الأب الشاعر يوسف سعيد

Posted by on Aug 18, 2020 in Library | Comments Off on الأب الشاعر يوسف سعيد

الأب الشاعر يوسف سعيد
(7قصائد)

إختياروتقديم: جلال زنگابادي
“على طريقتين نعرف اللّه ،
اللّه الذي نتعصّب له الى حدّ الأنتقام ، والدفاع عنه الى حدّ الأنتحاروابادة الآخرين . هذا اللّه لم أتعرّف عليه بعد…
وحتّى تتمتّع بحريّة اللفظة ، وتحصل على لغة مجنّحة ؛ عليك أن ترتدي تاج المحبّة وتتقمّص اله المحبّة”
هكذا أجاب أبونا االشاعر يوسف سعيد؛ اذ سأله الأديب المعروف عبدالقادر الجنابي ، كيف يمكنه كتابة الشعر؛ وهو راع في كنيسة؟!
لعلّ أهم ما تنطوي عليه عبارة أبوناهو عمق ايمانه بالتسامح ، الذي يمثّل جوهر ما يستوجبه الأبداع الأنساني؛ مادامت (الجريمة والعبقريّة لن تلتقيا أبداً) على قول بوشكين العظيم
لئن خلق اللّه أبونا يوسف سعيد لأرشاد عباده الى مملكة الأيمان؛ فقد خلقه أيضاً ليهيم في مملكة الشعر بكل تضاريسها، حتّى اختلطت فروضه الدينية بتفانيه من أجل الشعر، الى حد تحويل الكنيسة، التى كان راعيها في كركوك الى خلية ، يتناقش فيها شعراء ماركسيون…..!!حيث كان يسعى للسماح للشعر؛ كي يكون سكرة إلحاد ، في بيت اللّه، على أن تكون كل قصيدة طبقة باطنة للأيمان، تفاحة تسقط من شجرة الخيال على فراش الأولياء! لكن هذا المسعى لرأب الصدع بين السماء والأرض، بين الشّك واليقين، بين العدم وجنّة عدن، في حقيقته ( لغم معبّأ ببارود الكلمة !) على حدّ تعبيره هو؛ خصوصاً وأنه يستخدم التقنيات السوريالية ( المعروفة كحركة إلحادية)!
حقّاً أن الأب هذا أغرب شعراء الستّينيّات؛ بسماته المتميّزة، وفي ديمومة وصيرورة عطائه الحيوي؛ بحيث يمكن تنسيبه الى كل أجيال النصف الثاني من القرن الماضي ! أمّا أهم ما بلور تكوينه ومهّد لحظوره المشهود؛ فهو- حسب اعترافه- التقاؤه الحميم والصميمي ب( جماعة كركوك *) التي كان لها الدور الأساسي، في تطوره الشعري، اذ كان طموحاً نحو الكلاسيكيات ( الاّ أنهم أعادوني الى الواقعية الحديثة. ما يدهش الى اليوم، هو أن هؤلاء جميعاً، حين التقيت بهم، كانوا في قلب الثقافة العالمية، يبحثون عن الجديد، واحدهم يحمل اكتشافه الى الآخرين، دون أن يفصلهم أيّ انتماء ديني، أوقومي، أوسياسي. انهم بالفعل أعز أصدقائي، وبدونهم لاأستطيع أن أتخيّل الآن كيف كنت سأتطور، أو ماذا كان سيكون أسلوبي وتفكيري في الحياة…) كما اعترف بنفسه.
ان أجمل اغراء وجده أبونا، في الشعر المعاصر( الشعر الذي ينبثق من حنجرة الأنسان، ويحمل ذبذبات عدّة ، هو الأستفهام والسؤال، السؤال عبارة عن اضمامة يد تطرق على بوّابة اللّه، تريد أن تطرق باباً؛ لتسمع صوتاً. اذا لم تضرب على طبل؛ فلن تسمع ايقاعاً، واذا لم تتحرّك أصابعك على ناي أو شبّابة؛ فانك لن تسمع نغمة …الرياح المتحرّكة، العواصف، الأستفسارات، النقاشات مع الربوبيّة، الأصوات في الغابة، في الليل، أصوات الحياة هذه كلها هي الشعر. أرتاح عندما أكتب؛ كأنني أبحث عبر خلجان اللاّهوت عن أجوبة لأسئلتي، لحيرتي، ولما يعتمل في داخلي وفي رأسي. اذاً، القراءة اللاّهوتيّة تثير أسئلة أيضاً، أي أنها لاتعطي ثوابت أبديّة وحسب. من هنا نجد أن قرّاءاً عظاماً توصّلوا الى التصوف والى التعمّق في التفكير حول الحياة وما يحيط بها من كون لانهائي) حسب استقصاء أبونا نفسه .
يتّسم شعر أبونا بأحداثه الصدمة والدهشة الشديدتين عند التلقّي؛ لغرابة صوره، النابعة من كيمياء البارادوكس (المفارقة) في تكوينها القائم على علاقات غير مألوفة وغير متوقّعة بين المفردات :
(قال نثنائيل:
– أدعية التنّين ابتلعت أقدام عطارد
في الصباح أشرب أفكاري
وفي المساء أتعشّى صحو النجوم
من عينيّ اللّه تهطل جملة
سرمديّة)
من قصيدة(تصعيد)
(نصف القمر تضاجعه في السر
حيتان كهربائيّة
والنصف الباقي مذكرة ذهنيّة صاعدة الى الريح الخضراء
وعجين عبقريّته أسطورة متفتّحة فوق أقدام الظلام)
من قصيدة( أسواق للضوء الآتي من القمر)
-(العواصف المجنونة تحمل غثيان الرّوابي)
-(الخضرة ترتشف جنون القاطرة)
-(أنين العجلة يطارد الجماهير)
-(تسافرالبحار الى عينيّ سمكة)
سأكتفي بهذه الأمثلة؛ مادامت القصائد والشذرات الشعرية ستلي المقالة، والتي تجتذبنا بمنطقهاالباطني، الذي ينظم شتيت مفرداتهاوصورها!
يقيناً أن أبونا قد تأثّر في نزوعه هذا بالِشعراء السورياليين، لاسيما وأن أحد أساطينها الكبار، وهو الشاعر الفرنسي بيير ريفيردي قد أطلق مقولته الذائعة، التي استحالت منطلقاً لشعريّة القرن العشرين، ومفادها:- ( كلّما كانت علاقات الشّيئين، المقرّب بينهمابعيدة وصائبة؛ قويت الصورة وقوي تأثيرها في تحريك العاطفة، واشتدّ انتماؤها الى الشاعريّة)
ومع ذلك ليست سوريالية أبونا مستنسخة عن السوريالية الغربية، وانّما هي سوريالية عراقية – شرقية أصيلة بلحمتها وسداتها؛ لكونها نابعة من معطيات واقعنا، الذي يتعدّى بكل بداهة سوريالية الغرب المتخيّلة!!!
بطاقة تعريف
– (1932- ٢٠١٢) ولد يوسف سعيد في مدينة الموصلك ، ووافته المنيّة في السويد.
– بعد دراسته سنتين في مدرسة التهذيب الأبتدائية، يدخل مدرسة ابتدائية دينية، في دير شهير على بعد 20 كم عن الموصل.
– يتوفّى والده أثناء الحرب العالمية الثانية.
– يلتحق بالكلية اللاّهوتية في الموصل، حيث يتتلمذ على أيدي أساتذة قديرين ..
– بعد تخرّجه ؛ يعيّن رئيساً روحيّاً لطائفة السريان في كركوك.
– 1962 يشترك في مؤتمر عالمي ببغداد ؛ في الذكرى الألفيّة لتأسيسها .
– 1963 تدعوه جامعة فرنكفورت في ألماتيا؛ لتحقيق كتاب وترجمته عن السريانية لرودلف زلهايم.
– 1963 يغادر العراق الى بيروت ؛ نفوراً من الكابوس العفلقي.
– 1970 يشدّ رحاله الى السويد، حيث يصبح راعياً لكنيسة السريان، في احدى ضواحي ستوكهولم العاصمة.

مؤلّفاته
– المجزرة الأولى/ مسرحية/ 1958 كركوك
– تاريخ السريان والنساطرة الكلدان في بغداد/ مخطوط 1962
– الموت واللّغة/ 1968 بيروت
– أصوات سريانية معاصرة/ 1969 بيروت
– حياة الملفان غريغوريوس بولس بهنام ، مطران بغداد والبصرة/ 1969 بيروت
– ويأتي صاحب الزمان/ 1986 السويد
– الشموع ذات الأشتعال المتأخّر/ 1988 بيروت
– مملكة عبداللّه/ 1989 بغداد
– حضور الأبداع / 1989 بيروت
– السفر داخل المنافي البعيدة/ ألمانيا
– العديد من المساهمات المتناثرة، في الجرائد والمجلاّت العراقية والعربية، مثل مقاله(الفولكلور السرياني) في مجلة (التراث الشعبي) البغدادية ع 2 السنة الثانية

هامش لابدّ منه:
لم ألتق أبوناالشاعر غير بضع مرات، منذ أواخر 1985 ، ومع ذلك سرعان ما توثّقت عرى المودّة بيننا؛ كأننا متصادقان منذ سنين طويلة، فقد اجتذبني الشيخ المتألّق بروحيّته الشابة، أمّا هو فقد سحرته قصيدتي (يا أجمل من الجمال) حتّى أنه كان يردّد اهداءها(الى أرواح الكراسي الفارغة)، ثمّ طالما كان يرجوني أن أغني بعض المقامات العراقية والأغاني الكردية والفارسية والتركمانية والأفغانية ، بل وطلب مني غير مرّة أن أزوّده بشريط غنائي ؛ ليستأنس به في المهجر، مستحضراًًعبره الأجواء العراقية والكردستانية،لاسيما أثناء كتابته لقصائده، غير أني لم أفلح للأسف في تلبية طلبه وقتئذ، وانّما زوّدته بأكثر من 70 قصيدة كردية مترجمة من قبلي الى العربية(كل قصيدة لشاعر) سرّ بها كثيراً؛ حدّ طبعها على الآلة الكاتبة بنفسه في السويد، وتوزيع نسخ منها على الآخرين، حسبما أخبرني بذلك لاحقاً؛ وبذلك فقد قدّم لنا خدمة جليلة، اذ أوصل صوتنا الرازح تحت كابوس الفاشية العفلقية والدكتاتورية الهمجية الى الخارج، في تلك الظروف العصيبة..

هولنده

الزمن، الأنحرافات، التسنن في المنحنى الأخير، الميازيب الأبدية،
ذات حضارة خضراء، وجه يفهرس في تعاريجه واقعية الأشياء،
لاجديد في مأساوية الأشياء الحديثة….سوى هذا الأنبلاج
المتفاقم يومياً، فوق شعفات جبل يشلح عن جسده البركاني
ضباب الدهور ومعرفتي ، أقول لساقية اللغة، لقاموس الكلمات الخضراء
العذراء، الحدقة الجديدة بلا ابتسامة، شيء طاريء يفتح
أوداج الخمرة تلوب أشياؤه الطويلة فوق جداول مياه قادمة
من هولنده، ذاهبة نحو جزر متأرملة، منذ حقب ولكنها بلا تاريخ،
عابرة بين فتحات دهرية، لاجديد في ذاكرة الأنحراف الحضاري
سوى هذا التغضّن المطعم بمادته الأفعال السداسية..
هل أكثر من ذلك ؟ أن نعرّج على شاطيء الكلمات وهي بلا مجذاف
ولا بوصلة لتقسيم الوقت على الجهات الأربع،
والى جهة تلتقي فيها العواصف ..حيث الوهاد ثملة
من قطرات ربيع شرقي، لقد كانت أمي الصغيرة بين العذارى
تحلم بالولادة الجديدة أقول في سويعات الخمرة المعتّقة،
(ثملة كانت ريشة الكتابة) أبداً لم أجد قمر الموبقات يشع
على خد المياه العذبة، كل شيء يتفاعل داخل الأنصهارات
حملة أسرار الملكوت،
لا لم يكن وجهي من مادة الزنابق البيضاء، فقط أعرف
بيدر الوقت…
شيء من أشعّة الثواني، كانت بين يديّ،
من تفاعل الزروع ومن عصارات قمح المعرفة
أعرف ما تقرّره الأحاسيس، أتحسس الآن سنابل العقل العليا
وتنمو اللحظة كضباب الروابي في أعماقي،
أهذه أزمنة طفل أو أنها قيود من وزيرة، فقدت تعبيرها الناعم،
أماح مذياع المدينة آه …كل تفاعل السحب والرياح الرمادية اللون،
والعواصف المجنونة تحمل غثيان الروابي..أحسّها تمور
تحت تعرّجات عقلي، في يوم ما كنت لفظة مطرودة،
تحرّرت من كل النصوص، ولكنني أعترف بأنني كنت أطارد
أسراب العصافير لأسمع زقزقتها العذبة…ذاتياً،
لم اتفاعل مع تجّار المدينة وكنت أفتح كنوز الأسرار
المعبّأة بالأشراقات اللاّهوتية، المحجوبة عن أجوائي المرئية
ألآن أسئلتي محتجزة،
هناك عوسجة في نهاية آفاق الصحراء، وبدون أن أستأنف
رأيت رسلاً يتأقلمون مع سحب السماء،
ليس للأزمنة الدافئة لغة خاصة
تتحوّل في بواطني
أسفار
لها كلمات
مقدّسة
ليست للأبرشية الجديدة محطّة خاصة،
أعرف أمراً حتميّاً واحداً..واحداً فقط، أن المجدلية التي مرت قرب سريري،
كانت قد أضاعت لون تاجها، واعتمرت قبّعة ناصعة، تحمل أبجدية مقتطعة من
جسد التوبة…
أن أكتب، هناك مذكّراتي، وأن أتحدّث فيها عن آخر موسوعة
للينابيع الصغيرة، وكيف خلق اللّه هذا العالم، الذي أنا منه,,
أن أحاور الناس عن أطفال هذا العالم، لاسيماعن الطفل
الذي أضاعته أفريقياوالمستقبل، أنا الفارزة المعقوفة من اللحم..
آه ، أنا سفينة مدحورة نحو أطلال ترشف مهجة الماء،
مهنتي أن أتاجر بأصابع اللغة الغريبة، ,أن أحتسي شعاعاً ساقطاً من وجه
الشمس داخل قفّاز منسوج من دموع مقتطعة
من ماء الحوار…

المشدود الى التراب

في تشرين، ثقب صغير يمتصّ
هواء للجدران الأربعة
يقتّر في التنفس
يحام كل الشهر
أن قطعة الدينار؛ أكبر من
غمامة بيضاء.
يسترسل في اللّم، في الأخذ، في الجمع،
توافه جشعة أكبر من جبل
ليت رائحة النحاس، عوّضت على
معدته رغيفاً من الخبز
ألأمنية أن يحصد، ولا يأكل،
يطحن ، ولا يخبز! أن تقفر الجموع
من حيّه
ليرتاح في احصاءاته
من يغرق في لجّة السمسرة؟
من ينسى الملاك؟
ليت الشخير عندك، يتحوّل
الى لغة الأرقام
اليوم حلمت أن أظافري من
تربة صفراء، تنبت رنين الفلس
وهدوء الدينار…!

