العرب والآراميون / المطران بولس بهنام

Posted by on Nov 8, 2018 in Library, دراسات سريانية | 0 comments

   العرب  والآراميون

 

قبل بحث العلاقات بين اللغتين العربية والآرامية ( السريانية ) يجدر بنا معرفة من هم العرب ؟ ومن هم الآراميون ؟ واليك ذلك : من المؤكد أن الساميين أمة واحدة نشأت وانتشرت انتشارها الواسع المعروف , ولنتخط البحث في سائر الأفخاذ السامية , ولنفرد منها فخذين اثنين سمّي أحدهما ” العرب ” والآخر ” الآراميون ” . فمن هما هذان الفخذان الساميان ؟

وقبل ان نعرف من هما , يجدر بنا تصور الأمة السامية تضيق بها أرض منبتها , ويلجأ بعض القبائل منها الى مغادرة تلك الارض لغرض الحصول على المعيشة اليومية الحيوية , فتتفرق هذه القبائل هنا وهناك نازحة عن موطنها الاصلي , فينتشر بعضها في الفيافي والسهول ويتوغل غيرها في الهضاب , ويبقى القسم الآخر مقيماً في أرضه . أما تاريخ هذا التفرق فليس معروفاً الى الان ولا حاجة بنا الى بحثه .

ويظهر أن القسم المقيم أطلق بعض الأسماء الجديدة على الأقسام النازحة , وذلك بحسب طبيعة الارض الجديدة التي نزحت اليها , ومن هنا أتى اسم العرب واسم الآراميين اذ سمّي النازحون الى الفيافي والسهول بـ ( العرب ) وسمّي النازحون الى الهضاب بـ ( الآراميين ) ولماذا ذلك ؟ وما معنى الكلمتين ؟

” العرب ” كلمة سامية قديمة معناها ( سكان الصحراء او البيداء ) حفظت في اللغات السامية المنحدرة من اللغة الأم , فنجدها سواء في العربية ( العرباء ) وفي الآرامية ( عربا ) arobo  وفي العبرية (عربة )Arbat  فيكون ” العرب ” والحالة هذه القبائل النازحة الى الصحراء والبيداء الذين سموا أيضاً ( البدو )

وأما كلمة ” آرام ” فهي أيضاً سامية قديمة مركبة من كلمتين جاءتا في بعض اللغات السامية ومنها الآرامية نفسها والعبرية , والكلمتان اللتان ركبت منهما هذه اللفظة هما ( ارعا رمةا ) areo romtho الارض العالية فيكون الآراميون والحالة هذه القبائل النازحة الى الهضاب والاراضي المرتفعة , وزد على ذلك أن المؤرخين القدامى يقولون أن الآراميين هم ولد ( آرام ) بن سام بن نوح.

واذا قررنا ان كلمة ” عرب ” تأتت من الصحراء والعرباء , وكلمة ” آرام ” نشأت من الأرض المرتفعة , يستطيع الباحث المتبصر ان يستنتج ان الموطن الجديد للقبيلتين هو الذي أوحى باسميهما , وينتقل الى استنتاج الموطن الاصلي للأمة السامية كسهول بابل مثلاً أو ما يشبه ذلك.

غير أن التاريخ يؤكد أن هذه القبائل السامية , وإن اتخذت لها مواطن جديدة بعد جلائها عن موطنها الأصلي , كانت لا تزال تتصل بعضها ببعض اتصالاً محدوداً , ولغايات خاصة اما اقتصادية او عسكرية او غير ذلك وعلى هذا نشأ مثل هذه العلاقات بين سكان وادي الرافدين وسكان أقسام كثيرة من الجزيرة , كما نشأت علاقات أخرى بين سكان الجزيرة والقبائل التي سميت بالآرامية من جهة أخرى  , الأمر الذي يؤيد ان سكان جميع هذه المناطق كانوا يستطيعون التفاهم بل كانوا يشعرون بأواصر القربى التي تشد بعضهم الى بعض.

 

وأقدم ذكر لسكان الصحراء في الآثار المسمارية ورد منذ عهد شلمناصر الثالث ملك آشور وسمّي فيه أولئك الصحراويون بالعرب , وذلك في اواسط القرن التاسع قبل الميلاد . وتردد ذكر ” العرب ” في المآثر المسمارية بعد هذا التاريخ في مناسبات كثيرة بصيغ مختلفة منحدرة من مادة واحدة هي البادية أو الصحراء

ووردت كلمة ” العرب ” في نصب داريوس على حجر ” بهستون ” وذلك بصيغة arabaya الموافقة للفظ الآرامي المختص بالعرب أو العربي كما وردت هذه التسمية “العرب” في مواضع كثيرة من التوراة , وسميت أحياناً أخرى في التوراة ” بجبل المشرق ” و ” أرض المشرق ” , ” أرض بني المشرق ” ومع هذا لا يعلم العهد الذي استعملت فيه كلمة ” العرب ” دلالة على القومية او العنصرية اللغوية . والذي عول عليه كثيرون من المؤرخين ان ذلك عرف منذ الجاهلية حيث سميت الجزيرة باسم “جزيرة العرب” .

وأما الآراميون , فعرفهم التاريخ في جهات الفرات الاوسط منذ منتصف الالف الثاني قبل الميلاد , حيث هبت ريحهم ونمت لغتهم وثقافتهم وقوميتهم , وكذلك لغتهم الآرامية أخذت بالانتشار مستقلة منذ مطلع الألف الثاني قبل الميلاد وشاع اسمهم في المصادر المسمارية منذ عهد تغلا ثفلاصر الاول ملك آشور سنة ( 100 ق م ) على ما نعلم حتى الان.

على أن أقدم نص مكتوب ذكر فيه الاسم الآرامي ورد في سفر التكوين حوالي سنة 1740 قبل الميلاد , وذلك ان ” لابان ” الحرّاني الذي تسميه التوراة ” بالآرامي ” وهو خال يعقوب أبي الاسباط , عندما وقع العهد مع ابن أخته يعقوب , وقعه بالآرامية وسماه ( يجر سؤدوةا ) ( يغر سهدوثو ) , أي ( نصب الشهادة ) . وكتبت هذه الجملة الآرامية في التوراة العبرية بصيغتها الآرامية التي وردت فيها , وهذا أول أثر نعرفه حتى الآن للغة الآرامية بل أقدم نص ذكر فيه الاسم الآرامي.

ويتوارد اسم ” آرام ” و ” الآراميين ” في المراجع الأثرية والتاريخية مرات كثيرة بعد التاريخ الذي عيناه الآن . وكذلك في التوراة حيث تخبرنا عن الدويلات الآرامية المنتشرة في كل مكان مثل ( آرام صوباة ) و ( آرام صوبا ) و ( آرام معكة ) و ( آرام النرهين ) و ( آرام دمشق ) و ( آرام بيت راحوب ) و ( فدان آرام ).

واذا علمنا أن أول ذكر للعرب كان في أواسط القرن التاسع ق. م , بينما أول ذكر للآراميين في اواسط القرن الثامن عشر ق. م نجبر على القول حتماً بان الآراميين يسبقون العرب في القدم تسعة قـرون كاملة , الا أننا لا يجب ان نحسب هذا القرار نهائياً , فعدم ذكر العرب الى اواسط القرن التاسع لا يدل على عدم وجودهم كأمة سارحة في بيدائها , لأن انعزالهم في تلك البيداء البعيدة أدى الى تأخر ذكرهم في المصادر المسمارية وغيرها , لأننا ( طبقاً لما ورد في التوراة على عهد ابراهيم الخليل وكان معاصراً لحمورابي ملك بابل المعروف , وهو في نحو القرن العشرين ق. م ) نجد قبائل كثيرة ذات ابل وغنم وخيل تنتقل في المراعي الخصبة وتعود الى الصحراء , وتسكن الخيم وتعيش عيشة البدو الذين عرفوا بـ ” العرب ” . وهذا ما يؤيد وجود العرب موازياً للآراميين على وجه التقريب , ويؤكد لنا وجود العرب قبل التاريخ الذي ورد ذكرهم فيه بأزمان طويلة .

 

 نشوء اللغتين العربية والآرامية

لم يستطع العلماء الى الآن تعيين الوقت الذي استقل فيه هذان الشعبان العظيمان عن الأرومة السامية القديمة , ولذلك عسر عليهم أيضاً تعيين الزمن الذي نشأت فيه لغاتهم بصورة مضبوطة , ومهما يكن الأمر فنحن نرى أنهما نشأتا في عهد واحد على وجه التقريب , وأهم البراهين على ذلك ما يأتي :

أولاً – تقارب الزمن الذي نشأ فيه الشعبان الشقيقان , وذلك في نحو القرن العشرين قبل الميلاد , فنحن نسلم بأن ” لابان ” الحرّاني الذي سمي في التوراة ” آرامياً ” انحدر من عشيرة ابرهيم الخليل الذي جلا عن أور الكلدانيين ( في جنوب العراق ) وابراهيم نفسه كان يتكلم الآرامية بحكم موطنه الاول الذي كان يتكلم هذه اللغة , وقد رافق ابراهيم أقواماً في شمالي الجزيرة وفي أواسطها هم عرب لا محالة , وهؤلاء ” العرب ” الذين كانوا في تنقّل دائم في طول الجزيرة وعرضها كانوا يتكلمون لغة خاصة بهم هي أم اللهجات العربية في التاريخ , فلا بدّ اذاً ان تكون اللغتان قد نشأتا في عهد متقارب , وان تكونا متقاربتين , والا لما استطاع ابراهيم التفاهم مع رجال تلك القبائل التي رأينا له علاقات كثيرة بها حسبما ورد في التوراة نفسها.

وزيادة في التأكد نعود الى الآثار الخطيّة التي ظهرت أخيراً في جنوبي الجزيرة العربية وفي مملكتي ( معين وسبأ ) العربيتين القديمتين , فقد رأينا ان الدول المتعاقبة في هذين القطرين العريقين في القدم تتصل بالدول القدمى في بلاد سومر وأكّاد وآشور . ويرتقي تاريخ الكتابات المعينية وغيرها الى مطلع القرن العاشر قبل الميلاد . وتشير هذه الكتابات الى حضارات عربية ازدهرت في هذه المنطقة ترتقي الى مطلع القرن العشرين ق. م ممّا يؤيد وجود اللغة العربية في هذا الجزء من العالم القديم معاصرة للغة الآرامية في القسم الأعلى للجزيرة , وفي حوضي دجلة والفرات , وفي مدينة حرّان وما جاورها , وان كانت لغة معين العربية تختلف عن اللهجات العربية الأخرى المنتشرة في شمالي الجزيرة , والتي تأثرت باللهجات الآرامية والعبرية في العصور التالية , وذلك نتيجة لامتزاج بعض القبائل الآرامية والعبرية في غرب هذه المنطقة.

ثانياً – تقارب اللغتين تقارباً يكاد يفوق تقارب أية منهما هي وبقية اللغات السامية كما نتكلم عليه فيما بعد.

    ثالثاً – لأن اللغتين في مطلع أمرهما كانتا تكتبان بأبجدية واحدة هي الأبجدية الآرامية القديمة.

رابعاً – تعاون اللغتين في التكامل والحياة وتأثير احداهما في الأخرى في مختلف عصور التاريخ وعلى الأخص في بادىء أمرهما , منذ أخذت احداهما عن الأخرى أساليب ومواد والفاظاً كثيرة وذلك في جنوبي الجزيرة وشماليه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *