقهم فتاقت نفوسهم إلى تجديد الإسلام من النواحي الأخلاقية والروحية والسياسية وخيل إليهم أن هذا التجديد إنما يقوم على مزيج من الفلسفة اليونانية والمسيحية والتصوف الإسلامي وآراء الشيعة السياسية والشريعة الإسلامية . وكانوا يفهمون الصداقة على أنها تعاون بين ذوي الكفايات والفضائل المختلفة تأتي فيها كل طائفة بما تحتاجه الجماعة كلها وما لا تجده عند الطوائف الأخرى . وفي اعتقادها أن الوصول إلى الحقيقة عن طريق اجتماع العقول أيسر من الوصول إليها عن طريق التفكير الفردي . ولهذا كانوا يجتمعون في السر ويبحثون في حرية تامة شاملة وتفكير واسع الأفق وتأدب جم جميع مشاكل الحياة الأساسية . وأصدرت الجماعة في آخر الأمر إحدى وخمسين رسالة جمعت شتات أبحاثها كلها وضمنتها خلاصة العلوم الطبيعية والدينية والفلسفة . وأولع أحد مسلمي الأندلس أثناء تجواله في بلاد الشرق الأدنى حوالي عام 1000 م بهذه الوسائل فجمعها واحتفظ بها .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;ونجد في هذه الرسائل البالغة 1134 صفحة تفسيراً علمياً للمد والجزر والزلازل والخسوف والكسوف والأمواج الصوتية وكثير غيرها من الظواهر الطبيعية كما نجد فيها قبولاً صريحاً كاملاً للتنجيم والكيمياء الكاذبة ولا تخلو من عبث بالسحر وتلاعب بالأعداد . أما ما فيها من العقائد الدينية فهو شديد الصلة بالأفلاطونية الجديدة كما هو شأن الكثرة الغالبة من كتابات المفكرين المسلمين فهم يقولون إنه عن الموجود الأول أي الله يصدر العقل الفعال وعن هذا العقل يصدر عالم الأجسام والنفوس وإن جميع الأشياء المادية توجدها النفس وتعمل عن طريقها وكل نفس تظل مضطربة قلقة حتى تتصل بالعقل الفاعل أو نفس العالم أو النفس الكلية ويتطلب هذا الاتصال تطهير النفس تطهيراً كاملاً والأخلاق هي الفن الذي تصل به النفس إلى هذا التطهير والعلم والفلسفة والدين كلها وسائل لبلوغهِ . ويجب علينا في سعينا للتطهير أن ننسج على منوال سقراط في الأمور العقلية . وأن ننهج نهج المسيح في الإحسان إلى الخلق عامة ونهج عليّ في نبلهِ وتواضعهِ . فإذا ما تحرر العقل عن طريق المعرفة وجب أن يحس بحريتهِ في أن يؤول عبارات القرآن التي تتناسب مع فهم بدو غير متحضرين يسكنون الصحراء تأويلاً مجازياً . &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;ويمكن القول بوجه عام أن هذه الرسائل الإحدى والخمسين أكمل ما وصل إلينا من تعبير عن التفكير الإسلامي في العصر العباسي وإنها أعظم تناسقاً من جميع الرسائل في هذا التفكير .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وقد رأى علماء بغداد أن هذه الرسائل من قبيل الإلحاد فحرقوها في عام 1150 ولكنها رغم هذا ظلت تتداولها الأيدي وكان لها أثر شامل عميق في الفلسفة والحق أن ميتافيزيقية ابن سينا تكاد تكون خلاصة ما وصل إليه المفكرون اللاتين بعد مائتي عام من أيامهِ من توفيق بين المذاهب الفلسفية المختلفة في الفلسفة المدرسية . وهو يبدأ بشرح مفصل بذل فيه جهداً شاقاً لمذهب أرسطو والفارابي في المادة والصورة والعلل الأربع والممكن والواجب والكثرة والواحد ويدهشه كيف تستطيع الكثرة الممكنة المتغيرة - كثرة الأشياء الفانية - أن تصدر عن الواحد الواجب الوجود الذي لا يتغير . وهو يفعل ما يفعله أفلاطون فيفكر في حل هذه المشكلة بافتراض وجود وسيط بينهما هو العقل الفاعل منتشراً في العالم السماوي والمادي والبشري وهو النفس . ثم إنه وجد شيئاً من الصعوبة في التوفيق بين الانتقال من عدم الخلق إلى الخلق وبين صفة عدم التغير الملازمة لله فينزع إلى الاعتقاد مع أرسطو بقدم العالم المادي ولكنه يدرك أن هذا سيؤلب عليه جماعة المتكلمين فيعرض عليهم حلاً وسطاً كثيراً ما لجأ إليهِ الفلاسفة المدرسيون وهو: أن وجود الله سابق على وجود العالم سبقاً ذاتياً لا زمانياً أي في المرتبة والجوهر والعلة فوجود العالم يعتمد في كل لحظة من اللحظات على وجود القوة الحافظة له وهي الله ويقول ابن سينا إن كل الموجودات &amp;quot; ممكنة &amp;quot; حتى الأفلاك نفسها أي أنها ليست واجبة الوجود أو محتومة . وهذه الممكنات لا بد لوجودها من علة تتقدمها وتخرجها إلى الوجود ولهذا لا يمكن تفسير وجودها إلا بإرجاعها بعد سلسلة من العلل إلى موجود واجب الوجود أي واحد قائم بذاتهِ هو العلة الأولى لسائر الموجودات . والله وحده هو الموجود بذاتهِ وإن وجوده هو عين ماهيتهِ فهو واجب الوجود . ولولاه لما كان شيء مما يمكن أن يكون . ولما كان العالم كله ممكناً أي أن وجوده ليس بذاتهِ فإن الله لا يمكن أن يكون مادة بل إنه بريء من الجسم وهو العقل واحد من كل وجه لا تركيب فيهِ . ولما كان في المخلوقات كلها عقل فلا بد أن يكون في خالقها عقل أيضاً . وهذا العقل الأول يرى كل شيء - الماضي والحاضر والمستقبل - لا في وقت ولا بالتتابع بل يراه كله مرة واحدة . وحدوث هذه الأشياء هو النتيجة الزمنية لفكرة اللازمني . ولكن الأفعال والحوادث لا تصدر عن الله مباشرة بل إن الأشياء تتطور بفعل غائي داخلي - أي أن لها أغراضاً ومصائر في ذاتها . ولهذا فإن الله لا يصدر عنه الشر بل إن الشر هو الثمن الذي نؤديه نظير ما لنا من حرية الإرادة وقد يكون الشر للجزء هو الخير للكل .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;ووجود النفس يدل عليه التأمل الداخل المباشر . والنفس لهذا السبب عينه روحانية فنحن لا ندرك أكثر من أنها كذلك وأفكارنا منفصلة انفصالاً واضحاً عن أعضائنا . وهي مبدأ الحركة الذاتية والنماء في الجسم وبهذا المعنى تكون للكواكب نفوس . والكون كله مظهر لمبدأ الحياة العام . والجسم وحده لا يستطيع أن يكون فاعلاً بل إن سبب كل حركة من حركاته هو نفسه التي تحل فيه ولكل نفس ولكل عقل قدر من الحرية والقدرة على الخلق والإبداع شبيهة بقدرة السبب الأول لأنها فيض منه . وتعود النفس الخالصة بعد الموت إلى الاتصال بالفعل الكلي وفي هذا الاتصال تكون سعادة السعداء الصالحين .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وقد بذل ابن سينا كل ما يستطيع أن يبذله من الجهود للتوفيق بين الآراء الفلسفية وعقائد جمهرة المسلمين . فلم يكن مثل لكريشيوس يرغب في القضاء على الدين من أجل الفلسفة ولم يكن كالغزالي في القرن الذي بعده يريد أن يقضي على الفلسفة من أجل الدين بل هو يعالج كل مسألة مستنداً إلى العقل وحده غير متقيد مطلقاً بالدين ويحلل الوحي في ضوء قوانين الطبيعة ولكنه يؤكد حاجة الناس إلى الأنبياء ليبينوا لهم قواعد الأخلاق في صور من الاستعارات والمجازات تفهمها عقولهم وتتأثر بها . وبهذا المعنى يكون النبي رسول الله لأنه يضع الأسس التي يقوم عليها النظام الأخلاقي والاجتماعي . ومن أجل هذا كان النبي ينادي ببعث الأجسام وكان في بعض الأحيان يصور الجنة تصويراً مادياً والفيلسوف وإن كان يشك في خلود الجسم يدرك أنه لو أن النبي قد اقتصر على تصوير الجنة تصويراً روحياً محضاً لما استمع الناس إليه ولما تألفت منهم أمة واحدة قوية منظمة . وأرقى البشر وأرفعهم درجة هم الذين يستطيعون أن يعبدوا الله عبادة تقوم على الحب الحر وهو الذي لا ينبعث من الرغبة أو الرهبة ولكن هؤلاء لا يكشفون عن هذه المرتبة السامية لعامة أتباعهم بل يكشفونها لمن كملت عقولهم وسمت نفوسهم .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وكتابا الشفاء والقانون لابن سينا هما أرقى ما وصل إليه التفكير الفلسفي في العصور الوسطى وهما من أعظم البحوث في تاريخ العقل الإنساني . وهو يسترشد في كثير من بحوثهِ في الكتابين بأرسطو والفارابي كما استرشد أرسطو في كثير من بحوثهِ بأفلاطون . غير أن هذا لا ينقص من قدره ذلك أن نزلاء المستشفيات العقلية هم وحدهم المبدعون تمام الإبداع الذين لا يتأثرون بعقول غيرهم . وفي بعض أقوال ابن سينا ما يبدو لعقولنا المعرضة إلى الخطأ أنه سخف وهراء ولكن هذا الحكم بعينهِ ينطبق أيضاً على أقوال أفلاطون وأرسطو والحق أنه ليس ثمة سخيف لا نجده في صحف الفلاسفة . ولسنا نجد عند ابن سينا ما نجده عند البيروني من أمانة التشكك وروح النقد واتساع الأفق وحرية العقل وهو أكثر منه أخطاء ذلك أن البحوث التركيبية لا بد أن تؤدي هذا الثمن ما دامت الحياة على ما هي من قصر الأمد . ولقد بز الرئيس ابن سينا جميع أقرانه بوضوح أسلوبهِ وحيويتهِ وبقدرتهِ على جعل التفكير المجرد مشرقاً بعيداً عن السآمة والملل بما يبثه فيه من القصص الإيضاحية وأبيات الشعر التي لا نرى عليهِ مأخذاً في إيرادها وباتساع مجاله الفلسفي والعلمي اتساعاً منقطع النظير . ولقد كان ابن سينا عظيم الأثر فيمن جاء بعده من الفلاسفة والعلماء وقد تعدى هذا الأثر بلاد المشرق إلى الأندلس حيث شكل فلسفة ابن رشد وابن ميمون وإلى العالم المسيحي اللاتيني وفلاسفته المدرسين وإنا لندهش من كثرة ما نجده من آراء ابن سينا في فلسفة ألبرتس مجنس وتومس أكوناس ويسميه روجر بيكن: &amp;quot; أكبر عميد للفلسفة بعد سطو &amp;quot; . ولم يكن أكوناس وهو يتحدث عنه بنفس الاحترام الذي يتحدث به عن أفلاطون مجاملاً قط كمألوف عادته حين يتحدث عن عظماء الرجال .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وكاد أجل الفلسفة العربية في الشرق أن ينقضي بموت ابن سينا ذلك أن نزعة السلاجقة السنية القوية وارتياع رجال الدين من الآراء الفلسفية الجريئة وانتصار نزعة الغزالي الصوفية لم تلبث كلها أن قضت على كل تفكير . وإن مما يؤسف له أ يكون علمنا بتلك القرون الثلاثة (750 - 1050) التي ازدهر فيها التفكير الإسلامي ناقصاً كل النقص . ويرجع سبب ذلك إلى أن آلافاً من المخطوطات العربية في العلوم والآداب والفلسفة لا تزال مخبوءة في مكتبات العالم الإسلامي .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;ففي اسطنبول وحدها ثلاثون من مكتبات المساجد لم يرَ الضوء من مخطوطاتها إلا النزر اليسير وفي القاهرة ودمشق والموصل وبغداد ودلهي مجموعات ضخمة لم يعنَ أحد حتى بوضع فهارس لها وفي الأسكوريال بالقرب من مدريد مكتبة ضخمة لم يفرغ بعد من إحصاء ما فيها من مخطوطات إسلامية في العلوم والآداب والشريعة والفلسفة . وليس ما نعرفه من ثمار الفكر الإسلامي في تلك القرون الثلاثة إلا جزءاً صغيراً مما بقي من تراث المسلمين وليس هذا الجزء الباقي إلا قسماً ضئيلاً مما أثمرته قرائحهم وليس ما أثبتناه في هذه الصحف إلا نقطة من بحر تراثهم . وإذا كشف العلماء عن هذا التراث المنسي فأكبر ظننا أننا سنضع القرن العاشر من تاريخ الإسلام في الشرق بين العصور الذهبية في تاريخ العقل البشري .</description>
    </item>
    <item>
      <title>هنيبعل&#13;قصة الحضارة &#13; ( قرطاجنة - رجيولوس - هملكار هنيبعل - سبيو  )</title>
      <link>http://www.syriacstudies.com/AFSS/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A1/Entries/2009/6/29_%D9%87%D9%86%D9%8A%D8%A8%D8%B9%D9%84_-_%D9%82%D8%B5%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B6%D8%A7%D8%B1%D8%A9_-_%28_%D9%82%D8%B1%D8%B7%D8%A7%D8%AC%D9%86%D8%A9_-_%D8%B1%D8%AC%D9%8A%D9%88%D9%84%D9%88%D8%B3_-_%D9%87%D9%85%D9%84%D9%83%D8%A7%D8%B1_-_%D9%87%D9%86%D9%8A%D8%A8%D8%B9%D9%84_-_%D8%B3%D8%A8%D9%8A%D9%88_%29.html</link>
      <guid isPermaLink="false">e98c072d-c318-406c-8677-79a3b3e3015a</guid>
      <pubDate>Mon, 29 Jun 2009 13:48:08 -0400</pubDate>
      <description>&lt;br/&gt;قرطاجنة&lt;br/&gt;كشف التجار الفينيقيون - وهم قوم ديدنهم البحث والتنقيب - عن ثروة إسبانيا المعدنية قبل ألف ومائة عام من تلك الأيام . ولم يمض على هذا الكشف إلا قليل من الوقت حتى كان أسطول من السفن التجارية يمخر عباب البحر الأبيض المتوسط بين صيدا وصور وبيلوس من ناحية وطارطسوس Tartessus عند منصب نهر الوادي الكبير من ناحية أخرى . وإذ كانت هذه الأسفار مما يتعذر القيام بها من غير أن تكون فيها محاط ( محطات ) كثيرة في الطريق ، وإذ كانت سواحل البحر الأبيض الجنوبية أقصر الطرق وآمنها، فقد أنشأ الفينيقيون مراكز وسطى ومحاط تجارية على سواحل إفريقيا الشمالي عند لبتس مجنا Leptes Magna ( ليدة الحالية ) وهدرومنتم Hadrumentum ( سومة ) وبوتيكا ( بوتيك ) وهبوديرهيتس Hppo Diarrhytus وهبورجيوس Hippo Regius ( بونة )، بل إنهم عبروا مضيق جبل طارق وأقاموا مركزًا لهم في لكسوس Lixus ( جنوب طنجة ) . وتزوج التجار الساميون الذين أقاموا في هذه المراكز من الأهالي وأسكتوا غيرهم بالمال . وفي عام 813 ق .م أقامت جماعة جديدة من المستعمرين - قد يكونون من فينيقية وقد يكونون من يتكيا Utica التي أخذت وقتئذ في الاتساع - أقامت هذه الجماعة بيوتًا لها على نتوء في البحر على بعد عشرة أميال من مدينة تونس الحالية . وكان الدفاع عن شبه الجزيرة الفينيقية أمراً سهلاً ، وكانت مياه نهر بجرداس ( مجردة ) تروي أرضها وتفيض عليها الخصب والنماء ، ولذلك كانت تعود إلى الانتعاش بسرعة بعد ما كان يحل بها من التخريب المتكرر . وتعزو الروايات القديمة إنشاء هذه المدينة إلى إليسا Elissa أو ديدو Dido ابنة ملك صور ، فتقول إن أخاها قتل زوجها فأبحرت مع طائفة أخرى من المغامرين إلى إفريقيا . وسمي المكان الذي استقرت فيه كارت هدشت - أي المدينة الجديدة-  تمييزًا لها عن يتيكا . وحول اليونان هذا الاسم إلى كارشدون وبدله الرومان إلى كرثاجو . وأطلق اللاتين اسم إفريقيا على الإقليم المحيط بقرطاجنة ويتكيا وسموا أهلها الساميين ، كما كان يسميهم اليونان ، البوني أو الفوني ، أي الفينيقيين . وهاجر كثيرون من سراة أهل صور إلى إفريقيا عقب حصار شلمانصر ، ونبوخذ نصر والإسكندر ، واستقر معظمهم في قرطاجنة،  فأصبحت بسبب هذه الهجرة مركزًا جديدًا للتجارة الفينيقية ، وأخذت قوة قرطاجنة وعظمتها في الازدياد كلما أخذت صور وصيدا في الاضمحلال .&lt;br/&gt;ولما ازدادت المدينة قوة دفعت أهل إفريقيا الأولين إلى الداخل شيئاً فشيئاً ، وامتنعت عن أداء الجزية لهم ، بل أرغمتهم على أن يؤدوها هم واستخدمتهم أرقاء وأقناناً في بيوتها ومزارعها . وكانت نتيجة هذا أن نشأت لأهل قرطاجنة ضياع واسعة كان يعمل في بعضها عشرون ألف رجل ، وأضحت الزراعة عند الفينيقين العمليين علماً وصناعة ، ولخص قواعدها ماجو الكاتب القرطاجني في كتاب ذائع الصيت . وشق الأهلون القنوات فأخصبت الأرض ونشأت فيها حدائق ذات بهجة ، وحقول من القمح والكروم ، وبساتين تنتج الزيتون والرمان والكمثرى والكرز والتين . وربوا الخيل والأنعام والضأن والمعز ، واستخدموا الحمير والبغال في حمل الأثقال ،  وأنّسوا كثيرًا من الحيوانات ومنها الفيل . أما الصناعات في المدن فلم تزدهر ازدهار الزراعة اللهم إلا صناعة المعادن ؛ ذلك أن القرطاجنيين ، كآبائهم الأسيويين ، كانوا يفضلون أن يتجروا فيما يصنعه غيرهم ، فكانوا يجربون الأقطار ، يقودون بغالهم شرقًا وغربًا ، ويضربون في قفار الصحراء طلبًا للفيلة والعاج والذهب والعبيد . وكانت سفنهم الضخمة تحمل المتاجر من مئات المواني بين آسيا وبريطانيا وإليهما ، لأنهم لم يكونوا يرضون أن يعودوا كما عاد معظم الملاحين عند أعمدة هرقول Pillars of Hercules ( مضيق جبل طارق )؛ وأكبر الظن أنهم هم الذين أنفقوا على رحلة هنو Hanno البحرية التي ارتادت ألفين وستمائة ميل من ساحل أفريقيا الغربي ، ورحلة هملكو Himilco التي ارتادت سواحل أوربا الشمالية . ويلوح أنهم كانوا أول من أصدر عملة من نوع العملة الورقية - في صورة رقائق من الجلد مطبوع عليها ما يدل على قيمتها ويتعامل بها في جميع أنحاء الدولة القرطاجنية ، وإن لم يكن من المستطاع تمييز عملتهم المعدنية عن عملة غيرهم من الأمم . والراجح أن التجار الأثرياء لا الأشراف أصحاب الضياع هم الذين قدموا الأموال اللازمة لتجييش الجيوش وإنشاء الأساطيل التي حولت قرطاجنة من مركز للتجارة إلى إمبراطورية استولت على ساحل البحر الأبيض الجنوبي من سيرنيكا Cyrenaica إلى جبل طارق والى ما بعد جبل طارق عدا يتكا . واستولى القرطاجنيون كذلك على طارطسوس وجادير ( فادز ) وغيرهما من المدن الأسبانية ، وأثرت بما أخذته من ذهب أسبانيا وفضتها وحديدها ونحاسها . وتملكت جزائر البليار ، بل أنها وصلت إلى جزائر ماديرة ومالطة وسرادانية وقورسقة ونصف صقلية الغربي . وكانت تعامل البلاد الخاضعة لحكمها معاملة مختلفة الدرجات في قسوتها، فكانت تفرض عليها جزية سنوية ، وتجند الأهلين في جيوشها ، وتقيد تجارتها وعلاقاتها الخارجية بأشد من القيود . ولكنها في نظير هذا كانت تحميها من أعدائها عسكريًا ، وتمنحها استقلالاً ذاتياً محلياً ، واستقراً ا اقتصاياً . وفي وسعنا أن نقدر ما كان لهذه البلاد الخاضعة لقرطاجنة من ثراء إذا عرفنا أن واحدة منها هي لبتس الصغرى Leptis Minor كانت تؤدي إلى خزانة قرطاجنة 365 وزنة ( أي ما يعادل 000 ,314 ,1 ريال أمريكي من نقود هذه الأيام .&lt;br/&gt;واستغلت قرطاجنة هذه الإمبراطورية استغلالاً جعلها في القرن الثالث قبل الميلاد أكثر مدائن                                         البحر الأبيض المتوسط ثراء ، فقد كان يدخلها كل عام من الضرائب الجمركية ومن الخراج قدر ما كان يدخل في خزائن أثينا أيام مجدها عشرين مرة . وكان سراتها يسكنون القصور ويلبسون الملابس الغالية الثمن ويطمعون الأطعمة الشهية يأتون بها من خارج بلادهم . وازدحمت المدينة بسكانها البالغ عددهم ربع مليون نسمة واشتهرت بما أقيم فيها من الهياكل الفخمة والحمامات العامة ، ولكن أكثر ما كانت تشتهر به الأمينة وأحواضها الواسعة . وكان في مقابل كل حوض من أحواضها البالغة 220 حوضًا عمودان أيونيان Ionic؛ ومن ثم أضحى الميناء الداخلي ذا الشكل مستدير فخم يحيط به 440 عموداً . وكان يوصل هذا الميناء بالسوق العامة طريق واسع به ميدان ذو عمد ، تزينه تماثيل يونانية ، وتقوم على جانبيه الأبنية المحتوية على المصالح الحكومية ، والمكاتب التجارية ، ودور القضاء والعبادة . أما الشوارع التي تجاور هذا الطريق،  فكانت ضيقة كمعظم شوارع البلاد الشرقية ، وكانت ملئ بالحوانيت التي تقوم فيها الصناعات المختلفة وتعقد فيها آلاف الصفقات التجارية . وكانت بيوتها ترتفع في الجو إلى ستة أطباق؛ وكثيراً ما كانت الحجرة الواحدة تضم أسرة بأكملها . وكان في وسط المدينة ربوة عالية أو قلعة - كانت هي وغيرها من المعالم مما أوحى إلى الرومان بالصورة التي أقاموا عليها مدينتهم - تسمى  “ البورصة “  Byrsa ، وتضم بيت المال ، ومضرب النقود،  وكثيراً من المزارات والعمد ، وأفخم معبد في قرطاجنة كلها وهو معبد الإله إشمون Eshmun؛ وكان يحيط بالمدينة من ناحيتها الأرضية غير البحرية سور من ثلاثة جدران يرتفع خمسًا وأربعين قدمًا في الهواء ، ومن فوقه أبراج وشرفات، ومن داخل الأسوار فضاء يتسع لأربعة آلاف حصان وثلاثمائة فيل ، وعشرين ألف رجل . وفي خارج الأسوار كانت مزارع الأغنياء ومن بعدها حقول الفقراء .&lt;br/&gt;وكان القرطاجنيون من الجنس السامي وثيقي الصلة باليهود الأقدمين في دمهم وفي ملامحهم، وكانت تظهر في لغتهم أحيانًا ألفاظ عبرية ، مثال ذلك أنهم كانوا يسمون القضاة شفيتي وتلك هي الكلمة العبرية شفتيهم . وكان الرجال يرسلون لحاهم ولكنهم كان من عادتهم أن يحلقوا شفتيهم العليا بشفرات من البرونز . وكان معظمهم يضعون على رؤوسهم قلانس أو عمائم،  ويحتذون أحذية أو أخفافاً ، ويلبسون جلابيب طويلة فضفاضة؛ ولكن الطبقات العليا من الأهلين قلّدت اليونان في ملابسهم ، وصبغت أثوابها باللون الأرجواني ووشت أطرافها بالخرز الزجاجي . أما النساء فكن في الغالب متحجبات يحيين حياة العزلة؛ وكان في وسعهن أن يبلغن مناصب كهنوتية عالية ، أما فيما عدا ذلك فكان عليهن أن يأسرن الرجال بجمالهن . وكان الأهلون جميعًا - رجالاً كانوا أو نساء - يتحلون ويتعطرون ويضعون أحيانًا حلقات معدنية في أنوفهم . ولسنا نعرف إلا القليل عن أخلاقهم من غير أعدائهم ، فالكتاب اليونان والرومان يصفونهم بالإسراف في الطعام والشراب ، وبأنهم يحبون أن يجتمعوا في نوادي الطعام،  وأنهم إباحيون في علاقاتهم الجنسية فاسدون في شؤونهم السياسية؛ وكان الرومان المعروفون بالغدر يستعملون لفظ الوفاء القرطاجني Fides Punica مرادفًا للفظ الخيانة . ويقول بولبيوس أن  “ لا شيء ينتج عنه كسب يعد عاراً في قرطاجنة “  ويتهم فلوطرخس أهل قرطاجنة بأنهم  “ خشنو الطباع مكتئبون ، سلسو القياد في أيدي حكامهم ، قساة على الشعوب الخاضعة لسلطانهم ، إذا خافوا بلغوا منتهى الجبن ، وإذا غضبوا بلغوا منتهى الوحشية ، عنيدون لا يرجعون عن شيء أقروه ، صارمون ، لا يستجيبون إلى دواعي اللهو أو مباهج الحياة . ولكن فلوطرخس رغم ما عرف به من العدل في أحكامه كان يونانياً على الدوام، وأما بولبيوس فكان صديقاً حميماً لسبيو الذي حرق قرطاجنة ومحا آثارها من الوجود .&lt;br/&gt;ويبدو القرطاجنيون في أسوأ صورهم في دينهم ، وإن كان كل ما نعرفه عنهم من هذه الناحية قد وصل إلينا عن طريق أعدائهم . لقد كان أسلافهم في فينيقية يعبدون بعل مُلُك وعشتروت بوصفهما ممثلين لعنصري الذكر والأنثى في الطبيعة وللشمس والقمر في السماء؛ وعبد القرطاجنيون إلهين مماثلين لهما وهما بعل هامان وثانيت . وكانت ثانيت بصفة خاصة تثير حبهم وتقواهم؛ فكانوا يملؤون هياكلها بالهدايا ويقسمون بأسمها . ويلي هذين الإلهين في التعظيم ملكارت “ مفتاح المدينة “ ثم إشمون رب الثروة والصحة ، ويأتي من بعد هذه كلها حشد كبير من الآلهة الصغرى تسمى “ البعول “ أو الأرباب . بل عن ديدو نفسه كان من هذه المعبودات . وكانوا في الأزمات العصيبة يضحون لبعل- هامان بالأطفال الأحياء، وكان عدد من يضحي بهم لهذا الإله في اليوم الواحد يبلغ أحيانًا ثلاثمائة طفل . وكانت طريقتهم في هذه التضحية أن يضعوا الأطفال فوق ذراعي هذا الوثن المبسوطتين ، ثم يدحرجونهم إلى النار المتقدة أسفل الذراعين؛ وكان يغطى على صياحهم أصوات الأبواق والدفوف ، ويطلب إلى أمهاتهم أن يشهدن هذا المنظر دون توجع أو بكاء لئلا يتهمن بالكفر ويخسرون ما هو خليق بهم من رضاء الآلهة . وتطورت الأمور بعد ذلك فكان الأغنياء يأبون أن يضحوا بأطفالهم ويبتاعون بدلاً منهم أطفال الفقراء ، فلما أن حاصر أجثكليز Agathocles صاحب سرقوسة Syracuse مدينة قرطاجنة خشيت الطبقات العليا من أهل المدينة أن يكون احتيالها وتهربها من واجبها المقدس قد أغضب الآلهة فألقت في النار مائتين من أبناء الأشراف . على أن من واجبنا أن نضيف إلى هذا أن تلك القصص إنما يقصها علينا ديودور وهو يوناني من أهل صقلية لا يستنكف أن يشهد ما إعتاده اليونان من قتل أطفالهم وهو هادئ مطمئن . وليس ببعيد أن يكون منشأ هذه العادة القرطاجنية عادة التضحية بالأطفال أن أولئك القوم أرادوا أن يصبغوا ما يبذلون من الجهد لضبط النسل بصبغة التقي والصلاح .&lt;br/&gt;ولما دمّر الرومان قرطاجنة أهدوا ما وجدوه فيها من المكتبات إلى أحلافهم من أهل أفريقية . ولكن هذه الكتب لم يبق منها إلا كتاب هنو الذي سجل فيه رحلته وشذرات من كتاب ماجو في الزراعة . ويؤكد لنا القديس أوغسطين تأكياً يكتنفه شيء من الغموض أنه “ كان في قرطاجنة كثير من الأشياء التي خلدت ذكراها في عقول من خلفهم من الناس“ . وقد استعان سلست Sallust وجوبا Juba بما كتبه المؤخرون القرطاجنيون ، ولكنّا لا نجد لدينا تارياً لقرطاجنة كتبه مؤرخ من أبنائها . أما عمارتها فحسبنا أن نقول عنها إن الرومان لم يتركوا فيها حجراً على حجر . ويقص علينا بعضهم أن طراز مبانيها كان مزيجًا من الطرازين الفينيقي واليوناني، وأن هياكلها كانت ضخمة مزخرفة ، وأن هيكل بعل - هامان وتمثاله كانا مصفحين بألواح من الذهب تقدر قيمتها بألف وزنة ( تالنت ) ، وأن اليونان أنفسهم مع ما عرف عنهم من زهو وكبرياء كانوا يعدون قرطاجنة من أجمل العواصم في العالم كله . ويحتوي متحف تونس على قطع من توابيت الموتى وجدت في مقابر بالقرب من موقع قرطاجنة ، أجملها كلها صورة واضحة المعارف ، لعلها صورة ثانيت ، يونانية الطابع في جوهرها . وثمة تماثيل صغرى استخرجت من القبور القرطاجنية وفي جزائر البليار، ولكنها فجة خالية من الدقة ، وكثيرًا ما تكون بشعة لا تطيق العين رؤيتها كأنها صنعت لإرهاب الأطفال أو طرد الشياطين . أما ما بقي من الخزف فيدل على أن هذا الفن كان يقصد إلى النفع لا إلى الجمال الفني ، ولكنا نعرف أن الصناع القرطاجنيين قد أخرجوا نماذج طيبة من المنسوجات ، والحلي ، والنقش على العاج والأبنوس والكهرمان والزجاج .&lt;br/&gt;وليس في استطاعتنا في الوقت الحاضر أن نرسم أية صورة واضحة للحكومة القرطاجنية . وقد أثنى أرسطوطاليس على دستور قرطاجنة ووصفه بأنه  “ أرقى من سائر دساتير العالم في كثير من نواحيه “ ، وذلك  “ لأن الدولة تعد حسنة النظام إذا كان العامة أوفياء لدستورها على الدوام، وإذا لم يثر فيها نزاع أثيم يستحق الذكر ، وإذا لم يستطع أحد أن ينصب نفسه دكتاتوًراً “ ؛ وكان أهلها يجتمعون من آن إلى آن في جمعية وطنية من حقها أن تقبل أو ترفض ما يعرضه عليها من الاقتراحات مجلس الشيوخ المكون من ثلاثمائة من أهل المدينة الكبار ، ولا حق لها في مناقشتها أو تعديلها . على أن مجلس الشيوخ نفسه لم يكن يحتم عليه أن يعرض على الجمعية أي مشروع في وسع أعضائه أن يتفقوا عليه . وكان السكان هم الذين يختارون الشيوخ . وكانت الجمعية الوطنية تختار في كل عام شفيتيين Shofetes ليرأسا الناحيتين القضائية والإدارية في الدولة . وكان من فوق الهيئات القضائية والإدارية جميعًا محكمة مؤلفة من 104 من القضاة يبقون في مناصبهم مدى الحياة، وإن كان القانون لا يجيز هذا البقاء . وإذ كان من حق هذه المحكمة أن تشرف على جميع فروع الإدارة ، وأن تستدعي كل موظف عمومي بعد انتهاء مدة خدمته لتحاسبه على أعماله ، فقد أصبحت قبيل الحروب البونية هي المسيطرة على جميع الإدارات الحكومية والمشرفة على جميع المواطنين .&lt;br/&gt;وكان مجلس الشيوخ هو الذي يرشح القائد الأعلى للجيش ، على أن تختاره الجمعية من بين المرشحين . وكلن مركزه خيراً من مركز القنصل في رومه لأنه كان في وسعه أن يبقى في منصبه طوال المدة التي يرغب مجلس الشيوخ أن يبقى فيه . لكن الرومان قد سيروا على قرطاجنة جحافل من ملاك الأراضي الوطنيين ، على حين أن الجيش القرطاجني كان مؤلفًا من مرتزقة الجند الأجانب معظمهم من اللوبيين الذين لا يشعرون نحو قرطاجنة بأقل عاطفة وطنية،  ولا يدينون بالولاء إلا لمن يؤدي إليهم أجورهم ، ولقائدهم في بعض الأحيان . وما من شك في أن الأسطول القرطاجني كان في أيامه أقوى أساطيل العالم على الإطلاق ، فقد كانت خمسمائة سفينة ذات خمسة صفوف من المجدفين ، زاهية الألوان ، رفيعة، سريعة ، ترد المعتدين على مستعمرات قرطاجنة وأسواقها ومسالكها التجارية . وكان فتح هذا الجيش القرطاجني لصقلية،  وإقفال هذا الأسطول حوض البحر الأبيض المتوسط الغربي في وجه التجارة الرومانية ، منشأ الصراع المرير الذي دام نحو مائة عام والمعروف بأسم الحروب البونية الثلاث .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; رجيولوس Regulus&lt;br/&gt;لقد ظلت الأمتان صديقتين طالما كان إحداهما من القوة ما تستطيع به أن تسيطر على الأخرى . وقد عقدتا في عام 508 معاهدة اعترفتا فيها بسيادة رومه على شاطئ لاتيوم وتعهد فيها الرومان ألا يسيّروا سفنهم في البحر الأبيض المتوسط غربي قرطاجنة ، وألا ينزلوا في سردانية أو لوبية إلا فترات قصيرة يصلحون فيها سفنهم أو يمونونها . ويقول أحد الجغرافيين اليونان إن القرطاجنيين اعتادوا أن يغرقوا كل بحار أجنبي يجدونه بين سردانية وجبل طارق . وكان اليونان في مساليا Massalia ( مرسيليا ) قد نشأت لهم تجارة شاطئية سليمة بين جنوبي غالة وشمالي أسبانيا الغربي؛ وتروي الأخبار أن قرطاجنة كانت تحارب هذه التجارة حروب قرصنة، وإن مساليا كانت حليفة وفية لرومه ( ولسنا ندري ما في هذه الأخبار من دعاوة حربية يسمونها تاريخاً تكريماً لها وتعظيماً ) . أما وقد سيطرت رومه على جميع إيطاليا فإنها لم تكن تشعر بالأمن والطمأنينة إلى سلامتها ما دامت هناك قوتان معاديتان لها- اليونان والقرطاجنيون- تتملكان صقلية ، وهي لا تكاد تبعد عن ساحل إيطاليا بميل واحد . يضاف إلى هذا أن صقلية خصبة التربة ، في وسعها أن تمون نصف إيطاليا بالحبوب؛ وإذا ما استولت رومه على صقلية سقطت سردانية وقورسقة في يدها من تلقاء نفسهما . فهذا طريق لابد من سلوكه وهو الطريق الطبيعي لتوسع رومه وبسطة ملكها .&lt;br/&gt;وقد بقي أن توجد الحجة التي تتذرع بها رومه لإشعال نار الحرب . وقد جاءت هذه الحجة في عام 264 ق .م حين استولى جماعة من مرتزقة السمنيين يسمون أنفسهم الممرتيين Mamertines أي  “ رجال المريخ “  على بلدة مسانا Messana الواقعة على أقرب سواحل لإيطاليا، وذبحوا السكان اليونان أو أخرجوهم من البلدة ، واقتسموا فيما بينهم نساء هؤلاء الضحايا وأبناءهم وأملاكهم ، وجعلوا ديدنهم الإغارة على المدن اليونانية القريبة من تلك البلدة . فما كان من هيرو الثاني Hiero II دكتاتور سرقوسة إلا أن حاصرهم ، ولكن قوة قرطاجنية نزلت في مسانا وردت هيرو على أعقابه واستولت على المدينة . واستغاث الممرتيون برومه وطلبوا إليها أن تعينهم على من أنقذوهم من عدوهم؛ وتردد مجلس الشيوخ في تقديم هذه المعونة لأنه يعرف ما لقرطاجنة من قوة وثروة، ولكن الأثرياء من العامة الذين يسيطرون على الجمعية المئوية أخذوا يدعون للحرب وللاستيلاء على صقلية . وقرّ قرار رومه أن تبعد القرطاجنيين عن هذا الثغر ذي الموقع الحربي الهام القريب كل القرب منها مهما كلفها هذا من ثمن؛ وجهزت رومه أسطولاً وعقدت لواءه لـ “ كيوس كلوديوس Caius Claudius “ وسيّرته لإنقاذ الممرتيين؛ ولكن القرطاجنيين استطاعوا في هذه الأثناء أن يقنعوا الممرتيين بالعدول عن طلب مساعدة رومه ، وأرسلوا رسالة بهذا المعنى إلى كلوديوس في ريجيوم Rhegium . غير أن كلوديوس لم يلق بالاً إلى هذه الرسالة ، وعبر المضيق الذي يفصل إيطاليا عن صقلية ، ودعا أمير البحر القرطاجني إلى المفاوضة؛ فلما جاءه قبض عليه وسجنه ، وبعث إلى الجيش القرطاجني يقول إنه سيقتل أمير البحر إذا أبدى الجيش أية مقاومة . ورحب الجنود المرتزقة بهذه الحجة التي تتيح لهم فرصة تجنب القتال مع الفيالق الرومانية ، وتظهرهم في الوقت نفسه بمظهر الشهامة ، وسقطت مسانا في يد رومه .&lt;br/&gt;وبرز في هذه الحرب البونية ( الفينيقية ) الأولى بطلان عظيمان هما رجيولوس الروماني وهملكار القرطاجني . ولعل في وسعنا أن نضيف إليهما ثالثاً ورابعاً هما مجلس شيوخ رومه والشعب الروماني . فأما مجلس الشيوخ فلأنه ضم هيرو صاحب سرقوسة إلى جانب رومه وضمن بذلك وصول العتاد والزاد إلى الجنود الرومان في صقلية ، هذا إلى أنه قد نظم الأمة أحسن تنظيم قائم على الحكمة والسداد، وقوي عزيمتها، وقادها إلى النصر وسط الخطوب والأهوال الجسام . هذا فضل مجلس الشيوخ ، أما الرومان أنفسهم فقد أمدوا الحكومة بالمال والعتاد ، والأيدي العاملة ، وبالرجال الذين بنوا لرومه أسطولها الأول - وكان مؤلفًا من 330 سفينة كلها تقريبًا ذات صفوف من المجدفين ، ويبلغ طول الواحدة منها 150 قدمًا، في كل منها 300 مجذف و120 جنديًا، ومعظمها مجهز بخطاطيف من الحديد لم تكن معروفة من قبل ، وبجسور متحركة تمكنهم من الإمساك بسفن الأعداء والنزول إليها . وبهذه الطريقة بدّل الرومان الحرب البحرية التي لم يألفوها من قبل حرباً برية يقاتلون فيها أعدائهم يداً بيد، وتستطيع فيها فيالقهم أن تستفيد بكل ما تمتاز به من مهارة وحسن نظام . ويقول بولبيوس في هذا:  “ ويدل هذا الحادث أكثر مما يدل غيره من الحوادث على ما للرومان من جرأة وبسالة إذا ما اعتزموا القيام بعمل خطير . . ذلك أنهم لم يفكروا قط قبل هذه الحرب في إنشاء أسطول؛ فلما أن استقر رأيهم على إنشائه بذلوا في ذلك جهد الجبابرة ، وهاجموا به من فورهم القرطاجنيين الذين ظلوا عدة أجيال سادة البحار لا ينازعهم فيها منازع - مع أن الرومان لم تكن لهم في حرب البحار خبرة ما  “  . والتقي الأسطولان بالقرب من إكنوموس Economus أحد الثغور الواقعة على ساحل صقلية الجنوبي؛ وكانا يحملان من الجند ثلاثمائة ألف . ودارت بينهما أكبر معركة بحرية في التاريخ القديم . وانتصر الرومان فيها انتصاراً مؤزراً حاسماً ساروا بعده إلى إفريقيا لا يلوون على شيء، ونزلوا إلى البر دون أن يعنوا باستطلاع الأرض ، فالتقوا بقوة تفوق قوتهم كادت تفنيهم عن آخرهم ، وأسرت قنصلهم الطائش المتهور . وبعد قليل من ذلك الوقت دفعت العواصف الأسطول الروماني إلى شاطئ صخري فتحطمت منه 284 سفينة وغرق,000 80   من رجاله . وكانت هذه أعظم كارثة بحرية عرفها الناس في التاريخ . وأظهر الرومان بعدها ما في طبائعهم من عزيمة فبنوا في ثلاثة أشهر مائتي سفينة جديدة ذات خمسة صفوف من المجدفين، ودربوا لها ثمانين ألف بحار .&lt;br/&gt;واحتفظ القرطاجنيون برجيولوس في الأسر خمس سنين ثم سمحوا له بأن يرافق  بعثة قرطاجنية إلى رومه تعرض عليها الصلح بعد أن وعدهم بأن يعود إلى الأسر إذا رفض مجلس الشيوخ الشروط التي عرضوها عليه . فلما سمع رجيولوس هذه الشروط أشار على مجلس الشيوخ بأن يرفضها ، ثم عاد مع البعثة إلى قرطاجنة غير عابئ بتوسل أسرته وأصدقائه . وعذبه القرطاجنيون عذاباً شديداً بأن حرموا عليه النوم حتى فارق الحياة . وأمسك أبناؤه في رومه بأسيرين من ذوي المكانة في بلادهما في داخل صندوق ثبتت فيه حراب من الحديد،  وحرموا عليهما النوم حتى قضيا نحبهما . وليس في مقدورنا أن نصدق كلتا القصتين إلا حين نذكر ما حدث من التعذيب الهمجي في هذه الأيام  .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; هملكار&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;لقد كان في قرطاجنة عدد كبير من أهلها يحملون أسماء هملكار وهزدروبال وهنيبال، ذلك بأن هذه الأسماء لا يخلو منها جيل من الأجيال ، وكانت من الأسماء الشائعة في أقدم أسرها . وكانت أسماء تدل على التقي والصلاح ، ومشتقة من أسماء الآلهة : فأما هملكار فمعناه :  “ من يتمتع بحماية ملكارت “  وأما هزدروبال فمعناه  “ من في معونته بعل “  ومعنى هنيبال  “ الفضل لبعل “ . ولقب هملكار الذي نتحدث عنه في هذا الفصل بهملكار برقة - “ الصاعقة “  وذلك لأنه كان من طبيعته أن يعجل بضرب عدوه ويفاجئه حيثما وجده . وكان لا يزال شابًا في مقتبل العمر حين ولّته قرطاجنة في عام 247 القيادة العليا لجيوشها، فسار ومعه أسطول صغير نحو إيطاليا وأخذ يغير على سواحلها ويفاجئها بالنزول في أراضيها ، ويدمّر المراكز الرومانية الأمامية ، ويأسر كثيرًا من جنودها. ثم أنزل جنوده إلى البر في مواجهة جيش روماني كبير كان يحمي مدينة بنورمس Panormus ( بلرمو Palermo الحالية )، واستولى على ربوة تشرف على المدينة . وكانت القوة التي يقودها أصغر من أن تجازف بالاشتباك مع الرومان في واقعة كبرى ، ولكنها كانت تعود بالأسباب كلما قادها لمهاجمتهم . وأخذ يرجو مجلس الشيوخ القرطاجني أن يبعث إليه بالأمداد والزاد؛ ولكن المجلس لم يستجب لرجائه وقبض يده فلم يسعفه بالمال الذي كان يكنزه ، وأمره أن يطعم جنوده ويكسوهم من مال البلاد التي حوله .&lt;br/&gt;وكان الأسطول الروماني في هذه الأثناء قد انتصر في واقعة بحرية أخرى ، ولكنه هزم هزيمة منكرة عند دربانا Drepana ، وأضعفت هذه الحروب قوة الفريقين على السواء فاستراحا تسعة أعوام . ولم تفعل قرطاجنة شيئاً في هذه التسع السنين لأنها كانت تعتمد على عبقرية هملكار ، وأما رومه فإن جماعة من أبنائها قدموا طائعين عمارة مؤلفة من مائتي سفينة حربية وعليها ستون ألف جندي . وأبحرت هذه العمارة القوية ، دون أن يعلم أحد بإبحارها،  وباغتت الأسطول القرطاجني عند جزائر إيجاديان Aegadian Isles بالقرب من ساحل صقلية وأحدقت به فاضطرت قرطاجنة إلى طلب الصلح ، ونزلت عن أملاكها في صقلية إلى رومه وتعهدت أن تؤدي لها غرامة حربية مقدارها 440 تالنتاً في كل عام مدى عشرة أعوام ، وألغت كل ما كان مفروضاً على التجارة الرومانية من قيود . وكانت الحرب قد دامت عشرين عاماً أو نحوها وأشرفت رومه في خلالها على هاوية الإفلاس حتى اضطرت إلى تخفيض قيمة نقدها بنحو 83%، ولكنها برهنت على ما في أخلاق الرومان من صلابة لا تلين،  وعلى تفوق الجيش المكون من رجال أحرار على مرتزقة الجند الذين يسعون للحصول على أعظم المغانم بأقل ما يمكن إراقته من الدماء .&lt;br/&gt;وأوشكت قرطاجنة أن تقضي عليها شراهتها وأطماعها؛ ذلك أنها كانت قد قبضت يدها بعض الوقت عن جنودها المرتزقين، فلم تؤد إليهم أجورهم، ولم تستثن من هؤلاء من أخلصوا في خدمة هملكار . فأقبلت جموعهم على المدينة يطالبون بتلك الأجور ، ولما تلكأت الحكومة في إجابة مطلبهم وحاولت أن تفرقهم تمردوا عليها جهرة . وانضمت الشعوب الخاضعة لقرطاجنة إلى هؤلاء العصاة ، وكانت قد أبهظها عبء الضرائب الفادحة الذي رزحت تحته طوال الحرب . وباعت نساء لوبيا حليهن لتمد الثوار بالمال ، وحاصر قرطاجنة عشرون ألفًا من الجنود المرتزقين والثوار يقودهم ماثو Matho وهو لوبي محرر واسبنديوس Spendius وهو عبد كمباني Campanian . وكان ذلك الحصار في وقت لا يكاد يوجد فيها جندي يحميها . وارتعدت فرائض التجار فرقاً وخشوا أن يقضي عليهم الثوار ، فأرسلوا في طلب هملكار ليؤمنهم على حياتهم . وألفى هملكار نفسه يتنازعه عطفه على جنوده المرتزقة وحبه لمدينته ، ولكنه آثر مدينته على جنده وجند جيشاً من عشرة آلاف قرطاجني ودربهم ، وقادهم بنفسه ، ورفع الحصار عن المدينة . وإرتد الجنود المرتزقون المهزومون إلى الجبال ، وقطعوا يدي جسكو Gesco أحد القواد القرطاجنيين وقدميه ، وكسروا ساقيه ، وفعلوا ذلك الفعل نفسه بسبعمائة أسير غيره ، ثم ألقوا بمن بقي منهم أحياء في قبر واحد بلا تمييز بينهم . واحتال هملكار على أربعين ألفًا من العصاة حتى اضطرهم إلى الالتجاء إلى مضيق ، وسد عليهم مسالكه حتى أوشكوا على الهلاك من الجوع . فأكلوا من بقي لديهم من الأسرى ، ثم أكلوا عبيدهم ، واضطروا في آخر الأمر أن يرسلوا أسبنديوس Spendius بطلب الصلح ، فما كان من هملكار إلا أن صلب أسبنديوس وألقي بمئات من الأسرى تحت أرجل الفيلة ، وظلت تطؤهم حتى قضوا نخبهم . وحاول العصاة أن يشقوا لهم بالقوة مخرجاً من مأزقهم الذي وقعوا فيه ، ولكن جيش هملكار قطع أصلابهم،  وقبض على ماثو وأرغمه على أن يعدو في شوارع قرطاجنة وأهلها من ورائه يضربونه بالسياط ويعذبونه حتى مات . ودامت “ حرب المرتزقة “ هذه أربعين شهرًا ( 241-237 ) ، ويقول بولبيوس “ إنها كانت أفظع الحروب وأشدها وحشية ، وإن ما سفك فيها من الدماء لم يسفك مثله في التاريخ كله “ . ولما أن خمدت نار الفتنة وجدت قرطاجنة أن الرومان قد احتلوا سردانية . فلما احتجت على هذا الاعتداء أعلن الرومان الحرب عليها . واضطر القرطاجنيون في يأسهم إلى طلب الصلح ، ولم ينالوه إلا بأن يؤدّوا لرومه فوق ما كانوا يؤدّون لها من الغرامة 1200 تالنت ، وأن يتخلوا عن سردانية وقورسقة .&lt;br/&gt;وفي وسعنا أن نتصور غضب هملكار من هذه المعاملة القاسية التي عوملت بها بلاده . فعرض على حكومته أن تمده بالجند والمال ليعيد قوة قرطاجنة في أسبانيا وليستعين بها مهاجمة إيطاليا . وعارض الملّاك الأشراف في هذه الخطة لأنهم كانوا يخافون مغبة الحرب ، ولكن طبقة التجار التي حزّ في نفوسها ما فقدته من الأسواق والثغور الأجنبية أيدته . وتراضت الفئتان بعدئذ على أن يعطى هملكار قوة صغيرة عبر بها البحر إلى أسبانيا ، واستولى على المدن التي كان ولاؤها لقرطاجنة قد تزعزع في أثناء الحرب ، وقوّى صفوف جيشه بأهلها، وجهّزه وأمدّه بالمال من غلات المناجم الأسبانية ، ومات وهو يقود هجوماً على إحدى قبائل تلك البلاد . وترك وراءه في معسكره هزدروبال زوج ابنته وأولاده هنيبال وهزدروبال وماجو - الملقب  “ بابن أسده “  . واختير زوج ابنته قائدًا في مكانه ، وظل ثماني سنين يحكم البلاد بحكمة وسداد كسب في أثنائها معونة الأسبان، وأقام بجوار مناجم الفضة مدينة عظيمة يعرفها الرومان باسم قرطاجنة الجديدة ( Nova Carthage ) وهي مدينة قرطاجنة الباقية إلى اليوم . ولما اغتيل في عام 221 اختار الجيش لقيادته هنيبال أكبر أبناء هملكار، وكان وقتئذ في السادسة والعشرين من عمره . وكان أبوه قد جاء به قبل أن يغادر قرطاجنة ، وهو لا يزال غلاماً في التاسعة من عمره ، إلى مذبح بعل - هامان واستحلفه أن يثأر لبلاده من رومه في يوم من الأيام . وأقسم هنيبال ولم ينس قط قسمه .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; هنيبال&lt;br/&gt;ترى لـمَ سكتت رومه حتى عادت قرطاجنة إلى فتح أسبانيا؟ لقد أرغمها على هذا السكوت أن النزاع بين الطبقات كان يمزق أحشاءها، وأنها كانت تمد سلطانها على شواطئ البحر الأدرياوي ، وكانت مشتبكة في حرب من الغالبين . ذلك أن أحد التربيونين وهو كيوس فلامينيوس Caius Flaminius قد سبق ابني جراكس Gracchii فأقنع الجمعية في عام 232 بالموافقة على اقتراح يقضي بتوزيع أراضي غنمتها رومه من الغالبين على فقراء المواطنين،  وذلك بالرغم من معارضة مجلس الشيوخ الشديدة لهذا الاقتراح . وفي عام 230 خطت رومه الخطوة الأولى لفتح بلاد اليونان ، وذلك بتطهير البحر الأدرياوي من القراصنة وباستيلائها على جزء من سواحل ألبرياlilyria لتحمي بذلك التجارة الإيطالية من العدوان . ولما اطمأنت على سلامتها من ناحيتي الجنوب والشرق اعتزمت أن تطرد الغاليين إلى ما وراء جبال الألب ، وتجعل من ايطاليا بأكملها دولة متحدة كل الاتحاد . وأرادت أن تضمن سلامتها من ناحية الغرب فعقدت معاهدة مع هزدروبال تعهد فيها القرطاجنيون بأن يبقوا جنوب نهر الإبرة Ebro، وعقدت في الوقت نفسه حلفًا مع مدينتي سجنتم Saguntum وامبورياس Ampurias الأسبانيتين الإغريقيتي الصبغة . ولكن جيشاً غالياً مؤلفاً من خمسين ألفاً من المشاة وعشرين ألفاً من الفرسان إنقض على شبه الجزيرة من الشمال . وارتاع سكان العاصمة أشد الارتياع،  ولجأ مجلس الشيوخ إلى العادة البدائية عادة التضحية البشرية ، ودفن اثنين من الغالة حيين في السوق العامة مرضاة للآلهة . والتقت الفيالق الرومانية بالغزاة قرب تلامون Telamon وقتلت منهم أربعين ألفاً وأسرت عشرة آلاف، وزحفت نحو الشمال لتخضع جميع بلاد الغاليين الواقعة في جنوب جبال الألب ، وأنمت هذا العمل في ثلاث سنين وأنشأت مستعمرات رومانية عند بلاسنتيا Placentia، وكرمونا Cremona لحماية البلاد من الغاليين وبذلك أصبحت إيطاليا دولة واحدة تمتد من جبال الألب في الشمال إلى صقلية في الجنوب . ولكن هذا النصر قد جاء في غير أوانه؛ فلو أن الغاليين قد تركوا في أماكنهم بضع سنين أخرى لكان في وسعهم أن يقفوا في وجه هنيبال؛ أما والحال كما هي فإن بلاد الغالة كلها كانت تضطرم بنار الثورة على رومه . ورأى هنيبال أن هذه هي الفرصة التي طالما تاقت نفسه إليها- فرصة اجتياز بلاد الغاليين دون أن يلقي مقاومة تستحق الذكر، وغزو إيطاليا ومعه القبائل الغالية تحالفه وتشد أزره .&lt;br/&gt;وكان القائد البوني يومئذ في الثامنة والعشرين من عمره ، وفي عنفوان شبابه ، وثيق الأركان ثبت الجنان . وكان قد جمع إلى ثقافة السادة القرطاجنيين ، وتمكنهم من لغتي فينيقية وآدابهما وتاريخهما ، جمع إلى هذه الثقافة تدريباً عسكرياً دام عشر عاماً في المعسكر الحربي ، أدب في خلالها نفسه أحسن تأديب ، فعود جسمه شظف العيش ومغالبة الصعاب ، وأخضع شهواته لعقله ، وعود لسانه السكوت ، كما عود أفكاره أن تركز فيما يهدف إليه من الأغراض . ولم يكن يضارعه أحد في الجري أو في سباق الخيل ، وكان في مقدوره أن يخرج إلى الصيد أو القتال مع أشجع الشجعان؛ ويصفه ليفي وهو من أعدائه بأنه :  “ كان أول من يدخل المعمعة، وآخر من يخرج من الميدان “ . وكان محببًا إلى القواد والجنود الذين ضرستهم الحروب،  لأنهم إذا كانوا في حضرته تمتلكهم هيبته وثاقب نظراته فخالفوا أن هملكار قائدهم الأكبر قد عاد إليهم في عنفوان الشباب . وأحبه المجندون الجدد لأنه لم يكن يرتدي ثياباً يميز بها نفسه منهم ولا يستريح حتى يكفل للجيش كل حاجاته ، وكان يقسمهم كل ما يصيبهم من شر وخير . أما الرومان فكانوا يتهمونه بالبخل والقسوة والغدر ، لأنه لم يكن يتقيد بمبدأ من المبادئ يحول بينه وبين الاستيلاء على المؤن لجنده ، وكان يجازي على الخيانة وعدم الولاء أشد الجزاء ، وكان ينصب لأعدائه كثيرًا من الشراك . ولكننا كثيراً ما نجده مشفقاً رحيماً ، ونراه على الدوام شهماً ذا مروءة . ويقول عنه ممسن Mommsen ذلك القول الحكيم وهو “ أنه ليس فيما يروى عنه شيء لا يمكن أن تبرره ظروف وقته والقوانين الدولية التي كانت سائدة في أيامه “ . ولم يكن في وسع الرومان أن يرضوا عنه لأنه كان يكسب الوقائع الحربية بعقله لا بدماء رجاله ، ذلك أن الحيل التي كان يحتال بها عليهم ، ومهارته في التجسس عليهم ومعرفة أسرارهم ، وعلمه بفنون الحرب والحركات العسكرية ، وقدرته على مباغتة أعدائه ، كل هذا ظل فوق إدراكهم وتقديرهم حتى دمرت قرطاجنة . وحدث في عام 219 ق .م أن دبر عمال رومه في سجنتم انقلاباً سياسياً أقام في المدينة حكومة وطنية معادية لقرطاجنة . ولما أساء أهل المدينة معاملة بعض القبائل الموالية لهنيبال ، وأمرهم بالكف عن هذه المعاملة السيئة ، فلما رفضوا طلبه حاصر المدينة ، فاحتجت رومه على قرطاجنة وأنذرتها بالحرب؛ فكان رد قرطاجنة أن سجنتم تبعد عن نهر إبره Ebro مائة ميل نحو الجنوب ، وأن ليس من حق رومه أن تتدخل في هذا النزاع ، وأنها إذ وقعت معاهدة مع تلك المدينة أخلت بشروط معاهدتها مع هزدروبال . وواصل هنيبال الحصار ، وامتشقت رومه الحسام مرة أخرى ، وهي لا تدري أن هذه الحرب البونية الثانية ستكون أشد هولاً من جميع الحروب التي خاضت غمارها في تاريخها كله .&lt;br/&gt;وقضي هنيبال في إخضاع أهل سجنتم ثمانية أشهر كاملة ، وذلك لأنه لم يكن يجرؤ على التقدم لغزو إيطاليا ويترك لرومه من ورائه ثغراً هاماً تستطيع أن تنزل جنودها فيه . فلما تم له الاستيلاء عليها عبر نهر الإبرة في عام 218 وتحدى الأقدار كما تحداها قيصر من بعده حين تخطى الربيكون Rubicon . وكان تحت قيادته جيش يتألف من خمسين ألفاً من المشاة وتسعة آلاف من الفرسان ، ليس فيهم أحد من الجنود المرتزقين ، ومعظمهم من الأسبان واللوبيين . ولكن ثلاثة آلاف من جنوده الأسبان نكصوا على أعقابهم حين علموا أنه ينتوي عبور جبال الألب ، وسرح هو نفسه سبعة آلاف غيرهم لأنهم احتجوا على هذه المغامرة ، وقالوا إنها مستحلية التحقيق . وكان اختراق جبال البرانس نفسها من أشق الأعمال؛ ولم يكن يتوقع قط أن يلقي ما يلقيه من المقاومة الشديدة من بعض قبائل الغاليين أحلاف مرسيلية؛ واقتضاه الوصول إلى نهر الرون حروباً دامت ثمانية أشهر ، فلما وصله كان لابد له من معركة عنيفة ليتمكن من اجتيازه . وما كاد يبتعد عن شاطئيه حتى وصل جيش روماني عند مصبه .&lt;br/&gt;واتجه هنيبال بجيشه شمالاً نحو فين Vienne ثم اتجه به شرقًا نحو جبال الألب . وكانت جموع من الكلت قد عبرت هذه السلاسل الجبلية من قبله، وكان في مقدوره هو أن يعبرها دون أن يلقى في سبيل ذلك صعابًا غير عادية لو لا عداء القبائل الألبية وما عاناه من الصعاب في تسيير فيلته في الممرات الضيقة أو الشديدة الانحدار . وقضى هنيبال في تسلق الجبال تسعة أيام وصل بعدها في أوائل شهر سبتمبر إلى قممها فوجدها مغطاة بالثلوج؛ وبعد أن استراح هو ورجاله ودوابه يومين شرع في النزول في ممرات أشد وعورة من التي سلكها في الصعود،  وطرق مغطاة في بعض الأحيان بجلاميد من الصخر ومرصوفة في أحيان أخرى بالجليد . وكثيرًا ما كانت أقدام الجنود والدواب فتتردى في هاويات سحيقة تلقى فيها حتفها . وكان هنيبال يستحث جنوده اليائسين بأن يشير إلى الحقول الناضرة والمجاري المتلألئة التي تنتشر من بعيد جنوب الجبال ، ويقول إن هذه الجنة التي وعدهم بها سوف تكون لهم بعد قليل . وبعد أن قضوا سبعة عشر يومًا في الصعود والهبوط وصلوا إلى السهول ، وألقوا عصا التسيار ليستريحوا، وقد خسر الجيش في هذه المجازفة الخطيرة كثيراً من الرجال والجياد حتى لم يبق من الجنود إلا ستة وعشرون ألفًا أي أقل من نصف القوة التي غادر بها قرطاجنة الجديدة منذ أربعة شهور . ولو أن هنيبال لقي من الغاليين في جنوب الألب مثل ما لقيه من مقاومة الغاليين في غربها لكان الأرجح أن تنتهي حملته قبل أن يتقدم جنوبًا في إيطاليا؛ ولكن البوئي Boii وغيرهم من القبائل رحبوا به ورأوا فيه منقذًا لهم ، فتحالفوا معه وانضووا تحت لوائه ، وأما المستعمرون الرومان المحدثون الذين أسكنتهم رومه في تلك البلاد فقد فروا أمامه نحو الجنوب، ولم يقفوا حتى عبروا البو Po .&lt;br/&gt;وهكذا واجه مجلس الشيوخ هذا الخطر الثاني يهدد رومه بالدمار والفناء ولما يمض على الخطر الأول إلا نحو سبع سنين ، فاستعان بموارد البلاد كلها، وأهاب بالولايات الإيطالية أن توحد جهودها للدفاع عن بلادها . وبفضل ما لقيته من معونتها جندت رومه جيوشاً بلغت ثلاثمائة ألف من المشاة ، وأربعة عشر ألفًا من الفرسان، وستة وخمسين ألفًا وأربعمائة ألف من الجنود الاحتياطيين . والتقى أحد الجيوش الرومانية بقيادة سبيو Scipio - وهو واحد من كثير من مشهوري القواد المسمين بهذا الاسم - على شاطئ نهر تسينو Ticino، وهو رافد صغير من روافد نهر البو يلتقي به عند بافيا Pavia . وهاجم فرسان هنيبال النوميديون Numidian جنود سبيو وولوهم الأدبار، وجرح سبيو جرحًا خطيرًا، وكاد أعداؤه يجهزون عليه لولا شجاعة ولده الذي شاءت الأقدار أن يلقي هنيبال مرة أخرى عند زاما Zama بعد ستة أشهر من ذلك الوقت . والتقى هنيبال بجيش روماني آخر عند بحيرة ترزميني Trasimene تبلغ عدته ثلاثين ألف مقاتل يقوده التربيون كيوس فلامينيوس Caius Flamimius، ويتبعه عدد من النخاسين يحملون الأغلال ليسلكوا فيها الأسرى الذين يأملون أن يبيعوهم في الأسواق بيع العبيد . واستطاع هنيبال ومعه جزء من جيشه أن يخدع جيش فلامينيوس فيستدرجه إلى سهل تكتنفه التلال والغابات اختبأ فيها معظم جنوده؛ فلما ضمه هذا السهل أشار إلى طوابيره المختبئة فانقضت على الرومان من كل الجهات وأفنتهم عن آخرهم تقريباً؛ وقتل فلامينيوس نفسه .&lt;br/&gt;وبذلك سيطر هنيبال على شمالي إيطاليا كله ، ولكنه كان يعرف أن أمامه عدوًا عنيدًا يبلغ عدده عشرة أضعاف عدد رجاله ، وكان أمله الوحيد في التغلب على هذا العدو هو أن يقنع بعض الولايات الإيطالية بالخروج على رومه . وكانت وسيلته إلى هذا أن أطلق سراح كل من وقع في أسره من أحلاف رومه ، وقال إنه لم يأت ليحارب إيطاليا بل جاء ليحررها من الاستعمار . ثم خاض إتروريا التي كانت تغمرها المياه ، وظل أربعة أيام كاملة لا يجد أرضًا جافة يقيم فيها معسكره ، فعبر جبال الأبنين إلى شاطئ البحر الأدرياوي ، حيث سمح لجنوده أن يقضوا فترة طويلة يستعيدون فيها نشاطهم ، ويداوون فيها جراحهم، وكان هو نفسه مصابًا برمد خطير في عينيه، ولكنه لم يعالجه فانتهى بفقد إحداهما . وبعد أن استراح جيشه اتجه به نحو الجنوب بمحاذاة ساحل إيطاليا الشرقي ، وأخذ يعرض على القبائل الإيطالية أن تنضوي تحت لوائه،  ولكن واحدة منها لم تستجب لدعوته ، بل فعلت عكس هذا فكانت كل مدينة تغلق أبوابها دونه وتتأهب للقتال . وحينما اتجه إلى الجنوب أخذ حلفاؤه الغاليون يتخلون عنه لأنهم لم يكن يعنيهم إلا مصير موطنهم في الشمال . وبلغ من كثرة المؤامرات التي دبرت لاغتياله أن صار يتخفى في كل يوم بشكل جديد . وأخذ يتوسل إلى حكومته أن ترسل إليه المدد والعتاد والزاد عن طريق الثغور الواقعة على البحر الأدرياوي، ولكن حكومته خيبت رجاءه، فطلب إلى هزدروبال أخيه الأصغر - وكان قد تركه في أسبانيا - أن يعد فيها جيشًا يعبر به بلاد غالة وجبال الألب وينضم إليه؛ ولكن الرومان كانوا قد غزوا أسبانيا، فلم يجرؤ هزدروبال على مغادرتها؛ ومضت عشر سنين قبل أن يخف إلى نجدته .&lt;br/&gt;واستعانت رومه على عدوها الأكبر بخطته هو نفسه ، خطة المراوغة والحيطة والإفناء البطيء . واختير كونتس فابيوس مكسموس Quintus Fabius Makimus دكتاتوراً لعلاج الموقف في عام 217، فاتبع خطة تقضي بأن يؤخر ما استطاع الالتحام في واقعة فاصلة مع هنيبال، ونجح في هذا نجاحًا اشتق معه من اسمه وصف لهذا النوع من القتال . وكان فابيوس يرى أن الغزاة سيتناقص عددهم على مر الأيام بفعل الجوع والمرض والشقاق ، ولكن الشعب الروماني لم يطق صبراً على خطة “ السكون السديدة “ أكثر من عام؛ وتغلبت الجمعية المئوية على مجلس الشيوخ وعلى منطق الحوادث والسوابق جميعها، واختارت منوسيوس روفوس Minucius Rufus دكتاتوراً مع فابيوس . وسار منوسيوس لملاقاة العدو على الرغم من نصيحة فابيوس، فوقع في كمين وهزم هزيمة منكرة أدرك بعدها لم قال هنيبال إنه يخشى فابيوس الذي لم يحاربه أشد مما يخشى مرسلس Marcellus الذي يبغى حربه . وبعد عام واحد أسقط الرومان فابيوس وعهدوا إلى لوسيوس إيمليوس بولوس Lucius Aemilius Paulus، وكيوس ترتنيوس فارو Caius Terentius Varro قيادة الجيوش الرومانية . وأشار بولوس الأرستقراطي بالحيطة والتريث ، أما فارو مختار العامة فكان شديد الرغبة في العمل العاجل،  وحدث ما يحدث عادة في مثل هذه الأحوال فتغلب الرأي الأخير ، وأخذ فارو يبحث عن القرطاجنيين حتى وجدهم عند كاني Cannae من أعمال أبوليا Apulia على بعد عشرة أميال أو نحوها من شاطئ البحر الأدرياوي . وكان قوام الجيش الروماني ثمانين ألف راجل وستة آلاف فارس؛ أما هنيبال فكان لديه تسعة عشر ألف جندي ممن ضرستهم الحروب ، وستة عشر ألفًا من الغاليين الذين لا يوثق بهم ، وعشرة آلاف من الفرسان؛ وكان قد خدع فارو حتى جعله يحاربه في سهل متسع هو أحسن المواضع لحرب الفرسان ، وكان قد وضع الغاليين في القلب لظنه أنهم سيتخلون عن مواقعهم ، وقد صدق ظنه فتراجعوا واقتفى الرومان أثرهم في الثغرة التي حدثت بانسحابهم ، فأمر القائد القرطاجني الماكر مضرسة جنده بالإطباق على جناحي الجيش الروماني ، وخاض بنفسه غمار المعمعة في أشد أماكنها هولاً ، كما أمر فرسانه باختراق صفوف فرسان العدو ومهاجمة الفيالق الروماني من خلفها . وبذلك أحاط القرطاجنيون بالجيش الروماني ، ولم يجد له فرصة للتحرك ، وكاد يفنى عن آخره؛ فقد قتل من رجاله أربعة وأربعون ألفًا ، من بينهم بولوس Paulus وثمانون من الشيوخ الذين تطوعوا في الجيش ، وفر عشرة آلاف إلى كنوزيوم Canusium ومن بينهم فارو وسبيو الذي لقب فيما بعد بالإفريقي الأكبر Africanus Major  . أما هنيبال فقد خسر من رجاله ستة آلاف ثلثاهم من الغاليين . وكان نصره هذا شاهداً فذاً على براعته في القيادة التي لم يتفوق عليه أحد فيها في التاريخ كله . ولم يعد الرومان بعد هذا النصر يعتمدون قط على الجنود المشاة ، كما أن هذا النصر وجه الحركات العسكرية الفنية وجهة لم تتحول عنها مدى ألفي عام .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; سبيو&lt;br/&gt;وزعزعت هذه الكارثة هيبة رومه في جنوبي إيطاليا وضعضعت سلطانها، فانضم السمنيون والبروتيون واللوكانيون وأهل متابنتم، وثوراي، وكروتونا، ولوكري، وكبوا Samnites  Bruttians  , Lucanians  , Melpontum  , Thurii  ,Cotona  , Locri  , Capua إلى الغاليين الجنوبيين في حلفهم مع هنيبال ، ولم يلبث على الولاء لرومه إلا أمبريا، ولاتيوم، وإتروريا . وظل هرو صاحب سرقوسة وفياً حتى مماته ، ولكن خلفه جهر بانضمامه إلى قرطاجنة . وتحالف فليب الخامس ملك مقدونية مع هنيبال لأنه كان يخشى أن تبسط رومه سلطانها على البلاد الواقعة في شرق أوربا عن طريق إليريا Illyria، وأعلن الحرب على رومه . وأظهرت قرطاجنة نفسها شيئًا من الاهتمام بالأمر فبعثت إلى هنيبال بقليل من الزاد والعتاد؛ وظن بعض الشبان من النبلاء الذين نجوا من كارثة كنوزيوم أن لا أمل لرومه في النجاة ، وفكروا في الهرب إلى بلاد اليونان، ولكن سبيو ظل يندد بموقفهم حتى استحوا ودبت فيهم روح الشجاعة . وقضت رومه شهراً كاملاً وهي في أشد حالات الروع؛ ولم يكن فيها إلا حامية قليلة تدفع عنها هنيبال إذا ما هاجمها . وهرعت كرائم العقائل إلى الهياكل يبكين وينظفن بشعورهن تماثيل الآلهة ، وعاشرت بعض النساء اللائي قتل أزواجهن وأبناؤهن في الحروب الأجانب والرقيق خشية أن ينقطع نسلهن . وظن مجلس الشيوخ أن الآلهة غضبى فأحل مرة أخرى التضحية بالآدميين مرضاة لها ، وأمر بدفن اثنين من الغاليين واثنين من اليونان أحياء .&lt;br/&gt;ولكن الرومان على حد قول بولبيوس إنما “ يُخشون أشد الخشية في ساعة المحنة . . . . وشاهد ذلك أنهم وإن منوا بأشد الهزائم ، وخسروا سمعتهم الحربية ، استطاعوا ، بفضل ما كان لدستورهم من المزايا التي لا يشاركه فيها دستور غيره ، وبالاستماع إلى حسن المشورة،  أن يستردوا سيادتهم على إيطاليا . . . وأن يصبحوا بعد قليل من السنين سادة العالم “  . وفي هذه الساعة الرهيبة سكنت حرب الطبقات ، وتدافعت كل الطوائف للعمل على إنقاذ الدولة . وكانت الضرائب قبل ذلك الوقت قد ارتفعت حتى ظن أنهم لن يطيقوها ، ولكن السكان ، ومنهم الأرامل والأطفال ، تقدموا راضين لخزانة الدولة بما كانوا قد ادخروه لأيام الشدة . وجند كل رجل قادر على حمل السلاح ، وحتى الأرقاء قد قبلوا في الفيالق ووعدهم أسيادهم بأن يهبوهم حريتهم إذا كتب النصر لرومه ، ولم يرض جندي واحد أن يتناول عن عمله أجراً ، واستعدت رومه لتنازع أسد قرطاجنة الجديد كل شبر من أرضها .&lt;br/&gt;وانتظرت رومه مجيء هنيبال ، ولكن هنيبال لم يأت إليها ، فقد ظن أن قوته المؤلفة من أربعين ألف مقاتل أقل من أن تحاصر مدينة تتجمع للدفاع عنها جيوش من جميع الولايات التي لا تزال موالية لها، ولا يستطيع الاحتفاظ بها لو أنه استولى عليها . هذا إلى أن أحلافه من الإيطاليين لم يكونوا مصدر قوة له بل كانوا مصدر ضعف، فقد كانت رومه وأصدقاؤها يعدان العدة لمهاجمة أولئك الأحلاف، وإذا لم يخف هو لنجدتهم فسيقضي عليهم . وقد لامه رجاله على حذره وبطئه، وقال له واحد منهم والأسف يحز في نفسه:  “ إن الآلهة لم تمنح كل مواهبها لرجل واحد؛ أنك ياهنيبال تعرف كيف تنال النصر، ولكنك لا تعرف كيف تنتفع به “  . لكن هنيبال استقر رأيه على أن ينتظر حتى تنضم إليه قرطاجنة، ومقدونية، وسرقوسة فيؤلف منها حلفاً ثلاثياً يستعيد به صقلية وسردانية، وقورسقة، وإليريا فلا يكون لرومه قوة إلا في إيطاليا . وبدأ بإطلاق الأسرى جميعهم عدا الرومان، وحتى هؤلاء عرضهم على رومه نظير فدية قليلة، فلما رفض مجلس الشيوخ أن يفتديهم أرسل معظمهم عبيدًا إلى قرطاجنة، وأرغم الباقين على أن يسلوا رجاله بأن يصارع بعضهم بعضاً في حلبة الجلاد حتى الممات كما يفعل الرومان . ثم أحاط بعدة مدن واستولى عليها وسار بجيوشه ليقضي الشتاء في كبوا Capua .&lt;br/&gt;وكانت كبوا أجمل المدن التي كان في مقدوره أن يختارها لهذه الغاية وأشدها خطرًا عليه . ذلك أن هذه المدينة ، وهي ثانية المدن الإيطالية ، والتي تبعد عن نابلي نحو إثنى عشر ميلاً إلى الشمال ، قد أخذت عن التسكانيين واليونان رذائل الحضارة كما أخذت عنهم فضائلها؛ وأحس جنود هنيبال أن من حقهم أن يستمتعوا في ذلك الفصل بالملاذ الجسمية بعد ما قاسوا من الصعاب وما أثخنوا من الجراح؛ ولم يعودوا كما كانوا من قبل أولئك الجند الشداد الذين لا يقهرون ، والذين احتفظوا طوال ما خاضوه من الحروب بالصورة الإسبارطية التي كانت في اعتقاد قائدهم هي وحدها صورة الجندي الحق . وقادهم هنيبال في خلال الخمس السنين التالية وانتصر بهم في بعض الوقائع الصغيرة ، وفي هذه الأثناء ضرب الرومان الحصار على كبوا . وأراد هنيبال أن يرفع عنها الحصار فتقدم إلى رومه حتى لم يبق بينه وبينها إلا بضعة أميال؛ وجند الرومان خمساً وعشرون فرقة جديدة - أي مائتي ألف رجل ، ولم تكن قوة هنيبال قد زادت على أربعين ألفًا، فاضطر إلى الانسحاب نحو الجنوب، وسقطت كبوا في أيدي الرومان عام 211، وقطعت رؤوس زعمائها الذين أباحوا قتل من كان من الرومان في المدينة؛ ومن لم يقتل منهم انتحر؛ وشتت أهلها الذين ناصروا هنيبال في جميع أنحاء إيطاليا ، وكان مرسلس Marcellus قبل عام واحد من ذلك الوقت قد استولى على سرقوسة وبعد عام منه استسلمت أرجنتم لرومه .&lt;br/&gt;وأرسل إلى أسبانيا في هذه الأثناء جيش روماني بقيادة سبيو وأخيه الكبيرين ليناوشا هزدروبال ويشغلاه، فهزماه عند نهر إبره ، ولكن القائدين قتلا في الميدان بعد قليل،  وكادت تضيع ثمار ما كسباه من النصر لولا أن أرسل إلى أسبانيا سبيو الإفريقي Scipio Africanus، ابن أحد القائدين وابن أخ الثاني ، ليتولى قيادة الجيوش الرومانية فيها، ولم يكن سبيو هذا قد تجاوز الرابعة والعشرين من عمره في ذلك الوقت، ولم تكن هذه السن تجيز له من الوجهة القانونية أن يشغل هذا المنصب الخطير؛ ولكن مجلس الشيوخ كان في ذلك الوقت لا يرى ضيرًا في أن يتجاوز عن حرفية الدستور إذا كان في ذلك التجاوز نجاة الدولة ، وكانت الجمعية قد رضيت مختارة أن تخضع لإرادة الشيوخ ، ولم يكن الشعب يعجب به لبهاء طلعته وفصاحة لسانه وذكائه وشجاعته فحسب ، بل كان يعجب به كذلك لتقواه ، وعدالته، وبشاشته . وكان من عادته قبل أن يقدم على أمر خطير أن يناجي الآلهة في الهياكل المقامة على الكبتول، كما كان من عادته بعد أن ينال النصر أن يكافئها بذبح مئات من الثيران قرباناً لها . وكان يعتقد ، أو لعله كان يتظاهر بالاعتقاد ، أنه محبوب الآلهة؛ وكانت انتصاراته سبباً في انتشار هذه العقيدة بين أتباعه فملأت قلوبهم ثقة به . وما لبث أن أعاد النظام إلى الجيش ، واستولى على نوفا كرتاجو ( قرطاجنة الجديدة ) بعد حصار طويل ، وحرص على أن يبعث إلى خزانة الدولة بما وقع في يديه بعد سقوطها من المعادن الثمينة والحجارة الكريمة ، واستسلمت له بعدئذ معظم المدن الأسبانية ، ولم يحل عام 205 حتى كانت أسبانيا ولاية رومانية .&lt;br/&gt;ولكن قوة هزدروبال الرئيسية كانت قد أفلتت من يد سبيو واجتازت بلاد غالة وعبرت جبال الألب إلى إيطاليا . ووقعت الرسالة التي بعث بها القائد الشاب لهنيبال في يد الرومان ، وعرفت رومه خططه الحربية . والتقى جيش روماني بقوته الصغيرة عند نهر متورس Metaurus وهزمته رغم مهارته في القيادة . ولما رأى هزدروبال أن قد حاقت به الهزيمة وأن لا أمل له في الوصول إلى أخيه ، قفز في وسط الفيالق الرومانية حيث لقي حتفه . ويقول القائد المنتصر انه قطع رأس القائد الشاب ، وبعث بها بطريق أبوليا ليقذف بها من فوق الأسوار في معسكر هنيبال . ولما علم ذلك القائد بما حل بأخيه ، وكان يحبه أشد الحب ، فتّ في عضده ،  وطفأت جمرته ، فسحب قواته ، وكانت قد قل عديدها ، إلى برتيوم Bruttium . ويقول ليفي إن  “ الرومان لم يشتبكوا معه في حرب في ذلك العام ، وإنهم لم يجرؤا على مناوشته ، وذلك لما عرف عن قواته من البسالة وإن كان ركنه قد تضعضع وأخذت الأقدار تعاكسه ، وبدأ نجمه في الأفول “ . وأرسلت إليه قرطاجنة مائة سفينة محملة بالزاد والرجال ، ولكن عاصفة هوجاء ساقتها إلى سردانية فالتقت فيها بعمارة بحرية رومانية أغرقت وأسرت منها ثمانين،  وانطلقت السفن الباقية عائدة إلى بلادها . واختير سبيو الأصغر قنصلاً في عام 205 ولما يمض على انتصاره في أسبانيا إلا وقت قصير ، فجند جيشاً جديداً وأبحر به إلى إفريقية . وطلبت الحكومة القرطاجنية إلى هنيبال أن يعود إلى بلاده ليدافع عن المدينة التي ظلت زمنًا طويلاً ترفض معاونته . ترى ماذا كان شعور هذا الجندي الأعور وقد تألب عليه أعداء لا حصر لهم فساقوه إلى ركن قصي في إيطاليا ، وشاهد بعينيه ما بذله من الجهد وما عاناه من المشاق خلال خمسة عشر عاماً كاملة ينتهي إلى لا شيء ، وكل ما ظفر به من نصر حربي يقضي عليه فلا تكون له نتيجة إلا الفرار من الميدان؟ لقد أبى نصف جنوده أن يعودوا معه إلى قرطاجنة،  ويقول بعض من يعادونه من المؤرخين إنه أمر بقتل عشرين ألفًا منهم عقاباً لهم لأنهم خالفوا أمره ، ولأنه كان يخشى أن تضمهم رومه إلى فيالقها . فلما أن وطئت قدماه أرض بلاده ، بعد أن غاب عنها ستة وثلاثين عاماً بادر إلى حشد جيش جديد وسار على رأسه لملاقاة سبيو عند زاما Zama على بعد خمسين ميلاً جنوبي قرطاجنة . وتقابل القائدان في بداية المعركة مقابلة ودية ، فلما وجدا أن لا سبيل إلى الاتفاق بينهما أصدرا أمرهما ببدء القتال .&lt;br/&gt;وهزم هنيبال للمرة الأولى في حياته ، فقد تضعضع القرطاجنيون ، وكان معظمهم من الجند المرتزقة ، أمام مشاة الرومان وفرسان مسينسا Massinissa ملك نوميديا المجازفين الأبطال . وقاتل هنيبال وهو في سن الخامسة والأربعين كما كان يقاتل وهو في نضرة الشباب، فهجم على سبيو بنفسه وجرحه ، ثم ثنى بمسينسا، وأعاد تنظيم قواه بعد أن اختل نظامها أكثر من مرة ، وقادها في هجمات مضادة شديدة على الأعداء . فلما لم يبق له أمل في النصر أفلت من الأسر وسار على ظهر جواده إلى قرطاجنة ، وأعلن أنه لم يخسر الموقعة فحسب بل خسر الحرب كلها معها، وأشار على مجلس الشيوخ بأن يطلب الصلح . وعامل سبيو القرطاجنيين معاملة الكرام فرضى أن تحتفظ قرطاجنة بأملاكها في إفريقية ، ولكنه طلب إليها أن تسلم لرومه جميع سفنها الحربية عدا عشر من ذات الثلاثة الصفوف من المجدفين ، وألا تشتبك في حرب خارج إفريقية أو داخلها إلا بعد موافقة رومه ، وأن تؤدي إليها غرامة حربية سنوية مقدارها مائتا تالنت أي ما يقرب من 000 .720 ريال أمريكي مدى خمسين عامًا . وأعلن هنيبال أن هذه الشروط عادلة وأشار على مجلس الشيوخ بقبولها .&lt;br/&gt;وغيرت الحرب البونية الثانية وجه البحر الأبيض المتوسط من ناحيته الغربية ، فقد سيطرت رومه بعدها على أسبانيا كلها وما فيها من ثروة فأمدتها بما يلزمها من المال لفتح بلاد اليونان،  وأعادت إلى إيطاليا وحدتها تحت سيادة رومه لا ينازعها فيها منازع ، وفتحت جميع الطرق والأسواق للسفن والبضائع الرومانية؛ ولكنها كانت أكثر الحروب القديمة جميعها نفقة ، فقد خربت مزارع إيطاليا الجنوبية أو ألحقت بها أشد الأضرار ، وهدمت أربعمائة من مدنها،  وأهلكت ثلاثمائة ألف من رجالها؛ ولم تفق إيطاليا الجنوبية حتى اليوم من جميع ما أصابها من هذا الدمار . يضاف إلى هذا أن هذه الحرب قد أضعفت الديمقراطية إذ أظهرت أن الجمعيات الشعبية عاجزة عن أن تحسن اختيار القواد أو إدارة دفة الحروب؛ وكانت سببًا فيما طرأ على حياة الرومان وأخلاقهم من انقلاب ، فقد أضرت بالزراعة وشجعت التجارة ، وانتزعت الرجال من الريف ، وعلمتهم عنف الحروب ومفاسد حياة المعسكرات ، وجاءت بمعادن أسبانيا النفيسة لتنفق على ملاذ الحياة وعلى التوسع الاستعماري ، وأمكنت إيطاليا من أن تعيش على ما اغتصبته من قمح أسبانيا وصقلية وإفريقية ، وقصارى القول أن هذه الحرب كانت المحور الذي يدور حوله تاريخ رومه من جميع نواحيه .&lt;br/&gt;هذه آثار الحرب في رومه ، أما في قرطاجنة فقد كانت بداية نهايتها . لقد كان في وسعها ، وقد احتفظت بجزء كبير من تجارتها وإمبراطوريتها ، أن تحل ما يواجهها من مشاكل الإنعاش؛ ولكن حكومتها الألجراكية قد بلغت من الفساد مبلغاً جعلها تلقي على كاهل الطبقات الدنيا عبء الغرامة الحربية ، وأن تختلس جزءاً من هذه الغرامة . وطلبت طوائف الشعب إلى هنيبال أن يخرج من عزلته وينقذ الأمة من محنتها ، واختير في عام 196 حاكماً عاماً لها . فلما تولى منصبه روع سراة المدينة إذ اقترح ألا يبقى قضاة المحكمة البالغ عددهم 104 في مناصبهم أكثر من سنة واحدة ، وألا يعاد انتخابهم إلى هذه المناصب إلا بعد عام من خروجهم منها . فلما رفض مجلس الشيوخ هذا الاقتراح عرضه على الجمعية الشعبية فأجازته ، وكانت نتيجة هذا القانون وما اتبع فيه من إجراء أن أنشأ من أقصر طريق نوعاً من الديمقراطية لا يقل عن مثيله في رومه . ثم حارب الرشوة واجتثها من أصولها ، وأنزل بالمرتشين أشد العقاب ، ورفع عن الأهلين ما فرض عليهم من الضرائب الإضافية ، ودبر موارد الدولة تدبيرًا استطاعت به قرطاجنة قبل أن يحل عام 188 أن تؤدي جميع ما فرضته عليها رومه من غرامة حربية . لكن أرباب الأموال أرادوا أن يتخلصوا منه فبعثوا في السر إلى رومة يقولون إن هنيبال يعد العدة لاستئناف القتال . وبذل سبيو كل ماله من نفوذ ليحمي عدوه القديم ، ولكنه غلب على أمره . واستجاب مجلس الشيوخ إلى رغبة أغنياء القرطاجنيين ، بأن طلب تسليم هنيبال إلى رومة،  ولكن الجندي القديم فرّ من بلاده ليلاً ، واجتاز على ظهر جواده مائة وخمسين ميلاً حتى وصل إلى ثبسوس Thapsus وركب منها سفينة إلى أنطاكية حيث وجد أنتيوخوس الثالث Antiochus متردداً بين حرب رومه ومسالمتها، فأشار عليه بحربها وأصبح فيها من قواد الملك . فلما هزم الرومان أنتيوخوس في مجنيزيا اشترطوا لعقد الصلح معه أن يسلم هنيبال، فما كان من هذا القائد إلا أن فرّ أولاً إلى كريت ، ثم إلى بيثونيا Bithynia . فأخذ الرومان يطاردونه في كل مكان يلجأ إليه حتى أحاطوه في مكمنه بالجند . وآثر هنيبال الموت على الأسر، وقال في هذا : “ دعوني أخفف عن الرومان ما يشغل بالهم من زمن طويل؛ فهم يظنون أنهم لا يطيقون الصبر حتى يلاقي شيخ مثلي منيته “ . وتجرع السم الذي كان يحمله معه ومات في عام 184 ق .م في السابعة والستين من عمره ، وما هي إلا بضعة أشهر حتى تبعه إلى الراحة الأبدية سبيو قاهره الذي كان شديد الإعجاب به .&lt;br/&gt;</description>
    </item>
    <item>
      <title>من حمورابي إلى نبوخذ نصر   &#13;( قصة الحضارة ) &#13;&#13;وِلْ ديرانت </title>
      <link>http://www.syriacstudies.com/AFSS/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A1/Entries/2009/6/23_%D9%85%D9%86_%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%B1%D8%A7%D8%A8%D9%8A_%D8%A5%D9%84%D9%89_%D9%86%D8%A8%D9%88%D8%AE%D8%B0_%D9%86%D8%B5%D8%B1__%D9%8D%D9%88%D9%90%D9%84%D9%92_%D8%AF%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86%D8%AA_%28_%D9%82%D8%B5%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B6%D8%A7%D8%B1%D8%A9_%29.html</link>
      <guid isPermaLink="false">39ea6b8c-2ccb-4956-a468-b54f9444782a</guid>
      <pubDate>Tue, 23 Jun 2009 12:32:41 -0400</pubDate>
      <description>الحضارة كالحياة صراع دائم مع الموت ؛ وكما أن الحياة لا يتسنى لها أن تحتفظ بنفسها إلا إذا خرجت عن صورها البالية القديمة واتخذت لها صوراً أخرى فتية جديدة ، فكذلك الحضارة تستطيع البقاء مزعزعة الأركان بتغيير موطنها ودمها . ولقد انتقلت الحضارة الى أوربا من بابل ويهوذا ، ومن بابل إلى نينوى ، ومن هذه كلها إلى برسيبوليس وسارديس وميليتس ، ومن هذه الثلاثة الأخيرة ومصر وكريت ، إلى بلاد اليونان ورومة . &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وما من أحد ينظر الآن إلى موقع مدينة بابل القديمة ثم يخطر بباله أن هذه البطاح الموحشة ذات الحر اللافح الممتدة على نهر الفرات كانت من قبل موطن حضارة غنية قوية كادت أن تكون هي الخالقة لعلم الفلك ، وكان لها فضل كبير في تقدم الطب ، وأنشأت علم اللغة وأعدت أول كتب القانون الكبر ى ، وعلمت اليونان مبادئ الحساب ، وعلم الطبيعة والفلسفة ، وأمدّت اليهود بالأساطير القديمة التي أورثها العالم ، ونقلت إلى العرب بعض المعارف العلمية والمعمارية التي أيقظوا بها روح أوربا من سباتها في العصر الوسيط . وإذا ما وقف الإنسان أمام دجلة والفرات الساكنين فإنه يتعذر عليه أن يعتقد أنهما النهران اللذان أرويا سومر وأكاد وغذيا حدائق بابل المعلقة . &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;والحق أنهما إلى حد ما ليسا هما النهران القديمان ؛ وذلك لأن النهران القديمان قد اختطّا لهما من زمن بعيد مجريين جديدين &amp;quot; وقطعا بمناجلهما البيض شطآناً أخرى &amp;quot; . وكان نهرا دجلة والفرات كما كان نهر النيل في مصر طريقاً تجارياً عظيماً يمتد آلاف الأميال ، وكانا في مجرييهما الأدنيين يفيضان كما يفيض نهر النيل في فصل الربيع ويساعدان الزراع على إخصاب الأرض . ذلك أن المطر لا يسقط في بلاد بابل إلا في أشهر الشتاء ؛ أما فيما بين مايو ونوفمبر فإنه لا يسقط أبداً ؛ ولولا فيضان النهرين لكانت أرضهما جرداء كما كان الجزء الشمالي من أرض الجزيرة في الأيام القديمة وكما هو في مثل هذه الأيام . ولكن بلاد بابل قد أضحت بفضل ماء النهرين الغزير ، وكدّ الأهلين أجيالاً طوالاً ، جنة الساميين وحديقة بلاد آسية القديمة . &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وكانت بابل من حيث تاريخها وجنس أهلها نتيجة امتزاج الأكاديين والسومريين . فقد نشأ الجنس البابلي من تزاوج هاتين السلالتين ؛ وكانت الغلبة في السلالة الجديدة للأصل السامي الأكادي ، فقد انتهت الحروب التي شبت بينهما بانتصار أكاد وتأسيس مدينة بابل لتكون حاضرة أرض الجزيرة السفلى بأجمعها . وتطل علينا من بداية هذا التاريخ شخصية قوية هي شخصية حمورابي 2123- 2081 ق .م الفاتح المشرع الذي دام حكمه ثلاثاً و أربعين سنة . وتصوره الأختام والنقوش البدائية بعض التصوير ، فنستطيع في ضوئها أن نتخيله شاباً يفيض حماسة وعبقرية ، ذو عاصفة هوجاء في الحرب ، يقلم أظافر الفتن ويقطع أوصال الأعداء ، ويسير في شعاب الجبال الوعرة ، ولا يخسر في حياته واقعة ؛ وحّد الدويلات المتحاربة المنتشرة في الوادي الأدنى ، ونشر لواء السلام على ربوعها وأقام فيها منار الأمن والنظام بفضل كتاب قوانينه التاريخي العظيم . &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وقد كُشف قانون حمورابي في أنقاض مدينة السوس في عام 1902م . ووجد هنا القانون منقوشاً نقشاً جميلاً على اسطوانة من حجر الديوريت نقلت من بابل إلى عيلام حوالي عام 1100 ق .م فيما نقل من مغانم الحرب ، وقيل عن هذه الشرائع أنها منزلة من السماء . فترى الملك على أحد أوجه الأسطوانة يتلقى القوانين من شمش إله الشمس نفسه . وتقول مقدمة القوانين :&lt;br/&gt;ولما آن  عهد أنو الأعلى ملك الأنونا كي وبِلْ رب السماء والأرض الذي يقرر مصير العالم ، لما  آن عهد حكم بني الإنسان كلهم إلى مردوك ؛ . . . ولما آن نطقا باسم بابل الأعلى ، وأذاعا شهرتها في جميع أنحاء العالم ، وأقاما في وسطه مملكة خالدة أبد الدهر قواعدها ثابتة ثبات السماء والأرض - وفي ذلك الوقت ناداني أنو وبِل ، أنا حمورابي الأمير الأعلى ، عابد الآلهة ، لكي أنشر العدالة في العالم ، وأقضي على الأشرار والآثمين ؛ وأمنع الأقوياء أن يظلموا الضعفاء . . . وأنشر النور في الأرض وأرعى مصالح الخلق . أنا حمورابي ، أنا الذي اختاره ِبِلْ حاكماً ، والذي جاء بالخير والوفرة ، والذي أتم كل شيء لنبور ودُريلو ، . . . والذي وهب الحياة لمدينة أرك ؛ والذي أمد سكانها بالماء الكثير ؛ . . . والذي جمل مدينة بارسيا ؛ . . . والذي خزن الحب لأوراش العظيم ؛ . . . والذي أعان شعبه في وقت المحنة ، وأمن الناس على أملاكهم في بابل ؛ حاكم الشعب ، الخادم الذي تسر أعماله أنونيت . &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;إن الألفاظ التي أكادناها نحن في هذه العبارة لذات نغمة حديثة ؛ وإن المرء ليتردد قبل أن يصدق أن قائلها حاكم شرقي &amp;quot; مستبد &amp;quot; عاش في عام 2100 ق .م ، أو أن يتوهم أن القوانين التي تمهد لها استمدت أصولها من قوانين سومرية مضى عليها ستة آلاف عام . وهذا الأصل القديم مضافاً إلى الظروف التي كانت تسود بابل وقتئذ هي التي جعلت قانون حمورابي شريعة مركبة غير متجانسة . فهي تفتتح بتحية الآلهة ، ولكنها لا تحفل بها بعدئذ في ذلك التشريع الدستوري البعيد كل البعد عن الصبغة الدينية . وهي تمزج أرقى القوانين وأعظمها استنارة بأقسى العقوبات وأشدها وحشية ، وتضع قانون النفس بالنفس والتحكيم الإلهي إلى جانب الإجراءات القضائية المحكمة والعمل الحصيف على الحد من استبداد الأزواج بزوجاتهم . على أن هذه القوانين البالغة عدتها 285 قانوناً ، والتي رتبت ترتيباً يكاد يكون هو الترتيب العلمي الحديث ، فقسمت إلى قوانين خاصة بالأملاك المنقولة ، وبالأملاك العقارية ، وبالتجارة ، والصناعة ، وبالأسرة ، وبالأضرار الجسمية ، وبالعمل ؛ نقول إن هذه القوانين تكون في مجموعها شريعة أكثر رقياً وأكثر تمديناً من شرعية أشور التي وضعت بعد أكثر من ألف عام من ذلك الوقت ، وهي من وجوه عدة &amp;quot; لا تقل رقياً عن شريعة أية دولة أوربية حديثة &amp;quot; ؛ وقلّ أن يجد الإنسان في تاريخ الشرائع كلها ألفاظاً أرق وأجمل من الألفاظ التي يختتم بها البابلي العظيم شريعته : &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&amp;quot;إن الشرائع العادلة التي رفع منارها الملك الحكيم حمورابي والتي أقام بها في الأرض دعائم ثابتة وحكومة طاهرة صالحة . . . أنا الحاكم الحفيظ الأمين عليها ، في قلبي حملت أهل أرض سومر وأكاد . . . وبحكمتي قيدتهم ، حتى لا يظلم الأقوياء الضعفاء ، وحتى ينال العدالة اليتيم والأرملة . . . فليأت أي إنسان مظلوم له قضية أمام صورتي أنا ملك العدالة ، ليقرأ النقش الذي على أثري ، وليلق باله إلى كلماتي الخطيرة ! ولعل أثرى هذا يكون هادياً له في قضيته ، ولعله يفهم منه حالته! ولعله يريح قلبه فينادي : &amp;quot; حقا إن حمورابي حاكم كالوالد الحق لشعبه . . . لقد جاء بالرخاء إلى شعبه مدى الدهر كله ،  وأقام في الأرض حكومة طاهرة صالحة  . . . ولعل الملك الذي يكون في الأرض فيما بعد وفي المستقبل يرعى ألفاظ العدالة التي نقشتها على أثرى&amp;quot;! . &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;ولم يكن هذا التشريع الجامع إلا عملاً واحداً من أعمال حمورابي الكثيرة . فلقد أمر بحفر قناة كبيرة بين كش والخليج الفارسي أروَت مساحات واسعة من الأراضي ، ووَقَتْ المدن الجنوبية ما كان ينتابها بسبب فيضانات نهر دجلة المخربة . ولقد وصل إلينا من عهده نقش آخر يفخر فيه بأنه أجرى في البلاد الماء تلك المادة القيمة التي لا نقدرها اليوم والتي كانت في الأيام الماضية إحدى مواد الترف ، ونشر الأمن والحكم الصالح بين كثير من القبائل . وأنا لنستمع من ثنايا هذا النقش ومن بين عبارات الفخر وهو خلة شريفة من خلال الشرقيين صوت الحاكم الماهر والسياسي القدير . &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&amp;quot;لما وهب لي أنو وانليل إلها أرك ونبور بلاد سومر وأكاد لأحكمها، ووضعا في يدي هذا الصولجان ، حفرت قناة حمورابي- نخوش- ميشى حمورابي المفيض- على- الشعب التي تحمل الماء الغزير لأرض سومر وأكاد . وحولت شاطئيها الممتدين على كلا الجانبين إلى أراضي زراعية ؛ وجمعت أكاداسا من الحب ، وسيرت الماء الذي لا ينضب إلى الأرضين،  وجمعت الأهلين المشتتين ، وهيأت لهم المرعى والماء وأمددتهم بالمراعي الموفورة وأسكنتهم مساكن آمنة . &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وبلغ من حذق حمورابي أن خلع على سلطانه خلعة من رضاء الآلهة بالرغم من أن قوانينها كانت تمتاز بصبغتها الدنيوية غير الدينية . من ذلك أنه شاد المعابد كما شاد القلاع ،  واسترضى الكهنة بأن أقام لمردوك وزوجته إلهي البلد القوميين في مدينة بابل هيكلاً ضخماً ومخزناً واسعاً ليخزن فيه القمح للإلهين وللكهنة . وكانت هاتان الهديتان وأمثالهما في واقع الأمر بمثابة مال يستثمر أبرع استثمار ، جنى منه ربحاً وفيراً هو الطاعة الممتزجة بالرهبة التي يقدمها إليه الشعب . واستخدم ما حصل عليه من الضرائب في تدعيم سلطان القانون والنظام ، واستخدم ما تبقى بعد ذلك في تجميل عاصمة ملكه ، فأنشأت القصور والهياكل في جميع نواحيها ، وأقيم جسر على نهر الفرات حتى تمتد المدينة على كلتا ضفتيه ،  وأخذت السفن التي لا يقل بحارتها عن تسعين رجلاً تمخر عباب النهر صاعدة فيه ونازلة ، وأضحت بابل قبل ميلاد المسيح بألفي عام من أغنى البلاد التي شهدها تاريخ العالم قديمه وحديثة . &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وكان البابليون ساميين في مظهرهم سود الشعر سمر البشرة ، رجالهم ملتحون ، ويضعون على رؤوسهم أحياناً شعراً مستعاراً وكانوا رجالاً ونساء على السواء يطيلون شعر رؤوسهم ، وحتى الرجال كانوا أحيانا يرسلون شعرهم في ضفائر تنوس على أكتافهم،  وكثيراً ما كان رجالهم ونساؤهم يتعطرون . وكان ثياب الجنسين المألوف مئزراً من نسيج الكتان الأبيض يغطي الجسم حتى القدمين ، ويترك إحدى كتفي المرأة عارياً ، ويزيد عليه الرجال دثاراً وعباءة ، ولما زادت ثروة السكان تذوقوا حب الألوان ، فصبغوا أثوابهم باللون الأزرق فوق الأحمر أو بالأحمر فوق الأزرق ، في صورة خطوط أو دوائر أو مربعات أو نقط . ولم يكونوا كالسومريين حفاة الأقدام بل اتخذوا لهم أخفافاً ذات أشكال حسنة ، وكان الذكور في عصر حمورابي يتعممون ، وكان النساء يتزين بالقلائد والأساور والتمائم ، ويحلين شعرهن المصفف بعقود من الخرز . وكان الرجال يمسكون في أيديهم عصياً ذوات رؤوس منحوتة منقوشة ، ويحملون في مناطقهم الأختام الجميلة الشكل التي كانوا يبصمون بها رسائلهم ووثائقهم . وكان كهنتهم يلبسون فوق رؤوسهم قلانس طويلة مخروطية الشكل ليخفوا بها صفتهم الآدمية . &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وزادت الثروة فأنتجت في بابل ما تنتجه في سائر بلاد العالم . ذلك أن من السنن التاريخية التي تكاد تنطبق على جميع العصور أن الثراء الذي يخلق المدنية هو نفسه الذي ينذر بانحلالها وسقوطها . فالثراء يبعث الفن كما يبعث الخمول ؛ وهو يرقق أجسام الناس وطباعهم ، ويمهد لهم طريق الدعة والنعيم والترف ، ويغري أصحاب السواعد القوية والبطون الجائعة بغزو البلاد ذات الثراء . وكان على الحدود الشرقية لهذه الدولة الجديدة قبيلة قوية من أهل الجبال هي قبيلة الكاشيين تحسد البابليين على ما أوتوا من ثروة ونعيم . فلم يمض على موت حمورابي إلا ثمان سنين حتى اجتاحت رجالها دولته ، وعاثوا في أرضها فساداً يسلبون وينهبون ، ثم ارتدوا عنها ، ثم شنوا عليها الغارة تلو الغارة ، واستقروا آخر الأمر فيها فاتحين حاكمين ، وهذه هي الطريقة التي تنشأ بها عادة طبقة السراة في البلاد . ولم يكن هؤلاء الفاتحون من نسل الساميين ولعلهم كانوا من نسل جماعة المهاجرين الأوربيين جاءوا إلى موطنهم الأول في العصر الحجري الحديث ، ولم تكن غلبتهم على أهل بابل الساميين إلا حركة أخرى من حركات الهجوم والارتداد التي طالما حدثت في غرب آسية . وظلت بلاد بابل بعد هذا الغزو عدة قرون مسرحاً للاضطراب العنصري والفوضى السياسية اللذين وقفا في سبيل كل تقدم في العلوم والفنون . ولدينا صورة واضحة من هذا الاضطراب الخانق في رسائل تل العمارنة التي يستغيث فيها أقيال بابل وسوريا بمصر التي كانوا يؤدون إليها خراجا متواضعاً بعد انتصارات تحتمس الثالث، ويتوسلون إليها أن تمد إليهم يدها لتعينهم على الثوار والغزاة . وفيها أيضاً يتجادلون في قيمة ما يتبادلونه من الهدايا مع أمنحوتب الثالث الذي يترفع عليهم ، ومع إخناتون الذي أهملهم وانهمك في غير شؤون الحكم  . &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وأُخرج الكاشيون من أرض بابل بعد أن حكموها ما يقرب من ستة قرون اضطربت فيها أحوال البلاد وتمزقت ، كما اضطربت أحوال مصر وتمزقت في عهد الهكسوس . ودام الاضطراب بعد خروجهم أربعمائة عام أخرى حكم بابل في أثنائها حكام خاملون ليس في أسمائهم الطويلة اسم واحد جدير بالذكر . ودام عهدهم حتى قامت دولة أشور في الشمال فبسطت سيادتها على بابل وأخضعتها لملوك نينوى . ولما ثارت بابل على هذا الحكم دمرها سنحريب تدميراً لم يكد يبقى منها على شيء . ولكن عصر هدون ، المستبد الرحيم أعاد إليها رخائها وثقافتها . ولما قامت دولة الميديين وضعف الآشوريون استعان نبوبولصر بالدولة الناشئة على تحرير بابل من حكم الآشوريين ، وأقام فيها أسرة حاكمة مستقلة . ولما مات خلفه في حكم الدولة البابلية الثانية ابنه نبوخد نصر الثاني الذي يسميه كتاب دانيال بالرجل الوغد حقداً عليه وانتقاماً منه . وفي وسع المرء أن يستشف من خطبة نبوخد نصر الافتتاحية لمردك كبير آلهة بابل مرامي الملك الشرقي وأخلاقه :&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&amp;quot;إني أحب طلعتك السامية كما أحب حياتي الثمينة! إني لم أختر لنفسي بيتا في المواطن كلها الواقعة خارج مدينة بابل . . . ليت البيت الذي شيدته يدوم إلى الأبد بأمرك أيها الإله الرحيم . ولعلي أشبع ببهائه وجلاله ، وأبلغ فيه الشيخوخة ، ويكثر ولدي ، وتأتي إليَّ فيه الجزية من ملوك الأرض كلها ومن بني الإنسان أجمعين&amp;quot; . &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وعاش هذا الملك حتى كاد يبلغ السن التي يطمع فيها ؛ وكان أقوى ملوك الشرق الأدنى في زمانه وأعظم المحاربين والبنائين والحكام السياسيين من ملوك بابل كلهم لا نستثني منهم إلا حمورابي نفسه . هذا مع أنه كان أمياً ، ومع أن عقله لم يكن يخلو من خبال . ولما تآمرت مصر مع أشور لكي تخضع الثانية بابل إلى حكمها مرة أخرى ، التقى نبوخد نصر بالجيوش المصرية عند قرقميش على نهر الفرات الأعلى وكاد يبيدها عن آخرها . وسرعان ما وقعت فلسطين وسوريا في قبضته ، وسيطر التجار البابليون على جميع مسالك التجارة التي كانت تعبر غرب آسية من الخليج الفارسي إلى البحر الأبيض المتوسط .&lt;br/&gt;</description>
    </item>
    <item>
      <title>نبوخذنصر</title>
      <link>http://www.syriacstudies.com/AFSS/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A1/Entries/2009/6/23_%D9%86%D8%A8%D9%88%D8%AE%D8%B0%D9%86%D8%B5%D8%B1.html</link>
      <guid isPermaLink="false">dad8908c-2a87-4bb1-8f9f-1ecfeddacd59</guid>
      <pubDate>Tue, 23 Jun 2009 12:30:32 -0400</pubDate>
      <description>&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;أطلال بابل اليوم&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;ولد نبوخذ نصر حوالي سنة 630 ق.م وتوفي حوالي سنة 561 ق.م . وهو ثاني ملوك السلالة الكلدية التي حكمت بلاد بابل ، وهو أشهر ملوك هذه السلالة ، حكم من حوالي سنة 605 إلى حوالي سنة 561 ق.م . اشتهر بقوته العسكرية ، وبروعة عاصمته مدينة بابل ، وبدوره الهام في التاريخ اليهودي .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;نبوخذ نصر الثاني هو أكبر أولاد نبوبلاصر وخليفته ، ونبوبلاصر هو مؤسس الإمبراطورية الكلدية . تأتي معلوماتنا عنه من الكتابات المسمارية ، ومن الكتاب المقدس ، والمصادر اليهودية المتأخرة ، ومن الكتـّاب الكلاسيكيين . اسمه باللغة الأكدية نابو- كودورّي - أوصُّر ، ومعناه &amp;quot; نابو يحرس وريثي &amp;quot; .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;   بالرغم من أن والده لم يدعِّ أن له نسباً ملكياً ، لكن نبوخذنصر ادعى أن نرام - سين  الحاكم الأكدي الذي عاش في الألفية الثالثة ، هو جده الأعلى .  ولم تُحدد سنة ميلاده بدقة ، ولكن من غير المرجح أن يكون قد ولد قبل سنة 630 ق.م ، إذ تقول إحدى الروايات أنه بدأ حياته العسكرية شابا ً في حوالي سنة 610 ق.م ، حيث ظهر باعتباره مديراً عسكرياً . وأول من ذكره هو والده ، الذي أشار إلى مشاركته في أعمال ترميم معبد مردوك ، الإله الرئيسي لمدينة بابل والإله الوطني لبلاد بابل .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;   في سنة 607 / 606 ، عندما كان نبوخذ نصر ولياً للعهد ، شارك والدَه في قيادة جيش في الجبال الواقعة في شمال بلاد آشور ، وتولى بعد ذلك قيادة عمليات من أجل الاستقلال وذلك بعد عودة نبوبلاصر إلى مدينة بابل . و بعد هزيمة البابليين على أيدي المصريين في سنة 606 / 605 ، تولى قيادة الجيش بدلا ً من والده وتمكن بقيادته الفذة من تحطيم الجيش المصري في كركميش و حماة ، مما أدى إلى إحكام سيطرته على سوريا كلها . وبعد وفاة والده في 16 آب 605 ، عاد نبوخذ نصر إلى مدينة بابل و ارتقى العرش خلال ثلاثة أسابيع . و هذا التثبيت السريع لولايته وكونه تمكن من العودة إلى سوريا بسرعة يعكسان سيطرته القوية على الإمبراطورية .&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;   في حملاته على سوريا و فلسطين ابتداءً من حزيران إلى كانون الأول سنة 604، قدمت الدويلات المحلية و من بينها مملكة يهوذا ، خضوعها لنبوخذنصر ، كما إنه احتل مدينة عسقلان . و خلال السنوات الثلاثة التالية شن نبوخذ نصر المزيد من الحملات لتوسيع السيطرة البابلية على فلسطين ، و كان في جيوشه مرتزقة يونانيون . و في آخر تلك الحملات ( 601 / 600 ) اصطدم نبوخذنصر بجيش مصري ، و كانت خسائره كبيرة ؛ وأدت هذه الهزيمة إلى ارتداد دويلات معينة عن التبعية له ، من بينها مملكة يهوذا . كما أدت إلى انقطاع في سلسلة الحملات السنوية خلال سنة 599 / 600 ، حيث بقي نبوخذنصر في بلاد بابل لتعويض خسائره في العربات . و استؤنفت العمليات لاستعادة السيطرة في نهاية سنة 598 / 599 ( من كانون الأول حتى آذار ) . و قد تجلت مقدرة نبوخذنصر على التخطيط الاستراتيجي بهجومه على القبائل العربية شمال غرب الجزيرة العربية ، تمهيدا ً لاحتلال مملكة يهوذا . ثم هاجم مملكة يهوذا بعد سنة و احتل القدس في 16 آذار 597 ، و نفى الملك يهوياكين إلى مدينة بابل . و بعد حملة أخرى قصيرة على سوريا في 595 / 596 ، كان على نبوخذنصر العمل في شرق بلاد بابل لصد غزو ، ربما كان من عيلام ( الواقعة حاليا ً جنوب غرب إيران ) . و يمكن الاستدلال على شدة الضغوط التي تعرضت لها بلاد بابل من حدوث تمرد في أواخر 593 / 595  تورطت فيه عناصر من الجيش ، و لكن نبوخذنصر تمكن من القضاء على التمرد بقوة و تمكن من القيام بحملتين أخريين على سوريا خلال سنة 593 .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;   ثمة المزيد من النشاطات العسكرية التي قام بها نبوخذنصر ، لم تذكرها الحوليات التاريخية التي وصلت إلينا بل ذكرتها مصادر أخرى ، و خصوصاً الكتاب المقدس ، الذي يذكر هجوماً آخر على القدس و حصاراً  لمدينة صور ( استمر 13 سنة ، طبقاً للمؤرخ اليهودي فلافيوس يوسفيوس ) بالإضافة إلى تلميحات عن غزو مصر . انتهى حصار القدس باحتلالها في سنة 586 / 587  و سَبْي ِ مواطنيها البارزين ، مع حدوث سبي آخر في سنة 582 . و في هذا المجال اتبع نبوخذنصر الأساليب التي كان أسلافه الآشوريون قد اتبعوها من قبل .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;   كما اتبع نبوخذنصر ، و هو مدرك تماماً لما يفعل ، سياسة توسعية ، متأثراً بالتقاليد الإمبراطورية الآشورية ، مدعياً أنه مخوَّل من الملكوت العالمي لمردوك ، و مصلياً من أجل  &amp;quot; أن لا يكون له معارض من أفق الأرض حتى السماء &amp;quot; . و تذكر بعض الرُقـُم المسمارية أنه حاول في سنة 567 / 568 غزو مصر ، الأمر الذي مثل ذروة سياسته التوسعية .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;بالإضافة إلى كونه مخططاً تكتيكياً واستراتيجياً بارعاً اشتهر نبوخذنصر أيضاً في مجال السياسة الدولية ، كما يتبين ذلك من إرساله سفيراً ( لعله نبونائيد ، أحد خلفائه ) للتوسط بين الميديين و الليديين في آسيا الصغرى . و توفي في حوالي سنة 561 و خلفه ابنه أويل – مردوك (المذكور في سفر الملوك الثاني) .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;   وفيما عدا كونه قائداً عسكرياً ، كان النشاط الرئيسي الذي مارسه نبوخذنصر هو إعادة إعمار مدينة بابل . إذ أتمَّ  ووسَّع التحصينات التي كان والده قد بدأ بإنشائها ، وبنى خندقاً كبيراً وسوراً دفاعياً  خارجياً ، وعبَّد بحجر الكلس شارع الموكب المخصص للاحتفالات ، وأعاد بناء وتزيين المعابد الرئيسية ، وحفر القنوات . كما إنه زعم أنه &amp;quot; الرجل الذي علَّم الناس كيف يقدسون الآلهة الكبرى &amp;quot; ، واحتقر أسلافه الذين بنوا لهم قصوراً في أماكن أخرى غير مدينة بابل ولم يزر تلك الأماكن إلا في أعياد رأس السنة . لا يُعرف الكثير عن حياته العائلية إلا تلك الرواية التي تذكر أنه تزوج من أميرة ميدية ، دفعه حنينها إلى موطنها الأصلي أن يبني لها جنائن تشبه التلال . ولم يُحدَّد بدقة موضع البناء الذي يمثل هذه الجنائن المعلقة لا في النصوص المسمارية ولا في البقايا الآثارية . وبالرغم من الدور الفاجع الذي لعبه نبوخذنصر في تاريخ مملكة يهوذا ، غير أن الروايات اليهودية نظرت إليه نظرة إطرائية في الغالب . فقد زُعِم أنه أمر بحماية إرميا ، الذي اعتبره أداة الرب لمعاقبة العصاة ، وعبَّر النبي حزقيال عن وجهة نظر مشابهة بخصوص الهجوم على مدينة صور . و في الأبوكريفا في الفصل الأول من سفر عزرا هناك موقف مماثل من نبوخذنصر ، حيث اعتـُبـِر أداة الرب ضد الخاطئين ، وفي سفر باروك اعتـُبـِر الحامي الذي تجب الصلاة لأجله . وفي سفر دانيال ( في العهد القديم ) في قصة بال والتنين ( وهي من الأبوكريفا ) يظهر نبوخذنصر باعتباره رجلا ً يحبذ انتصار الحق والدفاع عن  الرب ، ولكن المستشارين السيئين يضللونه .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;   ليس ثمة تأكيد مستقل للرواية الواردة في سفر دانيال والتي تحدثت عن إصابة نبوخذنصر بالجنون لسبع سنوات ، ولعل هذه الرواية نشأت من تفسير مبني على فهم خاطئ للنصوص المتعلقة بما حدث في أيام نبونائيد ، الذي أبدى انحرافاً واضحاً بهجره مدينة بابل لعقد من الزمن قضاه في بلاد العرب .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;في أيامنا هذه يُنظر إلى نبوخذنصر باعتباره فاتحاً ملحداً ؛ وتعقد المقارنات بينه وبين نابليون . وقصة نبوخذنصر هي الأساس الذي بنيت عليه أوبرا &amp;quot; نابوكو &amp;quot; التي وضعها جوزيبي فيردي ، كما إن جنونه المفترض هو الفكرة الأساسية في لوحة &amp;quot; نبوخذنصر &amp;quot; التي رسمها وليم بلايك .&lt;br/&gt;</description>
    </item>
    <item>
      <title>سميراميس &#13;الملكة الاسطورة التي تناساها احفادها العراقيون !!</title>
      <link>http://www.syriacstudies.com/AFSS/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A1/Entries/2009/5/27_%D8%B3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%B3___%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%84%D9%83%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%B7%D9%88%D8%B1%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A_%D8%AA%D9%86%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D9%87%D8%A7_%D8%A7%D8%AD%D9%81%D8%A7%D8%AF%D9%87%D8%A7_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A%D9%88%D9%86_%21%21.html</link>
      <guid isPermaLink="false">c99952b5-cee8-49b6-97d6-a48fbb0fcdfb</guid>
      <pubDate>Wed, 27 May 2009 20:31:14 -0400</pubDate>
      <description>&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;مكي جاسم ـ ستوكهولم&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;سميراميس الهة شمسية يتعبدها العراقيون&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;ان اسطورة سميراميس دليل ساطع وفاجع على مدى تناسي العراقيين لتاريخهم . فهذه الاسطورة التي خلبت ألباب البشرية وفرضت حضورها في الأدب وفي التاريخ وفي الرسم وفي الموسيقى وفي السينما وفي المسرح وفي السحر وفي السياحة ، اي في كل مجالات الحياة في العالم اجمع ، إلا العراقيون احفادها فقد تناسوها، فهم يتذكرونها اقل بكثير ممن يتذكرون بلقيس ملكة اليمن ، على سبيل المثال ؟؟؟!!!&lt;br/&gt;لقد خلبت حكاية سميراميس هذه الملكة العراقية ألباب الناس في العالم أجمع على مر 		ّالقرون منذ اكثر من الفي عام .  فهي تشتهر بالجمال والقوة والحكمة وبقدرتها الفائقة على ادارة الدولة وقيادة الحروب والتوسع بالفتوحات وروح الاصلاح والتعمير . تنسب لها الاساطير بانها هي التي شيدت بابل بحدائقها المعلقة ، وانشأت العديد من المدن  وغزت مصر وجزءاً كبيراً من آسيا والحبشة ، وحاربت الميديين ، وأخيراً قادت هجوماً غير ناجحاً على الهند كاد يؤدي بحياتها .  &lt;br/&gt;ما لا يحصى من كتب البحث والروايات التي صدرت عن سميراميس&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;اما في العصور الحديثة فان صيتها لم يتوقها ، حيث انجزت عنها العديد من الكتب والروايات والاوبرات العالمية والمسرحيات ، ولم تبخل عليها هوليود باكبر افلامها. ويحمل اسم  سميراميس  في جميع انحاء العالم وفي جميع اللغات ما لايحصى من المراكز السياحية والفنادق ودور التجميل والانوثة والمتعة . يصفها الكاتب ويفي ميليفل في ثنايا روايته  ساركادون . . اسطورة الملكة العظيمة : كانت فائقة الجمال ، لا شك في الامر ، ذلك الجمال الذي تعجز الكلمات عن وصفه ، انه الجمال المنتصر، ليس باقل من الجمال الذي  يذعن له الآخرون رغماً عن ارادتهم   .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;مدالية اوربية تمثل سميراميس&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;كانت تشتهر بأن لها قوة خارقة كبطلة عراقية إذ تكاد ان تكون الرديف الانثوي للبطل الذكوري  كلكامش . كانت تمتلك عيون ساطعة رغم كثافة رموشها و نظراتها الودودة ، لكن يشع منها وهج عبقرية القائد الذي يستطيع ان يأمر جيشا و يؤسس امبراطورية . ان شخصيتها الخلابة المهيمنة جعلتها تكتسب شهرة ذائعة الصيت حتى ان ماركريت  ملكة الدانمارك والسويد والنرويج  1353-1412 و كذلك  كاترين الثانية  قيصرة روسيا 1729-1796 صنفتا كليهما على انهما سميراميس اوروبا .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;بوستر الماني قديم يصور سميراميس في الجنائن المعلقة&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;انتشار الاسطورة&lt;br/&gt;   حسب الاسطورة ان اسم سميراميس يعني الحمامة ، واطلق عليها هذا الأسم لأن االحمائم احتضنتها عند مولدها وورعتها وأشرفت على غذائها . . وتحكي الاسطورة انه انسابت سيول عارمة ذات يوم على منابع نهر الفرات ففاض النهر وتدفقت مياهه وخرجت الأسماك تستلقي على الشاطئ . وكانت بين تلك الأسماك سمكتان كبيرتان سبحت الى وسط النهر وبدأتا بدفع بيضة كبيرة طافية على السطح الى ضفة الفرات ، واذ بحمامة بيضاء كبيرة تهبط من السماء وتحتضن البيضة بعيداً عن مجرى النهر . ورقدت الحمامة على البيضة حتى فقست ، ومن داخل البيضة خرجت طفلة رائعة الجمال وحولها أأسراب من الحمام ترف بعضها عليها بأجنحتها لترد عنها حر النهار وبرد الليل . ثم بدأت الحمائم تبحث عن غذاء للطفلة ، فاهتدت إلى مكان يضع فيه الرعاة ما يصنعون من جبن وحليب فتأخذ الحمائم منها بمقدار ما تحمل مناقيرها، لتقدمه للطفلة التي عاشت مع حمائمها سعيدة لا تعرف أبداً طعم الشقاء .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;اسطوانة اوبرا  سميراميس &lt;br/&gt; للموسيقار الايطالي روسيني Gioacchino Rossini 1792-1868 &lt;br/&gt;       وقد تنبه الرعاة إلى جبنهم المنقور وحليبهم المنقوص، فقرروا ترك أحدهم ليراقب المكان وشهد الراعي الحمائم وهي تحط حول الجبن وتلتقط قطعه الصغيرة ، وتملأ مناقيرها بالحليب وتطير به إلى مكان ليس ببعيد ، فأخبر الراعي رفاقه فتبعوا الحمائم حتى وصلوا إلى حيث صبية ذات جمال رائع ، فأخذوها إلى خيامهم، واتفقوا على أن يبيعوها في سسوق نينوى العظيم . وفي صبيحة ذات يوم حملوا الفتاة وقد اطلقوا عليها اسم سميراميس إلى سوق نينوى . واتفق أن كان ذلك اليوم يوم موسم للزواج الذي يقام كل عام ، حيث تجتمع في السوق الكبير جموع الشبان والشابات قادمة من كل نواحي المملكة، لينتقي كل شاب عروساً شابة ، أو ينتقي صبية يحملها إلى داره فيربيها إلى أن تبلغ سن الزواج فيتزوجها أو يقدمها عروساً لأحد ابنائه . كانت ساحة سوق نينوى تغص بالشيوخ الكهول والشبان . دخل الرعاة بالصبية الصغيرة الحسناء إلى حيث يعرضونها للبيع . جلس الرعاة مع الصبية في أول الصف ، فشاهدهم سيما ناظر مرابط خيول الملك ، وكان عقيماً لا ولد له ففهفا قلبه إلى سميراميس ورغب في تبنيها . ودعا سيما الرعاة وساومهم على ثمنها ، وعندما تمت الصفقة ، عاد بها إلى منزله . ما أن رأت زوجته هذه الصبية ذات الجمال الرائع حتى فرحت فرحاً غامراً واعتنت بها عنايتها بابنته ، وظلت ترعاها حتى كبرت واستدارت وبرزت أنوثتها كأجمل ما تكون النساء!&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;رسم ايطالي بصور سميراميس رمز الامومة&lt;br/&gt;وهي تحمل تموز اشبه بالسيدة مريم العذارء&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;و في يوم ما كان اونس مستشار للملك ، يتفقد الجمهور المحتشد بأمر من الملك واذا بعينه تقع على سميراميس وهي الآن في عمر مناسب للزواج ، فيصعق مذهولا من جمالها وبراءتها . فقام باخذها معه الى نينوى و تزوجها هناك ، و صار لهما طفلين ربما توأمين هما هيفاتة و هيداسغة . يبدو أنهما كانوا سعداء ، كانت سميراميس فائقة الذكاء حيث كانت تقدم لزوجها النصح والمشورة في الامور الخطيرة فأصبح ناجحاً في كل مساعيه . اثناء ذلك كان ملك نينوى ينضم حملة عسكرية ضد الجارة باكتريا ، فأعد جيشاً ضخماً لهذا الغرض لأنه كان يدرك  صعوبة الاستيلاء عليها . بعد الهجوم الاول استطاع ان يسيطر على البلد برمته ما عدا العاصمة باكترا التي صمدت . شعرالملك  بالحاجة الى اونس و لذا ارسل في طلبه ، لكن اونس لا يريد مفارقة زوجته الحبيبة فسألها ان كانت ترغب في مرافقته ، ففعلت .&lt;br/&gt; هناك بعد ان تابعت سميراميس سير المعارك و درستها بعناية و ضعت العديد من الملاحظات عن الطريقة التي  يدار بها الحصار . فبما ان القتال كان  يجري في السهل فقط وان كل من المدافعين والمهاجمين لم يعروا القلعة اهمية ، طلبت  سميراميس ارسال مجموعة من الجنود المدربين على القتال في الجبال ، الى المرتفع الشاهق الذي كان يحمي الموقع . ففعلوا ذلك ملتفين حول خاصرة العدوالمدافع وهكذا وجد الاعداء انفسهم محاصرين و لا خيار لهم سوى الاستسلام .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;لوحة عالمية تصور سميراميس تشرف على بناء بابل&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;في ثنايا هذه الاحداث صار الملك  نينوس  شديد الاعجاب بسميراميس لما ابدته من شجاعة ومهارة لحسم المعركة . منذ اللحظة اخذ الملك يتمعن في وجهها الساحر و جمالها المدهش،  فادرك ان قلبه غير قادر على مقاومة سحرها ، و لذا طلب منها ان تكون زوجته وملكته . ثم عرض على اونس ان يأخذ ابنته بدلا عنها ، الا ان اونس رفض ذلك . مما حدا بالملك ان يهدده بقلع عينيه ، وتحت وطأة الخوف واليأس استسلم اونس لمطلب الملك ،  غير انه انهى حياته بعد فترة وجيزة من زواجها من الملك .  هكذا افلح نينوس بالزواج من  سميراميس  وصار لهم طفلا اسمياه  نيناس  . بعد موت الملك اعتلت العرش كملكة لنينوى عاصمة بلاد النهرين .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;مدينة سميراميس حسب الخيال الالماني القديم&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;حسب الاسطورة الرائجة ، دام حكمها 42 عاما ، لكن الواقع انها كانت تحكم سوية مع زوجها الملك ، فقط السنوات الخمس الاخيرة حكمت بمفردها بعد وفاة زوجها . و قد بدأت حكمها ببناء ضريح فخم في نينوى تمجيداً لزوجها الملك نينوس . وتنسب اليها الاسطورة الشعبية بانها هي التي بنت مدينة بابل ، حيث شرعت بعزيمة لا تنثني بحملة واسعة النطاق ببناء مدينة لنفسها ليس بعيدا عن نينوى ، هذه المدينة الجديدة هي  بابل . و قد استخدمت لهذا الغرض اكثر من مليوني عامل طبقاً لما يقوله المؤرخ الاغريقي ديودروس ، جالبة اياهم من كل ارجاء الامبراطورية المترامية الاطراف لانجاز هذه المهمة الضخمة . ان محيط السور وحده كان حوالي 66 كيلومترا طولاً ، اما عرضه فقد كان بامكان 6 عربات تجرها خيول  بالمرور فوقه وهي تسير جنبا الى جنب ، وارتفاعه حوالي100 متر . تم تشييد 250 برج لحماية المدينة ،  واقيم كذلك جسر بطول 900 متر على نهر الفرات الذي كان يمر وسط المدينة . وقد اقيمت عند نهاية كل جسر قلعة محصنة كانت الملكة تستخدمها كدار استراحة ، هذه القلاع كانت متصلة بعضها ببعص عبر ممرات سرية تحت النهر . وفي هذه لفترة نفسها بنيت الحدائق المعلقة الشهيرة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;  هنالك العديد من الافلام التي  انتجت عن سميراميس&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;ثم اخذت جيوش العراقيين في السنوات اللاحقة بالتوغل بعيدا في آسيا ، وهناك اشادت الملكة متنزه فسيح مقابل جبل باجستان ، و عدد آخر من النوافير المزخرفة عند ايكافاتانا . وقد فاقت شهرتها اي من النساء المقاتلات في تلك العصور . يقال ان سميراميس كانت مسؤولة عن نشؤ العديد من مدن العالم القديم والتي أقيمت على نهري دجلة والفرات ، وكذلك عن اقامة العديد من اجمل واروع الاضرحة الفريدة والمواقع النادرة الاخرى في كل آسيا . أما عسكرياً فقد استولت على ميديا واخضعت مصر والجزء الاكبر من الحبشة ، و كذلك قامت بحملة لاخضاع الهند، فانشأت جيشاً جراراً لهذا الغرض ونجحت في عبور نهر السند ، لكن جيشها جوبه بأعداد هائلة من الفيلة المدربة مما افزعوا الخيل والجند ، وانسحب جيشها فاراً و تعرضت هي نفسها لطعنة كادت تودي بحياتها ، وتمكنت بعد جهد شاق من عبور النهر ، و هنا امرت بتدمير الجسر الذي اشادته كي لا يستطيع العدو من العبور عليه لملاحقتها .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;تمثال عالمي لسميراميس&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;الاصل التاريخي للاسطورة&lt;br/&gt;من الواضح ان معظم هذه الانجازات قد نسبتها خطأ الاسطورة الى  سميراميس ، فليست هي التي بنت بابل ، ثم ان الملك العراقي نبوخذنصر هوالذي اشاد هذه الحدائق تلبية لرغبة زوجته الميدية .&lt;br/&gt; يبدو ان اسم سميراميس هوالتحرف الاغريقي للاسم العراقي سمورامات وهي ملكة حقيقية مقدسة ، وهي ام الملك الآشوري  اداد – نيناري الثالث الذي حكم بين 810- 783 قبل الميلاد و زوجة الملك شمشي – اداد الخامس ، حكم بين   823 – 811 قبل الميلاد ، و هو بدوره ابن شلمنصر الثالث وقد حكم بين 859 – 824 قبل الميلاد ، و قد تميز حكمها بالغلاظة خاصة بين 810- 805 قبل الميلاد .                                                                                      &lt;br/&gt;من المؤكد ان هذه الحكاية الاسطورية  مقتبسة من شخصية حقيقية هي الملكة العراقية سمورات . بعد ذلك بقرون طويلة حرّف الاغريق هذا الاسم الى سميراميس . وهي أصلها من منطقة بابل ، وتزوجت من ملك  نينوى  شمسو حدد الخامس 823-811 ق .م  . بعد ان توفى زوجها لم يكن يبلغ ابنها ولي العهد حدد نيراني 811-783ق م  سن الرشد ، فاستلمت زوجته سمير امات المملكة والحكم&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;سيمراميس  الهة السحر والغموض  رسم حديث &lt;br/&gt; &lt;br/&gt;وأصبحت وصية على عرش ولدها لمدة 5 سنوات حتى بلغ سن الرشد . صحيح انها استلمت الحكم رسمياً لفترة خمسة سنوات ، الا انها كانت تشارك بالحكم منذ ايام زوجها وكذلك مع ابنها . ان شخصيتها القوية وذكائها الحاد وجمالها الاخاذ جلعلها تفرض سطوتها طويلاً وتمسك بتلابيب دولة بلاد النهرين طيلة عشرات السنين . و قد عثر على نقش حجري تذكاري في  مدينة آشور واخر في  كالح  تصور فيه  على انها الملكة التي حكمت خلفا لزوجها المتوفى . لم تكتف هذه المرأة العظيمة بالسلطة السياسية وإدارة شؤون البلاد بل تعدتها إلى التأثير في الحياة الدينية والفكرية والاجتماعي . فهي رغم انها تشارك سكان آشور بالحضارة العراقية المشتركة ، الا ان اصلها الجنوبي منحها بعض الخصوصيات المذهبية والثقافية حيث تمكنت ان تشيع مثل هذه المؤثرات البابلية على طريقة الحكم وعلى الكهنوت الآشوري وعلى عموم الحياة في نينوى .  فأضفت نوعا من الرقة والروحانية الجنوبية على المذهب الآشوري الذي كان يتسم اكثر في تقديس الفحولة المتمثل بالاله آشور وكذلك الميل الى منطق القوة الحرب . بل حتى انها نجحت بابراز ادوار آلهة كانت ثانوية عند الآشوريين مثل اله الحكمة نبو . لقد ملكت سمورامات كالملوك العظام ، حيث أقامت مسلة لتخلد ذكرها في ساحة المسلات في معبد آشور ، وقد سجل على هذه المسلة العبارة التالية : مسلة سمورامات ملكة سيد القصر – شمس حدد ملك الكون ملك آشور والد حدد نيراني ملك الكون ملك آشور وكنة شلما نصر ملك الجهات الاربعة . .  &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;منحوتة حديثة لسميراميس&lt;br/&gt; &lt;br/&gt; يعتقد ان سمورامات ، قد حكمت بصورة مباشرة او غير مباشرة طيلة  42 سنة ، وقامت بمشاريع عمرانية واسعة واهمها بناء مدينة آشور بمعابدها وقصورها الضخمة واحاطتها بالاسوار العالية . من الاعمال الجبارة التي قامت بها هذه الملكة بناء نفق مقبب من الحجر تحت مجرى نهر دجلة ليوصل طرفي المدينة .  كذلك قامت بعد ذلك بفتوحات كثيرة استطاعت ان تسيطر على مصر وبلاد الشام وبلاد ميديا، ويعتقد انها ربما قد بلغت الهند .              &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;Mesopotamia.com</description>
    </item>
    <item>
      <title>الاحوال الشخصية في شريعة حمورابي</title>
      <link>http://www.syriacstudies.com/AFSS/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A1/Entries/2009/5/6_%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AD%D9%88%D8%A7%D9%84_%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%AE%D8%B5%D9%8A%D8%A9_%D9%81%D9%8A_%D8%B4%D8%B1%D9%8A%D8%B9%D8%A9_%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%B1%D8%A7%D8%A8%D9%8A.html</link>
      <guid isPermaLink="false">4a272c6f-45da-4fa3-9ced-8c5239c0d28c</guid>
      <pubDate>Wed, 6 May 2009 11:18:50 -0400</pubDate>
      <description>اعداد / طارق كامل - بغداد&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;حمورابي يستلم شريعته من الاله شمش اله الشمس ونور الحكمة..&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;تعتبر شريعة حمورابي من أول الشرائع في تاريخ البشرية . وهي دليل على مدى تعلق الروح العراقية بالقوانين والحاجة الى قواعد تساعدهم على مواجهة مصاعب الحياة . أن حمورابى1795 - 1750م كان الملك الذى أسس عظمة بابل ، وهي العاصمة الأولى فى التاريخ . العديد من آثار عهد حمورابى تم الإحتفاظ بها ، ويمكننا اليوم دراسة سيرة هذا الملك العظيم...&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;      يمثل تشريع حمورابى المصدر الأكثر أهمية لدراسة الحياة   والاجتماعية للمملكة البابلية . نقش التشريع على حجر تذكاري أسود ، وكرَّس بكامل الوضوح ليكون مقروءاً للناس. فى الجزء الأعلى للحجر التذكاري صور الملك متربعاً على كرسي العرش بينما غطيت الأجزاء المتبقية كلها بنص بالكتابة المسمارية القديمة يتكون من 247 مادة قانونية. مسحت خمسة أعمدة ، إحتمالاً ، من قبل أحد الغزاة العيلاميين الذى حمل هذا الحجر التذكاري المشهور غنيمة الى سوسه حيث تم العثور عليه فى 1910 . إلاّ أن النقص فى النص والناجم عن عملية المسح قد أصبحت إعادة تركيبه ممكنة بفضل نسخ التشريع التي تم الكشف عنها والتي كانت مخصصة للكتبة والقضاة لإستخدامها مراجع للدراسة أو دليلاً للإجراءات القضائية . علما بأن هذه الشريعة اعتمدت على ما سبقها من قوانين عراقية بدأ سنَّها منذ فترة السومريين. &lt;br/&gt; &lt;br/&gt;الزواج &lt;br/&gt;أول ما تعالج هذه الشريعة هي مسألة الزواج . انه فى الأساس عقد بين رجل وامرأة معاً . زواج الفتيان والفتيات عادة ما يكون أمراً يرتبه الأقرباء ، يقدم والد العريس سعر العروسة والذى يقدمه الخطيب مع هدايا أخرى فى إحتفال الى والد العروسة . عادة يقدم والد العروسة سعر الزواج لها فى ليلة الزفاف ، ومن ثم يكون قد رجع مجدداً الى ملكية العريس سوياً مع مهرها والذى كان نصيبها بوصفها ابنة . يختلف سعر الزواج إختلافاً كبيراً حسب وضعية الطرفين لكنه يكون أعلى من الذي يدفع لشراء عبد. ثبت التشريع أن الوالد بعد أن يكون قد قبل هدايا الرجل، إذا رفض إعطاء ابنته ، عليه أن يعيد الهدايا مضاعفة . حتى إن كان القرار بفعل تشهير من طرف صديق الخطيب المتقدم ، فإنَّ التشريع يثبت عدم صلاحية زواج الفتاة من ذلك الصديق غير الوفي . إذا غير الخطيب رأيه فسيخسر هداياه . قد يشمل المهر ضيعة ، لكنه عادة يتألف من مستلزمات شخصية وأثاث منزلي . يظل المهر ملكاً للزوجة على مدى الحياة ، ويؤول الى أطفالها،  إن وجدوا ؛ خلاف ذلك يعود الى أسرتها، حينها يجوز للزوج أن يقتطع سعر الزواج إن لم يكن قد سلم لها ، أو يرجعه إذا كان قد سلم لها . إحتفال الزواج بما فى ذلك مسك الأيدي والنطق ببعض العبارات الدالة على القبول من جانب العريس ، مثل &amp;quot; أنا ابن النبلاء ، والفضة والذهب سأملأ أحضانك ، فلتكونى زوجة لي ، سأكون زوجاً لك . مثل فاكهة البستان سأمنحك نسلي &amp;quot; . لا بدَّ أن تجري الطقوس من قبل شخص حر.&lt;br/&gt;عادة يذكر عقد الزواج ، الذي يثبت التشريع أنه بدونه لا تصبح المرأة زوجة،  العواقب التي تترتب على الطرفين في حالة إنكار أحدهما للآخر . ليس بالضرورة أن تتوافق تلك مع التشريع . العديد من الشروط قد يتم تضمينها في العقد : مثل أن تعمل الزوجة خادمة لأم زوجها ، أو للزوجة الأولى. يؤلف الزوجان وحدة فيما يتعلق بالمسؤوليات الخارجية، وخاصة الدَين. فالرجل مسؤول عن الديون التي تعاقدت عليها زوجته، حتى قبل زواجها ، الى جانب المسؤولية عن ديونه الشخصية ؛ لكنه يستطيع أن يقدمها رهينة لسداد تلك الديون . وبالتالي يسمح التشريع بإضافة شرط في عقد الزواج، بأن لا يستحوذ على الزوجة نتيجة ديون سابقة على زوجها،  لكن التشريع ثبت أنه في تلك الحالة لن يكون الزوج مسؤولاً عن ديونها السابقة ، وأنهما ، فى كل الأحوال ، مسؤولين سوياً عن كل الديون المتعاقد عليها بعد زواجهما . يمكن للرجل أن يقيم لها مسكناً ، وهو ما يعطيها مصلحة في جزء من ممتلكاته ، وقد يمنحها حق أن تورثه لطفلها المفضل ، لكنه لا يمكنها في أي ظرف أن تتركة لأسرتها . ومع أنها تظل وهي متزوجة عضواً في منزل والدها ، نادراً ما تسمى زوجة فلان ، بل عادة بنت فلان أو أم فلان. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;نوعية الزواج&lt;br/&gt;كان الزواج ( ألاُحادي ) هو السائد،  وإمرأة بلا طفل يمكنها أن تمنح زوجها جارية ( لاتكون زوجة ) لتنجب له أطفالاً ، يعدون أطفالاً لها هي لا للجارية . تظل هي سيدة على جاريتها وقد تعيد إنزالها الى مرتبة العبودية في حالة وقاحتها ، لكن لا يمكنها بيعها إذا كانت قد أنجبت لزوجها أطفالاً . إذا فعلت الزوجة ذلك ، فإنَّ التشريع لا يسمح للزوج بإتخاذ محظية . إذا لم تفعل ، فيمكن له أن يقتنى محظية . (ا لمحظية هى زوجة ) ، لكنها ليست في المرتبة نفسها ؛ ليس للزوجة الأولى سلطة عليها . المحظية إمرأة حرة ، يدفع لها مهر زواج ، ويكون أطفالها شرعيون . يمكن تطليقها فقط بذات شروط تطليق الزوجة . إذا أصبحت الزوجة معاقة إعاقة دائمة ، فيتوجب على الزوج أن يبقيها في المنزل الذي أسساه سوياً ، إلاّ إذا فضل أن تأخذ مهرها وترجع الى منزل والدها ؛ لكن له الحرية في أن يتزوج ثانية . في كل تلك الحالات يكون الأطفال شرعيون ولهم حق الإرث قانوناً.&lt;br/&gt;ليس هناك عائق يمنع الرجل من أن ينجب أطفالاً من جارية . يكون أولئك الأطفال ، على كل حال ، أحراراً ولايمكن بيع والدتهم ، مع أنها يمكن رهنها، وتصبح حرة بوفاة سيدها.  أولئك الأطفال يمكن تثبيت شرعيتهم بإعتراف والدهم أمام شهود ، ويتم عادةً تبنيهم . بذلك يصبح لهم الحق المتساوي فى ممتلكات والدهم ، لكن إذ لم يتم تبنيهم ، فإنَّ أطفال الزوجة يقتسمون الممتلكات وتكون لهم فرصة الإختيار الأولى. &lt;br/&gt;الراهبات العذارى لا يفترض أن يكون لديهن أطفال ، مع ذلك يمكنهن ذلك وكثيراً ما يتزوجن . يشير التشريع الى أن زوجة من هذا النوع يمكنها أن تمنح زوجها جارية كما أسلفنا . يمكن للمرأة الحرة أن تتزوج عبداً ويقدم لها مهر . يكون الأطفال أحراراً ، وبموت العبد تأخذ الزوجة مهرها ونصف ما إقتنته هي وزوجها ، ويأخذ سيد العبد النصف الآخر بوصفه وريثاً لعبده.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;الطلاق&lt;br/&gt;كان الطلاق إختيارياً بالنسبة للرجل ، لكن عليه إعادة المهر ، إذا كانت الزوجة قد أنجبت أطفالاً فإن لها حق رعايتهم . عليه في هذه الحال أن يخصص لها دخلاً من الحقل أو البستان ، الى جانب البضائع ، لتعيل نفسها وأطفالها الى حين أن يكبروا . من ثم تقتسم معهم بالتساوي العلاوة ( ويظهر كذلك في ضيعته عند وفاته ) ولها الحرية في الزواج مجدداً . إذ لم يكن لها أطفال ، فإنه يعيد اليها المهر ويدفع لها قيمة تعادل سعر الزواج ، أو مينا فضة . الأخير عبارة عن عقوبة مسماة  في عقد الزواج لتنكره لها.&lt;br/&gt;إذا كانت زوجة سيئة ، سمح له التشريع إستبعادها ، في حين يبقى الأطفال ومهرها؛ أو أنه يحق له إنزالها الى وضع جارية في منزله الخاص ، حيث تنال الطعام والملبس.  يحق لها أن تقيم عليه دعوى متهمة إياه بالقسوة والإهمال ، وإذا أثبتت صحة دعواها تكسب إنفصالاً شرعياً وتأخذ معها مهرها . لا ينال الرجل عقاباً آخر . إذا لم تثبت دعواها، لكن إن أثبتت إنها إمرأة سيئة ، تغرق فى النهر . إذا تركت بدون ما يعيلها في أثناء غياب زوجها الإختياري فيمكنها أن تعايش رجلاً آخر ، لكن عليها الرجوع الى زوجها حين عودته ، في حين يبقى الأطفال من المعايشة الثانية مع والدهم الفعلي . إذا كان لديها ما يعيلها ، فإنَّ خرق العلاقة الزوجية يعد بمثابة زنا . الهجران الإختياري أو النفي من قبل الزوج يبطل الزواج ، وإذا عاد الزوج مجدداً فليس لديه الحق في إدعاء ملكيتها ؛ إحتمالاً حتى ملكيته الشخصية.&lt;br/&gt;كأرملة ، تأخذ الزوجة مكان زوجها في الأسرة ، تعيش في منزله وتربي الأطفال.  يمكنها أن تتزوج مجدداً فقط بإستشارة قانونية ، حينها يتوجب على القاضي أن يجرد ممتلكات الزوج المتوفي ويسلمها لها ولزوجها الجديد بوصفها أمانة للأطفال . لا يمكنهما استبعاد أية أداة . إذ لم تتزوج ثانية ، فإنها تعيش فى منزل زوجها وتأخذ نصيب طفل في حالة تقسيم الممتلكات ، عندما يكبر الأطفال.  تظل تحتفظ بمهرها وأي عقار وهبه إياها زوجها . الملكية ترجع الى أطفالها . إذا تزوجت مجدداً ، يشترك معها بالتساوي كل أطفالها في مهرها ، لكن هبة الزوج الأول تعود الى أطفاله أو الى من تختارهم هي من بينهم ، إذا كان مخولاً لها. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;الابناء&lt;br/&gt;يكون للوالد السلطة على أطفاله الى حين أن يتزوجوا . له الحق في مردود عملهم نظير إعالتهم . يمكن أن يؤجرهم ويقبض مرتباتهم،  ويرهنهم سداداً لدين ، بل حتى بيعهم مباشرة،  للامهات الحقوق نفسها في حالة غياب الأب،  حتى الإخوة الكبار عندما يكون الوالدان متوفيان . الأب لا إدعاء له على الأطفال المتزوجين في المساعدة ، لكنهم يحتفظون بحق وراثته بعد موته. &lt;br/&gt;الابنة ليست تحت سيطرة والدها فيما يتعلق بالزواج فحسب ، لكنه يحق له تكريسها لخدمة إله ما كراهبة أو جارية معبد ، أو يقدمها محظية . لا خيار لها في تلك المسائل ، والتي تقرر كثيراً منذ طفولتها . قد ترغب الفتاة أن تصبح منذورة ، إحتمالاً بدلاً عن زواج غير مناسب ، ويبدو أن أباها لايمكنه رفض رغبتها . في كل تلك الحالات فإن الأب يعطيها مهرها . إذا لم يفعل ، فإنه يتوجب على إخوتها بعد وفاة والدهم أن يفعلوا ذلك، بإعطائها نصيب طفل كامل إذا كانت زوجة أو محظية أو راهبة عذراء ، ولها ثلث نصيب طفل إذا كانت جارية معبد أو كاهنة لمردوك.  الأخيرة لها إمتياز الإعفاء من مستحقات الدولة والتصرف المطلق فى ممتلكاتها . كل البنات الأخريات لهن حق الإستفادة في حياتهن من مهورهن ، والتي ستعود الى الأسرة ، إذا لم ينجبن أطفالاً ، أو تذهب الى أطفالهن أن كان لهن أطفال . يحق للأب أن ينفذ وصية تمنح البنت سلطة ترك ممتلكاتها الى أخ مفضل أو أخت مفضلة . ملكية الابنة عادة ما يرعاها أخوانها ، لكن إذا لم يرضها ذلك فلها حق تعيين وكيل . إذا تزوجت يصبح زوجها مديراً على ممتلكاتها.&lt;br/&gt;يبدو أن الابن هو الآخر ينال نصيبه حين يتزوج ، لكنه لا يترك دائماً منزل والده ، بل قد يأتي بزوجته اليه . كان هذا عادياً في حالة زواج الأطفال.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;التبني&lt;br/&gt;كان التبني أمراً شائعاً ، بخاصة عندما يكون الأب ( الأم ) بلا أطفال أو عاش ليشاهد كل ابناءه يتزوجون ويرحلون بعيداً عنه . يتم تبني الابن عندها ليرعى أبويه كبار السن . يتم ذلك عن طريق عقد ، يحدد عادة ما على الأبوين أن يتركاه له وأي خدمات متوقعة.  الأطفال الحقيقيون ، إن وجدوا، يكونون عادة أطراف قبول لترتيب يستبعد تطلعاتهم. إذا فشل الطفل المتبنى في القيام بمهامه يمكن الغاء العقد عن طريق محكمة قانوني ة. العبيد كثيراً ما يتم تبنيهم وفى حالة فشلهم يتم إنزالهم مجدداً الى مرتبة العبودية.&lt;br/&gt;عادة ما يتبنى الحرفي ابناً ليعلمه المهنة.  يستفيد بعمل الابن . إذا فشل في تعليم ذلك الابن المهنة ، فإن للابن الحق في مقاضاته والغاء العقد. كان هذا نوع من الصنعة، وليس واضحاً إن كان للصانع أي علاقة أبوية . &lt;br/&gt;الرجل الذي يتبنى ابناً ، ويتزوج فيما بعد وتكون له أسرته الخاصة ، يمكنه أن يفسخ العقد لكن عليه أن يعطي الطفل المتبنى ثلث نصيب طفل من البضائع ، لكن ليس من الممتلكات الثابتة . ذلك يمكن أن يجيء اليه من الأسرة التي لم يعد منتمياً اليها . الراهبات العذارى كثيراً ما يتبنين بناتاً ، عادة راهبات،  وذلك لرعايتهن في شيخوختهن. &lt;br/&gt;التبني يجب أن يتم بالتشاور مع الأبوين الحقيقيين ، الذين عادة ما يكونان قد قدما للطفل خدمة ، وبالتالي ما عاد يمتلك إدعاءً تجاههما . إلاّ أن الراهبات ، وجاريات المعبد ، وبعض موظفي القصر والعبيد لا حقوق لهم على أبنائهم ومن ثم فلا مشكلة تواجههم . اللقطاء والأطفال غير الشرعيون لا آباء لهم ليعترضوا على مسألة تبنيهم . إذا اكتشف الطفل المتبنى والديه الحقيقيين وأراد الرجوع اليهما، فإن لسانه قد يقطع أو تقلع عينه . الطفل المتبنى وريث كامل ، وقد يحدد له العقد موقع الابن الأكبر . عادة ما يكون هو الوارث المتبقي.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;الميراث&lt;br/&gt;يقتسم الابناء الشرعيون بالتساوي ممتلكات الأب بعد وفاته ، مع الإبقاء فى الإحتياطي سعر الزواج للابن غير المتزوج،  والمهر للبنت أو الملكية الممنوحة للأطفال المفضلين من جانب الأب . ليس هناك وضعية مميزة للابن الأكبر بحق الميلاد، لكنه عادة ما يكون المنفذ وبعد أن يقدر ما ناله كل واحد يقوم بمساواة الأنصبة. بل قد يقدم منحاً من نصيبه الفائض الخاص الى الآخرين . عندما تكون هناك والدتان ، فإنَّ الأسرتين تقتسمان ممتلكات الأب بالتساوى حتى أزمان متأخرة لاحقة حيث أضحت الأسرة الأولى تأخذ الثلثين . البنات ، فى حالة غياب ابناء ، تكون لهن حقوق الابناء . يقتسم الأطفال أيضاً ممتلكات والدتهم ، لكن لا نصيب فى ذلك لزوجة الأب.&lt;br/&gt;فى الأزمان المبكرة كان يحق للأب أن يحرم ابناً من الميراث بدون قيود ، لكن التشريع أصرَّ على وجوب إستشارة قانونية ويشترط فى ذلك عقوق الابن . فى الأزمان المبكرة كان مثل هذا الابن المحروم من ميراث والده يتعرض لقص شعر مقدمة رأسه،  ووضع وشم العبودية على ذراعه ، ويمكن بيعه عبداً ؛ في حين أنه إذا أنكر أمه فيقص شعر مقدمة رأسه ، ويفرض عليه الدوران حول المدينة مثالاً وعليه أن يهجر المنزل ، لكنه لا ينزل الى مرتبة العبودية. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;العقوبات&lt;br/&gt;المبدأ الأساسي فى القانون الجنائي هو العين بالعين ، والسن بالسن ، والطرف بالطرف فى حالة الإعتداء . تمثل نوع من الإنتقام فى معاقبة الجاني فى قطع اليد التي تمتد على الأب أو تمتد لسرقة أمانة ؛ وفى قطع ثدي ممرضة مرضعة تستبدل طفل أوكل اليها بآخر ؛ وفى قطع لسان من ينكر أباه أو أمه ( في العقود العيلامية احتفظ بالعقوبة ذاتها للحنث بالقسم ) ؛ وفى فقدان العين التى تحدق فى أسرار محظورة. فقدان يد الجرّاح التى تسببت فى فقدان حياة أو طرف أو يد العبد عند إزالة وشم العبودية . العبد الذى يضرب حراً أو ينكر سيده ، يفقد أذناً ، وهى عضو السمع ورمز الطاعة . تعريض آخر لخطر الموت بفعل تهمة زور يعاقب بالموت . التسبب فى فقدان الحرية أو الممتلكات بفعل شهادة زور يعاقب الشاهد بنيل ذات العقوبة التى كان سينالها المجني عليه.&lt;br/&gt;تعاقب الخيانة الزوجية بالموت للطرفين عن طريق الإغراق فى النهر ، لكن إذا كان الزوج راغباً فى العفو عن زوجته ، يمكن للملك أن يتدخل للعفو عن العشيق . ممارسة النكاح المحرم مع الأم يؤدي الى حرق الطرفين حتى الموت ؛ ومع زوجة الأب يعاقب عليه بحرمان الابن من الميراث : ومع الابنة ينفى الرجل ؛ ومع زوجة الابن بإغراق الأب ؛ ومع خطيبة الابن بتغريم الأب . المرأة التى تسعى لموت زوجها من أجل عشيقها تعدم . الخطيبة التى يغويها والد خطيبها ، تأخذ مهرها وتعود الى أسرتها ، ولها الحرية فى أن تتزوج بإختيارها .&lt;br/&gt;وتكون عقوبة الحرق لمن ينكح أمه،  وللراهبة التى تفتتح حانة أو تدخلها ، وللسرقة فى حينها ؛ وتكون عقوبة الموت بالغرق على الخيانة الزوجية ، وعلى اغتصاب جارية مخطوبة ، والزواج من أكثر من إمرأة فى وقت واحد ، والسلوك غير السوي للزوجة ، وإغواء زوجة الابن.&lt;br/&gt;امتداد غامض للعقوبة هو موت ابن الدائن لتسبب الأب فى موت ابن المدين المرهون لديه ؛ وموت ابن البناء لتسبب الأب فى موت ابن صاحب المنزل بفعل سوء البناء : وموت ابنة الرجل بسبب أن والدها تسبب فى موت ابنة رجل آخر.&lt;br/&gt;العقود فى العادة لا تهتم بمثل قضايا الجرائم هذه الموضحة أعلاه ، لكن عقود الزواج تحدد الموت شنقاً ، وغرقاً ، ودفعاً من برج أو قمة معبد أو بسيف حديدي فى حالة نبذ زوجة لزوجها . لا نملك أية بينة على الطريقة التى نفذت بها تلك العقوبات .&lt;br/&gt;نفذ حكم النفي على جريمة النكاح المحرم مع الابنة ، والحرمان من الميراث فى حالة النكاح المحرم مع زوجة الأب أو السلوك العاق المتكرر . الإعتداء العنيف على من يرأس الفرد ، فى حالة أن يكون الجاني والمجني عليه من الاميلو ، كانت عقوبته ستون جلدة بصوت من جلد الثور . وكان الوشم ( إحتمالاً المساوي للإنزال الى مرتبة العبودية ) العقوبة المقررة على الإفتراء على إمرأة متزوجة أو راهبة . الفصل من المنصب مدى الحياة كان هو عقوبة القاضي المفسد . الإسترقاق كان عقوبة تطبق على الزوجة المبذرة والأطفال العاقين . كان الحكم بالسجن شائعاً ، لكنه غير معترف به طبقاً للتشريع.&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;المصادر&lt;br/&gt;ـ شريعة حمورابي : ترجمة ، تحقيق : محمود الأمين ـ دار الوراق للنشر ـ لندن ـ 2007&lt;br/&gt;ـ أوبنهايم ، ليو : بلاد ما بين النهرين ( لندن1964 ) ترجمة سعدي فيضي عبد الرزاق ، بغداد ،1981.&lt;br/&gt;ـ حمود ، حسين ظاهر : مكانة الأولاد في المجتمع العراقي القديم ، رسالة ماجستير غير منشورة ، جامعة الموصل ،1991.&lt;br/&gt;ـ ويكيبديا ـ حمورابي&lt;br/&gt;This article first appeared in Mesoptamia</description>
    </item>
    <item>
      <title>المانوية البابلية.. أساس التصوف العراقي &#13;  سليم مطر </title>
      <link>http://www.syriacstudies.com/AFSS/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A1/Entries/2009/5/4_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%8A%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D8%A8%D9%84%D9%8A%D8%A9.._%D8%A3%D8%B3%D8%A7%D8%B3_%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B5%D9%88%D9%81_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A_%C2%A0_%D8%B3%D9%84%D9%8A%D9%85_%D9%85%D8%B7%D8%B1_.html</link>
      <guid isPermaLink="false">4607ddb6-7638-4320-9d6b-06911b4abd36</guid>
      <pubDate>Mon, 4 May 2009 19:40:45 -0400</pubDate>
      <description>لا يمكن وضع المانوية ضمن أديان العراق القديم ، بل هي ديانة نشأت في القرن الثالث الميلادي ، اي في المرحلة الثانية من تاريخ العراق ، ونعني بها المرحلة الآرامية المسيحية . لكننا فضلنا الحديث عنها ضمن نفس الفصل ، لأنها ديانة عراقية أصيلة انبثقت من احضان المندائية العراقية ، وظلت نشطة حتى العصر الاسلامي ، حيث تركت آثارها الواضحة في التصوف العراقي .    &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;تعتبر( المانوية ) واحدة من أبرز الأمثلة على التغريب والتشويه اللذين     تمت بهما كتابة تاريخ المنطقة العربية , خصوصاً بالنسبة إلى الحقبة  الآرامية السريانية  التي وحدت ثقافياً ولغوياً العراق والشام ( بلاد الهلال الخصيب ) خلال الألف عام التي سبقت الفتح  العربي الإسلامي . ومن المثير للعجب إتفاق جميع المؤرخين العرب والأجانب على اعتبار المانوية ديناً آرياً فارسياً , رغم جميع الشواهد التي تدحض تماماً مثل هذا الرأي , وتبين بصورة قاطعة أن هذا الدين عراقي الموطن , مؤسسه رجل بابلي , واللغة التي نطق وكتب بها هي السريانية , لغة أهل العراق والشام خلال عدة قرون قبل الفتح العربي , والتراث الديني الذي نهل منه هو التراث السامي  : البابلي العرفاني المسيحي .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;يبدو أن السبب الأول لهذا التشويه التاريخي مرتبط بالفكرة الخاطئة التي تعتبر أجنبياً , كل تراث الحقبة التي سبقت الفتح العربي الإسلامي . فهو تراث فارسي فيما يخص العراق , وإغريقي روماني فيما يخص الشام ومصر وشمال أفريقيا. لأنه خلال هذه الحقبة كانت المنطقة خاضعة للسيطرة الفارسية بالنسبة إلى العراق , والإغريقية الرومانية بالنسبة إلى باقي المنطقة . إن التشويه الذي تعرض له تاريخ ( المانوية ) مثال ساطع على التجاهل والتشويه الشاملين اللذين تعرضت لهما جميع تفاصيل التراث السابق للفتح العربي : التراث العرفاني ( الغنوصي ) واليهودي والمسيحي والصابئي والمانوي والهرمزي , كذلك جميع الابداعات الثقافية واللغوية والحضارية في مجالات الفنون والعلوم والفلسفة واللغات والآداب السريانية والقبطية. إذ تم احتساب تراث هذه الحقبة على تراث الدول التي كانت مسيطرة على المنطقة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;بعد سقوط بابل في ( 539 ) قبل الميلاد على يد الفرس الأخمينيين بسط الإيرانيون نفوذهم على بلاد الرافدين حتى القرن السابع , أي ما يقرب من 11 قرناً . تخلل هذه الحقبة ثورات وتمردات فاشلة قام بها العراقيون , بالإضافة إلى حروب طاحنة بين الإيرانيين من جهة والاغريق والرومان من جهة ثانية للسيطرة على العراق . وقد تمكن الاغريق والرومان من انتزاع العراق من الفرس عدة مرات وفرض سيطرتهم عليه مدة عقود وقرون متقطعة , لينتزعه الفرس منهم من جديد . وهذه الحقبة تشبه إلى حد بعيد الحقبة التي أعقبت سقوط الدولة العباسية ونشوب الصراع بين الأتراك والفرس للسيطرة على العراق .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;ظروف نشوء المانوية&lt;br/&gt;خلال هذه القرون الطويلة تمكن أهل الرافدين من الحفاظ على هويتهم السكانية والثقافية والدينية المتميزة عن إيران . وظل الانتماء السامي هو السائد , وظلت اللغة الآرامية أولاً ثم فرعها السرياني منتشرين بين العراقيين , بل ان العراقيين فرضوا لغتهم السريانية لتكون لغة الثقافة الأولى في الامبراطورية الإيرانية نفسها بحيث فضلت اللغة الفارسية ( البهلوية ) استعمال الأبجدية السريانية , والتخلي عن نظام الكتابة المسمارية الذي سبق ان اقتبسوه أيضاً من أهل الرافدين . ثم إن العراقيين ظلوا بعيدين عن الإيمان بالدين الزرادشتي الذي كان الدين القومي والرسمي للايرانيين . حافظ العراقيون على ديانتهم السامية - البابلية الموروثة والقائمة على عبادة الآلهة الممثلة للكواكب وقوى الطبيعة والمنقسمة عموماً إلى ثنائية قوى الخير والنور وقوى الشر والظلام . علماً أن هذه الثنائية البابلية هي التي اثرت في الإيرانيين وديانتهم الزرادشتية , وليس العكس كما توهم عادة المؤرخون . كان هناك ايضاً تواجد مهم لطوائف يهودية نشطة في انحاء الرافدين , منذ جلبهم من فلسطين على يد الكلدانيين . ومع انبثاق المسيحية في بلاد الشام في القرن الأول الميلادي , بدأ بالتدريج تتسرب الى العراق من القسم الشمالي ( الرها ونصيبين ) ثم نينوى وكرخاسلوخ ( الاسم السرياني لكركوك الحالية ) حتى ولاية بابل ومنها الى ولاية ميسان في الجنوب ( وكانت تشمل كذلك البصرة والأهواز ) . وكانت هذه المسيحية مصحوبة بتيارات عرفانية غنوصية وهرمزية صوفية , قادمة من الشام ومصر , مع بعض التأثيرات الإغريقية . وبدأت تتشكل طوائف مسيحية عدة في شمال ووسط بلاد الرافدين , بالإضافة الى الصابئة في الجنوب الذين مزجوا المسيحية بالعرفانية مع أصول الدين البابلي .&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;ديانة عراقية&lt;br/&gt;في مثل تلك الظروف السائدة في العراق في القرن الثالث الميلادي نشأ الدين المانوي , حيث اشتق من اسم رجل بابلي أعلن النبوة يدعى ( ماني ) . جميع المصادر التاريخية فارسية وعربية وغربية تتفق على القصة التالية لسيرة هذا النبي :&lt;br/&gt; “ ولد ماني عام 216 ميلادي في احدى قرى ولاية بابل وكان دينه بابلي ( وثني ) , وفي سن الرابعة رحل أبوه إلى احدى قرى ولاية ميسان في جنوب العراق . هناك نشأ ( ماني ) على الدين الصابئي . وفي سن الشباب أخذ ( ماني ) يتنقل في أنحاء الرافدين واستقر في بابل . أعلن ماني  نبوته وتكوينه للدين  المانوي  الذي انتشر خلال أقل من قرن من الصين حتى أسبانيا وبلاد الغال ... “ (  لمزيد من التفاصيل راجع الموسوعة الكونية الفرنسية - جزء 11- ص646 ) .&lt;br/&gt;لكن مشكلة تحديد هوية هذا الدين وصانعه  ماني , تبدأ عند الحديث عن الشعب والحضارة اللذين ينتمي إليهما . بكل بساطة تم اعتباره إيرانياً فارسياً لأنه ظهر في بلاد الرافدين بينما كانت تابعة للأمبراطورية الايرانية . مثلما تم اعتبار المسيح وتراث المسيحية جزءاً من تاريخ روما , لأن المسيحية نشأت في الشام في ظل السيطرة الرومانية !&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;جميع تفاصيل تاريخ المانوية تثبت بلا جدال عراقية هذا الدين وعلاقته المباشرة بما سبق وبما لحق من تاريخ العراق الفكري والديني حتى نهاية العصر العباسي . ويمكن تقديم المبررات التالية للبرهان على هذه الحقيقة :&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;أولاً :&lt;br/&gt; ثمة تبرير عرقي فارسي طالما تمسك به المؤرخون الإيرانيون والعرب والأجانب قائم على الشك بأن النبي  ماني  ربما يعود بأصوله من ناحية أمه أو أبيه الى الفرس وبالذات إلى العائلة الملكية الأخمينية . لكن جميع الشواهد التاريخية تثبت أن هذا النبي ينتمي عرقياً بصورة أكيدة الى سكان العراق . قد يمكن الافتراض أن أمه فارسية , لكن بعض المصادر تذكر ان اسمها  مريم  . أما أبوه فلا يمكن أن يكون فارسياً , وذلك لعدة أسباب : أن اسمه ( فاتك ) , وهذا الاسم لا يمكن أن يكون فارسياً لأنه اسم سامي عراقي , ( من فعل فَتَكَ ) ومستخدم حتى الآن في العراق . ثم إن اسم  ماني  هو ايضاً ليس اسماً فارسياً , إنما هو اسم سامي كذلك , لفظه العربي ( أماني ) وهو من ( التمني ) واللقب الذي كان يُعرف به هو ( ماني حيا ) أي ( ماني الحي ) , ومنه أتى المصطلح اللاتيني لهذا الدين ( Manicheisme ) أي ( ماني - حيا - سيم ) .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;ثانياً :&lt;br/&gt;إن الزرادشتية كانت الدين القومي لجميع الايرانيين , بينما عائلة ماني مثل باقي العراقيين كانت على الديانة البابلية أولاً عندما كانت تقطن بابل , ثم بعد الاستقرار في ميسان اعتنقت هذه العائلة الديانة الصابئية , وهي طائفة منتشرة حتى الآن في جنوب العراق - بما فيه الأهواز- , ثم إن جميع الباحثين يعترفون بأن علاقة المانوية بالزرادشتية ضئيلة جداً , ولم تدخل بعض التسميات الإيرانية إلى المانوية إلا بعد انتشارها في إيران وترجمة كتب ماني السريانية الى اللغة البهلوية . علماً أن المانوية قد اقتبست الكثير من المسمّيات من جميع الشعوب التي وصلتها , فمثلاً في آسيا والصين أطلق ماني على نفسه لقب ( بوذا الحي ) . وغدا واضحاً أن المانوية كانت متأثرة أساساً بالدين المسيحي , وبالذات بالأفكار الثنوية للقديس السرياني ( بن ديصان ) الذي دعا إلى نوع من المسيحية الثنوية , بالاضافة الى المعتقدات البابلية والسامية السائدة . لقد استخدم ماني أساساً اسماء ملائكة اقتبسها من البيئة السريانية , مثل جبرائيل ورفائيل وميخائيل وإسرائيل , بالاضافة إلى يعقوب نبي العهد القديم . واعتبر ماني نفسه خاتم الانبياء والروح القدس التي تحدث عنها المسيح .&lt;br/&gt;  إن ( الثنوية ) التي اعتقدت بها المانوية لم تكن ايرانية , كما تصور خطأ الكثيرين من المؤرخين , بل هي أساس المعتقدات البابلية والسامية . يكفي معاينة أديان السومريين والساميين لإدراك أن هناك دائماً آلهة للخير والنور بأسماء متنوعة مثل ( تموز وبعل وشمش وإيل ومردوخ وآشور ) تقابل آلهة الشر مثل ( نرجال وأريشكيجال وايراومروت ) . وثنائية الخير والشر هذه وجدت تعبيرها في الأديان السامية السماوية من خلال مفهوم الله رمز الخلق والخير والنور , والشيطان رمز الشر والخطيئة والظلام . ( راجع السواح - مغامرة العقل - ص197 ) .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;	ثالثاً	:&lt;br/&gt; المؤرخون قاطبة يتفقون على أن ماني ولد وعاش في بابل وميسان , وكانت&lt;br/&gt; لغته الأم ولغة كتبه وإنجيله المعروف هي اللغة السريانية , وقد ترجمت جميع كتبه فيما بعد باللغات الفارسية والتركية ( الايغورية ) واليونانية واللاتينية والقبطية . وبدأ بنشر دينه أساساً بين سكان الرافدين . يمكن الاستشهاد بماني نفسه وهو يحدد بدقة وبعبارة صريحة غير قابلة لسوء الفهم , إنتماءه إلى أرض بابل وتمايز دينه عن باقي الأديان : &lt;br/&gt;“ إن الحكمة والمناقب لم يزل يأتي بها رسل الله بين زمن وآخر, فكان مجيئها في زمن على يد الرسول ( بوذا ) إلى بلاد الهند , وفي زمن على يد ( زرادشت ) الى أرض فارس , وفي زمن على يد ( عيسى ) إلى أرض المغرب ( الشام ) . ثم نزل هذا الوحي وجاءت النبوة في هذا الزمن الأخير على يديّ أنا ( ماني ) رسول إله الحق الى أرض بابل ... “ ( راجع - إيران في عهد الساسانيين - ص 172 ) .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; ثم إن الأكثر من كل هذا , إصرار ( ماني ) على جعل بابل مقر الكنيسة الأم ومركز المرجعية الدينية والحوزة العلمية لجميع الطوائف المانوية في العالم , وبقي هذا التقديس الخاص لبابل لدى المانويين حتى نهايتهم بعد ألف عام .&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;احتقار الحياة&lt;br/&gt;يمكن اعتبار المانوية أساس التصوف , فهي دين ( غنوصي - عرفاني ) متطرف في الزهد والتنسك وتقديس الموت واحتقار ماديات الحياة . قد تكون المانوية التي نشأت في العراق تعبيراً عن ردة فعل  سلبية ومتشائمة إزاء الظروف القاسية التي عاشها العراقيون بسبب السيطرة الفارسية وفشل ثوراتهم ودمار الرافدين بعد تحول البلد الى ساحة للحروب الدائمة بين الامبراطوريتين الفارسية والرومانية . ثم الشعور بالخيبة والحسرة على ضياع أمجاد بابل القديمة وفقدان الامل بأية قدرة على الخلاص إلا بالزهد وتجنب ملذات الحياة .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;الفكرة الاساسية للمانوية يمكن ايرادها باختصار كالتالي : إن الله     هو الخير والنور , والشيطان هوالخطيئة والظلام . جميع الأشياء المادية من أرض ونبات وحيوان وأجساد هي جزء من قوى الخطيئة والظلام , وجميع الأشياء الروحية من حلم وعقل وخيال هي جزء من قوى الخير والنور . إذن على الإنسان التواق إلى الخير والخلود في حدائق النور ( الجنة ) أن يحتقر الجسد وجميع ماديات الوجود , بالامتناع عن : الجنس والخمر واللحم , وتجنب جميع الخطايا . وقد يصل الأمر إلى حد احتقار الحياة ونبذ الجسد وتفضيل الموت , من أجل تخليص الروح والنور من سجن الجسد والظلام . واعتبر ( ماني ) أن روح الانسان المنيرة تتعذب على الجسد , صليب الظلام , مثلما تعذب ( عيشو زاهي ) ( عيسى الزاهي ) على صليبه .&lt;br/&gt;إن الخطيئة ترتكب بثلاث وسائل : القلب ( النية ) والفم ( الكلمة ) واليد ( الفعل ) . لهذا فإن وصايا ( ماني ) كانت : “ لا ترتكب الخطيئة , لا تنجب , لا تملك , لا تزرع ولا تحصد , لا تأكل لحماً ولا تشرب خمراً “ . طبعاً مثل هذه الوصايا لا يستوجب تطبيقها من قبل جميع أتباع المانوية , إنما فقط من قبل النخبة الدينية المنقسمة إلى أربع مراتب : 12 حواريون , و72 شماسون , 360 عقلاء , ثم الصديقون غير محدودي العدد . أما باقي المجتمع فيطلق عليهم ( السماعون ) الذين يلتزمون فقط بالصلاة أربع مرات يومياً , والسجود 12 مرة كل صلاة , والصوم شهر كامل كل عام في نيسان , ودفع العشر والزكاة وتقديم الغذاء للصديقين .&lt;br/&gt;تعتمد المانوية على كتب ( ماني ) المليئة بالشروحات والحكايات والأساطير المعقدة والمفصلة جداً . الأسطورة المانوية عن تكوين الخليقة تشبه إلى حد بعيد الأسطورة السومرية - البابلية المعروفة » حينوما عاليش « ( حينما عالياً , أو حينما في الأعالي ) , لكن أسماء الآلهة السامية القديمة تستبدل بها أسماء سريانية ومسيحية محدثة . مذهب التثليث في المسيحية ( الأب والأبن والروح القدس ) يستبدل ( ماني ) به » العظيم الأول « و » أم الحياة « , علماً أن هذا التثليث موجود في جميع الأديان البابلية والسامية , ولكن بأسماء مختلفة ( مثلاً في قصة الخليقة البابلية هناك أبسو- الأب , وممو – الأبن , وتعامة - الأم ) ( راجع السواح - مغامرة العقل ) . والطريف أن فكرة ( تناسخ الأرواح ) التي اقتبسها ( ماني ) من البوذية , حورها تماماً بما  يتلاءم مع عقيدته الخاصة . ليس أي انسان يموت تنتقل روحه تلقائياً إلى إنسان آخر, إنما يعتمد ذلك على كونه خاطئاً أم لا . لأن تكرار الحياة يعتبر نوعاً من العقاب . فالإنسان النقي المؤمن تذهب روحه مباشرة إلى حدائق النور جنان الله , أما الإنسان الخاطيء فيعاقبه الله بإنتقال روحه إلى إنسان آخر ليعيش حياة أخرى وأخرى حتى يصبح نقياً ومؤمناً ,  فيتوقف التناسخ وتذهب روحه إلى جنة الخلود .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;تاريخ ماني والمانوية&lt;br/&gt;ولد ( ماني ) في 14 نيسان ( أبريل ) عام 216 ميلادية , قرب ( المدائن ) التي كانت مركز ولاية بابل والعاصمة الثانية للأمبراطورية الإيرانية . ولهذا يطلق على هذا النبي لقب ( ماني البابلي ) , ويقول عنه المؤرخون العرب والمسلمون : » نبي الله الذي أتى من بابل « ( راجع فهرست ابن النديم ) .&lt;br/&gt;عندما كان ( ماني ) في سن الرابعة , رحل به والده ( فاتك ) إلى قرية في ولاية ميسان جنوب العراق . ويبدو أن قرار الرحيل قد اتخذه الأب بعد أن تلقى ثلاث مرات نداءات إلهية بينما كان يتعبد في إحدى المعابد البابلية , تدعوه الى الرحيل إلى ميسان وكذلك تجنب الخمرة واللحم والجنس . في ميسان اعتنق (  فاتك  ) دين الصابئة الذين يتكلمون لهجة آرامية قريبة إلى السريانية . وكان هذا الدين سائداً في جنوب العراق قبل هيمنة المسيحية , ويسميه العرب كذلك ( دين المغتسلة ) بسبب تقديسهم لعملية التطهر بالماء . وهو دين مزج بين روحانيات العرفانية والمسيحية ( الشامية ) مع رموز عبادة الكواكب البابلية , ويرتبط باسم النبي يحيى أو ( يوحنا المعمدان ) ( لمزيد من المعلومات راجع الثقافة الجديدة- 248- ص25 ) .&lt;br/&gt;بقي ( ماني ) صابئياً حتى سن الواحدة والعشرين , بعدها بدأ تأثره مباشرة بالمسيحية وخصوصاً بالتجربة الحياتية للسيد المسيح وعذابات صلبه . وتذكر التقاليد المانوية أنه في سن الرابعة والعشرين , في 23 نيسان 240م . تلقى ( ماني ) رسالة النبوة من الله بواسطة الملاك ( توأم - توما ) , على أنه هو ( الروح القدس ) الذي بشر به النبي عيسى . حينها بدأ ( ماني ) يعلن أنه ( نبي النور ) و ( المنير العظيم المبعوث من الله ) , نتيجة هذا تم طرده من الطائفة الصابئية .&lt;br/&gt;رحل ( ماني ) مع أبيه وإثنين من أصحابه إلى بابل , منها قام بأول رحلة عبر بلاد فارس ثم الى الهند وبعدها إلى بالوشستان , حيث عاين ودرس الأديان السائدة من زرادشتية وبوذية وهندوسية .  بعد عامين ( 242م ) عاد ماني إلى ميسان بحراً عبر الخليج . وتذكر المصادر التاريخية أن ثمة قبائل عربية قادمة من عمان كانت متنفذة حينذاك في ميسان تحت سيطرة الحكم الفارسي ( راجع ايران في عهد الساسانيين - ص75 ) . هناك شاءت الظروف , أن يخوض ماني تجربة مشهودة مكنته  من فرض تأثيره على حاكم ولاية ميسان الفارسي ( مهرشام ) وكسبه الى جانب المانوية . وكان ( مهر شام ) هذا ايضاً شقيقاً للأمبراطور الأيراني ( شاهبور ) , حيث توسط لدى أخيه ليسمح لـ ( ماني ) بنشر دينه دون مضايقة . ومن المعروف عن ماني أنه بالاضافة الى شخصيته النبوية , فإنه كان طبيباً ونقّاشاً ورسّاماً وكاتباً ومترجماً . وهو النبي الوحيد الذي قام بنفسه بكتابة إنجيليه وباقي كتبه المعروفة التي تزيد على سبعة , بينها كتاب مزين برسوم توضيحية ملونة , يعتقد أنها شكلت الأساس الأول لانبثاق فن النمنمة العراقي العربي ثم الفارسي والتركستاني ( راجع الموسوعة الكونية - المصدر نفسه ) .&lt;br/&gt;بدأ ( ماني ) بتكوين كنيسته في بابل وأطلق عليها ( كنيسة النور ) , وانتشرت الكنائس أولاً في بلاد الرافدين : ميسان والأهواز وبابل ونينوى وكركوك . لكن ماني لم يكتف بحدود الرافدين بل اعتبر نفسه ( عيسى المخلص للانسانية جمعاء ) , وأنه ( خاتم الأنبياء ) , ويقول في هذا الخصوص : “ ندائي يتجه نحو الغرب وكذلك نحو الشرق , وهو يسمع بجميع اللغات وفي جميع المدن . كنيستي تفوق الكنائس السابقة , لأن تلك الكنائس قد اختيرت لبلدان ومدن محددة , بينما كنيستي أتت لجميع البلدان , وإنجيلي يبتغي جميع الأوطان .. “ ( الموسوعة - المصدر نفسه ) . لهذا بدأ ( ماني ) يبعث تلامذته ( الحواريين ) الاثني عشر إلى جميع بقاع الأمبراطوريتين الفارسية والرومانية لنشر الدعوة الجديدة . فبعث أولاً الى الشام ومصر  ثلاثة من حوارييه , توما وهرمس وعدي . وخلال أقل من قرن انتشرت المانوية في مختلف بقاع الأرض , من شواطىء المحيط الهادي والهند والصين والتبت وسيبريا وتركستان وإيران ثم جميع الضفاف الشرقية للمتوسط حتى إيبريا وإيطاليا وبلاد الغال . لقد وجدت آثار معابد وكتابات ورسوم هذا الدين في جميع هذه البقاع , وأهم الوثائق وجدت في جنوب مصر ( الفيوم ) مكتوبة باللغة القبطية . يبدو أن المانوية كانت لها الانتشار خصوصاً بين الطوائف المسيحية بسبب علاقتها المباشرة معها . ومن أهم الذين تحدثوا عنها هو القديس ( أوغسطين القرطاجي ) الذي اعتنقها لعدة سنوات قبل أن يصبح فيلسوف المسيحية الأول .&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;في تاريخ غير محدود بصورة تامة , بين ( 274-277 ) ميلادية , تم صلب ( ماني ) على أحد أبواب مدينة بيت العابات ( جندشابور ) في الأهواز , تم ذلك بقرار من الامبراطور الفارسي ( برهام الأول ) لأسباب سياسية طبعاً وبعد تحول ( بابل ) إلى مركز لدين عالمي واحتمال استعادتها من جديد لأمجادها السابقة , وما يشكله هذا من خطر على النفوذ الايراني . كذلك خوف رجال الدين الزرادشتيين الذين نقموا على ( ماني ) بسبب تأثيره المتزايد . لقد عذب ( ماني ) وصلب وقطعت أطرافه ثم احرقت جثته ونثر رماده . لكن المانويين ظلوا يعتقدون بصعوده إلى السماء مثل السيد المسيح , ويعتبرون هذا اليوم مقدساً يصومون خلاله ثلاثين يوماً في شهر نيسان .&lt;br/&gt;الضربات التالية تلقتها المانوية على يد الرومان . في عام 445م أعلن البابا ( ليون العظيم ) قراره بتحريم نشاط المانوية . وفي عام 527م قرر الامبراطور ( جوستان ) الحكم بالاعدام على جميع أتباع المانوية . لكن الكثير من المؤرخين الأوروبيين يعتقدون أن المانوية ظلت حية في أوروبا بأشكال خفية متعددة , خصوصاً بين الطوائف المسيحية السرية المؤمنة بالتصوف والروحانيات والطقوس السحرية والتي تعتمد في إيمانها على الأفكار الثنوية ( Ledualisme ) .&lt;br/&gt;في القرن الخامس حدث أول انشقاق في الكنيسة المانوية , حيث تم انفصال الطوائف المانوية في اسيا الوسطى ( تركستان ومنغوليا ) , ورفضوا تبعيتهم لكنيسة ( بابل ) وكونوا كنيستهم القومية . ثم اعقب ذلك انشقاق الكنيسة المانوية في بلاد فارس , وذلك بتكوين فرع قومي مستقل عن بابل , حمل اسم ( المزدكية ),  نسبة الى مؤسسها ( مزدك ) الفارسي . يبدو أن هذه الطائفة ابتعدت عن المانوية بالاقتراب أكثر ناحية ( الزرادشتية ) , مع ميول “ ثورية واشتراكية “ . ربما لهذا السبب خلط معظم المؤرخين المسلمين والعرب بين المانوية ( العراقية ) والمزدكية ( الايرانية ) , علماً أن طائفة ( المزدكية ) , أثناء نفوذها في الدولة الايرانية , قامت باضطهادات ومذابح معروفة ضد المسيحية والمانوية في بلاد الرافدين , مما أدى إلى هجرة الكثير من المسيحيين والمانويين العراقيين إلى بلاد تركستان ( الصغد ) وتكوين جاليات مانوية مسيحية نسطورية نشطت بنشر الثقافة السريانية البابلية .&lt;br/&gt;إن الهروب المستمر للمانوية من العراق والمشرق , وخصوصاً أثناء اضطهادات الفترة العباسية أدى إلى تزايدهم في أواسط اسيا التركية المنغولية . في عام 745 كون الأتراك دولتهم ( الأوغرية ) على حدود الصين في منغوليا الشمالية. كان أحد ملوكهم يسمى ( بوقي خان  ) اعتنق المانوية وجعلها الدين الرسمي للدولة . من خلالها وصلت المانوية إلى الصين فشيدت المعابد المانوية إلى جانب المعابد البوذية , حتى وصلت إلى روسيا وسيبريا . لكن نهاية الدولة التركية الأوغرية عام 817 على يد القرغيز أدى الى نهاية المانوية في آسيا. ويُعتقد أنها استمرت في تركستان الصينية حتى القرن الثالث عشر , ومع اجتياح المغول بقيادة جنكيز خان تم القضاء التام على المانوية . لكن الأثر الكبير الذي تركه هذا الدين في شعوب آسيا يتمثل في تبنيهم للأبجدية المانوية ( السريانية ) في كتاباتهم الأوغرية التركية , بالإضافة إلى تأثيرات ثقافية ودينية لا تحصى .&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;الاسلام والمانوية&lt;br/&gt;كانت القبائل السامية ( العربية ) النازحة قبل الاسلام , تندمج طبيعياً مع أهل الرافدين وتتبنى الأديان السائدة , مثل اليهودية والصابئية والمسيحية والمانوية.  يذكر أن عمر بن عدي ملك الحيرة العربي كان من أنصار المانوية وحماتها المعروفين . يتحدث المؤرخ الإسلامي ( ابن قتيبة ) عن وجود المانوية في مكة قبل الاسلام : » وكانت الزندقة في قريش أخذوها من الحيرة « . علماً أن تسمية ( زنديق ) قد شاعت في الفترة الإسلامية بمعنى ( المانوي ) . لقد اقتبس العرب هذه التسمية من الفرس , الذين كانوا منذ قرون يطلقونها على المانوية بمعنى ( المنحرفين عن الدين ) , وهناك من يعتقد أنها ربما كانت مشتقة من ( صديق ) السريانية وتعني رجل الدين المانوي ( للمزيد من التفاصيل عن المانوية والإسلام , راجع - التاريخ الاسلامي - فاروق عمر- ص193,213  ) .&lt;br/&gt;يبدو أن الفتح العربي لم يضعف المانوية , بل على العكس منحها بعض الزخم , بسبب كثرة اتباع المانوية في العراق بعد هجرة الأعداد الكبيرة منهم من الشاميين والمصريين إلى العراق بعد حكم الاعدام الذي كان قد أصدره الرومان بحقهم . ثم إن الإسلام في أول الأمر لم يكن موقفه واضحاً من المانوية , وقد اعتبرها في البدء من أديان أهل الكتاب . في العصر  الأموي تمتع أتباع المانوية ببعض الحرية , خصوصاً في زمن الخليفة ( الوليد الثاني -743-744 ) . وتذكر المصادر العربية أنه بين 754-775م كان ( إمام الكنيسة المانوية ) في أفريقيا هو أبا هلال الديهوري . ومما ساعد على نشاط المانوية في العصر الأموي استخدام الكثير من اتباعها كتّاباً في الدواوين في العراق بدل المجوس الفرس , وذلك بعد قرار تعريب الدواوين في ولاية الحجاج بن يوسف الثقفي , بعد أن كانت  باللغة الفارسية . ويبدو أن الاستعانة بأتباع المانوية في الدواوين وسع المجال أمامهم وركز أهميتهم . ( نموذج ساطع لسوء فهم المؤرخين العرب , عندما يستغرب مؤرخ  قومي !  مثل عبد العزيز الدوري هذا التحول نحو المانوية في الدواوين الأموية , لأنه لا يدرك أن الزرادشتيين فرس ولا يتقنون غير الفارسية , أما اتباع المانوية فأنهم عراقيون فكانوا يتقنون العربية القريبة من السريانية , لغتهم الأصلية . ولهذا تم استخدامهم في عملية تعريب الدواوين ) ( راجع – الدوري - الجذور التاريخية للشعوبية - ص22 ) .&lt;br/&gt;رغم تزايد الاضطهاد ضد المانوية في الفترة العباسية بإسم مكافحة الزندقة والمثنوية والإلحاد والدهرية والمجون , إلا أن أتباعها كانوا نشيطين خصوصاً في المجال الفكري , وشكلوا الحلقات الثقافية التي يطلق عليها “ إخوان الصدق “ (  لاحظ التشابه مع “ اخوان الصفا “  ) . ويصف الجاحظ نوعية كتبهم بأنها : “ أجود ما تكون ورقاً يكتب عليه بالحبر الأسود البراق ويستجاد له الخط “ . ويذكر المؤرخون المسلمون أسماء لا تحصى من المثقفين الذين اتهموا بالزندقة ( المانوية ) في هذه الفترة . ( قد يمكن تشبيه تهمة المانوية والزندقة بتهمة الشيوعية والماركسية التي سادت العصر الحديث ) . وقد شملت هذه التهمة كتاباً وشعراء مثل : صالح ابن عبد القدوس , بشار بن برد , أبو النواس , أبو العتاهية , حماد الرواية , عبد الله بن المقفع .. وغيرهم . وقد حكم بالموت على الكثير من هؤلاء المثقفين بسبب هذه التهمة . وهذا النشاط المانوي دفع الكثير من المثقفين المسلمين إلى تأليف الكتب للرد عليها وتفنيدها , مثل : واصل بن عطاء , الجاحظ , أبو محمد بن الحكم , الجبائي , النوبختي , المسعودي , الرازي , الرقي ... وغيرهم ( راجع فاروق عمر - المصدر نفسه ) .&lt;br/&gt;يعتبر الخليفة العباسي ( المهدي ) ( 775-785 ) , أول من أعلن الحرب ضد المانوية وجميع التيارات الفكرية المعارضة باسم مكافحة الزندقة , حتى سمي ( قصاب الزنادقة ) . وقد أنشأ من أجل ذلك ( ديوان الزنادقة ) بقيادة ( عريف الزنادقة ) . وكان اتباع المانوية يجبرون على المثول أمام القاضي , ثم يبصق المتهم على صورة ( ماني ) ويذبح طائراً , ذلك لأن المانوية تحرم ذبح الحيوان . وفي حالة رفضه التوبة فإنه يحكم بالموت . وقد اوصى المهدي ولده الهادي طالباً منه الاستمرار في محاربة المانوية , قائلاً : “ إني رأيت جدك العباس في المنام قلدني سيفين وأمرني بقتل أصحاب الاثنين “ . وفي أواخر العهد العباسي توسعت تهمة ( الزندقة ) حتى وصلت على يد الإمام الغزالي الى كل محاولة اجتهادية تخالف المذاهب السلفية وتنحرف عنها في التفسير ( راجع فاروق عمر - المصدر نفسه ) . واستمر الاضطهاد وتعاظم مع الخليفة ( المقتدر ) ( 908-932 ) , وحسب ( فهرست ابن النديم ) , أنه في أواخر القرن العاشر الميلادي , قد هبط عدد رموز المانوية في بغداد من 300 شخص إلى 5  أشخاص فقط . بسبب اضطهاد العباسيين اضطر الكثير من اتباع المانوية إلى الهروب من  العراق إلى خراسان وكردستان وتركستان ( ربما يكون اليزيديون في شمال العراق من بقايا المانوية الذين هربوا من اضطهاد العباسيين ) .&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;خاتم الانبياء&lt;br/&gt;من الخصال الكبيرة التي تميز بها الاسلام والمسلمون الأوائل هي القدرة على استيعاب معارف ومعتقدات الشعوب التي بدأ ينتشر بينها الاسلام . فمن المعروف أن الحضارة العربية الإسلامية بنت عظمتها من انفتاحها أولاً على تراث الشعوب التي أسلمت واستعربت , خصوصاً حضارات بلاد الرافدين والشام ومصر وشمال أفريقيا . ففي العراق مثلاً , بالإضافة إلى تراث المسيحية النسطورية والصابئية واليهودية , لعبت المانوية دوراً كبيراً في نقل الكثير من المعتقدات البابلية والعرفانية الصوفية إلى الحضارة العربية الإسلامية . يكفي ملاحظة التشابه الكبير بين الفلسفات الإشراقية والصوفية العربية الاسلامية وبين المانوية , ليس صدفة أن التصوف نشأ في حواضر العراق , البصرة والكوفة وبغداد , لأن الكثير من اتباع المانوية الذين تحولوا إلى الاسلام نقلوا معهم معتقداتهم الإشراقية والصوفية البابلية ومزجوها بالإسلام . طبعاً هذا لا ينفي التأثيرات المباشرة للمسيحية والعرفانية الشامية المصرية , بالإضافة إلى المجوسية الإيرانية والأفكار اليونانية . ومن التشابهات الواضحة بين المانوية والإسلام , أن ( ماني ) ادعى أنه النبي المخلص الذي بشر به المسيح وأنه ( خاتم الأنبياء ) . بالإضافة إلى تشابهات أخرى مثل تحريم الخمر , والصيام 30 يوماً , والوضوء بالماء أو التراب , والركوع أثناء الصلاة , وتفاصيل وصف الجنة والنار ويوم القيامة والحساب وعبور الصراط المستقيم . كذلك وجوب مساهمة أتباع المانوية ( السماعين ) بدفع جزء من أموالهم ( عشر ) و ( زكاة ) لرجال المانويين ( الصديقين ) .&lt;br/&gt;ويمكن  الافتراض أن المانوية قد لعبت دوراً مهماً في تكوين الكثير من الطوائف الصوفية والباطنية , مثل الاسماعيلية والعلوية والدرزية . أما بالنسبة إلى تشابه المانوية مع المذهب الشيعي , فإنها تبدو قوية بحكم انبثاق التشيع في اراض الرافدين حيث كانت المانوية نشيطة . إن الكثير من اتباع المانوية ( وكذلك النسطوريين ) دخلوا المذهب الشيعي بحكم اشتراكهم مع باقي العراقيين في معارضة الحكمين الأموي ثم العباسي . يمكن ملاحظة هذا  التشابه في مسألة الأئمة الإثني عشر ( حورايو ماني كانوا كذلك 12 , مثل السيد المسيح ) . بالإضافة إلى الميول العرفانية والإشراقية في المذهب الشيعي القريبة جداً من إشراقيات المانوية . ثم إن مفهوم “ الاستشهاد “ وتضحية ( ماني ) بحياته من أجل إخلاص ملته , له تشابه كبير مع تبجيل الشيعة لذكرى استشهاد الإمام الحسين ( ع ) وتضحيته بحياته من أجل تقويم الإسلام . ويبدو أن طقوس الاحتفال بذكرى كربلاء وأيام عاشوراء تتشابه مع طقوس احتفال المانوية بذكرى استشهاد ماني وصلبه , وهذه بدورها لا تبتعد كثيراً عن طقوس الاحتفال بصلب المسيح , وقبلها لدى سكان العراق والشام بذكرى موت تموز ( بعل ) وعودته إلى حياة الخلود . ثم ان التشابه الأهم من ذلك بين الشيعة والمانوية , إختيار ( الحلة ) ثم ( النجف ) التي هي جزء من أرض بابل التاريخية , لتكون مركز الشيعة في العالم والمنطقة المقدسة ومقر الحوزة العلمية كما اختار المانويون وقبلهم أهل الرافدين ( بابل ) لتكون المركز المقدس لديانة أسلافهم .&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;المصادر المعروفة عن المانوية :&lt;br/&gt;أولاً- الرسائل الجدلية للقديس أغسطين ( 354 –430  ) التى دحض فيها هذه العقائد المانوية باعتبارها من الهرطقات .  ثانياً- الرسائل الجدلية للقديس تيتوس البسترى ضد المانويين . ثالثاً- الصيغ اليونانية اللاتينية التى كان يستغفر بها المانويون المنتقلون للمسيحية . رابعاً- المواعظ السريانية التى كتبها ( سيفي الانطاقى ) وعددها 133 موعظة . خامساً- كتاب الأسقف السرياني ( تيودور بركونائى ) . 6سادساً- ابن النديم فى الفهرست . 7سابعاً- البيرونى فى آثاره الباقية . ثامناً- نصوص مانوية باللغة الفهلوية والصغدية والصينية اكتشفتها البعثات الألمانية والإنجليزية والفرنسية فى التركستان الصينية فى القرن العشرين  . تاسعاً- نصوص مانوية باللغة القبطية كتبت على أوراق البردي اكتشفت فى أوائل هذا القرن فى مصر . عاشراًـ إيران فى عهد الساسانيين (  ص 169 –170 . تأليف آرثر كريستنسن .ترجمة د. يحيى الخشاب . الألف كتاب الثاني . الهيئة المصرية للكتاب  ) . &lt;br/&gt;</description>
    </item>
    <item>
      <title>الكنائس والأديرة العراقية &#13;  الدكتور علي ثويني </title>
      <link>http://www.syriacstudies.com/AFSS/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A1/Entries/2009/5/3_%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%86%D8%A7%D8%A6%D8%B3_%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D9%8A%D8%B1%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9_%C2%A0_%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%B1_%D8%B9%D9%84%D9%8A_%D8%AB%D9%88%D9%8A%D9%86%D9%8A_.html</link>
      <guid isPermaLink="false">de18255b-1511-413a-89c2-00a9c4c71763</guid>
      <pubDate>Sun, 3 May 2009 16:07:05 -0400</pubDate>
      <description>&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;كنيسة عراقية تعرضت للتفجير من قبل الارهابيين&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; أصابنا الأسى ونحن نتابع الإرهاب المجنون وهو يعيث فساداً ، فبعد أن قتل الأبرياء في العتبات المقدسة ، نجده اليوم يفجر حقده الأعمى في بيوت الله من كنائسنا العراقية ، بما يثبت مثل كل مرة أن تخبطه الأعمى قد أخرجه من سوي العقل ولبيب المنطق ، بعد أن تجرد نهائياً منذ أول جريمة أقترفها من الأخلاق والدين . ونقرأ من رسالته الدموية هذه العداء السافر لكل ماهو عراقي ، وإسلامي وإنساني . فالمسيحيون أخوة في الوطن ونظراء في الخلق ، ولم نجد من حلل قتلهم من الأولين والآخرين ، وأن كنائسهم كانت وستبقى عهدة في رقابنا إقتداء بالعهدة العمرية لنصارى القدس ، وأن رسولنا الكريم أستقبل نصارى نجران في المسجد النبوي الشريف وأرسل أول مهاجريه الى النجاشي النصراني . &lt;br/&gt; &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;اطفال يصلون في كنيسة محروقة&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;	لم يع هؤلاء الظالمون أن النصرانية لم تأت من روما قطعاً ، 	ولم تطأ أوروبا إلا بعد ثلاثة قرون من الويل والثبور كان قد أصاب النصارى والموحدين من أهل الشرق .  ولم تلد اليونان يسوعاً حتماً وإنما كانت الناصرة وبيت لحم والقدس . ولم تكن المسيحية إلا وحدانية إسترسلت في ارض كنعان ، من وحي إبراهيم ونهل أور العراقية ، وحملت في ثناياها نتاج تراثنا الروحي التوحيدي ، الذي وطأته منذ البشارة ، بعد أن حلّ بها الحواري  توما حسب روايات الكلدان وخاصة يوسف السمعاني فإن إنتشار المسيحية في العراق جاء على يده . وكذلك  برتلماوس ، وثلاثة مبشرين أدّي وتلميذيه أجّي وماري ، وترجح الروايات كون الأول أحد تلاميذ السيد المسيح عليه السلام  .&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;نساء يبكين كنائسهن المحروقة&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;وعلى خلاف مسيحيي الشرق في دول الجوار الذين عانوا من الحروب الطائفية الأهلية ، فأن مسيحيي العراق كانوا متآخين مع أخوتهم في الطيف العراقي . وماحدث للآشوريين من مذابح على يد بكر صدقي في بواكير العهد الملكي ، لم يكن إلا موقفاً قومياً مسيّساً أتخذته السلطة الملكية وأستغلها صدقي نفسه بعيداً عن أية دلالات طائفية نائية عن قاموسنا الاجتماعي . ولم نسمع عن أحزاب مسيحية سابقة أو تدخل للكنيسة في الشأن السياسي أوممارسة لإنقلابات عسكرية بالرغم من أن الكثير منهم تبوأ مناصب عسكرية سامية . وقد أستثمرت سلطة البعث حربها ضد إيران لمغازلة الغرب حينما شرعت بمعاضدة بناء الكنائس أو صيانتها ، بما أوحى أنهم سلطة متفتحة تحارب سلطة متحجرة . أن أُستغل أسمهم جزافاً في إستجداء بيانات التعاطف الغربية خلال سنوات الحصار في التسعينات ، وأستغل أسم طارق عزيز وبعض أقطاب السلطة المبادة ذلك ، لم يكن إلا محض مكيدة أريد منها الإيحاء بأن هؤلاء طابور للغرب في العراق . وربما يكون هذا قد ترك أثراً في نفوس رعاع القوم وجهالهم وسفهائهم ، حينما أنطلت عليهم المسوغات ، وجعلهم في التسعينات يصبون جام غضبهم على أخوتنا النصارى ويضطهدونهم بمبرر  الحملة الإيمانية  الواهية التي كانت من أمهات الدجل البعثي .&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;وفي أخبار التاريخ نجد أن نصارى العراق لم يشكلوا شريحة خاصة متقوقعة ، بل كانوا أكثر عراقية ، ونجدهم قد عانوا من مناخات السياسة وظلموا من الساسانيين والبيزنطيين ، وتذكر أحداث التاريخ أن سابور  شاهبور  قد قتل منهم 160 ألف ، خلال حكمه الطويل .&lt;br/&gt;وكان النصارى قبل الإسلام يتكلمون اللغة السريانية  الآرامية  وبعضهم في الحيرة يتكلمون العربية اضافة الى السريانية ، اما الفارسية ) البلهلوية ( فكانت محصورة فقط بالجهاز الاداري الحاكم . اما طبقاتهم ، فهم أما سكان مدن ، أو فلاحين أو رعاة في البوادي . وأعتنقت قبائل عربية المسيحية ومنها أياد وكندة ولخم . ومن أكثر من وردت مناقبه من العراقيين حنا الكسكري الذي بنى أول دير في البرية ، وكسكر التي ينتمي إليها هي في موضع  قلعة سكر اليوم . ومنهم من أكتسب حظوة كما هو حال القديس سمعان القديم المولود عام 360م الذي تكلم عنه تاودوريس أسقف قورش ونسب إليه كرامات كما لحق فيما بعد بالمتصوفة المسلمين ، ونقل أن زوجة الملك أردشير قد شفت من مرض عضال بشفاعته ، جعلها تطلب من زوجها الكف عن إضطهاد مسيحيي العراق . .&lt;br/&gt;ومن أهم الشخصيات التي تركت أثرها في التاريح العراقي مارية التغلبية ، ولقبت بماء السماء ، لرقة طباعها ودماثتها ، وحتى أن إبنها المنذر الثالث 513 -562 لقب بإبن ماء السماء ، وإبنه سمي بعمرو إبن هند حكم بين أعوام 562 -574م . وهند هذه تركت أكبر أثر في ديرها الذي مكث ردحا من الزمن بعد الإسلام . وهي هند بنت عمرو بنت مجر الكندي ، كما ذكر ذلك ياقوت في معجمه . ولها قصة مع سعد إبن ابي وقاص ، وكذلك المغيرة بن شعبة الذي خطبها لما تولى الكوفة ، فردته رداً جميلاً وماتت على رهبانيتها . ويحكى عن عمرو أنه قَتَلَ في ثماله نديميه المقربين عمرو بن مسعود وخالد المظلل ، وأقام على قبريهما غراييب أو طربالين وهي برج عال أو  مسلة  عظيم ، لم نجد لها اليوم أثراً .&lt;br/&gt;وأنتشرت الأديرة في أواخر القرن الرابع في أطراف العراق ، وقادها عراقيون ربطوا بين الإيمان والعلم  الفكر العرفاني أوالغنوصي . ويمكن أن يكون  أوكين  العراقي هو من نشر الرهبنة في منطقة الجزيرة وعموم العراق ، ومن تلامذته الراهب  يونان أو يونس  الذي شيد دير مار يونان في الأنبار ، وكذلك دير يونس القابع في الموصل . ومن الجدير ذكره أن يونس هذا كان طبيباً وفيلسوفاً ، ووصل إلى الزهد والتقشف بمحض أفكاره ، التي يمكن أن تكون من تاثير البيئة نفسها التي أظهرت الزهد والتصوف الإسلامي فيما بعد ولاسيما على مذهب رابعة العدوية البصرية . كما تولى الراهب عبدا  بناء دير كبير في درقان بعد أن حصل على رخصة من حاكم المدائن تّموز ، ثم بنى تلميذه عبد يسوع دير الصليب ودير باكسايا ودير آخر على الفرات .  &lt;br/&gt; وفي القرن الخامس ظهر القديس ماروثا الذي شفى ابنة أردشير الثاني فجعل أباها يسمح لهم بنشر النصرانية بين العجم ، وقد بني بسببها أعداداً كثيرة من الأديرة في العراق .&lt;br/&gt; وطفق العراقيون في بناء الأديرة في كل الأنحاء وأشهر ماوردت أخبارها : دير أشموني قرب بغداد ، ودير الزّندورد الواقع في منطقة المربعة في الرصافة في شرق بغداد ، ودير دُرتا غربي بغداد ، ودير سابور غربي دجلة ، ودير سمالو ودير الثعالب قرب بغداد عند منطقة الحارثية في الكرخ ، ودير مديان على نهر كرخايا الخير اليوم في كرخ بغداد ، وكذلك دير مار جرجيس قرب بغداد ،  ودير كليليشوع المجاور لمقبرة الشيخ الصوفي معروف الكرخي في الكرخ ، ودير سمالا الواقعة في منطقة الشماسية الأعظمية اليوم ، ودير باشهرا  بين بغداد وسامراء معناها بيت أو مدينة القمر ، وديرالسهٌوس ، ودير مارفثيون ودير سرجيس قرب سامراء ، ودير العاقول بين المدائن والنعمانية ، ودير العجاج على تخوم منخفض الثرثار ، ودير القياره عند الموصل وديرباعربا بين الموصل والحديثة على دجلة معناه بيت أو مدينة الماء ، ودير ميخائيل ، ودير الخنافس على تلة تشرف على دجلة على تخوم نينوى ، ودير الخوات في عُكبرا ، ودير كوم عند الموصل ، ودير يوسف ودير مار إيليا شرق الموصل ، ودير الأعلى بالموصل على جبل مطل على دجلة في قلعة باشطابيه قرب المستشفى الجمهوري اليوم ، ودير ملكيساوا فوق الموصل ، ونجد بيت عذري المعروف بجبل القوش الذي أحتفظ ببعض الصوامع المنقورة في الجبل وعددها 400 ، والتي تذكر بالهيئات الأولى للعمائر المسيحية ، ونجد كذلك  على تخوم القوش شمال الموصل دير هرمزد ، وبني كذلك  دير السيدة الذي يعتبر من أكبر ديارات الكلدان وبنائه الحالي بني عام 1858 . وللكاثوليك السريان يوجد دير مار بهنام الواقع جنوب شرقي الموصل .  ومن أهم ديارات السريان وأقدمها دير مار متي الواقع على جبل مقلوب شرق الموصل ، والذي يعود الى المئة الميلادية الرابعة . والظاهر أن منطقة الموصل قد أحتفظت بجلّ الأمثلة مع وجود أديرة آخرى  بالقرب من مدينة بلد ، وديرماري عند سامراء ، وديرمار يوحنا قرب تكريت ، ودير الجرعة بالحيرة ، ومن أشهر الأديرة العراقية هي الثلاثة التي شكلت قلب مدينة الكوفة ، وأهمها دير هند بنت المنذر بن ماء السماء . وآخر في النجف بين قصري أبى الخصيب والسدير ، وديري الأسكون بالحيرة ، وثمة ديرقرب واسط ودير هزقل عند البصرة ، ودير الدهدار بنواحي البصرة ، ودير الأبلق في الأهواز . ومن المحتمل أن يكون قصر الأخيضر احد تلك الأديرة التي تغير حالها وأضيفت لها الملحقات الإسلامية وطبعت هويتها ، كما أكدته المس بل عام 1911 . ومازال لغط يدور حول قلعة بازيان قرب السليمانية ، وكل الدلائل البحثية تشير إلى أنها دير عراقي محض وليس قلعة كما يدعي بعض المدعين ، بما يؤكد وسع إنتشار ذلك النوع من العمائر في العراق القديم .&lt;br/&gt; &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;دير مار متي في الموصل&lt;br/&gt; &lt;br/&gt; وذكر اليعقوبي في مؤلفيه التاريخ والبلدان بصدد سامراء : “ كان في ( سر من رأى ) متقدم الايام صحراء من أرض الطيرهان لاعمارة فيها وكان بها دير للنصارى “ بالموضع الذي صارت فيه دار السلطان المعروفة بدار العامة . ويكرر ذلك كل من الشابشتي حين يذكر دير السوسي ودير مرمار جنوب سامراء وياقوت نقلا عن البلاذري وأكد أسمه دير مر جرجيس وعيّن موقعه شمال مدينة بلد بـ 15كلم ، وكذلك دير عبدون في المنطقة نفسها . &lt;br/&gt;والدير يعني البيت الذي يتعبد ويقطن ويتعايش فيه الرهبان . والكلمة واردة من كلمة دار السامية ، والجمع أديار والديراني صاحب الدير ويقال دير وأديار وديران ودارة ودارات وديرة مازالت تستعمل في الجنوب العراقي والجزيرة والخليج  .&lt;br/&gt;وما بني من العمائر المسيحية في الحواضر والمدن والقرى فيعتبر كنيسة ، وظهرت ملامح أولى الكنائس والاديرة في العراق على سجية العمائر في نوعيها البابلي في المناطق الرسوبية ، والأشوري في مناطق التلال والجبال . وأقدم الكنائس العراقية كما ورد في بعض المراجع السريانية هي كنيسة كوخي العظيمة التي أقامها مار ماري في المدائن سلمان باك ، التي كانت تعتبر مركز المرجعية النسطورية الملقب بالجثليق كنيسة بابل . وفي الفرتة العباسية انتقلت المرجعية الى بغداد بعيد تأسيسها . ومنذ القرن الثاني الميلادي ، طفق العراقيون في إشادة كنيسة في كل قرية ومدينة ، من شمال العراق حتى اقصى جنوبه . وكل منها كنيت بأسم قديس أو سميت بتذكار ديني . وقد اكدت الحفريات التي قامت بها البعثة الألمانية في أطلال سلمان باك وجود آثار كنيسة فيها ، وذهبت الى تقدير إنشائها الى المائة السادسة للميلاد . &lt;br/&gt;وأقدم الكنائس الباقية اليوم تدعى الطاهرة الفوقانية وتقع شمال شرقي الموصل ، على مقربة من باش طابية على ضفاف نهر دجلة ، الذي كان فيضانه وبالا عليها ، بالرغم من الترميمات وأخرها الذي جرى عام 1743 . وتكتنف الموصل كذلك كنيسة شمعون الصفا في محلة مياسة التي يعتبرها البعض أقدم كنيسة عراقية باقية منذ القرن الثالث الميلادي . &lt;br/&gt;ويمكن إعتبار بغداد من أهم المواقع التي شغلتها العمارة المسيحية قبل تأسيسها الإسلامي عام 762م ، حيث للتسمية الأرامية بيت غدادو أي بيت الغنم أوالمرعى ، ربما  يؤكد صفتها الأولى الذي يعتبر أحد ما ذهب إليه الباحثون . وقد وجدت الكنائس في غربها الكرخ ثم انتقلت إلى رصافتها تباعا ، وأقدمها التي كانت بجوار بغداد المدورة في محلة المنطكه حالياً ، وكذلك في محلة العقبة المعروفة اليوم محلة الشيخ صندل كما سكنوا في محلة قطفتا وهي محلة المشاهدة الحالية . ومن أكبر كنائس بغداد كانت على تخوم المشهد الكاظمي اليوم شمال بغداد في محلة البحية الحالية ، وتطورت هذه الكنيسة حتى أصبحت مجمعاً كنسياً أو ديراً كبيراً جاء وصفها لدى المسعودي ، وذكرها ياقوت الحموي واصفاً إياه حسن العمارة ، كثير الرهبان ، وله هيكل في نهاية العلو ، وعلى تخومه موقعه اليوم مدينة الحرية كانت  بيعة سونايا ، ثم صار يدعى بـ الدير العتيقة .&lt;br/&gt;وبعد إنتقال العراقيين النصارى إلى الرصافة متماشين مع توسع بغداد اللاحق ، وما حل في الكرخ من خراب بعد الفتن وحروب الأمين والمأمون ، حيث انتقلوا إلى شمال المدينة الاعظمية اليوم بما كان يدعى الشماسية منحدرا من أسم شماس وهو القس النصراني ،حيث يقول ياقوت فيها : الشماسية منسوبة الى بعض شماسي النصارى ، وهي مجاورة لدار الروم التي في أعلى مدينة بغداد ، وإليها ينسب باب الشماسية باب المعظم وفيها كانت دار معز الدولة البويهي . . وهي أعلى من الرصافة ومحلة أبي حنيفة . وفي دار الروم حاليا حي صليخ ، كانت قد أنشئت أهم الكنائس بيعة درب دينار التي بقيت قائمة حتى العام 1333م إبان الدولة الإيلخانية . وكانت تقع هنا أكبر كنائس المشارقة في دار السلام وهي بيعة السيدة مريم ، وقد ذاع صيتها في البلدان لما احتوته من رسوم إيقونية كان يمكنها أن تنقل لنا ملامح عن فنون مدرسة بغداد في الرسم على الحيطانالفريسكو ، من الحضارات الرافدية . وقد بقيت  محلة في ذلك الجانب تدعى رأس الكنيسة تقع قرب الميدان اليوم ، حتى حلول التغييرات المعاصرة في بنية بغداد الحضرية .&lt;br/&gt;واليوم توجد الكثير من الكنائس في أرجاء بغداد تتبوأ كنيسة الأرمن موقع الصدارة في الباب الشرقي ، وهي حديثة البناء ومبنية على الطراز الأرمني التقليدي . ومن أكثر الكنائس قدماً وهيبة هي كنيسة اللاتين أو السيدة العذراء الواقعة في الشورجة على شارع الخلفاء مقابلة لمسجد الخلفاء المحتضن لمنارة سوق الغزل في حي صبابغ الآل . بنيت هذه الكنيسة بين أعوام 1860-1871 . وكان يلتقي في هذه الكنيسة وما الحق بها الأب العالم أنستاس الكرملي بطلابه وأحبابه من كل الملل ، حتى وافاه الأجل ودفن في باحتها . وقد مرت تلك الكنيسة بويلات كثيرة كان أكثرها إيلاماً إحراقها من قبل الجيش التركي ضمن ما حرق عند إنسحابه من بغداد بعد خسارته الحرب العالمية الأولى . وأعيد ترميمها عام 1920 ، واستمر حالها مترنحاً حتى أستملكتها الحكومة العراقية عام 1956 ، حيث بقيت حتى العام 1966 عندما اغلقت لمدة عقد من الزمان ، حيث وهبتها الحكومة العراقية عام 1976 للأقباط المصريين الذين بدأ عددهم يتزايد في بغداد حينئذ . &lt;br/&gt;وعلى العموم فأن عمارة الكنائس العراقية وتاريخها يستاهل من الباحثين الخوض فيه وإثرائه بالبحث والتدوين والرسم ، والتحليل والمقارنة . وأملنا أن لا يكون رد فعل بعض الأخوة أكبر من الفعل الشنيع للإرهابيين ، ويلصقوا الأمر بالإسلام الحنيف ، أو يتخلوا عن عراقيتهم الخالدة .&lt;br/&gt;This article first appeared in Mesopotamia .</description>
    </item>
    <item>
      <title>سفر برلك&#13;&#13;المؤسسة الامريكية للدراسات السريانية</title>
      <link>http://www.syriacstudies.com/AFSS/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A1/Entries/2009/4/20_%D8%B3%D9%81%D8%B1_%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%83_-_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D8%B3%D8%B3%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9_%D9%84%D9%84%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9.html</link>
      <guid isPermaLink="false">14e80d17-1439-4a6f-aaf3-6e6058bacae3</guid>
      <pubDate>Mon, 20 Apr 2009 12:40:43 -0400</pubDate>
      <description>&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;مجموعة نصوص ووثائق تاريخية تتناول العلاقة الأرمنية - التركية التي &lt;br/&gt;أدت الى مجازر السريان الأرثوذكس والتي نسيها العالم منذ أمد طويل &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;مقدمـة&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;من المتعارف عليه أنّ المؤرّخين يولون اهتماماً خاصـاً وكبيراً بالتحديات المصيرية التي تواجهه الشعوب ، أو المآسي التي تختبرها بعض الأمم وتعاني من ويلاتهـا . وغالبا ما يشتهر مؤرّخ ما لأنّه أرّخ لمرحلة حاسمة كانت تعتبر منعطفاً تاريخياً في حياة المجتمع الإنساني . فكلما دار الحديث عن الإمبراطورية الرومانية مثلاً ، جاء ذكر &amp;quot; إدوار غيبون &amp;quot; وكتابه &amp;quot; سقوط الإمبراطورية الرومانية &amp;quot; . لأنّ كتاب غيبون يمدّ القارئ بفيض من المعلومات الموثّقة والمدعومة بالحجّة المنطقيّة والتحليل الموضوعي للعوامل التي ساهمت في التحوّلات الجذرية التي مرّ بها المجتمع الروماني والتي أدّت بالتالي إلى انحـلاله وتدهوره ، ما جعل هذا الكتاب يحتلّ مكانةً رفيعةً لدى جميع المعنيين بالتاريخ الروماني . ولكن ، إذا كانت روما قد حظيت بمؤرّخ مثل غيبون يؤرّخ لأزماتها بدقّة علميّة فإنّ الشرق الأوسط ، وإن كان قد واجه ( ولا يزال ) أزمات لا تقلّ حدّة عن تلك التي واجهتها روما ، لم يتح للمؤرخين فيه حريّة التفكير والبحث الموضوعيين ، حتى يتسنى لهم تطبيق المنهجيات العلمية على القضايا التاريخية دون الرضوخ لفرضيات مسبقة أملتها السُلطة أو روّجت لها بعض الأوساط الثقافية أو الدينية ، ومع اعتبار أن يكون رائد العمل إنصاف الحقائق التاريخية ، وليس إرضاء هذه السُلطة أو تلك.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;منذ مذبحة العام 1915 ظهرت كتب عديدة تناولت نشوء الإمبراطورية العثمانية وتطورها وانحـلالها ، كتب معظمها مختصّون غـربيون وشرقيون اهتموا بالأزمات السياسية والاقتصادية والقومية والاجتماعية وحتى الثقافية لدى العثمانيين ، غير أنّنا لم نعثر حتى الآن على كتاب واحد يتناول أيديولوجية الأتراك القومية التي تطورت مع بداية القرن العشرين ، والتي نشأت منها عنصريّة عرقيّة دينيّة حرّضت العثمانيين الأتراك على تغيير نظرتهم إلى الأقلّيات وتعديل موقفهم منها وبالتالي الإقدام على تصفيات جماعية لهذه الأقلّيات. ليس هناك من أرّخ للمذابح التي أودت بحياة أكثر من مليوني أرمني ونصف مليون سرياني ما خلا بعض الكتّاب الأرمن . وليس هناك أيضاً من يحدّد بدقّة علميّة السياق العام للأحداث العالمية والشرق أوسطية التي سبقت المذابح أو عاصرتها ومدى الدور الذي قامت به تلك الأحداث في التحريض على تصفية السريان الذين اشتهروا منذ فجر المسيحية باهتمامهم بالقضايا الثقافية والعلمية . تلك القضايا التي من أجل نشرها وتطويرها بنوا جامعات ( جنديسابور ، والرها،  ونصيبين ، ورأس العين،  ولافات ) التي درّست ونشرت علوماً يونانية وسريانية ساهمت كثيراً في تطوّر الشعوب البيزنطية والفارسية والعربية والعثمانية وتقدمها. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;صحيح أنّ المسيحية قاسم مشترك بين السريان والأرمن ، إلاّ انّه لم يكن للسريان ثمّة همّ سياسي ، ولم يطالبوا بإقامة وطن لهم ، بل اكتفوا بأن يكونوا مواطنون يتقيّدون بقوانين المجتمعات التي تواجدوا فيها . وعبر تاريخهم الطويل كان السريان قد انفتحوا على جميع شعوب تلك المجتمعات سواء كانت وثنية أو مسيحيّة أو مسلمة وتفاعلوا معها وعملوا على تقدمها . لذلك ، يبقى أمر المذابح التي تعرض لها السريان لغزاً يستحقّ البحث الجدّي. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;سواء أكانت للمذابح الجماعية التي تعرّض لها الأرمن والسريان علاقة بالشؤون السياسية أو القومية لهذا البلد أو ذاك أم لا إلاّ أنّها لا يجوز أن يتجاهلها المؤرّخون والباحثون لأنهّا تبقى، في جوهرها مسألة تهمّ البشرية جمعاء بما في ذلك هؤلاء الذين ارتكبوها . لأنّ الذين أقدموا على القتل والتدمير هم من حيث الجوهر بشر كالذين تمّت إبادتهم ولم يتحوّلوا إلى قتلة إلاّ في ظلّ نظام سياسي واجتماعي أضفت أيديولوجيته الصفات المثالية المطلقة على مُثل المواطن العثماني وقيمه وأفكاره وجرّدت الآخرين ( الأقلّيات الأرمنية والسريانية ) من قيمهم ومثلهم البشرية تمهيداً للقضاء عليهم . فأيديولوجية العثمانيين الأتراك القومية كانت قد كوّنت بيئة ثقافية ونفسية جعلت الفرد العثماني ينشأ على مطلقيّة شخصيته القومية وصفاءها وسموّها وتميّزها وتفوّقها. وكانت هذه الأيديولوجية قد هيمنت على مؤسّسات المجتمع السياسية والاجتماعية والتربوية والثقافية والدينية لدرجة أنّ الإنسان العثماني لم يكن إلاّ صدىً لها . بمعنى آخر : إنّ الأيديولوجية كانت قد استبدّت بالإنسان العثماني وصارت هي التي تفكّر وتفعل وتشرّع بحيث صار الفرد العثماني أداة في يد الأيديولوجية الحاكمة. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;لذلك ، ينبغي أن تُدرس المذابح التي أقدم عليها العثمانيون من منظور تاريخي وأيديولوجي ولا علاقة لذلك كلّه بجوهر الفرد العثماني ، فهو من حيث الجوهر لا يختلف عن الأرمني أو السرياني . الاختلاف هو في الإطار الأيديولوجي الذي يحدّد رؤية الإنسان لنفسه وللآخر ، لأنّه عندما يقدم الإنسان على فعل إيجابي أو سلّبي فهو ينطلق من قواعد فكرية ( أيديولوجية ) هي بمنزلة قناعات مطلقة لديه ، لا يراوده الشكّ في مصداقيّتها وشرعيّتها ، لدرجة أنّه ليس قادراً على أن يفكّر أو أن يفعل إلاّ من خلال تعليلها وتبريرها وتشريعها . فالإبادة فعل استوجبته وبرّرته مسبقاً أيديولوجية عنصرية قبل أن تنفّذه أيدٍ بشريّة . لذا ، نرى ضرورة القيام بنقدّ علمي شامل لمثل هذه الأيديولوجيات التي تحرم الإنسان التفكير العلمي والانفتاح على الآخرين ، والقبول بهم وإن اختلفوا عنه في سياستهم ودينهم وقوميتهم وثقافتهم. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;عندما نؤكّد على تحديد إطار مذبحة العام 1915 التاريخي فإنّنا ننطلق من مبدأ أنّ المذبحة هي ظاهرة تاريخية محضة ، وعندما ندرسها كظاهرة تاريخية نستطيع بذلك تحديد المسؤولية دون السقوط في متاهات التجريد والتعميم التي مارسها بعض الكّتاب الذين تعرضوا للمذبحة .  مثلاً ، بعض الكتب العربية التي أرّخت لمذابح السريان التي وقعت في العام 1915 اكتفت ، عامّة ، بوصف المذابح وطريقة تنفيذها في معزل عن السياق التاريخي العامّ . فالأحداث على الرغم من مأساتها وبشاعتها تكاد تكون سلسلة من الحوادث الاعتباطية المجانية التي قلّما نجد لها تبريراً منطقياً أو عقلياً . لأنّ مؤرّخي تلك الأحداث اكتفوا بتصوير الحدث بذاته دون أن يعلّلوا خلفياته ودوافعه أو يحدّدوا العوامل المحرّضة على وقوعه والتي هي عوامل تاريخية بحتة . لذلك ، التبس عليهم - وعلى قرّائهم - فهم الغاية أو الغرض السياسي والقومي والاستراتيجي من وراء تلك المذابح . &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;إنّ أيّ حـدث تاريخي لا بدّ أن يصدر عن جماعة معيّنة لها ظروفها التاريخية، وانخراط أيّ جماعة في أي فعل أو حدث تاريخي لا بدّ أن يكون مشروطاً بجملة من العوامل وله بعض المبرّرات ، وبالتالي ، لا بدّ من أن يهدف القيّمون على الحدث إلى تحقيق غاية ما . هكذا ينبغي أن ننظر إلى التاريخ لكي يتسنىّ لنا فهـم آلياته وأغراضه . عندما يُدرس الحدث التاريخي من منظور علميّ عندها يستطيع القارئ والدارس أن يفهما الحدث على أنّه ظاهرة تاريخية ، أي ظاهرة تنشأ في مكان وزمان ، وتخضع لشروط معيّنة ، وتمثّل جماعة لها سياسة معيّنة ، وترمي إلى تحقيق غـرض معيّن ضمن مرحلة تاريخية معيّنة . فالحدث التاريخي ، لكي يُفهم،  لا بدّ أن ننظر إليه على أنّه جزء من كلّ ، وحين نفهم طبيعة المرحلة التاريخية واتجاهاتها العامّة ، عندها نستطيع أن نفهم علمياً ما حصل في التاريخ.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;رغم أنّ التأريخ هو منهج ينصبّ على دراسة الماضي إلاّ أنّه دائماً يتوجّه إلى الإنسان في الحاضر . يستجلي المؤرّخ الغموض والالتباس والاختلاط الذي قد أحاط بالأحداث التاريخية حتى يوفر لنا ، في الحاضر ، صورة جليّة واضحة متحرّرة من الأوهام التي علقت بأذهان الناس . بمعنى آخر ، إنّ مهمّة المؤرّخ الرئيسية لا تنحصر في أن يضعنا في اتصال علمي مع الماضي لكي نفهم كيفية تكوينه ومقوّماته واتجاهاته وحسب ، بل تمتدّ إلى تبيان مدى استمرار مؤثّرات ذلك الماضي في حاضرنا وأثره في حياتنا الآن . حين تتوافر لدينا نظرة إلى التاريخ علمية نقدية نكون بذلك قد اطّلعنا على الماضي بتجرّد وموضوعية، وتوافـرت لنا الجرأة في نقد الماضي ، والتحرّر من عقدة النقص والتبجّح ، وانفتحنا على نحوٍ خلاّق على إمكانات الحاضر والمستقبل. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;بعض نتائج هذه النظرة العلمية للتاريخ تمّ تطبيقه ، إلى حدّ ما، على مذابح العام 1915 التي أودت بحياة أكثر من مليون أرمني وزهاء ربع مليون سرياني. قد يجد القارئ فيضاً من المعلومات عن القضيّة الأرمنية كتبتها أقلام غربية أو باحثون أرمن. المؤسف في الأمر أنّه ، حتى الآن، لا يوجد كتاب موضوعي واحد يتناول المذابح التي تعرّض لها السريان ، وحين يتناول الباحثون الأرمن موضوع مذابح عام 1915 ، لا يأتي أحد على ذكر المجازر التي تعرض لها السريان رغم تزامن المذبحتين وتلاحمها، وكأنّ المذابح صارت حكراً لجماعة معيّنة دون أخرى . إنّ هـذه الدراسة ، على أهمّيتها تبقى محاولة متواضعة همّها تعريف القارئ بالخلفيّات السياسية والقومية والثقافية التي تبلورت في بداية القرن العشرين ومهّدت تدريجياً للمذبحة . أمّا غـاية هذه الدراسة الرئيسية فهي تعميق الوعي العلمي للتاريخ الذي رافق مذبحة العام 1915 وتأصيله.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;الدكتور ادمير كورية&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;الابادة الجماعية&lt;br/&gt;
ّلا يستطيع المرء تصور خطورة الإبادة الجماعية وثقلها . لقد وُصِفت بأنها &amp;quot;  الصفحة الأشدّ سواداً في التاريخ المعاصر &amp;quot; . أنها شديدة البشاعة ورهيبة ، حتى نكاد لا نصدق أعداد الضحايا . إنّ المجازر البشرية التي قام بها السلطان عبد الحميد (1842 - 1918) ضدّ الأرمن والمسيحيين بين العامين 1894 و1896 والتي أودت بحياة أكثر من مائتي ألف شخص كانت أول لقاء حقيقي للكتّاب والمؤرّخين الغربيين مع بربرية الحكومة العثمانية . وتعتبر هذه المجازر تجربة ( بروفة)  لمسرحية الإبادة الجماعية التي قامت بها حكومة ( تركيا الفتاة ) في العام 1915 . ولم يفشل هؤلاء الكتّاب في الاستجابة لهذه الهزّة المرعبة ، فلقد كتب شهود عيان ودبلوماسيون ومراسلو صحف وبعثات إنسانية من عدّة دول مئات من المقالات والقصص القصيرة والكتب ، كلّها صوّرت الوحشية والهلع ولكن ، دون أن يكون هناك أيّ تحليل علمي وافٍ يتناول ما جرى&lt;br/&gt;وأسبابه الحقيقية. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt; في العام 1909 وقعت مجزرة أخرى في أضنه قضت على حياة  ثلاثين ألف شخص ، وهنا أيضاً ، وكالسابق ، تكرّرت ردود الفعل الكتابية التي لم تعبرّ إلاّ عن الحزن والأسى. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;لقد نظّمت السلطات التركية عملية الترحيل وخطّطت لمجازر المسيحيين لحماية نفسها من &amp;quot; المشكلة الأرمنية &amp;quot;،  وبغية خلق نظام متجانس جديد . ومن خلال القتل والإبادة استطاعت حكومة &amp;quot; تركيا الفتاة “ إزالة الأرمن ومعظم السريان من الإمبراطورية العثمانية وتدمير أصالة هذين الشعبين التاريخية ، وتحريف البنية القومية والشخصية الدينية للمنطقة . أمّا الجيل المنفي فلقد ركّز قواه ، وما زال ، على تضميد جراح هذه المجازر وعلى تنظيم المدارس وبناء الكنائس والعمل على إيجاد خلفية ثقافية قومية لإحياء التراث ومحاولة الحدّ من الانصهار والاندماج  في المجتمعات الجديدة. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;إنّ هدفنا من هذه الدراسة هو إثارة ثلاثة أسئلة : ما الذي حدث ؟ ولماذا حدث ؟ وما الذي تعلّمناه من &amp;quot; المشكلة الأرمنية &amp;quot; ؟ علّها تلقي الأضواء على بعض الحالات الأخرى.  &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;الإبادة الجماعية&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;يقول بعض المؤرّخين إنّ السبب في الإبادة الجماعية للأرمن جاء نتيجة الاستفزاز الأرمني ، ويقول البعض الآخر أنّ السبب قد يكون موجودا في محرّك العلاقات الأرمنية - التركية ، أي في &amp;quot; لجنة الاتحاد والترقّي &amp;quot; ، أو قد يكون بسبب الكارثة السياسية والعسكرية للدولة العثمانية بين العامين 1908 و1915 التي عزلت الأرمن وأبرزت القومية التركية . والحقيقة أنّ التجربة الجديدة للقومية لم تغيرّ الهوية التركية وحسب بل غيرّت النظرة إلى الشخصية الأرمنية وشدّت الانتباه إلى خطورة الأقلّيات المسيحية ، لقد غيرّتها من المخلص والموالي إلى المهدّد والغريب . من هذا المنطلق نقول أنّ الكارثة السياسية التي منيت بها الإمبراطورية العثمانية والأيديولوجية الجديدة لحركة &amp;quot; تركيا الفتاة &amp;quot; كانتا سبباً في تفريق الأرمن والسريان والاقلّيات الأخرى عن الأتراك وبالتالي التهيئة لإبادتهم. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;إنّ العديد من المثقّفين والمهتمّين بالعهد التركي الحديث يجمعون على أنّ لجنة الاتحاد والترقّي التي قادت الثورة سنة 1908 ضدّ السلطان عبد الحميد والتي حكمت تركيا بين العامين 1908 و 1918 كانت بمنزلة كارثة على الأقليات المسيحية وهي المسؤولة عن الترحيل ( السوقيات ) الذي أدّى إلى الإبادة الجماعية سنة 1915.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;دأبت الحكومة الاتحادية في مطلع عام 1915 على ان تنفذ خطة الابادة الارمنية باتباع مرحلتين تمهيديتين من شأنهما اطلاق يدها بحرية كاملة في ازالة أرمينيا من الوجود “ ففي المرحلة الاولى من الضروري جعل كل الجنود الارمن في حال عجز تام , وفي المرحلة الثانية يجب تجريد كل الأرمن من اسلحتهم في كل مدينة كبيرة أو صغيرة . فقبل ذبح أرمينيا يجب أن تبقى من دون حماية “. ولما فرغت من هاتين المرحلتين تسنى لها ان تبدأ المرحلة الاساسية الثانية لتصل بعدها الى المرحلة الاخيرة , وذلك بملاحقة كبار المفكرين والمسؤولين الارمن الذين قد يكونون مصدراللمتاعب .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;فرق السخرة&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;لقد بدا المصير الأرمني والسرياني والمسيحي على نحوٍ عامّ واضحاً في شباط سنة 1915 حين قام الجيش التركي بتجريد الجنود المسيحيين  من سلاحهم ورتبهم العسكرية ووسائل نقلهم وكوّن منهم طوابير الخدمة العمّالية ( فرق السخرة ) التي أجبرت على تعبيد الطرق وبناء الجسور ومدّ الخطوط الحديدية ، ثمّ نفّذ الجيش أوامر حكومته بقتل جميع أفرادها . وبدأت الحكومة بتجريد المدنيين المسيحيين من الأسلحة بحجّة طلب عـدد معينّ من الأسلحة من كل جالية ، وأُلقي القبض على الكثير بتهمة إخفاء السلاح أو بالتآمر على سلامة الدولة . وفي 24 نيسان سنة 1915 اعتقلت الحكومة قادة الشعب والإكليروس والمفكّرين والسياسيين الارمن وتمّ نفيهم إلى داخل الأناضول حيث تمت تصفيتهم.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;السوقيات&lt;br/&gt;وحين غابت القوّة السياسية والإدارية والفكرية المسيحية الفاعلة وأصبح المسيحيون بلا حماية بدأت الخطـوة الثانية في تنفيذ خطة الإبادة الجماعية وهي الترحيل (السوقيّات) . هذه الخطوة نسّقت ما بين طلعت باشا وزير الداخلية التركية والمسؤول عن المدنيين ، وبين أنور باشا وزير الدفاع التركي والمسؤول عن طوابير السخرة . في أيّار سنة 1915 قرّر طلعت باشا ترحيل الأرمن الذين &amp;quot; لا يؤتمن جانبهم &amp;quot; من مناطقهم وإعادة إسكانهم في منطقة الصحراء السورية وبلاد ما بين النهرين (مدينتي  ديرالزور ورأس العين مركزين من مراكز القتل ) ، متناسياً أنّ أغلبيّة السريان الأرثوذكس هي في ألوية ما بين النهرين مثل ديار بكر وماردين وأورفه وخربوط ، وأنّه قد يلاحقهم الأذى من جرّاء ذلك ، ولقد وعد أنّ جميع ممتلكاتهم وأمتعتهم ستصان وتحفظ حتى عودتهم . ولعلّ أفضل المصادر التي تشرح ما حدث هو المؤرّخ المشهور &amp;quot; ارنولد تونيبي &amp;quot; حيث يقول:&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;كان الرجال يهرعون إلى مبنى الحكومة حال سماعهم المنادي ينادي بوجوب تقديم أنفسهم شخصياً إلى دار الحكومة ، وهناك وبدون إعطاء أيّ سبب يلقون في السجن لعدّة أيام ، ثمّ يؤخذون خارج المدينة حفّاة مقيّدين بعضهم إلى بعض بالحبال . وعند أوّل فرصة سانحة في مسيرتهم الطويلة ينفرد الجنود بالرجال ويذبحونهم ، ثمّ يخطفون الأطفال والنساء ويشنعون بهم ويستحوذون على ما لديهم.. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وفي ما عدا مدن أو محافظات بدليس وموشى وساسون التي تمّت إبادة جميع من فيها تمّ ترحيل الأطفال والنساء الباقين على قيد الحياة في قوافل تمشي من مدينة إلى أخرى حيث كان أفرادها فريسة عصـابات خاصة أشرفت على تنظيمها السلطات الرسمية التابعة للوزارة الداخلية التركية ( الجيش الخمسيني أو “ المليس “ ) أو كانوا عرضة لمهاجمة الفلاحين الأكراد والأتراك. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;كان القصد من هذه المجازر إذلال الأرمن ، وإبقاء نسبة 10% منهم فقط على قيد الحياة ، والعمل على إبـعاد هذه النسبة الضئيلة عن الإمبراطورية العثمانية نهائياً . وبالطبع ، نالت المجاعة والأمراض قسطها من الضحايا لتزيد من عظَمة المأساة . ونتيجة هذا قضي على أكثر من مليون أرمني ، وذلك حسب إحصائيات جمعية حقوق الإنسان في هيئة الأمم ، وعلى أكثر من ربع مليون سرياني ( ٢٧٢ ألف نسمة ) منهم 96 ألف شهيد في قضاء ماردين فقط.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;في حالات المجازر والإبادات الجماعية يتفاوت تقدير عدد الضحايا  فثمّة من يقلّل من العدد وثمّة من يزيد منه . والحقيقة أنّه ليست هناك إمكانيّة لتحديده تماماً فإذا أخذنا تقديرات هيئة الأمم وأضفنا إليها أكثر من  الربع مليون من السريان وبقيّة الأقليّات المسيحية ممّن قتلوا أو قضي عليهم بالجوع أو العطش أو التعب أو المرض  نستطيع أن ندرك مدى فظاعة النكبة التي بلي بها الشعب المسيحي عامّة . لقد كتب آرام أندويان التالي:&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;ذهب العديد من الضحايا الأرمن من رجال ونساء وأطفال في المجازر الثلاث التي حصلت سنة 1916 . كانت الأولى في رأس العين حيث قتل أكثر من 70 ألف شخص ، والثانية في أنتيللي قضي على أكثر من 50 ألف نسمة كانوا يعملون في حفر نفق بغداد ، والثالثة التي كانـت أشدّ رهبة وبشاعة وقد وقعت في مدينة ديـر الزور حيث قتل زيّـا بك اكثر من 200 ألف نسمة . لقد اقتيد من بقي على قيد الحياة ، من مناطق كيليكيا ومحطات أخر ، إلى الصحراء السورية حيث التقوا أناساً من المناطق الأرمنية الستّ ومن مدن شواطئ البحر الأسود.. لقد كان اللقاء بين النساء والأطفال دون السابعة فقط . فلقد تمّ  إعدام كل شخص تجاوز هذه السنّ. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;لقد استبدلت حكومة &amp;quot; تركيا الفتاة &amp;quot; الأرمن والسريان بالأكراد والأتراك ، وبدّلت كلّ الآثار الحضارية وأسماء الكنائس والأديرة .  أما السريان فلقد أودت الحرب&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;بحياة حوالي ربع مليون سرياني في مختلف الأبرشيات وتركت وراءها عددً كبيراً من الأيتام والأرامل وضعضعت معظم الأبرشيات السريانية المهمّة ، لا بل قضت على بعضها بسبب هجرة أبنائها الى بلاد الله . ودمّرت كنائس كثيرة وأديرة تاريخية في بلاد ما بين النهرين لعبت دوراً مهماً في سالف الأزمان في نشر الحضارة والمدنية ، وتبعثرت المخطوطات السريانية الثمينة والذخـائر النفيسة والمكتبات الشهيرة ، وخلقت جوّاً كئيباً في حياة السريان أينما كـانوا ، وخسر السريان كمجموعة وكأفراد  ممتلكاتهم من أموال منقولة وغير منقولة . وبالتالي تفـكّكت وحدة الطائفة الجغـرافية بالتقسيمات السياسية التي جاءت كتحصيل حاصل لمـخططات الاستعمار . وصحيح أنّ نهضة جديدة قامت في ربـوع سورية ولبنان بإعادة تشكيل أبرشيات سريانية في كـل منهما ، ولكنها كانت على حساب أبرشيات أخرى سريانية زالـت من الوجود. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;نادى المؤتمر الطوراني التركي العامّ &amp;quot; بتوحيد الفروع الشرقيّة والغربيّة للجنس التركي &amp;quot;،  وفيه وضِعت خطة إزالة أرمينيا من الوجود عن طريق إفراغها من أبنائها وربط تركيا بأذربيجان وسائر الدول ذات الأصل التركي من منغوليا حتى القوقاز.&lt;br/&gt;يقول طلعت باشا وزير الداخلية التركية في إحدى برقيّاته إلى الوالي العثماني في حلب ما يلي: &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;بالرغم من أنّ قراراً قد صدر منذ أمد غير بعيد بإبادة العنصر الأرمني ، فإنّ الظروف لم تكن سانحة لتحقيق هذا المشروع المقدّس . أمّا الآن وبعد زوال كلّ العقبات فإنّ الوقت قد حان . إنّنا نهيب بكم أن تتجرّدوا من أيّ إحساس بالشفقة والرحمة إزاء حالاتهم المفجعة . كما نطلب إليكم أن تعملوا جاهدين للقضاء عليهم ومحو الاسم الأرمني بالذات. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;ولكنّ الحكومة العثمانية ، حينذاك ، لم تعطِ  أيّ تبرير أو سبب دفعها لقتل السريان ،  حتى ليبدوا أنّ لجنة الاتحاد والترقّي كانت جاهزة لمحو أيّ أثر أو ذكر لوجودهم والأرمن معاً . وكأنّه عمل مقصود . وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل... لماذا؟ &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;هذا هو ما كرّره &amp;quot;برنارد لويس&amp;quot; مذكراً بالانتفاضة الأرمنية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حيث يقول: &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;لقد مثّل الأرمن أخطاراً كبيرة تجاه الحكومة . فإن قبل الأتراك الانسحاب من بلاد العرب والبلغار وألبانيا واليونان ، والاستقرار ضمن حدودهم الجغرافية ، إلاّ أنّهم لن يسمحوا بقيـام دولة أرمنية على حدودهم . فإنّ استقلال الأرمن يعني تمزيق الدولة التركية ، فهم منتشرون في جميع أنحـاء تركيا الآسيوية ، من بلاد القوقاز حتى شواطئ البحر الأبيض المتوسط ، أي في قلب الأرض التركية . &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;بالنسبة إلى &amp;quot;برنارد لويس&amp;quot; كان الأرمن عبارة عن أقليّة مسيحية تعيش في تركيا ، ولسوء حظّها كانت موزّعة شعباً وأرضاً على طرفي الحدود الروسية - التركية حيث وجدت فيها شعوب أخرى لها منطلقاتها القومية وتطلّعاتها لإنشاء دولٍ مستقلّة . لقد تميّز القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين بأن النزعات القومية وفكرة الاستقلال كانت مركز اهتمام جميع الأقلّيات من أكراد وأرمن ويونان وعرب وبلغار .. وغيرهم. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;غير أنّ الأرمن عرفوا ولا شكّ أنّ قيام دولة أرمنية مستقلّة ستكون ضربة للدولة العثمانية من جهة وضربة أخرى للأرمن المقيمين في الأراضي التركية من جهة أخرى ، وأنّ هذا سيعطي انطباعاً بأنهّم مسلّحون كالأتراك وبأنهّم يتمتعون بالقوّة والنفوذ . والحقيقة أنّ الأرمن لم يكونوا موحّدين تحت راية حـزب واحد ،  وبالتأكيد لم تكن لديهم القوّة العسكرية سواء لغزو الأتراك أو للدفاع عن أنفسهم . كان الشعور القومي الأرمني مطابقاً  للشعور القومي التركي ، ولم تكن القومية التركية قد صيغت بعد بتعاليم مصطفى كمال ، ولكنّها كانت موجودة في تعاليم &amp;quot; زيّا كوكالب &amp;quot;، الذي يعتبر أبا القومية التركية ، ومتقلّبة نوعاً ما بين الإسلام والعثمانية. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;ما هي المقوّمات والحدود التي أعطاها الأرمن لقوميتهم حتى تختلف عن باقي القوميات وتكوّن الخطر المميت لحكومة &amp;quot; تركيا الفتاة &amp;quot; ؟ &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;لقد اعتبرت تركيا أنّ قيام دولة أرمنية مستقلّة ستكون رادعاً في تحقيق وحدة الشعوب التي تتكلّم اللغة التركية ، وبالتالي عقبة رئيسية في تحقيق الحلم الأكبر للأتراك وهو ربط آسيا الصغرى مع آسيا الوسطى في دولة واحدة . ولكنّ السؤال يبقى : هل بدأ خـوف الأتراك من الأرمن من خلال تحرّكات الأرمن ومقدرتهم ؟ أم من مصادر أخرى من ضمنها وضعهم اليائس وتعلقهم بالقومية التركية الجديدة. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;حين قامت ثورة 1908 ضدّ السلطان عبد الحميد كان الحزبان الأرمنيان &amp;quot; الهانشاك &amp;quot; و&amp;quot; الطاشناك&amp;quot;  على علاقة جيدة بالنظام الجديد . فلقد ابتهج الأرمن بانتصار الجيش ، لأنّ انهيار حكم السلطان عبد الحميد ، الذي قام بمجازر سنة 1894 - 1896 ، وإصلاح الدستور كانا غاية ما يتمنّونه وخاصّة حزب الطاشناك ، فالقول بأن الأرمن يشكلون الخطر المميت على الإمبراطورية العثمانية حينذاك قولٌ لا صحّة له . فما الذي جرى ليجعلهم يبدون كتهديد قاتل أو كخطر مميت؟ &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;لقد حدثت أمور عديدة أدّت إلى قطع العلاقات بين العهد التركي الجديد والأرمن بعد توتّرها ، لقد لام الأرمن الحكومة العثمانية على مجزرة أضنة سنة 1909،  حيث قتل ما يقارب ثلاثين ألف نسمة ، وفقدوا الشعور بالأمان نتيجة استيطان الأكراد في أراضيهم . فالمهاجرون الأكراد قاموا بالاستيلاء على أراضي الأرمن الذين قتلوا في مجـازر 1895 أو هربوا ، ولمّا عاد الأرمن وطالبوا الأكراد بإعادة الأرض لأصحابها رفض الأكراد ، وبدأت الخلافات التي وصفها نائب القنصل الفرنسي في &amp;quot; فان &amp;quot; بأنهّا حرب حقيقية ما بين الشعبين . أضف إلى ذلك مشاكل عديدة عالجتها الحكومة التركية بقسوة وخشونة . &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;كان الردّ الأرمني هو الطلب من الحكومة العثمانية السماح لهم بتدخّل أكبر في القرارات الداخلية والعمل على حمايتهم من الاستيطان الكردي . ولمّا لم تعرْ الحكومة لهذه المطالب اهتـماماً استغلّت القيادات الأرمنية الخلافات الروسية - التركية وشجعت روسيا ، العدوّ التقليدي للإمبراطورية العثمانية ، على فتح ملفّ &amp;quot; المشكلة الأرمنية &amp;quot; . وتحت إغراء التوسّع النفوذي والاتفاقية البريطانية - الروسية سنة 1907 بإنهاء الاستيطان الشرقي تدخّلت روسيا . وفي شباط سنة 1912 توصّلت الأطراف جميعها الى تنصيب مفتّش أوربـي لتنظيم العلاقات والاتصالات . ولا يستطيع  المرء أن يتخيل مـدى الذلّ والغضب الذي أبداه القوميون الأتـراك تجاه هذا العرض التدخّلي . والمدهش أنّه حين بدأ التصويت على الخيار بين الانفصال عن تركيا والاحتلال الروسي لم يصوّت قادة حزب الطاشناك على الانفصال وفي هذا كتب &amp;quot;دافيدسون&amp;quot; :&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;كانت المشكلة نابعة من الأصل التكويني للإمبراطورية العثمانية. لم يؤمن الأرمن بأنّ روسيا ستمنحهم المزيد من الحرية ، بل على العكس كانوا يؤمنون بأن الانسلاخ الكامل عن تركيا هو مستحيل قبلياً وجغرافياً.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;تأزّمت العلاقات بين الحكومة التركية والأرمن بين العامين 1908 و 1915 حين لم يعدْ الحكم التركي قادراً على احتمال أيّة هزيمة عسكرية أو القبول باستقلال أيّ من الأقلّيات . إنّ خسارة تركيا للمقاطعات الأوروبية ورجوع الأتراك إلى الأناضول لم يعزل الأقلّيات وحسب بل أدّى إلى القضاء على التعدّدية الوطنية الدينية في الإمبراطورية العثمانية وبزوغ القومية التركية. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وازداد شعور العثمانيين بالتهديد الأرمني حين بادرت قوميّات أخرى تطالب باستقلالها عن الدولة العثمانية . ففي أوائل كانون الأول سنة 1908 ، أي بعد ثـلاثة أشهر فقط من انتفاضة العهد الجديد ، أعلنت بلغاريا استقلالها التام ، وفي 6 كانون الأول من السنة نفسها ضمّت النمسا مقاطعات البوسنة والهرسك ، وفي سنة 1911 احتلّت إيطاليا ليبيا ، وفي العام التالي عزلت حكومة البلقان تركيا عن أوربا رسميا . من مجموع ما يقارب 1153000 ميل  مربع من مساحة الدولة العثمانية ومن أصـل 24 مليون نسمة خسرت تركيا اكثر من  424000 ميل مربع،  وقـرابة خمسة ملايين نسمة . وفي مطلـع سنة 1913 خسرت تركيا جميع المناطق الأوروبية ما عدا مساحة صغيرة لحماية مضيق استنبول .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; كان نجاح البلقان واليونان المسيحيين في الانفصال عن الدولة العثمانية قد ترك الأرمن آخر أقلّية مسيحية ما زالت تحت الحكم العثماني . ولقد حقّقت هذه الأقلية خلال القرن التاسع عشر تقدماً على جميع الأصعدة الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية . وفي عصر أطلق عليه &amp;quot; عصر النهضة الأرمنية &amp;quot; كانت تركيا تتكلّم اللغة التركية ولكنّها تفكّر بالأرمنية . لقد لاحظ بعضهم أنّ هذا التحرّك الحضاري كان أحد العوامل التي ساهمت  في مذابح 1894-1896 تحت ظلّ نظام السلطان عبد الحميد . لقد وافق السلطان عبد الحميد على المجزرة ليس لإبادة الأرمن والمسيحيين ، بل لتلقينهم درساً ، ولإبقائهم في أماكنهم المختارة لهم في &amp;quot; نظام الملّه &amp;quot;،  وذلك لإخماد حماسهم ، وخصوصاً الأرمن ، ولتجديد النظام القديم وترميمه .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; استغلّ الأرمن قدوم حركة &amp;quot; تركيا الفتاة &amp;quot; وتركيزها علـى التجديد ومجاراة العصر واعتبروها فرصة جديدة لتوظيف قواهم في السلطة الجديدة . ولكنّ الدولة التركية اعتبرت قابليّة الأرمن نحو التقدميّة واستعدادهم للانفتاح والمساواة تهديداً لنظام &amp;quot; تركيا الفتاة  &amp;quot; ، كما أنهّا اعتبرت استمرارية الأرمن في نهضتهم الاجتماعية تحدياً للسيطرة التركية والإسلامية . أضف إلى ذلك أنّ خسارة الأقاليم والسكّان التي نكبت بها الحكومة التركية عزلت الأرمن وكشفت للعيان نيتهم السياسية والقومية. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;لقد لاحظ &amp;quot;برنارد لويس&amp;quot; أنّ الحكومة التركية كانت تهيّئ لإجراء تغيير جذري متطرّف في الهويّة القومية والأيديولوجية لإيجاد قوميّة تركيّة تحلّ محل العثمانية ، وهنا يقول لويس: &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;الأتراك شعب يتكلّم اللغة التركية ويعيش في تركيا . للوهلة الأولى لا تؤخذ الفكرة كمضمون ثوري مبتكر ، ومع هذا فإنّ تقديم هذه الفكرة في تركيا وقبولها من الشعب التركي لإيجاد هويته ووطنه من الأسباب الرئيسية في ثورات العصر الحديث المتضمّنة التغيير في النواحي الاجتماعية والثقافية والسياسية التقليدية في الماضي . &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;ويظهر أنّ إبادة الأرمن والسريان وترحيلهم من تركيا كانا من نتائج الثورة الوطنية التركية ومرحلة من مراحل تطوّر قوميّتها.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;القومية التركية ( الطورانية )&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;لفهم القومية التركية وكيفية إسهامها في قيام الإبادة الجماعية تجب مقارنتها مع العثمانية والنزعة الإسلامية . في القرن التاسع عشر كانت العثمانية هي الأيديولوجية المهيمنة في فترة الإصلاح أو &amp;quot; عهد التنظيمات &amp;quot; ولقد حافظت العثمانية على وحدة أراضي الإمبراطورية عن طريق السماح للأقلّيات بالاستقلالية  وبتقديم بعض الإصلاحات التحرّرية لجميع الأتراك العثمانيين بغضّ النظر عن انتمائهم الديني والقومي في ظلّ &amp;quot; نظام المـّلة  &amp;quot; . ولقد وجدت هذه الفكرة أرضاً خصبة في قبولها عند بعض الأقلّيات كالأرمن ، وبالأخص حزب الطاشناك ، والجناح التحرّري في جمعيّة &amp;quot; تركيا الفتاة &amp;quot; بقيادة السلطان صباح الدين.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;لقد نجح السلطان عبد الحميد في محاولة الحفاظ على الإمبراطورية بالدعوة إلى الإسلامية التي راجت شعبياً حتى بعد ثورة 1908 . ولكنّ نجاح الثورة وانفصال أقاليم إسلامية ، وخصوصاً في ألبانيا ومكدونيا ، بدّد الأمل في أن الإسلام سيخدم وحدة الإمبراطورية ثمّ تلاشى الحكم الإسلامي عند قيام الثورة العربية .  لقد وقف العرب إلى جانب إنكلترا ، وهاجموا حكّامهم الأتراك ، وأصبح واضحاً أن الوحدة الإسلامية ليست سوى سراب ، وأنّ الإسلامية لا قيمة لها كمبدأ أساسي . وهنا يقول وزير الدفاع &amp;quot; أنور باشا &amp;quot;:&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;إن هذه البدعة الخيالية المخيفة التي يسمّونها الأمّة الإسلامية ، والتي ظلت سدّاً يحول دون تقدّمنا وتحقيق الوحدة الطورانية ، في طريقها إلى الزوال والتفكّك. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;إذاً فالمذهب الطوراني يتعارض مع ما تمثّله الدعوة الإسلامية . ولذا فقد عارضه شريف مكّة في 5 آذار سنة 1917 ودعا مسلمي الإمبراطورية العثمانية ، وخاصّة الجيش ، للانتفاض ضدّ ما سمّاهم &amp;quot; جماعة الطورانيين الكفّار&amp;quot; . لقد أثبتت السياسة التركية في ما بعد تناقضها والرسالة الإسلامية ، فما مقرّرات مصطفى كمال _ أبي الأتراك _ بترجمة القرآن إلى التركية وإلغاء الحجاب ومنع المظاهر الإسلامية واستبدالها بالمظاهر الفرنجية   سوى دليل واضح على العدوانية التركية حيال الإسلام . في بداية سنة 1914 اتجهت حكومة &amp;quot; تركيا الفتاة &amp;quot; سريعاً نحو القوميّة الطورانية وتخلّت عن العثمانية والإسلامية .&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;لقد بدت القومية التركية كعقيدة متمرّدة لها تعاليم ثورية ومبادئ محض تركية ، عبّر عنها &amp;quot; زيا كوكالب &amp;quot; بما يلي:&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;إن جميع الأفراد الذين يتكلمون اللغة التركية ويتقاسمون حضارة واحدة ويتلقون ثقافة واحدة ولهم دين واحد مشترك ، يجب أن يتحدوا في وطن سياسي واحد يضم القوقاز الروسي وآسيا الصغرى وكازان وكريما ، وجميع الأقاليم التي لها نفس الخلفية العرقية.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;نظرياً ، طمحت الطورانية إلى أن تصبح الإمبراطورية العثمانية  ولكن بدون مشاكل الأقلّيات ومضايقاتها . كانت الغاية الرئيسية التي تصبو اليها هي زيادة الشعور القومي عند الأتراك العثمانيين ، والعمل على إضعاف هذا الشعور عند الأقلّيات ، وخصوصا الأرمن، وإشعارها ( أي الأقلّيات ) أنّه لا مكان لأفرادها في العيش ضمن حدود الدولة الجديدة . قد تكون الأسس النظرية لزيا كوكالب الركائز الأساسية التي بُنيت عليها هذه القومية ورسمت معالمها واستعملت في النضال التركي . وهنا يقول &amp;quot; يوريل هايد &amp;quot; الذي كتب سيرة حياة زيا كوكالب مايلي:&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;لقد وضع كوكالب  في كتاباته أسس القومية والدولة التركية الحديثة . هذه الدولة التي تحقّقت أخيراً على يد مصطفى كمال . وبعيداً عن تأثيره الفكري في طلعت باشا وأنور باشا ، كان كوكالب عضواً في جمعية الاتحاد والترقّي ، عُينّ في مجلس الشورى وطُلب منه التحقيق في شروط الاقلّيات ، وخصوصاً الأرمن ، وإيجاد الحلول الملائمة لحلّ مشاكلهم . لقد وافق الحزب على قسم كبير من اقتراحاته ، وقام بتنفيذها خلال الحرب العالمية  الأولى.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;في سنة 1919 دخلت قوّات الحلفاء القسطنطينية ألقت القبض على كوكالب وعلى عدد من أفراد لجنة الاتحاد والترقّي . وعند محاكمته سُئِل عن دوره في المذابح فرفض الاعتراف بأنّه كانت ثمّة مذابح ، بل اعتبرها حرباً بين الأتراك &amp;quot; الذين طُعنوا في الظهر &amp;quot; وبين الأرمن الذين قُتلوا في هذه الحرب  . ولكنه اعترف بدون تردد على موافقته على عملية ترحيل الأرمن وإخراج الأقلّيات من الأرض التركية.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وفي محاولة تحديد أفكار كوكالب يقول هايد:&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;لقد حاولت الجمهورية التركية تحقيق فكرة كوكالب في تجانس الأمّة التركية الواحد . لقد وجد كوكالب في التاريخ التركي لا في التاريخ العثماني عصراً ذهبياً سبق قدوم الإسلام . لقد مجّد أعمال البطولات العسكرية في الغـزاة الأتراك أمثال أتيلا ، وجنكزخان ، وتيمورلنك ، وهولاكو وغيرهم . لقد شدّد على الصلة القومية والتعاليم الأخلاقية في الشعب التركي والتي منها حسن الضيافة والتواضع والإيمان والشجاعة والاستقامة وحبّه القوي لأفراده وعدم اضطهاده للشعوب التي يقهرها.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;ويعرف كوكالب الأمة بما يلي: &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;مجتمع يتألف من شعب يتكلم لغة واحدة متحد في دينه واخلاقه ، وأن الجمالية مثله الأعلى.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;ظاهرياً ، هذا التعريف غير مؤذٍ إلى حدّ ما ، ولكنّه يتعارض مع مضمون التعدّدية العثمانية على الصعيد الديني والتاريخي والسلالي ، ولذا ، أدّى إلى عـزل الأرمن والسريان وبقيّة الأقلّيات عن كيان المجتمع التركي. ولم يتردّد &amp;quot;كوكالب&amp;quot; في تصوير الأقلّيات على أنهّا جسم غريب حين قال:&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;إنّ اليونان والأرمن وبقيّة الاقلّيات هم أتراك الهويّة فقط ، لا في الانتماء القومي التركي، وسيبقون عضواً غريباً في جسد الأمّة التركية.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;يقول هايد:&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;ليست الأمة بالنسبة إلى &amp;quot;كوكالب&amp;quot; تشييد بارع في التحليل النفسي ، بل قاعدة أساسية للسلوك الأخلاقي . وأنّ العطاء دون نهاية هو عطاء الأمة، وفي سبيل بقائها كلّ شيء محتمل ومباح.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;إنّ أبا القومية التركية في موافقته ، ودون تردد،  على ترحيل الأرمن والسريان وإخراجهم من أرض الوطن ، ثمّ استبعاده الأقلّيات من اهتماماته الأخلاقية ، يؤكّد أنّ مفهومه للقومية ومنطلقاته الأخلاقية مختلفة كثيراً عن العثمانية التي وإن كانت قد قامت بمجازر 1894-1896 ، إلاّ أنهّا منحت الأقليات مكاناً في الإمبراطورية وحدّدت بعض السلوك الأخلاقي والواجبات السياسية لجميع الملل وحتى للحكّام أنفسهم . وعلى نحوٍ آخر لقد عزلت صيغة “ الأقلّيات “عن الأتراك ووضعت الخطوط الدقيقة للقضاء عليهم . ولعلّ أكبر مثال على نظرة القوميين الأتـراك للأرمن والأقلّيات ومدى مفهومهم للأخلاقية التي تلقّوها من تعاليم قوميّتهم ، هو ما قاله طلعت باشا للسفير الأمريكي &amp;quot;هنري مورجانثو&amp;quot; حين سأله الأخير : لماذا لم يُفصل الأرمن الموالون عن الأرمن غير الموالين ، فأجاب:&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;لقد آلمنا لعدم القيام بالفصل بين البريء والمذنب ، والحقيقة أنّ ما نسمّيه البريء اليوم قد يكون المذنب غداً.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;والأخطر من هذا التصريح الذي يكشف عن أخلاقية طلعت باشا ، كتب جان  مورجانثو:&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;في أحد الأيام التمس منيّ طلعت باشا طلباً كان أغرب ما سمعته في حياتي . عدّة شركات للتأمين على الحياة ، ومنها شركة نيويورك ، قد قامت ، وعلى مرّ السنين ، بأعمـال موفّقة وناجحة مع الأرمن . &amp;quot; إنّني أرغب&amp;quot;  يقول طلعت هنا &amp;quot; في أن تقنع -إذا استطعت- هذه الشركات لتبعث لنا قائمة بأسماء الأرمن المالكين للعقود . إنهّم عملياً أموات ، وليس لهم من يرثهم الآن ويقبض هذه الأموال، وبالطبع جميعها ستعود جمـيعها إلى الدولة فهي المستفيدة الوحيدة الآن من هذه العقود ،  هل في إمكانك تلبية هذه الرغبة؟&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;بالطبع ، رفض السفير الأمريكي هذا الطلب . وكم كان مذهلاً هذا التحوّل الجذري للقوميين الأتراك عن الإسـلام التقليدي في الـدور العثماني ونظرته إلى الأرمن &amp;quot; كشعب الكتاب &amp;quot; و &amp;quot; أكثر ملّة موالية &amp;quot; ، بالمقارنة مع نظرة طلعت باشا حيث يعتبر الأرمن غرباء حتى في موتهم ، واستخدام دورهم في الحصول على أموالهم فقط.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;يقول لويس : فكرة &amp;quot; إنّ الأتراك شعب يتكلّم اللغة التركية ويعيش في تركيا &amp;quot; ولّدَت ظروفاً عصيبة لم تستطع الأقلّيات فهمها ولم يستوعبها حتى الأتراك أنفسهم . فإنّ تحويل الهويّة القومية عند الأغلبية يتطلّب التغيير في كيفيّة النظرة إلى الأقلّيات ، وعندما يصبح الأتراك قوميين أمثال كوكالب وأنور وطلعت سيكون طبيعياً أنهّم سيرون الأرمن والسـريان وغيرهم من الأقلّيات تحت ضوء جديد ، ليس كملّة قديمة ولكن كغرباء لا يجب أن يعيشوا بينهم.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;إنّ مذابح الأرمن والسريان يجب أن تُفهم لا كإجابة على التحريض والاستفزاز الأرمني فحسب ، بل كردّة فعل على الخسائر التركية وخطوة من خـطوات الثورة القومية التركية . لقد نجحت الثورة في قيام تركيا الحديثة ولكنّها كانت ، في مجرى سـيرها ، على وشك القضاء على شعوب قديمة لها أصالتها وتاريخها.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;تدخّلت قوى الحلفاء حال سماعهم أخبار هذه المأساة في 24 نيسان سنة 1915.  وأعلنت &amp;quot; أنّه في تحقيقيها حول الجريمة الجديدة التي تقدم عليها حكومة الدولة العثمانية ( الباب العالي ) ضدّ الحضارة والإنسانية ،  قرّرت بأنهّا ستعتقل جميع أفراد الحكومة التركية والموظفين الذين اشتركوا في هذه المذابح لأنهّم مسؤولون شخصياً عليها &amp;quot; . وفي كانون الثاني سنة 1918 أعلن رئيس وزراء بريطانيا لويد جورج أنّ &amp;quot; بلاد ما بين النهرين ، وأرمينيا ، وسوريا ، وفلسطين جديرة في أن يُعترف باستقلالها القومي . تصاريح أخرى أرسلتها فرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية،  وقد حثّت الأخيرة على لسان رئيسها &amp;quot;وودرو ولسون&amp;quot; على:&lt;br/&gt;&lt;br/&gt; &amp;quot; تقديم المساعدة للشعبين السرياني والأرمني في محنتهم هذه &amp;quot;.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وجاءت اتفاقية &amp;quot;سيفر&amp;quot; في 10 آب سنة 1920 التي تضمّنت نقاط الرئيس &amp;quot; ولسن &amp;quot; الأربع عشر، ومنها:&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;يجب ضمان حرية استقلال القسم التركي في الامبراطورية العثمانية الحالية . وضمان حماية الاقلّيات التي هي تحت حكم الأتراك وعدم مضايقتهم في تطوير فرص استقلالهم ونموّها . والاعتراف لليونان بالحكم على بعض أقسام الأناضول. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;ولكنّه حين جاء مصطفى كمال  في تموز سنة 1925 على رأس جيوش تركية مدعوماً من قبل روسيا تحدّى علناً اتفاقية سيفر ، واستطاع أن يقنع الدول الأوروبية وأمريكا بتوقيع معاهدة لوزان ، التي كانت صورة منقّحة عن معاهدة سيفر والتي أشرف على تعديلها مصطفى كمال بنفسه.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;والمدهش أنّ معاهدة لوزان لم تأتِ بأيّة ملاحظة أو إشارة أو حتى بكلمة عن الأرمن أو السريان أو أرمينيا في النسخة الجديدة ، وكأنّ لا وجود لهم في التاريخ . مع العلم أنّ الدول الغربية التي وقّعت معاهدة سيفر وطالبت العثمانيين باستقلال أرمينيا وبلاد ما بين النهرين وغيرها، هي ذاتها التي اشتركت في توقيع معاهدة لوزان ، وإن دلّت هذه المفارقة على شيء فإنهّا تدلّ ، وبكلّ وضوح ، على تخلّي الغرب عن الوعود التي قطعها للأقلّيات في معاهدة سيفر ، وربما لأنّ مصالحه الحيوية اقتضت التحالف مع الأتراك على حساب الأقلّيات.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;في أعقاب توقيع معاهدة لوزان طُويت صفحة مذبحة العام 1915 ، وما عادت قضيّة الاقليات وما تعرّضت له من قبل السلطات العثمانية قضيّة تهمّ الغرب ، وتم التعتيم على حقوق الأقلّيات في الأوساط الغربية ، التي اقتضت مصالحها واستراتيجيّتها المرحلية التقرّب من تركيا كحليف جديد لها.  حتى وسائل الإعلام الغربية تفادت الخـوض في موضوع المذبحة لدرجة انهّا صارت أمراً منسياً.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وبعد هذا الاستعراض والتحليل التاريخي للوضع العالمي والإقليمي والعثماني لا بدّ أن يكون القارئ قد توصل إلى أنّ المذابح التي تعرّض لها الأرمن والسريان وغيرهم ليست نتاج خلاف ديني ، وإن كان التحريض الديني قد استغلّ ، ولا يمكن اختزالها بالاستفزازات الأرمنية ضدّ العثمانيين ،  وإن كانت سبباً في خلق التوتر بين الأرمن والعثمانيين ، ولكن عندما توضع هذه المذابح ضمن إطار تاريخي شامل تمكننا من الإحاطة بعوامل لا تحصى ، كلّ منها ساهم بطـريقة مباشرة أو غير مباشرة في تهيئة ظروف هذه المذابح.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;لا شكّ أنّ بروز الوعي القومي كظاهرة والمطالبة بالاستقلال في مطلع القرن العشرين قاما بدور هامّ في تفكّك الإمبراطورية العثمانية وانحلالها ، وشجّع الأرمن وفئات أخرى على الاستقلال عن الدولة العثمانية . كما أنّ تحديات الشعوب الغربية (البلقان) للعثمانيين واستقلالها عنهم ، وكذلك الشعوب العربية التي وقفت في وجه العثمانيين مطالبة باستقلالها ، ذلك كلّه بعث الهلع في نفوس العثمانيين الذين كان نفوذهم قد بدأ يتقلّص يوماً بعد آخر. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;فضلاً عن هذه التحدّيات الخارجية كانت هناك أيضاً مشكلة الأقلّيات المسيحية ، التي كان الأوروبيون يستخدمونها للضغط على العثمانيين وذلك لتحقيق مصالحهم وتثبيت نفوذهم في المنطقة ، ما  ضاعف مخاوف العثمانيين حـول تحدّيات داخلية تصدر عن الأرمن على نحوٍ خاصّ بحكم التوتّر التاريخي بينهما . رغم أنّ إثارة الغرب لمشكلة حقّ الأقلّيات في الاستقلال،كان متمشّياً مع روح الاستقلال القومي العامّ آنذاك ، إلاّ أنّ الغريب في الأمر أنّ الغرب الأوروبي الذي طالب العثمانيين رسميّاً بمنح الاستقلال للأقلّيات لم يحـرّك ساكناً حين بدأت القوات التركية بتصفية الأرمن والسريان ، علماً أنّ الغرب كان على معرفة جيّدة بالمذابح، لأنّ سفراء الدول الغربية أعلموا حكوماتهم بما كان يجري . أمّا الانقلاب الجذري في النظرة القومية الذي جاءت به حركة تركيا الفتاة فقد قام بدورا أساسي في تأليب الرأي العامّ التركي ضدّ الأقلّيات المسيحية ومهّد الطريق لقيام مذابح العام 1915 . هذه العوامل كلّها مجتمعة دون تفـرقة تمدّنا بمعرفة شمولية وواقعية لطبيعة تلك المذابح وخلفياتها التاريخية وتحرّرنا من النظرة الضبابية والمجتزئة التي راجت لفترة طويلة نتيجة غياب الفكر العلمي والوعي التاريخي.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;حنا عيسى توما&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;المصـادر&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;-Ahmed, Feroz.  The Young Turks.  Oxford: Clarendon Press, 1969.&lt;br/&gt;-Andoian, Aram.  The Memoirs of Naim Bey.  London: Hodder &amp;amp; Stoughton, 1920.&lt;br/&gt;-Arlen, Michael J.  Passage to Ararat.  New York: Ballantine Books, 1975.&lt;br/&gt;-Armenian national Committee. The Armenian Genocide 1915-1923, Glendale, California. Armenian Educational    Foundation ,1988&lt;br/&gt;- Davison, Roderic H.  Turkey.  Englewood Cliffs, NJ: Prentice Hall, 1968.&lt;br/&gt;-Heyd, Uriel.  Foundations of Turkish Nationalism.  London: Luzac, 1950.&lt;br/&gt;-Hovannisian, Richard. The Armenian genocide in perspective. New Brunswick, NJ: Transaction Publishers, 1986.&lt;br/&gt;-Hovannisian, Richard. Armenia on the Road to Independence.  Los Angeles: University of California Press, 1967.&lt;br/&gt;-Hovannisian, Richard. Reform in the Ottoman Empire, 1856-1876.  Princeton, NJ: Princeton University Press, 1963.&lt;br/&gt;-Lewis, Bernard.  The Emergence of Modern Turkey.  London: Oxford University  Press, 1961.&lt;br/&gt;-Melson, Robert “Provocation Or Nationalism,” in The Armenian Genocide In  perspective, ed.  Richard  Hovannisian , New Brunswick, NJ: Transaction  Publishers, 1986.&lt;br/&gt;-Morgenthau, Henry.  Ambassador Morgenthau’s Story. Garden City, NY: Doubleday,  1918.&lt;br/&gt;-Sassounian, Harut.  The Armenian Genocide: Documents and Declarations 1915-1995. Los  Angeles:  Abril Printing, 1996.&lt;br/&gt;-Toynbee, Arnold J.  The treatment of Armenians in the Ottoman Empire.  London: H.M.S.O., 1916.&lt;br/&gt;-Toynbee, Arnold J.  A Summary of Armenian History.  London: H.M.S.O., 1916.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;سَفَرْ بَرْلِكْ&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;المأساة الأرمنية - السريانية خلال الحرب العالمية الأولى&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;حنا عيسى توما&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;رجال وأحداث&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;السلطان عبد الحميد&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;(1842-1918)&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;سلطان الدولة العثمانية (1876-1909) ابن عبد المجيد الأول . خلف أخاه مراد الخامس الذي اتهّم بالجنون . أعلنت روسيا الحرب على الدولة العثمانية في السنة الثانية من ولاية عبدالحميد ، للإنتقام من معاملة الأتراك السيئة في بلاد البلقان . تكبّد السلطان عبدالحميد خسائر عسكرية فادحة في هذه الحرب دفعته إلى توقيع معاهـدة سان استيفانو سنة 1878 التي حرمته معظم أراضيه في أوروبا . رفض عبد الحميد التدخّل في مذابح الأرمن والمسيحيين في تركيا في العامين 1895 و1896، وغضّ النظر عن الاحتجاج العالمي . إنّ عدم الرضا ، داخلياً عن ادارته للدولة شجّع منظمة ثورية عرفت باسم &amp;quot; تركيا الفتاة &amp;quot; على إقالة  السلطان في العام 1909 ونفيه خارج البلاد.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وزير الدفاع أنور باشا &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;(1881-1922)&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;جندّي تركي وقائد وطني وجّه الحرب التركية في أثناء الحرب العالمية الأولى . ولد في كانون الثاني سنة 1881 وتخرّج في الأكاديمية العسكرية التركية سنة 1902 . خدم في مقدونيا حيث قاتل عصابات اليونان والبلغار وانضمّ الى جمعية &amp;quot; تركيا الفتاة &amp;quot; في سنة 1906 . ظهر للعيان كبطل مسؤول عن ثورة &amp;quot; تركيا الفتاة &amp;quot; سنة 1908 حين جدّد تشريع الدستور الموضوع سنة 1876 ، وأصبح وزيراً للدفاع في سنة 1914 . كان حلمه الأكبر تحقيق امبراطورية تضمّ كلّ الأتراك أو كلّ الإسلام ولكنّه انتهى بالفشل . بعد انتصار الحلفاء في سنة 1918 فرّ أنور باشا الى ألمانيا ثمّ إلى آسيا الوسطى ، حيث حاول تنظيم مقاومة سّرية إسلامية ضد السوفيات . قُتل في معركة ضدّ القوات السوفياتية في 4 آب سنة 1922 في طاجاكستان.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;مصطفى كمال أتاتورك &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;(1881-1938)&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;مؤسّس الجمهورية التركية وأوّل رئيس لهذه الجمهورية (1923-1938) . تقديراً لخدماته الفريدة للأمة التركية قُلّد لقب أتاتورك ( أبو الأتراك ) . ولد في مدينة سالونيكا ( تيسالونيكي ) في اليونان ، وتخّرج في الأكاديمية العسكرية في استنبول سنة 1905 برتبة رقيب . انضمّ إلى حركة &amp;quot; تركيا الفتاة &amp;quot;  سنة 1908 ، وقاتل في ليبيا ضدّ ايطاليا 1911-1912 . نظّم الدفاع عن الدردنيل في حروب البلقان ( 1912-1913 ) وكسب سمعته العسكرية في حملة جاليبولي سنة 1915 . ألّف حكومة مؤقّتة في أنقرة سنة 1920 ، واسترجع إزمير من اليونان في تشرين الأول سنة 1922 . أسّس حزب الشعب سنة 1923.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;أرمينـيا&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;واحدة من أقدم المواقع في الحضارة الانسانية ، وأولى الأراضي التي من نمت فيها حبّات القمح والشعير والذرة والأرز . احتلّها الآشوريون والفرس والرومان والمغول والأتراك والروس .  لم تنعم أرمينيا بدولة مستقلّة إلاّ لفترات قصيرة من الزمن . أطولها أيام حكم الملك &amp;quot; تيجرانس العظيم &amp;quot; ، حيث امتدّت من بحر قزوين حتى البحر المتـوسّط ، وسيطرت على جزء ممّا يدعى اليوم سورية . انتهت هذه الفترة من الاستقلال سنة 69 قبل الميلاد بغـزو الرومان. تعرّضت أرمينيا لأقسى الشدائد من القوى الخارجية مرّات عديدة في تاريخها واضّطهدت من الروس والأتراك حين طالبت بانضمامها سياسياً . قُتل اكثر من 200000 أرمني على يد السلطان عبد الحـميد بين 1894-1896 ، وذُبح أكثر من مليون أرمني آخر على يد حكومة &amp;quot; تركيا الفتاة &amp;quot; بين سنة 1915-1923 ، وتشرّد أكثر من ملـيون أرمني آخر في جميع أنحاء المعمورة . في سنة 1936 أصبحت أرمينيا إحدى جمهوريات الاتحاد السوفياتي . في تشرين الأول سنة 1991 أعلن الاتحاد السوفياتي بقيادة ميخائيل غوربتشوف استقلال أرمينيا وعُينّ &amp;quot; ليفون ديربروسيان &amp;quot; أوّل رئيس للجمهورية الأرمنية . وفي سنة 1992 أصبحت أرمينيا عضواً في هيئة الأمم المتّحدة.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;الجـزيرة والخابـور&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;الجزيرة وتسمّى أيضاً ديار ربيعة ، تقع بين الخابور والدجلة،  كانت منازل التغالبة أو بني تغلب إحدى قبائل العـرب الكبرى ، وكانت مسيحية سريانية ارثوذكسية حتى المئة العاشرة. ومن أشهر رجالها غياث بن غياث المعروف بالأخطل الشاعر الذائع الصيت حوالي سنة 715. أُقفرت من أهلها في القرن الرابع عشر ثم أُهلت سنة 1921 ، فاستحدثت فيها بلدة الحسكة ومدينة القامشلي وغيرها وانتشر فيها العمران . الخابور أو الخابوراء ولاية واسعة وبـلدان جمّة على نهر الخابور بين رأس العين والفرات في أرض الجزيرة غلب عليه اسم نهرها فنسبت إليه. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;حكومة تركيا الفتاة&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;جُدّد الدستور والبرلمان في السنوات الأولى من عهد حكومة &amp;quot; تركيا الفتاة &amp;quot; ، وتشكّلت أحزاب عديدة تزاحمت كي تكون لها القيادة . أشهرها كانت &amp;quot; جمعية الاتحاد والترقّي &amp;quot; التي كانت مدعومة من قِبل &amp;quot; تركيا الفتاة &amp;quot; . وصلت إصلاحات الحكومة إلىميادين العمل كلّها وبلغت ذروتها في علمنة المدارس الإسلامية والمحاكم ، وإعطاء المرأة حقوقها خلال الحرب العالمية الأولى (1914-1918) . أدّت الحرب البلقانية  الأولى في سنة 1912 إلى تمرّد داخل &amp;quot; لجنة الاتحاد والترقّي &amp;quot; ومحاولة السيطرة على الحكم من قبـل لجنة ثلاثية ترأسها أنور باشا . ولقد تحققت لها السيطرة التامّة حين استغلّت الخلاف بين شعوب البلقان لتسترجع الدردنيل في الحرب البلقانية الثانية سنة 1913 . في البداية حاولت اللجنة الثلاثية تلافي التدخّل في الحرب العالمية الأولى (1914-1918) ، ولكنّ الحكومة الألمانية أبدت استعدادها للمساعدة في إرجاع الولايات المفقودة . وحين قامت الحكومة البريطانية بمصادرة السفن الحربية التركية التي كانت تُبنى في انكلترا دخلت حكومة اللجنة الثلاثية الحرب إلى جانب القوى الوسطى في سنة 1914 . حقّقت القوّات العسكرية التركية نجاحاً جيداً خلال حملة غاليبولي ولكنّها لم تنجح في الحملة العسكرية التي شنتّها عبر جزيرة سيناء ( كانت غايتها السيطرة على مصر وقناة السويس ) . هذه الحـملة دفعت انكلترا إلى تنظيم الثورة العربية في شبه الجزيرة العربية . وبمساعدة العرب احتلّت القوات البريطانية سورية ووصلت حتى جنوب الأناضول في نهاية الحرب . فشل أنور باشا في حملته إلى داخل القوقاز ، لسوء تنظيم الحملة ، وغزا الروس شرقي الأناضول ووسطها في سنة 1915- 1916 . بالإضافة إلى هذا كلّه أودت الثورات الداخلية وثورات الولايات الشرقية والمجاعة والأوبئة بحياة ستة ملايين إنسان من جميع الأديان ، وهذا يوازي ربع عدد السكان الأصلي . في أعقاب الاستسلام ، وضعت الحكومة التركية تحت سيطرة قوى الحلفاء برئاسة الحكومة الإنكليزية . نصّ مؤتمر باريس للسلام على انفصال العرب ودول البلقان عن الحكومة التركية ، ووضع الولايات الشرقية والجنوبية من الأناضول تحت رقابة خارجية . سيطرت القوّات اليونانية على إزمير سنة 1922 وغزت جنوب غربي الأناضول . انبثقت في الأناضول الحكومة الوطنية التركية بقيادة مصطفى كمال وخلال حرب الاستقلال التركية (1918-1923) رفض أتاتورك تسوية الحلفاء ، وساق خارجاً قوّات الاحتلال اليونانية والإنكليزية والفرنسية والطليانية . وقع مصطفى كمال أتاتورك معاهدة لوزان سنة 1923 وتشكّلت الجمهورية التركية مع عاصمتها في أنقرة.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;الأكـراد&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;قبائل نصف مترحّلة مقيمة في مقاطعة كردستان ، تنتمي أغلبيتهم إلى الدين الإسلامي (من أهل السنّة) . قُدر عددهم بـ 26 مليون نسمة حسب إحصائيات سنة 1990. يعيش أكثر من نصفهم في تركيا والبقية يعيش في إيران وسورية وفي عدة دول في الاتحاد السوفياتي سابقاً ( أرمينيا، أذربيجان، جورجيا، كازخستان، كيرجيستان، تركمانستان ) . خضعوا للسلاجقة في القرن الحادي عشر ، وجيء بهم إلى الأمبراطورية العثمانية في القرن الـرابع عشر . لم تتحقق الدولة الكردية المستقلّة ( حسب معاهدة سيفر سنة 1920 ) . فلقد بدأ مصطفى كمال في سنة 1925 بسحق الثقافة والهويّة الكردية . ومازالت الحكومة التركية تتبع السياسة نفسها مع الأكراد إلى الآن . ابتدأت الانتفاضة الكردية في العراق وإيران حتى سنة 1970 حين وعدت الحكومة العراقية الأكراد بحكم ذاتي على منظقة شمال شرقي العراق. ولكنّ الحكم الكـردي لم يتحقق ، بل قُمع التمرّد سنة 1975 حين سحبت إيران دعمها للاكراد كأحد بنود اتفاقية الحدود بين إيران والعراق . لقد دعمت الحكومات المجاورة ( تركيا، إيران، سورية ) الحكومة العراقية في وقوفها ضدّ رغبة الأكراد في الحكم الذاتي . وفي آذار سنة 1995 أرسلت الحكومة التركية اكثر من 35000 جندي مسلّح إلى شمال العراق لتعاقب الثوّار الأكراد . لقد أدّت المعارك بين تركيا والأكراد منذ سنة 1984 إلى مقتل أكثر من 25000 كردي وبقي أكثر من 600000 كردي في مخيّمات اللاجئين تحت حماية هيئة الأمم المتحدة سنة 1992.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;</description>
    </item>
    <item>
      <title>القصارى في نكبات النصارى &#13; سليم مطر</title>
      <link>http://www.syriacstudies.com/AFSS/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA_%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_-_%D9%A1/Entries/2009/4/17_%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B5%D8%A7%D8%B1%D9%89_%D9%81%D9%8A_%D9%86%D9%83%D8%A8%D8%A7%D8%AA_%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B5%D8%A7%D8%B1%D9%89_-_%D8%B3%D9%84%D9%8A%D9%85_%D9%85%D8%B7%D8%B1.html</link>
      <guid isPermaLink="false">9698681f-a980-4e3e-8c42-150fd6663d9f</guid>
      <pubDate>Fri, 17 Apr 2009 16:45:24 -0400</pubDate>
      <description>القصارى في نكبات النصارى القوى الأوروبية ساهمت في تأجيج العنف ضدّ المسيحيين السريان والأرمن وشجّعت على اضّطهادهم &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;من أهم العوامل التي أدّت إلى ضعف حركاتنا الفكرية والسياسية وفشلنا بتحقيق مشاريعنا الكبرى المعروفة ، أنّنا لم نهتم بدراسة تاريخ بلداننا ، القديم منه والمعاصر والذي تتحمّل مسؤولية هذا التقصير الكبير جميع نخبنا بأقسامها الحكوميّة والمعارضة . وممّا زاد في سوء الوضع أنّ هذا التجاهل التاريخي ظلّ مصحوباً بسيادة مفاهيم تاريخية &amp;quot; قوميّة عرقيّة &amp;quot; لا تعترف بخصوصياتنا الوطنية ووحدة هويتنا التاريخيّة والحضاريّة بل قسّمت الشعب الواحد إلى &amp;quot; قوميّات وأقلّيات قوميّة &amp;quot; لها &amp;quot; أصولها العرقية &amp;quot; وتواريخـها المختلفة التي لا يجمعها أي مشترك وطني إلاّ &amp;quot; إرادة الاستعمار &amp;quot; بحشرنا في دولةٍ &amp;quot; مصطنعة &amp;quot; ، كما علّمتنا الطروحات القوميّة التقدميّة السائدة حتى الآن. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;لقد اخترنا كتاب &amp;quot; القصارى في نكبات النصارى &amp;quot; الحديث الصدور كمثال على مدى تقصيرنا بدراسة تاريخنا حتى القريب منه . رغم أنّ الطبعة الأولى لهذا الكتاب صدرت عام 1919 إلاّ أنّ في إعادة نشره الآن بطبعة جديدة فوائد كثيرة تتعلق مباشرة بالأوضاع السياسية الحاليّة والمشاريع الخاصّة بمنطقة المشرق &amp;quot; العراقي-الشامي &amp;quot; وعموم منطقة الشرق الأوسط . إنّ الإطّلاع على تفاصيل الأحداث المأساوية التي عانى منها السريان المسيحيون في منطقة أعالي الرافدين الخاضعة لتركيا حاليا له فائدة في تصحيح مواقفنا إزاء قضايا حالية عديدة منها: &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;أولاً -  المسألة الكردية في العراق وتشعباتها في كلٍ من تركيا وكذلك سورية.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;ثانياًٍ -  مسألة الوجود المسيحي التاريخي في منطقة المشرق وتداخله مع الصراعات &lt;br/&gt;السياسيّة والدوليّة الدائرة منذ القرن الماضي وحتى الآن.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;ثالثاً -  طموحات وادعاءات تركيا بالكثير من المناطق المرتبطة تاريخياً وسكانياً بالـعراق وسورية ، ادعاء تركيا بولاية الموصل ، ثم ادعاء الحركات القومية الكردية بما يسمى بـ&amp;quot; كردستان الكبرى &amp;quot; التي تتضمن الكثير من المناطق العراقية والسورية ، بالإضافة  إلى مسألة أحقيّة سـورية والعـراق بالدفاع &amp;quot; الإنساني والثقافي&amp;quot; عن سـكان منطقة أعالي الرافدين كردستان-تركيا من السريان والعرب ، باعتبارهم أشقاء لنا في التاريخ والحضارة وأرض الرافدين. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;لكي يتبين للقارئ مدى هول المذابح والتصفيات العرقيّة التي جرت في هذه المنطقة نسجل هنا بعض الأرقام الواردة في الكتاب :&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;حتى أوائل هذا القرن كـان يسكن عموم منطقة أعالي الرافدين &amp;quot; كردستان تركيا حاليا&amp;quot;    حوالي &amp;quot; مليون &amp;quot; سرياني لم يتبقّ منهم الآن غير أربعة آلاف نسمة بعد المذابح والتشريد والإجبار على تغيير الدين.&lt;br/&gt;&lt;br/&gt;مدينة ديار بكر &amp;quot; آمد بالسريانية &amp;quot; كان يقطنها &amp;quot;35&amp;quot; ألف نسمة منهم 4130 كردياً . تمّ قتل 5394 سريانياً وتشريد الباقين أو إجبارهم على تغيير المعتقد بحيث أنّها أصبحت الآن مدينة كردية خالصة. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;منطقة جبال حكاري كان يقطنها حـوالي 150 ألف سرياني &amp;quot; اثوري نسطوري &amp;quot; بعد المذابح التي كلّفت حوالي عشرة آلاف قتيل ، تمّ تشريد جميع السريان إلى أورميا في إيران، وإلى روسيا ، وإلى العراق ، والآن هذه المنطقة كردية خالصة. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt; منطقة جزيرة ابن عمر كانت تقطنها 1250 عائلة سريانية لم يتبقّ منهم بعد المذابح غير خمسين فرداً، وقد تحولت المنطقة الآن بكاملها إلى كردية. &lt;br/&gt;	-	&lt;br/&gt;نضيف إلى أنّ هذه المذابح ، بالحقيقة كانت مـوجّهة بالدرجة الأولى ضدّ الأرمن الذين كلفتهم حوالي المليون قتيل وتشريد المتبقين وإجبارهم على تغيير الدين بحيث تم تكريد وتتريك كامل منطقة أرمينيا التاريخيّة &amp;quot; حول بحيرة وان &amp;quot; والمتداخلة مع منطقة أعالي الرافدين والتي تعتبر الآن أيضاً جزءاً من كردستان تركيا. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;تبقى الأهمية الأولى والمباشرة لهذا الكتاب قدرته على إيقاظ الذاكرة إزاء أحداث وفضائح لم تختلف كثيرا عمّا جرى للشعب الفلسطيني ، بل في أحيان كثيرة تجاوزت مأساة فلسطين بحدّة عنفها وتقتيلها ووحشيتها ، المهم في الأمر، أنّ الشعب السرياني المسيحي الذي عانى هذه الفظائع ليس شعباً غريباً عنّا نحن أبناء المشرق ، وهو ليس فقط شعباً جـاراً تربطنا به علاقات إنسانيّة وتاريخيّة طويلة كما هو حال الشعب الأرمني مثلاً ، بل إن الشعب السرياني ، ضمن كلّ المقاييس والأعراف الوطنيّة ، هو جزءٌ حقيقي من الشعبين العراقي والسوري ومن جميع النواحي الجغرافيّة والتاريخيّة والثقافيّة وحتى العرقيّة الأقواميّة. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;إنّ غياب أي ذكر لمعاناة هذا الشعب المظلوم من كتب التاريخ والتثقيف السياسي أمرٌ يدعو للاستغراب والتساؤل؟  لكنّ العارف بحقيقة تاريخنا القديم والحديث يدرك أنّه بمعظمه تاريخ مشوّه فرضه علينا المستشرقون &amp;quot; وتلاميذهم &amp;quot; من أتباع المفاهيم &amp;quot; العرقيّة القوميّة السلفيّة &amp;quot; التي قطّعت تاريخنا إلى قطع متناثرة ومـزّقت شعوبنا إلى &amp;quot; قوميّات &amp;quot; متنافسة لا يجمعها أي جامع . بالنسبة للسريان مثلاً ، كما يبدو ، أنّ السبب المباشر الذي جعل دولنا ونخبنا المثقّفة والمسيئة تتواطأ بممارسة الصمت والنسيان إزاء هذه الجريمة والمسؤولين عنها &amp;quot; من العثمانيين والاغواث الأكراد &amp;quot; سبب هذا الصمت يكمن أساساً في خضوع دولنا ونخبنا ، بعد الحرب العالمية الأولى ، لتأثيرات وقرارات القوى الإستعمارية الإنكليزية والفرنسية التي سيطرت على المشرق. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;إنّ المعاهدات التي عقدتهّا هذه القوى الاستعمارية مع الدولة التركية الأتاتوركية تضمّنت قبل كل شيء الإتفاق على طيّ هذه الصفحة السوداء الخاصّة بالكارثة التي لحقت بالسريان &amp;quot; وكذلك فيما يخصّ الأرمن &amp;quot;. على هذا الأساس تمّ التغييب التام لأي ذكر لهذه الجريمة من كتب التاريخ والخطاب السياسي ومن جميع البحوث والدراسات المتعلّقة بتـاريخ المنطقة الحديث . حتى الكتب والشهادات التي سبق وأن نشرها العديد من الغربيين، قد تمّ التعتيم عليها . إنّ دولنا ونخبنا قد تبنّت سياسة الصمت والتعتيم هذه، من دون أن تدرك بأنها بالحقيقة ضدّ مصالحها، يضاف إلى هذا، الدور الحاسم للقوى الصهيونية التي ساهمت ولا زالت تساهم بعمليّة التعتيم هذه ، لأنّ القضاء على الوجـود المسيحي في المشرق أحد أهداف  الصهيونية وإسرائيل. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;أمّـا بالنسبة لمنطقة &amp;quot; أعالي الرافدين &amp;quot; التي جرت فيها مأساة &amp;quot; السريان المسيحيين &amp;quot;، فإنّ المتمعّن في الخارطة الحاليّة التي تجمع كلاً من سورية والعراق وتركيا ، يلاحظ أن القسم الأعلى من الرافدين &amp;quot; دجلة والفرات &amp;quot; الجزء الممتد غرب العراق تابع لسورية ، أمّا الجزء الأعلى فتابع الآن لتركيا حيث ينحدر النـهران في منطقة أعالي الرافدين هذه والتي تسمّى حالياً &amp;quot;جنوب شرق تركيا أو كردستان تركيا &amp;quot; بعد أن أصبحت رسمياً جزءاً من تركيا بعد الحرب العالمية الأولى. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وتحتوي منطقة أعالي الرافدين هذه على عدة مدن ومناطق تاريخية معروفة مثل طور عابدين وماردين والرها &amp;quot; أورفا حاليا&amp;quot; وحرّان ونصيبين وديار بكر &amp;quot; مديات &amp;quot;. جميع هذه المدن والمناطق كانت ، منذ فجر التاريخ وحتى الحرب العالمية الأولى ، جزءاً من حضارة وسكان الرافدين بقسمها العراقي والسوري خلال جميع العصور السومرية والآشورية البابلية والفارسية والعربية وحتى العثمانية ، وتكمن الأهمّية التاريخيّة الحضاريّة لهذه المنطقة ، لأنهّا جغرافياً تُعتبر مركز التقاء الأوطان الأساسية التي يتكوّن منها الشرق الأوسط : القفقاز ، وأرمينيا ، والأناضول ، وإيرا ن، والعراق ، وسورية ، ومن ضمن الفرضيّات عن أصل &amp;quot; السومريين &amp;quot; انهّم انحدروا من منطقة أعالي الرافدين هذا نحو جنوب العراق حيث كوّنوا دولهم وحضارتهم المعروفة. &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;ثم أنّ أهمّية هذه المنطقة أنها لعبت دوراً حاسماً في تكوين &amp;quot; الهويّة المشرقيّة المشتركة &amp;quot; ، حيث شكّلت مركز التقاء الحضارتين العراقية والكنعانية الشامية ، إذ من خلال أعالي الرافدين ظلّت عبر التاريخ الجماعات السامية &amp;quot; الشامية &amp;quot; وكذلك الجماعات القفقاسية - الأرمنية تنحدر من أعالي النهرين إلى باقي العراق حتى الجنوب ، ونلاحظ مثلاً أنّ اللغة الآرامية السريانية قد انطلقت من هذه المنطقة من الألف الأول قبل الميلاد لأنها تمكنت من الجـمع بين اللغتين الشقيقتين الأكاديّة العراقيّة والكنعانيّة السوريّة . وقد تمكّنت هذه اللغة الآرامية الجديدة أن تفرض نفسها وتصبح لغة الثقافة لجميع سكان المشرق لأنّها تبنّت الأبجديّة الفينيقيّة السهلة التعليم بدل الكتابة المسمارية الشاقّة المعقّدة . &lt;br/&gt;&lt;br/&gt;وهذه المنطقة أيضا، وبالذات مدينتي &amp;quot; الرها ونصيبين&amp;quot; قد لعبت دوراً حاسماً في تاريخ المسيحية لأنها منذ القرن الميلادي الأول أصبحت مركزاً كنسياً وثقافياً فعالاً لنشر المسيحية في باقي العراق والمشرق وعموم القفقاس وآسيا حتى إيران وتركستان والهند والصين . ومع انتشار المسيحية تحوّلت لهجة هذه المنطقة إلى اللغة الفصحى السريانية لتصبح لغة جميع كنائس المشرق واللغة الثقافية الأولى للإمبراطورية الفارسية الساسانية. &lt;br/&gt;إن منطقة أعالي الرافدين هذه ، في اغلب الأحيان ، ارتبطت حضارياً ودينياً وإدارياً بسورية ، أكثر من العراق ، كما هو الحال مثلاً في العصور البيزنطية والأموية والعباسية والعثمانية ، حيث تمّ ضمّها إلى تركيا بعد الحرب العالمية الأولى ، نلاحظ مثـلاً إنّ المسيحية التي انتشرت في هذه المنطقة كانت تابعة للكنيسة السورية السريانية ( اليعقوبي
