الأطباء السريان في العصر العباسي – ١

Posted by on Sep 25, 2019 in Library, الاطباء السريان في العصر العباسي - ابن ابي اصيبعة | Comments Off on الأطباء السريان في العصر العباسي – ١

– 1 –

جورجيوس بن جبرائيل – بختيشوع بن جورجوس – بن بختيشوع بن جورجوس  – بختيشوع بن جبرائيل بن بختيشوع – عبيدالله بن جبرائيل – خضيب – عيسى المعروف بأبي قريش

ولنبتدئ أولاً بذكر جورجس وابنه بختيشوع ، والمتميزين من أولاده على تواليهم . ثم أذكر بعد ذلك ما يليقُ ذِكرُه من الأطباء الذين كانوا في ذلك الوقت

جورجيوس بن جبرائيل 

كانت له خبرة بصناعة الطب ، ومعرفة بالمداواة وأنواع العلاج ، وخدم بصناعة الطب المنصور، وكان حظياً عنده رفيع المنزلة ، ونال من جهته أموالاً جزيلة . وقد نقل للمنصور كتباً كثيرة من كتب اليونانيين إلى العربي

قال فثيون الترجمان : “أنّ أول ما استدعى أبو جعفر المنصور لجورجس ، هو أن المنصور في سنة مائة وثمان وأربعين سنة للهجرة مرض وفسدت معدته ، وانقطعت شهوته . وكلما عالجه الأطباء ازداد مرضه ، فتقدم إلى الربيع بان يجمع الأطباء لمشاورتهم . فجمعهم فقال لهم المنصور: “من تعرفون من الأطباء في سائر المدن طبيبا ماهراً ؟ فقالوا: ليس في وقتنا هذا أحد يشبه جورجس رئيس أطباء جندي سابور ، فإنه ماهر في الطب ، وله مصنفات جليلة

فأنفذ المنصور في الوقت من يحضره . فلما وصل الرسول إلى عامل البلد ، أحضر جورجس وخاطبه بالخروج معه : فقال له : “عليَّ ههنا أسباب ولا بد أن تصبر عليَّ أياماً حتى أخـرج معك” ، فقال له : “إنَّ أنت خرجت معي في غد طوعاً ، وإلاّ أخرجتك كرهاً” ، وامتنع عليه جورجس فأمر باعتقاله ، ولما اجتمع رؤساء المدينة مع المطران فأشاروا على جورجس بالخروج ، فخرج بعد أن أوصي ابنه بختيشوع بأمر البيمارستان وأموره التي تتعلق به هناك . وأخذ معه إبراهيم تلميذه وسرجس تلميذه ، فقال له ابنه بختيشوع : “لا تَدْع ههنا عيسى بن شهلا ، فانه يؤذي أهل البيمارستان ” . فترك سرجس ، واخذ عيسى معه عوضا عنه، وخرج إلى مدينة السلام . ولمّا ودَّعه بختيشوع ابنه قال له : لم لا تأخذني معك؟ فقال : لا تعجل يا بني . فانك ستخدم الملوك وتبلغ من الأحوال اجلَّها

ولما وصل جورجس إلى الحضرة أمر المنصور بإيصاله إليه . ولما وصل دعا إليه بالفارسية والعربية، فتعجب الخليفة من حسن منظره ومنطقه ، فأجلسه قـدَّامه وسأله عن أشياء فأجابه عنها بسكون فقال له : “قد ظفرت منك بما كنت أحبه واشتاقه ” ، وحدثه بعلته وكيف كان ابتداؤها . فقال له جورجس : أنا أدبرك كما تحب “. فأمر الخليفة له في الوقت بخلعة جليلة ، وقال للربيع : “أنزله في منزل جليل من دورنا ، وأكرمه كما تكرم أخص الأهل”. ولما كان من غد إليه ، ونظر إلى نبضه، والى قارورة الماء ، ووافقه على تخفيف الغذاء، ودبَّـره تدبيراً لطيفاً حتى رجِع إلى مزاجه الأول . وفرِح به الخليفة فرحاً شديداً، وأمر أن يُجاب إلى كل ما يسأل

ولمَّا كان بعد أيام قال الخليفة للربيع : “أرى هذا الرجل قد تغير وجهه ، لا يكون قد منعته مما يشربه على عادته ؟”. قال له الربيع : “لم نأذن له أن يدخل إلى هذه الدار مشروبا” ، فأجابه بقبيح وقال له : لا بد أن تمضي بنفسك حتى تحضره من المشروب كل ما يريده ” فمضى الربيع إلى قطربل ، وحمل منها إلى غاية ما أمكنه من الشراب الجيد . ولمَّا كان بعد سنتين قال الخليفة لجورجس: “أرسل من يحضر ابنك إلينا فقد بلغني انه مثلك في الطب”. فقال له جورجس : “جندي سابور إليه محتاجة . وان فارقها انفسد أمر البيمارستان . وكان أهل المدينة إذا مرضوا ساروا إليه . وههنا معي تلامذة قد ربيتهم وخرَّجتهم في الصناعة ، حتى أنهم مثلي” . فأمر الخليفة بإحضارهم في غد ذلك اليوم ليختبرهم . فلمَّا كان من غدٍ أخذ معه عيسى بن شهلا وأوصله إليه. فسأله الخليفة عن أشياء وجده فيها حادَّ المزاج حاذقـاً بالصناعة . فقال الخليفة لجورجس : “ما أحسن ما وصفت هذا التلميذ وعلمته

قال فثيون : ولمّا كان في سنة إحدى وخمسين ومائة دخل جورجس إلى الخليفة في يوم الميلاد فقال له الخليفة : “أي شيء آكل اليوم ؟ فقال له : ما تريد . وخرج من بين يديه ، فلما بلغ الباب رده، وقال له : “من يخدمك ههنا ؟ فقال له : تلامذتي . فقال له : سمعت انه ليست لك امرأة. فقال له: لي زوجة كبيرة ضعيفة ولا تقدر تنتقل إليَّ من موضعها”. وخرج من حضرته ومضى إلى البيعة فأمر الخليفة خادمه سالماً أن يختار من الجواري الروميّات الحسان ثلاثاً ويحملّهنَّ إلى جورجس مع ثلاثة آلاف دينار ففعل ذلك . ولمَّا انصرف جورجس إلى منزله ، عرَّفه عيسى بن شهلا بما جرى ، وأراه الجواري ، فأنكر أمورهنَّ وقال لعيسى تلميذه : “يا تلميذ الشيطان! لِمَ أدخلت هؤلاء منزلي ؟ أمضِ ردهنَّ إلى صاحبهنَّ ، ثم ركب جورجس وعيسى ومعه الجواري إلى دار الخليفة ، وردَّهنَّ على الخادم . فلمَّا أتصل الخبر بالمنصور أحضره وقـال له :لم رددت الجواري ؟ قال له : هؤلاء  لا يكونون معي في بيت واحد لأنَّا نحن معشر النصارى لا نتزوج بأكثر من امرأة واحدة . وما دامت المرأة في الحياة لا نأخذ غيرها . فحَسن موقعه من الخليفة ، وأمر في وقته أن يدخل جورجس إلى حظاياه وحرمه ويخدمهن . وزاد موضعه في عينه وعظم محله

قال فثيون : ولما كان في سنة مائة واثنتين وخمسين سنة ، مرض جورجس مرضاً صعباً . وكان الخليفة يرسل إليه في كل يوم الخَدم حتى يعرف خبره . ولمَّا اشتد مرض جورجس ، أمر به الخليفة فحُمل على سرير إلى دار العامة ، وخرج إليه الخليفة ماشياً وراءه وسأله عن خبره . فبكى جورجس بكاءً شديداً وقال له : “إن رأى أمير المؤمنين ، أطال اللـه بقاءه ، أن يأذن لي في المصير إلى بلدي لأنظر إلى أهلي وولدي ، وإن متُّ قُبِرْتُ مع آبائي” . فقال الخليفة : “يا جورجس اتَّقِ اللـه وأَسلِمْ، وأنا أضمن لك الجنة” . قال جورجس : “أنا على دين آبائي أموت، وحيث يكون آبائي أحب أن أكون . إمَّا في الجنة أو في جهنم” . فضحك الخليفة من قوله وقال له : “وجدتُ راحةً عظيمةً في جسمي منذ رأيتك وإلى هذه الغـاية . وقد تخلصت من الأمراض التي كانت تلحقني” . قال له جورجس : “إنّي أخلف بين يديك عيسى وهو تربيتي” . فأمر الخليفة أن يخرج جورجس إلى بلده ، وان يدفع إليه عشرة آلاف دينار . وأنفذ معه خادماً وقال : “إن مات في طريقه فاحمله إلى منزله ليُدفن هناك كما آثر.” فوصل إلى بلده حياً

وحصل عيسى بن شـهلا في الخدمة ، وبسط يده على المطارنة والأساقفة ، يأخذ أموالهم لنفسه ، حتى أنه كتب إلى مطران نصيبين كتاباً يلتمس منه فيه من آلات البيعة أشياء جليلة المقدار ، ويتهدده متى أخّرها عنه . وقال في كتابه إلى المطران : “ألست تعلم أن أمر الملك بيدي! إن شئت أمرضته وان شئت عافيته”. فعندما وقف المطران على الكتاب احتال في التوصل ، حتى وافى الربيع وشرح له صورته، وأقرأه الكتاب . فأوصله الربيع إلى الخليفة حتى عرف شرح ما جرى . فأمر بنَفي عيسى بن شهلا بعد أن أخذ منه جميع ما ملكه . ثم قال الخليفة للربيع : “سلْ عن جورجس ، فان كان حياً فأنفذْ من يحضره، وإن كان قد مات فاحضر ابنه” . فكتب الربيع إلى العامل بجندي سابور في ذلك ، واتفق أنَّ جورجس سقط في تلك الأيام من السطح وضعف ضعفاً فلمَّا خـاطبه أمير البلد قال له : “أنا أنفذْ إلى الخليفة طبيباً ماهراً يخدمه إلى أن أصلح وأتوجه إليه” . وأحضر إبراهيم تلميذه ، وأنفذه إلى الأمير مع كتاب شرح فيه حال جورجس إلى الربيع . فلمَّا وصل  إلى الربيع أوصله إلى الخليفة، وخاطبه الخليفة في أشياء فوجده فيها حادّ المزاج جيد الجواب ، فقربه وأكرمه وخلع عليه ، ووهب له مالاً واستخلصه لخدمته ولم يزل في الخدمة إلى أن مات المنصور

ولجورجس من الكتب كنّاشه المشهور، ونقله حنين بن اسحق من السرياني إلى العربي

بختيشوع بن جورجس 

ومعنى بختيشوع عبد المسيح ، لأن في اللغة السريانية البخت العبد ، ويشوع عيسى عليه السلام . وكان بختيشوع يلحق بأبيه في معرفته بصناعة الطب ومزاولته لأعمالها ، وخدم هرون الرشيد وتميَّز في أيامه

قال فثيون الترجمان : لمّا مرض موسى الهادي أرسل إلى جندي سابور من يحضر له بختيشوع فمات قبل قدوم بختيشوع ، وكان من خبره أنه جمع الأطباء ، وهم أبو قريش عيسى، عبد الله الطيفوري وداؤد بن سرابيون وقال لهم : أنتم تأخذون أموالي وجوائزي وفي وقت الشـدَّة تتقاعدون بي . فقال له أبو قريش : علينا الاجتهاد واللـه يهب السلامة . فأغتاظ من هذا فقال له الربيع : قد وصف لنا أن بنهر صرصر طبيباً ماهراً يقال لـه عبد يشوع بن نصر فأمر بإحضاره وبأن تُضرب أعناق الأطباء . فلم يفعل الربيع هذا لعلمه باختلال عقله من شدَّة المرض ولأنه كان آمناّ منه . ووجَّه إلى صرصر حتى أحضر الرجل ، ولما دخل على موسى قال له : رأيت القارورة ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، وها أنا أصنع لك دواء تأخذه ، وإذا كان علي تسع ساعات تبرأ وتتخلص وخرج من عنده ، وقال للأطباء : لا تشغلوا قلوبكم فإنكم في هذا اليوم تنصرفون إلى بيوتكم . وكان الهادي قد أمر بأن يُدفع إليه عشرة آلاف درهم ليبتاع له بها الدواء، فأخذها ووجّه بها إلى بيته ، وأحضر أدوية وجمع الأطباء بالقرب من موضع الخليفة وقال لهم : دقّوا حتى يسمع وتسكنُ نفسه ، فإنكم في آخر النهار تتخلصون “. وكان كلَّ ساعة يدعو به ويسأله عن الدواء فيقول له ” هو ذا تسمع صوت الدق” فيسكت . ولما كان بعد تسع ساعات مات وتخلص الأطباء ، وهذا في سنة سبعين ومائة

قال فثيون : ولما كان في سنة إحدى وسبعين ومائة ، مرض هارون الرشيد من صداع لحقه، فقال ليحيى بن خالد : هؤلاء الأطباء ليس يحسنون شيئا ” فقـال له يحيى : يا أمير المؤمنين ، أبو قريش طبيب ولدك ووالدتك .” فقال : “ليس هو بصيراً بالطب ، وإنما كرامتي له لقديم حرمته . فينبغي أن تطلب لي طبيباً ماهرا”. فقال له يحيى بن خالد : “أنَّه لمَّا مرض أخوك موسى ، أرسل والدك إلى جندي سابور حتى أحضر رجلاً يعرف ببختيشوع ” . قال له : فكيف تركه يمضي ؟ فقال: “لمّا رأى عيسى أبا قريش ، ووالدتك يحسدانه أذن له في الانصراف إلى بلده” فقال له : “أرسل بالبريد حتى يحملوه إن كان حيا”

ولمّا كان بعد مدة مديدة وافى بختيشوع الكبير ابن جورجس ، ووصل إلى هارون الرشيد ودعا له بالعربية وبالفارسية. فضحك الخليفة ، وقال ليحيى بن خالد : “أنت منطقي فتكلم معه حتى أسمع كلامه” . فقال له يحيى : بل ندعو بالأطباء ” ، فدعى بهم ، وهم أبو قريش عيسى ، وعبد الله الطيفوري ، وداود بن سرابيون ، وسرجس . فلمّا رأوا بختيشوع قال أبو قريش : “يا أمير المؤمنين ليس في الجماعة من يقدر على الكلام مع هذا ، لأنه كون الكلام هو وأبوه ، وجنسه فلاسفة ” فقال الرشيد لبعض الخدم : أحضره ماء دابّةٍ حتى نجربه” فمضى الخادم وأحضره قارورة الماء . فلمّا رآه قال: “يا أمير المؤمنين ليس هذا بول إنسان”. قال له أبو قريش: كذبت هذا ماء حظية الخليفة”. فقال له بختيشوع: “لك أقول أيها الشيخ الكريم لم يبل هذا إنسان البتة . وان كان الأمر على ما قلت فلعلّها صارت بهيمة”. فقال له الخليفة : من أين علمت انه ليس ببول إنسان ؟ قال له بختيشوع : لأنه ليس له قوام بول الناس ، ولا لونه ولا ريحه . قال له الخليفة : بين يديّ من قرأت ؟ قال له : “قدّام أبى جورجس قرأت . قال له الأطباء : أبوه كان اسمه جورجس ، ولم يكن مثله في زمانه ، وكان يكرمه أبو جعفر المنصور إكراماً شديداً ، ثم التفت الخليفة إلى بختيشوع فقال له: “ما ترى أن نُطعم صاحب هذا الماء ؟ فقال : شعيراً جيداً . فضحك الرشيد ضحكاً شديداً ، وأمر فخلع عليه خلعة حسنة جليلة ، ووهب له مالاً وافراً . وقال : بختيشوع يكون رئيس الأطباء كلهم ، وله يسمعون ويطيعون

ولبختيشوع بن جورجس من الكتب : كناش مختصر . كتاب التذكرة الَّفه لإبنه جبرائيل

جبرائيل بن بختيشوع بن جورجس

كان مشهوراً بالفضل جيد التصرف في المداواة . عالي الهمة ، سعيد الجد ، حظياً عند الخلفاء، رفيع المنزلة عندهم ، كثيري الإحسان إليه . وحصل من جهتهم من الأموال ، ما لم يحصله غيره من الأطباء

قال فثيون الترجمان : لما كان في سنة خمس وسبعين ومائة ، مرض جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك ، فتقدم الرشيد إلى بختيشوع أن يتولى خدمته ومعالجته . ولما كان في بعض الأيام قال له جعفر: “أريد أن تختار ليَّ طبيباً ماهراً أكرمه واحسن إليه”. قال له بختيشوع : “ابني جبرائيل أمهر مني، وليس في الأطباء من يشاكله” . فقال له: أحضرنه . ولما أحضره عالجه في مدة ثلاثة أيام وبرأ ، فأحبه جعفر مثل نفسه . وكان لا يصبر عنه ساعة ، ومعه يأكل ويشرب . وفي تلك الأيام تمطت حظية الرشيد ورفعت يدها فبقيت منبسطة لا يمكنها ردها. والأطباء يعالجونها بالتمريخ والادهان ، ولا ينفع ذلك شيئا.