سحب صيفيّة

يدي تمسك ظهر عالم يضحك
عوالم فقدت حاسّة جداولها مهرولة نحو البحر
تتأكسد بغبار لايعرف اطلاقاً متى خلقت تجاعيدأطرافه
ولكنها، دائماً ترتوي من مياه حلكته ،
ومن زمهرير أشواقه،
عوالم جسدها بلا جبين
عيونها فقدت أهدابها بينما خياشيمها تتحسّس رعشة
طالعة من أعصاب التحوّلات الأعجوبة
أحتسي، من قنينة بيضاء، خمرة رغبتي
أحدّق في سجف بعيدة
وبعدها، أرتدي قميص صمتي
كثيف، تحت هذه الغيوم، دخان مجمرتي
ومن نشوتي تولد في منعطف الأفق عذراء تأتي الى سواحلنا
لتعلّمنا رقصاً أعدّ خصيصاً لمجيء مواكب السحب الصيفيّة.

أصابع

أصابع طبشوريّة، مطعّمة بالفيزياء، تحمل أرقاماً عراقيّة
مستلّة من جسد الآشوريّات..ليس لهذه الأزمنة كثافة سكّانيّة،
ومواكب الجسد تدخل الآن ليل القصيدة الفعل
وتقول لمركبات الشّمس ..لتسدل اللّغة أشرعتها
ولترحل صوب الحقول السعيدة.

مات جوان ميرو

في هذا الصباح، مات جوان ميرو..كموت العضلة
في فخذ الجبابرة، وحده مات جوان ميرو كما تموت الغابات في سيبيريا،
وكما تموت الحياة في أصابع نملة خضراء
وفي اللّوحة الأخيرة التي تركها حنّط فيها حنينه،
وفي دفتره القديم الملقى عند وسادته
كانت ريشته السوداء قد رسمت وجهاً للقحط،
والجدب والأشواق الظامئة، الى غديره الثر
أبداً، كان ميرو ينثّ أحلامه فوق أقمشة بسيطة،
مثل سذاجة قلبه…

