تحت سيطرة الخلفــاء – القرون الثلاثة الاولى – عصر الانحطاط

Posted by on Aug 26, 2019 in Library, السريان في التاريخ - الدكتور عزيز عطية - ترجمة حنا عيسى توما | Comments Off on تحت سيطرة الخلفــاء – القرون الثلاثة الاولى – عصر الانحطاط

تحت سيطرة الخلفــاء

قُبيل الفتح العربي لسورية والشرق الأوسط كانت الكنيسة السريانية ، ومثلها الكنيسة النسطورية ، قد أصبحت كنيسة غير قانونية ، وبات كهنوتها غير مشروع . كان البطريرك اليوناني أو الملكي ، بطريرك الأرثوذكس في أنطاكية ، الوحيد الذي وافق عليه الإمبراطور البيزنطي ، وكان المطارنة ورجال الدين الخلقدونيون التابعون للإمبـراطور وحدهم الذين أجازت لهم الدولة بالعمل . أمّا النساطرة فكانوا قد اختفوا وراء الحدود البيزنطية وعاشوا في أمان داخل بلاد فارس بعيداً عن الإضـطهاد البيزنطي ، ومن ناحية أخرى، تعـرّض السريان الأرثوذكس الذين كانوا الأغلبية في سورية إلى اضطهاد شديد ، ما اضطرّهم إلى العمل سرّاً ، كما أوردنا في سيرة يعقوب البرادعي.

مع قدوم العرب تغيّرت الصورة على نحوٍ كامل . لم يعرف أتباع النبي محمّد ، في العقود الأولى ، إلاّ القليل أو لا شيء عن الاختلاف بين عن الطوائف المسيحية ، ولو عرفوهم  “ بأهل الكتاب “  ، ووعدوهم بالحماية والعيش بأمان ما داموا لا يتدخّلون في الإسلام وجيوشه الفاتحة ، وما داموا يدفعون الجزية . كانت مصلحة الدولة الجديدة في المقاطعات المسيحية التي احتلّها المسـلمون حديثاً محصورة بالتعايش السلمي مع أهل الذمّة ، وبجباية نوعين من الضرائب : الضريبة الأولى وهي الخراج ، أو ضريبة الأرض ، ولقد فُرضت بالتساوي على المسيحي والمسلم دون تمييز . والضريبة الثانية وهي الجزية ، أو ضريبة محدودة يدفعها الفرد ، ولقد فُرضت هذه على البالغين من المسيحيين فقط وقُدّرت قيمتها بدينار واحد يُدفع عن الشخص الواحد بدلاً من الخدمة العسكرية . ولقد عُدّلت ضريبة الجزية لاحقاً لتتطابق مع وضع الفرد الشرعي فانحصرت في الأفـراد العاملين واستثني منها النساء والأطفال والقساوسة والرهبان والشيوخ . وبذلك ، أصبح المسيحيون اليعاقبة والنساطرة  والأرثوذكس شعباً واحداً يتمتّع بالامتياز نفسه ويخضع للضريبة ذاتـها دون تمييز .

 لقد أحرز اليعاقبة تحت إمرة الإسلام حقوقاً دينية لم يعرفوها في أثناء وجودهم مع البيزنطيين شركائهم في الدين . لقد تميّزت سجلاّت الإسلام التاريخية المبكّرة بروح التسامح والشعور السويّ بالعدالة ، ورافق هذا الإحساس تلهّف العرب إلى الإستفادة من الثقافة والعلوم المتقدّمة عند الشعوب القديمة التي كانت تحت سيطرتهم بغضّ النظر عن الاختلاف في الأديان . وهذا الموقف السليم يفسّـر المكانة العالية التي احتلّها اليعاقبة والنساطرة في بلاط الخلفاء.

ثمّة عامل آخر أسهم في تزويد اليعاقبة بفرصة توسيع رقعة تبشيرهم في اتجّاه الشرق حيث كانت أغلبية تلك المناطق حكراً للنساطرة ، وكان هذا العامل اتحّاد سورية وبلاد ما بين النهرين وفارس تحت إمـرة العرب ، وقد أدّى إلى إزالة الحدود القديمة بين المقاطعات الآسيوية التي كانت تحت الحكم البيزنطي والسيطرة الفارسية.

 ومع أنّ  اليعاقبة لم يستطيعوا أبداً تغطية الرقعة نفسها كالنساطرة في حملاتهم التبشيرية في آسيا الوسطى والشرق الأقصى ، إلاّ  أنهّم بـدأوا العمل تحت سيطرة العرب في جدّ واجتهاد في بلاد ما بين النهرين وفارس وحتى بين النساطرة أنفسهم . ومن الخطأ القول إنّه لم يكن لليعـاقبة وجود أو ممثّلون في تلك المنطقة (فارس) قبل قدوم العـرب . لقد كانت  “ شيرين “  الشهيرة الزوجة الأولى وملكة  “ كوسروس الثاني بارفيز “  (590 – 628) مسيحية يعقوبية (سريانية).

 وخلال فترة لاحقة عُرفت بالنـزاع ترفّع راهب يعقوبي شاهد نهاية الحكم الساساني يُدعى  “ ماروثا “  (629-649) إلى المقام الأسقفي الموقّر في تكريت ، وكان له 15 مساعداً في فارس وبلاد ما بين النهرين . والحقّ أنّ النساطرة تمتّعوا بتأييد خاصّ في العهد الفارسي ووريثه العهد العـربي ، وأنّ مركز الكنيسة المسيحية الوحيد كان مقرّ الكنيسة النسطورية في عاصمة الإمبراطورية الجديدة . مع ذلك فقد كان وضع اليعاقبة الجديد مزدهراً وممتدّاً خارج الحدود السورية إلى المناطق الفارسية تحت غطاء ما يُسـمّى :  “ السلم العربي “  .

 في بداية القرون الأولى من الحكم العربي كانت لهم فترات عظيمة من النجاح والتقدم استمرّت حتى مجيء الصليبيين الذين غيرّوا موازين القوى في الأرض المقدّسة والشرق الأوسـط بكامله . وكان الصليبيون العامـل الفاصل في عزل المسلم عن روح الصداقة مع جيرانه المسيحيين.  ولكن ، من الخطأ الزعم أنّه لم يكن هناك اضطهاد للمسيحيين قبل تلك الفترة . كقاعدة عامّة ، كان هناك عداء متقـطّع تجاه المسيحيين ، إلاّ أنّه لم يكن صادراً عن سياسة محدّدة في الدولة الإسلامية المبكّرة ، بل كان متوقّفاً على نزوة الحاكم . وكانت الحرب الصليبية العامل الحاسم في تغريب المسلم عن روح الصداقة التي كان يحملها لجاره المسيحي.