فقال الرشيد لجعفر بن يحيى : “قد بقيت هذه الصبية بعلّتها . قال له جعفر : لي طبيب ماهر ، وهو ابن بختيشوع ، ندعوه ونخاطبه في معنى هذا المرض ، فلعل عنده حيلة في علاجه فأمر بإحضاره ، ولما حضر قال له الرشيد : “ما اسمك ؟ قال : “جبرائيل” . قال له : أي شيء تعرف من الطب ؟ فقال: أبرد الحار ، وأسخن البارد ، وأرطب اليابس ، وأيبس الرطب الخارج عن الطبع . فضحك الخليفة وقال : “هذا ؛ غاية ما يحتاج إليه في صناعة الطب. ثم شرح له حال الصبية ، فقال له جبرائيل : “أن لم يسخط علي أمير المؤمنين فلها عندي حيلة”. فقال له: وما هي ؟ قال: تخرج الجارية إلى ههنا بحضرة الجمع حتى اعمل ما أريده ، وتمهل علي ولا تعجل بالسخط ” فأمر الرشيد بإحضار الجارية فخرجت . وحين رآها جبرائيل عدا إليها ونكس رأسه ومسك ذيلها كأنه يريد أن يكشفها ، فانزعجت الجارية ومن شدَّ ة الحياء والإنزعاج استرسلت أعضاؤها ، وبسطت يديها إلى أسفل ، ومسكت ذيلها . فقال جبرائيل : “قد برئت يا أمير المؤمنين” . فقال الرشيد للجارية ابسطي يديك يمنة ويسرة ففعلت ذلك ، وعجب الرشيد وكلَّ  من كان بين يديه . وأمر الرشيد في الوقت لجبرائيل بخمسمائة ألف درهم ، وأحبه مثل نفسه ، وجعله رئيساً على جميع الأطباء . ولمّا سُئِلَ جبرائيل عن سبب العلَّة، قال هذه الجارية انصب إلى أعضائها وقت المجامعة خلط رقيق بالحركة وانتشار الحرارة ، ولأجل أن سكون حركة الجماع تكون بغتة جمدت الفضلة في بطون جميع الأعصاب ، وما كان يحلُّها إلاَّ  حركةً مثلها . فاحتلْتُ حتى انبسطت حرارتها وانحلَّت الفضلة

قال فثيون: وكان محل جبرائيل يقوى في كل وقت ، حتى أنَّ  الرشيد قال لأصحابه : “كلَّ  من كانت له إليَّ  حاجة فليخاطب بها جبرائيل ، لأني أفعل كلَّ  ما يسألني فيه ويطلبه مني” . فكان القواد يقصدونه في كلِّ أمورهم ، وحاله تتزايد . ومنذ يوم خَدَمَ الرشيد وإلى أن انقضت خمس عشرة سنة لم يمرض الرشيد فحظي عنده . وفي آخر أيام الرشـيد ، عند حصوله بطوس، مرض المرضة التي توفي فيها . ولما قوي عليه المرض قال لجبرائيل : لم لا تبرئني ؟ فقال له : قد كنت أنهاك دائما عن التخليط ، وأقول لك قديماً أن تخفّف من الجماع فلا تسمع مني . والآن ، سـألتك أن ترجع إلى بلدك ، فإنه أرفق لمزاجك فلم تقبل ! وهذا مرض  شديد ، وأرجو أن يمنُّ اللـه بعافيتك “. فأمر بحبسه

وقيل له أنَّ  بفارس أسقفاً يفهم الطب ، فوجّه من يحضره إليه ، ولمَّا حضره ورآه قال له : الـذي عالجك لم يكن يفهم الطب . ” فزاد ذلك إبعاد جبرائيل

وكان الفضل بن الربيع يحب جبرائيل ، ورأى أنَّ  الأسقف كذّاب يريد إقامة السوق ، فأحسَن فيما بينه وبين جبرائيل . وكان الأسقف يعالج الرشـيد ومرضه يزيد ، وهو يقول له أنت قريب من الصحة . ثم قال له : “هذا المرض كلَّه من خطأ جبرائيل ” .  فتقدم الرشيد بقتله، فلم يقبل منه الفضل بن الربيع ، لأنه كان يئس من حياته ، فاستبقى جبرائيل . ولما كان بعد أيام يسيرة مات الرشيد ، ولحق الفضل بن الربيع في تلك الأيام قولنج صعب أيس الأطباء منه ، فعالجه جبرائيل بألطف علاج وأحسنه ، فبرأ الفضل وازدادت محبته له وعجبه به

قال فثيون : ولما تولى محمد الأمين، وافى إليه جبرائيل ، فقبله أحسن قبول وأكرمه . ووهب له أموالاً جليلة أكثر مما كان أبوه يهب له . وكان الأمين لا يـأكل ولا يشرب إلاَّ  بأذنه ، فلمّا كان من الأمين ما كان ، وملك الأمر المأمون، كتب إلى الحسن بن سهل وهو يخلفه بالحضرة بأن يقبض على جبرائيل ويحبسه ، لأنه ترك قصره بعد موت أبيه الرشيد ومضى إلى أخيه الأمين . ففعل الحسن بن سهل هذا . ولما كان في سنة اثنتين ومائتين مرض الحسن بن سهل مرضاً شديداً ، وعالجه الأطباء فلم ينتفع بذلك ، فأخرج جبرائيل من الحبس حتى عالجه وبرأ في أيام يسيرة فوهب له سراً مالاً وافراً . وكتب إلى المأمون يعرّفه خبر علته ، وكيف برأ على يد جبرائيل ، ويسأله في أمره . فأجابه بالصفح عنه

قال فثيون : ولمَّا دخل المأمون الحضرة في سنة خمس ومائتين أمـر بأن يجلس جبرائيل في منزله ولا يخدم ، ووجه من أحضر ميخائيل المتطبب ، وهو صهر جبرائيل ، وجعله مكانه وأكرمه إكراماً وافراً كياداً لجبرائيل

قال: ولمَّا كان في سنة عشر ومائتين مرض المأمون مرضا صعبا ، وكان وجوه الأطباء يعالجونه ولا يصلح ، فقال لميخائيل : “الأدوية التي تعطيني تزيدني شرا ، فاجمع الأطباء وشاورهم في أمري . ” فقال له أخوه أبو عيسى : يا أمير المؤمنين نحضر جبرائيل فانه يعرف مزاجانا منذ الصبا” فتغافل عن كلامه . وأحضر أبو اسحق أخوه ، يوحنا بن ماسويه فثلبه ميخائيل طبيبه ووقع فيه وطعن عليه . فلمَّا ضعفت قوة المأمون عن أخذ الأدوية أذكروه بجبرائيل فأمر بإحضاره . ولما حضر غير تدبيره كلَّه ، فاستقل بعد يوم ، وبعد ثلاثة أيام صلح . فسرَّ  به المأمون سروراً عظيماً، ولمَّا كان بعد أيام يسيرة صلح صلاحاً تاماً ، وأذن له جبرائيل في الأكل والشرب ففعل ذلك

وقال له أبو عيسى أخـوه وهو جالس معه على الشرب : “مثل هذا الرجل الذي لم يكن مثله ولا يكون سبيله أن يكرَّ م . فأمر له المأمون بألف ألف درهم ، وبألف كر حنطة ، وردَّ عليه سائر ما قبض منه من الأملاك والضياع وصار إذا خاطبه كناه بابي عيسى جبرائيل وأكـرمه زيادة على ما كان أبوه يكرمه . وانتهى به الأمر في الجلالة إلى أن كان كلَّ من تقلد عملاً لا يخرج إلى عمله إلاَّ  بعد أن يلقى جبرائيل ويكرمه . وكان عند المأمون مثل أبيه ، ونقص محل ميخائيل الطبيب صهر جبرائيل وانح

قال يوسف بن إبراهيم: دخلت على جبرائيل داره التي بالميدان في يوم من تموز ، وبين يديه المائدة وعليها فراخ طيور مسرولة كبار ، وقد عملت كردناجاً بفلفل ، وهو يأكل منها، وطالبني بان آكل معه . فقلت له ، كيف آكل منها في مثل هذا الوقت من السنة وسني سن الشباب ؟ فقال لي : “ما الحمية عندك ؟ فقلت : “تجنب الأغذية الرديئة” . فقـال لي : “غلطت ليس ما ذكرت حمية . ثم قال : “لا أعرف أحداً عظم قدره ولا صغر ، يصل إلى الإمساك عن غذاء من الأغذية كل دهره إلاَّ  أن يكون يبغضه ، ولا تتوق نفسه إليه . لأن الإنسان قد يمسك عن أكل الشيء برهة من دهره ، ثم يضطره إلى أكله عدم أدم سواه لعلة من العلل أو مساعدة لعليل يكون عنده ، أو صديق يحلف عليه ، أو شهوة تتجدد له. فمتى أكله ، وقد أمسك عن أكله منه المدة الطويلة ، لم تقبله طبيعته ونفرت منه ، وأحدث ذلك في بدن آكله مرضاً كثيراً ، وربما أتى على نفسه . والأصلح للأبدان تمرينها على أكل الأغذية الرديئة ، حتى تألفها . وان يأكل منها في كل يوم شيئا واحدا ، ولا يجمع أكل شيئين رديئين في يوم واحد، وإذا أكل من بعض هذه الأشياء في يوم ، لم يعاود أكله في غد ذلك اليوم . فإن الأبـدان إذا مرنت على أكل هذه الأشياء ، ثم أضطر الإنسان إلى الإكثار من أكل بعضها ، لم تنفر الطبيعة منه . فقد رأينا الأدوية المسهلة إذا أدمنها مدمن وألفها بدنه قلَّ فعلها ولم تسهل . وهؤلاء أهل الأندلس إذا أراد أحدهم إسهال طبيعته أخذ من السقمونيا وزن ثلاثة دراهم، حتى تلين طبيعته مقدار ما يلينها نصف درهم في بلدنا وإذا كانت الأبدان تألف الأدوية حتى تمنعها من فعلها ، فهي للأغذية، وان كانت رديئة ، أشد إلفا

قال يوسف : فحدثت بهذا الحديث بختيشوع بن جبرائيل فسألني املاءة عليه، وكتبه عني بخطه”

قال يوسف بن إبراهيم : حدثني سليمان الخادم الخراساني مولى الرشيد ، أنه كان واقفاً على رأس الرشـيد بالحيرة يوماً وهو يتغدى ، إذ دخل عليه عون العبادي الجوهري ، وهو حامل صفحة فيها سمكة منعوتة بالسمن فوضعها بين يديه ومعها محشي قد اتخذه لها . فحاول الرشيد أكل شيء منها فمنعه من ذلك جبرائيل ، وغمز صاحب المائدة بعزلها له. وفطن الرشيد، فلما رفعت المائدة وغسل الرشيد يده ، خرج جبرائيل عن حضرته

قال سليمان : فأمرني الرشيد بإتباعه ، وإخفاء شخصي عنه ، وأن أتفقد ما يعمله وأرجع إليه بخبره ، ففعلت ما أمرني به ، واحسب أن أمري لم يستتر عن جبرائيل لما تبينت من تحرزه . فصار إلى موضع من دار عون ودعا بالطعام فأُحضر له وفيه السمكة ودعا بثلاثة أقداح من فضة فجعل في واحد قطعة منها ، وصب عليه خمراً من خمر طير ناباذ بغير ماء ، وقال : “هذا أكل جبرائيل” . وجعل في قدح آخر قطعة وصبَّ  عليها ماء بثلج وقال : هذا أكل أمير المؤمنين إن لم يخلط السمك بغيره .” وجعل في القدح الثالث قطعة من السمك ومعها قطعاً من اللحم من ألوان مختلفة ، ومن شواء وحلواء وبوارد وفراريج وبقول ، وصبَّ  عليه ماء بثلج وقال : “هذا طعام أمير المؤمنين إن خلط السمك بغيره .” ورفع الثلاثة الأقداح إلى صاحب المائدة ، وقال : “أحتفظ بها إلى أن ينتبه أمير المؤمنين من قائلته

قال سليمان الخادم: ثم أقبل جبرائيل على السمكة فأكل منها حتى تضلع . وكان كلما عطش دعا بقدح مع الخمر الصرف فشربه ثم نام . فلما انتبه الرشيد من نومه دعاني فسألني عما عندي من خبر جبرائيل ، وهل أكل من السمكة شيئاً أم لم يأكل ؟ فأخبرته بالخبر ، فأمر بإحضار الثلاثة الأقداح وجد الذي صب عليه الخمر الصرف قد تفتت ولم يبق منه شيء . ووجد الذي صب عليه بالثلج قد ربا وصار على أكثر من الضعف مما كان ، ووجد القدح الذي السمك واللحم فيه قد تغيرت رائحته وحدثت له سهولة شديدة . فأمرني الرشيد بحمل خمسة آلاف دينار إلى جبرائيل ، وقال : “من يلومني على محبَّة هذا الرجل الذي يدبرني هذا التدبير ؟ . فأوصلت إليه المال

وقال اسحق  بن علي الرهاوي، في كتاب “أدب الطبيب” عن عيسى بن ماسة  : أنَّ يوحنا بن ماسويه أخبره أن الرشيد قال لجبرائيل بن بختيشوع وهو حاج بمكة : “يا جبرائيل علمت مرتبتك عندي” . قال يا سيدي وكيف لا أعلم ؟ قال له : دعوت لك والله، في الموقف دعاءً كثيراً، ثم التفت إلى بني هاشم فقال : “عسى أنكرتم قولي له ؟ فقالوا : يا سيدنا ذمّي فقال : نعم ، ولكن صلاح بدني وقوامه به ، وصلاح المسلمين بي . فصلاحهم بصلاحه وبقائه” . فقالوا : صدقت يا أمير المؤمنين

