تاريخ الكنيسة الشرقية تأليف الأب ألبير أبونا

Posted by on Oct 16, 2018 in Books, Library | Comments Off on تاريخ الكنيسة الشرقية تأليف الأب ألبير أبونا

تاريخ الكنيسة الشرقية
تأليف الأب ألبير أبونا
الطبعة الثانية
بغداد ١٩٨٥ تاريخ الكنيسة الشرقية
المقـدمة
هذا تاريخ للكنيسة الشرقية ، عساه يساهم في توضيح بعض معالم هـذه الكنيسة ويلقي الأضواء على الأحداث والأشخاص ويساعد على تقييم مجـرى الأمور ووضعه في إطاره الحقيقي ، رغم إيجازه ، دليلاً لأبناء هذه الكنيسة إلى معرفة تاريخهم بما يعتوره من الضعف حيناً ومن البطولات أحياناً . إن التاريخ للأمة بمثابة العمر للإنسان . فكلما تقدم الإنسان فـي سـنيه ازداد خبرة بالحياة ، إن هو أراد أن يعتبر بعبر الحياة في مراحلهـا الـسابقة .
وكذا الشأن مع التاريخ الذي قيل أنه أكبر معلم للبشرية . أجل ، إن التاريخ تجربة البشرية وحـصيلة معطياتهـا يتـيح للإنـسان استقراء الظواهر والأحداث وتحليلها ومقارنتها وإدراك طبيعة السنن والقوانين التي تحكم نشاط الجماعات البشرية وتطور الحضارات وعوامل سقوطها .
وعلى المؤرخ أن يتلافى النظر إلى تاريخ العالم كأحداث عمودية وكعالم جامد مسطح ، بل أن ينظر إليه كحركة حية متطورة تأخذ شـتى الاتجاهـات والأبعاد ، فيتدبرها أفقيا بكل عناصرها وأبعادها . وعليه أن يعـايش التـاريخ انطلا ًقا من تجاربه النفسية والفكرية والعقيدية لكي يدرك جوهر التاريخ ويقدم لمعاصريه عصارة هذه التجارب بعبارات تنبض حيوية وتتدفق نـو را . أمـا المعايشة التاريخية فتعني أن المؤرخ يحيل التاريخ إلى عملية حيوية ويخلصه١من التجريد ويدخل إلى صميم الحدث ، لا أن يقف خارج الأسوار وينظر مـن بعيد . ذلك لأن التاريخ ليس حصيلة أحداث خارجية فحسب ، بل هناك القـوى الداخلية والطاقات الروحية والحيوية للإنسان في عملية تقييم مجرى التـاريخ وتحديد مصيره . لقد نشرت هذه الصفحات تبا عا في مجلة “الفكر المسيحي ” الموصـلية .
ونزولا ًعند رغبة الكثيرين ، نضمها الآن في كتاب خاص سهل التداول علـى القراء المتعطشين إلى معرفة تاريخهم العريق ، ليطلعوا على التـراث الـديني والعلمي الذي خلفته لهم الأجيال المسيحية السابقة .
وفي دراسة هذا التاريخ ، نعتمد المصادر القديمة ، بقدر توفرهـا لـدينا ، مستعينين بما أجراه عليها المؤرخون والناقدون من دراسات عميقة ، لاسيما في هذين القرنين الأخيرين ، حيث تهافت العلماء والمؤرخين على الوثائق القديمـة يقتلونها درساً وتمحيصاً ويسلطون عليها أضواء النقد الصارم والتحليل العلمي الدقيق ، فاكتشفوا ما فيها من العريق الأصيل ونبذوا المنحول الدخيل . أما التقاليد المحلية ، فسنقف منها موقف الحذر والتحفظ ، لأنهـا لا تنقـل إلينا دو ما الحقيقة التي نتوخاها في بحوثنا التاريخية ، لاسيما وإننا نلاحـظ أن هذه التقاليد تتعدد أحيا ًنا وتختلف حول موضوع واحد أو شخص واحد . فعلـى المؤرخ أن يختار الأقرب منها إلى الحقيقة والأدنى منها إلى المصادر القديمة الأصلية . لأن كل فئة راحت تنسخ عبر الأجيال حول كنيستها الخاصة قص صا وأساطير كثيرة لا تمت إلى الحقيقة والواقع بصلة ، إنما هي وليدة خيال خصب أو عاطفة دينية جياشة تمخضت عن أمور مذهلة وأعمال مدهشة نسبتها إلـى أبطالها ، فصاغت منهم أنا سا أقرب إلى الخيال منهم إلى الواقع الإنساني . . .٢وقد بذلنا الجهد للتمييز بين التاريخ والأسطورة وحاولنا تجريد التـاريخ من العناصر الأسطورية العالقة به ، وتلافي التعـصب المـذهبي والانـدفاع العاطفي الذي غالبا ما يشوه الحقائق ، فقلنا الحقيقة حتى إذا كانت علينا ، وبذلنا قصارى جهدنا في أن تكون هذه الأبحاث التاريخية موضوعية وبعيـدة عـن الجدل العقيم وموسومة بطابع المحبة والاحترام للناس وآرائهم .

الفصل الأول فجر المسيحية
أسس المسيح كنيسته على الأرض لتواصل عمله الخلاصي بين البشر وتنشر البشرى السارة التي تولي الناس السعادة والسلام . وأوصـى المـسيح رسله قائلاً : “ اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم “، “ اذهبوا في الأرض كلها ، وأعلنوا البشارة إلى الخلق أجمعين “، “ وتكونون لي شهودا في أورشليم واليهوديـة كلها والسامرة حتى أقاصي الأرض “. . . وامتثالاً لهذه الوصية راح الرسل ، بعد أن نالوا موهبة الروح القدس وامتلأوا قوة من العلاء ، يجوبون البلـدان وينادون بالمسيح وإنجيله ويدعون الناس إلى الانضواء تحت راية المخلص . وسرعان ما دخلت الديانة المسيحية إلى مدينة إنطاكية بواسطة الرسل الذين اتخذوا من هذه المدينة التجارية الكبرى قاعدة لانطلاقهم شطر الغـرب في الكرازة والتبشير . وفي إنطاكية أطلق اسم “ المسيحيين ” أول مـرة علـى اتباع يسوع الناصري . وجاءت شهادات كثيرة في سفر أعمال الرسل تشيرإلى أهمية إنطاكية في انتشار المسيحية .

نشأة المسيحية في الرها وما بين النهرين :
إن دخول المسيحية إلى ما بين النهرين موضوع بحث ونقاش . فلـيس ثمة براهين قاطعة تؤكد أو تنفي دخولها إلى هذه المنطقة منـذ القـرن الأول الميلادي ، أي منذ عهد الرسل أو تلاميذهم . وهناك من يقـول أن المجـوس الذين انطلقوا من بلداننا هذه أو من البلاد الفارسية إلى بيت لحـم ليكرمـوا المسيح في ميلاده ، أصبحوا رسلاً وبشروا بهذا الحديث الفريد لدى عـودتهم إلى أوطانهم ، بعد أن تزودوا ببعض قطع من قمـط يـسوع الطفـل للـيُمن والتبرك ، كما يقول سليمان البصري في الفصل ٣٩ ( سليمان البصري كاتب سرياني شرقي ، ولد في نهاية القرن الثاني عشر وأقيم مطرا ًنـا على البصرة في الربع الأول من المئة الثالثة عشرة) ، من كتـاب “النحلـة ” ( دبوريثا ) . ويذكر سفر أعمال الرسل بين الحاضـرين فـي أورشـليم يـوم العنصرة “ الفرثيين والماديين والعيلاميين وسكان ما بين النهرين . . . “ . وقـد شاهدوا النتيجة الباهرة التي ظهرت على الرسل من جـراء حلـول الـروح القدس عليهم . ألم يلق هذا الحدث العظيم أي تجاوب في نفوسـهم؟ أم أنهـم أصبحوا النواة الأولى للمسيحية في أوطانهم ، ثم أقبل الرسـل وسـقوا هـذه البذرة الصغيرة بكرازتهم ودمائهم ، فنمت وازدهرت وأثمرت؟ ولكن ليس في حوزتنا نص كتابي يؤكد دخول المسيحية إلـى منطقـة الرها وإلى ما بين النهرين أو يشير إليها إشارة واضحة . لذا فإننا نضطر إلى اللجوء إلى التقليد الجاري في كنيستنا الشرقية وإلـى كتابـات المـؤرخين ، ونسعى في اكتشاف الحقيقة من خلالها .
ماذا يقول التقليد؟
إن التقليد الجاري في كنيسة ما بين النهرين يؤكد أن الرسـل الـذين بشروا هذه المنطقة هم أربعة : توما الرسول ، ثم أدي وتلميذاه أجاي وماري . ولقد تكون هذا التقليد ابتداء من القرن الرابع وشق طريقه إلينا وهـو يـزداد رسوخاً خلال الأجيال . فنرى في قصة البطريرك يهبالاها الثالث المغولي ، أن رفيقه الربـان صوما لدى ذهابه إلى روما ، يرد على الأسئلة ببساطته الرائعـة ويقـول أن كنيسته قد أسسها مار توما وأدي وماري ، وأنهم ما يزالون متمسكين بتعـاليم هؤلاء المبشرين الأولين . وكان المؤمنون في مدينة مراغا ، إحدى العواصم المغولية شرقي بحيرة اورمية ، يكرمون ذخائر أدي وماري ، وذلك في نحـو سنة ١٣٠٠ م . ويؤكد سليمان البصري هذا التقليد ، وينقل إلينا مجمل ما جاء في تعليم أدي وأعمال ماري ، قائلاً أن أدي ثم أجاي بشرا الرها ومـا بـين النهرين ، وقد نسبت الليتورجيا الشرقية القديمة إلى مار أدي ومار مـاري اللذين يرد ذكرهما بنوع خاص في الصلوات الطقسية بعد اسم توما الرسول . ولكن هل ثمة رسول واحد أم رسل عديدون قاموا بتبـشير مـا بـين النهرين؟ فإن ماري بن سليمان يقول : “ أن أدي السليح عبراني مـن الـسبعين الذين صحبوا سيدنا المسيح أرسله توما أحد الاثني عشر إلى المشرق وتبعـه ماري تلميذه بعد صعود سيدنا إلى السماء بثلاثين سنة “ . فهـو إذن يعـزو التبشير الأول إلى أدي . ولكنه يستدرك قائلاً : “ ونتنائيل بن تلمي ولبي الملقب بتدى وتوما من الاثني عشرة )هكذا( وأدي وماري واحد الـسبعين تلمـذوا المشرق واستقامت أمور النصرانية على أيديهم أحسن استقامة “ . أما صليبا بن يوحنان الموصلي فيذكر أن مـاري أسـس كرسـي المشرق ولكنه تلمذ أيضاً البلاد التي كان أدي “رفيقه ” قد تلمذ فيهـا ، وأنـه “ أقام في التلماذ بعد ماري أدي رفيقه ثلاثة وثلاثون سنة “ . فنلاحظ إذن أن معظم الذين كتبوا أو تكلموا عن تنصر ما بين النهرين يعتبرون توما رسولها الأول والدافع إلى تبشيرها . ولقد بات الأمر أكيداً الآنأن توما الرسول ذهب إلى بلاد الهند وبشر فيها وقضى نحبه هناك . ويقول المؤرخ اوسابيوس القيصري أن القديس توما الرسول بشر بـلاد الفـرثيين أيضاً لدى عبوره فيها في طريقه إلى الهند . أما ما قيل عن القديس بطرس الرسول من أنه بشر البلاد البابلية فناتج عن سوء فهم لما جاء في رسالته الأولى : “ تسلم عليكم الكنيسة المختارة فـي بابل “ . فقد ظن الشرقيون أن القديس بطرس يتكلم هنا عن بابل العراق وأن الرسول قد تلمذ هذه البلاد حقاً ، فراحوا ينسجون حول هذا الظن جملـة مـن الأساطير ، كأسطورة كنيسة شمعون الصفا في الموصـل ، فهـي تـزعم أن القديس بطرس اجتاز يوماً بالموصل وشفى أبن صاحب المعصرة التي كانت في موضع هذه الكنيسة سابقاً ، فشكره هذا وجعل بيته كنيسة على اسم القديس الكبير . وقد يكون مصدر هذه الأسطورة اكتشاف بقايا مكبس للسمسم تحت الكنيسة سنة ١٨٦٤ . وتتصل الأسطورة من جهة أخرى بالتقليـد الـشرقي ، فسمت فئة من الشرقيين بطاركتها باسم مار شمعون بطرس . إلا أن الوثائق التاريخية تجمع على أن زعيم الرسل توجه نحو الغرب انطلا ًقا من إنطاكية ، ثم استشهد في روما وأن بابل المذكورة في رسالته ليست سوى إشارة إلـى العاصمة الرومانية التي منها وجه رسالته ، وسماها الرسول كـذلك لكونهـا يومئذ مركزاً لعبادة الأوثان والفواحش والموبقات ، شأن بابل القديمة الوثنية .
جولة في الوثائق :
هناك وثائق عديدة تطلعنا على بدء المسيحية في مـا بـين النهـرين وتنسب هذا التبشير إلى أحد التلاميذ ، لا سيما إلى أدي وأحي وأجاي وماري . فلنلق نظرة خاطفة على ما قيل عنهم في هذه الوثائق .
٢- تعليم أدي :
إن هذا “التعليم ” في صيغته الحالية محفوظ في مخطوطات لا ترقى إلى أبعد من القرنين الرابع والخامس ، وهو في هذه الصيغة يحتوي علـى أكثـر مما يذكره عنه اوسابيوس القيصري ( ٢٦٣ – ٣٣٩ ) في تاريخه . ودونك موجز ما جاء في هذا “التعليم ” : إن ملك الرها ابجر الخامس “اوكاما ” (الأسود) ابن معنو ، حينما سمع من أحد أشراف مملكته بالعجائب والمعجزات التي يجترحهـا يـسوع فـي فلسطين ، رغب في الذهاب إليه . إلا أن العداوة القائمة بينه وبـين الرومـان حالت دون تحقيق رغبته ، فأوفد إلى يسوع رجالاً ، يطلب إليه أن يأتي ويشفيه من مرضه العضال ( داء الملوك ) وأن يشاطره ملكه . وحينما وصـل رسـل الملك إلى فلسطين ألفوا يسوع في بيت أحد رؤساء اليهود يـدعى “ كماليـد ” وقدموا إليه رسالة الملك . ففرح يسوع بهذه البادرة ، ولكنه أسف لعدم إمكانـه تلبية رغبة الملك والذهاب إليه . لأن رسالته موجهة إلى فلسطين أولاً ، وعلى رسله ألا يخرجوا من هذه البلاد قبل صعوده إلى السماء . ولكنه أردف قـائلاً للموفدين أنه سيعهد إلى أحد رسله بالذهاب ، بعد صعوده إلى الـسماء ، إلـى الملك لكي يشفيه . وقد ألقيت هذه المهمة بعدئذ على عاتق أدي أحـد الاثنـين والسبعين ، فذهب بعد العنصرة إلى الرها وشرع يبشر فيها ويجري العجائب . وما أن سمع الملك بتلك الأعمال المدهشة حتى تـذكر وعـد المـسيح لـه . فاستدعى أدي وأكرم مثواه . وشفى أدي الملك من دائه العضال ومنحه العماد مع ذويه وكثير من اليهود والوثنيين . ولما أشرف أدي على المـوت ، عـين تلميذه أجاي خلفاً له على كرسي أسقفية الرها . ثم مات ودفن بإكرام بالغ في مقبرة ملوك الرها . وقد تخللت هذه الوثيقة روايات عديدة ، كرواية المنديل الذي انطبعـت عليه صورة المسيح المتألم ، ورواية اكتشاف الصليب المقدس بواسطة هيلانة أو بروتونيقي امرأة كلوديوس في عهد الإمبراطور طيبـاريوس ، ورسـائل الملك ابجر إلى طيباريوس ، وجواب المسيح على ابجر وبركته للرها . . .