بعد ذلك ، تدهور الوضع الاجتماعي للكنائس الشرقية وطوائفها ومنها اليعاقبة . وأثبتت العصور الوسطى اللاحقة أنهّا كانت نهاية عظَمة اليعاقبة وحيويتهم القديمة . كانت فطنتهم اللاهوتية وعبقرية أدبهم السرياني قد اضـمحلّتا من الوجود . ولم يبقَ منهم ، منذ ذلك الحين وما تلاه إلاّ أقليّة فقيرة مضطهَدة متقلّصة تعيش على ذكريات تراثها القديم.

 

القرون الثلاثـة الأولـى

لم يكن تاريخ اليعاقبة منذ القرن السابع وحتى القرن العاشر متوهّجاً كالنساطرة ، الذين ازدحمت مدرسة  “ دار الحكمة “  العباسية بمثقّفيهم بدءاً من  “ حنين بن اسحق “  وعائلته ، غير أنّه ثمّة جانب مشرق وتوجّهات جديدة لهذا التاريخ في ظلّ الحكم العربي . لم تكن هناك حاجة ملحّة الى الجدل اللاهوتي والتآويل التوراتية ، كمالم يكن هناك حافز للـدفاع عن الأرثوذكسية أمام مجاهرة اليونان الخلقدونيين التي تميّزت بها الفترة البيزنطية . لذا وجّه اليعاقبة – وهذا ينطبق على النساطرة أيضاً – كتاباتهم المبدعة بالسريانية والعربية الى موضوعات سِيَر القدّيسين والتاريخ والفلك والعـلم والطبّ ، ومع مـرور الزمن ، ومع تقدّم اللغة العربية تقلّص دَور اللغة السريانية ، حتى أصبحت ، في النهاية ، لغة تُستخدم في الطقس الديني فقط.

لم يكن معظم اليعاقبة البارزين ، كما سيتّضح في ما بعد ، مجرّد بطاركة منهمكين باستمرار في الانشقاقات الكنسية والصراع من أجل البقاء . وإنّ أول من يستحقّ الذكر في هذا العهد كان الكاهن اليعقوبي  “ ماروثا “ ، مطران تكريت ، وهو أول من حمل لقب  “ مفريان الشـرق “  من العام 629 وحتى موته في العام 649 ، أي بعد الغزو العربي . بسط  “ ماروثا “  سُلطة الكنيسة على الرقعة الممتدّة من الحيرة في الجزيرة العربية وحتى ما وراء الحدود الفارسية . وإذا كانت المفريانية الآن رمزاً فخرياً يمثّل الماضي ، إلاّ أنّـها كانت حينذاك مؤسسّة هامّة جدّاً مردّ ذلك أنّ البطاركة لم يكونوا في وضع يتيح لهم الاهتمام بالولايات الشرقية النائية ، لذا كان المفـريان يتحمّل عبء العمل في الولايات الواقعة تحت سيطرة النساطرة . فضلاً عن ذلك، كان يتوجّب عليه أن يعتق البطريرك من مسؤوليته في المناطق البعيدة والموزّعة على نحوٍ واسع ، مفوّضاً عنه المفريان في اختيار مساعديه.

 كان  “ ماروثا “  مساوياً في نشاطه للنسطوري  “ برصوما “  ، في الدفاع عن الأرثوذكسية في فارس وبلاد ما بين النهرين ، وإليه تُعزى رسالة قيل إنّه كتبها بنـاءً على رغبة البطريرك اليعقوبي  “ يوحنّا الاول “  (631-648) . لقد قال ابن العبري عن هذا البطـريرك إنّه أول من نقل الإنجيل إلى العربية بناءً على طلب من الأمير عمر بن سعد. كان البطريرك يوحنّا الأول دون شكّ أحد روّاد العلم الهيليني – السرياني .

وفي بطريركية يوحنّا تفوّق  “ سـويريوس سيبوخت “  (667 – ) من دير قنّسرين في دراسة الفلسفة الهيلينية والرياضيات والفلك واللاهـوت . ومن أعماله بحثٌ شامل في القياس المنطقي لأرسطو ، وأعمال أخرى عن الأَسْـطُرلاب ( آلة فلكيّة قديمة لقياس ارتفاع الشمس أو النجوم ) ، وعن دائرة البروج.

أصبحت رهبانيّة قنّسرين مركزاً يعقوبياً حقيقياً للتعليم تحت رعاية  “ سويريوس سيبوخت “ . ومن أبرز خريجي قنّسرين في القرن السابع  “ يعقوب الرهاوي “  (633 – 708) ، المطران ،  واللاهوتي، والمفسّر ، والنحوي، والفيلسوف ، والمؤرّخ . لقد وُصِف  “ بجيروم “  الكنيسة اليعقوبية واعتُبر الأشدّ غـزارة بين أعضائها في كتاباته . وبصرف النظر عن إتمـامه تنقيح العهد القديم والتفسير الشامل للتوراة،   أسهم على نحوٍ كبير في ترسيخ القدّاس السرياني بعد تنقيح دقيق للقدّاس القديم الخاصّ  بالقدّيس يعقوب. نظم الأنافورة ، وطقس المعمودية، ومراسيم الزواج الشرعية ، وتقويم احتفالات الكنيسة الدينية . ومن بين ترجماته من اليونانية كان أحد كتب  “ سويريوس الأنطاكي “  . كما أنّ كتابه المتعلّق بقواعد لغة ما بين النهرين اشتمل على بحث موسع في التعديل الذي طرأ على الألسنة السريانية وضبط التهجئة بمنزلة تتمّة لكتاب  “  التاريخ الكنسي “   “ ليوسيبيوس القيصري “  ، وقد استعمل كتاب  “ يوسيبيوس “  كلّ من ميخائيل الكبير وابن العبري . كلّ ما تبقّى من مؤلّفاته التاريخية لايتعدّى بضع صفحات مفكّكة ومبتورة ، وهي الصفحات الوحيدة التي بقيت من عمله الضخم الذي كان سيزوّدنا بمعلومات عظيمة الأهمّية عن تلك الفترة الغامضة . أمّا  “ رسائله الإنجيلية الكثيرة إلى يوحنّا العمودي “  ، (وهو من بلدة الأثـارب قرب حلب) ، وغيرها لشخصيات معاصـرة فتلقي أنـواراً ساطعة على مشاكل زمـانه . وفي الفترة الأخيرة من حياته باشر يعقوب دراسة هامّة حول المخلوقات والخليقة بعنوان (الأيّام الستّة) ولكنّه تركها دون أن ينتهي منها اعتُبرت هذه الدراسة الجزء الثاني من موسوعة المعارف اللاهوتية ، عُرف  الجزء الأول منها باسم  “  علّة كلّ العلل  “  ونُسب إليه مع أنّ الكتاب يحمل عبارة تذكر أنّ المؤلّف هو مطران الرها . في صيغته المعروفة يبقى هذا العمل غير منتهٍ ، ولكنّ قسماً منه يمثّل كلّ ما أجمعت عليه النظريات العلمية في ذلك العهد ، ويصف الكاتب نوعاً من العالم المثالي حيث يتّحد فيه الناس في دين واحد ، ولقد تجنّب فيه أيّ تعبير قد يؤدّي إلى معاداة اليهود والإسلام . والذي يوجّه الأنظار هو تعاطفه مع فلسفة العرب الصوفية.

كان يعقوب الرهاوي ، بالإضافة إلى نشاطه الأدبي الضخم ، المحرّك القويّ في محاولة إصلاح الكنيسة ، ولكنّه حين حاول فرْض تهذيب صارم علىالأديرة في أبرشيته ، ثار الرهبان عليه ، ووقف البطريرك اليعقوبي  “ جوليان “  إلى جانبهم . عندها، أخذ المطـران نسخة من القانون الكنسي القديم وأحرقها على بوّابة مركز المطرانية ، معلناً الرغبة في إتلاف ما وصفه البطريرك أنّـه غير ضروري . ثمّ ترك أبرشيته متنقّلاً من أبرشية إلى أخرى يعلّم ويكتب ويعظ حتى موته عشيّة عودته إلى الرها سنة 708. وغالباً ما يطلق  اليعاقبة عليه اسم  “ فيلوبونس “    “ المجّد “  و  “ المفسّر “ .

استدعت عملية  إنهاء كتاب  “ الأيّام الستّة “  شخصاً آخر ، ولقد قام بهذه المهمّة جورج ، مطـران العرب (686 – 724) الذي كان صديقاً وتلميذاً للرهـاوي في قنّسرين . ومن مركز أبرشيته في أكولا (الكوفة) كتب رسائل كهنوتية وفلسفية عديدة ، ودافع عن قوانين الكنيسة الأرثوذكسية تجاه غارات النساطرة ، وكتب أيضاً رسائل أخرى تتعلّق بالتاريخ وعلم الفلك. ويثني الكاتب الفرنسي الحديث  “ أرنست رينان “  على كتـاباته المتعلّقة   “ بأورغانون “   أرسطو (مجموعة مبادىء خاصّة في البحث العلمي والفلسفي ) ، قائلاً إنّه ليس بين التفاسير السريانية ما يضاهيها من حيث الأهمّية والمنهج والدقّة.

والظاهر أنّ الكنيسة اليعقوبية كسبت الكثير في ميدان التبشير في ذلك الحين . ولا شكّ في أنّ الحدث الهامّ كان تحوّل  “ الياس “  ، وهو سرياني مؤمن بطبيعتين في يسوع المسيح ، إلى الأرثوذكسية ، بعد درس أعمال  “ سويريوس الأنطاكي “  . وقد انتُخب في ما بعد بطريركاً على اليعاقبة (709 -724) ، وكتب الياس إلى  “ ليو “ ، مطران الملكيين في حرّان ، ردّاً على رسالته، يشرح ويدافع فيها عن أسباب تحوّله عن إيمانه .  وعمل بطريرك آخر هو  “ قرياقس التـكريتي “  (793-817) ، على كسب الأرمن اليوليانيين . وفي عهد خلفه  “ ديونوسيوس التلمحري “  ، أعاق الإنقسام تقدّم الكنيسة ، وذلك حين فنّد الرهبان رأي البطريرك حول  “ الخبز المقدّس “  ، ما جعل الناقمين يسرعون إلى انتخاب إبراهيم ، من  “ دار قرتمين “ ، كمعارض للبطريرك ، وأدّى هذا إلى مشاهد مخزية أمام السُلطة الإسلامية . لمّا هدأت العاصفة ، باشر البطريرك  “ دينوسيوس “  زيارات عديدة حتى يهـدّىء الرعية ،  وحقّق امتيازات كثيرة للكنيسة بتودّده إلى بلاط الحكّـام الذين رفع احتجاجاته إليهم . ثمّ ذهب إلى مصر بين العامين 825 و 827 ، ليحصل على رسالة من مبعوث الخليفة المأمون عبد الله بن طاهر إلى أخيه محمّد ، الذي كان قد أمر بهدم جميع الأبنية الدينية الجديدة في الرهـا . وفي سنة 829 ذهب إلى بغداد وبعدهـا إلى دمشق للتباحث مع الخليفة في شأن الأقباط البوشمريين الذين كانوا قد تمـرّدوا على الحكم العربي ، ولكنّه فشل في توسّطه بين الفريقين لأنّ الخليفة كان قد بعث جيشه وقمـع التمرّد . وبينما كان في مصر زار آثارها القديمة ومنها المسلاّت والأهرامات ، وفي سنة 835 زار بغداد ثانية لتهنئة المعتصم على تولّيه الحكم خلفاً للمأمون ، وهناك قابل ملك النوبة المسيحي ، الذي كان قد جاء للسبب نفسه . وخلال فترة بطـريركيته انشقّت الكنيسة من النـزاع داخلياً،  وذاقـت الألم والعذاب من الحكّام المسلمين خارجياً . من المعروف أنّ  “ ديونيسيوس “  كتب تاريخ العالم في الفترة الواقعة بين تبوّء الإمبراطور  “ موريس “  على العرش في سنة 582 وموت  “ ثيوفيليوس “  في سنة 842 . وتاريخ العالم عملٌ له أهمّيته القصوى لتناوله الأحـداث التي مرّت على الكنائس السريانية . ومن بين الذين استعانوا بهذا الكتاب  “ ميخائيل السرياني “  ومؤرّخون لاحقون، ولكن ، لسوء الحظ ، لم ينقذ من النصّ الأصلي إلاّ قسم قليل.

وعند انتهاء هذه الفترة الزمنية ظهر  “ موسى بن كيفا “  الذي مات سنة 903 عن عمر يناهز 90 عاماً . كان اهتمام موسى منصبّاً على اللاهوت والتفاسير والعظات الدينية والفلسفة ، ومن أعماله :  “ الأيّـام الستّة “  وقد تأثّر في عمله هذا على الأرجح، بيعقوب الرهاوي ، ومن بين كتبه الأخرى :  “ الجدل ضدّ الهرطقة  “  ، وبحث آخر عن الطـوائف كان مثار الانتباه ، وتعليق على العهدين الجديد والقديم ، وتعليق آخر على أعمال  “ غريغوريوس النازينـزي “   وأنافـورتان (إحداهما  مشكوك في نسبتها إليه)،   وكتاب  “ الديالكتيك “  لأرسطو غير أنّه يحمل اسم  “ موسى بن كيفا “ .

استطاعت الكنيسة مع الأعباء الثقيلة في أثناء حكم المسلمين أن تحتفظ بدرجة عالية من الإستقلال الذاتي ، فلقد انتهى تدخّل الخليفة كقاعدة للتصديق على انتخاب البطريرك وعلى التعويضات الدورية لضرائب الجزية والخراج . كان المسيحيون الطبقة المثقّفة في المجتمع، ولذلك تبوّؤا مراكز أساسية جدّاً في البلاط العباسي في بغداد . وكـانت مكتباتهم وثقافتهم وكذلك كان كتّابهم ، ومنهم اليعاقبة الذين تحدّثنا عنهم سابقاً ، الأقنية الطبيعية في إيصال ثمار الثقافة الهلنستية الى الثقافة العربية . وفي أوائل الحكم العباسي تمتّع المسيحيون عامّة بحرّية التفكير والعمل ، وأصبحت زيـارات البطريرك اليعقوبي تتكرّر الى البلاط ، مع أنّ مفريان تكريت هو الذي كان يهتمّ بشؤون اليعاقبة في ذلك القسم من بلاد ما بين النهرين والشرق الأوسط البعيد ، أمّا البطريرك  النسطوري أو الكاثوليكوس ( الجاثليق ) فكان الوحيد الذي سمح له بالاستقرار في بغداد . لقد كانت أغلبية التجارة العـربية في أيدي المسيحيين وهـذا ما زاد في غِنى جماعتهم وأثّر تأثيراً كبيراً في نهضة الكنيسة بالإضافة إلى ترسيخ المؤسسات الرهبانية بما في ذلك مدارسهم ومكتباتهم.

 

عصـر الانحـطاط

لم تدم روح التسامح التي تميّز بها الحكم العربي إلى الأبد ، فلقد كان هناك ظرفان ساهما على نحوٍ واضح  في تغيير معاملة العرب للجاليات المسيحية التي كانت تحت سيطرتهم واهمها:

أولاً – الازدياد المستمرّ للطبقة المثقّفة بين المسلمين الذي جعل الخلفاء أقلّ اعتماداً على الموظفين المسيحيين . وهناك حالات كثيرة قام فيها الخلفاء والسلاطين بطرد المسيحيين من أعمالهم بالجملة ، أحياناً بذريعة ، ولكن في معظم الأحيان بلا مبرّر سوى أنّهم من دين آخر.

ثانياً – أصبح انخفاض  نسبة العنصر العربي الصرف وضعف الخلفاء المستمرّ إزاء ازدياد نفوذ العناصر غير العربية في الحكم الإسلامي أمراً تصعب مقاومته.

وفي الإمكان أن يرد هذا الوضع إلى حكم الخليفة المعتصم (833- 842) ، الذي كان ابن هارون الرشيد من جارية تركية . فلقد أوجد المعتصم لحمايته أربعة آلاف حارس من الأتراك والتركمان من آسيا الوسطى ، ليحرّر نفسه من تأثير الجنود العرب في خراسان الذين يدين العباسيون لهم في الخلافة . ولكنّ حسابات الخليفة لم تكن دقيقة فلقد وجد أنّه من الضروري، بعد أن قويت شوكتهم ، أن ينقل مركز الخلافة إلى السامراء ( سرّ من رأى ) على الفـرات حتى يتّقي شرّهم ، ولكنّ تأثير الأتراك والتركمان ازداد كثيراً في القرن اللاحق واستطاعوا السيطرة التامّة على مراكز القوى في الدولة وانتزعوا لقب السلطان من الخلفاء الذين أصبحوا رؤساء شكليين في نهاية القرن الحادي عشر.

وكالبرابرة تماماً، قبل سقوط الإمبراطورية الرومانية ، حوّل الأتراك والتركمان الخلافة إلى نظام بربري نتيجة جهلهم وتعصبهم ، كما حرّضت طريقة معاملتهم للمسيحيين وسلوكهم تجاه الأماكن المقدسة الصليبيين على القدوم إلى الشرق بسرعة . كان السلجوقي الشخص المهيب والمـروع في سلالاتهم الحاكمة التي شكّلوها ، وحين أطلقوا العنان للظلم والاضّطهاد تأثّرت الكنيسة السريانية على نحـو كبير ، وخاصة في أعالي بلاد ما بين النهرين حيث فرضت قيود قانونية ، منذ القرن العاشر وما بعده ، كان قد تمّ  التغاضي عنها في القرون الأولى . وتوصف هذه القرون – القرن العاشر والحادي عشر والثاني عشر – بأنّها عصر انحطاط الكنيسة السريانية وانحدار الأدب السرياني.

ونبحث عبثاً عن اسم عظيم في الكنيسة السريانية الأرثوذكسية خلال القرن العاشر فلا نجد إلاّ  “  يوحنا بن مارون “   ( توفي 1003 ) وهو راهب من دير غابوس قرب ملاطيا ، وصف بأنّه  “  بحر من المعرفة “  ، ولكنّه غير جدير بالمقارنة مع أسياد العلوم السريانية الأكبر سناً . كتب يوحنا بن مارون أبحاثاً إنجيلية على أمثال سليمان لم تعتبر مهمّة ، وكان إسهامه الحقيقي في الدرجة الأولى في مجال النقل لا في مجال التأليف . أمّا الأمر التافه والذي يرثى له فكان قصة  “ مرقس بن كيـكي “  الذي رفع سنة 991 إلى درجة مفريان تكريت تحت اسم أغناطيوس . ولفساد شخصيته جرّدته جماعة الأبرشيات من لقبه ثمّ عزلته من منصبه . اعتنق الإسلام في 1016 وارتدّ عنه فيما بعد . كتب شعراً بلغة سريانية وضيعة عن سبب سقوطه من منـزلته الرفيعة  . أمّا القـرن الحادي عشر فلم يستطع أن يعطي أيّـة أسماء عظيمة،  إلاّ أنّ مؤرّخي الأدب السـرياني استشهدوا بإسمين متواضعين :  “ يشوع بن شوشان “  (أو يسوع بن سوسان) و “ أغناطيوس الراهب “  من ديـر مار هارون . أصبح الأول بطريركاً تحت اسم يوحنا العاشر سنة 1058 . ولكـنّه أُجـبر على التخلّي عن منصبه لمنافسه سـنة 1064 وأعيد انتخابه ثانية في السنة نفسها . مات في آمد سنة 1072 في عهد مليء بالاضطراب الذي كان سمة العصر . وشغل نفسه في مناقشة الأرمن حول طريقة استعمال الخميرة والزيت والملح، وفي طريقة تهيئة القربان المقدس . كتب نصوصاً دينية ، ونظّم أربعة أشعار باللغة السريانية عن السلب والنهب الذي قام به الأتراك ضد أهل ملاطيا . أصبح اغناطيوس بطريركاً على الملاطيين سنة 1061 ، ومات سنة 1095 بعد أن وضع كتابا في التـاريخ اعتمد فيه على يعقوب الرهاوي وديونيسيوس التلمحري ( المعروفين فقط من قبل ميخائيل السرياني ) . وبعد سنة من وفاة البطريرك أغناطيوس امتلأت المدينة بالأتراك ، وقُتل خلفه المطران يوحنا (الاسم الحقيقي هو سعيد بن صجوني) مع سريان أرثوذكس آخرين .

استمر هذا العقم في الكنيسة السريانية والأدب السرياني حتى منتصف القرن الثاني عشر، حين قامت فجأةً نـهضةً عظيمةً ظهرت فيها ثلاثة أسماء شهيرة هي : ديونيسيوس بار صليببي وميخائيل السرياني وغريغوريوس ابن العبري وهم الأكثر شهرة في أواخر القرون الوسطى من تاريخ السريان الأرثوذكس.

كانت ملاطيا موطن  “ ديونيسيوس بار صليبي “   الذي رسم مطراناً على مرعش حين ضمّ المطران أثناسيوس الثامن منبج إلى أبرشيته سنة 1154 . نقل ، بواسطة ميخائيل الأول إلى أبرشية آمد ، التي كانت اكثر أهمية من الأولى ، وبقي هناك حتى وفاته سنة 1171. تناولت أعماله مواضيع مختلفة وكتب فيها على نحو مطوّل. تضمّ أعماله تفسيرات موسّعة في العهدين القديم والجديد ، وبعضها يتناول عصور ايفـاكاريوس وآباء الكنيسة وأطباءها . جمع  “ خلاصة اللاهوت “ ، وكتب رسائل إنجيلية عن العناية الإلهية ، وعدداً وافـراّ من الكرّاسات عن عقيدة نيقية وعلى العقيدة السريانية الأرثوذكسية وعن مواضيع أخرى . ترك رسائل عديدة ضدّ الهراطقة والإيمان المحمدي واليهود والنساطرة والخلقدونيين . والظـاهر ، أنّه هو الذي رسّخ الطقس السرياني بواسطة بعض التفسيرات وذلك باستعمال الأنفرة (وهي تكرار اللفظة الواحدة في أوائل جملتين متعاقبتين – المترجم) مرتين ، وأكثر ما عرفت باسم سيدراس. كانت عظاته الدينية لا تحصى، أمّا في حقـل الفلسفة فكان على نحو رئيسي قد صبّ اهتمامه على عدّة كتب لأرسطو ، كما ألّف عدّة أشعار تتناول استيلاء الإسلام على مدينة الرها بواسطة آل الزنكي سنة 1144 ، وسقوط مرعش على يد الأرمن (الذين اعتقلوه كسجين حرب ) سنة 1156 ، وكتب قصائد عن المفريان الذي أحبّ وتزوّج من امرأة مسلمة كما أنّه قيل إنه كتب تاريخ زمانه فلا عجب أن وصف ديونيسيوس بار صليببي بأنّه نجم القرن الثاني عشر في تاريخ اليعاقبة الأرثوذكس .

كان  “ ميخائيل السرياني “  ، الملقّب بالعظيم ، معاصراً عظيماً آخر كبار صليببي ، ولد في ملاطيا سنة 1126 واعتنق الرهـبنة في عمرٍ مبكّر في دير مار برصوما المشهور المجاور لبلدته . رُقّي إلى رتبة أرشمندت (كاهن في الكنيسة الشرقية يلي الأسقف في المرتبة ) وهو في سنّ الثلاثين ، وقـاوم إغراء ترقيته إلى مطران لآمـد (ديار بكر) سنة 1163 خوفاً على ضياع فرصته في التأمّل الروحي والحرية في متابعة إهتماماته الأدبية ولكنّ القدر خبّأ له أعبـاء ثقيلة ومهمة عظيمة . إذ كان قد اختير بعد موت البطريرك الأرثوذكسي أثناسيوس الثامن ، ليكون خليفته ولم يكن قد تعدّى سن الواحدة والثلاثين.  وظلّ يقوم بأعباء الكنيسة في عهد صلاح الدين الأيوبي والحرب الصليبية الثالثة ( 1189-1192) حيث كان فيه الشرق الأوسط مسرحاً لأحداث خطيرة وهامة جداً إلى أن وافته المنيّة سنة 1199 . وكان ميخائيل على علاقة وديّة مع المملكة اللاتينية في القدس ومع الصليبيين ولكنّه،  على نقيض الأرمن والموارنة ، ظلّ غير متأثّر ولم يخضع  للبابوية.

ولكنّ الذي أنغص عليه حياته كان خيانة تلميذه  “ ثيودور بن واهبون “  وذلك في ما يخصّ  العلاقة بين الكنيسة الأرثوذكسية والكنائس البيزنطية،  ففي سنة 1170 بعث الإمـبراطور مانويل رسائل خاصّـة إلى كل من بطريرك الأرمن والبـطريرك الأرثوذكسي يدعوهما فيها إلى إعادة توحيد الكنائس الشرقية مع القسطنطينية . غير أنّ البطـريرك ميخائيل رفض مقابلة رسول الإمبراطـور ، وأرسل يوحنا بن قيسون كخطوة تمهيدية للتشاور معه في قلعة الـروم في كيليـكيا . يبدو انّه كان قد تمّ الاتفاق على عقد مؤتمر يفسح المجال أمام مجمع الكنائس لمعالجة المشكلات التي كانت موضع خلاف، وعُيّن البطريرك ميخائيل ثيودور بن واهبون مندوباً عن اليعاقبة الأرثوذكس . بعـدها ، اتّهم تيودور البطـريرك بأنّ له ميولاً خلقيدونية ونجح في تعيين نفسه بطريركاً مضاداً للبطريرك ميخائيل في آمد سنة 1180 . ولم يكن من ميخائيل، الذي كان في انطـاكية حينذاك إلاّ القبض على منافسه ، الذي عُزل من منصبه وسُجن في دير مار برصوما . غير أنّ ثيودور استطاع الفرار إلى دمشق علّه يطرح القضية على السلطان صلاح الدين . وحين راوده الشكّ في ردّة فعل السلطان،  قام بتحويل القضية إلى كيليكيا ، وهناك انضمّ إلى الأرمن الكاثوليك وإلى غريغوريوس ديغـا والملك ليو الذين عيّنوه بدورهم بطريركاً على الكنيسة الأرثوذكسية مرة أخرى في مملكتهم . أمّا محنة البطريرك فتلاشت حين توفّي ثيودور بن واهبون سنة 1193 . كان ميخائيل لغـوياً عظيماً وعالماً ممتازاً ، ملماً باللغات اليونانية والأرمنية والعربية بالإضافة إلى لغته الأصلية السريانية . وحسب شهادة  غريغوريوس ابن العبري أنّ البطريرك ميخائيل كتب دعواه ضدّ خصومه باللسان العربي.

رغم كلّ الأحداث المضطربة وأعباء واجباته البطريركية ، عمل ميخائيل الكبير ليلاً ونهاراً في كتابة الأعمال الرائعة التي تركها للكنيسة . كان أهمّ أعماله  “  تاريخ ميخائيل الكبير  “  الذي اشتهر، ولمدّة طويلة ، في أوروبا عن طريق نسخة موجزة مكتوبة باللغة الأرمنية نُشرت مع ترجمة فرنسية . يبدأ  “ تاريخ ميخائيل الكبير “  في الخليقة وينتهي سنة 1195. أمّا نصف المواد التي جمعت من مصادر ووثائق فقد ضـاع تقريبا . ولقد ذكر الكاتب في مقدّمته وخلال النصّ عدداً من تلك المصـادر . وحاول ميخائيل من خلال كتابته أن يتبع طريقة يوسيبيوس في طريقة تقسيم المواد إلى ثلاثة أقسام: كهنوتي، دنيوي، ومتفـرقات – كلٍّ في عمود خاص من اليمين إلى اليسار . ولكنّه تخلّى عن هذه الطريقة في زمن لاحق وآثر بدل ذلك نصّاً متميزاً ومتسلسلاً بحيث بدت اهتماماته الكنسية والسريانية أكثر وضوحاً . كانت غايته الرئيسية من استخدام المراجع تهـدف إلى تنسيق المواد المنتقاة وليس نقدها،  ولكنّه بلا شكّ قد نجح في معالجة المواد المتوافرة لديه على نحو صادق ، مع ذلك فإنّـه غير جائز أن نتوقّع منه استخدام طريقة نقدية لعصر آخر . ويختتم كتابه بعدد من الملاحق التي ضمنّها معلومات تتعلّق بالكنائس الشرقية ، وقوائم شامـلة بأسماء البطاركة الأرثوذكس ، بما في ذلك ملاحظات حول كلّ منهم منذ سويريوس الانطاكي (512) بالإضافة إلى أسماء المطارنة الذين رسموا من قبلهم منذ قرياقس (792).

بالإضافة إلى  “ تاريخ ميخائيل الكبير “  كتب البطريرك ميخائيل عدة كتب اخرى معظمها حول شخصيات كنسيّة ، وهيّأ طقساً دينياً رتّب فيه الصلوات حسب الأحرف الأبجدية،  وعدّل الشعائر والطقـوس الكهنوتية ، وجمع الكتابات المبعثرة حول  “ مار أبحاي “  مطران نيقيا المشهور في القرن الرابع ، وكتبها مجدّداً في صورة متسلسلة ومتتـابعة . كان هدفه على الأرجح الدفاع عن ممارسة الأشياء المقدسة في العبادة . ويجب أن نتذكّر أنّ ميخائيل كان يعادي بشدة  فكرة تحطيم الأيقونات . وكان يشيد بتوقير  المسـيحي للأيقونات والأشياء المقدسة على السواء. وعلى غرار معظم الكتّاب اليعاقبة المعروفين ، ترك عدة صلوات أو سيدراس ، ظهر بعضها في كتب الصلاة يحمل اسمه . ولقد خصّص إحـدى عِظاته الدينية ليوحنا المارديني ، وأخرى لمار برصوما. كما يشير في كتابه  “ تاريخ ميخائيل الكبير “  إلى أعمال أخـرى منها  “ إعلان الإيمان  “  موجّه إلى الإمبراطور مانويل و “  تفنيد أخطاء مرقس بن قنبر “  وهو قسيس قبطي سقط تحت تأثير حركة المصلّين (حركة قام بها بعض الرهبان السريان ) . كما كتب بحثاً ضدّ البيجنسيس Albigeneses على أثر الدعوة لحـضور مجمع لاتيران Lateran Council  الثالث الذي عقد  سنة 1179، وكتب إطراء لديونيسيوس بار الصليبي ، وقصيدة شعرية عن امرأة مسيحية شابّة فشل المسلمون في إقناعها كي تعتنق دينهم.

كمؤرّخ حظي مار ميخائيل بوريث من القرن الثالث عشر قام بمتابعة عمله الجليل،  ومخطوطة تلك المتابعة القيّمة عثر عليها في القسطنطينية ، ولكنّها كانت نسخة مشوّهة من القرن الرابع عشر مأخوذة عن النسخة الأصلية الضائعة التي تعود إلى سنة 1234 . كان كاتب النسخة الضائعة على الأرجـح ، راهب من دير مار برصوما الذي كان لا يزال مركز الكرسي البطريركي في ذلك الحين ، ولقد نظّم الراهب تاريخه في قسمين دنيوي وكنسي.

وتجدر الملاحظة انّه مع إطلالة القرن الثالث عشر كانت عملية تعريب الشعب اليعقوبي الأرثوذكسي قد نجحت نجاحاً كبيراً لدرجة أنّ فئة قليلة جداً شعرت بالحاجة إلى استعمال اللغة السريانية كأداة أدبية للكتابة . أمّا اللـغة العربية ، التي كانت حتى ذلك الحين محصورة بالمحاضر الرسمية للدولة ، فقامت بغزو المجالات الفكرية والأدبية . وكان آخر الكتّاب اليعاقبة  “ غريغوريوس أبو الفرج “ ، الملقّب بابن العبري، الذي كتب في كلتا اللغتين السريانية والعربية بالبراعة ذاتها . أما فصاحته في اللسان العربي فكانت تتناقض على نحو مدهش مع جهله باللغة اليونانية. في الأجيال اللاحقة اقتصرت اللـغة السريانية على وظيفتها الراهنة كلغة للطقس الكنسي وتلاشى تأثيرها الفكري الذي دام طويلاً.

 

وفي الختام يجب أن نقدّم موجزاً لحياة ابن العبري وعمله :

هو رجل الكنسية الأرثوذكسية العظيم وآخر من يستحقّ  مكاناً عالي المقام في العلوم والآداب السريانية . ولد في ملاطيا ( كُني بهذا اللقب لولادة أحد آبائه أو ولادته في أثناء عبور نهر الفرات- كتاب اللؤلؤ المنثور ص 413 للبطريرك مار أفرام برصوم الأول) سنة 1226 ومات في ماراغه في اذربيجان في صيف 1286 .  هاجر وعائلته من مدينته الأصلية وذلك حين كان يافعاً سنة 1243 ، بعد مدّة قصيرة من سقوط ملاطيا ، وأستقروا في انطاكية التي كانت في أيادي الفرنجة خلال العهد الصليبيبي ،  ولا شكّ أنّه شاهد بأم عينيه الغزوات الوحشية التي قامت بها القبائل المغولية بقيادة هولاكو . وفي أنطاكية تلقّى أوامره المقدسة ليذهب إلى طرابلس ، فدرس هناك الفلسفة والطب . رسمه البطريرك أغناطيوس الثاني مطراناً على جوبوس ( قرب مدينته القديمة ملاطيا ) وهو في العشرين من عمره وذلك سنة 1246 . انتقل في السنة التي بعدها إلى أبرشية لاكافين في مقاطعة ملاطيا . وفي سنة 1252 انشغل في أحـد الانقسامات الدائرة بين اليعاقبة. فلمّا مات أغناطيوس الثاني تنافس على كرسي البطريركية اثنان : ديونيسيوس (هارون انجر) ويوحـنا بن ماداني . ناصر ابن العبري مبدأ الأول ، الذي قام بدوره في نقل ابن العبري إلى أبرشية حلب علّه يربحها إلى صفه . ولكن إخلاص تلك الرعيّة ليوحنا بن ماداني كان عظيماً جداً فساقوا ابن العبري خارج المدينة حيث تقـاعد في دير مار برصوما قرب البطريرك الذي اختاره . ورجـع في النهاية إلى حلب في العام 1258 حيث بقي هناك حتى وصلته رسالة البطريرك أغناطيوس الثالث ، الذي رفعه إلى مقام مفـريان الشرق ، المركز الذي احتفظ به حتى مماته في سنة 1286 . وخلال العشرين سنة الأخيرة من حياته عمل في جدّ واجتهاد متواصلين على تحقيق قضيتين : تعهّد أولاً أن يعمل على خدمة جميع المسيحيين ، لا لطائفته فقط بغضّ النظر عن إيمانهم أو عقيدتهم . كما بذل ثانياً جهداً عظيماً لتحقيق مشاريع أدبية قلّما نجد مثيلاً لها في تاريخ التأليف . كان موته مناسبة لحزن شعبي فلقد قيل أن اليونان والأرمن والنساطرة مشوا جنبا إلى جنب مع السريان الأرثوذكس في جنازته . وأنتقل رفـاته في ما بعد إلى دير مار متى قرب الموصل ليرقد فيه حتى اليوم.

أمّا بالنسبة إلى إنتاجه الأدبي فحتى نظرة موجزة إليه قد تجعل العقل حائراً ، كيف لرجل أن يغطّي هذه المجالات الفكرية المتعدّدة خلال ستين سنة مليئة بالاضطرابات؟ كان ابن العبري رجلاً ذا اهتمامات مختلفة وموسوعي المعـرفة . هو مؤرّخ، مفسّر للتوراة، لاهوتي، قانوني، متضلّع، فيلسوف، نحوي، شاعر، رجل علـوم وآداب، فلـكي، طبيب، ودائرة معـارف.  كان البشير الفعلي لنهضة إنسانية . ربما من الخطورة بمكان أن نزعم انه كان له طريقته الخاصة في الفلسفة مبنية على كونيّة المعرفة،  ولكنّه كرامون لول وروجر بيكون في أوربا خلال القـرون الوسطى اخذ على عاتقه معالجة المبـادىء الأولى والأخيرة للمعرفة في اللغتين السريانية والعربية ، ولكنّ هذا الافتراض جدير بالدرس.

في عالم البحث اشتهر ابن العبري بإسهامه في الدراسات التاريخية وحقّق رغبته في إتمام تاريخ عـالمي في ثلاثة تواريخ : تاريخ السريان والتاريخ الكنسي ألفّه باللغة السريانية ، وما يسمّى بتاريخ العـرب ، ولقد جمعها كلّها في نهاية حياته في أسلوب عربي مؤثّر تحت عنوان  “  مختصر تاريخ الدول  “  ولا شكّ في أنّه استفاد من وفرة المصادر التي تركها سلفه مار ميخائيل الكبير والتي أضاف إليها مكتسبات كثيرة . غطّى ابن العبري تاريخ الإنسان كلّه منذ الخليقة ، أمّا بالنسبة إلى الكتابات المبكّرة ، فقد أوجز تاريخ ميخائيل الكبير. إنّ التـاريخ المدني منذ الخليفة وحتى عهده عامّ في أسلوبه، أمّا التاريخ الكنسي من هارون إلى ما بعد العهد الرسولي فهو موجز ، ثمّ يصبح بعدها تاريخ بطاركة أنطاكية حتى سويريوس، لينحصر بالمونـوفيزيين أو اليعاقبة حتى العام 1285-1286 . ويختتم تاريخه بتعداد مفريانات ومفارنة تكريت وبملاحظات دقيقة على بطاركة النساطرة. لقد تممّ أخوه برصوما الذي خلفه كمفريان ، هذا التاريخ سنة 1288 ووضع قائمة في ثلاثين كتاباً تحمل هذه الكتب اسم ابن العبري . وتممّ للمرة الثانية ، كاتب آخر أقلّ شهرة هذا التاريخ حتى سنة 1496. ولقد أغنى ابن العبري عمله  “  تاريخ مختصر الدول  “  ( بالعربية ) بمعطيات إضافية عن السلالات الإسلامية نزولاً على رغبة أصدقائه المسلمين.

وكمفسّر للكتاب المقدس نضدّ مجموعات ضخمة من الشروحات والتعليقات على نصوص مخطوطات بيشيتا وهيكسابلا وهاركلين مع استشهادات لا تحصى من اثناسيوس، باسيل، غريغوريوس النازنزاني، غريغوري الناسي، هيولتيس، فيلكسينوس، سوريوس الانطاكي، يعقوب الرهاوي، موسى بن كيفا، ويشوداد الماري النسطوري، ولقد استخدم هذه المصـادر الكنسية كلّها بالسريانية والعربية ، وكانت معرفته هائلة . ونظـراً إلى ضعف المعرفة باللغة السريانية حينذاك فقد أغنى عمله بملاحظات كثيرة عن قـواعد اللغة السريانية وصناعة تآليف المعاجم مع الدقّة في تـهجئة الكلمات والاختلاف في اللهجة بين النساطرة واليعاقبة.  وأعـطى دراسته عنوان  “ مخزن الأسـرار “  وهو عنوان ينمّ ، مثل جميع عناوين كتبه، على تأثير نظام المؤلّفين العرب . كما عالج اللاهوت المونوفيزي على نحو واسـع في كتابين آخرين:   “ منارة الأقداس “  وكتاب  “ الأشعة “  ويلخّص الثاني البراهين الأساسية التي يستعين بها عامة الناس ، أمّا كتاب  “ اليمامة “  فهو عمـل في التنسّك والزهد لتوجيه الرهبان والنسّاك ، ويعتمد على خبرته الشخصية التي يفصّلها في سيرة حياته الشخصية في النهاية . وبما أنّ الكنيسة كانت تهتم بشؤون رعيتها تحت سيطرة الخليفة شدّ قانون الكنيسة انتباهه أيضاً . وتجدر الملاحظة أن المطارنة كانوا القضاة الروحيين في المسائل الكنسية وفي معظم الأحيان في قضايا القانون المدني . لذلك جمع ما كان نفيساً للكهنة  “ كتاب الاتجاهات  “  ويعرف باسم Nomcanon ويشمل دليلاً علمياً لكلّ طريقة في استخدام القانون.

وفي حقل الفلسفة قرأ للعرب في نهم وشره ، وترجم إلى السريانية عدداً لا يحصى من البحوث منها كتاب ابن سينا  “  الإشارات والتنبيهات  “  . وفي علم المنطق والجدل كتب ابن العبري أيضاً  “  الأحداق  “  وكتب خلاصة وافية بعنوان  “ حديث الحكمة  “  وهي نظرة شاملة إلى الجدل وعلم الطبيعة وما وراء الطبيعة (اللاهوت) . لقد أتمّ منهج ارسطوطاليس  إلى عمل  موسوعي ضخم سُمي  “  زبدة العلم  “  قدّم فيه صفوة خلاصة العلم من مصادر عربية في ثلاثة اقسام كبيرة : الأول يحتوي على دراسة في الجدل والمنطق وفنّ النثر والفنّ والشعر والموضوعات ذات الارتباط في ما بينها . والثاني يعالج علم الطبيعة (الفيزياء) والسماء والكـون، والشهب والنيازك، والجيل والفساد، والمعادن والكواكب، والحيوانات والنفس. والثالث قُسّم إلى أجزاء أحدها خُصّص لعلم ما وراء الطبيعة (اللاهوت) وفقاً لتعاليم السـريان وما تتضمّنه من تعاليم الأخلاق والاقتصاد والعلوم السياسية. ونظراً إلى طبيعة العمل الضخمة وضع مختصراً له سمّاه  “  تجارة الفوائد “ .

كانت معرفته في علم الرياضيات وعلم النجوم واسعة جداً . لقد حاضر عن يوفليدس  في مدرسة دير مرغه في العام 1272 . رسم  “ الزيج Zij “ ، أو الجداول الفلكية الت  استعملت من قبل العرب.  ثم كتب بحثه الدقيق في الفلك والكوزغوغرافي (وهو علم يبحث في مظهر الكون وتركيبه العام ويشمل علوم الفلك والجغرافيا والجيولوجيا) تحت عنوان  “  الصعود العقلي  “  الذي زخرفه بأرقام رياضيّة ورسوم توضيحيّة لا تحصى.

ولكنّنا يجب أن نتذكّر أنّ مهنة ابن العبري الأصلية كانت الطب ، وقد ظلّ يمارسها حتى حين كان أسقفاً،  ويخبرنا في تاريخه الكنسي أنّه طبّب التارتار  “  ملك الملوك  “  . ولقد كتب وترجم إلى السريانية والعربية عدّة كتب في الطبّ . وترجم إلى السريانية البحث المشهور لديوسقوريوس  “  De medicamentis simplicibus “  وقام بتلخيص كتاب الغافقي بالعربية  “  كتاب الأدوية المفيدة  “ .  وعلّق بالعـربية على غالين “   De elementis  “  و  “  De temperamentis  “  كذلك على هيبوقراتس المسمّى  “  الأقوال المأثورة  “  ونشر بالسريانية أيضاً موجزاً وتعليقاً على كتاب حنين بن اسحق  “  أسئلة في الطبّ  “  . وترجم إلى السريانية معظم أعمال ابن سينا  “  القانون في الطبّ  “  وكتب بالسريانية بحثاً دقيقاً في الطب بدون عنوان.

وكنحوي (عالم بالنحو والصرف) ، خدمت أعماله منذ زمن طويل أجيالاً عديدة من المستشرقين في دراسة اللغة السريانية . ولعلّ أكثر أعماله اتقاناً ودرساً هو مختصر القواعد الذي يحمل عنوان  “  كتاب الاشراق  “  وكان قد ألفّه على نمط الأعمال العربية في الحقل ذاته وعمل موجزاً له، يحاكي  “  ألفيّة ابن مالك “ . كما أن أشعاره أيضا لفتت الأنظار لعصور عديدة . كذلك فأن كتابه  “ Carmina de divina sapientia   “  قد حقّق وترجم الى اللاتينية في بداية القرن السابع عشر . لقد جرّب قلمه في جميع المواضيع مثل  “  تفسير الأحلام  “  وقد نظمت في شبابه مع مجموعات من حكايات تجمع بين الحكمة والعقل . كلّ هذا بالإضافة إلى طقس كنسي كامل وإعلان الإيمان ضمن قائمة طويلة لأعماله التي أنجزت في أزمنة كانت فيها السياسة والوضع العالمي غير مستقرين . وقبل أن يبلغ الستين من العمر وضع ابن العبري خاتمة للسجلاّت الطويلة في الآداب والعلوم السريانية.