ونقلت من بعض التواريخ، قال جبرائيل بن بختيشوع المتطبب : اشتريت ضيعة بسبعمائة ألف درهم فنقدت بعض الثمن وتعذر عليَّ بعضه فدخلت على يحيى بن خالد وعنده ولده ، وأنا أفكر . فقال: مالي أراك مفكراً ؟ فقلت : اشتريت ضيعة بسبعمائة ألف ، فنقدّت بعض الثمن وتعذر علي بعضه . قال : فدعا بالدواة وكتب : يعطى جبرائيل سبعمائة ألف درهم . ثم دفع إلى كل واحد من ولده ، فوقع فيه ثلاثمائة ألف . قال : “فقلت ؛ جعلت فداك ، قد أديت عامة الثمن وإنما بقي أقله”. قال : “اصرف ذلك فيما ينوبك” ، ثم صرت إلى دار أمير المؤمنين. فلمّا رآني قال : “ما أبطأ بك ؟ قلت : يا أمير المؤمنين ، كنت عند أبيك واخوتك ففعلوا بي كذا وكذا ، وإنما ذلك لخدمتي لك” . قال: فما حالي أنا ؟ ثم دعا بدابته فركب إلى يحيى ، فقال : “يا لأبت أخبرني جبرائيل بما كان ، فما حالي أنا من بين ولدك ؟ فقال : يا أمير المؤمنين مر بما شئت يحمل إليه . فأمر لي بخمسمائة ألف

قال يوسف بن إبراهيم الحاسب المعروف بابن الداية: كان لأم جعفر بنت أبي الفضل في قصر عيسى بن علي ، الذي كانت تسكنه ، مجلس لا يجلس فيه إلا الحسّاب والمطببون ، وكانت لا تشتكي علّة إلى متطبب حتى يحضر جميع أهل الصناعتين ويكـون مقامهم في ذلك المجلس إلى وقت جلوسها ، فكانت تجلس لهم في أحد موضعين ؛ إما عند الشباك الذي على الدكان الكبير المحاذي للشباك وللباب الأول من أبواب الدار ؛ أو عند الباب الصغير المحاذي لمسجد الدار . فكان الحُسّاب والمتطببون يجلسون من خارج الموضع الذي تجلس فيه . ثم تشتكي ما تجد فيتناظر المتطببون فيما بينهم حتى يجتمعوا على العلَّة والعلاج ، فإن كان بينهم إختلاف دخل الحسّاب بينهم ، وقالوا بتصديق المصيب عندهم . ثم تسأل الحسّاب عن اختيار وقت لذلك العلاج . فإن اجتمعوا على وقت، وإلاّ نظر المتطببون فيما بين الحسّاب ، وحكموا لألزمهم القياس ، فاعتلت عند اجتماعها على الحج ، آخر حجّة حجتها ، علّة أجمع متطببوها على إخراج الدم من ساقيها بالحجامة ، وأختار الحسّاب لها يوماً تحتجم فيه ، وكان ذلك في شهر رمضان فلم يمكن أن تكون الحجامة إلاّ في آخر النهار. فكان ممن يختلف إليها من الحساب ، الحسن بن محمد الطوسي التمميمي المعروف بالابح ، وعمر بن الفرخانم الطبري ، شعيب اليهودي

قال يوسف بن إبراهيم : “وكنت متى عرضت للابح علة أو عاقة عن حضـور دار أم جعفر عائق حضرت عنه . فحضرت ذلك المجلس في الوقت الذي وقع الاختيار على حجامة أم جعفر فيه. فوافيت ابناً لداؤد بن سرافيون حدثا ، يشبه أن يكون ابن أقل من عشرين سنة ، قد أمرت أمّ جعفر بإحضاره مع المتطببين ليتأدب بحضور ذلك المجلس وقد تقدمت إلى جميع من يطيف بها من المتطببين في تعليمه وتوقيفه عناية به لمكان أبيه من خدمتها ، فوافيته وهو يلاحي متطبباً راهباً احضر دارها في ذلك اليوم ، من أهـل الأهواز في شرب الماء للمنتبه من نومه ليلا. فقال ابن داؤد : ” ما الله خلق بأحمق ممن يشرب ماء بعد انتباهه من نومه ” . ووافى جبرائيل، عندما قال الغلام هذا القول باب البيت ، فلم يدخل المجلس إلاّ وهو يقول: “أحمق والله منه من تتضرم نار على كبده فلم يطفئها” .ثم دخل فقال : من صاحب الكلام الذي سمعته؟ فقيل له ابن داؤود ، فعنَّفه على ذلك وقال له : “كانت لأبيك مرتبة جليلة في هذه الصناعة ، وتتكلم بمثل ما سمعته منك ؟ فقال له الغلام : فكأنك ، أعزَّك الله ، تطلق شرب الماء بالليل عند الانتباه من النوم ؟ فقال جبرائيل : “المحرور الجاف المعدة ، ومن تعشى وأكل طعاماً مالحاً فأطلقه له. وأنا أمنع منه الرطبي المعد ، وأصحاب البلغم المالح ، لأن في منعهم من ذلك شفاء من رطوبات معدهم ، وأكل بعض البلغم المالح بعضا.” فسكت عنه جميع من حضر ذلك المجلس غيري ، فقلت : “يا أبا عيسى، قد بقيت واحدة . قال: وما هي ؟ قلت : “أن يكون العطشان يفهم من الطب مثل فهمك ، فيفهم عطشه من مرار أو من بلغم مالح . فضحك جبرائيل ثم قال لي : متى عطشت ليلا فابرز رجلك من لحافك ، وتنام قليلا، فان تزايد عطشك فهو من حرارة ، أو من طعام يحتاج إلى شرب الماء عليه ، فاشرب . وان نقص من عطشك شيء، فأمسك عن شرب الماء فانه من بلغم مالح”.

قال يوسف بن إبراهيم : وسأل أبو اسحق إبراهيم بن المهدي جبرائيل عن علّة الورشكين ، فقال: هو أسم ركبته الفرس من الكسر والصدر ، وأسم الصدر بالفارسية الفصيحة : ور ، والعامّة تسميه بر. واسم الكسر اشكين فإذا جمعت اللفظتين كانتا : ورشكين ، أي هذه العلّه من العلل التي يجب أن يكسر عليها الصدر وهي علّة لا تستحكم بإنسان فيكاد ينهض منها . وأن من نهض منها لم يؤمن عليه النكسة سنة إلاّ أن يخرج منه استفراغ دم كثير تقذفه الطبيعة من الأنف أو من أسفل ، في وقت العلّة أو بعدها قبل السنة ، فمتى حدث ذلك سلم منه ، فقال أبو اسحق كالمتعجب : سنة ! قال : “نعم ” جعلني الله فداك . وعلّة أخرى يستخف بها الناس وهي : الحصبة. فإني ما أمنت على من اصابته من النكسة سنة ، إلاّ أن يصيبه بعقبها استطلاق بطن يكاد أن يأتي على نفسه ؛ أو يخرج به خراج كثير ، فإذا أصابه أحد هذين أمنت علي

قال يوسف : ودخل جبرائيل على أبي اسحق يوما بعقب علة كان فيها، وقد أذن له في أكل اللحم الغليظ ، فحين جلس وضعت بين يديه كشكية  رطبة فأمر برفعها ؛ فسألته عن السبب . فقال : “ما أطلقت لخليفة قط حم يوماً واحداً أكل الكشك سنة كاملة . قال أبو اسحق : أي الكشكين أردت ، الذي بلبن أم الذي بغير لبن ؟ قال : الذي بغير لبن ، لا أطلق له أكله سنة ، وعلى قياس ما يوجبه الطب، فليس ينبغي أن يطلق له أكل الكشك المعمول بلبن إلا بعد استكمال ثلاث سنين.

حدث ميمون بن هارون، قال؛ حدثني سعيد النصراني ، قال ؛ قال لي جبرائيل بن بختيشوع: “كنت مع الرشيد بالرقّة  ومعه المأمون ومحمد الأمين ولداه ، وكان رجلاً بادناً كثير الأكل والشرب، فأكل في بعض الأيام أشياء خلط فيها ، ودخل المستراح فغشي عليه ، واخرج فقوي عليه الغشي حتى لم يشك في موته . وأرسل إليَّ ، فحضرت وجسست عرقه فوجدته نبضاً خفياً وقد كان قبل ذلك بأيام يشكو امتلاء وحركة الدم فقلت لهم : يموت ، والصواب أن يحجم الساعة . فأجاب المأمون  إليه وأحضر الحجام ، وتقدمت بإقعاده ، فلما وضَعَ المحاجم عليه ومصّها رأيت الموضع قد احمر ، فطابت نفسي وعلمت انه حي . فقلت للحجام : اشرط . فشرط، فخرج الدم ، فسجدت شكرا للـه . وجعل كلما خرج الدم يحرك رأسه ؛ ويَسْفُر  لونه ، إلى أن تكلم . وقال أيـن أنا ؟ فطيّبنا نفسه وغدّيناه بصدر دَرَّاج وسقيناه شرابا ، وما زلنا نشمه الروائح الطيبة، ونجعل في انفه الطيب ، حتى تراجعت قوته ، وادخل الناس إليه، ثم وهب الله عافيته ، فلما كان بعد أيام دعا صاحب حرسه فسأله عن غلّته في السنة فعرفه أنها ثلاثمائة ألف درهم . وسأل حاجبه عن غلّته فعرفه أنها ألف درهم. فقال : “ما أنصفناك حيث غلات هؤلاء وهم يحرسوني من الناس على ما ذكروا ، وأنت تحرسني من الأمراض والأسقام ، وتكون غلتك ما ذكرته”، وأمر بإقطاعي غلّة ألف ألف درهم. فقلت له: يا سيدي ، مالي حاجة إلى الإقطاع ، ولكن تهب لي ما اشتري به ضياعاً غلتها ألف ألف درهم ، فجميع ضياعي أملاك لا إقطاع”

قال يوسف بن إبراهيم بن المهدي أن جبرائيل لجأ إليه حين انتهبت العوّام داره في خلافة محمد الأمين ، فأسكنه معه في داره ، وحماه ممن كان يحاول قتله . قال أبو اسحق : “فكنت أرى من هلع جبرائيل وكثرة أسفه على ما تلف من ماله ، وشدة اغتمامه ، ما لم أتوهم أن أحدا بلغ به الوجد بماله مثل الذي بلغ بجبرائيل . قال أبو اسحق : فلما ثارت المبيضة فظهرت العلوية  بالبصرة والأهواز ، أتاني وهو مسرور ، كأنّه قد وصل بمائة الف دينار ، فقلت له : أرى أبا عيسى ! “فقال: إني والله لمسرور عين السرور”. فسألته عن سبب سروره ، فقال : انه حاز العلوية ضياعاً ، وضربوا عليها المنار . فقلت له : “ما أعجب أمرك ، انتهبت لك العوام جزأ من مالك، فخرجت نفسك من الجزع إلى ما خرجت إليه ، وتحوز العلوية جميع ما تملك فيظهر منك من السرور مثل الذي ظهر ؟ فقال: جزعي بما ركبني به العوام ، لأني أوتيت في منامي وسلبت في عزي ، وأسلمني من يجب عليه حمايتي . ولم يتعاظمني ما كان من العلوية ، لأنّه من أكبر المحال عيش مثلي في دولتين بنعمة واحدة ، ولو لم تفعل العلوية في ضياعي ما فعلوا ، وقد كان يجب عليهم مع علمهم بصحة طويتي  لموالي الذين أنعم اللـه عليَّ بنعمتهم التي ملكونيها ، أن يتقدموا في حفظ وكلائي والوصاة بضياعي ومزارعي ؛ وان يقولوا لم يزل جبرائيل مائلاً إلينا في أيام دولة أصحابه ، ومتفضّلا علينا من أمواله ، ويؤدي إلينا أخبار سادته فكان الخبر متى تأدى بذلك إلى السلطان قتلني ، فسروري بحيازة ضياعي وبسلامة نفسي مما كان هؤلاء الجهال ملكوه منها فلم يهتدوا إليه

قال يوسف: وحدثني فرخ الخادم ، المعروف بأبي خراسان ، مولى صالح بن الرشيد ووصيَّه، قال: كان مولاي صالح بن الرشيد على البصرة ، وكان عامله عليها أبو الرازي . فلما أحدث جبرائيل ابن بختيشوع عمارة داره التي في الميدان سأل مولاي أن يهدي له خمسمائة ساجة ، وكانت الساجة بثلاثة عشر دينارا ، فاستكثر مولاي المال . وقال له : أمّا خمسمائة فلا ، ولكني أكتب إلى ابن الرازي في حمل مائتي ساجة إليك . وقال جبرائيل : فليست بي حاجة إليها. قال فرخ فقلت لسيدي : أرى جبرائيل سيدبر عليك تدبيرا بغيضا. فقال : جبرائيل أهون علي من كل هين ، لأني لا أشرب له دواء ولا أقبل له علاجاً . ثم استزار مولاي أمير المؤمنين المأمون، فلما استوى المجلس بالمأمون ، قال له جبرائيل : أرى وجهك متغيراً . ثم قام إليه فجس عرقه ، وقال له : يشرب أمير المؤمنين شربة سكنجبين ويؤخر الغداء حتى يفهم الخبر ففعل المأمون ما أشار به، وأقبل يجسُّ عرقه في الوقت بعد الوقت ، ثم لم يشعر بشيء حتى دخل غلمان جبرائيل ومعهم رغيف واحد ، ومعه ألوان قد اتخذت من قرع  وماش  وما اشبه ذلك . فقال : “إني اكره لأمير المؤمنين أن يأكل في يومه هذا شيئاً من لحوم الحيوان ، فليأكل هذه الألوان ، فأكـل منها ونام . فلما انتبه من قائلته ، قال له : يا أمير المؤمنين ، رائحة النبيذ تزيد في الحـرارة ، والرأي لك الانصراف. فانصرف المأمون وتلفت نفقة مولاي كلها . فقال لي مولاي يا أبا خراسان: التمييز بين مائتي ساجة وخمسمائة ساجة واستزارة الخليفة ، لا يجتمعان

قال يوسف: وحدثني جورجس بن ميخائيل عن خاله جبرائيل وكان جبرائيل له مكرَّما لكثرة علمه ، لأني لم أر في أهل هذا البيت ، بعد جبرائيل ، أعلم منه على عجب كان فيه شديداً، وسخف كثيراً أن جبرائيل أخبره انه أنكر من الرشيد قلّة الرزء للطعام ، أول المحرم سنة سبع وثمانين ومائة ، وانه لم يكن يرى في مائة ولا في مجسة عرقه ما يدل على علّة توجب قلّة الطعام ، فكان يقول للرشيد : يا أمير المؤمنين : بدنك صحيح سليم بحمد الله من العلل ؛ وما أعرف لتركك استيفاء الغذاء معنى . فقال لي ، لمّا أكثرت عليه من القول في هذا الباب : قد استوخمت مدينة السلام ؛ وأنا أكره الاستبعاد عنها في هذه الأيام. افتعرف مكاناً بالقرب منها صحيح الهواء ؟ فقلت له الحيرة يا أمير المؤمنين . فقال : قد نزلنا الحيرة مراراً ؛ فأجحفنا بعون العبادي في نزولنا بلده ؛ وهي أيضا بعيدة. فقلت : يا أمير المؤمنين ، فالأنبار طيبة وظهرها فأصح هواء من الحيرة ، فخرج إليها فلم يزدد في طعامه شيئا ؛ بل نقص وصام يوم الخميس قبل قتله جعفراً بيومين وليلة . وأحضر جعفراً عشاءه ؛ وكان أيضا صائماً ؛ فلم يصب الرشيد من الطعام كثير شيء . فقال له جعفر : “يا أمير المؤمنين ، لو استزدت من الطعام ؟ فقال : لو أردت ذلك لقدرت عليه . إلاّ أني أحببت أن أبيت خفيف المعدة لأصبح وأنا اشتهي الطعام ، وأتغدى مع الحرم . ثم بكّر بالركوب غداة يوم الجمعة متنسما ، وركب معه جعفر بن يحيى ، فرأيته وقد ادخل يده في كم جعفر حتى بلغ بدنه ، فضمه إليه وعانقه ، وقبل بين عينيه ؛ وسار يده في يد جعفر اكثر من ألف ذراع . ثم رجع إلى مضربه وقال “بحياتي ، أما اصطبحت في يومك هذا وجعلته يوم سرور ؟ فإني مشغول بأهلي . ثم قال لي : يا جبرائيل أنا اتغدى مع حرمي فكن مع أخي تسر بسروره . فسرت مع جعفر ، وأحضر طعامه فتغدينا وأحضر أبا زكار المغني ، ولم يحضر مجلسه غيرنا ، ورأيت الخادم بعد الخادم يدخل إلينا فيساره  فيتنفس عند مسارتهم إياه ويقول : ويحـك يا أبى عيسى ،لم يطعم أمير المؤمنين بعد ، وأنا والله خائف أن تكون به علة تمنعه من الأكل . ويأمر كلّما أراد أن يشرب قدحاً أبا زكار أن يغنيه.