ما هو نصيب التاريخ من هذه الوثيقة؟ :
إن معظم المؤرخين والنقاد يجمعون على القـول أن تعلـيم أدي فـي صيغته الحالية متأخر عن تاريخ اوسابيوس القيـصري ، وهـم يفترضـون بالإجماع وجود وثائق رهاويـة كانـت أساسـاً ونـواة للتعـاليم اللاحقـة . واوسابيوس نفسه استقى معلوماته عن وثائق في الرها . فهو يقول في سـياق كلامه عن تدي ( أدي ) : “لقد كمل وعد المسيح بواسطته ( أدي ) . ولديك شهادات على ذلك فـي كتابات استيقت من مذكرات في الرها التي كانت مملكتها ما تزال قائمة . فإن الأضابير الموجودة هناك تضمنت ما قام به الأقدمون حتى ابجر . وما جرى إلى الآن محفوظ أيضاً هناك “ . وفي موضع آخر يقول اوسابيوس متكلماً عن رسالة تدى : “كما قلنا ذلك نقلاً عن كتاب وجد هناك . . . وقد قيلت هذه الأمور عـن روايات الأقدمين “. وكان اوسابيوس مطلعاً على الرسائل التي قيـل إنهـا تبودلت بين ابجر والمسيح . فكل شيء يحدونا إذن إلى القول أن “الوثائق الرهاوية ” كانـت النـواة الأولى . ثم جاء اوسابيوس القيصري في النصف الأول من القـرن الرابـع واستفاد منها لتكوين تاريخه الشهير ، فيها يخص نشأة المسيحية في ما بـين النهرين . وقد نقل هذه الوثائق كما هي على وجه التقريب . وبعد زمان جـاء كاتب آخر وأراد أن يولي هذه الكتابات طابعاً تقوياً مثيـراً ، فأضـاف إليهـا روايات وأساطير عديدة . ولم تكن رسامة “فـالوط ” نفـسه إلا إحـدى تلـك الألاعيب التقوية ، أراد بها الكاتب أن يربط المسيحية في ما بـين النهـرين بكرسي إنطاكية من جهة بواسطة “سرابيون ” وبكرسي روما من جهة أخرى بواسطة “زفيران ” . وكانت حصيلة ما جمعه هذا الكاتب ما نطلق عليـه اسـم “تعليم أدي ” الذي فيه امتزجت الأسطورة بالنواة التاريخية .
الأساطير : أ- أسطورة اكتشاف الصليب :
وفيها التباس واضح بين هيلانة أم الملك قسطنطين الكبيـر وهيلانـة أخرى كانت أميرة في ما بين النهرين ، ويتكلم عنها اوسابيوس معتمدا مـا جاء في كتابات المؤرخ اليهودي الشهير فلافيوس يوسيفوس . وإذا بـصاحب “ تعليم أدي ” ينسب اكتشاف الصليب ، على حين غرة ، إلى هيلانة ملكة ما بين النهرين (حدياب) . وهذه إشارة بينة على أن “التعليم ” لم يكتـب قبـل القـرن الرابع ، أي بعد اكتشاف الصليب المقدس بجهود القديـسة هيلانـة أم الملـك قسطنطين المظفر .
ب- أسطورة صورة المسيح :
إنها أسطورة استنبطتها مخيلة المسيحيين انطلا ًقا من التقاليد القائلة بأن القديسة فيرونيكة ( وارينة )التي مسحت وجه يسوع المتـألم علـى طريـق الجلجلة حظيت بصورة هذا الوجه المقدس مطبوعة على منديلها . وإذا بهذا المنديل يصل إلى الرها . وتقول التقاليد أن هذه الـصورة كانـت موضـوع الإكرام فيها حتى القرن التاسع ، ثم نقلت إلى القسطنطينية . وفي القرن الثالث عشر أهداها الإمبراطور إلى دوق جنوى .
ج- رسائل ابجر إلى طيباريوس الإمبراطور الروماني :
إنها رسائل مسهبة تتسم بطابع العنف والصرامة . وكل ما فيها ينفـي صحة نسبتها إلى الملك ابجر . فإن هذا الملك لم يتجاسر على المجـيء إلـى يسوع ، وخاف أيضاً من الرومان أن يرسل جنوده إلى فلسطين للانتقام لـدم المسيح ، فكيف يقدم الآن على توجيه كتابات عنيفة اللهجة إلى الإمبراطـور الروماني؟ فيظهر أن صاحب “ التعليم ” ، حينما وجد ذكـر طيبـاريوس فـي الرسالة التي وجهها ابجر إلى المسيح أراد أن يقلد الرسـالة التـي وجههـا قسطنطين الكبير إلى الملك شابور الثاني الفارسي في القـرن الرابـع ، فيـه يوصيه بالرفق بالمسيحيين القاطنين في الإمبراطورية الفارسية . وهو يقول أن المصورين الذين أرسلهم ابجر الملك لرسم صورة المسيح أخفقـوا فـي عملهم ، فأخذ يسوع منهم منديلاً وطبقه على وجهه فطبعت عليه صورته مثلما كانت ، فأتوا بالمنديل إلى ابجر الملك .

د- برآة المسيح لمدينة الرها :
يضع كتاب “ التعليم ” على فم المسيح أو في رسالته إلى الملك ابجر هذا القول : “وستكون مدينته مباركة ولن يقوى عليها عدو ” . وتجدر الملاحظة أن هذه البركة لم ترد في تاريخ اوسابيوس . ولكن معظم الكتبة السريان – أمثال القديس أفرام ويعقوب السروجي – والأرمن واليونان واللاتين يذكرون هـذه البركة “ المزعومة ” . ويظهر أنها ناتجة عن الامتيازات التي حصل عليها ابجر ملك الرها . وقد سببت هذه البركة خيبة أمل كبيرة عند الكتبة الشرقيين لـدى سقوط الرها ودمارها في منتصف القرن الثاني عشر ، وأدت ببعـضهم إلـى التشكيك في العناية الإلهية وفي مواعيد المسيح . ولكننا الآن إزاء مشكلة تعاقب الأساقفة على كرسي الرها . فإن معظـم “ الأعمال ” والمؤرخين يقولون أن أجاي خلف أدي . وهذا أمر لا نريد التشكيك في صحته . أما أن يأتي بعد أدي الأسقف “ فالوط ” ، ثم يتبعه “عبشلاما ” ويليـه “برسميا ” الذي هدى شربيل رئيس كهنة الوثنيين إلى الديانـة المـسيحية ثـم استشهد كلاهما في عهد الإمبراطور “طريانس “، فإن هذا لأمر لا يمكننـا قبوله . وذلك لأن فالوط عاش في نهاية القرن الثاني وأن برسميا استشهد في عهد داقيوس الروماني

( ٢٤٩-٢٥١ ) وليس في عهد طريانس ، كمـا تـزعم قصته . فإن هذه القصة لم تكتب إلا بعد مجمع نيقية ( ٣٢٥ ) . هناك احتمالان للخروج من هذا المأزق : إما أن لا يكون فالوط الخلف المباشر لأجاي ، نظراً إلى الفترة الفاصلة بينهما والتي تقـدر بقـرن واحـد . فيكون هناك ، والحالة هذه ، أساقفة آخرون لم يحفظ لنا التاريخ أسماءهم . وأما أن يكون فالوط الخلف الأول لأجاي إذا افترضنا انقطاعاً في سلسلة أسـاقفة الرها وتقهقر الديانة المسيحية هناك بعد فترة اهتداء الملك أبجـر الخـامس وشعبه إليها . وهذا قد لا يكون بعيداً عن الاحتمال . إذ أن التاريخ يقـدم لنـا نماذج كثيرة لمثل هذا التراجع عن الانـدفاع الأول والـسقوط فـي الفتـور والرجوع إلى التقاليد القديمة . وهذا ما تؤيده الوثائق الرهاوية نفـسها حينمـا تروي لنا قصة فيضان نهر ديصان سنة ٢٠١ ، وفيها يظهـر الملـك وثنيـا والمدينة كذلك ، مع قلة تدين بالمسيحية وتمتلك كنيسة هنـاك دمرهـا هـذا الفيضان . ثم بعد فترة وجيزة تعود المدينة وملكها إلى الديانة المسيحية . وإذا بعلامة النجوم الثلاثة والهلال التي كانت تعلو نقود الرها وتاج ملكها تخلـي المكان لشارات مسيحية أكيدة ، وهكذا فيكون فالوط ثم عبشلاما وبرسميا قـد تعاقبوا على كرسي الرها في الفترة الواقعة بين سنة ١٩٠ وسنة ٢٥٠ م . فليس إذن ثمة ما ليدفعنا إلى الشك في التقليد القائل بمجيء أدي إلـى الرها وبالتبشير فيها فقد كانت الرها مرك زا لمقاطعة اسروينا ومحطة هامـة في طريق القوافل السائرة من الأقطار الشرقية وإليها . ومن جهة أخرى لـم تكن الرها بعيدة جداً عن إنطاكية ، منطلق الرسالات المسيحية . وكانت فيهـا جالية يهودية مرتبطة بأورشليم دينياً ، وكانت لغتها الآرامية هي اللغة التـي يتكلم بها الرسل مع اختلاف طفيف . فنظراً إلى هذه الاعتبارات والى الرسالة الشاملة التي أنيطت بالرسل وخلفائهم : “اذهبوا إلى العالم كله . . . بشروا الخليقة كلها . . . ” ، كان من الطبيعي أن تحظى مدينة كهذه ببشرى الخلاص منذ عهـد الرسل أو تلاميذهم . . . أما أن تكون المسيحية في الرها قـد حافظـت علـى حيويتها باستمرار في القرنين الأولين ، فهذا أمر لا يمكننا البت فيه ، إذ لـيس ثمة وثيقة تطلعنا على نشاط الكنيسة أو تنظيمها في الرها في هذين القرنين ، ولا ترقى معلوماتنا إلى أبعد من نهاية القرن الثاني أو مطلع القرن الثالث .
٣- أحي :
يظهر هذا الشخص بصفة تلميذ لأدي ومرافق لماري . وقد ورد ذكـره مراراً عديدة في كتاب المجدل ، حيث يقـول عنـه مـاري بـن سـليمان : ” . . . وتوجه أحي وماري إلى نصيبين وعمدا أهلها وأنفذ ماري إلى المـشرق وأحي إلى قردي وبازبدى .. وأدي قصد مع أحي ومار ماري بـلاد الرهـا والموصل وبابل والشمال والجنوب وبوادي المغرب . . وأحي الـسليح بعـد عودة أدي إلى الرها مضى إلى الجبل والأهواز وتخوم السند وما قرب أجوج وماجوج وعاد إلى قردى وبازبدى وبين النهرين وعاد إلى الرها “ .
٤- أجاي :
يزودنا كتاب “سير الشهداء والقديسين “) بمعلومات نفيسة عن أجـاي ، ويقول أنه كان يصنع ثيابا حريرية وخوذات للملك . وقد خلف أدي في الرها واقتبل منه الرسامة . ولكن ملكاً من أبناء أبجر طلب إلى أجاي أن يصنع لـه طوقاً من ذهب ، فامتنع أجاي لانشغاله بخدمة المؤمنين الروحية . وإذ ذاك ثار ثائر الملك ، وأرسل رجاله فكسروا ساقي أجاي بينما كان جال سا في الكنيـسة يشرح الكتب المقدسة للمؤمنين . ويبدو من الوثائق الأخرى أن أجاي بـشر هو أيضاً بلاد فارس كلها وآثور وأرمينية وبلاد ماداي ونواحي بابل وبيـث هوزايي وجيلان وحتى حدود الهند وجوج ومـاجوج والبلـدان المجـاورة . وهناك نصوص تذكر أجاي وتنسب إليه تبشير هذه البلدان ، بينمـا تـضرب صفحاً عن ذكر مار ماري . إلا أن التقليد الشرقي عامة يعتبر أجاي رسول الرها أكثر منه رسول المنطقة الفارسية .
٥- ماري :
هو تلميذ أدي ، وكان مزداناً بمحبـة االله والـسيرة الفاضـلة . واقتبـل الرسامة من أدي نفسه الذي أرسله إلى منطقة المشرق ، إلى بلاد بابل ، وأمره بأن يبشر بكلمة الرب . وقد ورد ذكر لماري في أقدم التقـاويم ، دون أي ذكر لأدي ولا تظهر جولة أدي التبشيرية في ما بين النهرين السفلى إلا فـي الوثائق المتأخرة ، حيث يقرن أسمه باسم ماري بصفتهما “رسولي المشرق ” . وفي مقدمة الوثائق التي تطلعنا على مار ماري ونشاطه الرسولي تأتي “ أعماله ” التي طبعت في الجزء الأول من سلسلة “ سير الشهداء والقديـسين ” . ولكن لنا مآخذ عديدة على هذه الأعمال من شـأنها أن تلقـي فينـا الـشك والارتياب تجاه هذه الوثيقة . فإنها تجعل من “ فافا ” الذي عاش في نهاية القرن الثالث ومطلع القرن الرابع خلفاً مباشراً لماري . وهذا ما يحدونا إلى اعتبـار النص متأخراً عن عهد فافا . ويلاحظ المطران أدي شير أن في هذه القصة ما يضطرنا إلى إرجائها إلى القرن الثامن أو التاسع . فقد وردت فيهـا مـثلاً عبادة الأشجار والشياطين . ونحن نعلم أن الفرثيين في عهد الرسـل كـانوا يكرمون الشمس والنار وبعض الأصنام .
هل جاء ماري إلى المدائن؟
تقول “ أعمال ” ماري : “ إنه نزل إلى مدينة ساليق المبنية على دجلـة ” ، فاجتمع عبدة الأصنام وعبروا إلى قطيسفون عند الملك أرطبان الـذي كـان يحكم على قطيسفون وعلى كوخي . . . فأرسل الملك فـي أثـر الطوبـاوي ، فاعبروه من جهة ساليق إلى حيث كان الملك أرطبان جالسا ” . ويقول ماري بن سليمان في المجدل : ” إن ( مار ماري ) . . . نصر النـاس ببابـل والأهـواز وسائر كور دجلة وفارس وكشكر وأهل الراذانيين . . . وتوجه إلى مدينة سليق وهو شرقي المداين وقطيسفون غربيها ، . وهناك أسس مار ماري كنيـسة “ كوخي ” ، و “ السبب في تسمية بيعة المداين كوخي لأنها كانت أكواخ لأكـرة ماردنشاه رئيس قطيسفون ، ولما شفى مار ماري ابنته استوهبها منه ” . ولم يقتصر نشاط مار ماري التبشيري على المداين وحدها بل شـمل مناطق أخرى واسعة من المشرق . فقد بشر نصيبين وأرزون وحدياب وداسن وزوزان وكوار ، ولكنه أرسل تلميذه “طوميس ” لتبشير هذه المناطق الـثلاث الأخيرة . وأتى ماري إلى شهرقرد ، ثم انطلق إلى درار الواقعـة فـي بيـث كرماي ، ومن هناك انحدر إلى بيث رادان ومنها ذهب إلى ساليق وقطيسفون ثم إلى دير قني جنوبي المداين . وبعدئذ ذهب إلى كشكر المسماة واسط ثم إلى ميشان ( ويسميها ماري في المجدل دستميسان ) ثم إلى بيث هوزايي ومنها إلى بيث فرسايي ( فارس ) . وأخيراً ، بعد أن أكمل سعيه وأنجز مهمته الرسـولية ، عاد إلى دير قني حيث توفي ودفن . كل شيء يشير إذن إلى دخول المسيحية إلى العاصمة الارشاقية منـذ نهاية القرن الأول أو في مطلع القرن الثاني . ويعتبر مـار مـاري بجـدارة “رسول الحق الذي بشر الأول في المشرق بمعرفة الإلـه الأوحـد ” ، ويحـق لكرسي المداين أن يعتبر مار ماري مؤسسه الحقيقي و “شفيع المشرق ” ، كما يدعوه البطريرك ايليا الثالث أبو حليم .
شهادات المؤرخين :
وإذا تصفحنا كتابات المؤرخين الأقدمين ، نلاحظ فيها تـارة تلميحـات عابرة إلى دخول المسيحية إلى ما بين النهرين ، وطو را إشارات واضحة إلى وجودها ورسوخ قدمها في هذه المنطقة . ومن بين هـذه الـشهادات نخـص بالذكر الأهم .
أ- آتابة ابرسيوس :
وكان ابرسيوس أسقفاً على جيرابوليس في نهاية القرن الثاني ومطلـع القرن الثالث . وفي الرحلة التي قام بها إلى المنطقة الواقعة ما وراء الفرات ، أي إلى نصيبين وغيرها من المـدن المجـاورة ، وجـد هنـاك أخـوة لـه مسيحيين .
ب- اوسابيوس القيصري :
كتب المؤرخ الشهير اوسابيوس في الربع الأول من القرن الرابع عـن القضية الفصحية قائلاً : “إن كنائس مقاطعة ما بين النهرين ومدنها وافقت هي أيضاً على القرار الذي اتخذته سائر الكنائس الغربية بشأن الاحتفـال بعيـد الفصح يوم الأحد “. وكان ذلك في عهد البابا فكتور ( ١٨٩-١٩٩ م ) وفـي السنة العاشرة لحكم الإمبراطور كومودس (١٨٠-١٩٣) . وهذا يدل على أن الكنيسة أو الكنائس في ما بين النهرين كان لها أهمية ورأي يؤخذ به في نحو نهاية القرن الثاني .
ج- تاريخ الرها :
إنه تاريخ تم جمعه في سلخ القرن السادس المـيلادي عـن الوثـائق المحفوظة في الخزانات الرهاوية ، وهو يبدأ بسنة ٢٠١ م ، وهي السنة التـي فيها طغى نهر ديصان بفيضان عارم ودمر “كنيسة للمسيحيين ” . ثم يواصـل هذا التاريخ قائلاً : في سنة ٢٠٢ ، وضع الأسقف نونا أساس كنيـسة الرهـا . وهذه إشارة إلى وجود أسقف في الرها في مطلع القرن الثالث وأن الكنيـسة التي أسسها لم تكن الأولى في الرها ، إنما أقامها عوض الكنيسة التـي أتـى عليها الفيضان سنة ٢٠١ . لقد ظهرت المسيحية في الرها ثانية بعد أن شملها الغموض والخفاء خلال القرن الثاني الميلادي .
د- يوليوس الأفريقي :
عاش يوليوس في مطلع القرن الثالث . وهو يقول في تاريخه أنـه رأى في بلاط ابجر ملك الرها ( ١٧٩-٢١٤ ) برديصان المسيحي الغنوسي الـذي وصلتنا من مدرسته الكتابات السريانية الأولى . ونحن نعلم أن هذا الملك هـو ابجر التاسع . إلا أن يوليوس لا يقول شيئاً عن تنـصر الملـك . ومـع هـذا فبوسعنا أن نستنتج بأن المسيحية كانت منتشرة في الرها وقد تسربت حتـى في البلاط نفسه .
هـ- برديصان و آتاب ( شرائع البلدان ) :
إن مؤلف “كتاب شرائع البلدان ” هو فيلبس أحد تلاميذ برديصان ، وقـد كتبه بين سنة ١٩٦ و ٢٢٦ ، وهو على غرار حوار يـدور بـين الأسـتاذ ( برديصان ) ونفر من تلاميذه حول الله والخطيئة والشر والحرية والقدر وقوة الشرائع ، الخ . . . وقد وردت معلومات ضمن موضوع القدر حول المـسيحية وعادات المسيحيين . فجاء فيه : ” . . . ماذا نقول عن ملتنا النـصرانية الجديـدة التي أنشأها المسيح في كل مكان وناحية . إننا حيث وجدنا نعرف بمـسيحيين نسبة إلى اسم المسيح . . . وأن الأخوة الذين في بـلاد الفـريثيين لا يأخـذون امرأتين ، والذين في فارس لا يتزوجون ببناتهم ، والذين في ماداي لا يهربون من أمواتهم ولا يقبرونهم وهم أحياء ولا يلقونهم للكلاب لكي تفترسهم ، والذين في اورهاي لا يقتلون نساءهم وأخواتهم الزانيات بل يتجنبـونهن مفوضـين أمرهن لدينونة الله والذين في حطارا لا يرجمون اللصوص “. وجاء أيـضاً في هذا الكتاب أن الملك ابجر( التاسع ) آمن بالديانة المسيحية وأبطل بعـض العادات الوثنية السائدة في مملكته .
و- دياطسرون ططيانس :
إن وجود دياطسرون( الإنجيل الموحد) في النصف الثاني من القـرن الثاني وسعة انتشاره في ما بين النهرين يدل دلالة واضـحة علـى وجـود المسيحية في هذه المنطقة . وهذا الإنجيل نفسه يستند إلـى ترجمـة آراميـة للإنجيل ، إن لم تكن كاملة ، على الأقل جزئية ، أجريت لاستعمال المـسيحيين السريان . وكون ططيانس منحرفاً عن الدين المسيحي الصحيح – ومـن ثـم مناوأة الكنيسة لإنجيله الموحد – يدل أيضاً على أن المـسيحية كانـت قـد انتشرت منذ عهد طويل في هذه المنطقة ، حتى أدى ذلك إلى الانحراف عنـد قوم ، إذ أن الديانة لم تبدأ بالهرطقة
.
ز- سقراط وسوزومين :
ِكلا هذين المؤرخين يشهدان على التقادم التي كانت تقرب “ لكنيسة مار توما الرسول في الرها ” ويذهب سوزومين إلى أبعد من ذلك فيقول “ إن هـذه المدينة (الرها ) قبلت الإيمان بالمسيح منذ البدء ” . ويتطرق إلى الفترة ما بين سنة ٣٢٣ ، ٤٢٣ . ومات هذا المؤرخ بعد سنة ٤٤٤ .
ح- برحذبشبا عربايا :
حينما يتكلم برحذبشبا عربايا ، وفي كتابه “ سبب تأسيس المدارس ” ، عن التقليد الجاري في مدرسة الرها ، يقول أن المفسرين كانوا يعتمدون – قبـل انتشار شرح المفسر الكبير ، أي تيودوروس المصيصي – كتابـات القـديس أفرام التي هي نقل لتعاليم أدي مؤسس الجماعة المسيحية الأولى في الرها . . . . وهناك مؤرخون آخرون عديدون تكلموا عن وجود المسيحية فـي الرها وفي ما بين النهرين ، ومنهم توما المرجـي وإيـشوعدناج البـصري وميخائيل السرياني وماري بن سليمان وصليبا بن يوحنان الموصـلي وابـن العبري . . . ، بالإضافة إلى ما جاء في كتابات ترتليانس ( القرن الثـاني ) عـن وجود مسيحيين في هذه المناطق إذ يقول : “ أليس بالمسيح آمن كـل الأمـم : الفرثيون والماديون والعيلاميون والذين يسكنون في ما بين النهرين “ ؟ ولو أن ترتليانس يبدو لنا وكأنه ينقل هنا العبارة الواردة في سفر أعمال الرسـل . وبالإضافة أيضاً إلى الشهادة التي يدلي بها ديونيسيوس الإسكندري عن وجود كنائس مسيحية في ما بين النهرين قبل عهده ، أي قبل منتصف القرن الثالث .

