مميزات كل من اللغتين العربية والآرامية في تطورهما / المطران بولس بهنام

Posted by on Nov 8, 2018 in Articles, Library | 0 comments

 

مما لا شك فيه اننا لا نستطيع دراسة كل لغة من هاتين اللغتين بمفردها , من ناحية نشوئها واكتمالها وتطورها , ما لم ننظر الى الاحوال التي مرّت بها أختها الثانية , وذلك لأنهما نشاتأ في ظروف متشابهة , وطرأت عليهما أحوال متقاربة . هذا من جهة , ومن جهة ثانية لا يمكن فصل أية لهجة من لهجاتهما عن رفيقاتها للعلاقات الوثقى التي تربط بعضها بالبعض الآخر . فاذا أردنا السير مع احداهما منذ نشوئها الى نهاية نضجها لا بد لنا من الالتفات الى الخطوات التي تدرجت فيها شقيقتها الثانية , وعليه نقرّر أن الذين درسوا نشوء اللغة العربية واكتمالها وحدها سقطوا في ورطات كثيرة كان في مقدورهم اجتنابها لو نظروا الى نشوء اختها الآرامية ونضجها .

وأهم المميزات التي نستطيع ملاحظتها في هاتين اللغتين الشقيقتين هي ما يأتي :

كثرة اللهجات البدائية في كل منهما

نشأت كل من هاتين اللغتين ولكلّ منهما لهجات كثيـرة بالنسبة الى كثرة القبائل التي تتكلمها , وكلما انفصلت قبيلة جديدة من المجموعة الكبرى وتباعدت عنها فترة من الزمن ، نشأت لديها عناصر لغوية جديدة ، وتطورت اللفظة بحسب المؤثرات القبلية والاجتماعية , وتولّدت من ذلك لهجة جديدة من اللغة الأم , وكلما تقاربت قبيلتان أو أكثر وتمازجتا زالت الفوارق اللغوية , وتكوّن من ذلك المزيج لهجة خاصة أخذت عناصرها اللغوية واللفظية من جميع اللهجات المتمازجة , وهكذا حتى انتهى الأمر الى اندراس لهجات كثيرة , وانفراد غيرها بالسيادة لدى افراد الأمة وقبائلها .

ومما لا يرتاب فيه علماء الساميات أن القبائل القاطنة في أصقاع الجزيرة العربية النائية استطاعت الاحتفاظ بلغتها السامية الأصلية احتفاظاً ملحوظاً , فلم يطرأ عليها الا القليل من التبدل والتطور , وذلك لبقاء هذه القبائل منعزلة مدة طويلة من الزمن عن بقية الأقوام , على العكس من كثير من القبائل السامية التي تأثرت لغتها بالحضارات المجاورة القريبة اليها وهذه هي الميزة الخاصة التي تحوزها اللغة العربية دون بقية أخواتها الساميات .

ولكنه مع ذلك حدثت هجرات متواصلة لقبائل كثيرة من القبائل المتبدية في طول الجزيرة وعرضها وهو ما أثر في اللغة تأثيراً كبيراً فنتجت عنه لهجات متباينة كثيرة , غير أن علماء الساميات اتفقوا على أن يميزوا منها لهجتين كبيرتين احداهما في الجنوب والثانية في الشمال , مع ان كل لهجة من هاتين اللهجتين تفرّعت منها لهجات أخرى كثيرة , هذا من جهة , ومن جهة ثانية أن هذا التقسيم ليس دقيقاً لأننا لا نجد حدوداً طبيعية تفصل القسم الشمالي من الجزيرة عن قسمها الجنوبي .

الا اننا اذا استعرضنا الرُقم العربية المكتشفة في أصقاع كثيرة من الجزيرة , نستنتج منها انه لم يكن في الجزيرة لهجتان وحسب بل هنالك لهجات كثيرة يصعب ضمّها الى قسمين متساويين ، وكل لهجة كانت تسمى باسـم اقليمها او تنتسب الى أكبـر قبائلها , ولم يكن لكلمة ” عرب ” او ” عرباء ” المعنى الذي نعرفه اليوم بل كانت تطلق على جميع القبائل المنتشرة في البادية المتنقلة بحسب حاجتها الى الماء والمرعى .

وأشهر القبائل الكبرى التي عرفناها في الجزيرة العربية , والتي درس العلماء آثارها الباقية , هي القبائل اللحيانية والثمودية والمعينية . ومما لا شك فيه أن لكل قبيلة من هذه القبائل لهجة خاصة بها , قد يتعذر على القبيلة الثانية فهم مفرداتها . وقد قدم علماء الساميات دراسات قيمة في لهجات هذه القبائل .

ومع أن آثار هذه القبائل اللغوية هي عربية , ولا سيما الرقم اللحيانية , لأن فيها الحروف العربية التي تخلو منها بقية اللغات السامية كالزال والتاء والغين والضاد , ولأن فيها أفعال التفضيل وعلامة التنبيه وهما من المميزات الخاصة بالعربية وحدها , أقول : مع ذلك نجد هذه اللهجات مشوّبة بكلمات آرامية على الأخص , وهو ما يدل على تعاون هاتين اللغتين الشقيقتين منذ أقدم عصورهما التاريخية .

هذا بعض ما وصل الينا من اللهجات العربية الشهيرة , ومما لا شك فيه أن هنالك لهجات كثيرة غيرها نشأت عند القبائل العربية الكثيرة ثم تقلصت رويداً رويداً حتى زالت من الوجود لاندماجها في اللهجات الكبرى الباقية .

وأما امتزاج هذه اللغات الكثيرة فقد حدث شيئاً فشيئاً . ومن المعلوم انه في القرنين الثالث والرابع الميلاديين شرعت اللهجات الشمالية تنتقل من قوة الى قوة وتزيد أهمية وانتشاراً , وتسجل لنفسها في جميع الميادين الحيوية صولة وانتصاراً , بينما أخذت اللهجات الجنوبية تنحدر نحو الهوة حتى كادت تزول في القرن السادس الميلادي , وذلك من جراء فقدان مواطنها لحريتها ولاستقلالها السياسي عندما خضعت للحبشان والفرس , وهكذا أخذت تلك اللهجات في التلاشي , وقد افسحت المجال لانتشار اللهجات الشمالية , التي انفردت بالسيادة المطلقة تقريباً قبل ظهور الاسلام .

ومع هذا كنا نجد بعد الاسلام لهجات متباينة . والشاهد على ذلك تباين لهجات القراءة حسبما هو معلوم من تعدد القراءات القرآنية الكريمة , وهو ما يعرفه كل مطلع على هذه القراءات .

والشيء الذي يمكن تقريره بعد هذا العرض السريع أن اللغة العربية الباقية هي مزيج من لهجات مختلفة امتزجت كلها بعضها ببعض فكونت لغة واحدة .

ولكثرة اللهجات بحسب كثرة القبائل والجموع في اللغة العربية حتى أصبحنا نجد أسماء كثيرة لمسمى واحد كما هو معلوم , ولما اجتمعت هذه اللهجات المختلفة . وصارت لغة واحدة , ظهر فيها بعض الالفاظ في مظاهر متباينة , وصيغ مختلفة , فنرى مثلاً كلمة ” نجم ” تجمع على أنجم ونجوم ونجم وانجام وكلها بمعنى واحد . ومثلها كلمة ” عبد ” فنقول في جمعها عبيد وعبد وعبدان وكلها بمعنى واحد .

وانك لتجد أمثلة كثيرة لهذا النوع في المعاجم العربية , وهي الدلالة الثابتة على انها كانت كلها صيغاً مختلفة لكلمة واحدة . استعملت كل قبيلة من القبائل صيغة خاصة بها , ولما جمعت هذه المفردات والصيغ في المعاجم اللغوية , نشأ منها هذا الفيض الغزير من المفردات الدالة على المعنى الواحد .

وما قلناه في نشوء اللغة العربية نقوله في نشوء اللغة الآرامية , فهذه أيضاً مثل أختها العربية تفرعت الى لهجات متباينة . لا لكثرة القبائل الناطقة بها , بل لاختلاط أهليها بالأمم المجاورة أكثر من اختلاط اخوانهم العرب , وهو ما أضفى على اللغة الآرامية أثواباً جديدة لم تألفها في فجر وجودها , ومما هو معلوم لدينا ان للآراميين لهجتين عظيمتين منذ الازمان القديمة , الاولى وتسمى شرقية , وتشمل لهجات بلاد العراق عامة , والثانية وتعرف بالآرامية الغربية , وتشمل لهجات سورية وفلسطين وطور سينا .

والفرق بين اللهجتين يعود الى كيفية النطق والى نوع الأعجمي من الألفاظ الدخيلة , واتجاه الصيغ الأدبية وغيرها , وكل لهجة منهما تركت آثاراً خطيّة منذ أقدم العصور , وقد درسها علماء الساميات الا أنهم لم يستطيعوا الى الآن وضع كتاب في قواعدها وأصولها . ولكن اذا قابلنا النصوص الأثرية الكثيرة المكتشفة بما هي عليه اللغة الآرامية ( السريانية ) الآن , نجد أن اللغة هي هي لم يطرأ عليها تبديل كبير , وهو ما نستطيع معه أن نتوصل الى أصول اللهجات الاولى . وهذا ما سار عليه علماء اللغة الآرامية اعتباراً من القرن الرابع الميلادي الى العصور المتأخرة , فتركوا لنا مجلدات هامة في قواعدها وأصولها , ووضعوا المعاجم الهامة في تحري ألفاظها ومفرداتها , على ان أعظم الذين تناولوا هذه المواضيع بالدرس الدقيق هو العلامة يعقوب الرهاوي في القرن التاسع ( المتوفي سنة 807 م ) ، والفيلسوف غريغوريوس ابن العبري في القرن الثالث عشر ( 1222 – 1286م ) . ومما كتبناه نستطيع المقابلة بينه وبين النصوص الأثرية التي بين أيدينا , والتخطي الى استنتاج نتائج هامة لا يمكننا الوصول اليها بغير هذه الطريقة .

أما سبب نشوء اللهجات الكثيرة لهذه اللغة . فهو سعة انتشارها , وكثرة الشعوب التي امتزج بها أهلها , فقد شملت بلاد الشام والجزيرة العليا والعراق الى حدود بلاد فارس شرقاً , والى بلاد الارمن واليونان وآسيا الصغرى شمالاً ، وحدود بلاد العرب جنوباً . ولم يكن من الممكن حفظ هذه اللغة من التشعب الى لهجات شتى بحسب قابلية كل شعب من الشعوب المختلفة المتكلمة بها , لذلك نرى فروقاً عظيمة بين لهجاتها حتى لا يكاد المتكلم بلهجة نينوى مثلاً ان يفهم المتكلم بلهجة الشام , ولا هذان يستطيعان ان يفهما المتكلم بلسان فلسطين مما أثبته علماء هذه اللغة .

وهنا يجدر بنا الالماع الى اللهجتين الآراميتين الكبيرتين , واللهجات المتفرعة عنهما واليك ذلك :

1- اللهجة الشرقية :

ان اللهجة الآرامية الشرقية هي اللهجة الفصحى النقية التي انتشرت يوماً ما في بلاد بابل , وما جاورها من الأمصار , وفيها نزل جانب من سفر النبي دانيال وغيره من أسفار العهد القديم . وهي عينها التي تعلّمها اليهود في السبي أيام نبوخذ نصر ق.م بسبعة قرون , واستعملوها كذلك بعد رجوعهم من الجلاء .

الا أن هذه اللهجة عينها تفرعت الى لهجتين متباينتين : الأولى , وهي الفصحى وكانت لغة الخاصة , والثانية لغة العامة وتمازجها ألفاظ واصطلاحات غريبة كثيرة .

ويسمي الكتاب المقدس هذه اللهجة عامة ( آرامية ) . وسماها ربانيوا اليهود (سريانية) ودعاها العهد الجديد العبرانية .

وأهم هذه اللهجات المتفرعة عن اللهجة الشرقية في بلاد بابل هي اللهجة المانوية واللهجة الماندية وهي لهجة الصابئة في بلاد بابل . وما زالت موجودة الى الآن بتغيير ضئيل , ويلحق علماء الساميات بها اللهجة النبطية ايضاً .

ومن فروع اللهجة الشرقية أيضاً اللهجة اليهودية بقسميها , القسم اليهودي والقسم الجليلي , ثم اللهجة السامرية واختص بها سكان مدينة السامرة وما جاورها , وقد أشبعنا هذا الموضوع درساً في مقال ( الثقافة السريانية ) الذي نشرناه تباعاً في مجلتنا (المشرق) سنة 1946 ص 750 – 756 .

2- اللهجة الغربية :

كانت هذه اللهجة منتشرة في سورية كلها اعتباراً من مدينة الرها الشهيرة , ومن نهر الفرات شرقاً الى البحر المتوسط غرباً , وتشتمل ربوع لبنان كلها , وكانت لغة الآداب منذ أول عهد اللهجة قبل العصر المسيحي بقرون عديدة , ونقلت عن الهياكل الوثنية والتماثيل والصخور والاسطوانات وغيرها , ولم نجد لها فروعاً هامة خلافاً لهجة الشرقية .

ويحدثنا العلامة ابن العبري عن تشعب اللغة الآرامية على أثر انتشار أبنائها في الأصقاع , واختلاطهم بالأمم المجاورة لهم , وابتعاد اللهجات الآرامية بعضها عن بعض ابتعاداً عظيماً , ويقول : ” يجب ان نعلم أن اللغة الآرامية انتشرت في بلاد قاصية أكثر من جميع اللغات ، وهو الذي سبب تشعبها حتى أن الذين كانوا يتكلمونها كانوا لا يتفاهمون الا بترجمان . وكأنهم يسمعون بعضهم من بعض لغة غريبة , فإن سكان سورية يتكلمون لهجة غريبة عن لهجة فلسطين , وكذلك المشارقة الذين ابتعدوا كثيراً عن الأصل أكثر من هؤلاء واتبعوا اللهجة الكلدانية وانتسبوا اليها ” .

واذا اعتبرنا هذه الناحية حسبما يرويها هذا اللغوي الفيلسوف نجد الفروق التي نشات بين اللهجات الآرامية اكثر تأثيراً من الفروق الناشئة بين اللهجات العربية , ونقرّ أن هذه اللهجات ابتعدت بعضها عن بعض بعداً شديداً , الا أننا نعتقد أن الفروق نشأت بين اللهجات المحكيّة فقط دون لغة الكتابة والادب , لأن الآثار الآرامية المكتشفة تدلّ على أن تلك الفروق لم تكن فاصلة بين اللهجات الآرامية المختلفة بالشكل الذي شرحه الفيلسوف اللغوي . ومهما يكن فإنا نجد أن جميع اللهجات تلاشت ولم يبق الا اللهجتان المعروفتان , وهاتان أيضاً لا تختلفان الا باللفظ فقط, وهما تتّفقان في كل شيء سواه .

ومن مراكز الثقافة الآرامية التي أفاد منها أكثر ما يكون الفكر العربي مدينة حرّان الآرامية الوثنية التي ازدهرت في كثير من نواحي المعرفة الانسانية من علم وأدب ودين واتصلت بالفلسفة اليونانية القديمة , واستخدمها علماؤها في البلاط العباسي في نقل القسم الكبير من الفلسفة اليونانية , من اللغتين اليونانية والآرامية ( السريانية ) الى العربية .

ونصيبنا من بحث اللهجات العربية والآرامية في موضوعنا هذا هو النظر الى التطورات المتماثلة التي طرأت على هاتين اللغتين الشقيقتين من جهة . والتأثير الذي خلّفته احداهما في الأخرى , وعلى الأخص في القسم الشمالي من الجزيرة العربية , وفي أنحاء فلسطين والشام وتدمر , بتأثير مملكتي تدمر والبطراء , وهو ما كان سبباً في حيازة اللغة العربية مفردات كثيرة ليس في الشمال فقط بل في أنحاء الجزيرة العربية , على ما أنبأنا به علماء الساميات .

ومما تجب الاشارة اليه أن اللغة العربية الشمالية , القريبة من العمران والمدنية , استطاعت ابتلاع بقية اللهجات المنتشرة في أواسط الجزيرة وفي جنوبها , وانفردت بالسيادة المطلقة آخذة مادتها الغزيرة من جميع اللهجات القديمة البائدة , ومستفيدة من شقيقتيها القريبتين الآرامية والعبرية ، ممّا أغناها بالألفاظ الغزيرة , وجمّلها بالمادة اللغوية التي لا تنضب , الا أن الآرامية وان تلاشت لهجاتها الفرعية , فان لهجتيها الأساسيتين الشرقية والغربية لم تزالا في قيد الحياة , وفيهما مادة لغوية وأدبية صالحة , وهما تسيران جنباً الى جنب منذ العصور الأولى للمسيحية , لما أفادتاه من غذاء أمدهما العلماء الكبار الذين نبغوا في شتى العصور .

والشيء المهم الذي نقرره , بعد المرور على جميع اللهجات العربية والآرامية . هو أن هاتين اللغتين خضعتا لظروف واحدة ، وسارتا تحت تأثيرات متشابهة , وتعاونتا في جميع عصورهما , على ما نراه في السطور التالية , ولذلك لا يمكن دراسة نشوء كل منهما بمفردها ما لم يبحث في نشوء الثانية منذ مطلع وجودها الى عصر النضج والازدهار والانتاج .

وما خلا امتزاج لهجات كل من اللغتين وتكوين لغة عربية موحدة , ونشوء لغة آرامية واحدة أيضاً في المادة مختلفة في اللفظ , نجد اللغتين الكبيرتين العربية والآرامية تتقاربان في فترات كثيرة من فترات تاريخهما , وذلك بتأثير الاتصالات التجارية وغيرها , فتؤثر احداهما في الأخرى وتكوّن فيها مادة جديدة , وقد تكوّن أيضاً أساليب جديدة في اللفظ والتعبير . ولولا انتشارهما الواسع وتزاورهما المستمر لما رأيناه هذه الوحدة الى الآن بينهما ولحرمنا أموراً او فوائد جنيناها من ذلك التزاور وذاك التقارب , ولا يخفى ان كثرة لهجات كل من اللغتين , واستمدادها مواد عديدة بفعل الزمن كل ذلك أسعفهما بالقوة والحياة ، ووسع نطاقهما . وسما بهما الى مستوى أرقى اللغات في العالم القديم .

وبعد هذه النظرات العاجلة نتقدم الى تحري موضوعنا بأقسامه الكبرى واليك ذلك :

3– العلاقات التاريخية بين العربية والآرامية : 

علمنا سابقاً ان هاتين اللغتين أبصرتا الوجود كلتاهما في نحو مطلع الألف الثاني قبل الميلاد , ولا يمكن تقديم احداهما على الأخرى تاريخياً , وان كانت الآرامية تركت آثاراً نفيسة سبقت فيها الآثار العربية بعهد طويل , وذلك لأسباب اجتماعية تخص الامتين الساميتين العربية والآرامية , فان العربية بقيت وقتاً طويلاً منعزلة في فلواتها الواسعة بعيدة عن أعين التاريخ , ويظهر أن العرب في تلك الأيام لم يميلوا الى تدوين أخبارهم لأسباب نجهلها , وربما كان ذلك لعدم انتشار الكتابة عندهم الى حين ظهور مدنيات عربية في أعماق الجزيرة العربية , حيث تركت لنا آثاراً وان كانت قليلة الا أنها تدل على مستوى هام في الحضارة والمدنية , وأما اللغة الآرامية فقد تبعت أهلها الآراميين ، فاحتكّت بالأمم المجاورة , ونشأت فيها حضارات باذخة في وادي الرافدين وسهول سورية , واصبحت لغة دولية بالمعنى الصحيح منذ منتصف الألف الثاني قبل الميلاد ، وهذا هو السبب في ظهور آثارها سابقة للآثار العربية بزمن طويل .

لما كانت العربية والآرامية تنحدران من أصل سامي واحد كان لا بد لهما من التعاون التاريخي في مختلف عصورهما . وفعلاً تمّ الاتصال بين القبائل العربية الشمالية وبين أمم سورية والعراق الناطقين بالآرامية منذ أقدم العصور التاريخية , لأسباب كثيرة قد تكون حربية أو تجارية او اجتماعية , وبهذه الواسطة تبادلت اللغتان القوة والحيوية من الوجهتين العلمية والأدبية ، وتوثقت بينهما العلاقات اللغوية , وهو ما أكسب اللغة العربية على الأخص مادة غزيرة لا نستطيع حصرها الآن لتقادم العهد عليها .

ونجد , عدا ذلك , قبائل جمّة آرامية تتوغل في الجزيرة العربية , وتمتزج بالعرب أنفسهم حاملةً معها لغتها وحضارتها وساكبة اياها في جدول اللغة العربية , وقد وجد علماء الساميات في اللهجات العربية المنتشرة عصرئذ مادة لغوية غزيرة جزموا أنها ليست عربية لأنها تدل على معان دينية وعلمية وعمرانية لم تكن مألوفة عند العرب , بل هي خاصة بالاقوام العبرية والآرامية , وقد أفادت العربية من ذلك قوة جديدة .

على أن أقدم ذكر لبدء العلاقات بين القبائل العربية القديمة وسكان سورية الآراميين والعبريين , ورد في النصوص الآشورية , وتسميهم هذه النصوص باسم ” قدري ” كما يسميهم العهد القديم باسم قيدر او بني قيدار ، وهم من ذرية اسماعيل بن ابراهيم الخليل وكانوا رعاة يربون قطعان الضأن والابل ويبيعونها لأهل صور خصوصاً , ويسكنون الخيام السود المؤلفة من الشقق , وذكر أشعيا النبي بعض مساكنهم وذكر أرميا النبي العبراني قبائل أخرى من بني قيـدار فسـماها ( حاصور ) مسـتمدة من الكلمة العبرية ( حصيريم – الحضائر ) وهم سكان حضائر حجرية مغطاة بالعوسج والشوك لحماية السكان والقطعان من الوحوش واللصوص .

وتذكر النصوص الآشورية قبائل أخرى وتسـميهم ( بني قدم ) ومعنى ذلك بالعبرية القديمة ( بني المشرق ) . ويطلق هذا الاسم على البدو الضاربين عصرئذ في الصحراء السورية العراقية . وأطلق عليهم فيما بعد اسم ( Sarakimai  ) وهي مشتقة من كلمة (الشرقيين) العربية , ومثلها كلمة الآرامية , وقد رافقوا النبطين دهراً طويلاً . ويذكر بنوقيدار أيضاً في الرقم الآشورية في أخبار حروب أسرحدون ( 681 – 669 ق. م ) , وفي أخبار ابنه وخلفه آشور بانيبال ( 668 – 626 ق. م ) ويتابع ذكر القبائل العربية في الرقم الآشورية , وكثيراً ما سمّوا بالعرب (Aribi  ) ويتوارد ذكرهم في العصور التالية .

ومن هذه اللمحة الجيزة نستنتج حصول علاقات متواصلة بين القبائل العربية , والأمم الآرامية التي كانت منتشرة في تلك العصور على ضفاف دجلة والفرات وفي سهول سورية وما جاورها من المناطق . وهو ما أوجد علاقات متواصلة بين اللغتين العربية والآرامية منذ أقدم عصورهما .

هذا ما رايناه في شمالي الجزيرة العربية , أما في الجنوب فمن الراهن ازدهار أربع ممالك متحضرة فيه أقدمها معين , ثم سبأ وحضرموت , ثم قتبان . واقدم اتصال يذكره لهم المؤرخون بسكان وادي الرافدين – ومنهم الآراميون – كان في الألف الثاني ق. م , وقد اتصلت لغتهم بلغة أولئك الأقوام وروحيتهم بروحيتهم , فقد رأيناهم يعبدون آلهة عبدها الآراميون وغيرهم قبلهم , وأكبرها الإله ( سين ) ، والمعلوم ان هذه التسمية للقمر قديمة جداً وما زالت موجودة في اللغة الآرامية الحاضرة . وقد سمّوه ايضاً (سهر) والمعلوم أن القمر بالآرامية الحاضرة يسمى (سهرو او سهرا) . وما عدا ذلك فقد وجد المنقبون معبداً للإله ( سين ) في موضع من حضرموت يدعى ( حريصة ) ، ووجدوا بعض النقوش الحضرموتية تشـير الى أنه معبد الإله ( سين ) ، وكذلك عبد القتبانيون الإله ( عم ) ومعناه شعب وقوم في الآرامية ، وهو أيضاً من آلهتهم .

ومما يؤيد علاقة العرب بالآراميين أكثر من هذا محالفة الأمير العربي ( جندب Gindibu  ) لهدد عزيز ملك دمشق الآرامي على الملك الاشوري شلمناصر الثالث الذي حاربهم سنة 851 ق. م في موقعة ( القرقار ) شمالي حماه . ومما لا شك فيه أن محالفة مثل هذه تخلق وحدة وألفة بين المتحالفين سواء من الوجهة الحربية أو الاجتماعية أو اللغوية الأمر الذي يؤيد اتصال العربية بأختها الآرامية اتصالاً متواصلاً .

واذا وجهنا انظارنا الى الرُقم التأريخية التي ظهرت نتيجة تنقيبات العلماء في خرائب المدن العربية المندرسة وغيرها , نجد ما يدهشنا من العلاقات الوثقى بين العربية والآرامية , وهو ما يؤيّد تعاون هاتين اللغتين الشقيقتين في جميع عصورهما , ويبرهن على استمرار الاتصال اللغوي والديني والاجتماعي بين ذينك الشعبين العظيمين.

هذه قبائل ثمود وداراتها في شمال الحجاز , فهي قد تركت لنا كتابات هامة تفيدنا في بحثنا هذا , وقد تركتها إما في مواطنها هذه أو في غيرها , ولوحظ أن خطوطها وتعابيرها كانت مستعملة عند قبائل عربية أخرى , كبلاد نجد وهضاب طور سيناء , ولا يعلم هل انتقل هذا الخط من الثموديين الى تلك المناطق أو القبائل . أو أن الثموديين أخذوا منهم . ومهما يكن الأمر فالمهم في موضوعنا وجودها لا أماكنه .

وأهم رقيم من الرُقم الثمودية , وتأريخه سنة 156 م, نراه مزيجاً من الكلمات العربية والآرامية . وإليك ذلك حسبما حلّه العالم لتمان ونثبته بالحروف العربية : ” دنه قبور صنعه كعبو برحرتب للقص برث عبد منوتي أمه دو هلكت في الحجر شنة ماه وشتين وترين بيرج تموز , ولعن مرى علما من يشنا القبور ومن يفتحه حشى يلده , ولعن من يغير دا على منه ” . وترجمته في العربية : ” هذا القبر صنعه كعب بن حارثة للقيط بنت عبد مناة أمه التي هلكت في الحجر سنة مئة واثنتين وستين من شهر تموز , ولعن رب العالمين من غيّر هذا القبر , ومن فتحه يمس بأولاده ( يحس ) ولعن من غيّر الذي كتبه اعلاه …” .

في هذا الرقيم ثمان وثلاثون كلمة , عشر كلمات منها آرامية صرفة , والبقية عربية وثمودية , وذلك يؤيد ما نحن بصدده , فكلمات ” بر وبرث وشنة وشتين وترين وبيرح وشنا وحشى ” كلها آرامية ، وما عدا ذلك ففي هذا النص ورد عدد السنين بالاسلوب الآرامي وهو تقديم العدد الكبير على الصغير كقوله ( شتين وترين ) , وعن الآرامية أخذت العربية هذا الاسلوب في العدد واستعمله العرب القدماء كثيراً .

ولدى تأمل بسـيط في هذا الرقيم نجد العربية والآرامية متّحدين فيه كأنهما لغة واحدة . وقد نجد رُقماً أخرى غيره جرت هذا المجرى , وربما جرى غيرها مجرى اللغة العبرية . فمزج بين اللغات الثلاث العربية والآرامية والعبرية . ولكن مما لا شك فيه أنه في القرن الرابع الميلادي كانت اللغة الأدبية لم تزل اللغة الآرامية.

هذا ما يلزمنا قوله في صدد الرُقم الثمودية , وهو كاف ليدلنا على التلاقي المكين بين اللغتين العربية والآرامية , ويفسر لنا تأثر العربية بأختها الآرامية .

وهنالك في منطقة بين جبل الدروز وتلول أرض الصفا ( تسمى الحرة ) وُجدت كتابات عربية كثيرة اتفق علماء الساميات على ان يسموها ( الكتابات الصفوية ) نسبةً الى الصفا حيث ساح كثيرون من المستشرقين فجمعوا قسماً عظيماً من هذه الكتابات وحلوا أبجديتها , ولكنها بقيت غامضة الى أن زارها العالم ( ليتمان ) وجمع منها أكثر من الف وأربعمائة كتابة , وعاد الى بلاده ودرسها , فتوصل الى نتائج هامة عجز عنها غيره , فحلّ جميع رموزها وفك معميات أبجديتها التي تتألف من ثمانية وعشرين حرفاً  كما هي في العربية . ويعتقد الأستاذ ليتمان ان هذه الكتابات ترجع الى القرون الثلاثة الاولى بعد الميلاد , وعرف ان أصحابها كان لهم اتصال بالمدنيات المعاصرة لأنهم يؤرخون بحوادث مشهورة كحروب النبط , أو حرب الفرس مع الروم , أو تاريخ بصرى.

ان الكتابات الصفوية هذه هي بلا شك كتابات عربية الا أنها تحوي كلمات آرامية كثيرة , وتذكر آلهة آرامية واصطلاحات آرامية لا عهد للعربية بها .

ففي أحد النقوش الصفوية مثلاً كلمة ( داد ) معناها ( عم ) وهذه مادة آرامية قديمة وان كان لها نفس المعنى بالعربية .

وكذلك نجد في نقش آخر اسماء آلهة آرامية مثل ( بعل شمين ، اوشر دسر و وشيع القوم ) . ومعنى ( بعل شمين : آلهة السـموات ) و ( أوشر دسر : حارس النبات ) , و ( شيع القوم ) من آلهة الأنباط وهو لا يشرب الخمر ( دى لاشتا حمر ) . وقد اختلف المستشرقون في معنى هاتين الكلمتين , فذهب ( ليتمان ) الى أن الأولى ( آرامية ) والثانية ( عربية ) . وقال غيره أنهما عربيتان , أما نحن فنقول أنهما كلمتان آراميتان , الأولى مستمدة من فعل ( سيع سيع ) ومعناها عضد مثل ( ايد , نصر ) لتساوي السين والشين في الأبجديات الصفوية . والثانية ( قوم ) هي آرامية أيضاً وبالمعنى العربي المعروف ( قوم , شعب , جماعة ) ومعنى الجملة المركبة ( نصير القوم ) .

وأنت ترى في هذه النقوش مادة آرامية لا تمت الى العربية بصلة , وهذا ما يؤيد تلاقي اللغتين الشقيقتين في هذه المنطقة أيضاً شأنها في غيرها . ومصداقاً لما ذهبنا اليه أن الأستاذ ليتمان وجد في تحرياته الكثيرة للهجة الصفوية هذه مادة غزيرة غير مألوفة في العربية , أخذت من الآرامية والعبرية , ولاحظ أسماء أعلام كثيرة غير معروفة في العربية . كما وجد أفعالاً غريبة عن العربية , وأساليب أعجمية كلها استمدت من الآرامية او العبرية أحياناً.

واكتشف الأثريان فريدريك ماكلير Fredric Macler ورينيه دوسو Rene Dussaud نقشاً مهماً آخر في منطقة الحرة نفسها , في وادي السوط الذي يصب في وادي الشام بالنمارة وذلك في الرابع من نيسان سنة 1901 , وهذا النقش بالأبجدية النبطية وباللغة العربية تتخلله بعض كلمات آرامية , واليك كلماته بنفسها ومقاطعها :

1 – تي نفس مر القيس بر وملك العرب كله ذو أسر التاج .

2 – وملك الأسدين ونزارو وملوكهم وهرب مذ حجو عكدي وجاء .

3 – بزجاى في حبج نجران مدينت شمر وملك معدو ويمن بنيه .

5 – عكدي هلك نة 223 يوم 7 بكسلول بلسعد ذو ولده .

وهذه ترجمتها العربية كما قرأناها نحن بعد تحريات ومقابلات كثيرة باللغة السريانية الحاضرة وهي ولا شك الآرامية بثوبها الجديد :

1 – هذا قبر امرىء القيس بن عمرو ملك العرب كلهم الذي عقد له التاج .

2 – واخضع الأسدين ونزاراً وملوكهم وهزم مزجج و ( منعه أو عطله أو صده ) وجاء .

3 – شتت ( بزج ) وأسقط نجران مدينة شمر واخضع معداً وسلّط بنيه .

4 – ( على ) الشعوب فسموا الى العلى فلم يبلغ ملك مبلغه .

5 – وذريته وهلك سنة 322 في اليوم السابع من شهر كسلول ( كانون الاول ) . فليسعد الذين خلفهم ( فليسعد ولده ) .

 

واليك شرح ذلك وتعليل مخالفتنا في قراءة هذا النص لجميع علماء الساميات الذين استعرضوه وترجموه حسبما تراءى لهم :

ان كلمة ( تي ) من استعمال قبيلة طيّ وهي ضمير الإشارة القريب للمؤنث , و(نفس ) بمعنى ( قبر ) في اللغة النبطية , و ( امرؤ القيس لا حاجة لنا ببحث من هو لأنه خارج عن نطاق موضوعنا ) , و( بر ) كلمة آرامية بمعنى ( ابن ) و ( ذو ) بمعنى ( الذي ) في لهجة طيء , و ( أسر تاج ) هي المعنى الدقيق للعبارة الآرامية اُسَر ةُجِا أي ربط التاج أو عقد له التاج .

 

وقد خالفنا العلماء بخمس نقاط من هذه القراءة , واليك تعليل ذلك نقطة فنقطة :

1 – ان الكلمة التي قبل الأخيرة من السطر الثاني في النقش ( عكدي ) أثبتها الدكتور ولفنسون كما يلي :

” وهزم مذحج بقوته ” , تبعاً لما قرأها الأستاذ ليدزبارسكي , وأثبتها الأستاذ م . رودنسون ( تماماً ) , وقد أورد الأسـتاذ المشـار اليه رأي جوزيف هالفي بأن لا تُقرأ ( عكدى ) بل ( كعدى ) مقابلة لكلمة الترجوم العبراني التي معناها حتى الآن ( عد كدون ) . الا أنه نبذ هذا الرأي وقرأها تبعاً للأستاذ بارسكي ( عكري ) في النص في محل ( عكاري ) وهي – عنده – كلمة على وزن ( فعال ) من الأسماء المستعملة في معنى ” الحال ” . وهكذا تكون – بحسب رأيه الأخير –” عكار ” تعادل ” عكراً ” أي أصلاً.

اما نحن فنخالف الأستاذين ليدرباسكي وولفنسون بكـونها بمعنى ” القوة ” . وكذلك نخالف “ هالفي ” بكونها مستمدة من الكلمة الترجومية ” كعدي ” ( حتى الآن ) ونوافق الأستاذ رودنسون بقراءتها ” عكري ” . ولكننا نخالفه بكون معناها ( أصلاً أو تماماً ) . ولدينا كلمة سرياني هي ( عكر ) بمعنى حجر , منع , عطل , صد , عاق الخ . وما عدا ذلك نجد تقارباً شـديداً بين ( الراء والدال ) في النبطية , فيمكن ان تقرأ هذه الكلمة ( عكدي أو عكري ) وهو الأصح .

2 – هناك ( بزجي أو بزجاي ) , لقد ألحق بها اللأستاذ ولفنسون الكلمة الأخيرة من السطر الثاني وأثبتها هكذا : ( وجاء الى بزجي أو زجي ) , بينما قال الأستاذ م . رودنسون ان كلمة ( بزجي ) ليست قراءتها مؤكدة , الا أنه يأخذ برأي دوسو الذي يقرأها ( بزجاي ) أي ( بتوفيق ) , الا أننا لم نرتح لما أورداه , ولدينا كلمة سريانية هي ( اَفنجو ) ومعناها ( فرد . فرق . شتت ) فاذا جعلنا مطلع هذا السطر على النحو الذي أثبتناه أي ( شتت ) , ( نجران الخ ) يستقيم المعنى , أو اذا أردنا ان نقول غير ذلك لدينا كلمتان سريانيتان يمكن تــركيب كلمة منهما ويستقيم المعنى أيضاً وهما كلمة ( بز ) بمعنى نهب , سلب ( ذل ) , وكلمة ( جاي ) بمعنى ( تعجرف , تكبر) ، فنستطيع ان نقول ايضاً ( أذل عجرفة نجران الخ ) .

ونصر على رأينا بقراءتها ( شتت ) لأن الكلمة السريانية مطابقة للمعنى . ولأن الأستاذ رودنسون يؤكد ان قراءتها السابقة ليست مؤكدة بعد .

3– في السطر نفسه نجد كلمة ( حبج ) , وقد أثبتها الأستاذ ولفنسون ( في حبج نجران ) , بينما قرأها الأستاذ رودنسون ( حبج ) بمعنى ( حاصر ) استناداً على ما ورد في شرح المحيط الذي يفسرها ( دنا . اكتنف سـار شديداً . حبق ) ( في محاصرة نجران ) . اما نحن فنخالف الدكتور ولفنسـون ونوافق الأسـتاذ رودنسون على كونها ( حاصر ) , ونزيد على ذلك كلمة سريانية بمعناها , وهي ( حبَط ) أي ( صرع . أسقط . جندل ) , اذ يمكن ان تقرأ هكذا أيضاً لتقارب صورتي ( الجيم ) و ( الطاء ) في الأبجدية النبطية .

في السطر الرابع نجد جملة هي ( وكلهي فرسو لروم ) أثبتها الأسـتاذ ولفنسون بقوله : ( ووكله الفرس والروم ) , بينما قرأها الأستاذ رودنسون ( ونظمهم فوارس للروم ) . ونجد اختلافاً بين القراءتين . فالأولى تجعل ( امرأ القيس ) ( وكله الفرس والروم ) فعلى ماذا وكله ؟ لا ندري . وفي الثانية نجد ( امرأ القيس ) ينظم بنيه (فوارس للروم) . ولا يستبعد ان تكون علاقة لهذه القبائل العربية بالفرس أو الروم , أو ان يجعلها احد الجانبين حليفة له ضد الجانب الثاني , الا أن مما قيل عنه في الجملة التالية ( فلم يبلغ ملك مبلغه ) لا يظنه يجعل بنيه ( فوارس ) للروم أو لغيرهم , وقد تخبط علماء الساميات في قراءة هذه الجملة , واورد الأستاذ رودنسون آراءهم فقال : ان بيدو ومارتين وهارتيمان , وكليرمون غامو , وتبعهم دوسو أحياناً ذهبوا الى ان ( فرسو) تعني الفرس , وعلل بيزر ذلك بقوله ” لأن الفرس كانوا قد خذلوا القبائل العربية أمام الرومان ” . وترجم كليرمون غانو ذلك بقوله : ” وانتدبهم لدى الفرس والرومانيين”  ويفترض الرأي الثاني أن هذا الأمير العربي كان يمثل دوراً مستقلاً على وجه المعادلة بين الفرس والروم , ولكن ” ليدزر بارسكي ” رفض الرأي القائل بأن ( فرسو ) تعني الفرس , بل رأي ان كلمة ( فرسو ) تعني ( الفوارس ) جمع فارس , واعتنق دوسو هذا الرأي أولاً , وترجم الأثنان هذه الجملة بما ترجمها الأستاذ رودنسون.

ونحن نخالفهم جميعاً لسببين : الأول ، لأنهم اختلفوا جميعاً ولم تكن آراؤهم الاّ من قبيل الحدس والتخمين ولا يمكن بناء حقيقة لغوية وتأريخية على الحدس والتخمين . والثاني ، لا نرى موجباً في هذه الحادثة يحمل أمـرؤ القيس أمير العرب على ان يجعل ” بنيه ” فوارس ” لـ ” الروم ”  او لـ ” للفرس ” ولا سيما ان الأستاذ رودنسون درس امكان انحياز امرؤ القيس هذا الى جانب الروم والفرس , وخرج بنتائج مبهمة متناقضة رغم تحرياتها الكثيرة , ولذلك نضطر الى سبر غور هذه الجملة ( فرسو لروم ) في اللغة السريانية فنقول :

يحتمل التصور ان تكون كلمة ” فرسو ” مستمدة من كلمة ( الفارس ) العربية أو من كلمة ( فُرشُا ) السريانية , الا ان ( فَرسا ) فرسو في حالتها الحاضرة بعيدة عن هذا المعنى بالنسبة الى صيغتها الفعلية ، لأنها أي ( فرسـو ) ( فرسو ) فعل ماض لجمع الغائب ومعناها بالضبط ( بسطوا , نشروا , أو مدّوا , انتشروا , سموا ) .

وأما الكلمة الثانية من الجملة فهي ( لروم  لروم ) ومعناها العلي والمعالي وما الى ذلك, وتكون القراءة الصحيحة لهذه الجملة ” فسموا الى العلي أو المعالي ” , ولا سيما انها اردفت بالجملة العربية الفصيحة وهي ” فلم يبلغ ملك مبلغه ” . ونستطيع هنا الخروج بالنتيجة الأخيرة وهي ان هذه الجملة جملة آرامية توضح سمو الانتصار الذي أحرزه ( امرؤ القيس ) لقبيلته وبنيه , وهي عندنا أصح من كل المعاني التي اضفاها عليها علماء الساميات لجهلهم روح اللغة الآرامية , وترجمة الفاظها بدقة .

    5- بقيت الكلمة الاولى من السطر الخامس من هذا الرقيم الهام وهي ( عكدي ) , وقد اثبتها الأستاذ رودنسون “ قط وهلك “ ونحن نخالفهما في ذلك ونقول ان الكلمة هي ” عكري ” لا  ” عكدي ” كالكلمة السابقة ” عكري ” ولكن يختلف معناها بالآرامية عن الاولى ، فعلمنا ان تلك معناها ” منع , عطل ” اما هذه فهي مستمدة من كلمة ( عكرا عكرا ) ومعناها ” ذرية , سلالة , قبيلة ” منها . ونحن نميل الى اعطائها أحد هذه المعاني  وتكون قراءة الجملة كما اثبتناها : ” وذرية أو قبيلة , وهلك سنة … ” وهي معطوفة على الجملة السابقة : ( فلم يبلغ ملك مبلغه وذريته أو مبلغ ذريته وقبيلته ) .

تبلغ هذه الكتابة زهاء 48 كلمة تتخللها احدى عشر كلمة آرامية وهي من الجمل البليغة بالآرامية كجملة ( أسر التاج قطر ةجا ) و ( فر ” لروم ” سمو الى العلى ) وغير ذلك من دقائق الآرامية ، وما عدا ذلك فان وضع كثير من الكلمات يشبه الوضع الآرامي الغربي ، أي بالامالة الى الضمة الأخيرة كقوله : ” نزاروا , معدو , كلهن – كلؤون  اي كلهم , “ فرسو ” , وهنا يجب ان نعلن ان في هذا الرقيم تجمعت مادة من اللغتين الشقيقتين وهو ما يؤيد تعاونهما وسيرهما جنباً الى جنب في مختلف عصور التاريخ .

واذا تقدّمنا نحو الجنوب , نجد هناك مدينة كاملة آرامية وعربية هي مدينة الأنباط التي ظهرت في شبه جزيرة طور سيناء على أنقاض المملكة الآدومية , وكانت عاصمتها ( سلع ) وهذه كلمة آرامية وعبرية معناها الصخرة الناتئة . وسمّاها اليونان بتراPetra  كما عرفها العرب بـ ( البطراء ) أخذاً عن الكلمة اليونانية , وتوسعت مملكة الانباط ( او النبط او النبيط ) فانحدرت الى بلاد الحجاز من جهة , ثم صعدت شمالاً حتى بلغت صحراء سورية وشملت دمشق ووصلت الى أطراف نهر الفرات .

اسست هذه المملكة بين القرنين الرابع والخامس ق. م وقرضها الرومان سنة 106 م ولعبت أدواراً هامة في تاريخ الشرق العربي .

يعتقد علماء الساميات ان النبط خليط من اقوام آرامية وعربية . لانتشارهم في بلاد عربية واسعة حتى

عرفت مملكتهم في طور سيناء باسم بترا العربية , ولأن لغتهم الآرامية تتخللها ألفاظ كثيرة عربية , ولوجود أعلام كثيرة شبيهة بالعربية في تاريخهم , وكذلك أسماء الأصنام العربية .

أما لغة حضارتها فهي الآرامية رغم تغلب العناصر العربية على العناصر الآرامية المؤسسة لهذه الدولة في أيامها الخيرة , واذا أضفنا الى كل ذلك أسماء الأعلام المستمدة من العربية كأذينة , وعبده , وأوس , وأسد , ومعن ، وجزيمة , واوس الله ، وعمرو ، وعمر , وعميرة ، وبرغوث , وبكر , وحنضل ، ورجب ، ولظم , وكعب , ووهب . (وقد ذكرها جميعاً الأستاذ ليتمان في بحثه في الأعلام النبطية بالاضافة الى جملة أعلام مستمدة من مصادر يونانية ورومانية وفارسية )  , نستطيع القول أن اللغة العربية سارت مع الآرامية في هذه المملكة جنباً الى جنب كل تلك المدة الطويلة , وتأثرت كل منهما بالأخرى , ولعمري انها ألفة طويلة المدى استطاعت أن تقدم للتاريخ مدينة خاصة آرامية عربية أو عربية آرامية .

وقد قررعلماء الساميات أن لغة النبط الآرامية والأبجدية الآرامية واتصالها بالعرب اتصالاً مباشراً أثّر تاثيراً واضحاً في الحضارة العربية الوثنية القديمة , وأفادت منه اللغة العربية فوائد عظمى في شمال الجزيرة .

ووجدت آثار اللغة النبطية ( الآرامية والعربية ) في جميع المناطق التي تبوأتها هذه الدولة, وظهر بعضها في منطقة بصرى الشام , وبعضها في منطقة البتراء نفسها , وبعضها الآخر في العلى بالحجاز , وهي آثار متشابهة الاّ ان الرُقُم المكتشفة في بصرى تمتاز عن بقية الرُقُم بظهور مسحة رومانية عليها , وهذا لا يشوه كيانها الخاص الآرامي العربي . ونستدل من هذه الآثار على أن اللغة الآرامية , وان تخللتها عناصر عربية هامة , قد حافظت على كيانها , بل طبعت العناصر العربية بطابعها الخاص . مما أدى الى إمداد العربية بمادة آرامية غزيرة . واقدم الرُقُم النبطية يعود تاريخه الى سنة 33 ق. م . وأحدثها بعد زوال الدولة سنة 106 م .

 

درس الأستاذ ليتمان آثار النبط دراسة دقيقة , وخرج بنتائج هامة تاريخية ولغوية , واننا نستمد هذه الآثار الكتابية , وهي آثار ضريحية غالباً درسها كثير من علماء الساميات  وهذا احدها :

1 – رُقيم فهر وجزيمة :

يتكون هذا الرقيم من ثلاثة أسطر قصيرة . وقد وُجد في ام الجمال من اعمال شرقي الاردن , وذهب الأستاذ ليتمان الى أنه دوّن في عهد غير غير بعيد من العهد الذي دُوّن فيه رُقيم النمارة الآنف الذكر , واليك ذلك كما ورد بعد قراءته :

الأصل                                                وهذه ترجمته

1 – دنه نفشو فهرو .                                1 – هذا قبر فهر .

2 – برسلّي ربو جزيمة .                            2 – ابن المحارب العظيم .

3 – ملك تنوخ .                                     3 – ملك تنوخ .

استعرضنا هذا الرُقيم في كتاب اللغات السامية للدكتور ولفنسون , فارتبنا في ترجمة السطر الثاني منه لورود كلمة ( ربو ربا ) بعد لفظة ( سلي ) . وقد اثبت معنى ( ربو ) ربي , وهذا المعنى ليس صحيحاً لهذه الكلمة فان معناها الصحيح هو ( العظيم , الكبير وما اليها ) . فاذا وضعناها في معناها الصحيح بعد كلمة ( سلي ) واعتقدنا ” سلي ” علماً يفسد معنى السطر كله تماماً . لذلك اضطررنا الى الشك أيضاً في كون كلمة ( سلي ) علماً , وعدنا الى معاجم اللغة السريانية نستقصي معنى ( سلي ) بل ( شلي ) بالشين . وقد توهّم من قرأها بالسين , ونحن نعذره لان حرفي السين والشين لهما رسم واحد في الابجدية النبطية , والشاهد على ذلك أن الحرف ذاته وبصورته هذه قرأوه في رُقيم آخر ( شيناً ) لا ( سيناً ) , وعلى ذلك يكون تقديرنا بكونه ( شلي ) نفسها فلا نجدها علماً بل صفة تابعة للعلم ( فهـر ) ومعناها ( المحارب ) أو ( المقاتل ) , وهي مستمدة من كلمة ( شلولو شلُلُو ) اي ( معركة , اشتباك الحرب , الحرب ) . أما فعلها فقد ضاع في السريانية , وبكل تاكيد كان موجوداً في الآرامية سابقاً . ونقدر ان يكون ( شل شل ) فتكون كلمة ( شلي ) مأخوذة من فعل ( شل – الحرب ) ومعناها بالضبط (المحارب) , واذا شفعناها بكلمة ( ربو ) يستقيم المعنى تماماً . لأن ( ربو ) العظيم وضعت صفة للمحارب , فنقول ( المحارب العظيم ) كما اثبتناها ، ويكون الرُقيم اذاً ” نفش فهر بن جذيمة ” لا ” فهر بن سلي ” كما أثبتها ولفنسون  .

أما ارتيابنا في عدم صحة الترجمة في السطر الثاني فهو في محله , لأن هناك آراء مختلفة حول ( سلي ) , فذهب الأستاذ ليتمان الى أن لفظ سلي يحتمل أن يكون مشتقاً من ( سليم ) العربية , ويفضل نولدكه ان يكون هذا اللفظ ( سلاه ) , ويؤثر الأستاذ ولفنسون ان يكون ( من الأسماء الآرامية الأصلية )  , وهو نعت ( لا علم ) كما أثبتناه , ومما يلاخظ أن هذا الرُقيم صيغت كلماته بحسب اللهجة الآرامية العربية أي بالإمالة نحو الضمّة الخفيفة ( الزقاف ) .

وقد أثبت الاستاذ ولفنسون في كتابه ( اللغات السامية )  رُقماً اخرى من الرُقم النبطية , وهي كالرقيم السابق ضريحية كلها , ولم نر حاجة الى اثباتها لأن جميع هذه الرُقم لا تتعدى ان تكون لغتها آرامية , وفي بعضها جنوح الى الأسلوب العربي , وفي البعض الآخر أسماء أصنام عربية , وهذه الأمور تفيدنا في إثبات أن اللغتين الآرامية والعربية تفاعلتا في مدينة الأنباط , فكوّنتا هذه اللهجة الخاصة التي نراها في هذه النقوش .

وهنالك لون جديد آخر في المدينة الآرامية العربية , وهذا يظهر لنا في آثار مدينة تدمر , وهي احدث عهداً من المدينة النبطية , فان نقوشها الأثرية لا تتجاوز القرن الأول قبل الميلاد , ويمتد تاريخها الى القرن الثالث , ولكنها مفيدة جداً بالنسبة الى موضوعنا هذا .

ان كلمة “ تدمر ةدمور ” آرامية معناها ” الأعجوبة ” , وهي من المدن القديمة جداً , ذكر سفر الملوك الأول ان سليمان الملك بناها في البرية , ومهما يكن الأمر فانها أقدم جداً من الآثار المنقوشة الباقية على انقاض هياكلها القديمة وأساطينها التي ما زال بعضها واقفاً . واشتهرت تدمر وفلسطين ومصر واوربة , وكانت رومة سيدة العالم القديم تهاب جانبها فمنحتها حقوقاً خاصة لم تمنحها لغيرها من مدن الشرق الخاضعة لسلطانها .

وما يهمنا في موضوعنا هذا لغتها وتعاون لهجتها هي واللغة العربية , وقد كانت القبائل التدمرية من العنصر الآرامي امتزجت به بعض العناصر العربية , وهو ما أبقى من لهجتها الآرامية آثاراً عربية بيّنة , كما اثّرت لغتها الآرامية باللغة العربية تاثيراً مهماً , وأعظم ناحية عربية في لغة تدمر هي الأعلام العربية وما اليها بالاضافة الى تأثرها بألفاظ يونانية ورومانية كثيرة .

ظهرت معظم الآثار التدمرية في منطقة تدمر , ووجدت نقوش تدمرية في افريقية ورومة وبلاد المجر وانكلترة لأن كثيرين من التدمريين دخلوا الجيش الروماني .

ومما تجدر الاشارة اليه أن الاستاذ ولفنسون ذهب الى أن لغة تدمر ” تشبه اللهجات الغربية الآرامية على أن الفاظاً كثيرة كانت في نطقها قريبة من النطق المألوف في الآرامية الشرقية ” , وكنا قد علّقنا على هذه النظرية في لمحتنا ” تحقيقات تاريخية لغوية في حقل اللغات السامية ” وقلنا أن اللهجة التدمرية هي لهجة آرامية غربية صرفة وسبب ظهور بعض الألفاظ بمسحة اللهجة الشرقية يرجع الى اتصالها باللغة العربية. والآن نؤيد رأينا نظراً لما نراه في هذه اللهجة من الصبغة الغربية الصرفة .

ان لغة تدمر الاولى , وان كانت خالية من الالفاظ العربية , بعكس اللغة النبطية , الا أننا نعتقد ان عناصر عربية دخلتها بعد امتزاج العناصر العربية بقبائلها الآرامية , وعلى الأخص بعد سنة 272 م حينما انتهت سيادة المدينة بأسر ملكتها الباسلة الزباء , اذ كثرت العناصر العربية رويداً رويداً , وتحوّل الشيء الكثير فيها الى اللون العربي . ومن الطبيعي ان تتأثر اللغتان الآرامية والعربية بهذا التمازج العنصري الشديد .

وقد درس علماء الساميات لغة تدمر الآرامية دراسة وافية , واستخرجوا منها فوائد لغوية وتاريخية هامة , وأشهر الذين درسوها ونشروها الأستاذ ليدزبارسكي , وكليرومونغانو , وودّ الذي نشر رُقماً تدمرية هامة , ودي فوغويه وغيرهم .

ونجد مدينة آرامية عربية أخرى في مدينة الحضر العراقية مشابهة تمام المشابهة لمدينة تدمر ومعاصرة لها , فلغتها آرامية صرفة الا أن الأقوام التي عمّرت هذه المدينة كانوا على الأرجح خليطاً من الآراميين والعرب كما كانت الحال في تدمر وفي البتراء , وقد ذهب المؤرخ جورج رولنسون الى أبعد من ذلك فأورد آراء المؤرخين القدماء , وذهب الى أن سكان الحضر كانوا عرباً خلّصاً . ومعنى ذلك أنهم كانوا يتكلمون العربية بطبيعة الحال لكونهم عرباً , ولكنهم كانوا يدوّنون أخبارهم بالآرامية , بدليل ظهور آثار آرامية صرفة في هذه المدينة , وقد نقل صديقنا الأستاذ فؤاد سفر في مقاله النفيس ” حفريات الموسم الاول – الحضر ” المنشور في مجلة ” سومر ” التي تصدرها مديرية الآثار القديمة العامة في بغداد , نقل كلام المؤرخ المشار اليه ، ونحن ننقله هنا لفائدته الكبرى في موضوعنا هذا . قال : ” الحضر عاصمة لمجتمع عربي في عصر الامبراطور طريانس , فقد استوطنت القبائل العربية مناطق من الجزيرة منذ أقدم الازمان , وعدّ زنفون الارضين المحصورة بين الخابور وبلاد بابل جزءاً من جزيرة العرب وعدّها سطرابون قسماً من العربية الصحراوية , وظهر العرب في الجزيرة العليا في زمن بومبي , وذكر بلوطارخ وابيان ان سكان مملكة الرها كانوا عرباً , وذكرت الحضر في حروب طريانس لأول مرة , وقيل عن اهلها كلما ذُكروا منذ تلك الحرب بانهم عرب ” , وأضاف الأستاذ سفر بقوله : ” وشخّصهم عرباً ديوكاسيوس أشهر من كتب من الرومان عن الحروب بين الفرس والرومان ” .

ثم يعود الأستاذ سفر فيعلّق على هذا معلّلاً سبب وجود اللغة الآرامية في آثار الحضر فيقول : ” ولا يمكن ان نتخذ الكتابة الآرامية المكتشفة في الحضر دليلاً على أن الحضريين كانوا آراميين , لأن الآرامية كانت في تلك العصور لغة المعاملات التجارية والتداول والتراسل بين شعوب الشرق على اختلاف السنتهم , فقد كتب بها ملوك الفرس ( الاشكانيون ) , وكذلك ملوك الدويلات التابعة لهم , ويحتمل جد الاحتمال أن دوّن بها العرب الحضر عرباً , وتترصّد في التنقيات المقبلة في هذه المدينة الى أدلة تاريخية قد تلقي ضوءاً على هذا الموضوع ” .

ونحن لا حاجة بنا الى مناقشة هذه النظرة لعدم وجود مصادر ثابتة الى الآن تؤيدها أو تنفيها , وان كان المؤرخون القدامى قررّوا ذلك , وحاجتنا فقط الى التصريح بأنه سواء كان سكان الحضر مزيجاً من الآراميين والعرب شأن سكان تدمر والبطراء ومملكتيهما , أو كانوا عرباً خلّصاً , فمن المؤكد وجود اللغتين الآرامية والعربية في هذه المدينة جنباً الى جنب . ومن المؤكد حدوث التقاء طويل وتفاعل كامل بينهما في هذا الصعيد الموحّد , ولا بدّ لهذا التفاعل من ترك آثاره في كلتا اللغتين حسبما شاهدنا في مملكتي تدمر والبتراء .

ومع ذلك لا نرى الا أن سكان الحضر كانوا مزيجاً من العرب والآراميين , شأنهم شأن سكان البتراء وتدمر . ومما يقوّي رأينا هذا ورود اشارات تاريخية صريحة عند بعض الكتبة وهي ان ( الساطرون ) كان جرمقانياً وقومه جرامقة , والجرامقة آراميون بشهادة كثير من المؤرخين , ونولدكه وهو من المستشرقين يؤيد ان (الجرامقة ) من أصل آرامي أو نبطي, وطبعاً لا يمكن الجزم بأن جميع السكان كانوا ( جرامقة ) وقد ذكر الأصبهاني ان العباد من قضاعة , وهم نصارى العرب , نزلوا الحيرة , فهزمهم شابور , فصار معظمهم ومن فيه نهوض الى الحضر من الجزيرة يقودهم الضيزن بن معاوية التنوخي , فمضى حتى نزل الحضر , وهنا الساطرون الجرمقاني فأقاموا به . وهذا يكفي الآن للدلالة على وجود الأقوام الآرامية , ثم على ورود موجة عربية من قضاعة ونزولهم عليهم , مع العلم أنه أطلق على أحد الضيازن اسم ( برشميا بر شميا ) ومعناه ( ابن السماء ) فتأمل .

الى الآن كنا نتكلم عن المدنية المشتركة بين العرب والآراميين في عهد الوثنية , وقد رأينا هاتين الأمتين الشقيقتين متلازمتين متجاورتين منذ أبعد عصور تاريخهما الموحد , كما رأينا لغتيهما متساندتين متعاونتين منذ نشوئهما الى عهد النضج والانتاج , والآن ننتقل الى العهد المسيحي لنجد اللغتين الساميتين متماسكتين في عروة وثقة لا تنفصم .

تمّ هذا اللقاء في مدينة الحيرة العراقية ، وكانت تبعد عن الكوفة ثلاثة أميال الى جنوبيها , وعن النجف مسيرة ساعة للفارس الى جنوبيه الشرقي وفي هذه المدينة تجمّعت قبائل عربية كثيرة من العنصر العربي , وحكمتها سلالتان عربيتان هما التنوخيون واللخميون , ورد ذكر بعض قبائلها مثل مذحج وطي وكلب وتميم ومن المؤكد ان النصرانية سادت في الحيرة قبل القرن الرابع الميلادي . والى جانب هذه الجموع العريقة في القدم كنا نرى في فجر تاريخها طوائف كثيرة من النبط , وهم لا شك آراميون عنصراً ولغةً , ومما يؤيد تمازج العرب وهؤلاء الآراميين ما ورد في امالي السيد المرتضى أن خالداً ابن الوليد لمّا فتح الحيرة سأل عبد المسيح ابن بقيلة : أعرب انتم أم نبط ؟ أجابه : عرب استنبطنا , ونبط استعربنا وكان هناك أقلية فارسية وجالية يهودية , الا ان الأكثرية الساحقة من سكانها كانوا من العرب والآراميين ( النبط ) . وقد اطلق المؤرخون العرب اسم ( نبط العراق ) على بقايا البابليين والآراميين في العراق ، وهم الذين يتكلمون الآرامية : وسمّاها المؤرخون النصارى ( بيت آرمايا ) اي ديار الآراميين .

من هذا كله نستنتج ان اللغتين الآرامية والعربية تصافحتا في هذه المدينة ايضاً , وحصل امتزاج بين سكانها المنتمين الى هاتين الأمتين العريقتين , الأمر الذي يؤكد لنا حتمية تأثر اللغتين احداهما بالأخرى , الا أن اللغة العربية على ما يظهر كانت لغة الأدب والدوائر الرسمية والى جانبها اللغة الآرامية في كثير من مرافق الحياة .

ومن المؤكد ان العلم والأدب , كانا زاهرين في الحيرة أبان مجدها , وقد ورد في المزهر للسيوطي أن أول من كتب بالعربية هو حرب بن امية بن عبد شمس تعلم من اهل الحيرة . وقد وردت نصوص تاريخية زاخرة تروي أخبار مدارس الحيرة منذ أقدم عصورها , وحدّثنا صاحب الاغاني ان المرقش الاكبر وهو ابو عمر الشيباني , وأخاه حرملة , درسا الكتابة على يد نصراني من اهل الحيرة , وقصة ( صحيفة المتلمس ) الشاعر الجاهلي مشهورة في الأدب العربي , ولجهل الشاعر القراءة طلب الى صبي من أهل الحيرة قراءة الصحيفة المشؤومة .

وكان الحيريون يدرسون اللغة العربية لكونها لغتهم العنصرية , ويدرسون الآرامية السريانية وهي لغة طقوسهم الدينية وبها كانوا يحبّرون شعائرهم الروحية وهي ايضاً لغة قسم عظيم منهم يتكلمونها في بيوتهم , وتخرّج كثيرون من العلماء في الحيرة يتقنون اللغتين الشقيقتين امثال حنين بن اسحاق العبادي الحيري , مؤلف المعجم الآرامي الشهير , ومترجم العلوم اليونانية الى الآرامية والعربية والاسقف الحيري حناني يشوع مؤلف المعجم الآرامي العربي الذي استند عليه كثيراً ابن بهلول في معجمه الشهير .

ومما لا شك فيه أن كنائس الحيرة وديورتها الكثيرة العدد ساهمت مساهمة فعّالة في نشر العلوم والآداب العربية والآرامية جنباً الى جنب بآن واحد , لأن المعروف عن الديورة منذ فجر وجودها أنها معاهد لشتى العلوم والمعارف البشرية , واذا استعرضنا قائمة خريجي هذه الديورة ورؤسائها على الأخص نجدهم مزيجاً من العرب والآراميين اتحّدوا اتّحاداً كاملاً وسـاروا في طريق الدراسة والانتاج الأدبي جناً الى جنب , وهو ما هيأ جواً ملائماً لسير اللغتين الى هدف واحد , ولا نرى حاجة الى ذكر خريجي هذه الأديرة جميعهم لأن ذلك ليس من صلب موضوعنا .

هذا ما نجده من الاتصال بين اللغتين العربية والآرامية في مدينة الحيرة وضواحيها , وهو كاف لتعاون اللغتين واستمداد احداهما من الأخرى معنىً ولفظاً واسلوباً .

واذا ذكرنا تلاقي اللغتين العربية والآرامية في حيرة المناذرة اللخميين في العراق وفي ضواحيها ومدارسها وكنائسها وديورتها , لا بد لنا أن نذكر الى جانب ذلك تلاقيهما في قبائل أندادهم الغساسنة , الذين ذهبوا صعداً في معارج المعارف الروحية والأدبية , وأهتموا ببناء الكنائس والديورة اكثر من المناذرة الأمر الذي يفيدنا فوائد عظمى في موضوعنا هذا .

فالغساسنة أو الغسانيون قبائل عربية يمنية وهم بنو ماذن من الأسد من خزاعة نزحت من منابتها في حادثة سيل العرم ، نحو سنة 120 م , وسكنت اولاً في منطقة من حوران وبادية الشام  ونزلت على ماء بين زبيد وزمع يقال له ( غسان ) فمن شرب منه فهو ( غساني ) , ولذلك سمّوا ( الغساسنة ) او ( بني غسان ) . وكانوا يدينون بالنصرانية , واسّسوا لهم دولة عربية في هذه المنطقة وكانت عاصمتها ( الجابية ) في الجولان , وامتدت دولتهم بين دمشق وتدمر , ثم توسعت فامتدت من دمشق الى الرصافة على شاطئ الفرات .

والمنطقة التي سكنها الغساسنة في أول أمرهم كانت منطقة ( باسان او باشان ) المذكورة في أسفار العهد القديم , وكان يحدها بادية سوريا شرقاً , وغور الاردن غرباً , واراضي دمشق شمالاً , وارض جلعاد جنوباً , وحسبما تدل المصادر الغربية أن اسمهم اشتق من أسم الماء ( غسان ) الذي نزلوا عليه . و ( غسان ) كما هو معلوم تسمية آرامية منحدرة من فعل ” GSO ” بمعنى فاض نبع , تدفق , ومن الراهن أن هذه القبائل العربية امتزجت ببقايا الآراميين الضاربين في هذه الربوع منذ أقدم العصور وأن منهم كانت ممالك البتراء وتدمر والممالك الآرامية القدامى في دمشق وما جاورها من المناطق السورية المجوفة وما يحيط بها . ولما كانوا يدينون بالنصرانية كما علمنا , ويتفقون هم ونصارى هذه البلاد بالعقيدة والطقوس الكنسية , استمروا ينمون متحدين مع الآراميين سكان البلاد القدماء و يتبادلون اللغة والمذهب الديني على ما هو معلوم لدينا , ومما لا ريب فيه أن سكان هذه المناطق من النصارى كانوا يحبّرون طقوسهم الدينية باللغة الآرامية , سواءً كانوا عرباً أو آراميين , حتى الخارجين على الكنيسة السريانية أنفسهم .

ومما يزيد في تأصل العلاقات واستمرارها بين العرب الغساسنة والسريان الآراميين جنباً الى جنب في سائر مرافق حياتهم الدينية والدنيوية . ومما لا ريب فيه ان هؤلاء العرب كانوا يتكلمون في بيوتهم , ويستعملون الآرامية في شعائر عبادتهم , ولم يعدموا اقواماً منهم كانوا يتكلمون لغتهم الآرامية الأصلية في بيوتهم , ويخاطبون أخوانهم العرب ومواطنيهم بالعربية , وهو ما يجمع بين اللغتين في صعيد واحد . وأمامنا ثلاثة أمور هامة تؤيد امتزاج العرب بالسريان الآراميين وهي :

أولاً : سلاسل الأساقفة الذين تولوا أمور الغساسنة الروحية في مختلف عصورهم وقد اوردها المؤرخون السريان وعلى الأخص المؤرخ ميخائيل الكبير فاننا نجد هؤلاء الأساقفة مزيجاً من العرب في جميع الأبرشيات الغسانية , فتيودور رفيق يعقوب البرادعي مثلاً كان عربياً خالصاً وقد رُسم , بناءً على طلب الحارث بن جبلة الغساني , مع البرادعي نفسه برعاية الملكة تيودورة وكانت ولايته الروحية تشمل بلاد اليمن والمغرب والأقطار العربية وفلسطين واورشليم , وكان كرسيه في مدينة بصرى , وذكر التاريخ غيره من الأساقفة المنحدرين من محتد عربي أمثال ( بطرس اسقف العرب ) و ( فالغ اسقف قبيلة منذر ) و ( توما اسقف يبرود ) و ( يوحنا اسقف يبرود ) و ( يوحنا اسقف حوارين ) .

وقد ذكر المؤرخ ميخائيل الكبير كثيرين من اساقفة هؤلاء العرب في سلاسله التاريخية في مختلف ابرشياتهم في درعا , ومينونيا حوران , والرصافة , والرقة وغيرها . ومن تعداد اسماء هؤلاء الأساقفة ومواطن تخرجهم نتأكد أن بعضهم كانوا عرباً خلصاً والبعض الاخر كانوا آراميين أقحاحاً . ولا نرى حاجة الى ذكر اسمائهم هنا لأن ذلك ليس من صلب موضوعنا .

ثانياً : ثبت الديورة الكثيرة التي اسّسها او أعاد أيام مجدها ملوك العرب الغساسنة في بواديهم وحواضرهم , ومعظم أسماء هذه الديورة عربية كدير ( العرب ) ودير (طي) ودير ( اليمن ) ودير ( عمر ) ودير ( هند ) ودير ( جفنة ) ودير ( العقبة ) ودير ( الزنبق ) ودير ( البرج ) (عقرب ) ودير ( اللبان ) ودير ( اللوز ) وغيرها .

وكانت هذه الديورة رياضاً للعلم والفضيلة عصوراً طويلة احتوت بين جدرانها رهباناً وطلاباً للعلم والمعرفة من العرب الآراميين جنباً الى جنب , ارتشفوا العلوم على مقاعد مدرسية واحدة , ونشدوا الأدب باللغتين العربية والآرامية معاً , وتسقف كثيرون منهم في جميع البرشيات العربية والآرامية التي ذكرناها وفي غيرها من الأبرشيات السريانية الواسعة النطاق في تلك العصور , وفي ديورتها الكثيرة , وكنائسها المنتشرة في كل مدينة وقرية من مدن سورية وبلاد العرب وما بين النهرين وغيرها .

ثالثاً : دفاع الملوك الغساسنة العرب عن الايمان الأرثوذكسي العريق بكل ما أوتوا من نفوذ وسؤدد وقوة , ونفورهم من الذين كانوا يضطهدونهم في مملكة بيزنطة , وقد روى المؤرخون وعلى الأخص يوحنا أسقف آسيا بطولتهم المنقطعة النظير في هذا الميدان , وأهم ذلك الحملة التي جردها المنذر ملك الغساسنة على بلاد الروم منتقماً منهم أعظم انتقام , واهتمام ملوك غسان بأمر سلام الكنيسة السريانية ونجاحها . ورفضهم الميل الى مضطهديها .

ولم تكتف الكنيسة السريانية بخدمتها العرب الغساسنة المتحضرين , بل بالغت في خدمة سائر العرب المسيحيين الرحّل , فانشأت لهم طقوساً خاصة بالسريانية والعربية , وترجمت لهم الانجيل الى العربية , واعطت اولادهم جميع التعاليم باللغتين العربية والسريانية , مما يؤيد اتحاد العرب باخوانهم السريان منذ أقدم عصور المسيحية , وقد ذكر المؤرخ ميخائيل الكبير أساقفة كثيرين سمى كلاً منهم ( اسقف العرب ) , وكان هؤلاء الاساقفة ينتقلون مع القبائل العربية النصرانية في فلواتها , ويقيمون لهم الشعائر الدينية في بيوت الشعر , وكانوا يخدمون ( القداس ) مترجماً الى اللغة العربية عن أصله السرياني .

وبعد انقراض الدولة الغسانية ظلّ العرب الغساسنة متحدين بالكنيسة السريانية ومخلصين لها أشد الاخلاص , وآثروا السكنى في المدن والحواضر والقرى في بلاد سورية , ونزح بعضهم الى العراق وبلاد آثور , وحدثنا عنهم العلامّة ابن العبري قال : ” ظلّ الغساسنة من ذلك الحين حتى اليوم – القرن الثالث عشر – متمسكين بعقيدة الطبيعة الواحدة ولا سيما في الحديثة وفي بلاد باعرباي ( المنطقة الممتدة بين الموصل وسنجار ونصيبين ) وفي القريتين والنبك وسائر أطرافها ” .

ان المرحلة الطويلة التي عاش فيها العرب الغساسنة متّحدين بالسريان في مناطق سورية وغيرها , أتاحت أعظم فرصة للقاء اللغتين العربية والآرامية السريانية ولاتصالها الطويل , مما كان له الأثر الفعّال في كلتيهما , وعلى الأخص في بلاد سورية , وقد بقيت آثاره الى اليوم دائرة على الألسن السورية , اذ اصطبغت اللغة العربية المحكيّة فيها بصفات سريانية كثيرة منذ تلك العصور الى يومنا هذا .

 

وأهم الآثار السريانية الآرامية في اللغة العربية المحكيّة في بلاد الشام على الأخص هي ما يأتي :

    1 – قلب ( ميم الجمع ) الى نون في ضميري المخاطبين والغائبين مثل ( أبوكن ، أخوكن , بيتكن ) , عوض ( أبوكم , أخوكم , بيتكم ) , وذلك مستمد من السريانية الآرامية اذ يقال ( ابوصون ، احوبون ، بيةصون ) كما يقال ( ابوؤون ، احوؤون ، بيةؤون ) وهي صيغة سريانية لا غير.

    2 – اسكان الحرف المتحرّك بحركة الاختلاس في وسط الكلمة , وقد تنقل حركته الى الحرف الذي قبله مثال ذلك : ( عِلْتَك , عَمْتَك ، ونحمّله , زلقطه ) وما اليها عوض ( علّتك , عمًتك . نحمله , زلقطة ) كما هي الحال في بقية البلاد العربية .

3 – اسكان المتحرك في اول الكلمة وفي مواضع اخرى من ذلك : ( كبير , صغير , كبار , نروح ) وهذه توجد في لغة الموصل العامية أيضاً , وهي مستمدة من السريانية لا غير لان هذه الحالة لا توجد الا في اللغة السريانية .

4 – استمداد لغة الشام العربية المحكية الى الآن كلمات كثيرة سريانية صرفة منها: دقر اي ( صدم ) ,

سكر ( أغلق الباب ونحوه ) , دنّق ( نظر ) , فقع ( انفجر ) , دلف ( بمعنى وكف ) , شمط ( استل اليف ونحوه ) , شطح ( بسط , مدّ , وامتدّ ) فلش ( هدم , وهذه توجد في عامية الموصل ايضاً ) و شقل ( نقل , أخذ ) . ومن الاسماء : شوب ( الحر ) , شرش ( جذر ) و شكارة ( ما يزرع لأجل القوت القليل ) , ( وهذه توجد في عامية الموصل ايضاً ) , القاتول ( القاتل ) , الشاقول ( ما يستعمله المعمار لوزن استقامة البناء ) , القرطب ( نوع من الشوك معروف ) .

كل هذه الافعال والأسماء مستمد من السريانية الآرامية , وهي فيها في هذه الصيغة . ونحن لا ندّعي انها موجودة من عهد الغساسنة العرب كلها , فلا بد ان هنالك الفاظاً واصطلاحات دخلت اللغة العربية منذ انتشارها بعد هروب السريانية من الألسنة السورية , ومن هذا القبيل أيضاً اسماء كثيرة من القرى والأنهار والأماكن التي ورثت اسماءها من اللغة الآرامية القديمة .

وهذ الأمور تكفي للدلالة على تأثر اللغتين احداهما بالأخرى في سيرهما جنباً الى جنب كل هذه المدة الطويلة , وتمازج أهليهما في مختلف العصور التاريخية .

والان ننتقل الى منطقة عربية اخرى هي منطقة نجران في بلاد اليمن السعيدة , فقد تبوأها العرب المسيحيون منذ أقدم العصور المسيحية , وكانوا متّحدين مع الكنيسة السريانية الآرامية في بلاد سورية وغيرها , وهو ما جعل اتصالاً آخر مباشراً بين اللغتين العربية والآرامية بعد الاتصالات القديمة الي عرفناها سابقاً .

في مدينة نجران العربية ازدهرت المسيحية ، واقيمت الكنائس الجليلة فيها وفي بقية المدن اليمنية أمثال مأرب والهجران , واصابتها الشدة بين سنتي 519 – 524 مذ داهمهما ذو نواس اليهودي فعاث فيها وفي سائر المدن المجاورة تقتيلاً وتفظيعاً , وأشتهر من الشهداء المسيحيين العرب الشجعان الحارث بن كعب وبضع مئات من الرجال والنساء والاطفال . وكذلك اشتهرت من الشهيدات عقيلة الحارث الشريفة (رومي) ، وقد أثبت خبر شجاعتها المؤرخ ميخائيل الكبير نقلاً عن رسالة شمعون الرشمي معاصر هذه الحوادث الدامية .

ان المسيحية في نجران والمدن المجاورة لها كانت مسيحية عربية آرامية بآن واحد , كما كانت قبلها الوثنية وثنية عربية آرامية حيث عبد العرب وبالأخص قبائل حميّر ( الشمس ) وهو ( شمس ) الإله الآرامي القديم ، فتكون القبائل العربية في هذه المنطقة متعلقة بالآرامية في عهديها الوثني والمسيحي ، لأن الفرصة اتيحت في كلا العهدين للقاء اللغتين العربية والآرامية , غير أنه في العهد المسيحي قويت العلاقة بين هاتين اللغتين الشقيقتين , لأن أهل حميّر أخذوا يكتبون بالقلم الآرامي السرياني بدلاً من الخط المسند الشائع عندهم قبل ذلك .

ويظهر من سياق حوادث التاريخ ان أهل نجران كان فيهم كثيرون ممن يقرأون اللغة الآرامية ويفهمونها . وقد وجّه اليهم العلامة يعقوب السروجي الملفان رسالة ضافية يشجعهم فيها على الثبات في ايمانهم ومكافحة المعتدي الأثيم بالصمود في حومة الاستشهاد وذلك في شدة ذي نواس اليهودي سنة 519 م . وكتب هذه الرسالة بالسريانية وهذا مطلعها : ” الى المجاهدين المختارين , محبي النصر الحقيقي , عبيد الله المؤمنين الصادقين . . . في نجران مدينة الحميرين ” وذكر من أساقفة نجران العرب قس بن ساعدة ( الخطيب العربي المشهور ) كما ذكر من أساقفتها السريان الأسقف فولا الذي كان قد توفي قبل اضطهاد ذي نواس , فاخرجت عظامه من القبر واحرقت بأمر هذا الطاغية .

وعلى ذكر كتابة الحميريين بالخط السرياني الآرامي نعود فنقول مع الأستاذ ولفنسون : أن العرب في عهد جاهليتهم الوثنية كانوا يستعملون الخط النبطي الآرامي المتأخر , وكانت حضارة العرب الوثنية مرتبطة بالنبط ارتباطاً وثيقاً , وكان نصارى العرب يستعملون الكتابة النبطية واللغة الآرامية التي كانت لغة العمران والدين عند نصارى الشرق , وكان أهل نجران على الأخص , وهم عرب خلّص , يعرفون اللغة الآرامية  , وعلى الأخص في طقوسهم الدينية , واتصالهم بالكنيسة الأم في سورية وفي غيرها من الأصقاع الكنسية . وهذا كاف لتأييد رأينا في اتصال اللغتين الساميتين وتبادل المادة بينهما كما سنرى فيما يأتي :

كانت في العراق قبائل عربية كثيرة تسير تحت راية الكنيسة السريانية الارثوذكسية متحدة معها بالايمان والعمل , واشهرها قبائل تغلب وطي ونمر واياد , ومن أشهر أساقفتها الاقدمين العلامة الفيلسوف أحودامه , وكان أسقفاً للمنطقة المعروفة بـ ( باعرباي ) اي ديار العرب , وهي الواقعة بين الموصل وسنجار ونصيبين , وبعد ان قلّده مار يعقوب البرادعي مطرانية بلاد المشرق العامة سنة 559 م سار بنفسه الى جنوبي العراق , فدعا بقية العرب الرحًل الى النصرانية , فهدى جماهير كثيرة منهم الى المسيحية , وأنشأ لهم ديرين وعدة كنائس . وهذا يدل على أن هذا المبشر كان يتكلم العربية كما كان يتقن لغته السريانية , ومن المؤكد أنه انشأ لهم الشعائر الدينية , هو والكهنة الذين رسمهم لهؤلاء العرب , باللغة العربية , كما اشتهر بعده من الاساقفة العرب جرجس أسقف العرب الفيلسوف الذائع الصيت , وسنكتب عنه دراسة وافية ان شاء الله .

على أن أشهر القبائل العربية العراقية هي قبيلة تغلب , وقد حدثنا التاريخ عن وحدتها مع الكنيسة السريانية الأم في العراق , ورسم البطاركة الانطاكيون السريان لها أساقفة كثيرين يتصل بعضهم بنسب عربي والبعض ينحدر من محتد سرياني ومن اولئك الاساقفة يوسف التغلبي الذي رسمه البطريرك يوليان الثالث ( 688 – 817 ) . ورسم البطريرك قرياقس التكريتي ( 793 – 817 ) ثلاثة أساقفة لهؤلاء العرب . أولهم الأسقف يوحنا للكوفة ، ثم الأسقف داود , ورسمه في ( دقلا ) عاصمة التغالبة , والأسقف عثمان العربي , وهو الخامس والاربعون في عداد اساقفته . ورسم البطريرك التلمحري ( 818 – 845 ) خمسة أساقفة للعرب التغالبة هم : يوحنا من دير قرقفنا , وتوما من دير بيرقوم , وحبيب من دير كنوشيا , ويوسف ويسمى ( مرزوق ), وجرجس , وكذلك رسم لبقية العرب أساقفة آخرين أشهرهم يوحنا اسقف العرب الرحّل, ويوحنا اسقف تدمر , وسبرو من دير آطو . ورسم البطريرك يوحنا الخامس ( 847 – 894 ) سبعة أساقفة للعرب من بني معد والتغالبة والنجرانيين ( هم بقايا مسيحيي نجران الذين شتّتهم ذو نواس اليهودي في اضطهاده لهم سنة ( 519 – 524 م ) وهم : الأسقف يعقوب للتغالبة , واحودامه اسقف بني معد , وطيبري لبني معد , وشمعون لبني نجران وبني معد من دير كنوشيا , وماكوس للتغالبة , ويوحنا من دير مار زكى لبني معد , ويوحنا للتغالبة الضاربين في بادية الموصل , ومثلهما فعل البطاركة أغناطيوس الثاني , وتيودوسيوس , وديونيسيوس الثاني , ويوحنا السادس , وباسيل الثاني من سنة 878 الى سنة 935 م , فرسموا أساقفة كثيرين لهذه القبائل العربية المتحدة بالكنيسة السريانية في سورية والعراق

وكان معظم هؤلاء الاساقفة يتنقلون مع قبائلهم من دار الى دار , يسكنون الخيام , ويقيمون الشعائر الدينية في بيوت الشعر , وقد حدثنا الفيلسوف يحيى بن جرير التكريتي منهم قال : ” وقد كان في العرب نصارى كبني تغلب وقوم من اليمن وغيرهم ومعهم أسقف يطوف معهم الحلل وفي سفرهم وينقل المذبح أعني الدفة المقدسة ( الطبليث ) من موضع الى موضع , الى سنة ثلاثمائة للعرب ( 912 م ) فوصل الى تكريت قوم من العرب النصارى وابتاعوا لهم ميرة ليمتارو بها , وكان منهم رجل دين حسن الطريقة فقلده مطران تكريت الأسقفية , وكان يقدس لهم باللفظ العربي , وكان يقدس لهم على الانجيل “

نستنتج من هذا كله أن العربية والآرامية , سارتا جنباً الى جنب في جميع العصور منذ عهد الوثنية الى قرون عديدة من عهد المسيحية , حتى بعد انتشار الاسلام, مما أثّر في كلتيهما تاثيراً عظيماً وعلى الأخص العربية التي أفادت من اختها الآرامية فوائد عظمى . قال الأستاذ محمد عطية البراشي : ” في الوقت الذي كان للغة الآرامية الغلبة والانتصار أثّرت تلك اللغة الآرامية في اللغة العربية تاثيراً عظيماً , وكلّما امعنا في الفحص والاستقصاء اتضح لنا ان كثيراً من الكلمات العربية التي كانت تستعمل للتعبير عن الافكار والمواد التي تدل على درجة معينة من المدنية استعيرت من اللغة الآرامية , ومن هذا نستنبط ان العرب شعروا بالمدنية التي كانت لدى جيرانهم الآراميين في الشمال وأنهم قد تأثروا بها ” .

ونختم بحث العلاقات التاريخية بين اللغتين العربية والآرامية بقول الأستاذ الابراشي أيضاً وهو : ” ان اللغة العربية الفصحى … نشأت من الآرامية في الشمال والسبئية في الجنوب , الا ان آرامية الشمال تغلبت على السبئية في القرون القريبة من الاسلام “. ونضيف عليه قولنا : أن ذلك حدث بفعل الاتصال الدائم الذي رأيناه بين هاتين اللغتين الشقيقتين منذ أقدم عصورهما التاريخية الى العصور المتأخرة .

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *