تنظيم الكنيسة في ايران / نينا بيغلوسفكايا / ترجمة أحمد الجراد

Posted by on Sep 12, 2019 in Library, دراسات سريانية | 0 comments

 

مواد وأبحاث من اصدار معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم السوفياتية

نينا بيغلوسفكايا

ترجمة أحمد الجراد


لقد ذكرنا من قبل أن انتشار المسيحية في إيران كان مرتبطاً بواقعة أن حكم الساسانيين لم يتوقف على الاستيلاء على الأراضي الواقعة ضمن حدود الإمبراطورية فالمعروف أن شابور الأول وغيره من حكام إيران لاحقوا ومن ثم هجروا مجموعات سكانية كبيرة خارج حدود إمبراطوريتهم وقد ساعد ذلك الإجراء على تسرب هذه الديانة الجديدة إلى إيران والتي كانت قد وطدت دعائمها على سواحل سورية وشمالي بلاد ما بين النهرين

 

والمعروف تاريخيا أن الإمبراطور الروماني فالريانس ، الذي وقع أسيراً بأيدي الملك الفارسي شابور سنة 260 م مات في جنديشابور (جنديسابور) حيث يعتقد أن سد باندي – قيصر الذي بني على نهر قارون (كارون في بعض المصادر – المترجم) كان بلا شك من تصميم المهندسين الرومان ومن المحتمل أن الإمبراطور الأسير عمل في بناء هذا السد

 

عاش السريان سابقاً على أراضي إيران ولكن أعدادهم تزايدت وتأثيرهم تعاظم أكثر فأكثر في حماية دولة الساسانيين وقد حلت مسألة تنظيم العناصر الاثنية (العرقية) غير الفارسية في عدة أطر واتجاهات .

احتل السريان الحرفيون والتجار مكانة هامة في حياة المدن الإيرانية . شكلوا تعاونيات جماعية موحدة كنوع من النظام الصناعي ويترأس كل تعاونية (شركة موحدة) شيخ أو معلم رئيس لهذه الحرفة أو تلك (شيخ الكار حسب المصطلح العربي الدارج في القرون الوسطى – المترجم) وكان الانتماء العرقي (الآني) في العصور القديمة وفي القرون الوسطى لا ينفصل مطلقا عن اتفاق هذا الدين أو ذاك ، كان السريان مسيحيين وكان الفرس زرادشتيين وكان على السريان أن ينظموا أنفسهم ضمن جماعات تضمن لأفرادها الحماية والبقاء واستمرارية النشاط في مختلف الظروف . ثم ظهرت الجماعات المسيحية ممن تنتمي للمذهب ذاته لتلتف حول كنائسها ولتصبح أعضاء في جمعيات (نقابات) الحرفيين التي تقدم الدعم الاقتصادي للكنيسة مقابل الرعاية الأدبية والدينية والمعنوية والاجتماعية ومما يؤكد أهمية هذه الوحدات الإنتاجية – الدينية ما أشرنا إليه سابقا من حيث أن شيوخ الحرف ورؤساء الورش الصناعية الكبيرة وتجار المدن ، الداخلة في الجمعيات التعاونية الموحدة كانوا يضعون توقيعهم وأختامهم في نهاية (ذيل) مضابط الاجتماعات الكنسية مؤكدين في ذلك على إلزامية قراراتها بالنسبة للأفراد المنضوين في تلك الجمعيات والشركات والورش الموحدة

 

ومن حيث اللغة فقد كانت السريانية هي لغة مسيحيي بلاد فارس وبها كانوا يقرآوون الكتاب المقدس ويؤدون شعائرهم الدينية وعندما اعتنق عدد كبير من الفرس هذه الديانة الجديدة امتزجوا في نظامها العام ثم أصبحوا أعضاء في الجمعيات المسيحية (الأخويات) القائمة في البلاد

 

وقد بقيت الكنيسة السريانية لمدة زمنية معينة بعيدة عن التطورات التي حدثت ضمن العقيدة المسيحية ففي مذهب الحكيم الفارسي أفرهاط ، الذي صاغه في كتاب البينات أو البراهين قبل عام 345 م (حسب أغلب الدلائل التاريخية) لا يعثر على آثار لقرارات الإيمان والعقيدة المتخذة في المجمع النيقي سنة 325 م فمقالاته الثلاث والعشرون ليس هلينية المنطلقات أو المضمون وتحمل طابع البساطة والنظرة الشرقية غير المتأثرة بعد بالمفاهيم والمقولات المسيحية الغربية ، أما الهرطقات المعروفة لافرهاط فتتمثل في الآراء الغنوصية لفالانتينس (فالانتينيوس) ومرقيون وكذلك في عقائد المانويين التي لا يعرف شيء آخر غيرها في هذا المجال

