الموارنة في العصور الحديثة

Posted by on Aug 23, 2021 in Library, الموارنة في التاريخ - الدكتور متي موسى, الموارنة في التاريخ -2 | Comments Off on الموارنة في العصور الحديثة

26

    علمنا من الفصول السابقة بأن الموارنة ظهروا لأول مرة في القرن السابع. وفي القرن التالي ، أصبحوا طائفة مستقلة تعيش في الأغلب في جبال لبنان. كانت غالبية الشعب اللبناني ، ومنهم الموارنة من الآراميين السريان الذين كانت لغتهم وطقوس كنيستهم سريانية. غير أن الإسلام وجد طريقه إلى لبنان في القرن الثامن في عهد الأمويين والعباسيين الذين حاولوا احتلال لبنان إلا أنهم أخفقوا بسبب التضاريس الجبلية. ومنذ القرن الحادي عشر ، أضاف الدروز عنصراً جديداً إلى بنية لبنان الديموغرافية. وفي الوقت الحاضر ، نجد عدداً كبيراً متـنوعاً من الأديان والملل في لبنان ، لا يعيشون على الدوام في سلام وانسجام. كما أضافت الثورة الإسلامية القريبة العهد في إيران بعداً آخر إلى وضع ديني معقد في لبنان. فآية الله الخميني يستخدم جماعة الشيعة في لبنان لهيمنة شيعية في ذلك البلد بالقوة واستعمال السلاح إذا دعت الضرورة لذلك. فما هو موقف الموارنة من هذه الفوضى السياسية والطائفية الحالية في لبنان ؟

    بالرغم من أن الموارنة ظهروا كجماعة دينية مستقلة في القرن الثامن إلا أننا لا نسمع بأنهم لعبوا أي دور في الشؤون السياسية في الشرق الأوسط حتى زمن الصليبيين.

 

    حصل الصليبيون ، بعد احتلالهم أنطاكية سنة 1079 ، وأثناء حملتهم على أورشليم ، على مساعدة كبيرة من قِـبَـل الموارنة ، الذين رحبوا بهم في عيد الفصح ، في 10 نيسان عام 1099 . إن لهذا الاتصال بالصليبيين مغزاه الكبير لأنه احيا آمال الموارنة فصاروا يعتقدون أن في مقدورهم ولأول مرة الاعتماد على حليف مسيحي ضد المسلمين. كما أن هذا الاتصال قد أيقظ أيضاً شعوراً جديداً لدى الموارنة بأنهم طائفة متفردة ، وهي الطائفة القديمة الوحيدة ، التي يرتبط مصيرها بمصير لبنان. وهكذا أصبح لبنان ، كما يقول الأب بطرس ضو ، مرادفاً ” للأمة المارونية ” وامتداداً ” لهذه الأمة ” . إن هذا الوعي الطائفي أيضاً ، هو الذي جعل الموارنة ، كمسيحيين يبدؤون بإقامة علاقات مع الكنيسة الكاثوليكية الرومانية. وأول اتصال جاد للموارنة بروما حدث اثناء زيارة البطريرك الماروني ارميا العمشيتي لكنيسة روما عام 1215. إلا أن علاقات الكنيسة المارونية مع روما ظلت قلقة ولم تستـقر حتى عام 1596 في مجمع قنوبين الذي عقده جيروم دنديني. في ذلك الحين فقط تبنت الكنيسة المارونية وطائفتها اخيراً الإيمان الكاثوليكي وأضحت تحت سلطة الفاتيكان مباشرة ( كما ان المعلومات ، عن حيويات وفعّاليات البطاركة الموارنة قبل القرن الثالث عشر ضئيلة جداً وغامضة. ولكن قد تكون زيارة ارميا العمشيتي لروما نهاية عزلة الموارنة. والمهم هو ان الكنيسة المارونية وطائفتها اكتسبا أعظم قوة من الارساليات المختلفة التي أوفدتها كنيسة روما إلى الموارنة. اذ كان الأوروبيون (الصليبيون) في القرن الثالث عشر مازالوا يغزون جزءاً من الشرق واضعين آمالاً كبيرة على أصدقائهم الموارنة لإعادة تـثبيت وضعهم في بلاد الشام سورية.

 

    وفي غضون القرن السادس عشر ، كان بطاركة الموارنة على اتصال مع توسكانيا وأسبانيا وفرنسا لحماية مصالحهم في الوطن. وفي القرن السابع عشر وصلت علاقات الموارنة مع فرنسا إلى الذروة وذلك بوضع الموارنة تحت الحماية الفرنسية . ولما احتل السلطان العثماني سليم الأول سورية ومصر سنة 1516 ، أصبح الموارنة الذين كانوا يعيشون على الأغلب في جبّة بشري والبترون وجبيل والمنيطرة جزءاً من ولاية طرابلس التي تشكلت حديثاً والتي وضعت تحت سلطة حاكم دمشق العثماني.

 

    قام البطريرك الماروني موسى العكاري (ت 1567) ، بغضاً بهؤلاء الحكام واستياءً من الضرائب الثقيلة التي فُرضت على الموارنة ، بالاستغاثة بالإمبراطور شارل الخامس ، في رسالة مؤرخة بتاريخ 25 آذار 1527 ، لإنقاذ لبنان من العثمانيين. كما وعد البطريرك الإمبراطور بأنه سيضع تحت تصرفه خمسين ألفاً من الرجال المقاتلين المدربين. وفي عام 1550 أصدر السلطان سليمان القانوني (1520ـ1566) ، استجابة لمساعي البطريرك ، فرماناً إلى حاكم طرابلس لحماية حقوق البطريرك الماروني وجماعته. كان هذا المرسوم في الحقيقة اعترافاً باستقلال الجماعة المارونية بشؤونها  الداخلية .

 

    وفي عهد هذا البطريرك أيضاً ، بدأ الموارنة بالانتقال من طرابلس إلى كسروان المتن ، والغرب والشوف في الجزء الجنوبي من جبال لبنان. ولما كانوا مزارعين أكفاء فقد استخدمهم الإقطاعيون الدروز في زراعة أراضيهم. ولما كانت المصلحة المشتركة تجمع بين الموارنة والدروز فقد قرروا حماية مصالحهم ومحاربة فساد الحكام العثمانيين .

 

    تمتعت الطائفة المارونية بمكانة تحسد عليها في عهد الأمير فخر الدين الثاني المعني (1590ـ1634). كان المعني درزياً خلف والده قرقماز في قيادة الدروز في الشوف عام 1584. وبحلول عام 1591 كان قد مدَّ سلطته لتشمل المتن وبيروت عام 1598 ، وأخيراً كسروان عام 1605 والتي كانت مأهولة بالموارنة. كذلك حصل المعني على صور وجزءاً كبيراً من فلسطين. كان العديد من فرق الدروز خصوماً للمعني ما عدا الشيخ يزبك بن عبدالعفيف ، الذي كان يميل جداً إلى الموارنة . وهنا أوفد البطريرك الماروني يوحنا مخلوف  المطران جرجس عميرة (وهو الذي اصبح بطريركاً بعدئذ) إلى روما وإلى توسكانيا طالباً التحالف مع فرديناند دوق توسكانيا الكبير ضد الحكومة العثمانية. زار المطران عميرة أوروبا ، في الواقع ، مرتين ، وقام بالعديد من الاتصالات مع الأوروبيين بوساطة الطلاب الموارنة في المدرسة المارونية في روما. كما شجع الأوروبيين ومبشريهم الدينيين على القدوم إلى لبنان . كما ان فخرالدين المعني جنّد العديد من الموارنة في جيشه حيث اصبحوامصدراً كبيراً من مصادر القوة لذلك الجيش. كما جنّد الموارنة مرشدين له وكان أحد مرشديه البطريرك الماروني نفسه .

 

    انتقل العديد من الموارنة ، بتشجيع من سياسة فخرالدين المعني المؤيدة للمسيحيين  جنوباً إلى الشوف ووادي البقاع حيث استقروا كمزارعين أكفاء. وسرعان ما انخرط الموارنة في صناعة الحرير التي أدخلها المعني إلى لبنان. بل اكثر من هذا أصبح المزارعون ورجال الأعمال الموارنة العمود الفقري الاقتصادي في متصرفية المعني. وكان بالنتيجة ان تغير الوضع الديموغرافي لهاتين المنطقتين ، حيث قام الموارنة بإنشاء مدينتي دير القمر وزحلة في وسط جماعة درزية بينما كانت كسروان وجبيل والبترون في الشمال قد أصبحت على الغالب مارونية ، وفي نهاية القرن الثامن عشر ، عندما طرد الموارنة آل حمادة الشيعة حكام تلك المناطق ، أضحت هذه المناطق مارونية بأجمعها .

 

    يمكننا ، على ضوء ما تمَّ قوله ، أن نستنتج بثـقة بأن فترة حكم فخر الدين الثاني المعني شاهدت ارتقاء الجماعة المارونية إلى مقام رفيع لم يسبق له مثيل. صحيح أن الأمير كان قد ربط نفسه مع العديد من الملل الدينية بحيث لم يستطع الناس معرفة فيما إذا كان درزياً أم سنياً. ومع ذلك فإن سياسته الممالئة للموارنة عززت الكنيسة المارونية والطائفة المارونية وشجعت الموارنة على الهجرة إلى الجنوب حيث اكتسبوا المزيد من الثروة والقوة . كما ان الوعي الديني المتنامي عند الموارنة كطائفة متلاحمة ذات صفات سياسية اجتماعية ودينية متميزة قد ساهم في مفهومهم بأن لبنان ما هو الا امتداد للهوية المارونية. هذا ما يبرهن عليه التعليق المدون في أسفل الصورة الخيالية ليوحنا مارون والذي يقول: مجدُ لبنان أعطي له “

 

    استمرت الطائفة المارونية في اكتساب القوة والجاه في القرن السابع عشر وخاصة في عهد الأمير ملحم (ت 1568) ، وهو ابن أخ الأمير فخر الدين. ولكن الأمير الجديد جابه مشاكل مع السلطان العثماني الذي رفض الاعتراف به خليفة لفخر الدين. فما كان من ملحم الا الإتصال بالبطريرك الماروني جرجس عميرة (ت 1644) يلتمسه لكي يطلب من البابا التوسط لدى السلطان العثماني للاعتراف بملحم حاكماً على لبنان. كتب البطريرك التماساً إلى البابا بيَّن فيه بأن ملحم كان احد الأمراء المعنيين الذين نال المسيحيون في عهدهم حرية كبيرة. وطلب منه أن يقوم بحث ملك فرنسا على إقناع حليفه السلطان العثماني على الاعتراف بملحم حاكماً على لبنان.وبالنتيجة نجح البطريرك في مهمته ونصّب ملحم في مركزه ( ولهذا أعاد ملحم الأعضاء الموارنة من عائلة الخازن إلى مناصبهم وخاصة أبا نادر حيث عينه حاكماً على كسروان. كما أعيد آل الحبيشي أيضاً إلى مناصبهم في غزير. وبعد وفاة أبي نادر في عام 1647 خلفه ابنه أبو نوفل الخازن.