إنَّ بني المنذر حين  انقضوا         بحيث شاد البيعة  الراهـب

أضحوا ولا يرهبهم راهب        حقا ، ولا يرجوهم راغـب

كانت من الخز لبوساتهم        لم يجلب الصوف لهم  جالب

كأنمـا  جثتـهم  لعبـة         سـار إلى لبن بـها  راكب

                            (السريع)

فيغنيه أبو زكار هذا الصوت ، ولا يقترح عليه غيره . فلم تزل هذه حالنا إلى أن صليت العتمة. ثم دخل إلينا أبو هاشم مسرور الكبير ، ومعه خليفة هرثمة بن أعين ، ومعه جماعة كثيرة من الجند . فمدَّ يده خليفة هرثمة إلى يد جعفر، ثم قال له : “قم يا فاسق ” قال جبرائيل ؛ ولم أكلم ولم يؤمر في بأمر ؟ وصرت إلى منزلي من ساعتي ، وأنا لا أعقل . فما أقمت فيه إلاّ اقلَّ من مقدار نصف ساعة ، حتى صار إليَّ رسول الرشيد يأمرني بالمصير إليه ، فدخلت إليه ورأس جعفر في طشت بين يديه، فقال لي يا جبرائيل : أليس كنت تسألني عن السبب في قلّة رزئي للطعام ؟ فقلت: بلى يا أمير المؤمنين ، فقال : الفكرة، فيما ترى ، أصارتني إلى ما كنت فيه وأنا اليوم يا جبرائيل عند نفسي كالناقه . قدم غذائي حتى ترى من الزيادة على ما كنت تراه عجبا ، وإنما كنت آكل الشيء بعد الشيء لئلا يثقل الطعام علي فيمرضني . ثم دعا بطعامه في ذلك الوقت فأكل أكلاً صالحاً من ليلته

قال يوسف : حدثني إبراهيم بن المهدي أنه تخلف عن مجلس محمد الأمين ، أمير المؤمنين أيام خلافته ، عشية من العشايا لدواء كان أخذه ؛ وان جبرائيل بن بختيشوع باكره غداة اليوم الثاني ، وأبلغه سلام الأمين ، وسأله عن حاله كيف كانت في دوائه . ثم دنا منه، فقال له أمر أمير المؤمنين في تجهيز علي بن عيسى بن ماهان إلى خراسان ليأتيه بالمأمون أسيرا في قيد من فضة وجبرائيل بريء من دين النصرانية إن لم يغلب المأمون محمدا ويقتله ويحوز ملكه – فقلت له ويحك ! ولم قلت هذا القول ؟ وكيف قلته ؟ قال : لان هذا الخليفة الموسـوس  سكر في هذه الليلة ، فدعا أبا عصمة الشيعي صاحب حرسه ، وأمر بسواده فنزع عنه وألبسه ثيابي وزناري وقلنسوتي ، وألبسني أقبيته، وسواده وسيفه ومنطقته ؛ وأجلسني في مجلس صاحب الحرس إلى وقت طلوع الفجر ؛ وأجلسه في مجلسي وقال لكل واحد ، مني ومن أبي عصمة قد قلدتك ما كان يتقلده صاحبك . فقلت : إن الله مغير ما به من نعمة لتغييره ما بنفسه منها . وانه إذا جعل حراسته إلى نصراني . والنصرانية أذلّ الأديان ، لأنه ليس في عقد دين غيرها التسليم لما يريد به عدوه من المكروه مثل الإذعان لمن سخره بالسخرة ، وأن يمشي ميلا أن يزيد على ذلك ميلا آخر، وان لطم له خد حول الآخر ليلطم ، غير ديني . فقضيت بان عز الرجل زائل، وقضيت انه حين أجلس في مجلس متطببه الحافظ عنده لحياته والقائم بمصالح بدنه والخادم لطبيعته، أبا عصمة الذي لا يفهم من كل ذلك قليلاً ولا كثيراً ، بأنّه لا عمر له ، وان نفسه تالفة . قال أبو اسحق : فكان على ما تفاءل جبرائيل به

قال يوسف بن إبراهيم : وسمعت جبرائيل بن بختيشوع يحدث أبا اسحق إبراهيم بن المهدي أنَّه كان عند العباس بن محمد اذ دخل عليه شاعر امتدحه ، فلم يزل جبرائيل يسمع منه إلى أن صار إلى هذا البيت وهو

لو قيل للعباس يا ابن محمد،       قل : لا ، وأنت مخلد ما قالها

 (الكامل)

قال جبرائيل : فلما سمعت هذا البيت لم اصبر لعلمي أنّ العباس أبخل أهل زمانه . فقلت لا. فتبسَّم العباس ثم قال لي : اغرب قبح الله وجهك

أقول : هذا الشاعر الذي يشار إليه هو ربيعة الرق

قال يوسف : وحدث جبرائيل أبا اسحق في هذا المجلس انه دخل على العباس بعد فطر النصارى بيوم وفي رأسه فضلة من نبيذه بالأمس ، وذلك قبل أن يخدم جبرائيل الرشيد فقال جبرائيل للعباس : كيف أصبح الأمير أعزّه الله ؟ فقال العبـاس أصبحت كما تحب . فقال له جبرائيل : والله ما أصبح الأمير على ما أحب ، ولا على ما يحب الله ، ولا على ما يحب الشيطان فغضب العباس من قوله ثم قال له : ما هذا الكلام قبحك الله؟ قال جبرائيل فقلت : عليّ البرهان . فقال العباس : لتأتيني به وإلاّ أحسنت أدبك ولم تدخل ليَّ داراً ؛ فقال جبرائيل : الذي كنت احب أن تكون أمير المؤمنين ، فأنت كذلك ؟ قال العباس : لا . قال جبرائيل : والذي يحب اللهُ من عباده الطاعة له فيما أمرهم به ، ونهاهم عنه . فأنت أيها الملك كذلك ؟ فقال العباس : لا واستغفر الله. قال جبرائيل : “والذي يحب الشيطان من العباد أن يكفروا بالله ويجحدوا ربوبيته فأنت كذلك أيها الأمير ؟ فقال له العباس : لا ، ولا تعد إلى مثل هذا القول بعد يومك هذا

قال فثيون الترجمان : ولمّا عزم المأمون على الخروج إلى بلد الروم في سنة ثلاث عشرة ومائتين مرض جبرائيل مرضاً شديداً قوياً . فلمّا رآه المأمون ضعيفاً التمس منه إنفاذ بختيشوع ابنه معه إلى بلد الروم . فأحضره وكان مثل أبيه في الفهم والعقل والسرو . ولما خاطبه المأمون وسمع حسن جوابه فرح به فرحاً شديداً وأكرمه غاية الإكرام ، ورفع منزلته وأخرجه معه إلى بلد الروم . ولما خرج المأمون طال مرض جبرائيل إلى أن بلغ الموت، وعمل وصيته إلى المأمون ودفعها إلى ميخائيل صهره ومات . فمضى في تجميل موته ما لم يمضِ لأمثاله بحسب استحقاقه بأفعـاله وخيريته ، ودفن في دير مار سرجس بالمدائن. ولمّا عاد ابنه بختيشوع من بلد الروم جمع للدير رهبانا واجرى عليهم جميع ما يحتاجون إلي

وقال فثيون الترجمان : انَّ جنس جورجس وولده كانوا أجمل أهل زمانهم بما خصهم الله من شرف النفوس ، ونبل الهمم ؛ ومن البر والمعروف، والأفضال والصدقات ، وتفقد المرضى من الفقراء والمساكين، والأخذ بأيدي المنكوبين والمرهوقين على ما يتجاوز الحد في الصفة والشرح

أقول : وكانت مدّة خدمة جبرائيل بن بختيشوع للرشيد منذ خدمه والى أن توفي الرشيد ثلاثاً وعشرين سنة . ووجد في خزانة بختيشوع بن جبرائيل مدرج فيه عمل بخط كاتب جبرائيل بن بختيشوع الكبير ، واصطلاحات بخط جبرائيل لما صار إليه في خدمته الرشيد يذكر أن رزقه كان من رسم العامة : في كل شهر من الورق عشرة آلاف درهم ، في مدة ثلاث وعشرين سنة ألف ألف وستمائة وستون ألفاً؛ ونزله في الشهر خمسة آلاف درهم ، يكون في السنة سـتون ألف درهم ، في مدة ثلاث وعشرين سنة ألف ألف وثلاثمائة وثمانون الف درهم. ومن رسم  الخاصة في المحرم من كل سنة : من الورق خمسون ألف درهم يكون في مدة ثلاث وعشرين سنة ألف ألف ومائة وخمسون الف درهم . ومن الثياب: خمسون ألف درهم ، يكون في مدة ثلاث وعشرين سنة الف الف ومائة وخمسون الف درهم

تفصيل ذلك: القصب الخاص الطرازي عشرون شقة . الملحم الطرازي عشرون شقة . الخز المنصوري عشر شقاق . الخز المبسوط عشر شقاق الوشي اليماني ثلاثة أثواب . الوشي النصيبي ثلاثة أثواب . الطيالسة ثلاثة طيالس . ومن السمور والفنك والقماقم والدلق والسنجاب للقبطي

وكان يدفع إليه في مدخل صوم النصارى في كل سنة من الورق خمسون ألف درهم ، يكون في مدة ثلاث وعشرين ألف ألف ومائة وخمسون ألف درهم . وفي يوم الشعانين من كل سنة ثياب من وشي وقصب وملحم وغيره بقيمة عشرة آلاف درهم ، يكون في مدة ثلاث وعشرين سنة ، مائتا ألف وثلاثون ألفاً ، وفي يوم الفطر في كل سنة من الورق : خمسون ألف درهم ، يكون في مدة ثلاث وعشرين سنة : ألف ألف ومائة وخمسون ألف درهم ، ثياب بقيمة عشرة آلاف درهم ، على الحكاية يكون في مدة ثلاث وعشرين سنة : مائتا ألف وثلاثون ألف درهم

ولفصد الرشيد : دفعتين في السنة كل دفعة خمسون ألف درهم من الورق ، مائة ألف درهم، يكون في مدة ثلاث وعشرين سنة: ألفا ألف وثلاثمائة ألف درهم

ولشرب الدواء دفعتين في السنة ، كل دفعة خمسون ألف درهم ، مائة ألف درهم ، يكون في مدة ثلاث وعشرين سنة ألفا ألف وثلاثمائة ألف درهم

ومن أصحاب الرشيد، على ما فصل منه مع ما فيه من قيمة الكسوة وثمن الطيب والدواب، وهو: مائة ألف درهم من الورق ، فيكون أربعمائة ألف درهم ، يكون في مدة ثلاث وعشرين سنة تسعة آلاف ألف ومائتا ألف درهم . تفصيل ذلك : عيسى بن جعفر خمسون الف درهم ؛ زبيدة أم جعفر خمسون ألف درهم ؛ العباسة  خمسون ألف درهم ؛ إبراهيم بن عثمان ثلاثون ألف درهم؛ الفضل بن الربيع  خمسون الف درهم ؛ فاطمة أم محمد سبعون ألف درهم ؛ كسوة وطيب ودواب مائة ألف درهم . ومن غلّة ضياعه بجندي سابور والسوس والبصرة والسواد في كل سنة قيمته، بعد المقاطعة ، ورقا ثماني مائة ألف درهم ، يكون في مدة ثلاث وعشرين سنة ثمانية عشر ألف ألف ومائة ألف درهم

وكان يصير إليه من البرامكة في كل سنة من الورق ألفا ألف وأربعمائة ألف درهم ، وتفصيل ذلك يحيى  بن خالد ستماية الف درهم جعفر بن يحيى الوزير ألف ألف ومائتا الف درهم ؛ الفضل بن يحيى ستماية ألف درهم يكون في مدة ثلاث عشرة سنة : أحد وثلاثين ألف ألف ومائتي ألف درهم

يكون جميع ذلك مدة أيام خدمته للرشيد ، وهي ثلاث وعشرون سنة، وخدمته للبرامكة وهي ثلاث عشرة سنة ، سوى الصلات الجسام فإنّها لم تذكر في هذا المدرج من الورق ثمانية وثمانين ألف درهم وثمانمائة ألف درهم ؛ ثلاثة آلاف وأربعمائة ألف درهم

التذكرة : الخراج من ذلك ومن الصلات التي لم تذكر في النفقات وغيرها على ما تضمنه المدرج المعمول من العين : تسعمائة ألف دينار ، ومن الورق: تسعون ألف ألف وستمائة ألف درهم

تفصيل ذلك ، ما صرفه في نفقاته وكانت في السنة : ألفي ألف ومائتي ألف درهم على التقريب . وجملتها في السنين المذكورة سبعة وعشرون ألف ألف درهم وستماية ألف درهم . ثمن دور وبساتين ومنتزهات ورقيق ودواب والجمازات سبعون ألف ألف درهم ، ثمن آلات وأجر وصناعات وما يجـري هذا المجرى ثمانية آلاف درهم . ما صار في ثمن ضياع ابتاعها لخاصته اثنا عشر الف الف درهم . ثمن جواهر وما أعدّه للذخائر عن قيمة خمسمائة الف دينار خمسون ألف ألف درهم.  ما صرفه في البر والصلات والمعروف والصدقات وما بذل به حظه في الكفالات لأصحاب المصادرات ، في هذه السنين المقدم ذكرها ثلاثة آلاف ألف درهم . ما كابره  عليه أصحاب الودائع وجحدوه ثلاثة آلاف ألف درهم . ثم وصى بعد ذلك كله عند وفاته إلى المأمون لابنه بختيشوع وجعل المأمون الوصي فيها فسلمها إليه ، ولم يعترض في شيء منها عليه بتسعماية ألف دينا

وجبرائيل بن بختيشوع هو الذي يعنيه أبو نواس  في قوله:

سألت أخي أبا عيسى    وجبرائيل له عقـل

فقلت الراح تعجبني    فقال: كثـيرها قتل

فقلت  له : فقدر لي .    فقال ، وقوله  فصل

وجدت طبائع  الإنسا    ن أربعة هي  الأصل

فأربعـة     لاربعـة    لكل  طبيعة  رطـل

 (الوافر)

وذكر أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني في كتاب “المجرد في الأغاني” هذه الأبيات

ألا قـل للذي ليس    على الإسـلام  والملّة

لجبرائيل أبي عيسـى    أخي الأنذال  والسفلة

أفي طبك  يا جبرائيل    ما يشفي ذوي العلّـة

غزال قد سبى عقلي    بـلا جرم ولا  زلّـة

                          (الهزج)

قال أبو الفرج: والشعر للمأمون في جبرائيل بن بختيشوع المتطبب. والغناء لمتيم “خفيف رم

ومن كلام جبرائيل بن بختيشوع قال: أربعة تهدم العمر

إدخال الطعام على الطعام قبل الانهضام . والشرب على الريق . ونكاح العجوز . والتمتع في الحمام

ولجبرائيل بن بختيشوع من الكتب : رسالة إلى المأمون في المطعم والمشرب . كتاب المدخل إلى صناعة المنطق . كتاب في الباه . رسالة مختصرة في الطب . كنّاشه . كتاب في صنعة البخور، ألَّفه لعبد الله المأمون

 بختيشوع بن جبرائيل بن بختيشوع 

      كان سريانياً نبيل القدر . وبلغ من عظم المنزلة والحال وكثرة المال ، ما لم يبلغه أحد من سائر الأطباء الذين كانوا في عصره . وكان يضاهي المتوكل  في اللباس والفرش

ونقل حنين بن اسحق لبختيشوع بن جبرائيل كتباً كثيرة من كتب جالينوس إلى اللغة السريانية والعربية.

قال فثيون الترجمان: لمّا ملك الواثق  الأمر ، كان محمد  بن عبد الملك الزيّات وابن أبي داود يعاديان بختيشوع . ويحسدانه على فضله ، وبره ، ومعروفه ، وصدقاته ، وكمال مروءته. فكانا يغريان الواثق عليه إذا خلوا به . فسخط عليه الواثق ، وقبض على أملاكه وضياعه ، وأخذ منه جملة طائلة من المال . ونفاه إلى جندي سابور ، وذلك في سنة ثلاثين ومائتين . فلما اعتلَّ بالاستسقاء  وبلغ الشدة في مرضه ، انفذ من يحضر بختيشوع. ومات الواثق قبل أن يوافي بختيشوع . ثم صلحت حال بختيشوع، بعد ذلك في أيام المتوكل ، حتى بلغ في الجلالة ، والرفعة ، وعظم المنزلة ، وحسن الحال ، وكثرة المال ، وكمال المروءة ، ومباراة الخلافة في الزي واللباس ، والطيب ، والفرش ، والصناعات ، والتفسيح ، والبذخ في النفقات ، مبلغا يفوق الوصف ، فحسده المتوكل وقبض عليه

ونقلت من بعض التواريخ ، أن بختيشوع بن جبرائيل ، كان عظيم المنزلة عند المتوكل . ثمَّ أنَّ بختيشوع أفرط في ادلاله عليه ، فنكبه وقبض أملاكه ووجّه به إلى مدينة السلام . وعرض للمتوكل بعد ذلك قولنج  ، فاستحضره المتوكل واعتذر إليه وعالجه وبرأ فأنعم عليه ورضي عنه ، وأعاد ما كان له

ثم جرت على بختيشوع حيلة أخرى فنكبه نكبة قبض فيها جميع أملاكه، ووجه به إلى البصرة ، وكان سببه الحيلة عليه : أنَّ عبد الله استكتب المنتصر أبا العباس الحصيني وكان رديئاً فاتفقا على قتل المتوكل واستخلاف المنتصر . وقال بختيشوع للوزير : كيف استكتبت المنتصر الحصيني وأنت تعرف رداءته ؟ فظنَّ عبد الله أن بختيشوع قد وقف على التدبير . فعرف الوزير ما قاله له بختيشوع، وقال : “انتم تعلمون كيف محبّة بختيشوع له ، واحسب انه يبطل التدبير فكيف الحيلة ؟ فقالوا للمنتصر: “إذا سكر الخليفة، فخرِّق ثيابك ولوثها بالدم ، وادخل إليه . فإذا قال : ما هذا ؟ فقل بختيشوع ضرب بيني وبين أخي ، فكاد أن يقتل بعضنا بعضا . وأنا أقول : يا أمير المؤمنين ، يبعد عنهم. فانه يقول: افعلوا . فتنفيه ، فإلى أن يسأل عنه نكون قد فرغنا من الأمر . ففعل ذلك ، ونكب وقتل المتوكل . ولما استخلف المستعين  ردَّ بختيشوع إلى الخدمة وأحسن إليه إحساناً كثيراً ولما ورد الأمر إلى ابن عبد الله محمد  بن الواثق وهو المهتدي جرى على حال المتوكل في أنسه بالأطباء وتقديمه إياهم وإحسانه إليهم. وكان بختيشوع لطيف المحل من المهتدي بالله وشكا بختيشوع إلى الهتدي ما اخذ منه في أيام المتوكل ، فأمر بأن يدخل إلى سائر الخزائن فكل ما اعترف به فليرد إليه بغير استثمار ولا مراجعة . فلم يبق له شيء إلا أخذه ، وأطلق له سائر ما فاته ، وحاطه كل الحياطة

وورد على بختيشوع كتاب من صاحبه بمدينة السلام يصف فيه أنّ سليمان بن عبد الله بن طاهر قد تعرض له لمنازله ، فعرض بختيشوع الكتاب على المهتدي بعد صلاة العتمة ، فأمر بإحضار سليمان بن وهب في ذلك الوقت، فحضر ، وتقدم إليه بان يكتب من حضرته إلى سليمان بن عبد الله، بالإنكار عليه لما اتصل به من وكيل بختيشوع ، وان يتقدم إليه بإعزاز منازله وأسبابه بأوكد ما يكون . وانفذ الكتاب ، من وقته ، مع أخص خدمه إلى مدينة السلام

وقال بختيشوع للمهتدي في آخر من حضر الدار : “يا أمير المؤمنين ، ما اقتصدت ولا شربت الدواء منذ أربعين سنة ، وقد حكم المنجمون بأني أموت في هذه السنة . ولست اغتم لموتي وإنما غمي لمفارقتكم . فكلمه المهتدي بكلام جميل ، وقال : قلما يصدق المنجم . فلما انصرف كان آخر العهد به

وقال إبراهيم بن علي الحصري في كتاب نور الطرف ونور الظرف ، أنَّه تنازع إبراهيم بن الهدي وبختيشوع الطبيب بين يدي أحمد ابن داؤد في مجلس الحكم في عقار بناحية السواد ، فأربى عليه ابرايهم وأغلظ له فغضب لذلك احمد بن أبى داؤد وقال : “يا إبراهيم ؛ إذا تنازعت في مجلس الحكم بحضرتنا أمرا فليكن قصدك أمماً  وطريقك نهجاً ، وريحك ساكنة، وكلامك معتدلاً ، ووفِّ مجالس الخليفة حقوقها من التوفيق والتعظيم والاستطاعة ، والتوجيه إلى الحق . فان هذا أشكل  بك، وأجمل بمذهبك في محتدك  وعظيم خطرك . ولا تعجلن فرب العجلة تورث رثياً  ، واللـه يعصمك من الزلل ، وخطل القول ، والعمل ، ويتم نعمته عليك كما أتمها على آبائك من قبل ، إن ربّك عليم حكيم” . فقال إبراهيم : “أمرت ، اصلحك الله ، بسداد ، وحضضت على رشاد ، ولست بعائد إلى ما يثلم قدري عندك ، ويسقطني من عينك، ويخرجني من مقدار الواجب إلى الاعتذار ؛ فها أنا معتذر إليك من هذه البادرة ، اعتذار مقرٍ بذنبه ، باخعٍ  بجرمه ، لأن الغضب لا يزال يستفزني بمراده فيردني مثلك بحلمه ، وتلك عادة الله عندك وعندنا فيك، وهو حسبنا ونعم الوكيل “. وقد خلعت حظي من هذا العقار لبختيشوع . فليت ذلك يكون وافياً بأرش  الجناية عليه ، ولن يتلف مال أفاد موعظة وباللـه التوفيق

حدث أبو محمد بدر بن أبي الاصبع الكاتب قال : حدثني جدي ، قال: دخلت إلى بختيشوع في يوم شديد الحر وهو جالس في مجلس مخيتش بعدة طاقات من الخيش طاقان ريح بينهما طاق أسود وفي وسطها قبة عليها جلال  من قصب مظهر بدبيقى  قد صبغ بماء الورد والكافور  والصندل وعليه جبّة يماني سعيدي مثقَّلة ، ومطرف قد التحف به ، فعجبت من زيّه . فحين حصلت معه في القبة نالني من البرد أمر عظيم فضحك وأمر لي بجبة ومطرف وقال : يا غلام، اكشف جوانب القبة ، فكشفت فإذا أبواب مفتوحة من جوانب الإيوان إلى مواضع مكبوسة بالثلج ، وغلمان يروحون ذلك الثلج منه البرد الذي لحقني . ثم دعا بطعامه فأتي بمائدة في غاية الحسن عليها كل شيء ظريف . ثم أتى بفراريج مشـوية في نهاية الحمرة ، وجاء الطبّاخ فنفضها كلها فانتفضت وقال : هذه فراريج تعلـف اللـوز والبزر قطوناً، وتسقى ماء الرمان ، ولمّا كان في صلب الشتاء دخلت عليه يوماً والـبرد شديد ، وعليه جبّة محشـوّة وكساء ، وهو جالس في طارمة  في الدار على بستان في غاية الحسن ، وعليها سمور قد ظهرت به ، وفوقه جلال حرير مصبغ ، ولبود مغربية وانطاع  أدم يمانية . وبين يديه كانون فضة مُذهب مُخرق ، وخادم يوقد العود الهندي ، وعليه غلالة قصب في نهاية الرفعة . فلمّا حصلت معه في الطارمة وجدّت من الحر أمراً عظيماً ، فضحك وأمر لي بغلالة قصب ، وتقدم يكشف جوانب الطارمة فإذا مواضع لها شبابيك خشب بعد شبابيك حديد ، وكوانين فيها فحم الغضا ، وغلمان ينفخون ذلك الفحم بالزقاق  كما تكون للحدادين . ثم دعا بطعامه فاحضروا ما جرت به العادة في السرو والنظافة فاحضرت فراريج بيض شديدة البياض فبشّعتها  وخفتُ أن تكون غير نضيجة ووافى الطباخ فنفضها فانتفضت فسألته عنها فقال : هذه تعلف الجوز المقشر وتسقي اللبن الحليب. وكان بختيشوع بن جبرائيل يهدي البخور في درج ، ومعه درج آخر فيه فحم يتخذ له من قضبان الاترج  والصفصاف وشنس الكرم المرشوش عليه عند إحراقه ماء الورد بالمسك والكافور وماء الخلاف والشراب العتيق . ويقول : أنا اكره أن اهدي بخورا بغير فحم فيفسده فحم العامة ، ويقال هذا عمل بختيشوع

وحدث أبو محمد بدر بن أبى الأصبغ ، عن أبيه ، عن أبي عبد اللـه محمد بن الجراح ، عن أبيه ، أنّ المتوكل قال يوماً لبختيشوع : ادعني ، فقال السمع والطاعة فقال : أريد أن يكون ذلك غداً . قال : نعم وكرامة ، وكان الوقت صائفاً ، وحرَّه شديداً ، فقال بختيشوع لأعوانه وأصحابه : “أمـرنا كله مستقيم إلا الخيش فانه ليس لنا منه ما يكفي . فاحضر وكلاءه وأمرهم بابتياع كل ما يوجد ، من الخيش بسر من رأى ، ففعلوا ذلك واحضروا كل من وجدوه من النجادين والصناع ، فقطع لداره كلها صونها  وحجرها ومجالسها وبيوتها ومستراحاتها خيشاً حتى لا يجتاز الخليفة في موضع غير مخيش . وانه فكر في روائحه التي لا تزول إلاّ بعد استعماله مدّة ، فأمر بإبتياع كل ما يقدر عليه بسر من رأى من البطيخ ، وأحضر أكثر حشمه وغلمانه وأجلسهم يدلكون الخيش بذلك البطيخ ليلتهم كلها ، وأصبح وقد انقطعت روائحه . فتقدم إلى فرّاشيه فعلّقوا جميعه في المواضع المذكورة ، وأمر طبّاخيه بأن يعملوا خمسة آلاف جونة في كل جونة باب خبز سميد ، دست رقاق وزن الجميع عشرون رطلا وحمل مشوي وجدي بارد ، وفائقة ودجاجتان مصدرتان وفرخان ومصوصان  ، وثلاثة ألوان وجام حلواء.

فلما وافاه المتوكل رأى كثرة الخيش وجدته فقال : “أي شيء ذهب برائحته ؟ فأعاد عليه حديث البطيخ فعجب من ذلك ، وأكل هو وبنو عمه والفتح  بن خاقان على مائدة واحدة. وأجلس الأمراء والحجّاب على سماطين  عظيمين لم ير مثلهما لأمثاله . وفرقت الجون على الغلمان والخدم والنقباء والركابية والفراشين والملاحين وغيرهم من الحاشية لكل واحد جونة ، وقال : “قد أمنت ذمهم لأنني ما كنت آمن لو أطعموا على موائد أن يرضى هـذا ويغضب الآخر ، ويقول واحد شـبعت ويقول آخر لم أشبع ، فإذا أعطي كل إنسان جونة من هذه الجون كفته واستشرف المتوكل على الطعام فاستعظمه جداً ، وأراد النوم ، فقال لبختيشوع : “أريد أن تنومني في موضع مضيء لا ذباب فيه وظنَّ أنه يتعنته بذلك ، وقد كان بختيشوع تقـدم بان تجعل اجاجين  السيلان في سطوح الدار ليجتمع الذباب عليه، فلم يقرب أسفل الدور ذبابة واحدة . ثم أدخل المتوكل إلى مربع كبير سقفه كله بكواء فيها جامات يضيء البيت منها ، وهو مخيش مظهر بعد الخيش بالدبقي المصبوغ بماء الورد والصندل والكافور

فلما اضطجع للنوم أقبل يشمُّ روائح في نهاية الطيب لا يدري ما هي لأنه لم يرَ في البيت شـيئاً من الروائح والفاكهة والأنوار ولا خلف الخيش لا طاقات ولا موضع يجعل فيه شيء من ذلك . فتعجب وأمر الفتح بن خاقان أن يتتبع حال تلك الروائح حتى يعرف صورتها . فخرج يطوف فوجد حول البيت من خارجه ومن سائر نواحيه وجوانبه أبواباً صغاراً لطافاً كالطاقات محشوّة بصنوف الرياحين والفواكه واللخالخ  والمشام التي فيها اللفاح  والبطيخ المستخرج ما فيها المحشوة بالنمام  والحماحم  اليماني المعمول بماء الورد والخلوق  والكافور والشراب العتيق والزعفران  الشعر .  ورأى الفتح غلمانا قد وكلوا بتلك الطاقات مع كل غلام مجمرة فيها ند يسجره  ويبخر به.والبيت من داخله ازار من اسفيداج  مخرم خروماً صغاراً لا تبين تخرج منها تلك الروائح الطيبة العجيبة إلى البيت

فلما عاد الفتح وشرح للمتوكل صورة ما شاهده كثر تعجبه منه ، وحسد بختيشوع على ما رآه من نعمته ، وكمال مروءته ، وانصرف من داره قبل أن يستتم يومه . وأدعى شيئاً وجده من التياث بدنه ، وحقد عليه ذلك فنكبه بعد أيام يسيرة ، وأخذ له مالاً كثيراً لا يقدّر . ووجد له في جملة كسوته أربعة آلاف سـراويل دبيقي سيتيزي في جميعها تكك ابريسم ارميني وحضر الحسين بن مخلد فختم على خزانته وحمل إلى دار المتوكل ما صلح منها وباع شيئا كثيرا . وبقي بعد ذلك حطب وفحم ونبيذ وتوابل فاشتراه الحسين بن مخلد بستة آلاف دينار . وذكر أنه باع من جملته بمبلغ ثمانية آلاف دينار ، ثم حسده حمدون ووشى إلى المتوكل . وبذل فيما بقي في يده مما ابتاعه ستة آلاف دينار . فأُجيب إلى ذلك ، وسلم إليه ، فباعه بأكثر من الضعف . وكان هذا في سنة أربع وأربعين ومائتين للهجرة

قال فثيون الترجمان: كان المعتز باللـه قد اعتلّ ، في أيام المتوكل ، علّة من حرارة امتنع معها من أخذ شيء من الأدوية والأغذية . فشقَّ ذلك على المتوكل كثيرا واغتمَّ به . وصار إليه بختيشوع ، والأطباء عنده وهو على حاله في الامتناع ، فمازحه وحادثه فادخل المعتز يده في كم جبة وشـي يمان مثقله كانت على بختيشوع وقال: “ما أحسن هذا الثوب ” ! فقال بختيشوع : “يا سيدي ما له واللـه نظير في الحسن وثمنه علي ألف دينار فكل لي تفاحتين وخذ الجبة” . فدعـا بتفاح فأكل اثنتين ثم قال له : تحتاج يا سيدي الجبّة إلى ثوب يكون معها ، وعندي ثوب هو أخ لها ، فاشرب لي شربة سكنجبين وخذه . فشرب شربة سكنجبين . ووافق ذلك اندفاع طبيعته فبرأ المعتز وأخذ الجبة والثوب وصلح من مرضه . فكان المتوكل يشكر هذا الفعل أبدا لبختيشوع

وقال ثابت بن سنان بن ثابت : أن المتوكل أشتهى في بعض الأوقات الحارة أن يأكل مع طعامه خردلاً فمنعه الأطباء من ذلك لحدّة مزاجه وحرارة كبده وغائلة الخردل . فقال بختيشوع : أنا أطعمك إياه وان ضـرَّك عليّ ! فقال : أفعل . فأمر بإحضار قرعة وجعل عليها طيناً وتركها في تنور واستخرج ماءها وأمر بان يقشر الخردل ويضرب بماء القرع . وقال : “إن الخردل في الدرجة الرابعة من الحرارة والقرع في الدرجة الرابعة من الرطوبة فيعتدلان ، فكل شهوتك”. وبات تلك الليلة ولم يحس بشيء من الأذى ، وأصبح كذلك . فأمر بان يحمل إليه ثلاثمائة ألف درهم وثلاثون تختا من أصناف الثياب

وقال اسحق بن علي الرهاوي ، عن عيسى بن ماسة قال : رأيت بختيشوع بن جبرائيل وقد اعتل، فأمر أمير المؤمنين المتوكل والمعتز  أن يعوده وهو إذ ذاك ولي عهد . فعاده ومعه محمد بن عبد اللـه بن طاهر ووصيف التركي  قال : وأخبرني إبراهيم  بن محمد المعروف بابن المدبر أنَّ المتوكل أمر الوزير شفاهاً وقال له : اكتب في ضياع بختيشوع فإنها ضياعي وملكي فإنَّ محله منا محلًّ أرواحنا من أبداننا

وقال عبيد الله بن جبرائيل بن عبيد الله بن بختيشوع ، هذا المذكور : مما يـدل على منزلة بختيشوع عند المتوكل وانبساطه معه ، قال: من ذلك ، ما حدثنا به بعض شيوخنا ، انه دخل بختيشوع يوماً إلى المتوكل وهو جالس على سدّة في وسـط دار الخاصة ، فجلس بختيشوع على عادته معه على السدّة وكان عليه دراعة  ديباج رومي ، وقد انفتق ذيلها قليلاً فجعل المتوكل يحادث بختيشوع ويعبث بذلك الفتق حتى بلغ إلى حد النيفق. ودار بينهما كلام اقتضى أن سـأل المتوكل بختيشوع : بماذا تعلم أن المشوش يحتاج إلى الشد والقيادة ؟ قال: إذا بلغ فتق درّاعة طبيبه إلى حد النيفق شددناه . فضحك المتوكل حتى استلقى على ظهره ، وأمر له في الحال بخلع سنية ومال جزيل

وقال أبو الريحان  البيروني في كتـاب “الجماهر في الجواهر” : أنَّ المتوكل جلس يوماً لهدايا النيروز فقدم إليه كل علق نفيس ؛ وكل ظريف فاخر . وان طبيبه بختيشوع بن جبرائيل دخل وكان يأنس به ، فقال له: ما ترى في هذا اليوم ؟ فقال مثل جرياشات الشحاذين إذ ليس قدر ، واقبل على ما معي . ثم أخرج من كمه درج أبنوس مضبب بالذهب ، وفتحه عن حرير أخضر انكشف عن ملعقة كبيرة من جوهر لمع منها شـهاب ووضعها بين يديه ، فرأى المتوكل ما لا عهد له بمثله ، وقال: “من أين لك هذا؟ قال: من الناس الكرام” ثم حدث انه صار إلى أبي من أم جعفر زبيدة في ثلاث مرات ثلاثمائة ألف دينار بثلاث شكايات عالجها فيها : واحدتها أنها شكت عارضاً في حلقها منذرة بالخناق فأشـار إليها بالفصد والتطفئة والتغدي بحشو وصفه ، فاحضـر على نسخته في غضارة صينية عجيبة الصـفة وفيها هذه الملعقة ، فغمزني أبي على رفعها ، ففعلت ولففتها في طيلساني وجاذبنيها الخادم . فقالت له : لاطفه وأمره بردها ، وعوِّضه منها عشرة آلاف دينار . فامتنعت وقال أبي : يا ستي  إن ابني لم يسرق قط فلا تفضحيه في أول كراته لئلا ينكسر قلبه . فضحكت ووهبتها له . وسئل عن الآخرتين : فقال أنها اشتكت إليه النكهة  بأخبار إحدى بطانتها إياها ، وذكرت أن الموت أسهل عليها من ذلك ، فجوعها إلى العصر ، وأطعمها سمكا ممقورا  وسقاها دردي  نبيذ دقل بإكراه فغثت نفسها وقذفت . وكرّر ذلك عليها ثلاثة أيام ثم قال لها : تنكهي في وجـه من أخبرك بذلك واستخبريه هل زال ؟ والثالثة أنها أشرفت على التلف من فواق شديد يسمع من خارج الحجرة ، أتمر الخدم باصعاد خوابي إلى سطح الصحن وتصفيفها حوله على الشفير وملأها ماء ، وجلس خادم خلف كل جب حتى إذا صفق بيده على الأخرى دفعوها دفعة إلى وسط الدار ، ففعلوا وارتفع لذلك صوت شديد أرعبها ، فوثبت وزايلها الفواق

قال أبو علي القياني؟ حدثني أبي قال : دخلت يوماً إلى بختيشوع ، وكان من أيام الصيف ، وجلست فإذا هو قد رفع طرفه إلى خادمه وقال له : هات . فجاء بقدح فيه نحو نصف رطل شراب عتيق ، وعلى طرف خلالة ذهـب شيء اسود فمضغه ، ثم شرب الشراب عليه ، وصبر ساعة ، فرأيت وجهه يتقد كالنار . ثم دعا بأطباق فيها خوخ جبلي في نهاية الحسن ، فاقبل يقطع ويأكل حتى انتهى وسكن تلهبه ، وعاد وجهه إلى حاله. فقلت له: حدثني بخبرك ؟ فقال : اشتهيت الخوخ شهوة شديدة وخفت ضررها ، فاستعملت الترياق والشراب حتى نقرت الحجر ليجيد الطحن. وقال أبو علي القياني عن أبيه ، قال: حدثني محمد بن داود بن الجراح ، قال : كان بختيشوع الطبيب صديقاً لأبي وكان لنا نديم كثير الأكل عظيم الخلق ، فكان كلما رآه قال له : أريد أن تركب لي شربة ؛ وأبـرمه إلى أن وصف له دواء فيه شحم الحنظل وسقمونيا ؛ وقال بختيشوع لأبي : ملاك الأمر كله أن يأكل أكلا خفيفا ويضبط نفسه فيما بعد عن التخليط، فأطعم يوم الحمية في دارنا واقتصر على اسفيدباج من ثلاثة أرطال خبز، فلما استوفى ذلك طلب زيادة عليه فمنع واعتقله أبي عنده إلى آخر الأوقات ، ووجه إلى امرأته يوصيها أن لا تدع شيئا يؤكل في داره . ولما علم أن الوقت قد ضاق عليه أطلقه إلى منزله . فطلب من امرأته شيئا يأكله فلم يجد عندها شيئا . وكانت قد أغفلت برنية فيها فتيت على الرف “فوجده وأخذ منه أرطالا . ثم أصبح وأخذ الدواء فتحير ، وورد على المعدة وهي ملأى فلم يؤثر ، وتعالى النهار ، فقال : قد خرف بختيشوع . وعمد إلى عشرة أرطال لحم شرائح فأكلها مع عشرة أرطال خبز ، وشرب دورقاً ماء بارداً . فلمّا مضت ساعة طلب الدواء طريقاً للخروج من فوق أو من أسفل فلم يجد فانتفخت بطنه وعلا نفسه ، وكاد يتلف. وصاحت امرأته واستغاثت بابي . فدعا بمحمل وحمل فيه إلى بختيشوع ، وكان ذلك اليوم حاراً جداً . وكان بختيشوع حين انصرف من داره وهو ضجر . فسأل عن حاله إلى أن علم شرح أمره . وكان في داره أكثر من مائتي طير من الطيطويات والحصانيات والبيضانيات  وما يجري مجراها . ولها مسقاة كبيرة مملوءة ماء ، وقد حمي في الشمس وذرقت فيه الطيور . فدعا بملح جريش ، وأمر بطرحه في المسقاة كله وتذويبه في الماء ودعا بقمع ، وسقى الرجل كله ، وهو لا يعقل، وأمر بالتباعد عنه . فأتى من طبيعته فوق وأسفل أمر عظيم جدا حتى ضعف . وحفظت قوته بالرائحة الطيبة وبماء الدراج . وأفاق بعد أيام وعجبنا من صلاحه

وسألنا عنه بختيشوع فقال : فكرت في أمره فرأيت اني إن اتخذت له دواءً طال أمره حتى يطبخ ويسقى فيموت إلى ذلك الوقت . ونحن نعالج أصحاب القولنج الشديد بذرق الحمام والملح . وكان في المسقاة الماء في الشمس وقد سخن ، واجتمع فيه من ذرق الحمام ما يحتاج إليه ، وكان أسرع تناولاًً من غيره، فعالجته به ونجع بحمد اللـه

ونقلت من بعض الكتب أنَّ بختيشوع كان يأمر بالحقن ، والقمر متصل بالذنب، فيحل القولنج من ساعته . ويأمر بشرب الدواء ، والقمر على مناظرة الزهرة  فصلح العليل من يومه

ولما توفي بختيشوع خلف عبيد اللـه ولده ، وخلف معه ثلاث بنات . وكان الوزراء والنظّار يصادرونهم ويطالبونهم بالأموال . فتفرّقوا واختلفوا . وكان موته يوم الأحد لثمان بقين من صفر سنة ست وخمسين ومائتين

ومن كلام بختيشوع بن جبرائيل قال

الشرب على الجوع رديء ، والأكل على الشبع أردأ

وقال : أكل القليل مما يضر ، أصلح من أكل الكثير مما ينفع

ولبختيشوع بن جبرائيل من الكتب : كتاب في الحجامة على طريق المسألة والجواب

جبرائيل بن عبيد اللـه 

جبرائيل بن عبيد الله بن بختيشوع ، كان فاضلاً عالماً متقناً لصناعة الطب ، جيدا في أعمالها، حسن الدراية لها . وله تصانيف جليلة في صناعة الطب . وكانت أجداده في هذه الصناعة كلّ منهم أوْحَد زمانه وعلاّمة وقته

ونقلت من كتاب عبيد الله ، ولد هذا المذكور ، في أخباره عن أبيه جبرائيل ما هذا مثاله . قال : أنَّ جدي عبيد الله بن بختيشوع كان متصرفاً ولمّا ولي المقتدر  رحمة الله عليه ، الخلافة استكتبه لحضرته وبقي مدة مديدة ، ثم توفي . وخلّف والدي جبرائيل وأختاً كانت معه صغيرين . وأنفذ المقتدر ليلة موته ثمانين فراشاً حمل الموجود من رحل وأثاث وآنية . وبعد مواراته في القبر اختفت زوجته ، وكانت ابنة إنسان عامل من أجلاء العمال يعرف بالحرسون . فقبض على والدها بسببها وطلب منه ودائع بنت بختيشوع ، وأخذ منه مالاً كثيراً ومات عقيب مصادرته . فخرجت ابنته ومعها ولدها جبرائيل وأخته وهما صغيران إلى عكبراء  مستترين من السلطان . واتّفق أنها تزوجت برجل طبيب وصرفت ولدها إلى عم كان له بدقوقاء  وأقامت مدةً عند ذلك الرجل وماتت ، وأخذ ما كان معها جميعه ، ودفع ولدها . فدخل جبرائيل إلى بغداد وما معه إلا اليسير النزر. وقصد طبيباً كان يعرف بترمرة ، فلازمه وقرأ عليه وكان من أطباء المقتدر وخواصه . وقرأ على يوسف الواسطي الطبيب ، ولازم البيمارستان والعلم والدرس . وكان يأوي إلى أخوال له يسكنون بدار الروم ، وكانوا يسيئون عشرتهم عليه ، ويلومونه على تعرضه للعلم والصناعة ، ويمجنون معه ، ويقولون : يريد أن يكون مثل جدِّه بختيشوع وجبرائيل وما يرضى أن يكون مثل أخواله ، وهو لا يلتفت إلى مثل أقوالهم

واتفق أن جاء رسول من كرمان  إلى معزّ الدولة وحمل له الحمار المخطط ، والرجل الذي كان طوله سبعة أشبار ، والرجل الذي كان طوله شبرين، واتفق انه نزل في قصر فرخ من الجانب الشرقي قريباً من الدكان الذي كان يجلس عليه والدي جبرائيل، وصار ذلك الرسول يجلس عنده كثيراً ويحادثه، ويباسطه. فلما كان في بعض الأيام استدعاه وشاوره بالفصد ، فأشار به وفصده ، وتردد إليه يومين، فأنفذ له على رسم الديلم الصينية التي كانت فيها العصائب، والطشت والإبريق وجميع الآلة . ثم استدعاه وقال له : ادخل إلى هؤلاء القوم وانظر ما يصلح لهم، وكان مع الرسول جارية يهواها قد عرض لها نزف الدم ولا بقي بفارس ولا بكرمان ولا بالعراق طبيب مذكور إلاّ وعالجها ولم ينجح فيها العلاج، فعندما رآها رتَّب لها تدبيراً وعمل لها معجوناً وسقاها إياه، فما مضى عليها أربعون يوما حتى برئت وصلح جسمها، وفرح الرسول بذلك فرحاً عظيماً. فلمّا كان بعد مدة ، استدعاه وأعطاه ألف درهم ودراعة سقلاطون وثوباً توثياً ، وعمامة قصب وقال له: “طالبهم بحقّك فأعطته الجارية ألف درهم وقطعتين من كل نوع من الثياب، وحمل على بغله بمركب واتّبع ذلك بمملوك زنجي، فخرج وهو أحسن حالاً من أحد أخواله . فلما رأوه وثبوا له وتلقوه لقياً جميلاً فقال لهم: للثياب تكرمون لا لي. فلمّا مضى الرسول انتشر ذكره بفارس وبكرمان بما عمل ، وكان ذلك سبب خروجه من شيراز

فلمّا دخل رفع خبره إلى عضد  الدولة وكان أوّل تبوئه ولايته شيراز  واستدعى به فحضر، واحضر معه رسالة في عصب العين تكلم فيها بكلام حسن ، فحسن موقعه عنده ، وقرّر له جار وجراية كالباقين ثم انه عرض لكوكين ، زوج خالة عضد الدولة وهو والي كورة جورقب مرض واستدعى طبيباً فانفذه عضد الدولة ، فلمّا وصل أكرم موضعه وأجلّه إجلالاً عظيماً . وكان به وجع المفاصل والنقرس وضعف الأحشاء فركب له جوارشن  تفاحي وذلك في سنة سبع وخمسين وثلاثمائة للهجرة ، فانتفع به منفعة بينة عظيمة فاجزل له عطاءه وأكرمه ورده إلى شـيراز مكرماً ثم أن عضد الدولة دخل إلى بغداد وهو معه من خاصته ، وجدّد البيمارستان وصار يأخذ رزقين وهما: برسم خاص ثلاثمائة درهم شجاعية ؛ وبرسم البيمارستان ثلاثمائة درهم شجاعية ؛ سوى الجراية. وكانت نوبته في الأسبوع يومين وليلتين

واتّفق أنَّ الصاحب  بن عباد ، رحمه الله تعالى عرض له مرض صعب في معدته فكاتب عضد الدولة يلتمس طبيباً . وكان عمله وفعله وفضله مشهوراً ، فأمر عضد الدولة بجمع الأطباء البغداديين وغيرهم وشاورهم فيمن يصلح أن ينفذ إليه . فلمّا جمعهم واستشارهم . فأشار جميع الأطباء ، على سبيل الأبعاد له من بينهم وحسداً على تقدمه ، ما يصلح أن يلقى مثل هذا الرجل إلاّ أبو عيسى جبرائيل لأنه متكلم جيد الحجّة عالم باللغة الفارسية . فوقع ذلك بوفاق عضد الدولة ، فأطلق له مالاّ يُصلح به أمره وحمل إليه مركوب جميل وبغال للحمل وسيَّره . فلمّا وصل الري تلقاه الصاحب لقاءً جميلاً وأنزله في دار مزاحة العلل بفراش وطبّاخ وخازن ووكيل وباب وغيره ولما اقام عنده أسبوعاً استدعاه يوماً وقد أعدَّ عنده أهل العلم من أصناف العلوم . ورتب لمناظرته إنساناً من أهل الري وقد قرأ طرفا من الطب . فسأله عن أشياء من أمر النبض ، فعلم هو ما الغرض في ذلك فبدأ وشرح أكثر مما تحتمله المسألة . وعلل تعليلات لم يكن في الجماعة من سمع بها. وأورد شـكوكاً ملاحـاً وحلّها ، فلم يكن في الحضور إلاّ من أكرمه وعظمه . وخلع عليه الصاحب خلعاً حسنة وسأله أن يعمل له كناشاً يختص بذكر الأمراض التي تعرض من الرأس إلى القدم ولا يخلط بها غيرها . فعمل كناشه الصغير وهو مقصور على ذكر الأمراض العارضة من الرأس إلى القدم حسبما أمر الصاحب به. وحمله إليه . فحسن موقعه عنده ووصله بشيء قيمته ألف دينار . وكان دائماً يقول : “صنَّفت مائتي ورقة أخذت عنها ألف دينار” . ورفع خبره إلى عضد الدولة فأعجب به وزاد موضعه عنده . فلمّا عاد من الري دخل إلى بغداد بزي جميل وأمر مطاع وغلمان وحشم وخدم ، وصادف من عضد الدولة ما يسره ويختاره

قال وحدثني من اثق إليه انه دخل الأطباء ليهنئوه بوروده وسلامته . فقال أبو الحسين بن كشكرايا ، تلميذ سنان : يا أبا عيسى زرعنا وأكلت ، وأردناك تبعد فازددت قرباً ، لأنه كان كما تقدم ذكره . فضحك جبرائيل من قوله وقال له : ليس الأمور إلينا بل لها مدبر وصاحب. وأقام ببغداد مدة ثلاث سنين

واعتل خسروشاه بن مبادر ملك الديلم  وآلت حاله إلى المراقبة ، ونحل جسمه ، وقوي استشعاره . وكان عنده اثنا عشر طبيباً من الري وغيرها ، وكلّما عالجوه ازداد مرضه . فأنفذ إلى الصاحب يلتمس منه طبيباً . فقال : ما أعرف من يصلح لهذا الأمر إلاّ أبو عيسى جبرائيل . فسأله مكاتبته لما بينهما من الأنس ، وكاتب عضد الدولة يسأل إنفاذه ويعلمه أن حاله قد آلت إلى أمر لا يحتمل الونية في ذلك . فأنفذه مكرماً. فلما وصل إلى الديلمي قال له : ما أعالجك أو ينصرف من حولك من أطباء . فصرف الأطباء مكرّمين ، وأقام عنده وسأله أن يعمل في صورة المرض مقالة يقف على حقيقته ، وتدبير يختاره ويعول عليه ، فعمل له مقالة ترجمها في ألم الدماغ بمشاركة فم المعدة والحجاب الفاصل بين آلات الغذا

ولما اجتاز بالصاحب سأله عن أفضل استقساط البدن فقال : هو الدم فسأله أن يعمل له في ذلك كتاباً يبرهن عليه فيه ، فعمل في ذلك مقالة مليحة بين فيها البراهين التي تدل على هذا ، وكان في هذه المدة مستعجلا لعمل كناشه الكبير

ولما عاد إلى بغداد وكان عضد الدولة قد مات ، فأقام ببغداد سنين مشتغلا بالتصنيف فتمم كناشه الكبير وسماه “بالكافي” بلقب الصاحب بن عباد لمحبته له ، ووقف منه نسخة على دار العلم ببغداد .  وعمل كتاب المطابقة بين قول الأنبياء والفلاسفة ، وهو كتاب لم يعمل في الشرع مثله لكثرة احتوائه على الأقاويل ، وذكر المواضع التي استخرجت منها ؛ وأكثر فيه من أقـوال الفلاسفة في كل معنى لغموضها وقلة ودودها ؛ وقلّل من الأقاويل الشرعية لظهورها وكثرة وجودها ؛ وفي هذه المدة عمل مقالة في الرد على اليهود جمع فيها أشياء منها جواز النسخ من أقوال الأنبياء ؛ ومنها شهادات على صحة  مجيء المسيح وانه قد كان ، وابطل انتظارهم له ؛ ومنها صحة القربان بالخبز والخمر وعمل مقالات أخر كثيرة صغاراً منها ، لِمَ جعل من الخمر قربان وأصله محرم ؟ وأبان علل التحليل والتحري

وعرض له أن سافر إلى بيت المقدس ، وصام به يوماً واحداً وعاد منه إلى دمشق واتصل خبره بالعزيز ، رحمه الله ، وكوتب من الحضرة بكتاب جميل، فاحتجَّ أنَّ له ببغداد أشياء يمضي وينجزها ويعود إلى الحضرة قاصداً ليفوز بحق القصد فحين عاد إلى بغداد أقام بها وعدَّل عن المضي إلى مصر

ثم أن ملك الديلم أنفذ خلفه واستدعاه ، فعند حصوله بالري وقف بها نسخة من كناشه الكبير. قال: وبلغني أن البيمارستان يعمل بها وانه يعرف به بين أطبائهم إذا ذكر أبو عيسى صاحب الكناش. وأقام عند ملك الديلم مدة ثلاث سنين ، وخرج من عنده على سبيل الغضب، وكان قد حلف له بالطلاق انه متى اختار الانصراف لا يمنعه فلم يمكنه رده

وجاء إلى بغداد وأقام بها مدة . ثم انه استدعي إلى الموصل إلى حسام الدولة فعالجه من مرض كان به. وجرى له معه شيء استعظمه ، وكان أبداً يعيده عنه . وذلك انه كانت له امرأة عليلة بمرض حاد ، فأشـار بحفظ القارورة واتفق انه عند حسام الدولة وقال له : هذه المرأة تموت فانزعج لذلك ، ونظرت الجارية إلى انزعاجه وصرخت وخرقت ثيابها وولّت فاستدعاها في الحال وقال لها : جرى في أمر هذه المرأة شيء لا أعلمه ؟ فحلفت أنها لم تجاوز التدبير . فقال : لعلكم خضبتموها بالحناء ، قالت : قد كان ذلك . فحرد وقال للجارية أقوالاً، ثم قال لحسام الدولة أبشر بعد ثلاثة أيام تبرأ ، فكان كما قال فعظم هذا عنده وكان أبداً يعيده ويتعجب منه

ولما عاد إلى بغداد كان العميد لا يفارقه ويلازمه ويبايته في دار الوزارة لاجل المرض الذي كان به، وحظي لديه

ثم أن الأمير ممهد الدولة أنفذ إليه ولاطفه حتى أصعد إلى ميافارقين ، فلمّا وصل إليه أكرمه الإكرام المشهور عند كل من كان يراه . ومن لطيف ما جرى له معه انه أول سنة ورد فيها سقى الأمير دواءً مسهلاً وقال له : يجب أن تأخذ الدواء سحراً ، فعمد الأمير وأخذه أول الليل، فلما أصبح ركب إلى داره ، ووصل إليه ، واخذ نبضه ، وسأله عن الدواء ، فقال له : ما عمل معي شيئاً امتحاناً له ، فقال جبرائيل : النبض يدل على نفاذ دواء الأمير وهو اصدق . فضحك ، ثم قال له : كم ظنك بالدواء ؟ فقال : يعمل مع الأمير خمسة وعشرين مجلساً ، ومع غيره زائداً وناقصاً . فقال له : عمل معي إلى الآن ثلاثة وعشرين مجلساً ، فقال : وهو يعمل تمام ما قلت لك. ورتَّب ما يستعمله وخرج من عنده مغضباً وأمر أن يشد رحله ، ويصلح أسباب الانصراف . فبلغ ممهد الدولة ذلك ، وانفذ إليه يستعلم خبر انصرافه . فقال : مثلي لا يجرب ، لأنني أشهر من أن أحتاج إلى تجربة . فأرضاه وحمل إليه بغلة ودراهم لها قدر

وفي هذه المدة كاتبه ملك الديلم بكتب جميلة يسأله فيها الزيارة ، وكاتب ممهد الدولة يسأله في ذلك . فمنع من المضي وأقام في الخدمة ثلاث سنين ، وتوفي يوم الجمعة ثامن شهر رجب من شهور سنة ست وتسعين وثلاثمائة للهجرة ، وكان عمره خمساً وثمانين سنة ، ودُفن بظاهر ميافارقين

ولجبرائل بن عبيد الله بن بختيشوع من الكتب : كناشـه الكبير، الملقب بالكافي خمس مجلدات ألّفه للصاحب بن عباد، رسالة في عصب العين، مقالة في ألم الدماغ بمشاركة فم المعدة والحجاب الفاصل بين آلات الغذاء وآلات التنفس المسمى ذيافرغما ، ألّفها لخسروشاه بن مبادر ملك الديلم. مقالة في أن افضل استقسات البدن هو الدم ، ألّفها للصاحب بن عباد ، كتاب المطابقة بين قـول الأنبياء والفلاسفة ، مقالة في الرد على اليهود، مقالة في أنّه لم جعل من الخمر قربان واصله محرم

عبيد اللـه بن جبرائيل 

هو أبو سعيد عبيد الله بن جبرائيل بن عبد الله بن بختيشوع بن جبرائيل بن بختيشوع بن جورجس ابن جبرائيل . كان فاضلاً في صناعة الطب ، مشهوراً بجودة الأعمال فيها ، متقناً لأصولها وفروعها، من جملة المتميزين من أهلها والعريقين من أربابها ، وكان جيد المعرفة بعلم النصارى ومذاهبهم ، وله عناية بالغة بصناعة الطب ، وله تصانيف كثيرة فيها . وأقام بميارفاقين ، وكان معاصر ابن بطلان ويجتمع به ويأنس إليه وبينهما صحبة

وتوفي عبيد الله بن جبرائيل في شهور سنة نيف وخمسين وأربعمائة

ولعبيد الله بن جبرائيل من الكتب : مقالة في الاختلاف بين الألبان، ألفها لبعض أصدقائه في سنة سبع وأربعين وأربعمائة ، كتاب مناقب الأطباء ، ذكـر فيه شيئا من أحوالهم ومآثرهم ، وكان تأليفه لذلك في سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة ، كتاب الروضة الطبية كتب به إلى الأستاذ أبي الحسن محمد بن علي ، كتاب التواصل إلى حفظ التناسل ، ألفه في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، رسالة إلى الأستاذ أبي طاهر بن عبد الباقي المعروف بابن قطرمين جوابا عن مسألته في الطهارة ووجوبها . رسالة في بيان وجوب حركة النفس . كتاب نوادر المسائل مقتضبة من علم الأوائل في الطب . كتاب تذكرة الحاضر وزاد المسافر ، كتاب الخاص في علم الخواص ، كتاب طبائع الحيوان وخواصها ومنافع أعضائها ألفه للأمير نصير الدول

خصيب

كان نصرانياً من أهل البصرة ومقامه بها ، وكان فاضلاً في صناعة الطب جيد المعالجة

حدث محمد بن سلام الجمحي قال : مرض الحكم بن محمد بن قنبر المازني الشاعر بالبصرة فأتوه بخصيب الطبيب يعالجه فقال فيه:

ولقد  قلت  لأهلـي       إذ  أتـوني  بخصيب

ليس واللـه خصيب       للذي   بـي  بطبيب

إنما   يعرف  دأبـي    من  به  مثل الذي بي

(الرمــل )

وحدث أيضا محمد بن سلام قال : كان خصيب الطبيب نصرانياً نبيلاً ، فسقى محمد بن أبي العباس السفاح شربة دواء وهو على البصرة فمرض منها ، وحمل إلى بغداد فمات بها ، وذلك في أول سنة خمسين ومائة . فاتهم خصيب فحُبس حتى مات . فنظر في علته إلى مائه وكان عالماً ، فقال : قال جالينوس : أن صاحب هذه العلة إذا صـار هكذا ماؤه لا يعيش ، فقيل له إن جالينوس ربما أخطأ فقال: ما كنت إلى خطئه قط أحوج مني إليه في هذا الوقت ، ومات من علته.

عيسى المعروف بابي قريش  

 قال اسحق بن علي الرهاوي في كتاب أدب الطبيب عن عيسى ابن ماسة قال : اخبرني يوحنا بن ماسويه أن أبا قريش كان صيدلانياً يجلس على موضع نحو باب قصر الخليفة ، وكان ديّناً صالحاً في نفسه ، وان الخيزران  جارية المهدي  وجهت بمائها مع جارية لها إلى الطبيب، فخرجت الجارية من القصر فأرت أبا قريش الماء فقال لها : هذا ماء امرأة حبلى بغلام، فرجعت الجارية بالبشارة ، فقالت لها : ارجعي إليه واستقصي المسألة عليه . فرجعت فقالت لها : ما قلت لك حق ، ولكن لي عليك البشرى . فقالت : كم تريدين البشرى ؟ قال: جامة فالوذج وخلعة سنية فقالت لها : إن كان هذا حقاً فقد سقت إلى نفسك خير الدنيا ونعيمها . وانصرفت . فلما كان بعد أربعين يوما أحست الخيزران بالحمل فوجهت ببدرة دراهم وكتمت الخبر عن المهدي . فلما مضت الأيام ولدت موسى أخا هارون الرشيد . فعند ذلك أعلمت المهدي وقالت له : أنَّ طبيباّ على الباب أخبر بهذا منذ تسعة اشهر . وبلغ الخبر جورجس بن جبرائيل فقال : كذب ومخرقة . فغضبت له الخيزران وأمرت فاتخذ بين يديها مائة خوان فالوذج، ووجهت بذلك إليه مع مائة ثوب ، وفرس بسرجه ولجامه.

وما مضى بعد ذلك إلا قليل حتى حبلت بأخيه هارون الرشيد . فقال جورجس للمهدي جرب أنت هذا الطبيب ! فوجه إليه بالماء فلما نظر إليه قال : هذا ماء ابنتي أم موسى وهي حبلى بغلام آخر. فرجعت الرسالة بذلك إلى المهدي وأثبت اليوم عنده فلمّا مضت الأيام ولدت هارون، فوجه المهدي إلى أبي قريش فأحضره وأقيم بين يديه ، فلم يزل يطرح عليه الخلع ويدر الدنانير والدراهم حتى علت رأسه ، وسير هارون وموسى في حجره ، وكناّه أبا قريش أي أبا العرب . وقال لجورجس : هذا شيء أنا بنفسي جربته . فصار أبو قريش نظير جرجس بن جبرائيل بل اكبر منه، حتى تقدمه في المرتبة . وتوفي المهدي واستخلف هارون الرشيد ، وتوفي جرجس وسار ابنه تبع أبي قريش في خدمة الرشيد ، ومات أبو قريش وخلف اثنين وعشرين ألف دينار مع نعمة سنية.

وقال يوسف بن إبراهيم : حدثني العباس بن علي بن المهدي : أن الرشيد اتخذ مسجداً جامعاً في بستان موسى الهادي ، وأمر اخوته وأهل بيته بحضوره في كل يوم جمعة ليتولى الصلاة بهم فيه. قال فحضر والدي علي بن المهدي ذلك المسجد في يوم حار ، وصلى فيه وانصرف إلى داره بسوق يحيى . فكسبه حر ذلك اليوم صداعاً كاد يذهب ببصره ، فأحضر له جميع متطببي مدينة السلام ، وكان آخر من احضر منهم عيسى أبو قريش ، فوافاهم قد اجتمعوا للمناظرة فقال : ليس يتفق للجماعة رأي حتى يذهب بصر هذا . ثم دعا بدهن بنفسج وماء ورد وخل خمر وثلج فجعل في مضربة من ذلك الدهن بقدر وزن درهمين ، وصبَّ عليه شيئا من الخل وشيئاً من الماء ، وفتَّ فيه شيئا من الثلج وحرك المضربة حتى اختلط جميع ما فيها ، ثم أمر بتصبير راحه منه وسط رأسه والصبر عليه حتى ينشفه الرأس ثم زيادة راحة أخرى . فلم يزل يفعل ذلك ثلاث مرات أو أربع حتى سكن عنه الصداع وعوفي من العلة.

قال يوسف : وحدثتني شكلة أم إبراهيم ابن المهدي أن المهدي هتف بها وهي معه في مضربه بالربدة من طريق مكة بلسان متغير أنكرته فصارت إليه وهو مستلق على القفا ، فأمرها بالجلوس. فلما جلست وثب فعانقها معانقة الإنسان لمن يسلم عليه ، ثم عبرها إلى صدره وزال عنه عقله . فجهد جميع من حضرها بان يخلص يديه من عنقها فما وصلوا إلى ذلك . وحضر المتطببون فاجمعوا على أن الذي به فالج . فقال عيسى أبو قريش : المهدي بن المنصور بن محمد بن علي بن العباس يضربه فالج ؟ لا والله لا يضرب أحدا من هؤلاء ولا نسلهم فالج أبداً إلا أن يبذروا بذورهم في الروميات والصقلبيات وما أشبههنَّ فيعرض الفالج لمن ولده الروميات وأشباههنَّ من نسلهم . ثم دعا بالحجام فحجمه ، فوالله ما أن خرج من دمه إلاّ محجمة واحدة حتى رد إليه يديه . ثم تكلم مع المحجمة الثانية ، ثم ثاب إليه عقله قبل فراغ الحجام من حجامته . ثم طعم بعد ذلك ودعا بأم أسماء بنت المهدي فواقعها فأحبلها باسماء.

قال يوسف : ولما اشتدت بإبراهيم بن المهدي علته التي توفي فيها ، استرخى لحيه ، وغلظ لسانه في فيه فصعب عليه الكلام . وكان إذا تكلم توهمه سامعه مفلوجاً فدعاني وقت صلاة العصر من يوم الثلاثاء لست خلوان من شهر رمضان سنة أربع وعشرين ومائتين فقال لي : “أما تعجب من عرض هذه  العلّة التي لم تعرض لأحد من ولد أبي غير إسماعيل بن موسى أمير المؤمنين ومحمد بن صالح المسكين . وإنما عرضت لمحمد لأن أمه كانت رومية ، وأم أبيه كانت كذلك . وكانت أم إسماعيل رومية . وأنا فلم تلدني رومية ، فما العلّة عندك في عرض هذه العلّة لي ؟ فعلمت انه كان حفظ عن أمه قول عيسى أبي قريش في المهدي وولده انه لا يعرف لعقبه الفالج إلاّ أن يبذروا بذورهم في الروميات ، وانه قد أمل أن يكون الذي به فالجاً لا عارض الموت . فقلت : “لا أعرف لإنكارك هذه العلة معنى ، إذ كانت أمك التي قامت عنك دنباونديّة ودنباوند أشدَّ برداً من كل أرض الروم ، فكأنه تفرج إلى قولي وصدقني وأظهر السرور بما سمع مني . ثم توفي في وقت طلوع الفجر من يوم الجمعة لتسع خلوان من شهر رمضان.

قال يوسف: وحدثني إبراهيم بن المهدي أن لحم عيسى بن جعفر بن المنصور كثر عليه حتى كاد أن يأتي على نفسه . وانَّ الرشيد اغتمَّ لذلك غماً شديداً أضرَّ به في بدنه ومنعه لذَّة المطعم والمشرب ، وأمر جميع المتطببين بمعالجته . فكلهم دفع أن يكون عنده في ذلك حيلة . فزادوا الرشيد غماً إلى ما كان عليه منه . وان عيسى المعروف بأبي قريش صار إلى الرشيد سراً فقال له : يا أمير المؤمنين، إن أخاك عيسى بن جعفر رزق معدة صحيحة وبدنـاً قابلاً للغذاء احسن قبول وجميع الأمـور جارية له بما يحب ، فليس يتمنى شيئا إلاّ تمّ له على اكثر مما يحبه . وقد وقي موت أحبته، ودخول النقص في ماله ، والظلم من ناحية سلطانه ، والاستقصاء عليه. والأبدان متى لم تختلط على أصحابها طبائعهم وأحوالهم فتنالهم العلل في بعض الأوقات ، والصحة في بعضها والغموم في بعضها، والسرور في بعضها ورؤية المكاره في بعضها والمحاب في بعضها ، وتدخلها الروعة أحياناً والفرح أحياناً لم يؤمن على صاحبها التلف . لأنَّ لحمه يزداد حتى تضعف عن حمله العظام ، وحتى يغمر فعل النفس وتبطل قوى الدماغ والكبد . ومتى كان هذا عدمت الحياة ، وأخوك هذا إن لم تظهر موجدة عليه أو تغير له أو تقصده بما ينكي قلبه من حيازة مال أو أخذ عزيز عليه من حرمه ، لم آمن عليه تزايد هذا الشحم حتى يتأتي على نفسه . فان أحببت حياته فافعل ذلك به وإلا فلا أخ لك.

فقال الرشيد : أنا اعلم أن الذي ذكرت على ما قلت . غير أنه لا حيلة عندي في التغير له أو غمه بشيء من الأشياء ، فان تكن عندك حيلة في أمره فاحتل بها . فإني أكافئك عنه متى رأيت لحمه قد انحط بعشرة آلاف دينار ، وآخذ لك منه مثلها . فقال عيسى : عندي حيلة إلاّ أني أتخوّف أن يعجّل على عيسى بالقتل فتتلف نفسي . فليوجه معي أمير المؤمنين خادماً جليلاً من خدمه ، ومعه جماعة يمنعونه مني إن أمر بقتلي . ففعل ذلك به وسار إليه ، فجسه واعلمه انه يضطر إلى مجسة عرقه ثلاثة أيام قبل أن يذكر له شيئاً من العلاج . فأمره عيسى بالانصراف والعود إليه . ففعل ذلك وعاد في اليوم الثاني والثالث . فلما فرغ من مجسة عرقه قال له : “إنَّ الوصية مباركة ، وهي غير مقدمة ولا مؤخرة ، وأنا أرى للأمير أن يعهد فان لم يحدث حادث قبل أربعين يوما عالجته في ذلك بعلاج لا يمضي به إلاَّ ثلاثة أيام حتى يخرج من علته هذه ، ويعود بدنه إلى احسن مما كان عليه .” ونهض من مجلسه وقد اسكن قلب عيسى من الخوف ما امتنع له من اكثر الغذاء ومنعه من النوم فلم يبلغ أربعين يوما حتى انحط من منطقته خمس بشيزجات واستتر عيسى أبو قريش في تلك الأيام عن الرشيد خوفاً من إعلام الرشـيد عيسى بن جعفر تدبير عيسى المتطبب لإسكان الغم قلبه ، فيفسد عليه تدبيره فلما كان ليلة يوم الأربعين سار إلى الرشيد وأعلمه انه لا يشك في نقصان بدن عيسى ، وسأله إحضاره مجلسه أو الركوب إليه ، فركب إليه الرشيد ، فدخل عليه ومعه عيسى ، فقال له عيسى : “أطلق لي يا أمير المؤمنين قتل هذا الكافر فقد قتلني” . واحضر منطقته فشدَّها في وسطه وقال : يا أمير المؤمنين نقص هذا العدو، والله من بدني بما ادخل علي من الروع خمس بشيزجات فسجد الرشيد شكرا لله وقال له: يا أخي مَتَعتْ  بك بابي عيسى – وكان الرشيد كثيرا ما يقول له بابي عيسى – ردت إليك بعد الله الحياة ونعم الحيلة احتال لك، وقد أمرت له بعشرة آلاف دينار فأوصل إليه مثلها . ففعل ذلك له وانصرف المتطبب إلى منزله بالمال ولم يرجع إلى عيسى بن جعفر ذلك الشحم إلى أن فارق الدنيا.

قال يوسف : وحدثني إبراهيم بن المهدي انه اعتل بالرقة مع الرشيد علة صعبة ، فأمر الرشيد بحدره إلى والدته بمدينة السلام ، فكان بختيشوع جد بختيشوع الذي كان في دهرنا هذا لا يزايله ويتولى علاجه . ثم قدم الرشيد مدينة السلام ومعه عيسى أبو قريش ، فذكر أن أبا قريش أتاه عائدا، فرأى العلة قد أذهبت لحمه وأذابت شحمه واسارته إلى اليأس من نفسه وكان اعظم ما عليه في علته شدة الحمَّة . قال أبو اسحق ، فقال لي عيسى وحق المهدي لاعالجنك غداً علاجاً يكون به برؤك قبل خروجي من عندك . ثم دعا القهرمان بعد خروجه فقال له لا تدع بمدينة السلام أسمن من ثلاثة فراريج كسكرية تذبحها الساعة ، وتعلقها في ريشها حتى آمـرك فيها بأمري غداة غد . ثم بكر إلي ومعه ثلاث بطيخات رمشية قد برّدها في الثلج ليلته كلها فلما دخل علي دعا بسكين فقطع لي من إحداهن قطعة ثم قال لي : كل هذه القطعة فأعلمته أن بختيشوع كان يحميني من رائحة البطيخ فقال لي : لذلك طالت علتك فكل فانه لا بأس عليك” . فأكلت القطعة التذاذاً مني لها ثم امرني بالأكل فلم أزل آكل حتى استوفيت بطيختين ثم انتهت نفسي فقطع من الثالثة قطعة وقال: جميع ما أكلت للذة فكل هذه القطعة للعلاج . فأكلتها بتكره . ثم قطع قطعة أخرى وأومأ إلى الغلمان بإحضار الطشت وقال لي : كل هذه القطعة أيضا فما أكلت ثلثها حتى جاشت نفسي وذرعني القيء فتقيأت أربعة أضعاف ما أكلت من البطيخ وكل ذلك مرة صفراء ثم أغمى علي بعد ذلك القيء وغلب علي العرق والنوم إلى بعد صلاة الظهر ، فانتبهت وما اعقل جوعاً ، وقد كانت شهوة الطعام ممتنعة مني ، فدعوت بشيء آكله ، فاحضر لي الفراريج الثلاثة ، وقد طبخ لي منها سكباج وأجادها طهاتها فأكلت منها حتى تضلّعت ، ونمت بعد أكلي إلى آخر أوقات العصر ثم قمت وما أجد من العلة قليلاً ولا كثيراً ، واتصل بي البرء فما عادت إلي تلك العلة منذ ذلك اليوم.