 

ولم يكن التنظيم التراتبي والقانوني للكنيسة السريانية بأفضل مما ذكرنا في مجال التطور العقائدي في تلك الآونة صحيح أن المراتب معروفة تبدأ من الساعور فالقس فالشماس ، الذين يرأسهم الأسقف لكن ذلك لم يكن ضمن نظام كنسي دقيق . حتى أنه كان في بعض المدن أسقفان ورئيس واحد لكل الأبرشيات – المتروبوليت (المطرافوليط) أي المطران أو البطريرك اللذين لم يخضعا للانتخاب أما القرارات والإجراءات الكنسية (القانونية) فإنها نادرة الوصول إلى سدنة الكنائس أو أنها لا تنفذ كما يحصل في معظم الأحيان وقد حصل ذلك خاصة بعد الملاحقات القاسية التي جرت في القرن الرابع للميلاد

 

فالقياصرة المسيحيون الرومان الذين حاولوا إقامة علاقات ودية مع إيران أو على الأقل علاقات مقبولة سعوا قبل كل شيء إلى الدخول باتصالات مع السريان أي مع أبناء دينهم (المسيحيين) يساعدهم في ذلك ” الآباء الغربيون ” ممثلو كنائس الساحل السوري وإنطاكية والقسطنطينية

 

وقد لعب دوراً متميزاً في هذا المجال ماروثا أسقف ميافارقين ، الذي تحدث عنه المؤرخون والكتاب السريان ، والعرب والإغريق أيضا مع أن معلوماتهم لا تتطابق تماما في بعض المواضع واستنادا إلى أحد أقدم المصادر فقد سافر ماروثا الميافارقيني مرتين إلى إيران كموفد للإمبراطورية الرومانية حيث جرت إحداهما في عهد شابور الثاني (حتى عام     379 م) ويؤكد ذلك المؤرخ سقراط الذي يذكر أن ماروثا كان طبيباً ماهراً بالإضافة إلى انه كان مطرانا لمدينة ميافارقين (ميفرقط قديماً) . ونظرا لاشتهاره في مجال الطب ، طلب منه الملك الفارسي (عبر الإمبراطور الروماني) أن يعالج ابنه ، فشفي العليل على يديه الأمر الذي جعل الملك الفارسي يحدد مكافأته ، فكان طلبه : ” السلام والصلح ” فوقع ماروثا معاهدة صلح بين الإمبراطور الروماني والفارسي دامت طيلة حياتهما وإضافة إلى تلك المعاهدة الهامة استطاع ماروثا أن يقنع الملك الفارسي – المضطهد بالموافقة على تسليمه بقايا عظام الرهبان والمسيحيين المقتولين على يد الجنود الفرس فوافق الملك على رغبته هذه ونقل ماروثا تلك العظام إلى مدينة ميافارقين . صحيح أن أخبار المؤرخين البيزنطيين تحمل بعض المبالغات لكنها من حيث الجوهر والأساس صحيحة تماما أما زيارته الثانية فقد تزامنت مع بدء عهد الملك (الشاه) يزدجرد الذي تسلم مقاليد العرش في عام 399 م واستمر حكمه حتى سنة 420 م

 

وفي تاريخ الجاثليق الرابع عشر مار اسحق قصة تدور أحداثها حول إرسال الإمبراطور الروماني أرقاديوس (أركادي) رسالة إلى الملك الفارسي يزدجرد يناشده فيها تلطيف الموقف تجاه المسيحيين ويأمل منه منع ملاحقتهم والاستيلاء على ممتلكاتهم كان الملك يزدجرد مريضا في أثناء ذلك فاستقبل الأسقف ماروثا ” بسرور كبير ” حيث تلقى بوساطته رسالة الإمبراطور الروماني من جهة وأشفاه من أوجاع الرأس الصعبة من جهة ثانية

 