 

    بعد أن استعاد الموارنة مناصبهم في كسروان بدأوا بشراء أراض زراعية من الشيعة. وفي غضون ذلك انتـقل عدد كبير من الموارنة من مساكنهم في الشمال وفي منطقة الدروز إلى كسروان مسببين بذلك احتكاكاً بينهم وبين الشيعة الذي خشوا منافسة القادمين الجدد. وبالرغم من هذا الاحتكاك استمر الموارنة في الهجرة إلى كسروان التي أصبحت ، خلا بضع القرى ، تحت سيطرتهم التامة في القرن الثامن عشر.

 

    كانت هجرة الموارنة إلى إقليم الدروز في الجنوب كبيرة جداً وسرعان ما فاق المـوارنة الدروز عـدداً. وقد رحّـب بهم الأمير أحمد (ت 1679) ، وهو آخر الأمراء المعنيين الذي كان قد خلف والده عام  1658 . وأصبحت دير القمر بسبب الموارنة مركزاً تجارياً مزدهراً للحرير الذي كان يتم تصديره إلى بيروت وصيدا ومرافيء أخرى من البحر الأبيض المتوسط. وأصبح تسامح الأمير أحمد مع الموارنة وحمايته لهم مثلاً يحتذى بحيث وجد البـطريرك المـاروني اسـطفان الدويهي (ت 1704) ملجأً عند الأمير أحمد في دير القمر هرباً من ظلم آل حمادة الشيعة في جبّة بشري في شمال لبنان .

 

    كانت الطائفة المارونية ، كما رأينا سابقاً ، قد وُضعت تحت حماية فرنسا وكان الملوك الفرنسيون قد بدأوا باختيار قناصلهم من بين الوجهاء الموارنة  الذين استخدموا سلطة فرنسا وهيبتها كأداة لسيطرتهم على الكنيسة المارونية وكهنتها. كان الموارنة فخورين جداً بأن يكونوا تحت حماية فرنسا بحيث سمى بعض الموارنة أنفسهم بـ “فرنسيو الشرق” . وهكذا أدرك الأمراء الشهابيون ، الذين ستتم مناقشتهم بعد حين قوة النفوذ الفرنسي ومن ثم أهمية الحكم الماروني والسلطة المارونية وأصبحوا متحدين مع الموارنة تجمعهم مصلحة مشتركة.

 

    في عام 1697 توفى الأمير أحمد دون وريث فأختار وجهاء الدروز ابن أخيه بشير الشهابي حاكماً جديداً لهم. وفي عام 1707 خلف الأمير بشير الأمير الشاب حيدر الشهابي ، وهو حفيد الأمير أحمد المعني. اعترف حيدر بسلطة آل الخازن وآل حبيش الموارنة في كسروان وغزير وعامل هاتين العائلتين على قدم السواء مع العائلات الإقطاعية الدرزية. وقد أيد وجهاء الدروز حيدر لكنهم عارضوا ابنه ملحم ، الذي خلفه عام 1732 اذ لم يروا فيه سوى ممثلاً للسلطان العثماني خاصة في فرض الضرائب عليهم ولهذا ارادوا إحلال آخر مكانه. وما لبث االأمير ملحم ان تنازل  ، تحت ضغط الدروز عام 1754 لصالح أخويه ، منصور وعساف ، وانتقل إلى بيروت حيث كرمه الموارنة تكريماً عظيماً حتى وفاته عام 1761 .

 

    كان عام 1754 نقطة تحول في تاريخ الشهابيين عندما اهتدى الأمير علي الشهابي إلى المسيحية وانضم إلى الكنيسة المارونية. وتبعت الأمير غالبية الشهابيين وأقرباؤهم الأمراء المعنيون الدروز الذين انضموا إلى الكنيسة المارونية (18). وهكذا أصبحت الإمارة الشهابية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر مارونية. إن اهتداء الشهابيين إلى المسيحية المارونية لا يعني أنهم صاروا أعداء المسلمين أو الدروز؛ بل ان ارتدادهم الهب حدّة المنافسة والصراع بين العائلات الإقطاعية البارزة .

 

    تمتع الموارنة تحت حكم الشهابيين الذين كانوا قد تحولوا إلى المسيحية ، دون سائر الطوائف المسيحية الأخرى ، بمكانة فريدة في الإمبراطورية العثمانية. كانوا تحت الحماية المباشرة لفرنسا ولم يكن بطريركهم بحاجة للحصول على مصادقة السلطان العثماني ليثبته في مركزه. في الواقع ، اختار الأمراء الشهابيون ، منذ أواسط القرن الثامن عشر ، مارونياً ليشمل منصب المدبّر (مدير ومستـشار أول). وكان أول من شغل هذا المركز هو سعد الخوري (ت 1780). ثم تـنامت سلطة المدبّر وهيبته إلى درجة استطاع فيها أحد المدبرين وهو جرجس باز التصرف دون استشارة الأمير أو الحصول على مصادقته. وهذا ما أثار حفيظة الأمير بشير ضد جرجس وأخيه ، عبدالأحد. وأخيراً أمر الأمير بشير بقتل الأخوين عام 1807 .

 

    من الأهمية الملاحظة في هذا الصدد بأن “الأيديولوجية المارونية” الهامدة في القرن التاسع عشر كانت قد استفحلت منذ القرن الثامن عشر فصاعداً حيث أضحت الإدارة الشهابية مرادفة لـ ” المارونية ” (21). وبدأ الموارنة اعتبار لبنان وطنهم الخاص مما بعث الهلع بين الطوائف الأخرى ، وخاصة الدروز الذين اعتبرهم الموارنة غرباء.

 

    اعتبر بعض الموارنة أنفسهم طائفة متميزة ضمن الإمارة الشهابية ، كما اعتبروا الأمير يوسف الشهابي ، الذي اهتدى إلى المسيحية ، بأنه أول حاكم شهابي للموارنة . وفي الوقت نفسه اعتقد موارنة آخرون كالمطران نقولا مراد (ت. 1862) ، بأن الموارنة هم الأغلبية في لبنان وبأن الإمارة الشهابية هي إمارة مسيحية بشكل أساسي. واعتبر مراد الدروز متمردين ضد ” السلطة المارونية الشرعية ” .  وهكذا أصبح الموارنة يعتقدون بأنهم طائفة منفصلة عن بقية شعب لبنان سواء كانوا مسيحيين ام دروزاً أم مسلمين. بل ان كنيستهم أضحت المؤسسة التي تعكس معتقدات الموارنة ومبادئهم كما أضحت بطريركيتهم رمز السلطة الدينية والعلمانية معاً.

 

    نجم الصراع بين الموارنة والدروز بصورة خاصة عندما تـقلد الأمير بشير الشهابي الثاني السلطة عام 1788 بعد وفاة الأمير يوسف. وقد استغل الأمير بشير الثاني انشغال الحكومة العثمانية بطرد الفرنسيين الذين كانوا قد احتلوا مصر بقيادة نابليون عام 1798 ، ليصبح أكثر استقلالاً عن السلطة العثمانية. كما قام الموارنة بمساندة الأمير بشير الثاني الذي كان مارونياً مهتدياً باعتباره أميرهم.

 

    عارض وجهاء الدروز الأمير بشير الثاني وتعاونوا مع أحمد باشا الجزار ، والي عكا السيء السمعة ، ضده ولكن عندما توفي الجزار عام 1804 ، انقلب الأمير بشير على وجهاء الدروز فقضى على سلطتهم مما أبهج الموارنة. وفي غضون ذلك اعتقد المقتطعون (أصحاب الأراضي المقتطعة أو الإقطاعيين) في الجنوب صواباً ام خطأً بأن الإقطاعيين والمزارعين الموارنة كانوا يحاولون انتزاع أراضيهم منهم ، مما زاد مخاوف الدروز من مطامح الموارنة العدائية المتزايدة.

 

    وما ان تـنازل الأمير بشير الثاني عام 1840 عن عرش الإمارة حتى فقد الموارنة مؤيداً صلباً. كان الأمير بشير قد تعاون مع محمد علي باشا نائب السلطان في مصر ، في احتلال بلاد الشام عام 1832. إلا أن تدخل القوى الأوروبية أجبرت الجيوش المصرية على الانسحاب من بلاد الشام عام 1840. كما أجُبر الأمير بشير على التـنازل وتمَّ نفيه.

 

    خلف الأمير بشير الثاني ، الأمير بشير الثالث الملقب بأبي طحين عام 1860. وقد خلق عزل بشير الثاني فراغاً سياسياً كبيراً لأن ابا طحين كانت تعوزه الصفات الضرورية للحاكم القوي. ولذلك استغل الدروز في الجنوب ، إقالة بشير الثاني بمهاجمة الموارنة وقتلهم بعد سنة من تـنازله. واستمرت المذبحة بصورة متفرقة حتى عام 1860 حيث أضحى لبنان حمّاماً من الدم .

 

    وبسبب هذه المذابح أرسلت الحكومة العثمانية الجنرال مصطفى نوري باشا للتحقيق في الوضع. وأول ما فعله هذا الجنرال انه أقال الأمير بشير الثالث وأرسله إلى المنفى ، ووضع لبنان تحت حكم الحكومة العثمانية المباشر مما اثار استياء الموارنة من هذا الترتيب الجديد. وفي عام 1842 طالبت الكنيسة والطائفة المارونيتين وخاصة البطريرك يوسف حبيش بإعادة الحكم إلى الشهابيين. لكن الحكومة العثمانية رفضت ذلك بحجة أن الشهابيين ، وخاصة الأمير بشير الثالث ، آثروا الموارنة وعادوا الدروز. وكحل لمشكلة المسيحيين والدروز معاً ، عمدت الحكومة العثمانية ، بالاتفاق مع القوى الأوروبية ، إلى تـقسيم لبنان إلى مقاطعتين ، المقاطعة الشمالية تحت سلطة حاكم ماروني والمقاطعة الجنوبية تحت سلطة حاكم درزي.

 

    احتج البطريرك حبيش لدى الحكومة العثمانية على هذا التدبير الجديد بحجة أن القرى المارونية والمزارعين الموارنة في الجنوب (الشوف) قد وضعوا تحت رحمة إقطاعييهم من الدروز. فكان بالنتيجة ان وافقت الحكومة العثمانية على تعيين وكيل ماروني على كل قرية من القرى للعمل مع الحاكم في حل مشاكل الموارنة . وبالرغم من هذا التدبير ، رفض الموارنة في الجنوب أن يكونوا تحت سلطة حاكم درزي. وقد حرضهم على ذلك الكهنة الذين أيقظوا فيهم شعوراً دفيناً من الكراهية حيال الدروز. فما كان من الدروز والموارنة الاّ اللجوء إلى العنف واندلعت من ثم الحرب الأهلية في نيسان 1845 ، عندما هاجم مقاتلون موارنة قرية درزية وأحرقوها . وهنا وقفت الحكومة العثمانية إلى جانب الدروز في هذا الصراع ونزعت الأسلحة عن السكان بشكل جزئي. كما أجرى العثمانيون بعض التغييرات في الجهاز الإداري أملاً في الحد من سلطة الإقطاعيين وضامني الضريبة .

 

    وفي الفترة ما بين عامي 1845 و 1858 ، ابتلت مقاطعة شمال لبنان المارونية بنزاع نشأ بين الفلاحين والإقطاعيين من عائلتي الخازن وحبيش. بدأ الإقطاعيون الذين استغلوا ضعف حاكم المقاطعة باضطهاد الفلاحين مما جعل الفلاحين يطيحون بنير الإقطاعيين. وتمكن الفلاحون ، بقيادة شاب متحمس ، هو يوسف كرم ، وبتشجيع من الكهنة الموارنة والإقطاعيين المتعاطفين الجدد من تأسيس حكومة من الفلاحين. وقاموا بتـقسيم الأملاك الواسعة وجردوا الإقطاعيين من امتيازاتهم . يعتقد البعض بأن البطريرك بولس مسعد وافق شخصياً على أعمال الفلاحين إلا أن الأمر لم يكن كذلك. كل ما هنالك ان البطريرك نادى بالاعتدال واضعاً نفسه فوق الصراع .

 

    شجع تمرد الفلاحين الموارنة في الشمال الموارنة ومسيحيين آخرين في مقاطعة الدروز في الجنوب للتمرد على إقطاعييهم من الدروز. وكما كانت الحال في الشمال فقد قام الكهنة بتحريض الموارنة في الجنوب. وهكذا بدأت الحرب الأهلية في 29 نيسان عام 1860 ، عندما هاجم الموارنة قرى درزية وهاجم الدروز قرى مارونية. وكان النزاع ، تماماً كما في الشمال ، نزاعاً بين الإقطاعيين الدروز والمزارعين الموارنة. وقد لعبت الطائفية دوراً كبيراً في هذا الصراع ، واعتبرت القوى الأوروبية المذابح التي ارتكبها الدروز ضد المسيحيين اعتداءٌ على المسيحيين. وانصبّ اكثر اللوم على حاكم صيدا العثماني ، خورشيد باشا ، بسبب كراهيته للمسيحيين. وفي الحقيقة ، دعا البطريرك بولس مسعد شعبه في الشمال إلى الاندفاع باسم الدين لنجدة أخوتهم في الجنوب مّما جعل الطرفين المتحاربين يعتقدان بأنهما يخوضان حرباً دينية .

 

    يقع اللوم على الكنيسة المارونية ، والقوى الاوربية الكبرى والحكومة العثمانية جميعاً ، في المأساة اللبنانية لعام 1860. كانت الكنيسة المارونية قد شجعت المسيحيين على تحدي إقطاعييهم من الدروز ، كما دعمت الحكومة الفرنسية الموارنة لأنهم كانوا كاثوليكاً تحت الحماية الفرنسية ، ودعمت الحكومة البريطانية الدروز توازناً مع دعم فرنسا للموارنة. وبالنتيجة انتهت محنة عام 1860 بإقامة إدارة جديدة للمتصرفية ، وهو نوع من التسوية بين جميع الأطراف المعنية.

 

    وفقاً لهذه التسوية ، اشترط أن يحكم لبنان متصرف مسيحي غير لبناني يعينه السلطان بالاتفاق مع القوى الاوربية الكبرى. ويساعد هذا المتصرف مجلس إداري منتخب يمثل سائر الطوائف في البلاد. بالإضافة إلى ذلك ، تمَّ القضاء على كل الامتيازات الإقطاعية كما جرى تـقسيم لبنان إلى سبع مناطق إدارية يحكمها ممثل يعينه المتصرف  الذي كان يتمتع بسلطة تنفيذية كاملة ، كما تقرر أن تكون للبنان قوته الخاصة من الشرطة ونظامه القضائي الخاص به. وقد بقي النظام الحكومي الجديد قائماً حتى الحرب العالمية الأولى.

 

    كانت تلك الفترة عموماً فترة ازدهار كبير للبنانيين ، كما أن الموارنة على ما يظهر حصلوا على أفضل ما في الاتفاق. وفي عهد النظام الجديد بدأ الموارنة بالنضج سياسياً ، كما اخذت نظرتهم الضيقة والطائفية إلى لبنان بالتغير. اصبحوا ينظرون إلى لبنان كله على أنه وطنهم خاصاً بهم دون غيرهم. وأصبحت الكنيسة المارونية نصيرة لمفهوم القومية اللبنانية الوليد.

 

    إلا أن فترة المتصرفية لم تكن دون مشاكل. فقد أضرم إلغاء الامتيازات الإقطاعية الصراعات بين الفلاحين الموارنة والدروز من جديد ، وفي عام 1861 ثار الموارنة ضد حكومة أول متصرف (داود باشا) بقيادة يوسف كرم. إلا أن الحكام ، عموماً ، كانوا خلال هذه الفترة من خارج لبنان ، وكانوا حكاماً أكفاء ، يتمتعون بالإنسانية وقد دافعوا عن كيان لبنان ضد محاولات الحكومة العثمانية لتعكير هذا الحكم الذاتي . لكن لا بد من التبيان بأن بعض الكهنة الموارنة كانوا ضد داود باشا وأن الموارنة ، اعتبروا شمال لبنان ، خلال فترة المتصرفية ، أرضاً مسيحية ، ولهذا لم ير البطريرك الماروني مسعد بداً من قبول الحكم الجديد بإعتباره أفضل صفقة كان للموارنة أن يحصلوا عليها في ذلك الوقت.

 

    وفي عام 1915 وضعت الحكومة العثمانية لبنان تحت حكمها العسكري المباشر وألغت كل الامتيازات في لبنان وبضمنها امتيازات الكنيسة المارونية. وقد اعتبر البطريرك الماروني الياس حويك ( ت 1931) هذا الإجراء جائراً ، واضطر خرقاً لتـقليد قديم أن يطلب من السلطان العثماني تثبيت توليته كبطريرك.

    كانت فرنسا خلال الحرب العالمية الأولى قد أنزلت قوات في لبنان وفي نهاية الحرب احتلت لبنان وفقاً لمعاهدة سايكس ـ بيكو السرية بين فرنسا وبريطانيا العظمى ، الموقعة في عام 1916.

 

    عندما انعقد مؤتمر السلام في باريس عام 1919 لمناقشة مصير المقاطعات العثمانية التي حررها البريطانيون والفرنسيون في الشرق الأوسط ، أراد العديد من اللبنانيين ، وبشكل خاص الموارنة الاستقلال الذاتي تحت الحكم الفرنسي. وقد لعب البطريرك حويك ، المشهور بالبطريرك اللبناني ، دوراً كبيراً في مؤتمر السلام في باريس لتحقيق استقلال لبنان عن سورية ، خاصة وأن الأمير فيصل كان يطالب في مؤتمر السلام اعتبار لبنان جزءاً من سورية. وفي عام 1920 تحقق حلم الموارنة بالحصول على دولة مستقلة تحت الانتداب الفرنسي ، وفي عام 1926 حصلت دولة لبنان الكبير الجديدة على حكومتها ودستورها الخاصين بها .

 

    حبّذت الطائفة المسلمة في لبنان الاتحاد مع سورية ، وخاصة أهالي طرابلس بسبب ارتباط مصالحهم الاقتصادية مع سورية. إلا أن بعض العائلات المسلمة من السنة التي تعيش في بيروت دافعت عن إنشاء لبنان الكبير. ويقول رئيس جمهورية لبنان الأسبق بشارة الخوري في هذا الصدد أن المناداة بلبنان الكبير تمَّ بحضور مفتي السنة في لبنان.

 

    كانت لمسلمي لبنان آراء مختلفة بخصوص دولة لبنان الكبير. وقد نظروا إلى هذه الدولة بكونها دول مسيحية بحتة اعتبرت فيها حقوق المسلمين هامشية. كان لبنان الكبير يعني بالنسبة لهم الوحدة مع سورية؛ لذا ، عقد مسلمو لبنان مؤتمراً دعي بمؤتمر الساحل عام 1933 ، ناقشوا فيه الوحدة مع سورية ولكن لم يكن هناك إجماع في الرأي بشأن طبيعة الاتحاد.

 

    عقد مؤتمر آخر عام 1936 كشف عن الشقاق بين المسلمين بخصوص فكرة لبنان الكبير. بل ان الطائفة المارونية نفسها لم يكن لديها اجماع في كيفية دعم السياسة الفرنسية. فقد كان الموارنة يتطلعون إلى بطريركهم لا إلى المفوض السامي الفرنسي ، بأنه قائدهم الوحيد الذي يمثل مصالحهم الوطنية . وهكذا نجم صراع بين السلطات الفرنسية والبطريركية المارونية. وعندما انتخب أنطون عريضة بطريركاً عام 1932 ، تردد البابا في إرسال الباليوم (درع التثبيت) له. في الحقيقة ، أراد الفاتيكان تغيير عملية انتخاب البطريرك الماروني بحيث يقوم بهذا الانتخاب الفاتيكان لا المطارنة الموارنة إلا أن الطائفة المارونية أبدت معارضة شديدة لهذا التغيير .

 

    كان الصراع بين البطريرك عريضة والمفوض السامي الفرنسي نتيجة لمساعي البطريرك لاستقلال لبنان. وفي 25 كانون الأول 1935 ، دعا البطريرك إلى انعقاد مؤتمر في المقر البطريركي في بكركي لمناقشة اسـتقلال لبنان. ودعا في خطابه الافتتاحي إلى تحقيق استقلال لبنان ، بشرط أن تنال كل طائفة حقوقها بناءً على وضعها وأهميتها وعلى إرادة لبنان المستقل على التعاون مع جيرانه إلى الشرق من لبنان ومع البلاد الغربية ، وعلى الاخص فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة . كانت هذه ، أول محاولة منذ بدء الانتداب الفرنسي لخلق انسجام أصيل بين الجماعة المسيحية التي رفضت الاتحاد مع سورية والجماعة المسلمة التي طالبت بالاتحاد مع سورية ورفضت الحماية الفرنسية. ولذا يمكن اعتبار المؤتمر ، في جوهره ، سابقاً للميثاق الوطني في المستقبل (1943) الذي كان بمثابة تسوية سياسية بين المسيحيين والمسلمين قام البطريرك بدعمها.

 

    كان تأثير معارضة البطريرك للمفوض السامي الفرنسي والانتداب الفرنسي عارماً بحيث خرج المصلّون المسلمون من الجامع في دمشق هاتفين ” لا لإله إلا الله والبطريرك عريضة حبيب الله “. ” لا إله إلا الله وتاج الدين الحسيني عدو الله ” . كان تاج الدين آنئذٍ رئيس الدولة السورية الذي لم يعارض الانتداب الفرنسي كما فعل البطريرك الماروني. وفي الحقيقة ، اصطدم بعض القادة الموارنة ، ومنهم أميل أده ، الذي كان صديقاً مخلصاً للفرنسيين ، مع الحكومة الفرنسية عندما رفضت تعيين حاكم لبناني على لبنان. علاوة على ذلك ، لم يكن أده على علاقة طيبة مع المفوض السامي الفرنسي اثناء توليه رئاسة الوزارة بين 1929 و 1930 وكرئيس للجمهورية من عام 1936 وحتى 1941.

 

    حاول بعض الموارنة ، كيوسف السودا ، التحريض على قيام جهد مشترك بين المسيحيين والمسلمين لتحقيق استقلال لبنان عن فرنسا ، والذي كان مدعاة لخيبة السلطات الفرنسية. كانت ثمرة جهود يوسف السودا حصول اجتماع بين المسيحيين والمسلمين عام 1936 والذي كانت نتيجته اقرار ميثاق وطني مماثل للميثاق الذي أعلن عام 1943. وفي الحقيقة اصطدم ، حزب الكتائب الماروني الذي أسسه بيير الجميل عام 1936 ، بالفرنسيين في العام الذي يليه حول قضية استقلال لبنان. وبينما اتخذ العديد من المسيحيين في عام 1943 موقفاً محايداً بشأن قضية الاستقلال خوفاً من أن يجعل الاستقلال الغالبية العربية المسلمة تطغى كلياً على المسيحيين ، كان حزب الكتائب المجموعة الشعبية المسيحية الوحيدة التي دعمت الكتلة الدستورية ورئيسها بشارة الخوري في صراعهم من أجل الاستقلال .

 

    هذا ما يدل على أن مصلحة الموارنة لم تتـفق دائماً مع مصلحة الفرنسيين وأن بعض القادة البارزين اتخذوا مواقف خنوع للفرنسيين. كانت الجماعة المسيحية تخشى أن وجودها بالذات سوف يضمحل اضمحلال قطرة ماء في محيط عربي. ولكن بالرغم من هذا الخوف المتأصل كانت الطوائف الدينية المختلفة قادرة على التعايش إلى اليوم الذي أضاف اللاجئون الفلسطينيون في الفترة ما بين 1948ـ1975 ، وبعدئذ الشيعة الراديكاليون من إيران ، أبعاداً دينية وديموغرافية جديدة أضرمت من جديد الطائفية الهاجعة والأزمة الحالية في لبنان .

 

    منذ بداية الانتداب عام 1920 ، نشأ الصراع بين البطاركة الموارنة والمفوضين الساميين الفرنسيين حول حكم لبنان. ويكشف مثل هذا الصراع تـنامي السلطة الزمنية للبطريرك التي اكتبسها أيام المتصرفية. إلا أن البطريرك بدأ ، في عهد الانتداب بفقدان سلطته بينما اكتسب رئيس البلاد المزيد من السلطة. وعندما نشر دستور دولة لبنان الكبير رسمياً عام 1926 ، كان رئيس البلاد هو المنفرد بالسلطة لا البطريرك.

 

    من الواضح أن الموارنة تمتعوا في عهد الانتداب بمركز أفضل من مركز الشيعة والسنة والدروز وأفضل حتى من الطوائف المسيحية غير الكاثوليكية. فقد كان لبنان بشكل أساسي بلداً مكوناً من طوائف شغل الموارنة من بينها جميعاً أغلب المراكز البارزة في الدولة. إلا أن الطائفية التي عمل الفرنسيون على تشجيعها لم تكن مقبولة لدى الجماعات الأخرى ، وخاصة المسلمين. وبعد إعلان استقلال لبنان كانت معظم المبادئ الطائفية في دولة لبنان الكبير بحاجة إلى تعريف واسع النطاق لكي تكون مقبولة لدى المجموعات الدينية المختلفة.

 

    كانت هناك حاجة الى تغيير جذري في الدولة ، بحيث يخلق توازناً طائفياً تقبله كافة الطوائف في لبنان. كانت النتيجة الإعلان الرسمي للميثاق الوطني عام 1943 الذي قام باعداده رئيس جمهورية لبنان المنتخب حديثاً بشارة الخوري بالمشاركة مع رئيس الوزراء السني رياض الصلح.

 

    ومن جملة ما نصّ عليه الميثاق هو ان يتخلى مسيحيو لبنان عن فكرة لبنان منعزل عن محيطه العربي ويقبلون لبنان كدولةً مستقلة ضمن الحظيرة العربية. كما نصّ ايضاً ان يتخلى المسلمون بدورهم عن فكرة إعادة تلك الأراضي التي الحقت بلبنان في عام 1920 إلى سورية. وأخيراً نصّ الميثاق على ان يرفض العرب الحماية الأجنبية ويتوقفون عن نشاطهم في إخضاع لبنان لسورية أو للعالم العربي. بعبارة أخرى ، وفقاً لهذا الميثاق يكون لبنان بلداً مستقلاً لكافة الشعب العربي الذي يقطنه بغض النظر عن دينهم ويكون احد الدول في مجموعة الدول العربية .

 

    كان الميثاق ، بشكل اساسي ، حلاً وسطاً لا تغييراً راديكالياً لهيكلية لبنان الطائفية. بل ظل النظام البرلماني للبنان قائماً على تمثيل طائفي ، كما كان في زمن الانتداب. وكان على المراكز الثلاثة الرئيسية ضمن الحكومة أن توزع على النحو التالي : يكون رئيس الجمهورية مارونياً ، ورئيس البرلمان شيعياً ورئيس الوزارة سنياً. فليس من الغرابة اذن أن كان العديد من الكتّاب ، موارنة أو خلافهم قد نظروا إلى الميثاق الوطني على أنه ترسيخ للطائفية التي أوجدها العثمانيون وأعادت السـلطات الفرنسية تثبيتها . لكن البطريرك الماروني رحب بالميثاق ودعمه.

 

    كان الميثاق الوطني وفقاً لميخائيل غريِّب الماروني ، جائراً ومعيباً. كما كان ترسيخه للطائفية سبباً في احتراق لبنان اليوم وانهيار دعائمه على شعبه. ويرثي غريِّب الحقيقة وهي ان الميثاق خلق فراغاً سياسياً هائلاً في لبنان حرض الفلسطينيين ومن ثم السوريين وأخيراً كل العرب على محاولة ملء هذا الفراغ

    كان الميثاق في الحقيقة تسوية بين فردين لا طائفتين مختلفتين في لبنان. كان علاجاً مؤقتاً لا شفاءً تاماً من مرض الطائفية التي هي مصدر الأزمة اللبنانية حالياً. هذا ما شجع القادة الدروز والشيعة بعدئذ على الجدل بأن الميثاق الوطني لعام 1943 لم يعد مجدياً.

 

    لقد تغيرت الأمور ، وتكاثرت الطائفتين الدرزية والشيعية عدداً ومكانةً بالقدر الذي يكفي ليجعلهما تطالبان بإعادة نظرة جذرية حول مضمون الميثاق الوطني ، لا على أساس طائفي بل على أساس حكم الأغلبية. كان الميثاق الوطني ، من وجهة نظر الرابطة المارونية دلالة على الإيمان الواقعي والعملي لتاريخ الموارنة وتطلعاتهم. كان ، قبل كل شيء ، تعبيراً عن أقصى رغبة لهم في التعايش مع الطوائف غير المارونية. ويجادل بعض الموارنة بأن الميثاق قد خصّ رئاسة الجمهورية بالموارنة لأكثر الأسباب جوهرية ـ وهو أن منصب الرئاسة المرموق يشكل رمزاً للأقليات المسيحية في العالم العربي الإسلامي . ولكن قادة الموارنة الشباب كانت لديهم على الاخص ، بعد الحرب الأهلية التي اندلعت عام  1975 ووفاة الرئيس الراحل بشير الجميل ، نظرة مختلفة بخصوص الميثاق الوطني لعام 1943. ففي آذار من عام 1977 اجتمعت مجموعة من الشخصيات اللبنانية البارزة من كل الأديان والصبغات الدينية في الكسليك لمناقشة إيجاد نظام سياسي جديد للبنان يحل محل الميثاق الوطني. وفي هذا الاجتماع أعلن بشير الجميل صراحة بأن الميثاق الوطني بدأ منذ عام 1958 بالانهيار أمام أعين اللبنانيين والعرب والعالم أجمع. وأضاف قائلاً ” إذا كان عام 1958 هو بداية إصابة صيغة الميثاق الوطني بالسرطان ، فلا بد من اعتبار عام 1975 تاريخ اعتلاله الحقيقي”. ويختتم الجميل بأنه يـرفض صيغة الميثاق قائلاً: ” لقد اشتركت شخصياً في طعنه بمديه وفي دفنه ووضع حراس على قبره بحيث لا يبعث مرة أخرى .”