حناجر محنّطة بمادة الأوقات
مجففة، كرمال تعبر فوقها أسرار العدميّة القديمة.
قدم اللفظة المشلوحة من فم الكلمة الأم
وجه يلملم تقاسيمه الأزليّة
من زرقة بحريّة
محبّرة، مزمجرة في قفا العواصف المعدومة
فوق سارية الخلجان
أردّد في مهجة الحياة ، وأقول لأيّام تنهار فوق سلاهب النّار
أهواء الروح، أنت أبعد من شهوة الجسد
وأقرب من تفاعل الماء فوق أنسجة اللغة النّامية
في حقول العقل.
غد يحمل أشيائي الصغيرة
وينضب حبر كان يخطّط مدناً لموت الملوك
: ان كصوت مدينة منفيّة في مركبات البارحة
آه…سأكون بذرة محنّطة في حنجرة
الأوقات.
أسواق للضوء الآتي من القمر
(مقاطع)
1
في طريق حنجرتي حيث يذهب الدم الجرثومة
أشطر عباراتي الى قطع من خبز
الطوق النحاسي يغرق بالليل سطوح الألفباء
ينزف في كل ثانية طاقة من موت أسود
فماً يفتح
مدناً من الورق
يفجّر من اللاّشيء
عقائد تتخثّر مادة زلاليّة
ثمّ تتحوّل الى غمد يحتضن حقد السّكّين.
8
لم يبق للخبر جذوع
وانتهت مياه الحكايات الطويلة
شلل أسود يتغلغل في العظام الواعية
عقول يبلعها سرداب نسيان خجول
آذان لاتعرف بداية الشّيء
عصر يتمرّغ في طمث الولادة
9
يأتي الدود مع مطر الحرب
ويغذّي شحم أحشائه
من أدمغة القتلى
وبين طقوس الحرب
ينشيء القادة مدرسة لموت حديث
وللظهيرة العسكرية أمسية جميلة
عقبانها ترعى في مزرعة اللحم
متعة للرياح أن يتغلغل صفيرها الحاد
في أكوام من عظام.
11
فزعي خيمة ساقطة فوق أسنان الرياح
أتفرّس في ضمائر مخثّرة ذاهبة فوق أكتاف الضبّاط الى فيتنام
الوقت والموت والرّمي والهواء الأصفر
تهرع من أعلى الحافّة الى هاوية
تغصّ تمضغ تبلع
ستبقى الصنّارة رابضة تحت زعانف البحث
الى أن تلد الحامل تفّاحة حرّة.
12
أعين لاتشمّ رائحة الصيف
لكنها تنظر الى الفضاء مصلوب
قبّرة معلّقة في الوسط
تريد أن تهدم بأظافرها قامة العلو.
أحزان تمتدّ كطريق طويل.
13
لو كانت نزواتي حجراً
كم من الأرصفة والجدران سنحصي؟
لو تحوّل ضباب لبنان الى أسئلة
من سيجيب عن اعتراضات البحر؟
بئر عميقة تنبع أصواتاً.
14
عودوا تحت أغطية الزمن الواقف
قبل أن يحصد الموت سهول العروس
أعرف أنني موزّع على بهيمة الوقت الراحل في جوفي
أريد الموت نصراً عالقاً بأخمصي
منذ البارحة استضفت الموت
وليتني تحرّرت من عبادة النّسل المائت.
15
أعبر مقصلة الوقت
أربح جملة الفعل الحاضر.
لماذا لاأسكب قطعة من صوّانة الدّهر
فوق حافة الكتاب المصنوع من ورق البردي؟
خريف القمر
يهرب من شيخوخة الأسبوع
وتحت مشط الشهر السادس
تحدّث الملاك الأخير
عن ولادة الزمن الشّيطان.
أعصاب الشهداء بنت للديارات البعيدة في غابة الأفعال
الزمن دم يتقطّر في فانوس
أحارب الوقت المنفعل في أذنيّ
وأرتدي نغمة ميلادي الذاهب.
نمط واحد لموتي فلماذاأهرب من خوف اليوم؟
ثلاثة أقنعة ظهرت فوق ظهرالمركبة- رفع ونصب وجزم.
أجنّ من كارثة المجيء
لماذا لاينطبع صوتي في وجه صخرة صلدة ؟
الكلمة اشتقاق من الصوت
والصوت يذوب كالرصاص في أردان البرق.
أعرف أن حياتي حركة مضمومة اذا تفتّحت ماتت.
شهادة
الشعر صنّاجة نفسي
الاب يوسف سعيد
الشعر صناجة نفسي، ورباب روحي، وقيثارة عقلي، بدونه تبقى الاكوان مجردة من الهواء، وسماء الارض بلا نجوم, ولا كواكب.
وعندما اتحدث عن نفسي بانني ((شاعر)) احس بضآلة مقامي ومكانتي. وعندما التقي مع شاعر في الدرب، احس ان قبسات جبينه، عليها مسحة من الالوهية. وعندما يجمعنا مجلس أدب ونتحدث عن شاعر ما، احس كأنهم يتحدثون عن عملاق من العمالقة، وبطل من الابطال النادرين. وعندما سال ابن الفرزدق اباه عن الاخطل، اجاب رأيته شيخا وبسن واحدة، لو شاء لمضغني به.
عندما اسمع شاعرا يقرأ قصيدة، احس ببداية اشياء جديدة، طارئة، فاعلة. تجترح فينا العجائب.
الشاعر في قراءاته، كمن يفتح رتاجات جديدة. ويعد خبزا لتقدمات فوق مذابح الروح. ويطل على عالم مسحور، لم يكن يحلم به اطلاقا.
الشاعر يحس بكل الاحاسيس والملموسات. ولا يحس بشيء ولا تلمس اصابعه الملموسات.
يحس بالاشياء ولا يحسها، يتحول الى نورس من نار زرقاء ويتقمص اجنحة من الشمس. ويشرق على البحار ويترك بصمات اصابعه على الانهار والوهاد والروابي.
الشاعر يتوارى في مهجة الليل، ويرافق مسيرة القمر. تلفه الكواكب باذيال اشعتها ويتسربل بمجد الله، يرافق الفلك ليصنع جسد القصيدة التي تنجز بعمل يدي الله.
الشاعر سنونوة الربيع. تبني عشها على جناح المذابح، يذبح على موجات اثير الروح نغمات متقطعة من كيان قصائده.
يرسل كلماته الشاعرية على اجنحة الحمام الزاجل الى اقاص مسكونة. ودفتر شعره مثل العروس الخارجة من حجلتها. الشاعر كومضة برق تخرج نيرانها اللاهبة في اقصى السموات ومدارها الى اقاصيها.
الشاعر كحجل فقد سربه، وكطيرفقدت انهارها واضاعت اعشاشها.
الشاعر كغجري متمرد، تضرب ساقاه في طول الارض وعرضها؛ لا يغريه قصر منيف، بل خيمة قديمة تتضارب الرياح والعواصف والزوابع بين جنباتها.
ولكي تكون قصائدي صادقة، علي ان اتغرّب واجول واتشرد . وان اكتب قصائد على صخور الجبال.
الشاعر حاجة ماسة، بدونه لا تنجح حفلات الفرح ولا مواسم الحصاد ولا تجمهر الناس في هياكل الله.
الشعر قميص من طيلسان الملوك، ارتديه وارحل، ولا يهمني اطلاقا صخب هذا العالم ولا جعجعته لا ذهبه ولا ذره. لا جواهره الثمينة ولاألماسه.
يهمني ان اراقب نمو زهرة. وان تطرب نفسي الشاعرية، بعودة البلبل الغريد الى عشه، يزق فراخه من ماء خرير السواقي.
بقي ان تعرف بان الشاعر الحقيقي، هو الضياع الكلي في دروب الابدية. وهو الصفنة الرصينة الحكيمة، تظهر علاماتها على سحنة وجهه وتتحول الى شرايين تتغلغل في احساس اعماقه وتذوب في دمي.
الشاعر اسراره لا تدرك، ولا يعرف متى يكتب، او متى يجف حبر دواة خياله، متى تنتشي بجمرة الشعر وشموخه وتسامي احلامه.
الشاعر انسان يحمل على منكبيه صليب مبادئه. وبدون المباديء يبان الشاعر كعضلة ميتة وكسراج بلا فتيلة او زيت وكنرجسة بلا عطر.
الشاعر خادم البشريّة، بدون تمييز، واذا تحزب يبان كسماء بلا شمس وليل بلا قمر.
وعندما يتوحد شعراء الارض، يقصف المدفع، وتكسر بندقية الحرب. وتتوقف رحى الدمار. عندئذ تمتد شريعة الشعر القائمة على المحبة من اقصى الارض الى اقصاها…
عندئد تموت الحروب الى الابد.
السويد 26/3/1993
المصادر:
1- انفرادات
الشعر العراق الجديد
ج 1 : الستّينيّون
اختيار، توثيق وتتقديم: عبدالقادر الجنابي
1993 / ألمانيا- منشورات الجمل
2- مجلة (فراديس) ع 4-5/ 1992 / ألمانيا
3- مجلة (مواقف) ع 5 / تموز- آب 1969
4- الموت واللغة ( مذكور ضمن مؤلّفات أبونا..)
5- طبعة ثانية للتاريخ ( مذكور…..)
6- الشموع ذات الأشتعال المتأخر (مذكور…)
7- معلوماتي الشخصيّة بالشاعر الأب يوسف سعيد