وكان جواب يزدجرد أنه أرسل للإمبراطور الروماني هدايا ملكية نفيسة وأوقف ملاحقة المسيحيين وأكرم الجاثليق اسحق وطيب خاطره واستغل الجاثليق اسحق وجود ماروثا فعقد مجمعاً كنسياً تقرر فيه تطبيق قوانين تسيير الكنيسة الفارسية كما هو الحال في الكنائس الغربية أما يزدجرد الملك فقد وافق على مضمون الرسالة التي سطرها الآباء الغربيون كما قدمها ماروثا في البلاط الفارسي وطبقا لأمر الشاه (الملك) في السنة الحادية عشرة من جلوسه على عرش (410 م) اجتمع في سلوقية قطيسفون أربعون أسقفا حيث تليت على مسامعهم الرسالة المذكورة (رسالة الآباء الغربيين) فاتخذ المجمع اثنين وعشرين قانونا كنسيا تضمنت كيفية تنظيم إدارة الابرشيات ونظام انتخاب الأساقفة…. الخ

 

والاهم من ذلك كله أنه تمت في هذا المجمع الموافقة على قانون الإيمان الصادر عن 318 أبا (أسقفا) ” قانون إيمان ” مجمع نيقية ولهذا أطلق ناشر قرارات المجمع المذكور عنوان “الترجمة السريانية” للقرارات الكنسية الرسمية والأرجح أن هذه القوانين اتخذت بتوجيه من سفير الإمبراطور الروماني أرقاديوس (أي ماروثا) أو على الأقل بإسهام فعال ومباشر من قبله

 

ويذكر أن ماروثا الميافارقيني ترجم رسالة الإمبراطور أرقاديوس إلى الملك الفارسي يزدجرد من اليونانية إلى اللغة الفارسية الأمر الذي يؤكد معرفته الجيدة لكلتا اللغتين

 

وقد جرى انتخاب اسحق بطريركا للكنيسة الفارسية في عام 399 م، بدعم من ماروثا أيضا أما في سنة 410 م فكان الجاثليق اسحق يمارس مسؤولياته بصورة تامة حيث توفي في السنة الثانية عشرة من حكم الملك يزدجرد وبهذا الشكل تكون قد جرت تسوية بين الكنيسة المسيحية والسلطة الحكومية في إيران وحصلت الكنيسة بموجبها على بعض الحرية فترأس تنظيمها الهرمي جاثليق يعين بالتفاهم مع الملك الفارسي (الشاهنشاه)

 

من المعروف أن المصادر الفارسية تعطي وصفاً سلبياً للملك يزدجرد ويشير المؤرخون إلى طبعه القاسي وشكوكه الكثيرة ورغبته في الثأر والانتقام لكن المسألة تنحصر في رأينا أنه خلافا لرأي الكهنة الزرادشتيين وجد مجالات معقولة للحصول على تأييد مسيحي دولته وحاول في الوقت ذاته إقامة علاقات جديدة مع الإمبراطور الروماني

 

وطبيعي ألا يلقى هذا التوجه في سياسته القبول أو الاستحسان في أوساط الطبقة الكهنوتية الزرادشتية في حين أن الكتّاب والمؤرخين المسيحيين يجمعون على الإشادة به ووصف عهده بعبارات الود والاحترام.

ويظهر أن التنظيم الجديد للكنيسة الشرقية (الفارسية) وفق النموذج البيزنطي والاعتراف بقانون إيمان مجمع ” الثلاثمائة عشر أبا ” أي ” قانون إيمان مجمع نيقية ” ، وانتخاب جاثليقاً لها وكل هذه الإجراءات التنظيمية لم تحمل الهدوء والطمأنينة والسلام إلى حياة المسيحيين في إيران كما يتضح ذلك من الوضع الذي حصل في مجمع عام 420 م حيث توفي ماروثا قبل أن يحضره لكن الأسس التي أرساها لعلاقات جديدة بين الإمبراطورية الرومانية ودولة الساسانيين نمت وحصلت على تطـور مطرد ففي السنة الحادية والعشرين من عهد يزدجرد (419 – 420 م) جرى تبادل السفراء (المبعوثين) بين حكام الإمبراطوريتين المتنافستين إذ أوفد الإمبراطور الروماني ثيودوسيوس الأصغر أسقف آمد – آقاق إلى ملك الملوك الماجد محب السلام ” من أجل السلم وطمأنينة الكنيسة والطوائف المسيحية في الشرق “

 

وحيث كان رأس الطوائف المسيحية في الدولة الإيرانية هو الجاثليق يهبالاها الأول فقد أوفد السنة الثالثة من تعيينه الموافقة للسنة التاسعة عشرة من حكم يزدجرد (417 – 418 م) موفدا إلى ” ملك الروم ” ” مع فائق الاحترام وعظيم التقدير “

 

وبهذا الشكل فإن تبادل السفراء والعلاقات السلمية الطبيعية بين الإمبراطوريتين العظيمتين وضعت أسسها بوساطة السريان الذين لعبوا هذا الدور الدبلوماسي الهام بنجاح كبير فعلا

 

اتخذ مجمع الأساقفة مجموعة من القرارات الكنسية ذات الطبيعة العالمية والمحلية علما أن نصوص القرارات كانت تشير اكثر من مرة إلى إسمي آقاق ويهبالاها كشخصيتين رئيستين وقد طلب الأساقفة من يهبالاها وضع قواعد يستنيرون بها في خلال قيامهم بواجباتهم الكنسية العملية بحيث تكون إلزامية وموحدة للجميع وأن ” يتلقاها كل واحد منهم عنه مباشرة ” . وكما يبدو فالمقصود هو أن تكون الأسس والقواعد مصاغة بشكل خطي ومصادق عليها من قبل الجاثليق

 

لكن هذا الوضع لم يثبت طويلا إذ تنافس على مقام الجاثليق أكثر من أسقف وفي المجمع المنعقد في عام 434 م أعرب عدد من الأساقفة عن عدم رضاهم الأمر الذي أدى إلى حرمانهم من اللقب حاول الجاثليق داد يشوع تهدئة الأوضاع المتأزمة لكن ذلك لم يكن بالأمر الهين عدا عن أن الدولة استأنفت الملاحقة والاضطهاد كما تشهد على ذلك الحوادث المأسوية التي يقصها سواء المؤرخون السريان أو المؤرخون اليونانيون

 

فما أن نمت فعالية المسيحيين وعظم نشاطهم حتى تغير موقف الملك يزدجرد الودي تجاههم إلا أن هذه المرحلة شهدت انتشارا واسعا للديانة الجديدة (المسيحية) في الأوساط الإيرانية الخاصة ولا سيما في شريحة الوجهاء والشيوخ فدخل رجال الدين المسيحيون بصراع مكشوف مع الكهنة الزرادشتيين.

حيث أن قتل أبدا ( عبدا ) ونرساي يعود إلى تحطيمهما بعض المعابد الزرادشتية وإطفائهما ” للنار المقدسة “. وكان أن أثار عملهما هذا المقاومة والعقوبة القاسية وعندما تحدث تيودوريطس السيري عن تدمير عبدا للمعابد الزرادشتية أشار إلى أن هذا التصرف لم يكن في وقته وللتدليل على رأيه ينقل بعض مواعظ بولس الرسول في أثينا الذي كان يرشد الناس بالكلمة ولم يقم بتحطيم معابد الوثنيين وأصنامهم وبعد ذلك يخبرنا التاريخ الكنسي عن الملاحقات الفظيعة في عهدي يزدجرد وبهرم الخامس ، وهو أمر تؤكده الآثار التاريخية والجغرافية السريانية

 

وقد ارتدى الصراع الفكري في الكنيسة السريانية – الفارسية في النصف الثاني من القرن الخامس للميلاد طابعاً حاداً وأصبحت التعاليم العقيدية موضوعاً لجدالات عنيفة وكانت أبرز المسائل إثارة للمناقشة والجدال تتمثل في اختيار الاتجاه المذهبي – النسطوري أو المونوفيزي (المنوفستي) . وقد أدى هذا الجدال إلى انقسام كنسي لا مفر منه ، لعب دوراً جوهرياً في الانقسامات اللاحقة في شتى المسائل المطروحة في هذين الاتجاهين المذهبيين

 

احتل مكانة كبيرة في هذه المجادلات العقائدية برصوما أحد تلامذة هيبا أسقف الرها ، الذي كان من أتباع آراء ثيودوروس المصيصي حيث أن مؤلفات المصيصي التفسيرية أصبحت أساساً لتطور الأفكار النسطورية لدى السريان والمعروف أن تفسير الكتاب المقدس كان المهمة الرئيسة والأساسية التي قامت عليها الدروس والبرامج التعليمية في مدرسة القرون الوسطى ذات التخصص الديني. ولهذا كان للسؤال الخاص بمن يفسر النصوص التوراتية والإنجيلية وكيف يفسر وما هي الآراء التي يؤيدها أساتذة مدرستي الرها ونصيبين أهمية لا تضاهى في تلك الآونة

 

كان لنشاط برصوما أهمية كبيرة حيث لعب دور المعلم الرئيس في مدرسة نصيبين ونظم لائحة بمواد الدروس والفروض التي يجب أن يسير عليها المعلمون والتلاميذ ولهذا أفرد تاريخ مدرسة نصيبين (أكاديمية نصيبين) لبرصوما صفحات أساسية مجللة بالاحترام كما لا بد من الإشارة إلى نشاطه الكنسي

 

كان برصوما فارسي الأصل وعبدا (لرجل مارا – المترجم) تحول إلى المسيحية ، درس في الرها ثم أصبح وعددا من أصدقائه الفرس أتباعا مخلصين لهيبا . في عام 434 – 435 م عاد إلى وطنه (إيران) واستطاع في أثناء برصوما في المباحثات الحدودية الجارية مع بيزنطة حيث أعلم الجاثليق اقاق أنه لا يستطيع السفر إلى العاصمة في الوقت الحاضر لأنه مشغول بمسائل هامة جدا تتعلق بترسيم الحدود بين الرومانيين والفرس وكان أسقف نصيبين (برصوما) عميق الاطلاع على المسائل الحدودية كما تحدث عن ذلك المرزبان (الحاكم الإداري) قارداغ نهويرغان في رسالة وجهها إلى الملك الفارسي ويجدر بالذكر أن برصوما احتل مكانة رائدة كأسقف لنصيبين وكان ميالاً في آرائه المذهبية إلى النسطورية فاستفاد من منصبه هذا لمحاربة المذهب المونوفيزي وأتباعه ومما انفرد به برصوما أنه أيد بشدة السماح للكهنة والرهبان بالزواج و(تزوج هو نفسه كما يفعل بقية الفرس) في حين أن الجاثليق باباي واقاق اعتبرا أن الزواج لا يناسب مقام الأسقف ولجأ الجاثليقان المذكوران وبرصوما إلى عقد مجامع محلية هاجموا بعضهم فيما وحاول كل فريق دحض آراء الفريق الآخر واستصدار قرارات تؤيد وجهة نظره ولكن هذه المجامع لم تملك تلك المكانة التي احتلتها المجامع السابقة ولم يكن لقراراتها صفة الإلزام المطلق عدا عن أنها منقسمة وكل مجمع كان واقعا تحت تأثير مذهب أو مجموعة من الآراء العقائدية كانت الكثافة الرئيسة للمونوفيزيين موجودة في الأديرة والرهبانيات التي وقفت ضد برصوما سواء من ناحية الآراء العقائدية أو فيما يتعلق بالأسس والقواعد الكنسية ولكن لا يصح القول أن برصوما كان يقف دائما في وضع الخصام والعداء مع الجثالقة في البداية مع بابوي (باباي) وبعد ذلك مع اقاق فقد عثر على أربع رسائل له موجهة إلى اقاق تشهد على احترامه وتقديره لرأس الكنيسة أضف إلى ذلك أنه عندما اصدم في نصيبيين ذاتها مع ممثلي المونوفيزية البيزنطية سارع إلى طلب التأييد والمساعدة من طرف الجاثليق اقاق وقد نمت مشاعر الود بينهما حتى انتهى الأمر بإعلان برصوما ورفاقه الطاعة للجاثليق اقاق ولاعتراف التام بسلطة الكنيسة وكان الصراع الفكري بين المونوفيزية والنسطورية عنيفاً بحيث أن الجدال العقائدي وصل إلى أوساط المسيحيون العرب وهذا مثبت في عدد كبير من المراجع وقد وجد التصادم المذهبي أصداءه في التنافس والهجوم الكلامي المتبادل بين الطرفين الذي حصل في قصر المنذر ملك العرب اللخميين في حيرة النعمان ويقدم يوحنا الافسسي في سيرة سمعان الارشمي (من بيت أرشم) وصفا حيا لذلك النقاش الذي جرى كما ينقل حجج الطرفين وأدلتهم وكل هذا يدل على الحياة الفكرية العاصفة في الأوساط المسيحية ضمن المجتمع الفارسي حيث كانت المشكلات الفلسفية والأخلاقية مادة لمجادلات حامية

 

إلى جانب المناقشات العقائدية واللاهوتية كانت اختلافات واسعة بخصوص الأسس والقواعد الكنسية المختلفة وفي طليعتها عدم موافقة الأساقفة الخضوع لتوجيهات وأوامر الجاثليق ففي رسالته الثالثة يعترف برصوما للجاثليق آقاق بصورة سافرة أن المجتمع الذي عقده في بيت لافاط (لافاط) كان خطأ منه ولهذا يطلب الصفح والعفو بشأنه وقد حضر برصوما المجمع الذي دعا إليه الجاثليق آقاق سنة 486 م ، وتذكر محاضر الاجتماعات هذه كل ما كان موضوعا للمناقشات في بيت لافاط وبعد ذلك يتم التوصل إلى حل سلمي لتلك الخلافات توفي أسقف نصيبين (برصوما) حوالي سنة 495 م ، وبعده بمدة قصيرة توفي الجاثليق آقاق أيضا لكن الخلافات التي كانت بينهما طرحت مجددا في مجمع 497 م ، الذي عقده بدعوة من الجاثليق بابوي (باباي) وتقرر في هذا المجمع رفض آراء الجاثليق آقاق وأنصاره الموجهة ضد برصوما وكذلك ردود الأخير واعتراضاته الموجهة للجاثليق آقاق

 

واعتبرت قرارات مجمع ساليق وقطيسفون نهائية وإلزامية حيث تقرر رفض زواج الكهنة خلافا للرأي أقر سابقا بضغط من برصوما لكن الاضطرابات الكنسية تجددت بعد موت باباي (بابوي) مباشرة (502 – 503 م)

 

سبق أن توقفنا في إحدى دراساتنا عند أهمية الحركة المزدكية بالنسبة لمختلف الجماعات السكانية الموجودة في إيران فقد مست هذه الحركة الاجتماعية المتشحة برداء ديني فئات عريضة من المجتمع حيث لم تستطع إخفاء جوهرها التغييري الثوري وكما تبين المصادر التاريخية المتوفرة أن هذه الحركة مدت تأثيراتها على البيئة غير الزرادشتية ويهمنا هنا التأكيد على حقيقة أن المناقشات التي دارت بين برصوما والجاثليق آقاق تساوقت زمنيا مع التجليات الأكثر حدة في الحركة المزدكية أي في الفترة التي أزيح فيها قباذ (كواد) عن سدة العرش وآلت إلى زاما شبا (من 491 حتى عام 497 م ) . فقد كتبت رسالتا برصوما الأوليتان إلى الجاثليق آقاق في عام 484 م ، وفيها حديث عن جوع عظيم وفقر مدقع وخراب جاءت على ذكره مصادر أخرى تعود إلى عهد الملكين فيروز وبالاش وهذا ما يؤكد أن الاضطرابات الاجتماعية انعكست على جميع جوانب الحياة في إيران وعلى جميع الفئات وعلى جميع العناصر السكانية بما في ذلك على المسيحيين كما أشرنا إلى ذلك في دراسات سابقة لنا.

وقد ألمحنا من قبل إلى أن برصوما كان واسع الاطلاع في هذه المسائل حيث قام بدور ممثل إيران في توقيع معاهدة السلام وتطبيع الحدود بين إيران وبيزنطة ولكن لا بد من تسليط الضوء على ناحية أخرى من نواحي حياة المدينة التي كان برصوما أسقفا لها – مدينة نصيبين فمن الجدير بالذكر أن نصيبين التي تقع على الحدود تأثرت بالحروب بين الإمبراطوريتين فعظم استياء الناس من نتائجها كما أن قسما من سكانها السريان والفرس المسيحيين كانوا موالين لبيزنطة وربما يكون رأس السلك المسيحي (الاكليروس) في المدينة مؤيدا لهذا الموقف هو الآخر ولكنه في كل الأحوال لم يقف في سلوكه الفعلي إلى جانب هؤلاء أو أولئك ولم يخبر المرزبان المشرف على المنطقة شيئاً عن نوايا السكان أو أهوائهم خشية أن ينعكس ذلك سلبا على مصير المسيحيين وقد بينا في دراسات لنا كيف أن الناس أظهروا سخطا واستياء وجرت تحركات واضطرابات اجتماعية في المدينة بل وحصل رفض للامتثال للسلطة الروحية كما تخبرنا عن ذلك بعض المصادر والمثال الساطع على ذلك يتجلى في السلوك “المخزي” – كما تسميه المصادر السريانية – الذي انتهجه إبراهيم براودمير من بيت لافاط الذي أعلن ندمه في المجمع النسطوري المنعقد سنة 544 م . فقد وجه اللوم إلى هذا الأسقف في أنه “باع الأواني الخزفية ” أما الأموال التي قبضها فإنه وزعها على شكل اعطيات لأناس استمرت في تصاعد لدى السريان في أثناء الفتح العربي لبلاد الفرس وما جاورها