 

    اما البطريرك عريضة فقد سُرَّ بالميثاق الوطني لأنه أبقى الرئاسة ، وهي أعلى منصب في الحكومة ، بأيدي الموارنة. كان اهتمام البطريرك الرئيسي هو لبنان مستقل لأنه البلد الوحيد في العالم العربي الذي استطاع فيه المسيحيون وخاصة الموارنة التمتع ببعض السلطة الحكومية. وعندما التقى ممثلوا الدول العربية في الاسكندرية ووقعوا بروتوكول الاسكندرية في 7 تشرين الأول 1944 لإنشاء جامعة الدول العربية اعترض البطريرك الماروني على بعض الصياغة الواردة في البروتوكول. فقد فهم البطريرك ومستـشاروه ان دعوة البروتوكول لقيام منظمة من الدول العربية ، تعني اتحاداً كونفدرالياً يُختزل فيه لبنان ليكون أقلية لا أهمية لها وسط أغلبية عربية مسلمة بشكل ساحق. كما اعترض البطريرك ايضاً بأن صيغة بروتوكول جامعة الدول العربية ليست صيغة اتحاد كونفدرالي بل اتحاد دول عربية مستقلة .

 

    ان اهتمام البطريرك باستقلال لبنان ككيان مسيحي كان من الشدة بحيث انه راجع بشـأنه مناشدة الأمم المتحدة التي تمَّ تأسيسها عام 1945. ويصرح الكاتب اللبناني أنيس صايغ ، في كتابه لبنان الطائفي تصريحاً يدعو الى العجب حول تصرف البطريرك عريضة. يقول أنيس صايغ أن البطريرك عريضة بمراجعته الأمم المتحدة طلب تأسيس دولة صهيونية في فلسطين ودولة مسيحية في لبنان. لا بل أرسل مطرانه مبارك إلى فرنسا لترويج هذا الطلب. وعندما قدمت لجنة الأمم المتحدة إلى لبنان للاستفتاء بشأن القضية الفلسطينية ، طلب المطران مبارك من اللجنة العمل على تحقيق قيام دولة صهيونية في فلسطين ودولة مسيحية في لبنان . ان تصرف البطريرك هذا والذي يستند فقط إلى ما قاله أنيس صايغ ، لا يظهر سوى منتهى قلق البطريرك الذي كان جلّ همّه ان يحفظ لبنان نفسه ككيان سياسي مسيحي وحيد في الشرق الأوسط بين غالبية مسلمة. كما يظهر أيضاً أن البطريرك كان يتمتع بسلطات زمنية كبيرة وكان بمقدوره التدخل في الشؤون السياسية للبلاد.

 

    كتب رئيس جمهورية لبنان الأسبق ، بشارة الخوري حول كيفية معارضة البطريرك عريضة على ترشيحه عضواً في البرلمان. فهو يقول أن بعض أعضاء البرلمان الموارنة ذهبوا عام 1932 إلى المقر البطريركي في بكركي طالبين من البطريرك عدم المصادقة على ترشيحه. ويتابع الخوري قائلاً أنه حاول إقناع البطريرك بأن أعضاء البرلمان هؤلاء كانوا يلعبون لعبة سياسية ضده ، إلا أن البطريرك لم يقتـنع بذلك. يُـضيف بشارة الخوري ، بأن المطران عقل غالباً ما زار مكتب المفوض السامي الفرنسي لإعلان معارضة البطريرك في ترشيح الخوري لعضوية البرلمان.

 

    ظل البطريرك عريضة حتى آخر حياته متمسكاً بإيمانه بأن لبنان يشكل كياناً فريداً منفصلاً عن بقية العالم العربي. هذا ما تجلى في الرسالة التي كتبها قبل وفاته بشهر واحد فقط في 19 أيار 1955 ، إلى الرئيس كميل شمعون والتي تنطوي على الرأي الماروني الرسمي لما يجب أن تكون عليه السياسة الصحيحة للبنان. أوضح البطريرك في هذه الرسالة بأن لبنان له كيان فذّ في الحياة ، بتأثير ظروف سياسية وجغرافية وروحية. وأن على كميل شمعون ، كرئيس للجمهورية ، ألا يربط لبنان بتحالفات في المنطقة. كان البطريرك هنا يُـشير إلى الاتفاقية التركية العراقية لعام 1955 ، التي أضحت نواة حلف بغداد. وأخيراً اشار البطريرك بأن يبقى لبنان محايداً وألا ينزلق في الصراعات الداخلية بين الدول العربية .

 

    تغيرت هذه السياسة الضيقة ووجهة النظر المسيحية عن لبنان الى حدّ ما بمجيء البطريرك الجديد بولس المعوشي الذي خلف البطريرك عريضة في 30 أيار 1955. تبنى البطريرك الجديد سياسة متسعة الأفق محبذاً التعاون مع جيران لبنان المسلمين. وتطبيقاً لهذه السياسة قام البطريرك المعوشي في آذار عام 1956 بزيارة حي البسطة المسلم في بيروت وقال للمسلمين الذين حيوه بأبهة كبيرة بأنهم أقرباؤه الأعزاء وأنه كان سعيداً جداً بلقائهم على مستوى القومية العربية. أكَّد البطريرك وسط هتافات المرحبين به ، الذين خاطبوه على أنه بطريرك العرب ، بأن لبنان هو للكل ـ مسلمين ومسيحيين ـ وسوف يتعاون مع جيرانه. ومما يدل على ترحيب المسلمين بالبطريرك ان مسلمي حي البسطة علّقوا الصليب والهلال في أماكن بارزة على طول الطريق التي كان البطريرك سيجتازه ، رمزاً للوحدة المسيحية ـ الإسلامية . إلا أن هذه اللفتة الجديدة من النية الحسنة تجاه المسلمين لم يشارك بها كل الكهنة الموارنة. والمقصود هنا أن البطريرك الجديد إنهمك انهماكاً شديداً في السياسة اللبنانية وخاصة في الجدل حول الإصلاح الانتخابي. فبينما تمسك الرئيس شمعون بأن مجموع أعضاء البرلمان يجب أن يكون ستة وستين نائباً ، فكر البطريرك بأن عدد ثمانية وثمانين نائباً هو أكثر ملاءمة وأصدق تمثيلاً للبنان. وقد هتف المسلمون والمسيحيون للبطريرك على هذا الاقتراح.

 

    وزاد إنهماك البطـريرك بشكل أكبر في السـياسة في السنة التالية 1957 ، عندما قبل لبنان مبدأ ايزنهاور الذي قدم المساعدة الاقتصادية والعسكرية لبلدان الشرق الأوسط التي طلبتها. في هذه الآونة قام المسلمون والدروز ، وبعض رجالهم ومنهم صائب سلام وكمال جنبلاط وغيرهم بتشكيل الجبهة القومية المتحدة لمضادة كميل شمعون والتي ضمت ايضاً شيوعيين وبعثيين وأعضاء من كتلة بشارة الخوري الدستورية. وفي 30 أيار من عام 1957 ، خرجت مظاهرة يقودها صائب سلام ضد كميل شمعون وضد قبوله لمبدأ ايزنهاور أصيب خلالها صائب سلام بجراح . واعتبر البطريرك المعوشي الحكومة مسؤولة عن الإصابة التي ألمت بصائب سلام . ويُـقال أن صائب سلام زار البطريرك في بكركي حيث بارك البطريرك جراحه .

 

    وفي هذه الآونة وصلت موجة مد القومية العربية ، التي قادها الرئيس عبدالناصر منذ عام 1954 أوجاً جديداً باتحاد مصر مع سورية وتشكيل الجمهورية العربية المتحدة عام 1958. فقد اعتبر العديد من القوميين العرب هذه الوحدة بداية حلم طالما داعبهم بالوحدة العربية ، أما بالنسبة للبنان فقد تلقى كميل شمعون ومؤيدوه المناداة بالجمهورية العربية المتحدة بكثير من الخوف والقلق لإعتقادهم بأن الوحدة العربية ستعرض استقلال لبنان في النهاية الى الخطر.

 

    حاول البطريرك بولس المعوشي تبني سبيلاً اكثر انفتاحاً وتعاوناً مع الوحدة العربية مما حمل الرئيس عبدالناصر على مدح البطريرك لموقفه من الوحدة العربية. أوضح الرئيس عبدالناصر أنه كان على استعداد لدعم الوحدة الوطنية في لبنان وتقاليده وعاداته  ولكن البعض فسروا موقف البطريرك بكونه محاولة لكسب أكبر شعبية في العالم العربي والظهور بمظهر الصديق للقوميين. ربما كان البطريرك من الرأي القائل بأن مصالح لبنان كانت ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمصالح الدول العربية.

 

    ذعر القادة الموارنة ، وخاصة بيير الجميل ، رئيس الكتائب من علاقات البطريرك مع عبدالناصر فاعلن في رسالة مطولة وجهها إلى البطريرك عن خوفه من أن يكون البطريرك قد رضخ لضغوط المؤيدين لاتحاد لبنان بالجمهورية العربية المتحدة. وجلب الجميل انتباه البطريرك بأن منصبه ومركزه يمثلان جوهر التاريخ اللبناني وبأن لدى الموارنة منتهى الإيمان ببطريركهم كوصي على التقاليد اللبنانية والاستقلال اللبناني. لذا ، ناشد الجميّل البطريرك بإعلان موقفه صراحة حول الشائعات المتداولة بأن لبنان سينضم إلى الجمهورية العربية المتحدة.

 

    في هذه الأثناء سرت الشائعات بأن المجلس الماروني الأعلى قد اجتمع ووجّه رسالة إلى البابا بيوس الثاني عشر يحتج فيها على آراء البطريرك ونشاطه السياسي  وفي 4 آذار 1957 ، اجتمع بيير الجميل على رأس وفد ، بالبطريرك لمعرفة الحقيقة عن موقف البطريرك. ولكي يطمأن الوفد صرّح البطريرك بأن بكركي هي فوق سياسات الأحزاب والاعتبارات الشخصية. وأضاف أنه يؤمن دون قيد أو شرط بسيادة لبنان وحريته لأن لبنان كبلد حر ذي سيادة يستطيع ان يقدم احسن خدمة للبلدان العربية. كما أكَّد البطريرك للوفد أن لبنان لن ينضم إلى أي اتحاد أو يصبح تابعاً لأية دولة في المنطقة.

 

    واستمر تدخل البطريرك بالسياسة في قضية إعادة انتخاب الرئيس شمعون. ان الدستور اللبناني ينص على انتخاب رئيس الجمهورية لمدة واحدة فقط ولكن يبدو أن شمعون كان يحاول تعديل الدستور لتعبيد الطريق لإعادة انتخابه. ولما كان البطريرك ضد أي تعديل للدستور ، فان موقفه يعني بأنه كان يعارض إعادة انتخاب شمعون. ربما كان البطريرك يعتقد أن مارونياً آخر ، غير شمعون ، سيكون افضل لخدمة مصالح الطائفة المارونية.

 

    وهكذا بدأ الصراع بين البطريرك وشمعون حول قضية الانتخاب ، واشتدت حدّة التوتر عندما أنشأت الحكومة ميليشيا من المواطنين اعتبرتها الجماعات المناوئة لشـمعون بأنها غطاء تستخدمه الحكومة لتعزيز موقف شمعون ومؤيديه. لكن البطـريرك كان مصراً على إدانته لإنشاء الميليشيات . وهناك بعض الأدلة بأن البطريرك حاول إقناع القائد العام للجيش ، فؤاد شهاب ، للحصول على منصب رئاسة الجمهورية إلا أن شهاب رفض ذلك. وبينما كانت معركة الانتخابات جارية في لبنان نشط الناصريون جداً في محاولتهم إزاحة شمعون عن كرسي الرئاسة وإعادة انتخاب رئيس جمهورية ناصري.

 

    وهنا اخذ الناصريون وكذلك السلاح بالتسرب إلى لبنان ، مما حدا بمجلس الأمن في الأمم المتحدة إلى اتخاذ قرار في 11 حزيران 1958 ، بإرسال فريق لإغلاق حدود لبنان مع الجمهورية العربية المتحدة. وفي غضون ذلك تولّد لدى الرئيس شمعون الانطباع بأن أزمة لبنان كانت مدفوعة من الخارج للتدخل في شؤون لبنان ، وخاصة من رئيس مصر عبدالناصر الذي كانت له اليد الطولى في هذا التدخل. غير ان الانقلاب العسكري العراقي الذي حصل في 14 تموز 1958سبب صدمة للحكومة اللبنانية ، وخاصة لشمعون ، الذي ظنَّ بأن حكومته قد تسقطها قوى إسلامية خارجية. وكإجراء فوري لحماية حكومته وحماية لبنان طلب شمعون من حكومة الولايات المتحدة وفق شروط مبدأ ايزنهاور التدخل في لبنان لمساعدته.

واستجابت الولايات المتحدة فأرسلت قوة بحرية إلى لبنان انزلت في بيروت عام  1958. وأخيراً جرى الانتخاب وفاز فؤاد شهاب الذي سانده البطريرك برئاسة الجمهورية. وخلال الأسابيع التي تلت انتخاب شهاب ثارت مناقشة حامية حول وضع لبنان بعد انسحاب القوات البحرية الاميريكية ومن سيحمي لبنان؟ كان هناك اقتراح بتدويل لبنان قد يستوجب وضع قوات أجنبية في لبنان للحفاظ على كيانه. وطرح اقتراح آخر مفاده أن يكون لبنان بلداً محايداً على النمط السويسري. كما ان البطريرك المعوشي طالب بحياد لبنان بالاتفاق مع الدول العربية .

 

    المقصود هنا أن البطريرك ظل يتدخل في شؤون لبنان ويتكلم باسم لبنان كما لو كان رئيس الجمهورية. مثلاً عندما زار البطريرك الولايات المتحدة  ، في أيلول عام  1962  ناقش مع الرئيس كينيدي وضع لبنان ومصيره وأبدى اهتماماً كبيراً بتحقيق الجامعة اللبنانية في العالم. وفي غضون الخلوة الروحية في أيار 1963 ، وبينما كان الناس ينتـظرون ان يصدر البطريرك بعض الإرشادات الروحية طفق يتحدث عن استقلال لبنان ” الذي تعتبره البطريركية وديعتها بدلاً عن ذلك “. وفي 8 أيار 1963 ، كتب الكاتب اللبناني يوسف الخال في جريدة بيروت اليومية النهار انه مع كل احترامه للبطريرك وإيمانه بحكمته الدينية يفتقد بأن بيان البطريرك بشأن استقلال لبنان لم يكن ضرورياً أو مفيداً .

 

وبينما كان البطريرك المعوشي يتكلم عن كل قضية سياسية تقريباً في لبنان ، حاول خلفه البطريرك أنطونيوس خريش ، إدراكاً منه للضرر الذي سببه سلفه أن يبقى بعيداً عن السياسة. كانت الأمور قد تغيرت في لبنان منذ الخمسينات ، وكان على البطريرك الجديد الذي تولى مقام منصبه عام 1975 ان يعالج المشاكل التي كانت إما هاجعة أو في طور الظهور في عهد سلفه بمزيد من الحكمة. ربما كانت المشكلة الرئيسة هي إقحام لبنان في حرب أهلية. كان البطريرك قبل المناداة بالميثاق الوطني لعام 1943 الرجل الفذ الذي يستطيع التكلم باسم الطائفة المارونية وحماية المصالح المارونية. ولكن بعد عام 1943 عندما اصبح رئيس الجمهورية مارونياً ، واصبح بمقدوره ومقدور رجال دولة موارنة علمانيين آخرين التكلم لمصلحة الطائفة المارونية. وهذا لا يعني بأن الميثاق الوطني قضى على مكانة البطريرك كناطق باسم شعبه؛ بل جعل مكانته ثانوية بالنسبة لمكانة رئيس الجمهورية في المسائل المدنية. وليس أدل على كراهية البطريرك خريش للسياسة كالبيان الذي أدلى به لمندوبي مجلة الصياد نقولا صيقلي وفؤاد دعبول ومنير نجار ومريم أبو جودة وفوتين مهنا الذين اجتمعوا معه زهاء ثلاث ساعات ونصف. قال البطريرك للموفدين .

 

    إنني رئيس كنيسة لا رئيس طائفة. لذا يجب ألا يفرض أحد رأيه على البطريرك. ليس هناك من حل (لمشاكل لبنان) إلا بالعلمنة أو العودة إلى الميثاق الوطني بعد تطهيره من الممارسات الخاطئة. إن من مصلحة المسلمين في العالم وفي لبنان خاصة أن يبقى لبنان كما كان.

 

    تابع البطريرك قائلاً: ” في الماضي كان الموارنة بمفردهم وكان البطريرك كل شيء. ولكن عندما صارت لنا جمهوريتنا الخاصة عام 1943 ، تغيرت مهمة البطريرك ودوره “

 

    يبدو ان البطريرك كان يشـير الى الحـرب الأهلية (1975ـ1976) وهجوم إسرائيل واحتلال جنوب لبنان عام 1978. فقد كانت الحرب الأهلية ذروة المأساة اللبنانية الحالية لا سبباً لها. ويرجع البعض سبب الحرب إلى الطبيعة الطائفية للمجتمع اللبناني وانقسامه إلى ما لا يقل عن سبع عشرة طائفة رسمية تعترف بها الدولة ولكل منها الحق بتطبيق قانونها الديني للأحوال الشخصية في المحاكم الروحية. وبناء على هذه الطائفية المذهبية لم يكن يسمح لأية طائفة الهيمنة على الأخرى ، بل تمّ توزيع المراكز والامتيـازات الحكومية وفقاً لصيغة الميثاق الوطني لعام 1943 . يعزو آخرون أسباب المأساة إلى نشوء القومية العربية في الخمسينات في عهد الرئيس جمال عبدالناصر كما ينسبها آخرون ايضاً إلى تهجير إسرائيل الفلسطينيين وخلق مشكلة اللاجئين التي عانى لبنان الكثير بسببها.

 

    إن ما يرتبط ارتباطاً وثيقاً باللاجئين الفلسطينيين في لبنان هو اتفاقية القاهرة لعام 1969 ، التي تبعتها اتفاقية مماثلة وهي اتفاقية ملكارت في 15ـ17 أيار 1973 ، التي تُعتبر على حد تعبير عضو البرلمان اللبناني ريمون أده ” المصيبة التي نزلت حقاً بمسيحيي لبنان لا بل بكل لبنان ” . وقد تمَّ التـفاوض بشأن هذه الاتفاقية في القاهرة بين وفد لبناني يرأسه اللواء أميل البستاني ووفد فلسطيني يرأسه ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية بحضور ممثلين عن الجمهورية العربية المتحدة. وأعطى المندوبون الذين اجتمعوا في 3 تشرين الثاني 1969 ، الحق للفلسطينيين ، بالتعاون مع السلطات المحلية ، بتسليح أنفسهم للإبقاء على الثورة الفلسطينية حية بواسطة النضال المسلح ولكن دون خرق سلامة لبنان وسيادته . بعبارة أخرى ، اعترفت اتفاقية القاهرة لعام 1969 بوضع الفلسطينيين في لبنان ككيان عسكري منفصل عن الكيان اللبناني لغرض القيام بالنضال المسلح ضد إسرائيل. إن من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الاتفاقية صادق عليها كميل شمعون وبيير الجميل ، وخاصة الأخير الذي سيصبح العدو اللدود للفلسطينيين.

 

    أخذ الفلسطينيون بتشجيع هذه الاتفاقية لكي يحصلوا على السلاح وخزنه في تل الزعتر في وسط بيروت دون أن يعلموا السلطات اللبنانية بذلك. وبحلول عام 1975 أصبح تل الزعتر ترسانة عامرة بالأسلحة التي كان بمقدور الفلسطينيين استعمالها لا ضد إسرائيل فحسب بل ضد حكومة لبنانية ضعيفة لم يكن لديها سوى قوة عسكرية رمزية. اعتقد الفلسطينيون ، باستغلالهم ضعف الحكومة اللبنانية وربما بتشجيع من بعض الدول العربية ، أن باستطاعتهم الاستيلاء على لبنان وتحويله إلى قاعدة فلسطينية يستطيعون منها قتال إسرائيل. في الحقيقة ان هذا الحلم راود الفلسطينيين منذ أن فقدوا سلطتهم في الأردن ، حين قام الملك حسين في أيلول الأسود 1970 بقتل زهاء عُشر الفلسطينيين تقريباً الذين كانوا قد تحولوا بقوتهم ضده وتصرفوا كدولة ضمن دولة. وبعد أن فقد الفلسطينيون موقعهم في الأردن ، تحولوا الى لبنان الذي أصبح الأرض الوحيدة المناسبة لعملياتهم. ومما زاد من حدة التوتر بين الفلسطينيين والحكومة اللبنانية هو ازدياد الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان في عام 1971 و 1972 وقصف مخيم الفلسطينيين ، والانتـقام المحدود من جانب الفلسطينيين. لكن التوتر استمر في التصاعد حتى 12 نيسان 1975 عندما اعتقد الفلسطينيون أن الوقت قد حان لكي يحوزوا السلطة في لبنان.

 

    في ذلك اليوم ، وكان يوم أحد ، حضر بيير الجميل ، رئيس حزب الكتائب الماروني احتفالاً دينياً لتقديس كنيسة مارونية جديدة في عين الرمانة في بيروت الشرقية. وما أن غادر مبنى الكنيسة مع حارسه حتى بدت على الفور سيارة تحمل رجالاً فلسطينين وفتحت النار. وقتل ثلاثة أشخاص منهم مرافق الجميل الخاص. وفي نفس الوقت اطلق الكتائبيون النار على حافلة وصلت على الفور تحمل ثلاثين فلسطينياً مسلحاً ، وقتلوا سائر ركابها. وهكذا بدأت الحرب الأهلية . سعى كمال جنبلاط القائد الدرزي للحزب التقدمي الاشتراكي إلى معاقبة الكتائبيين بإقصائهم عن الحكومة كما أمر الجميل وزيريه في حكومة رشيد الصلح بالاستقالة ، إلا أن الوزراء الآخرين الموجودين في الوزارة ، وخاصة الوزير الدرزي مجيد أرسلان ، عارضوا جنبلاط بشدة.

 

    أعلن البطريرك خريش صراحة أن إقصاء الكتائبيين عن الحكومة كان أمراً لن تقبله الكنيسة . ومن ثم بقي الوزراء الكتائبيون في الوزارة. ولكن الجميل وجد نفسه يحارب نفس الأشخاص الذين كان قد دعمهم بالتصديق على اتفاقية القاهرة التي سمحت لهم بتسليح أنفسهم. ومع أن البطريرك أراد من الوزيرين الكتائبيين المارونيين البقاء في الحكومة ، إلا أنه لم يفعل ذلك من موقف متّسم بالقوة بل كان يعبر بالأحرى عن وجهة نظره الخاصة. لان السلطة الدينية كانت في أيدي سلك الرهبنة المارونية ورئيسها الآباتي شربل قسيس ، الذي أضحى بمثابة القلب والروح لحزب الكتائب.

 

    كان الاب شربل قسيس هو الرئيس غير الرسمي للكتائبيين والذي صاغ بعض بياناتهم الرسمية المتطرفة  لأجل وجود لبنان يتمتع بالسيادة. وبرهاناً على دعمهم للكتائبيين الموارنة ضد الجماعات غير المسيحية ، هرع هؤلاء الرهبان إلى اتخاذ مواقع حول أديرتهم رافعين أثوابهم الكهنوتية فوق ركبهم وحاملين بنادق الكلاشينكوف في أيديهم ( هذا ما يدل على أن البطريرك لم يعد قادراً على التكلم لصالح الطائفة المارونية حول المسائل السياسية.

 

    قام كتّاب آخرون بكتابة تاريخ لبنان منذ عام 1975 وحتى الوقت الحالي بحثه ولا حاجة الى اعادته هنا. بل يكفي إعطاء صورة سريعة عن الأحداث في لبنان المتعلقة بموقف الكنيسة المارونية والطائفة المارونية على ضوء هذه الأحداث.

 

    في عام 1976 داهم الكتائبيون تل الزعتر تساعدهم جماعات مسيحية أخرى. ومع أن الفلسطينيين فقدوا ترسانتهم وعدداً كبيراً من الضحايا إلا أن الحرب الأهلية لم تقصم ظهورهم. فقد أعادوا تكتيل أنفسهم ونقلوا قواهم الى الجنوب لقصف الأجزاء الشمالية من إسرائيل بالقنابل. وفي عام 1976 قررت جامعة الدول العربية إرسال قوة عربية رادعة إلى لبنان قامت الدول العربية المنتجة للنفط بتقديم العون المالي لها ، وخاصة المملكة العربية السعودية والكويت. وكانت سورية هي إحدى الدول العربية التي اشتركت في هذه القوة.

 

    كانت سورية ، من بين كل البلاد العربية ، قلقة جداً بخصوص الوضع في لبنان لأسباب سياسية واقتصادية. وبما أن سورية هي جارة لبنان فقد كان بمقدورها ان تلعب دور كبيراً في الشؤون الداخلية للبنان. وقد اتاح لها الكتائبيون الفرصة عندما طلبوا منها عام 1976 مساعدتهم ضد الفلسطينيين. وهكذا دخلت القوات السورية لبنان ولم تزل جاثمة على صدره حتى اليوم.

 

    وفي 15 آذار 1978 ، أغارت إسرائيل على حدود لبنان الشمالية لصد الفلسطينيين. وتكرر الاجتياح في حزيران 1982 عندما وصلت القوات الإسرائيلية إلى بيروت واضطر القادة الفلسطينيون مغادرة لبنان واللجوء إلى تونس. وفي 6 آذار 1985 أبلغ رئيس الوزارة الإسرائيلي شمعون بيريز صحيفة لوموند بأن بيير الجميل وابنه بشير الجميل طلبا المساعدة من إسرائيل بهيئة أسلحة وتمويل ، فسارعت إسرائيل لمساعدة الكتائب. وكانت إحدى نتائج هذا الاجتياح مذبحة الفلسطينيين في مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين. ولكن يجب الا ننسى بأن الفلسطينيين كانوا مسؤولين عن مذابح مماثلة لكهنة ومدنيين مسيحيين أبرياء في الدامور وفي قرى جنوبية أخرى من لبنان. وإذا كانت إسرائيل قد أنزلت الدمار بلبنان بسبب اجتياحه في عام 1978 وثانية في عام 1982 ، فإن سورية وبعض الدول العربية لم تكن أقل مسؤولية عن دمار لبنان بتزويدها الفلسطينيين ومجموعات لبنانية أخرى بالسلاح والمال.

 

    عندما اجتاح الإسرائيليون لبنان عام 1982 كانوا على ثـقة بأن بشير الجميل ، حليفهم ، سيكون راغباً جداً في توقيع اتفاقية تعترف بإسرائيل. بل كل ما كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بيغين يتوقعه في صيف 1982 هو إما ان تكون هناك حكومة مركزية قوية في لبنان صديقة لإسرائيل أو على الاقل اتفاقية سلام يوقعها كلا البلدين. لكن بشير الجميل تردد في توقيع اتفاقية مع إسرائيل لأنها في نظره كانت جزءاً فقط من حل شامل في الشرق الأوسط. وفي 14 أيلول 1982 ، قُـتل بشير الجميل عندما ألقيت قنبلة داخل مركز القيادة الرئيسي لحزب الكتائب في الأشرفية وخلفه أخوه أمين كرئيس جديد للبنان.

 

    كان أمين الجميل هو اختيار إسرائيل فقد انتخب في ثكنة للجيش بدعم من وزير الدفاع الإسرائيلي آرييل شارون. ولهذا وقع أمين ، وهو الأكثر عزماً ولكن الاقل اندفاعاً من أخيه في معالجة الشؤون السياسية ، اتفاقية مع إسرائيل في 17 أيار 1983 وأعلن دون وجل من رد فعل سوري أو عربي على هذه الاتفاقية قائلاً بأنه سوف ” يرد القنابل السورية صوب دمشق ” (68). لكن موقفه تغير بعدئذ. وتحت ضغط أو إقناع الرئيس السوري حافظ الأسد ، نقض امين الجميل اتفاقية 17 أيار مع إسرائيل بعد ثلاثة أشهر وكاد أن يصبح ألعوبة بيد السوريين. واثار الغاء الاتفاقية مع إسرائيل استياء الولايات المتحدة التي تخلت على ما يبدو عن أمين الجميل.

 

    أصبح الموارنة اليوم في عهد آل الجميل أكثر ضعفاً مما كانوا عليه من قبل؛ لا بل نجدهم يسيطرون على جزء يحتلون من لبنان أصغر مما كانوا يشغلونه سابقاً. إن مركز أمين الجميل اليوم قلق جداً ، ولبنان اليوم هو دولة أقل قدرة على الحياة. وربما كانت أكثر الضربات الموجعة لأمين الجميل ، من وجهة النظر المارونية ، هي المصالحة القريبة العهد بين سليمان فرنجية رئيس جمهورية لبنان الماروني الأسبق وايلي حبيقة قائد القوى اللبنانية التي أسسها بشير الجميل في ربيع 1976 لتنظيم المجهود الحربي المسيحي في لبنان.

 

    وفي 13 حزيران 1978 هاجمت مجموعة من القوى اللبنانية قصر الرئيس فرنجية في أهدن وقتلت بهدوء أعصاب ابن الرئيس طوني الذي كان عضواً في البرلمان وزوجته فيرا وابنتيهما والخادمة وكلبهم. وبالرغم من أن بشير الجميّل أقسم بأن لا علم له بأن طوني وزوجته كانا داخل القصر إلا أن أعذاره لم تـقنع اللبنانيين . وفي يوم الخميس الواقع في 8 آب 1985 ، دفن سليمان فرنجية وايلي حبيقة أحقادهما بمعانقة أحدهما الآخر. وبعد أربع وعشرين ساعة فقط من هذه المصالحة ، والتي أعادت على ما يُزعم الوحدة بين الخصمين المسيحيين ، طالب الرئيس فرنجية بتنحية أمين الجميل ، دالاً بذلك على الصدع العريض بين صفوف الموارنة والقـادة المـوارنة في لبنـان . كما يـدل هذا على أن الجبهة المسـيحية والجبهة الإسـلامية أيضاً رفضتا الرئيس الحالي للبنان.

 

    مازال لبنان اليوم يعاني من الطائفية أكثر مما عاناه في الأجيال الماضية. إن التوزيع الحالي للطوائف الدينية الرئيسة ، أي المسيحيين ، والموارنة بشكل أساسي ، والمسلمين والدروز كل في منطقته ، يدل على وجود التقسيم الفعلي للبنان. فبيروت ، العاصمة ، يقسمها خط أخضر إلى بيروت غربية مسلمة وبيروت شرقية مسيحية. والاكثر من هذا ان الحكومة المركزية فقدت سلطتها على معظم البلاد بل هي موجودة بالاسم فقط. ومما زاد في ارتباك هذا الوضع المشوش وجود السوريين في شرق لبنان والإسرائيليين في جنوبه. وهكذا اصبح هذا البلد الذي كان يوماً بلداً جميلاً ، يُوصف بأنه “سويسرا الشرق” كومة من ركام.

 

    فأين تقف الكنيسة المارونية والطائفة المارونية حيال هذا الوضع الحالي الذي يرثى له ؟ لقد بيّنا سابقاً أن المنصب الزمني للبطريرك الماروني قد ضعف جداً بعد الحرب الأهلية في عام 1975. وان البطريرك خريش لاحظ هذا الضعف وأقر بأنه رئيس كنيسة فقط وليس رئيس طائفة. بعبارة أخرى ، لم يستطع البطريرك التحدث لصالح الطائفة المارونية ، ولا التأثير على الشؤون السياسية للبنان. وعندما سُئل فيما إذا كانت بكركي قد لعبت أي دور في تحقيق سلام بين الأحزاب المتناحرة ، أجاب البطريرك “ليس لدينا نحن في المقر البطريركي (بكركي) قوة عسكرية رادعة ، إن ما نملكه فقط هو القوة المعنوية التي وضعناها في خدمة لبنان” .

 

    نعلم ، من البيانات التي قدمها البطريرك خريش للصحافة في لقاءات مع كهنة من طوائف مسيحية أخرى ، أو لقاءات مع رجال دين ووجهاء من المسلمين والدروز بأنه يؤيد تعايشاً سلمياً بين المسيحيين وغير المسيحيين دون تعريض الموارنة للخطر كطائفة لها مكانتها واهميتها. إنه يرفض الاتهام الموجه اليه بأنه يفضل الابتعاد عن السياسة بل يؤمن أن لبنان هو للبنانيين. اذ يقول: “صحيح أن الموارنة جاءوا أولاً إلى هذا البلد ، ولكن من الصحيح أيضاً أن لبنان هو لكل أولئك الذين يعيشون فيه”.

 

    يدرك البطريرك أن لبنان بمذهبيته هو بلد فريد من نوعه ولذلك يتطلب نمطاً فريداً من الحكم. كما يكشف حقيقةً كبرى عندما يُعلن بأن مسيحيي لبنان يعانون عقدة الخوف من المسلمين. فهم يخشون أن تبتلعهم الأغلبية المسلمة أو تجعلهم يفقدون تراثهم المسيحي. يتابع البطريرك قائلاً ان هذا الخوف كان عقدة مصطنعة قبل عام 1943. ولكن بعد هذا التاريخ وخاصة بعد أحداث 1975 اصبح عقدة حقيقية. ويستمر البطريرك قائلاً بأن الميثاق الوطني لعام 1943 أعلن بأن رئيس لبنان يجب أن يكون مارونياً. ولكن ما الفائدة من أن يكون الرئيس  مارونياً؟ هل باستطاعة رئيس ماروني أن يحول دون حرب أهلية في لبنان ؟

 

    أخيراً اقترح البطريرك خريش العلمنة كحل وحيد لمذهبية لبنان. إن ما يعنيه البطريرك بالعلمنة هو ألا يكون للدولة اللبنانية دين رسمي وأن عليها ان تحترم حرية كل فرد وأن تتم الاحتفالات الدينية بطريقة تلاءم النظام العام. بعبارة أخرى يؤكد البطريرك بشدة على مفهوم فصل الكنيسة عن الدولة. ولكن إذا كان من غير الممكن تطبيق هذه المبادئ فإن الحل الأخير هو اعتماد صيغة الميثاق الوطني لعام 1943 مع بعض التعديل. إلا أن البطـريرك يصر على أن العلمنة هي الحل الجذري  الوحيد . يبدو أن الفاتيكان يشارك البطريرك رأيه في تعايش سلمي للطوائف الدينية في لبنان.

 

    يقول الكاردينال ايجيكاراي ، الموفد البابوي الذي زار لبنان في 4ـ11 تموز 1985 ، بأن سياسة الفاتيكان منذ بداية الحرب الأهلية عام 1975 وحتى الوقت الحالي كان لها هدف واحد وهو التعايش الأخوي بين المسلمين والمسيحيين. ولكنه رفض بإصرار فكرة تقسيم لبنان أو احالته كانتونات. كما أوضح الكاردينال أن الفاتيكان يساند لبناناً مستقلاً واحداً تعيش فيه سائر الطوائف الدينية جنباً إلى جنب. إن جوهر ما يقوله الكاردينال هو أن الفاتيكان يعارض مبدأ تقسيم لبنان الذي اقترحته الكتائب أو احالته الى كانتونات (على غرار الكانتونات السويسرية) وهو المبدأ الذي اقترحه كميل شمعون. وفي الوقت نفسه أعلن الكاردينال بأن البابا يوحنا بولس الثاني يؤمن بأن لبنان لن يستطيع ان يكون دولة حيّة دون سلام وانسجام بين الطوائف الدينية المختلفة.

 

    لكن الرهبانيات المارونية كان لها رأي يختلف عن رأي رئيسهم الروحي ، البطريرك خريش. ويقول عضو البرلمان اللبناني ريمون أده في هذا الصدد بأن الرهبان الموارنة يتحدثون عن تقسيم لبنان ولكنهم في الوقت نفسه يرتأوون بأن مسيحيي لبنان لن تكون لهم حياة هادئة دون كيان سياسي منفصل عن الشيعة والسنة والدروز ( إن ما يعنيه أده بالطبع بعبارة الكيان السياسي هو وجود دولة مسيحية منفصلة أو بمعنى أكثر تحديداً دولة مارونية. وهنا يبدو ان رأي الرهبان الموارنة هذا يعارض رأي البطريرك خريش الذي يؤيد علمنة الدولة اللبنانية.

 

    ولكن لماذا يعارض هؤلاء الرهبان بطريركهم ويلقون أنفسهم في خضم السياسة ؟ قد يكون سبب ذلك اعتقادهم إلى حد ما بأن البطريرك قد هجر دوره التاريخي لا كرئيس ديني للموارنة وحسب بل ايضاً كقائد زمني لهم. بعبارة اخرى لم يعد البطريرك قادراً على التصرف في محور سياسي. فضلاً عن ذلك ، كان القادة العلمانيون الموارنة كبيير الجميل (ت 1983) وكميل شمعون قد استنفذوا طاقتهم السياسية ولم يعودوا قادرين على مواجهة التحدي السياسي الحالي في لبنان. لذا ، فإن الرهبانيات هي المؤسسات المارونية الوحيدة التي تستطيع مجابهة التحدي وتأمين قيادة قوية فعّالة للطائفة المارونية سيما وان الرهبان الموارنة يعتبرون أكثر تماسكاً وأقل عرضة للخطر من القادة العلمانيين فهم يديرون العديد من المدارس كما أنهم على اتصال شديد بالرعايا الموارنة. لذلك فهم ينالون احتراماً وثـقة الجمهور أكثر مما يناله السياسيون .

 

    يؤمن الرهبان الموارنة أن لبنان هو مجتمع مذهبي ذو صفة مسيحية بشكل أساسي أي ان صبغته مسيحية مارونية. فهو مزيج من ثـقافات متعددة أبرزها المارونية. لهذا السبب نرى الرهبان يوافقون على الميثاق الوطني لعام 1943 بكونه الوثيقة التي تعكس الهيكلية البانورامية للمجتمع اللبناني. ولهذا أصروا على أن تكون لرئيس لبنان الماروني سلطة واسعة لحماية الطائفة المارونية. وإلا فإن مارونية الرئيس دون سلطة واسعة لا معنى لها كما يعتقدون .

 

    يؤمن الرهبان الموارنة في مجمل القول أن لبنان مرادف للتاريخ الماروني وعبقرية الشعب الماروني وأن مارونية لبنان تسبق زمنياً الفتح العربي لسورية ولبنان وأن العروبة هي مجرد صدفة تاريخية . وفي هذا الصدد تُـعتبر آراء الآباتي بولس نعمان وهو الرئيس الحالي للرهبانيات المارونية ، ذات أهمية قصوى. ففي حديثه عن التراث الروحي الماروني لا كتجسيد للطائفة المارونية فقط بل كتجسيد لشخصية لبنان الثـقافية ، اعلن الاباتي نعمان بالبيان الجوهري التالي قائلاً: ” المارونية هي عقيدة دينية-مدنية أنطاكيةٍ لها صفاتها الاستثنائية المرتبطة مباشرة بحضارة قديمة وهي “الحضارة الآرامية السريانية” (79). إن جوهر ما يقوله الآباتي نعمان هو أن الموارنة هم من أصل آرامي سرياني وينتمون الى الكنيسة الانطانية العريقة. وبعبارة أخرى ان الموارنة ليسوا عرباً. إن هذا المفهوم للمارونية والذي يعني في الحقيقة “القومية المارونية ” قد بحثه بالتـفصيل الأب بطرس ضو. وتمَّ شرحه بشكل وافٍ في الفصول السابقة. إن بيان الآباتي نعمان هو المفتاح لمعضلة الموارنة الحالية في لبنان. فهو الحل الوحيد لأزمة الهوية لديهم. إن على الموارنة أن يقرروا فيما إذا كانوا شعباً آرامياً سريانياً ذا لغة وثـقافة متميزتين أم أنهم عربٌ. ان الاتجاه العارم في هذا الكتاب هو البيان بأن الموارنة آراميون ـ سريان ثـقافةً وأن كنيستهم هي فرع من كنيسة أنطاكية السريانية. اي إن كنيستهم سريانية لغةً وطقوساً. كما أن تراثهم برمته ولغتهم وكتب صلواتهم وقديسيهم هو تراث ولغة وكتب صلوات وقديسوا الكنيسة السريانية الأرثوذكسية (اليعقوبية). ليس الموارنة مردة أو جراجمة كما يدّعي بعض كتّابهم. بل هم سريان آراميون أصلاً وتراثاً ، وهو ما يؤمن المؤلف به ، واذا كان الموارنة سرياناً آراميين فعليهم يقع العبء في إحياء هذا التراث كحلٍّ لأزمة الهوية التي يقاسونها. وإلا كان عليهم أن يقبلوا الواقع وهو أن وجودهم مرتبط بالأمة العربية وأن عليهم أن يتقاسموا العيش في لبنان مع الجماعات الدينية الأخرى .

 

    يؤمن موارنة لبنان اليوم بأن لبنان هو بلد مسيحي للمسيحيين. إنه وطنهم وهم يرفضون كمسيحيين العيش في أي مفهوم ” للذمة ” ، أي مسيحيين تحت حماية الإسلام. لقد استمروا وسيستمرون في الشهادة لمسيحيتهم في الشرق الأوسط. وهم يرغبون في الاحتفال بطقوسهم وتقاليدهم متى شاءوا. وعلى حد تعبير رئيس لبنان الراحل ، بشير الجميل     ” لبنان هو وطننا وسيبقى وطناً للمسيحيين… نريد الاستمرار في التعميد وفي الاحتفال بطقوسنا وتقاليدنا ، بإيماننا وعقيدتنا متى شئنا… نحن نرفض العيش تحت أي مفهوم ” للذمة “.