(جوليا دومنا (170 – 217 م

Posted by on Mar 23, 2020 in Library | Comments Off on (جوليا دومنا (170 – 217 م

جوليا دومنا

(170 – 217 م )

” إن نهر العاصي (سوريا) يصب في نهر التيبر (ايطاليا) “

جوليا دومنا

هل يعرف أحدكم هذا الاسم ؟

القليل القليل ممن له صلة بالتاريخ يعرف هذا الاسم . فتاة من سوريا أصبحت إمبراطورة روما ولا تقل أهمية عن زنوبيا أو كليوباترا وإن كان اسمها لا يتردَّدُ كثيراً إلا لأهل الاختصاص ممن يبحث في تاريخنا القديم ذلك التاريخ الثري بالكثير الكثير. وقصة (جوليا دومنا) في رأيي المتواضع يجب أن تُعَرض ولو بشكل مختصر، ليس لمجرد رفاهية العرض بل لضرورة معرفة تاريخنا الذي نسيه البعض وتناساه آخرون

تم لقائي بها في ظروف صعبة كانت تواجهها وتحيط بها من كل جانب و كانت الأسئلة تتلاحق – في ذلك الوقت – عن مدى صمودها في وجه هذا الطوفان ورغم الجو الكئيب الذي يغلِّف سماء المكان فإن ( جوليا دومنا ) كعادتها رابطة الجأش ، قوية الإرادة ، من يراها يحسب أن الدنيا تسير سيرها المعتاد بدون أي منغِّصات أو أيِّ تأثيرات سلبية .. هكذا هي دوما .. فهي على يقين بأنها صانعة تاريخ وليست مجرد دمية يتلاعب بها هؤلاء البشر لذا .. فلم القلق ؟

 ….لكن
رغم هذه الحيلة النفسية التي تحاول إقناع نفسها للهروب من هذا الواقع المر ، فهي بشر لها نصيبها الكامل من الأحاسيس والشعور والترقب لها نصيبها الكامل من الخوف والقلق والحزن والغضب ولها نصيبها الكامل من الفرح والسعادة والحب والسرور … الابتسامة المفتعلة التي رسمتها على وجهها حاولت بها إخفاء آلام نفسية لا تطاق .. فأيُّ صبرٍ وأيُّ تُّجلدٍ هذا الذي تُبديه ، بل أيُّ قوةِ إرادةٍ هذه ؟؟ و احترت فعلا كيف أبدأ اللقاء !! … و من أين يبدأ الحديث وكيفيته .. هل يأخذ طابع اللقاء الصحفي ؟ أو شكل الحوار التلقائي ؟ لم يدم ترددي طويلا و قررت أن أترك لها مطلق الحرية في سرد روايتها وليس لي إلا الاستماع والإنصات

 :قالت

– مرحبا بك في إمبراطوريتنا … تفضل بالجلوس .. أخبرني المجلس العلميُّ بالبِلاط عن هذه الزيارة

ونظراً لارتباطي بزيارة رسمية إلى خارج روما لم أجد أمامي إلا هذا الوقت لاستعرض شيئا من قصتي مع هذه الإمبراطورية لعلمي بأنك ستذكرها في كتبك يوما

– أوغستا (جوليا دومنا ) ، أم القياصرة ، أم الجيوش ، أم الوطن ، أم مجلس الشيوخ … لا أجد الكلمات المناسبة لأتقدم إليكم بالشكر على هذا الاستقبال الرائع وعلى حسن الضيافة ، لم يكن بودي الإطالة عليكم كثيرا لعلمي بمدى مشاغلكم ، لذا استأذنكم في بدء هذه الحكاية من البداية

ليكن ذلك ، فما أجمل ذكرى تلك الأيام التي لا تنسى تحمل عبق الماضي الذي لم أنسه ولن أتناساه . ما زالت ربوع ( أميسا ) ( أسم حمص السورية القديم ) رائعة حيث ولدت هناك سنة 170 م ، في عائلة اشتهرت بخدمة إله حمص ( الأجابالاس ) ، كان أبي ( يوليوس باسيانوس ) كبيراً للكهنة في معبد تلك المدينة ، لذا نشأت في جو مفعم بالتدين في ظلال والدي الذي اعتني بي كثيراً ، كما اعتني بأختي ( جوليا ميسيا ) ، درستُ تراث الشرق القديم وتراث الإغريق سواءً بسواء ، وأطلعتُ على ثقافة الرومان ، وبالتالي فالكثير يعتبرني نموذجاً للمثقف الهيلنستي الذي جمع في شخصيته ثقافة الشرق والغرب على السواء

أشرق وجهها وتوقفت عن الكلام فجأة وكأنها كانت تستعيد ذكرى ما ، ثم أكملت : ما زلت أذكر تلك النبوءة التي أصبحت حقيقة وللمرة الثانية تتوقف عن الكلام .. وكأنها تنبهت إلى شيء ما غاب عنها

نعم لقد تذكرت ( سبتيموس سيفيروس ) الذي تزوجها سنة (187م ) ، كانت يومها أصغر منه بعشرين عاماً لكنه أقدم على الزواج بها بعد أن سُحِرَ بجمالها الآخاذ ، وشعر بميل عظيم إليها ولا سيما إنه بفراسته فيها توسّم المستقبل الباهر الذي يبلغه باقترانه بها ، تردد في بداية الأمر لصغر سنها، لكنه أقدم على إعلان رغبته وذلك إثر اجتماعه بعرافة سورية .. ماذا قالت له تلك العرافة ؟

:لم يطل صمت أوغستا (جوليا دومنا ) وأكملت لي الراوية

– كان ( سبتيم سيفير ) … هكذا نطقته مختصرا قائداً للقوات الرومانية في ولاية سوريا .. – التقى ذات يوم بعرافة .. قالت له عني : إن هذه فتاة ذات نجم عال ، وحظ حسن ، ومستقبل مشرق وسيقترن بها يوما ما رجل يتسنَّم عرش روما ، تلك النبوءة أصبحت دافعاً له ليصنع معي مسيرته في هذه الحياة فتقدم إلى طلبي من أبي ورأى أبي في القائد كفؤاً لي وأحس بميلي نحوه فلم يمتنع في تلبية طلبه

 معذرة أوغستا أم الوطن ، هل لي بمعرفة تفاصيل أكثر عن (الإمبراطور سبتيموس سيفيروس) ؟

 لو لم تسأل عنه لأخبرتك بنفسي .. هو أسطورة يجب أن تروى  – ولد ( سبتيم سيفير ) في ليبتس ( هي بلدة في طرابلس الغرب – ليبيا )  قريبة من قرطاجة ، وكانت مستعمرة فينيقية في أفريقيا . هل تعلم أنه الامبراطور الروماني الوحيد في التاريخ الذي قدم من تلك القارة ؟ .. لقد كانت اللاتينية بالنسبة له لغة أجنبية لكنه تعلَّمها منذ طفولته فهي لغة الإمبراطورية الرومانية وظل يتكلمها برطانة طيلة حياته ، كانت لغته (البونية) وهي لا تختلف كثيرا عن لغتي (الآرامية) .. كانت نشأته في أسرة فينيقية /كنعانية الأصل ، لكنه درس البلاغة والقانون والآداب والفلسفة في أثينا وفي روما ، ثم اشتغل بالمحاماة في روما ، وأصبح عام (173 م) عضواً في مجلس الشيوخ الروماني بدعم من الإمبراطور (ماركوس أوريليوس) وفي عام (179 م) عين قائداً للقوات الرومانية المرابطة في سوريا ، وكان بالرغم من لهجته السامية من أحسن الرومان تربية وأكثرهم علماً في زمانه ، وكان مولعاً بأن يجمع حوله الفلاسفة والشعراء ، بيد أنه لم يترك الفلسفة تعوقه عن الحروب ، ولم يدع الشعر يرقق من طباعه ، كان وسيم الطلعة ، قوي البنية ، بسيطاً في ملبسه ، قادراً عن مغالبة الصعاب ، بارعاً في الفنون العسكرية ، مقداماً لا يهاب الموت في القتال ، قاسي القلب لا يرحم إذا انتصر ، كان لبقاً فكهاً في الحديث ، نافذ البصيرة في قضائه ، قديراً صارماً في أحكامه

قلت في نفسي : هل بلغ حب (قيس) في قلب (ليلى ما بلغه حب (سيفيروس) في قلب (جوليا دومنا) ؟؟
للحقيقة فإن هذه الصفات قد أكدها بوضوح (ول ديورانت) في موسوعته (قصة الحضارة ) ، بعد هذا الوصف الرائع لزوجها … عادت (جوليا دومنا) لتكمل لنا ذكرياتها

ابتسم الحظ لنا ، حينما انتقل (سبتيم) ليكون قائداً عاماً للقوات الرومانية في (بانونيا) ، وفي ذلك الوقت قام الحرس الإمبراطوري (البريتوري) بقتل الإمبراطور (برتناكس) ، وأعلن الحرس أن التاج سيكون من نصيب الذي سوف يمنحهم أكبر عطاء ، و تقدم بعض القادة بعروضهم من العطاء للجنود ، إلا أن زوجي كان سخياً للغاية في عطائه إذ عرض عليهم أن يقدم لكل جندي مبلغ قدره (12000) دراخمة حين يجلس على العرش ، وخرق العرف الروماني ودخل في إبريل/نيسان 193م بقواته العسكرية روما ، رغم إنه لبس ثيابه المدنية ، حينذاك أعلن مجلس الشيوخ تسميته إمبراطوراً ، واضطر عندئذ لخوض المعارك ضد منافسيه (بسكينوس ينجر) قائد القوات الرومانية في سوريا و(البينوس) حاكم بريطانيا وانتصر عليهما

من الناحية المدنية قام زوجي بتعييني مساعدة له ، ورئيسة لديوانه وأعطاني لقب (أوغتسا) ، وشاركته في كل الأمور السياسية والحربية والاجتماعية وغيرها ، فكنت نعم العون له ، بعد توليه مقاليد الحكم قمنا معاً ببذل الجهود الكبيرة في سبيل الإصلاح وتحسين أوضاع الجيش والقضاة وإزالة مساوئ الفتن الأهلية ، ووجهنا العناية إلى الولايات فأقمنا فيها كثيراً من المنشآت والأبنية العامة والحمامات وسواها .. وجعلنا الخدمة العسكرية إجبارية على كل الولايات عدا أهل ايطاليا ، ثم قمنا بحلِّ الجيش البريتوري وأحدثنا حرساً جديداً أعضاءه من سائر الولايات بعد أن كان هذا الحرس إيطاليّاً فقط

معذرة أوغستا جوليا دومنا … هل لك أن تحديثني عن أعمال الإمبراطور سيفيروس العسكرية ؟

– لاحظت أن وجهها قد تغير وبانت عليه تعابير متباينة حاولت جاهدة أن تداريها ، فيها من الألم الشيء الكثير و فيها من الاعتزاز بزوجها ، فقد تذكرت وفاته الذي أفقدها الحصن الذي كانت تلوذ به وتعتمد عليه عند الشدائد ، لكنها بعد برهة صمت رفعت رأسها في شموخ واعتداد  قائلة
سيفيروس ذلك الجائع الذي كان لا يشبع من أكاليل الغار ، ثماني عشرة سنة وهو في حروب مستمرة وسريعة ، حاولت خلالها أن أهدئ منه لكنه كان كحصان جموح لا يهدأ حتى يبدأ ، ولا يبدأ حتى يستمر ، ولا يستمر حتى يزداد به الطموح …. زاد عدد الجيش ، ورفع رواتب الجند ، وقاتل منافسيه ، وقضى على الفتن ، وقاتل لاسترداد مناطق قديمة ، وضم مناطق جديدة للإمبراطورية ، وقضى على الفتن ، دك بيزنطية بعد حصار دام أربعة سنوات ، وغزا (بارثيا) و استولى على (طشقونة) وضم (بلاد النهرين) لهذه الإمبراطورية ، لقد أعاد لعرش روما مكانته ، وخلص الإمبراطورية من تركة فساد متراكم من استبداد (كاليغولا) وبلاهة (كلوديوس) وجنون (نيرون) وطغيان (أنطونيوس) ، تصور … رغم شيخوخته وكبر سنة وإصابته بداء النقرس إلا إن ذلك لم يقيده من تسجيل انتصارات وتسجيل أسمه في صفحات التاريخ ، وهو بهذه الحالة قد وصل إلى (كلدونيا) وانتصر على الاسكتلنديين في عدة وقائع ، ثم عاد إلى بريطانيا

صمتت قليلا ثم واصلت حديثها بنفس التدفق والانسيابية

وهناك عندما وصل إلى (يورك) سنة 211 م كان على موعد مع الموت … قال وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة : ” لقد نلت كل شيء ، ولكن ما نلته لا قيمة له ” ، وكانت آخر وصاياه الحفاظ على الأسرة الامبراطورية والعمل على استرضاء الجيش

ثم تنهدت تنهيدة خفيفة حاولت جاهدة مغالبة نفسها ألا تبرح أو تصرح بها ، لكنه ألم الفراق الذي لا يطاق وذكرى حبيب لم و لن يُنسى … أكملت حديثها قائلة

عدت مع ولديَّ الإمبراطور (كاراكلا) والإمبراطور (جيتا) من بريطانيا إلى روما … وأقمنا احتفال مهيب لدفن الإمبراطور وسط مظاهر التكريم والاحترام اللائقين به كإمبراطور عظيم ، وأعترف مجلس الشيوخ الروماني والشعب وجميع الولايات بولديَّ ، وتولى كلاهما الإمبراطورية بسلطة متكافئة ومستقلة بوصفهما ورثين في العرش الروماني ، لكن طبيعة كل منهما تختلف عن الآخر ولم يتفقا إلا على الخلاف فيما بينهما ، بذلت جهودا كبيرة ومضنية في التوفيق بينهما لكن الأمر كان مستحيلا ، ولا أعلم أي مستشار تفتقت في ذهنه فكرة لئيمة لم أكن أعلم بها ، هي تقسيم الإمبراطورية بينهما ، وبالفعل فقد صيغت معاهدة التقسيم بدقة بحيث يحتفظ (كاراكلا) بأوروبا ويتخذ من روما عاصمة له ، وأن تترك آسيا ومصر لأخيه (جيتا) الذي يمكن أن يتخذ من (انطاكية) أو (الإسكندرية) عاصمة له ، وهما لا تقلان عن روما ثروة وعظمة .. وعندما علمت بالأمر رفضت هذا المشروع رفضاً قاطعاً حرصاً مني على وحدة الإمبراطورية وإيمان مني بأن عظمة الرومان بوحدتهم وقلت لولديَّ :” أُفضل أن يقطَّع جسدي إربا إربا على تقسيم الإمبراطورية “، وهكذا كان و فشل ذلك المشروع

لم أرد أن أفتح جروحاً وآلاماً جديدة لما حدث بعد ذلك فمعلوماتي المتواضعة تشير إلى أمور من الصعوبة بمكان أن أتحدث فيها مع أوغستا ًجوليا دومنا وأجلت تناولها مؤقتا

:وحولت مجرى الحديث إلى موضوع آخر .. سألتها

– أوغستا جوليا دومنا أيتها الامبراطورة الموقرة ذكرتم خلال حديثكم ( المجلس العلمي ) .. ؟

لقد حولت هذا القصر الذي بني على هضبة (البلاتين) إلى ملتقى للعلماء والشعراء والفلاسفة والأطباء والمؤرخين ، حيث أنظم فيه حلقات العلم والمناقشة وأشرف بطبيعة الحال بنفسي على المناظرات والمحاضرات .. لقد أحضرت من سوريا (أميلوس بابنيان) أعظم فقهاء الرومان بل والعالم و(أولبيان) و(بولس) ، ويضم هذا المجلس أيضا الفيلسوف الحكيم (فيلوستراتيوس) ولقد أقنعته بكتابة سيرة (أبولونيوس) ، ومن الأطباء لدينا (جالينوس) وفي هذا المجلس من المؤرخين (ديوجينوس و لائرتيوس و ديوكاسيتوس ) .. إذا كان لديك وقت فإننا نسمح لك بالحضور إحدى الحلقات التي نقيمها هنا

كان بودي ذلك لكن أمامي طريق طويل ، ومن ضم مجلسكم هم في رأيي المتواضع الصفوة أو نخبة النخبة في هذا الزمان ، ولاشك إنهم محظوظون برعايتكم الكريمة لهم وبتشريفهم العمل معكم … أوغستا جوليا دومنا … هل تأذنين لي بالانصراف ؟

– تفضل … رافقتك السلامة أينما كنت .. ليرافقك ديوجينوس
ثم أشارت بيديها إلى ديوجينوس بأن يقترب منها وهمست في أذنه بكلمات لم أسمعها
: خرجت من بلاط الإمبراطورة ، وأثناء المشي في الردهة قال مرافقي ديوجينوس
– أتعلم … إن المجلس العلمي قد منح أوغستا (جوليا دومنا) لقب (فيلسوفة) ؟ ليس مجاملة لأنها إمبراطورة بل لأنها فعلا تستحق ذلك عن جدارة ، فلها في اجتماعات هذا المجلس باع طويل في المناقشات العلمية ربما أكثر من المختصين أنفسهم ، وجميع أعضاء المجلس يعجب لثقافتها العالية ولاطلاعها الشمولي الواسع في جميع المعارف ، فهي في هذا المجلس فاعلة حيث تطرح الإشكاليات وتشارك في المناقشات مشاركة عميقة جدية وآراؤها موضع احترام وتقدير العلماء والأدباء سواء أكانت أدبية أو فلسفية ، كما إنها تعطي الردود على كل ما يثيره الفلاسفة من موضوعات مختلفة ، والجميع يعرف إنها ترعي كل فن وتشجع كل نبوغ
:ثم أكمل بصوت منخفض
ألم تر إنها – حتى وهي بهذا السن – قد وُهبت كل مفاتن الجمال ، وجمعت بين روعة الخيال ورصانة العقل … مما يندر أن يوهب لبنات جنسها ؟

(ذكرت لي أوغستا أسماء بعض أعضاء مجلسكم العلمي الموقر لقد سمعت عن (أميلوس بابنيان

إنه أعظم فقيه في هذا العصر ، وعلى يديه تتلمذ جهابذة الفقه الروماني ، وإنه ولد في (أمسيا/حمص) ، وله (19) مؤلفا في المناقشات القانونية و(37) مؤلفا في المسائل القانونية ، لعل أشهرها ( الأسئلة) و(الأجوبة) و(الفتاوى) ، وعنه وعن كتبه أخذت (مدونة جوستنيان) القانونية
– قال بصوت منخفض : لقد لقبه الرومان ( أمير الفقهاء ) ، فالتراث العظيم الذي تركه لم يتركه أي فقيه روماني آخر ، هل تعلم إنه يمت بصلة قرابة إلى أوغستا (جوليا دومنا) التي استدعته سنة 198 إلى روما مع غيره من السوريين ليكون معنا في المجلس العلمي ؟
(هكذا إذن- وبدوره استدعى تلميذيه الفقيهين (بولس) و(أولبيان) من سوريا ليعملا معه في سبيل توطيد حكم الإمبراطور (سبتيم سيفير
كان لـ( بابنيان) حظوة كبيرة عند الإمبراطور (سبتيم سيفير) ، فمعلوماتي إنه استلم كثير من الوظائف العليا في الإمبراطورية ، كان حاكما قضائيا للرومان ، ورئيس مجلس الأحكام ، ورئيسا للوزراء ، وقائدا للحرس الإمبراطوري ، وبوصفه هذا كان القائد الأعلى ونائب الإمبراطور أثناء غياب الأخير خارج روما .. فهل استمرت حظوتة هذه عند الإمبراطور (كاراكلا) ؟
– وللمرة الثانية أجاب بصوت شبه مهموس : لا … فبعد موت ( الإمبراطور سبتيم سيفر) استولى
الإمبراطور (كاراكلا) على كل شيء ، (صمت قليلا ثم أضاف ) قتل أخاه ( جيتا ) ؟ ثم قتل (بابنيان ) ؟ …- (ديوجينوس) ماذا تقول ؟؟! هل قُتِلَ (جيتا ) ؟؟! هل قُتِلَ (بابيان) ؟؟
– تلك هي قصة طويلة .. ألم تَرَ يدَ أوغستا الجريحة ؟؟
– نعم لاحظت ذلك ما الخبر ؟؟!
– نحن الآن في سنة 212 م و قبل شهر تقريبا ، كان هناك حادثا فظيعا لا أعرف هل يمكنني أن أعطيه حقه من الوصف .. كان الإمبراطور (جيتا) عند أوغستا (جوليا دومنا) والدته في قصرها يحدثها عن أخيه وكيف استولى على كل شيء ضاربا بعرض الحائط وصية والده بالحفاظ على الأسرة الإمبراطورية ، فجأة داهم الجند المكان وانهالوا بسيوفهم على (جيتا) المسكين ، حاولت الأم أمام هذه الصدمة المروعة أن تدافع عن ابنها ، وكانت أوغستا عزلاء من السلاح ، فراحت تتقي السيوف بيديها العاريتين ، وأين منها اتقاء تلك السيوف التي راحت تقطع بعض أصابع يدها وهي تنهال على جسد ابنها حتى قتلته وقد خضب أثوابها بدمه
وبعد ؟؟
– لم تستطع أوغستا (جوليا دومنا) أن تبكيه خوفا من الإمبراطور (كاراكلا ) ..- لكنها .. أمه ؟
– ولكنه كرسي السلطة يا سيدي الذي لا يسع إلا واحدا (صمت قليلا ، ثم أكمل ) لم يكتف (الإمبراطور كاراكلا) بذلك ، فقد قتل كل من له علاقة بأخيه أو كل من يحمل له وداً ، لقد قتل أكثر من عشرين ألفا من الرجال والنساء .. كان الشعب يميل إلى الإمبراطور(جيتا) وكان من نتائج قتله وقتل كل هؤلاء البشر أن أصبح الإمبراطور (كاراكلا ) مكروها من الشعب ، لقد طلب من الفيلسوف (سنيكا) أن يعد رسالة تسوغ هذا القتل موجهة للسانتو ( مجلس الشيوخ) ففعل ، ثم أمر (بابنيان) أن يفرغ كل ما أوتي من مهارة وفصاحة في سبيل تلمس الأعذار لهذه الفعلة ، ولكن المفاجاة التي لم يكن ( الإمبراطور كاراكلا ) أن يتوقعها هي رفض رجل العدالة هذا الأمر وقال في إباء وشجاعة مؤثرا فقدان حياته على ضياع شرفه : ” إن قتل الأشقاء أهون من تسويغ هذا القتل ” ، وبعد إلحاح الإمبراطور قال (بابنيان) : ” إن تسويغ قتل النفس ليس أسهل من اقتراف القتل ” ، وقال ردا على الإمبراطور حينما حاول أن يجعل عمله دفاعا عن النفس : ” إن اتهام قتيل برئ بالقتل قتل له ثان ” ، وكان هذا الجواب المشهور سبب ضياع حياته ، فما كان من الإمبراطور إلا أن يأمر الجنود المحيطين به بقتله ، فتقدم أحدهم ببلطة ، فما كان من (بابنيان) إلا أن انتهره لاستخدامه البلطة بدلا من السيف، وهكذا قتل دفاعا عن الحق وإظهار العدالة … لقد أطلق عليه الشعب على الإمبراطور (قاتل أخيه وبابنيان ) بعد إن كان يطلق عليه قاتل أخيه
– وماذا فعلت أوغستا (جوليا دومنا) ؟
– يا لهذه الإمبراطورة الرائعة ، القوية الشكيمة ، صلبة الإرادة ، إذ لم تقف مكتوفة اليدين ، بل تدخلت في الحكم محاولة الحد من تصرفات ابنها القاسية وتقويم قراراته المرتجلة ، وكانت دائمة النصح له ، وكل همها أن تبطئ من اندفاعه وتقلل من أخطائه ما أمكنها ذلك ، كانت تقوّمُ من قراراته المرتجلة

ثم استولت على الإمبراطور (كاراكلا) فكرة غزو الشرق تشبها بـ(الإسكندر المقدوني) فانتقل إلى انطاكية ليقوم بمهاجمة (بارثيا) ، وعهد إلى والدته أوغستا (جوليا دومنا) تصريف شؤون الحكم المدني واعتبرها أمينة سره ورئيسة ديوانه ، تستلم الرسائل وتجيب عليها ، لذا فهي تحل محله في استقبال رجال الدولة والأجانب
في طريقي شاهدت للإمبراطورة (جوليا دومنا ) تماثيل كثيرة ومعابد عديدة في روما
– أثناء وداعي لـ(ديوجينوس) مد يديه بكيس من المال وقال لي : إنه هدية أوغستا (جوليا دومنا) لك لتستعين به في سفرك ، فتحت الكيس ، وجدت فيه دراخمة (دينانير رومانية) نقش عليها صورة أوغستا (جوليا دومنا) ، أخذت قطعتين للذكرى

ورددت الكيس إلى الصديق (ديوجينوس) قائلا : اعتبره هدية مني لك فحيث أنا ذاهب لا تستخدم هذه العملة … أبلغ خالص تحياتي إلى الإمبراطورة (جوليا دومنا ) أم الوطن

تذكر لنا كتب التاريخ إنه بعد هذا اللقاء بعدة سنوات وفي يوم من أيام عام 217 م استولى حب الغنائم على تفكير الجند استيلاء خطيرا فأصبح كل همهم وأضحى الإمبراطور (كاراكلا) شيئا مكروهاً بالنسبة لهم ، فأقدموا على قتله في كاري التي هزم فيها (لكراسوس) وهو في قمة مجده واستولى قائد الحرس الإمبراطوري (ماكرينوس) على السلطة، ولم يدخر وقتا في التخلص من (جوليا دومنا) ، إذ قام بنفيها إلى انطاكية

وتحدثنا كتب التاريخ أيضا أن (جوليا دومنا) هذه الامبراطورة الصلبة في مواجهة الصعوبات ومشاكل الحكم لم تحتمل موت زوجها وابنيها وفقدانها مركزها والعودة مرة أخرى إلى حظيرة النسيان وعدم الاهتمام ، فتوقفت عن الطعام حتى ماتت جوعا ، ودفنت إثر موتها في (انطاكية) (حسب إحدى الروايات بينما تذهب رواية أخرى إن جثمانها حُمل إلى روما ودفن في مقابر الأباطرة الرومان ، وهذا دليل على ما كانت تحظى به من احترام ومحبة في قلوب الرومان

وأجلس أمام كتب التاريخ كتلميذ مجتهد لأُتابع أحداث الماضي القديم والسؤال الذي يتصاعد بعنف : هل انتهي الموضوع عند هذا الحد وكان مصيرها كمصير (زنوبيا) و انتهت الرواية بمقتل البطل ؟
ماذا حدث بعد ذلك بعد (انتحار) (جوليا دومنا) ؟

ويستمر التاريخ في سرده لقصة هذه الأسرة

بعد موت (كاراكلا) قتلاً وموت أمه (جوليا دومنا) انتحاراً ، حصلت في روما اضطرابات تزعزع النفوذ السوري على أثرها إلا أن الفرقة الثالثة المؤلفة من الجنود السوريين المرابطة قرب مصياف وبتأثير من (جوليا ميسيا) قامت بالهجوم على (ماكرينوس) الذي أخفق في الاحتفاظ بمركزه ، وانهزم أمام قواتها . واستردت بذلك النفوذ السوري مرة أخرى على روما
قامت (جوليا ميسيا ) بتعيين حفيدها (فاريوس أفيتوس) على العرش في سنة (218م) وسمي الإمبراطور(الأجابالوس ) وكان عمره حينذاك (14) عاما وكانت أمه تدعى (جوليا سوايماس) أو (جوليا سوميا) أسمها الكنعاني : سهيمه) ، وخلال هذه الفترة تم نقل رفات (جوليا دومنا) ورفات ابنها (جيتا) إلى مدافن (الأنطونيين) ، كان (فاريوس أفيتوس) كاهنا لإله حمص قبل أن يصبح إمبراطورا فنقله معه إلى روما ، وفرضه هناك بالقوة ، ولقد أثار هذا التحول العقائدي المتعصبين من القادة الرومان ، فتآمروا على الإمبراطور وأمه وكثيرٍ من رجال الحاشية السورية ، فقتلوهم وألقوا بجثثهم في نهر التيبر سنة (222م) ، وهدموا المعبدين وأعادوا (الحجر الأسود) إلى سوريا

عند ذلك قامت (جوليا ميسيا) بتقديم ابن ابنتها الثانية التي تدعى (جوليا ماميا) إمبراطورا وأعطى لقب (اسكندر سفيروس) ، في عام (233م) احتفل الإمبراطور في روما بانتصاره على الفرس بعد أن استرد منهم بلاد ما بين النهرين ، وكان هذا الإمبراطور محبوبا من شعبه ، فقد أيد الديموقراطية وأعاد الاحترام إلى مجلس الشيوخ ، وجعل الأمر شورى معتمداً على مجلس المستشارين (وعددهم 16 مستشارا) ولعل اعتماده على القانون والعدل وتركيزه على ممارسة الديموقراطية لم يكن يرضي بعض الفئات التي تعيش على المنح والمزايا ، فاقتحم جنود (بيوليوس مكسمينس) قائد فيالق (بانونيا) سنة (235م) خيمة الإمبراطور (اسكندر سيفيروس) وقتلوه هو وأمه وأصدقاءه ، وكان في ذلك الوقت يواجه هجوم القبائل الجرمانية في بلاد الغال
وبموته انتهت حكم أسرة (جوليا دومنا) في روما
:أولئك الذين وصفهم أحد المؤرخين بقوله رائع
” إن نهر العاصي (سوريا) يصب في نهر التيبر (ايطاليا) “

كلمة أخيرة

لقد حققت (جوليا دومنا) أحلام (سميراميس) و(كليوباترا) معا .. وفاقت فيما حققته ما حاولت (زنوبيا) أن تقوم به . وما قامت به (حتشبسوت) وفاقت بشهرتها وجمالها وثقافتها ما نسب إلى (نفرتيتي) فكانت كل هؤلاء معا ، ولذلك اشتهرت في التاريخ ، رغم ذلك فإنها تكاد تكون مجهولة في وطنها الأم

ولم تكن (جوليا دومنا) أول امرأة سورية تعتلي عرش امبراطورية روما ، فقد سبقتها الإمبراطورة (باولينا) والدة الإمبراطور (هارديان) والإمبراطورة (سابينا) زوجته ، وهي ابنة الإمبراطور (تراجان) ، وأتى بعد (جوليا) وسلالة (سبتموس سيفروس) و(كاراكلا) الأمير (فيليب) العربي الشهير المولود في (شهباء) شمال بصرى الشام من منطقة حوران ليحكم الإمبراطورية من عام (244 م) إلى (249 م) ، وأثبتت الدراسات الحديثة أن (فيليب) العربي كان أول الأباطرة المسيحيين ، أي أول حاكم في التاريخ اختار المسيحية دينا ، وذلك قبل أن يعترف قسطنطين الكبير بالمسيحية سنة (313 م) ، ويعد (فيليب) العربي من أبرز سبعة أباطرة سوريين تولوا عرش الإمبراطورية الرومانية