 

وقد عاش في عهد الجاثليق صليبا زخا (زيخا) الجبيلتي الذي جئنا على ذكره بمناسبة الحديث عن تأسيسه عدد كبير من المدارس (24 مدرسة ويقال أيضا 60 مدرسة – المترجم). وكذلك عن تجديده للألحان البيعية وللنظام الموسيقي الديني وقد ارتبط اسمه بعدد كبير من التآليف في الأناشيد والتراتيل الكنسية عدا أنه كان معلما لمجموعة من مشاهير الكنيسة النسطورية وله إضافة إلى التراتيل المعروفة رسائل ومقالات بينها مقالة في مناقب نسطور (نسطوريوس) . وقد كتب عنه مفصلاً توما المرجي في الفصول الأولى من كتابه الثالث في عداد ” التاريخ الرهباني ” (كتاب الرؤساء)

 

أما الجاثليق مار آبا الثاني فقد رسم وهو طاعن في السن وذلك سنة 741 م . ولكن باعتبار أنه لم يتمكن من حل الخلافات الناشئة بينه وبين الهيئة الكنيسة التي يقودها (الاكليروس) فقد اعتزل الجثلقة وانزوى في بلدته كشكر (كسكر) . ومن المعروف أنه كتب شرحا لمؤلفات القديس غريغوريوس النزنيزي وشروحا أخرى لبعض كتب أرسطو مثل ” الاورغانون “. إلا أن ماري بن سليمان يخبرنا أن تآليف مار آبا الثاني “شوهت”، أي تم تضمينها إضافات ومسائل كتبها تلاميذه الأمر الذي لا نستبعد وقوعه وقد بقي مؤلف وحيد لآبا الثاني يتضمن رسائله وخطاباته إلى رئيس أكاديمية سلوقية وأساتذتها النساطرة وفيها شرح وتوضيح للوضع الحاصل في قطيسفون حيث نشب الخلاف بينه وبين الاكليروس مع تمنياته بإنهاء هذا النزاع . وترتدي أهمية تاريخية كبرى بالنسبة للكنيسة النسطورية الزيارة الشخصية التي قام بها مار آبا الثاني إلى الكوفة لمقابلة الأمير يوسف بن عمر الثقفي والتي تمكن فيها من توثيق عرى الصداقة مع هذا القائد العربي

 

وقد لعبت هذه الصداقة والتفاهم دورا إيجابيا هاما في السياسة الدينية التي كان ينفذها يوسف الثقفي كما زار آبا الثاني الحيرة مركز العرب – اللخميين حيث استقبل فيها بحفاوة بالغة من أسقفها (حبرها) يوحنا أزرق ورعيته

 

وأخيراً (في عام 751 م) مات الجاثليق آبا الثاني كما أطلق على نفسه ليميزه الناس عن مار آبا الأول الكبير

 

ويجدر بالذكر أن الجدل الاكليروسي ثار أيضا في أثناء انتخاب البطريرك حنانيشوع الثاني الذي تم في سنة 774 م حيث وجد عدة مرشحين لهذا المنصب كما لم يشترك في هذا الانتخاب أو يؤيده الطامح الأساسي في البطريركية – مطران كشكر (كسكر) وتعد وثائق مجمع عام 775 م . المنعقد برئاسة حنانيشوع الثاني ومقرراته آخر قوانين نسطورية تتم على هذا المستوى لكن المحاضر الخاصة بالمرحلة المتأخرة لم تدرج في تلك الوثائق

 

وهذا ما يسمح بالافتراض أن المجموعة المشار إليها (المحاضر والمقررات) وضعت ومرت بتصحيحاتها ولمساتها الأخيرة بإشراف الجاثليق المذكور شخصيا لقد أشرنا إلى المقررات الكنسية ومحاضر المجامع النسطورية لأنها تشكل إحدى أهم الشهادات الوثائقية الدقيقة فيما يتعلق بتاريخ المسيحية الشرقية

 

والواقع أن السريان نجحوا على مدى قرون عدة في نشر المسيحية في أقاصي الشرق منطلقين من بلاد الرافدين وقد تجلت نتائج جهودهم وأنشطتهم التنويرية والتبشيرية في أواسط القرن الثامن وبدايات القرن التاسع ” للميلاد “. ويشهد على ذلك أنه في عهد بطريركية حنانيشوع الثاني بوشر بإعداد نصب منقوش باللغتين السريانية والصينية تخليداً لذكرى هذا البطريرك وقد أقيم هذا النصب عمليا بعد موته في ” سي – نفن – فو ” ، حيث تتحدث كتابته التذكارية بالسريانية – الصينية عن نشأة المسيحية ودخولها بلاد الصين وقد أقيم هذا النصب التذكاري سنة 781 م ، أي بعد موت البطريرك حنانيشوع الثاني ويقال أنه مات في سنة 779 – 780 م مسموما بيد الجراح الشخصي (الحجام) للخليفة أبي العباس ودفن في المدائن والسبب في ذلك كما يذكر المؤرخون أن حنانيشوع هذا حاول استرجاع منطقة دوكراه (دوقراخ) التي سلمها سلفه إلى أبي العباس

 

ومن معاصري حنانيشوع الثاني نذكر ايشوعبوخت (ايشوع بوخت) من روأرداشير الذي أملت عليه نوعية نشاطه التأليفي الظروف الجديدة لحياة السريان التي تطلبت انضباطاً معيناً وتنظيماً أكبر فالواقع أن العلاقات التجارية الواسعة قادت إلى انتشار عقيدتهم وأيديولوجيتهم فالخلايا المسيحية التي ظهرت في مناطق آسيوية مختلفة أدخلت إليها النظام الكنسي للطائفة وأخضعت لتوجيهات وإرشادات الكنيسة وفي الوقت ذاته كانت تبرز حاجات ملحة في تحديد معايير الحياة العملية خاصة وان التقاليد المسيحية لم تتراكم أو لم تتبلور بالشكل الكافي في تلك المناطق النائية ولهذا تعتبر المجموعة القانونية التي وضعها ايشوعبوخت مهمة في مسائل التشريع الأسري والزواج والإرث والديون وغيرها من القضايا الاجتماعية والاقتصادية الهامة واليومية وضعت مجموعة القوانين والاجتهادات هذه بادئ الأمر باللغة الفارسية المتوسطة (البهلوية) حيث تتضح فيها بصمات التأثير الساساني المتمثل في ” كتاب ألف حكم قضائي ” الذي لعب دوراً كبيراً في الشرق الأدنى بأكمله وفي الوقت نفسه فإن الأحكام المتعلقة بأسس الزواج ودرجة القرابة التي تسمح للطرفين بعقد الزواج وما يماثلها من مسائل والقضايا درست بما ينسجم مع مقررات الكنائس أما المسائل المتعلقة بالوراثة ومعاملة لديون والقروض والبيع والشراء فقد أقرت أحكامها بعد الأخذ بعين الاعتبار (إلى حد معين) التقاليد والعادات الدارجة وما يدخل في باب العرف والعادة

 

وقد ترجمت مجموعة الأحكام التشريعية هذه من البهلوية إلى السريانية بأمر من البطريرك طيمثاوس الأول كما تؤكد ذلك المقدمة الموضوعة في الجزء الأول منها . ويذكر أن المؤرخين ينسبون إلى طيمثاوس هذا وضعه لمجموعة من ” السنن والأحكام الكنسية والوراثية ” وتحتوي على تسعة وتسعين سؤالاً وجواباً في تلك المسائل مع مقدمة المؤلف (طيمثاوس الأول الجاثليق). ولقد أردنا من خلال الحديث عن هذه الناحية القول بأن التآليف القانونية التشريعية المكتوبة باللغة السريانية تتطلب اهتماما خاصا باعتبارها تشكل حلقة متوسطة ما بين التشريعين البيزنطي (اليوناني – اللاتيني) والإيراني (البهلوي) من جهة والقوانين التشريعية التي سنها الفقهاء المسلمون من جهة أخرى

 

والواقع أن انتشار النسطورية في الشرق (الأوسط والأقصى) أدى إلى حتمية وضع مجموعة من أسس السلوك والانضباط سواء للرعاة (رؤساء الكنائس والقائمين على شؤونها) أو للرعية بهدف إرساء أسس متينة للثقافة المسيحية تجعلها منارة ثقافية تقف في مكانة مرموقة بين الثقافات العالمية الأخرى

 

    نينا بيغوليفسكايا” ثقافة السريان في العصور الوسطى “ – دار الحصاد والتوزيع – دمشق – سوريا

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *