السامية والساميون واللغة السامية الأم / المطران بولس بهنام

Posted by on Nov 8, 2018 in Library, دراسات سريانية | 0 comments

،التسمية السامية – من هم الساميون ؟  وأين كان موطنهم الأصلي ؟ – اللغة السامية الأم  

 

التسمية السامية

ادعت دائرة المعارف البريطانية أن أول من أستعمل كلمة ” اللغات السامية ” لهذه المجموعة من لغات الشرق الأوسط هو شلوتسر Shlotser في بحوثه التاريخية سنة 1781 . وجاراها في هذا الادعاء اسرائيل ولفنسون في كتابه ” تاريخ اللغات السامية ” ثم سرى هذا الزعم عند علماء المشرقيات . ولكن المصادر السريانية تدحض هذا الزعم وتؤيد أن هذه التسمية قديمة جداً يرتقي تاريخها الى ما قبل القرن السابع الميلادي وأول عالم سرياني أطلق هذه التسمية على مجموعة اللغات الشرقية هذه هو يعقوب الرهاوي المتوفى سنة 708 م . وجرى العلماء السريان على أثر الرهاوي فاستعملوا هذا الاصطلاح قبل ” شلوتسر ” بقرون كثيرة منهم المؤرح السرياني المجهول في القرن الثاني عشر وابن العبري في القرن الثالث عشر . فيكون الزعم بأن شلوتسر أول من استعمل هذا الاصطلاح بعيداً عن الصحة لأن العلماء السـريان سبقوه الى ذلك بعدة قرون ، ولكن مما يؤسف له أن هذه اللغات ما زالت بلغتها السريانية بعيدة عن أعين الباحثين المعاصرين

ثانياً –  من هم الساميون ؟ وأين كان موطنهم الأصلي ؟

 

هذان سؤالان لا بد من الاجابة عنهما قبل البلوغ الى حديث اللغة الأم ، واليك ذلك:

الساميون هم سلالة سام ابن نوح حسبما جاء في سفر التكوين ، فعنه استقى العلماء هذه التسمية فأطلقوها على الأمم المنحدرة من تلك السلالة العظمى ، وهي تشمل أمماً شرقية كثيرة عرفها التاريخ بحضارتها القدمى ، وغزواتها الموفقة ، ودولها الكبرى في هذا الشرق كله ، وذلك منذ أقدم العصور .

أما موطنها الاصلي يوم كانت أمة واحدة فقد اختلف فيه الباحثون أيضاً اختلافاً شديداً ، ومن هذا الاختلاف نستطيع بلوغ الحقيقة الكبرى التي يجب اعلانها بجرأة وصراحة.

وللعلماء في هذا الموضوع ثلاثة مذاهب : الأول يدعي أن الموطن الاصلي للساميين هو أرض بابل ، ويدعي الثاني أنه هضبة أرمينيا ، ويذهب الثالث الى أنها الجزيرة العربية ، وقد أوردنا هذه الآراء الثلاثة في بحثنا ” تحقيقات تاريخية ولغوية في حقل اللغات السامية ” المطبوع سنة 1953 ، ولم نعلق عليها بشيء ، الا أننا الآن لا بد من التعليق عليها فإن لم نصل كبد الحقيقة ، نعتقد أننا نقترب منها كثيراً.

ان هذه المذاهب الثلاثة لم تسلم الى الآن من النقص ، ولم يتفق العلماء على واحد منها لوجود أدلة تخمينية لكل منها . الأمر الذي يجعلها جميعاً في حيّز الظن والتخمين من جهة ، ولمحاولتها اصدار الأمم السامية الكبرى من بقعة واحدة ضيقة ، كأرض بابل أو هضاب ارمينيا ، او الجزيرة العربية من جهة ثانية.

واذا كانت كل هذه الآراء عرضة للنقد من أصحاب الرأي الآخر ، لعدم اتفاق العلماء عليها اتفاقاً تاماً ، لا بد من إيجاد رأي آخر يوضع على بساط البحث ، علّه يلقي ضوءاً ولو ضئيلاً على هذه الناحية المظلمة ، واذا كان نصيبه نصيب الآراء السابقة فلننتظر مرة أخرى ، ريثما تظهر الكشوف الأثرية الحقيقة التاريخية الناصعة التي نوردها.

ويكفي الآن أن نقول ان الأمم السامية رأيناها منتشرة في بقاع كثيرة في هذا الشرق منذ أقدم العصور التاريخية ، وقد أشبع المؤرخون السريان هذه الناحية درساً وتحقيقاً . وقرروا ان نطاق المنبت السامي كان أوسع جداً ممّا عيّنه علماء الاستشراق ، بل ربما يشمل جميع المناطق التي ذكروها مجتمعة ، وقد أكد هؤلاء العلماء أن موطن الأمم السامية كان يمتد من حدود مصر والبحر الأحمر ، وشاطىء فينيقية وسورية ، ويشمل بلاد فلسطين وفينيقية وسورية والجزيرة العربية وما بين النهرين وآثور وأرض شنعار وبابل وحدود فارس وما يحيط بها والهند وما اليها . وربما نفكر ان هذه المنطقة واسعة جداً لا يمكن ان تكون ( منبتاً ) لأمة واحدة كالأمة السامية ، غير أن واقع الحال يؤيد ذلك ، لأن الأكتشافات دلّت على أن كل هذه المناطق الواسعة وطأتها أقدام الساميين منذ أقدم العصور ، متنقلين من ربع الى آخر ذهاباً واياباً ، وليس بحسب الموجات التي افترض العلماء تدفقها من بقعة واحدة من هذه البقاع.

والشيء الذي أدى بعلماء الاستشراق الى الظن بأن الساميين وردوا إما من هضاب أرمينيا ، أو بلاد بابل ، أو من جزيرة العرب ، هو وجود آثار أقدامهم في كل هذه المناطق متنقلين لا يقرّ لهم قرار ، وهذا التنقل أدى الى انقسامهم فرقاً وقبائل وأفخاذاً ، اتخذت كل فرقة اسماً خاصاً طبقاً لنمط حياتها ، والتفرق هذا أدى الى تكتلات قبلية من جهة ، والى اختلاف اللهجات واستقلالها بمثابة لغات خاصة من جهة ثانية ، على ما سنرى عند تعريف كلمة ( العرب ) ومعنى كلمة ( آرام ).

واذا القينا نظرة شاملة الى هذه المناطق الواسعة ، لا بد لنا من تعيين ” قلب ” لها جميعاً يمكن أن يكون بمثابة الينبوع الأصيل لتدفق هذه السيول البشرية الجارفة ، وانتشارها وتنقلها في هذه الأرض الواسعة . ويجب أن يكون هذا ” القلب ” النابض مهبط أول مدنية بشرية في هذا المحيط ، وقد دلت الاكتشافات الأخيرة على أن أول مدنية رآها التاريخ نشأت في سهل شنعار وشملت القسم الشمالي للجزيرة العربية وامتدت بعد ذلك الى بقية المناطق المجاورة.

ويجدر بنا بعد الآن النظر الى هذه الآراء الثلاثة الماضية مجتمعة لنكوّن منها رأياً واحداً صائباً ، فاذا

سلّمنا بالرأي القائل ان المدنية نبتت في أرض شنعار ومنطقة بابل ، نسلّم حتماً بأن المدنية تفرض حياة ناعمة موفقة للأشخاص والأسر والجماعات ، لما تجنيه من الخير واليسر والرفاهة بالزراعة والتجارة والثقافة ، الأمر الذي يجذب اليه البدو رويداً رويداً فيصبغهم بصبغة الحضارة والمدينة بصورة تدريجية ، فيجتمعون من كل صوب الى مهد الحضارة ليرفعوا مستواهم المعاشي من حالة البداوة الى حالة الحضارة والاستقرار.

ونحن نرى هؤلاء البدو يتجمعون من كل صوب الى مهد الحضارة بشكل غزاة يريدون مقاسمة اخوانهم المتحضرين خيرات الأرض ، ونتائج الأعمال المجدية ، فتنشب بينهم وبين الحضر حروب تنتهي بغلبة المهاجمين تارةً ، والمدافعين طوراً ، وهذا ما حدث فعلاً على مسرح هذه المناطق في جمع مراحل التاريخ.

واذا افترضنا أن الساميين انتشروا بسرعة في كل المناطق المذكورة في رأي العلماء السريان من جهة ، ورأي المكتشفات الأثرية التي تجعل منطقة بابل مهداً للحضارة من جهة ثانية ، نسلّم حتماً بأن القبائل السامية المتبدية أغراها نمط الحياة الناعمة التي كان يعيشها اخوانهم الحضر تحت ظل الحضارة والمدنية ، فتجمعوا من كل صواب ليقاسموا اخوانهم تلك الحياة الناعمة ، فرآهم العلماء بصورة موجات غازية يندفعون كالزوبعة الى مركز الحضارة ، ويستولون عليه ويتخلقون بأخلاق أهليه ، ويتخذون نمط حياتهم نبراساً للحياة المستقرة الجديدة ، وقد جاء بعض هؤلاء البدو الغزاة من قلب الجزيرة العربية ، وبعضهم هبط من الحدود الشمالية ، وهدفهم جميعاً مهد الحضارة والمدنية في أرض شنعار ومنطقة بابل ، وهذا ما حدا العلماء على أن يعدوهم موجات صادرة من المناطق التي عاشوا فيها مدة من الزمن ، وبالتالي أن يجعل كل فريق الناحية التي اندفعت منها هذه القبائل موطناً أصلياً لها ، بينما نجد الأمر ليس كذلك بل انهم أبناء أرومة واحدة انتشروا اولاً في طول هذه المناطق وعرضها بالنسبة الى أساليب حياتهم ، ثم عادوا فتجمعوا حول هذه المنطقة المتحضرة للأسباب التي شرحناها الآن ، فتكون والحالة هذه منطقة الأمة السامية واسعة جداً تجمع بين جميع المناطق التي ذكرها المستشرقون كمصادر للقبائل السامية المتفرقة . ونحن لا ندّعي ان هذا الرأي هو القول الفصل في هذه القضية التاريخية الهامة ، بل نقول انه تعديل للآراء السابقة المتناقضة ، ولا سيما ان اسناداً تاريخية واجتماعية تؤيده.

 

ثالثاً – اللغة السامية الأم

عاشت اللغة السامية الأم في العصور التي سبقت التاريخ البشري ، وانتشرت مع أهليها في جميع المناطق التي كانوا يرتادونها منذ أبعد الزمان ، وعندما ولد التاريخ وترعرع فتح عينيه على محيّا بناتها اللواتي أصبحن كأعضاء لتلك الأرومة الشيخة.

يستفاد من بحوث العلماء في هذا الموضوع أن اللغة السامية كانت قليلة المفردات ليس فيها الا ما يكفي الحياة البدائية ، ولم تكن بها حاجة الى جمال التعبير ، وتنميق الألفاظ والعبارات ، مما يشبه تماماً بعض اللغات البدائية في زمننا الحاضر.

واذا أردنا معرفة ما كانت عليه هذه اللغة ، فعلينا ان نلقي نظرنا الى الكلمات المشتركة المبثوثة في اللغات السامية التاريخية والحديثة ، فمنها نستطيع تأليف فكرة ولو بسيطة عن كيفية النطق باللغة الأم ، فقد تتفق اللغات السامية – وهي فروع للغة الأم – بامور لغوية كالضمائر والعدد وأسماء أعضاء الجسم والألفاظ اللازمة لحياة الانسان المادية البدائية ، مثل البيت والجمل والكلب والحمار والماء ، وأما بعض الأشياء التي يراها الانسان دائماً كالسماء والأرض الى ما هنالك من الألفاظ المشتركة مما يطلعنا على شيء من أساليب هذه اللغة من جهة ، ويؤيد أن هذه الألفاظ قديمة العهد جداً من جهة ثانية . وهنالك كلمات أخرى تشترك فيها هذه اللغات وهي الدالة على العمران والحيوان والنبات.

واذا استطعنا استخلاص القديم من كل اللغات السامية ، وتركيب لغة خاصة من هذه المادة القديمة ينفتح أمامنا بريق من الأمل في الوصول الى خيال لتلك اللغة من وراء جميع هذه العصور السحيقة الغابرة .

ولما كان علماء المشرقيات مختلفين في مهد الأمم السامية ومنبتها ، فهم مختلفون أيضاً في مهد نشوء هذه اللغة ، وقد استدل بعضهم على انها نشأت في أرض بابل وما جاورها بدليل ان أرض بابل هي المنبت الأصلي للحضارة البشرية . ولكن فريقاً أخر يعارض هذه النظرية معارضة شديدة.

الا أننا اذا سلّمنا بأن الحضارة البشرية وجدت في حوض الفرات الأسفل ، يجب أن نسلّم بأنه في هذه البقعة اشتغل الانسان للمرة الاولى في التفكير والتمدين والتمصير مما قرب النظرية الاولى من الحقيقة.

ولكن اذا عدنا الى الرأي الأخير ، وهو انتشار الأمة السامية بقبائلها في جميع المناطق في الشرق الأوسط ، تحتم علينا التصريح بأن اللغة أيضاً انتشرت بانتشار الأقوام التي كانت تتكلمها.

ومهما يكن الأمر فليس تعيين منبت هذه اللغة بمهم جداً بالنسبة الى بحثنا هذا ، انما المهم انتقالها الى لغات حية عاشت زمناً طويلاً ، وذكرت في آثار تلك الأقوام ، واطلعتنا بقدر الامكان على نمط حياتها المادية والأدبية ، وهو ما يفيدنا أكثر مما تفيدنا معرفة منبت تلك اللغات أو منبت اللغة الأم معرفة مضبوطة.

وانك لتجد تعليقات وآراء كثيرة حول اللغة السامية في دائرة المعارف البريطانية لا تتعدى كونها دراسات تخمينية . وكذلك قل في البحث الذي كتبه اسرائيل ولفنسون في مؤلفه ” تاريخ اللغات السامية ” لم نر فيه اكثر مما ورد في دائرة المعارف المشار اليها . وبعد هذه اللمحات العابرة ننتقل الى موضوعنا الاساسي ، وهو العلاقات بين اللغتين العربية والآرامية ( السريانية ).

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *