الهلال الخصيب / الدكتور وديع بشور

Posted by on Jun 18, 2022 in Library, دراسات سريانية | Comments Off on الهلال الخصيب / الدكتور وديع بشور

 

تتألف منطقة الشرق الأوسط من جرئين مختلفين ، هما الصحراء السورية ( بادية الشام ) في الوسط ،     يحيط بها من الغرب والشمال والشرق سلاسل جبلية تتصل بها الهضاب السورية والاناضولية والايرانية .  ويربط البادية بسلاسل الجبال هذه ، أراض خصبة تنال ما يكفيها من مياه الأمطار والأنهر ، وتمتد على شكل هلال قرنه الشرقي على الخليج الفارسي وقرنه الغربي على حدود مصر وشماله سلسلة جبال طوروس.

في هذه المنطقة الصغيرة نسبيا من العالم تلتقي مختلف المظاهر الطبيعية والطوبوغرفية من صحراء وجبال ومستنقعات وسهول خصبة وبحار وأنهار . وفيها كان مهد أول حضارة في العالم . وقد كشف عن وجود قرى زراعية وأقنية ري حدد عمرها بالكربون المشع ، تعود الى الألف الثامن أو التاسع ق.م.

    في هذه البلاد التي سميت أيضا آرام ( سوريا والعراق ) بسبب انتشار الممالك الآرامية فيها وبسبب وحدتها اللغوية على أساس الآرامية منذ القرن الخامس قبل الميلاد تفاعلت شعوب عديدة منذ القديم ، شعوب مختلفة العنصر واللغة ، كان هدفها جميعا الاستيلاء على هذه المنطقة الخصبة . فتفاعلت هذه الشعوب وساهمت جميعها في انشاء أقدم حضارة . وأقدم الحضارات حضارة سومر ( شومر ) في سهل شنعار – جنوب ما بين النهرين.

ان تقدير الفترات الزمنية لما قبل التاريخ بشكل صحيح ينتظر الفحوص بالفحم المشع ، لذا نقدر الفترات التاريخية القديمة بشكل تقريبي لحد الآن وحسب الطبقات السكنية ، مع ربط كافة المعلومات التاريخية وتنسيقها . ويقدر بأن عصر تل حسونة وتل حلف يشمل الالف الخامس قبل الميلاد بكامله . وبينما عصر تل العبيد يشمل القرون السبعة الاولى من الالف الرابع قبل الميلاد ثم عصر فجر التاريخ في اوروك ( الورقاء ) من ٣٣٠٠ – ٣١٠٠  ق.م. ثم عصر الكتابة ٣١٠٠ – ٢٨٠٠ ق.م. ولكن تحديد التواريخ في عصر فجر التاريخ أسهل من العصور السابقة بسبب مقارنتها مع نظيراتها في سوريا ومصر .  وحضارة فجر التاريخ شملت تسارعا في التقدم الحضاري . وفي هذا العصر برزت الحضارة السومرية التي شملت جنوب العراق القديم . بينما بقي الشمال متخلفا نسبيا . ففي الجنوب ظهرت القرى حول المعابد ونشأت مختلف الحرف وتطورت بعض هذه القرى وأصبحت مدنا مزدهرة . وقد رافق هذا تطور حضارة الأنهر في مصر والهند والصين .

لقد سكن الانسان القديم بلاد الهلال الخصيب منذ أقدم العصور في ما قبل التاريخ ويدل على ذلك الآثار في الكهوف والتلال وبقايا المدن الدارسة في مختلف المناطق . وأقدم فأس صوانية وجدت تعود للعصر الحجري القديم لنحو ١٥٠ الف سنة .  والسوريون القدماء أول شعب تعاطى الزراعة وأخذ في الاستقرار في مستوطنات زراعية . وكان هذا في العصر الحجري الوسيط وأخذ الانسان ينزح من الكهوف الى البيوت المصنوعة من الطين والآجر والخشب . وأقدم مستوطنات زراعية ظهرت في التاريخ كانت في سوريا وتعود للألف الثامن والتاسع قبل الميلاد . ومن أقدم مراكز السكن البشري في العالم أريحا وتل الجديدة واوغاريت وجبيل وجميعها تعود لنحو ٥٠٠٠ ق.م. في هذا العصر بدأت العبادة والايمان بآلهة ويرجح أن الرعاة أول ما عبدو كان اله القمر في اريحا ( اريحو = مدينة القمر ) في اواخر القرن الالف السادس قبل الميلاد.

ثم جاء العصر الحجري الحديث نحو ٦٠٠٠ ق.م. ودام الفي سنة وحصل فيه تقدم ملحوظ في ميادين الزراعة وتربية الحيوان واستعمال الادوات الحجرية ، وفيه اكتشف المعدن واخترع الفخار كما اخترع دولاب الفاخورة وعاصر استعمال النحاس ظهور الكتابة وبدء العصور التاريخية . وبعد ذلك اكتشف الحديد . وكان سكان تلك العصور القديمة غير ساميين كما يستدل من الهياكل العظمية . كما ان أسماء مدن قديمة مثل دمشق وتدمر غير سامية وربما كانت من بقايا الأسماء قبل ظهور السامييين على المسرح السوري وهذا أيضاً ينطبق على شعب وحضارة سومر

 

السومريون

هم شعب غير سامي استوطن القرن الشرقي للهلال الخصيب الذي عرف باسم سهل شنعار . ومن غير الواضح كيف وصلوا الى تلك الأرض لاستيطانها بل يرجح أنهم أحد شعوب الشرق الأدنى القديم  وأنهم كانوا دائماً في جنوب العراق منذ أقدم الأزمنة ومن قبل العصور التاريخية ، بل الأرجح أنهم أقدم شعب في سوريا والعراق قبل الساميين.

انتزعت سومر القيادة الفكرية والحضارية في بلاد الهلال الخصيب ( آرام ) في أواخر الألف الرابع قبل الميلاد وسبقت مصر في خلق أول حضارة مزدهرة تكمن فيها بذور تاريخية . لقد وفق السومريون في الألف  الرابع قبل الميلاد الى فكرة الكتابة على الواح الطين بدافع من حاجاتهم الاقتصادية والادارية . بدأوا بالكتابة التصويرية ثم اخترعوا الكتابة المسمارية من ٣٥٠ كلمة او مقطعاً واقتبس الاكاديون والحثيون والبابليون والفرس هذه الكتابة وبقيت الى ان اخترع الكنعانيون الابجدية في القرن الثالث عشر قبل الميلاد . ان ماحققه اولئك السكان القلائل في مجالات الفكر والاقتصاد والسياسة والهندسة والدين والادب تجلت بتأسيس دولة الاله المتمركزة في مدينة المعبد ، وذلك كتجسيد للايمان بالقوى الخفية ، المنطلق من فلسفة دينية ثابتة تشمل الفرد والجماعة على حدٍ سواء والتي وجدت تعبيرها في العمارة الضخمة ( الزيقورات ) والفنون الجديدة.

والباحث السومري يستطيع أكثر من معظم العلماء والمختصين ان يشبع نهم الانسان في بحثه الدائم المتطلع عن “ اصول الاشياء “ او بعبارة أخرى عن “ أوائل الاشياء “ في تاريخ الحضارة ، اي اوائل المثل والاخلاق والدين والتراتيل الدينية والاساطير والقصص والملاحم . كذلك اوائل السياسة والحرب النفسية والاجتماع والفلسفة والقوانين ، وايضاً اول تشريع واول الاصلاحات الاجتماعية واول برلمان واول كتابة واول مدرسة واول ذكر للحرية “ امارجي “ واول اغنية حب . وهناك حقيقة غريبة وهي وجود هؤلاء السومريين في العصور القديمة . والمنقبون الذين اكتشفوا السومريين لم يكونوا يبحثون عن آثارهم بل عن آثار البابليين والآشوريين الذين اشتهروا في التوراة والتاريخ القديم .لأن اسم سومر ذاته كان قد امحى من فكر الانسان ومن ذاكرته طوال اكثر من الفي عام بينما اثرت اعمالهم في المضمار الحضاري على بلدان الشرق الادنى لآلاف السنين.

يتبين من النصوص السومرية حول نظام الدولة بأن كل الاراضي وما يعيش عليها من حيوان ونبات كانت ملكاً لآلهة المدينة الدولة . وخليفة هذا الاله الاكبر في الأرض هو الملك اوجال او الرجل العظيم.

بدأت العصور الاولى في اوروك ( الورقاء ) في مطلع الالف الثالث قبلا الميلاد والتي عرفت في التوراة باسم “ ارخ “ . تألفت اوروك في عصورها الاولى من منطقتين اندمجتا فيما بعد سلمياً او حربياً . ضمت المنطقة الاولى معبد “ آنو “ اله السماء ويقع على مصطبة عالية . وهو نموذج لما عرف فيما بعد  باسم “ الزيقورة “ . والمنطقة الثانية ضمت معبد “ اتانا “ ( عشتار ) آلهة الامومة والجنس.

 بعد سلالة اوروك تأتي سلالة اور الاولى زمنياً وفيها معبد اله القمر “ نانا “ ( سين ) وقد ورد اسم الملك نيشا نيبادا كأول حاكم فيها.

 

الدولة – المدينة السومرية

كانت سومر بلاداً صغيرة ، مساحتها نحو ٢٥ الف كيلو متر مربع . وتتركز الحياة فيها حول الأنهر والأقنية . كان الفرات يجري الى الشرق اكثر مما هو عليه الآن وفي ذلك الجزء الجنوبي من منطقة بغداد  وحتى الخليج الفارسي بين النهرين العظيمين دجلة والفرات كانت تمتد سومر.

ورغم صغرها كانت سومر مجزأة الى وحدات سياسية اقليمية انعزالية ، والمسألة الدينية والاله المختص بالمدينة لم تكن مسألة أساسية ، بل نشأت من الاقليمية ، الا ان المسألة الدينية لم تبق محصورة بكل مدينة بمفردها بل تطورت الى الدول المدن . وكل واحدة مؤلفة من المدينة العاصمة مع ضواحيها من بلدان ومدن وقرى وبساتين وكروم وغابات النخيل والمراعي . وكان في وسط كل مدينة معبد مخصص لالهها الخاص الذي لا يحمي المدينة وحسب بل يملكها ارضاً وسكاناً . وكان السكان أحراراً وعبيداً . لكن العبيد كانوا قلة لم يلعبوا دوراً هاماً في الحياة الاقتصادية . ولكل معبد أوقافه التي يستثمرها القائمون على خدمته . وقد قسمت الارص المغروسة الى ثلاثة أنواع:

أولاً – “ أرض الرب “ ( جانا – تي – أين – نا ) ويعمل فيها كل المجتمع من أجل المعبد.

ثانياً – “ أرض القوت “ ( جانا – كو – را ) وهي من نصيب القائمين على المعبد لاعالتهم.

ثالثاً – “ أرض المحراث “ ( جانا – أبين – لا ) وتسلم للمرابعين بحصة تتراوح بين ١/٧ – ١/٨ المحصول.

وكانت محاصيل المعابد وفيرة – يعاد توزيع قسم منها ، ويخزن قسم منها تحسباً للمجاعات كما يقايض على قسم آخر مقابل سلع أجنبية . وكان هذا يتطلب مسك الدفاتر والادارة والتنظيم لكل أشكال العمل والانتاج ، فكانت أشبه بمشاعية تيوقراطية.

وفي بدء الملكية شملت سومر ثلاث عشرة مدينة – دولة هي من الشمال الى الجنوب سيبار والهها اوتو ( شمش ) ، كيش والهتها نينهورساج ( تينماخ ) ، واكشاك ولاراك ونسبور مدينة الاله “ انليل “ سيد البلدان وملك الالهة وسيد الرياح ، وادب والهتها تينماخ ايضاً ، واوما وآلهتها “ شارا “ ، ولغش ( لجش ) والهها “ نينغرسو “ ، وباد – تيبيرا والهها دوموزي ( تموز ) ، واوروك وآلهتها “ انانا “ ( عشتار ) ، ولارسا وألهتها اوتو ايضاً ، واور ( اور الكلدانيين ) والهها نانا ( صين القمر ) ، واريدو والهها انكي ( أيا ) اله المياه العذبة والحكمة

وفوق رئيس الكهنة ( شنجا ) يأتي حاكم الدولة او الراعي الذي يختاره اله المدينة . والحاكم هو “ انزي “ والملك “ لوجال “ والحاكم يدير أملاك الاله ويحكم الدولة باسمه ، له القيادة والعدل ورئاسة الكهنة وادارة الاشغال العامة . وأقدس أعماله بناء وصيانة المعابد لأن “ الانسان خلق كي يخدم الآلهة “ ، وتدل مقابر أور ( ٢٦٥٠ ق.م ) ان حاشية الملك كانت تدفن معه ، مع الآلات الموسيقية والطعام والشراب والأسلحة ولأواني الذهبية، الخ.

لم يقدر السومريون او يوحدوا بلادهم بل كانت المنازعات قائمة دائماً بين سلالات المدن الرئيسية من أجل السلطة و “ الجشع من أجل السلطة يفسد حتى عالم الآلهة “ . وهناك دلائل على ان الملكية بدأت في كيش وكان ملكها نحو ٢٧٠٠ ق.م ( او مي براج سي ) وقيل انه هو الذي بنى معبد انليل في نيبور وسرعان ما اصبحت العاصمة الدينية لكل سومر ، وكان حكام المدن وملوكها يقدمون الهدايا النفيسة في معبد انليل الى ان اصبح اختيارهم بالذات يقع في نيبور كي يعترف رعاياهم بهم.

وبقيت الهيمنة لكيش حتى انتزعت اور قيادة سومر أيام ملكهاميشانيباد ولمدة قرن ثم سيطر العيلاميون وسلالتا عوان وهمازي الاجنبيتان على قسم من سومر لكن “ اياناتوم “ انزي او حاكم لغش نحو ٢٥٥٠ ق.م طرد العيلاميين واختل اور واوروك واصبح انزي لغش ملك كيش . وبعد وفاته هيمنت اوروك ثم ادب ثم ماري على بلاد سومر . ثم قام ميثاق بين لغش واور واوروك . لكن سوعان ما تدهورت الاوضاع في لغش وقام كهنة الاله “ ننغرسو “واستولوا على السلطة لمدة عشرين عاماً وأخذوا يستغلون سلطتهم الدينية على حساب الاله وعبيده . وكان انقلاب “ اوروكاجينا “ انزي لغش نحو ٢٣٧٥ ق.م وهو أول اصلاح اجتماعي في التاريخ ، قام لتخفيض الضرائب ومنع تسلط الجباة واللصوص ورجال الدين والاقوياء على الضعفاء وتعهد “ بأنه لن يسمح بأن يقع اليتامى والأرامل فريسة ظلم الأقوياء “ ولأول مرة في التاريختظهر كلمة “ أمارجي “ في وثيقة عندما مكن اوروكاجينا “ حرية المواطنين “ في لغش.

ولم يدم حكم المصلح اوروكاجينا سوى ثماني سنوات اذ هزمه كوجال – زاغيزي – انزي ادما وقام باحتلال كل عواصم سومر ويدعي انه احتل كل العراق وسوريا من “ البحر الاسفل “ الى “ البحر الاعلى “ ( البحر الاسفل هو الخليج والبحر الاعلى هو المتوسط ) . فكان بدء الامبراطوريات بتأسيس اول امبراطورية عظمى في الشرق الادنى وكانت اوروك عاصمته ودام حكمه ٢٥ عاماً . ثم تغلب عليه سرجون الاكادي ( شروكتي ) الذي بنى أول امبراطورية سامية شملت كل الهلال الخصيب ودام حكمه خمسين سنة من ٢٣٥٠ – ٢٣٠٠ ق.م وبذلك بدأت سيطرة الساميين.

 

الاكاديون

شعب سامي جاور السومريين نحو ٣٥٠٠ ق. م أقاموا أول امبراطورية سامية شملت كل الهلال الخصيب بقيادة سرجون الاكادي ودامت من ٢٣٥٠ – ٢٢٣٠

أخذ الاكاديون يتعلمون حضارة السومريين دون لغتهم ، فكانت حضارة الامبراطورية الاكادية سومرية واللغة سامية حلت محل السومرية التي بقيت لغة العبادة . وبقيت اللغة الاكادية بلهجتها – الآشورية في الشمال والبابلية في الجنوب – لغة العراق نحو ٣٠٠٠ سنة حتى حلت محلها الآرامية نحو ٥٠٠ قبل الميلاد . وعندما سقطت آرام – دمشق في سنة ٧٣٢ ق.م في أيدي الآشوريين ولم يبق أي خطر آرامي على آشور ، أعلنت آشور اللغة الآرامية المنتشرة في الهلال الخصيب كله ، لغة الدولة والشعب الرسمية . بقيام الامبراطورية الكلدانية ٦١٢ ق.م اندثرت اللغة الاكادية الى ان اعيد اكتشاف نصوصها في القرن التاسع عشر.

ان أهمية الامبراطورية الاكادية ليس في ابداعها بل في تعميمها لحضارة سومر على الهلال الخصيب كله بتفاعلها مع غربه وبتعميم اللغة السامية في نفس المنطقة وكان اول تفاعل عنصري وحضاري بين شعوب الهلال الخصيب القديمة.

 

الاموريون

هم الساميون الغربيون بالنسبة للبابليين ، والكنعانيون الشرقيون بالنسبة لكنعانيي الساحل السوري . استوطن الاموريون سوريا نحو ١٥٠٠ قبل الميلاد ، فدعيت امورو . وفي القرن العشرين قبل الميلاد انتقل الاموريون من البداوة الى الاستقرار والزراعة وأقاموا بين ٢٠٠٠ و ١٦٠٠ عدة امارات في سوريا والعراق – في ماري وحلب وحران وجبيل وقطنا وكان اعظمها جميعاً سلالة بابل التي برز منها حمورابي ( امورابي ) المشرع الكبير الذي عاد فوحد الهلال الخصيب . ثم فقد الاموريون سيطرتهم على بابل اذ نهبها الحثيون ١٥٩٥ ق.م وانسحبوا منها ، وحل محلهم الكاشيون ١٥٩٥ – ١١٦٢ ق.م وكان عصرهم عصراً مظلماً في تاريخ بابل.

واخيراً بين ١١٠٠ – ٥٠٠ قبل الميلاد اخذ الاموريون يفقدون هويتهم الخاصة وينصهرون مع باقي شعوب سوريا القديمة في شعب واحد ولغة واحدة . ولغة الاموريون لا تختلف الا في اللهجة عن الكنعانية لكنهم في بابل تبنوا اللغة الاكادية وعبدوا قوى الطبيعة وطوروا المفهوم الديني من البوليتية الى الهينوتية وهي خطوة نحو التوحيد . كما طوروا أدب الملاحم السومري وغيروا أسماء الآلهة السومرية الى أسماء سامية كما فعل الاكاديون في ملحمتي الخلق وجلجامش.

وبعد نحو ٥٠٠ عام من ظهور بابل ظهر الآشوريون على مسرح الشرق الأدنى وهم ساميون سكنوا شمال بلاد الرافدين واصبحوا قوة رئيسية بين ١٣٦٠ و ١٢٠٠ ق.م وتكلموا الاكادية . وكما رأس وردوخ على مجمع الآلهة رأس آشور على مجمعهم . وفي أيام سرجون الثاني ، ٧٢١ ق.م غزا الآشوريون السامرة ودمروا مملكة اسرائيل ( الاسباط العشرة ) وسبوا   ٧ ٪ فقط من سكانها نقلوهم الى بلاد ماري ودامت الامبراطورية حتى سقوط نينوى ٦١٢ ق.م على يد الكلدانيين والماديين.

 

الكنعانيون

شعب سامي استوطن الساحل السوري وبنى معظم مدنه كصور وصيدون وارواد واورشليم واريحا ثم بنوا المستوطنات حول المتوسط فجعلوه بحيرة كنعانية . وكانت اعظم مدنهم قرطاجة التي أسسوها نحو ٨١٤ ق.م.

ان الكنعانيين والاموريين من عنصر واحد وهجرة واحدة ، لكنهم سموا كذلك نسبة الى “ الكنع “ اي الصباغ الارجواني الذي استخرجوه من صدف الموركس . ثم عرف كنعانيوا ساحل سوريا الشمالي باسم فينيقين او “ فونويكي “ وهخو الاسم الذي اطلقه الاغريق عليهم نحو ١٢٠٠ ق.م وهو ايضاً نسبة للارجوان . وتقصد التوراة “ بأرض كنعان “ جنوب سوريا الذي عرف باسم فلسطين فيما بعد ، لكن أرض كنعان في الحقيقة كانت تشمل كل الساحل السوري وقسماً من الداخل وقسماً من كيليكيا وقبرص . ولم يبن الكنعانيون امبراطورية لهم بل اتبعوا نظام الدولة المدينة كالسومريين على ما فيه من الهزال السياسي والعسكري . وانتهجوا العمل السلمي في التجارة والملاحة والصناعة والتعدين . وقد أبحر الكنعانيون الى المحيط الأطلسي من مضيق جبل طارق وحول افريقيا عصيون – جبر ( ايلات ) على البحر الأحمر ووصلوا الى امريكا قبل كولومبوس بألف عام وقد اخترع الكنعانيون الابجدية في القرن الثالث عشر قبل الميلاد مما سهل نقل وتخزين الفكر الانساني . واقتبسها عنهم الاغريق ونشروها في اوروبا في القرن التاسع قبل الميلاد كما اقتبسها الآراميون ونشروها في الشرق واقتبس العبرانيون “ شهة كنعان “ اي العبرية وحفظوا الأدب الكنعاني في كتاباتهم المقدسة ولم تعرف حقيقة التوراة “ التوراة الكنعانية “ حتى اكتشفت اوغاريت عام ١٩٢٩.

ان الآداب المنعانية لم تحفظ بسبب كتابتها على أوراق البردي المستورد من مصر نحو ١١٠٠ ق.م وتلف البردي في المناخ الرطب لكن آداب اوغاريت الكنعانية ( القرن الرابع عشر قبل الميلاد ) حفظت على ألواح الآجر بأبجدية مسمارية من ثلاثين حرفاً فكت رموزها فكشفت آداب كنعان وملاحمها والقي الضوء على بعض نصوص العهد القديم الممهورة بالختم الكنعاني.

 

الآراميون

قبائل سامية اجتاحت سوريا نحو ١٥٠٠ ق.م. وحلت مكان الأموريين واتبعت نظام الدولة المدينة . وفي نهاية القرن الثالث عشر قبل الميلاد نهضت الدويلات الآرامية الاولى فيما بين النهرين وأشهرها “ آرام نهرايم “ بين  الفرات والخابور و “ فدان آرام “ المتمركزة حول حران والتي أصبحت من أهم مراكز الثقافة الآرامية خاصة في عهد صابئة حران فيما بعد . ومنها تزوج يعقوب بزوجاته الأربع فبدآ الأسباط من أصل آرامي . وأهم ممالكهم في سوريا آرام صوبة في البقاع التي هزمها داود فانتقلت الزعامة الى آرام دمشق التي امتدت حدودها من اليرموك الى الفرات وآرام سمأل حول سنجدلي في الشمال السوري . ومن ممالكهم ومشيخاتهم أيضاً آرام بيت رحوب وآرام معكة حول جبل حرمون وجشور في حوران وحماه وبيت آجوشي حول حلب وبيت اديني في تل برسيب وبيت بخياني في تل حلف على الخابور وبيت اديلي وبيت باكين في جنوب العراق.

لكن آرام دمشق دمرت على يد تقلات فلاسر الثالث ملك آشور ٧٣٢ ق.م. والى الأبد وكان ملكها الأخير رزين . بينما في بابل أقام الآراميون الدولة الكلدانية ودمروا نينوى على يد نبوبولاصر ٦١٢ ق.م. ثم دمر ابنه نبوخذ نصر مملكة يهوذاعام ٥٨٧ ق.م. وسبا ربع سكانها ونقلهم الى بابل وكان لأحبارهم اليهود في بابل اليد الطولى في كتابة العهد القديم والتلمود . كما بنى نبوخذ نصر برج بابل الشهير . وكان آخر ملوك الكلدان نبونيد الذي أدخل عبادة سين “ اله القمر “ من حران الى بابل ثم سقطت الامبراطورية عام ٥٣٩ ق.م. على يد كورش الثاني ملك فارس فكانت نهاية تاريخ بابل التي عرفت فيما بعد بالاسم البهلري “ العراق “ اي الأرض المنخفضة . وشغلت الامبراطورية الكلدانية او البابلية الحديثة “ ٦١٢ – ٥٣٩ “ كل الهلال الخصيب وعمت لغتها الآرامية كل الهلال الخصيب فأطلق عليها اسم آرام . هكذا أصبحت اللغة الآرامية اللغة المشتركة للشعوب المتوحدة في الهلال الخصيب منذ ٥٠٠ ق.م. وبقيت لغة الامبراطورية الفارسية بعد ذلك . ثم بقيت اللغة الشعبية بعد فتح الاسكندر ( ٣٣٣ ) ق.م الى ان حلت محلها العربية نحو عام ١٣٠٠ م والتي احتفظت بكثير من المفردات الآرامية في سوريا والعراق ومن الجدير بالذكر ان المفردات الآرامية الخاصة بالعبادة قد دخلت القرآن وذلك عن طريق النصارى واليهود الذين نزحوا الى الجزيرة العربية قبل الاسلام.

 

العبرانيون

العبرانيون الأوائل كانوا قبائل رحل من الآراميين الذين كانوا يدخلون من سوريا الى العراق . ويطردون من قبل القبائل هناك ، فكانت كلمة “ عبيرو “ تعني من عبر الفرات من العراق الى سوريا ومنها ابراهيم العبراني جد اليهود التقليدي . ثم دخل الاسرائيليون أبناء حفيده من اسحق أرض مصر أيام حكم الهكسوس في القرن السابع عشر قبل الميلاد وخرجوا منها نحو ٤٠٠ عام في أواخر القرن الثالث عشر ق.م. بقيادة موسى وهرون ودخلوا أرض كنعان ( فلسطين ) بقيادة يشوع . ولما استقروا بين الكنعانيين اقتبسوا لغتهم وعاداتهم وعباداتهم . لم يكن كل الاسرائيليين في مصر والذين خرجوا بقيادة موسى نحو ١٢٣٥ ق.م كانوا نحو ٧٠٠ انسان فقط وفي أرض كنعان اجتمعوا بباقي الأسباط وتآلفوا حول عبادة يهوه ، واحتل العبرانيون الارض خلال ثلاثة قرون ثم قسموها بين الاسباط تاركين نسل لاوي للزعامة الدينية . كانت مرحلة الاستيطان في عهد القضاة . وفي عهد الملوك جاء دور الاحتلال بالقوة وكان شاول ( ١٠٢٠ – ١٠٠٤ ) وكان فاشلاً ثم خلفه داود ( ١٠٠٤ – ٩٦٤ ) ق.م. فاحتل اورشليم “ يبوس “ الكنعانية وجعلهاعاصمة ، وجعل الشرع الموسوي دستوراً وديناً للدولة ، واحتل ممالك عمون ومؤاب وآدوم وكان أعظم ملوك التاريخ العبري ثم خلفه ابنه سليمان ( ٩٦٣ – ٩٢٣ ) ق.م. وكان ماجناً مزواجاً مترفاً زاد السخرة والضرائب خاصة على قبائل الشمال محابياً قبائل الجنوب فأدى عدم حكمته الى انقسام المملكة عام ٩٢٣ اثر وفاته ودامت مملكة اسرائيل في الشمال حتى ٧٢١ ق.م وقد دمرها سرجون الثاني الآشوري ومملكة يهوذا في الجنوب حتى ٥٨٦ ق.م. حيث دمرها نبوخذ نصر البابلي . لقد كان “ اليهود “ الاسرائيليين أحد شعوب سوريا القديمة ، فاخروا بأصلهم الآرامي “ آرامياً تائهاً كان أبي “ و  “ لسانهم المقدس “ أي لغة كنعان ، لكنهم تميزوا عن غيرهم بعبادتهم المتمركزة حول يهوه وقد ثبت موسى هذه العبادة ثم ظهر القادة الاجتماعيون والدينيون المعروفون باسم “ الأنبياء “ وبهذا كان تأثيرهم الرئيسي دينياً رغم اقتباسهم الكثير من بابل وكنعان ومهره بالختم الاسرئيلي.

 

عرب ما قبل الفتح

في اللغات السامية العربة هي البادية والعربي هو البدوي فالعرب هم الساميون الرحل سكان البادية . وقد أسس عرب ماقبل الفتح أربع ممالك في الهلال الخصيب  نحو ٥٠٠ ق.م وهي : مملكة الأنباط في شرقي الاردن ، والتدمريين في تدمر ، والغساسنة في حوران ، والمناذرة في الحيرة جنوب العراق . هذه الممالك العربية أدخلت بعض عناصر الثقافة السورية الى الجزيرة العربية . فقد نقل الأنباط الابجدية الآرامية التي كتب بها القرآن “ قربانا “ ، كما أدخل الغساسنة بعض الأفكار المسيحية ، الى جانب دخول اليهود والنصارى من سوريا الى الجزيرة العربية هرباً من الاضطهاد الروماني مما أوجد نهضة حضارية قبل الاسلام وكان لها اليد الطولى بظهور الاسلام بشكله الحالي.

الى جانب هذه الشعوب السامية التي استوطنت الهلال الخصيب دخلت عدة شعوب لا سامية وتفاعلت معها في ذات البوتقة الجغرافية وهم:

 

 الحثيون ، والحوريون ، والماشيون ، والفلسطينيون ، ثم الفرس والاغريق.

 

الحثيون 

شعب هندو اوروبي انشأ امبراطورية في القرن الثالث عشر ق.م امتدت في آسيا الصغرى الى شمال سوريا .

كان مركزها الأساسي في الاناضول وعاصمتهم بوغازكوي “ حاتو شاش “ ، ومن ممالكهم في سوريا كركميش وحماه ومرعش وأدنة وملاطية وأخذت هذه الممالك تتساقط بإيدي الآشوريين والآراميين الى ان انتهت نحو ٧١٠ ق.م.

وقد حارب الحثيون السوريون بقيادة مواتاليش ( ١٣٥٠ – ١٢٨٢ ) ق.م بقيادة رعمسيس الثاني ( ١٢٩٠ – ١٢٢٤ ) ق.م ولم تكن فاصلة ، وقد اقتبس الحثيون الكتابة المسمارية من سورياواقتبسوا غبادات الشرق الادنى وقد ذكرت التوراة بعض الحثيين في فلسطين.

 

الحوريون

شعب  من شمال جبال زاغروس دخل شمال ما بين النهرين في أواخر الالف الثالث ق.م وأسس مملكة ميتاني في شمال سوريا نحو ١٥٠٠ ق.م التي امتدت من ماري الى المتوسط وعاصمتها واشوكاني ، ومن مدنهم نوزي التي عرفت بشرائعها.

 

الكاشيون

شعب هندو اوروبي احتل بابل من ١٥٩٥ – ١١٦٢ ق.م وسماها كار – دنياش آلهتهم رية وسامية وحافظوا على فلسفة وديانات ما بين النهرين.

 

الفلسطينيون

شعب اوروبي من شعوب البحر عملوا قراصنة في المتوسط وأحرقوا اوغاريت ١١٩٥ ق.م . وفي ١١٩١ ق.م أجبرهم المصريون على استيطان جنوب الساحل السوري من غزة الى يافا وقد أطلق اسم فلسطين على أرض كنعان نحو ٧٠ ميلادية وهي جزء منها فقط.

 

الفرس 

شعب هندو اوروبي قضى على الامبراطورية الكلدانية ٥٣٩ ق.م بقيادة كوروش ونقل سوريا الى الحكم الهندر اوروبي مدة أل ف عام ( ٥٣٩ – ٦٣٣ ) ميلادية وأصبحت سوريا مع قبرص تشكل المرزبانية الخامسة او “ عبار نهرا “ اي عبر الفرات.

وسمح كوروش لليهود الذين سباهم نبوخذ نصر ٥٩٧ و ٥٨٦ ق.م بالعودة الى فلسطين وبناء الهيكل ( ٥١٦ ) ق.م . كانت الآرامية لغة الامبراطورية الفارسية والزرداشتية دينها ، وهي تؤمن بالصراع بين قوى الخير والشر وحكمت ( ٥٣٩ – ٣٣٣ ).

 

السلوقيون

فتح الاسكندر سوريا ٣٣٣ ق.م ومات في حزيران ٣٢٣ ق.م في قصر نبوخذ نصر . وبعد صراع على التركة دخل سلوقس الأول نيكاتور بابل في ١ تشرين الاول ٣١٢ ق.م واعتبر هذا التاريخ بداية مملكة سوريا التي شملت كل الهلال الخصيب ما عدا سوريا الجنوبية التي استعادها انطيوخوس الثالث الكبير من المصريين ١٩٨ ق.م . وفي ١٦٨ ق.م ثار المكابيون اليهود على الحكم الموكزي في انطاكية ونجحوا في اقامة حكم ذاتي ، وفي أيام الملك المكابي اريستوبولوس ( ١٠٥ – ١٠٣ )ق.م اجبر السكان في الجليل على التهود ، وبعد مئة عام برز من هؤلاء المتمردين الجدد المسيح وتلاميذه ، ما عدا يهوذا الخائن ، اي لم يكن المسيح والتلاميذ من أصل يهودي بل من جليل الأمم . أدخل السلوقيون الحضارة الاغريقية واللغة اليونانية التي أصبحت لغة العلم والأدب الى جانب الآرامية لغة الشعباليومية . وبنوا عدداً كبيراً من المدن استوطنها الاغريق والمقدونيون وكانت مراكز للحضارة الهلنستية . ثم دب التفسخ في الدولة السلوقية الى ان قضى عليها الفتح الروماني ( ٦٤ ق.م ) لكن الحضارة الهلنستية بقيت في ظل الحكم الروماني ( الهلنستية الرومانية ).

 

الرومان

استغل الرومان الفوضى التي عمت المملكة السورية في آخر ٣٢ عام من الحكم السلوقي من الحكم السلوقي ففتحوها عام ( ٦٤ ) ق.م بقيادة بومبيوس واصبحت ولاية “ سورية الرومانية “  . وليس هذا فقط ، فقد بقي  الجزء الشرقي اي العراق ( بابل ) تحت الحكم الفارسي ، وفصلوا كيليكيا في ولاية قائمة بذاتها فكانت أول تجزئة لسوريا كما غيروا تقسيماتها الادارية عدة مرات ، وكانت أعظم الاولايات الرومانية . ومن الحكام الرومان كنتيليوس الذي ولد المسيح على أيامه عام ٦ قبل الميلاد وبيلاطس البنطي ( ٢٤ – ٣٧ ) م . وعلى أيامه صلب السيد المسيح.

وعني الرومان بشق الطرق وبناء المستوطنات وتحضير البدو كما أدخلوا اللغة اللاتينية الى سوريا . وفي القرن الثالث الميلادي ازداد النفوذ السوري الديني والاقتصادي في الولايات اللاتينية ، وبفضل الفكر المسيحي المتفاعل مع الحضارة الهلنستية قامت الحضارة البيزنطية ومركزها القسطنطينية . اعتنق قسطنطين الكبير المسيحية ( ٣١٣ ) م وترأس مجمع نيقية عام ( ٣٢٥ ) ودشن القسطنطينية في ١١ أيار عام ٣٣٠ م وسماها روما الجديدة  وبقي الحكم البيزنطي الى ان فتح العرب المسلمون سوريا ٦٣٣ – ٦٤٠.

كل هذه الشعوب تفاعلت عنصرياً وحضارياً في الشرق الادنى القديم ، وتداخلت تقاليدها ودياناتها وعلومها وفنونها ، لكن السومريون كانوا أقدم هذه الشعوب ، وقد بدأ التاريخ في سومر التي أعطت كثيراً من “ أوائل الاشياء “ وتوارث كل خلف عن كل سلف ، وبذا دامت المعتقدات السومرية نحو ثلاثة آلاف سنة . والساميون لم يختلقوا مفاهيم جديدة ، بل انصهرت عناصر ديانتهم مع العناصر السومرية حتى لا يمكن تمييزها . لكنهم غيروا أسماء الآلهة لأسماء سامية ، وكانت تزداد أهمية كل اله حسب قوة دولته السياسية.