الفصل الثاني العهد الساساني
عاشت الكنيسة الشرقية قرنها الأول في المنطقة الفارسية تحـت ظـل تسعة ملوك فرثيين من السلالة الارشاقية . ولا تتوفر لدينا معلومات ثابتة عن علاقة الملوك الفرثيين بالديانة المسيحية إنما أخذت المسيحية في عهـد هـذه السلالة تنتشر في شتى أنحاء ما بين النهرين ، حتى بلغـت الـبلاد البابليـة الجنوبية نفسها . وفي عام ٢٢٦ م أطاح ارداشير الأول بالحكم الارشاقي وأسس السلالة الساسانية التي ستحكم البلاد أكثر من أربعة قرون . وقد فوجئ الـساسانيون بانتشار المسيحيين في شتى أرجاء بلادهم وبتغلغلهم فـي مختلـف ميـادين الحياة . واضطروا إلى اتخاذ موقف تجاه هذه الديانـة الجديـدة التـي تهـدد معتقداتهم الوثنية وما فيها من الخرافات الكثيرة . ويمكننا أن نطلع على موقف هذه السلالة على ضوء المعلومات التي جاءت في التاريخ السعردي وفـي كتابة شابور الأول والموبيد كرتير التي حفظت في “نقشي روسـطم “ . وإذا ألقينا نظرة على الملوك الساسانيين نجد منهم من يتحلى بـالرفق والتـسامح تجاه المسيحيين ، ومنهم من ينقلب عليهم مضطهداً ، تحت تأثير رجال الـدين المزديين .

ارداشير الأول ( ٢٢٦-٢٤١ )
: هو الذي قضى على السلالة الارشاقية وأسس المملكة الساسانية . وإننا لا نعرف شيًئا كثيراً عن موقفه تجاه المسيحيين . ورغم أنه يعلن نفسه ساجداً “ لمزدا ” ، فهو يحترم كنيسة “ كوخي ” وقد ضمها إلى المدينة الجديدة التي شيدها بالقرب من قطيسفون وسماها “ فيه ارداشير ” .

شابور الأول ( ٢٤١-٢٧٢ ) :
هو أكبر ملك في السلالة الساسانية في القرن الثالث . وكان فـي بـدء عهده متسامحاً تجاه الديانة المسيحية . ولكنه لم يصدر قط مرسـوماً يقـضي بشرعية هذه الديانة في مملكته ، مهما قيل في هذا الشأن . فكان يعطف علـى المسيحيين نظراً إلى التعسف والظلم والاضطهادات التي كانوا يتعرضون لها من قبل الفئة الزرادوشتية التي كان نفوذها آخذاً في التصاعد بزعامة الموبيد “ كرتير ” . إلا أن شابور لم يتردد في قتل إحدى زوجاته المـسماة “ اسطاسـا ” لاهتدائها إلى المسيحية . وبعد ذلك ، حين شعر الملك بأن زوجته “ شيراران ” – وهي أخته الحقيقية – تميل إلى المسيحية تحت تأثير راهب حررهـا مـن نفوذ الشيطان ، نفاها إلى منطقة “ مرو ” حيث أزوجها من شخص من الـسلالة الساسانية اسمه “ شيروان ” . فاعتنقت الديانة المسيحية هناك وأخـذت تـساعد على نشرها في تلك المنطقة وأقامت كنيسة في مرو بمؤازرة الراهب “ برشيا ” الذي كان قد شفاها والذي أقيم مطراناً لهذه المقاطعة . وفي مقدمة المصادر التي تطلعنا على هذه الحقبة يأتي تاريخ دانيال بر مريم أو بر طوبانيثا مطران تحل الذي عاش في منتصف القرن الـسابع . إلا أن هذا التاريخ فقد ولم يبقى منـه سـوى شـذرات جـاءت فـي التـاريخالسعردي .

السبايا :
وإذا اتسم عهد شابور الأول بالتسامح تجاه المسيحيين ، فهو قد سـاهم من حيث لا يدري في انتشار المسيحية في المنطقة الفارسية بواسطة الـسبايا الذين أتى بهم من المنطقة الرومانية في حروبه الكثيرة وغزواته الموفقة . فقد غزا منطقة إنطاكية مرتين وجلا العديد من سكانها إلى البلاد البابلية ( العراق الجنوبي ) وإلى سائر المناطق الفارسية . وكان بين السبايا “ ديمتريانس ” مطران ( بطريرك ) إنطاكية نفسه الذي نفي إلى “ كونديشابور ” – أي بيث لافـاط فـي منطقة الأهواز – سنة ٢٥٧ . وكان شابور قد أسس هذه المدينة حديثًا وسماها باسمه . وكان معظم هؤلاء السبايا من المسيحيين الذين أخذوا ينشرون ديانتهم حيثما حلوا وينظمون شؤونهم الكنـسية ويتغلغلـون فـي شـتى المجـالات الاجتماعية . أجل ، لقد أسهم السبايا الرومان إسهاماً واسعاً في نشر الديانة المسيحية في المناطق الشرقية . فإن هؤلاء المسيحيين الرومان أو “ اليونان ” لم يتخلـوا عن ديانتهم رغم الشدائد الكثيرة التي ألمت بهم في أرض الغربة . وهذا مـا يرن صداه في صلواتنا الطقسية حيث نخاطب الشهداء ونقول : “ إنكم انتقلـتم من بلاد إلى أخرى ، ولكنكم لم تتخلوا عن ربكم ” . والأسماء التي وردت فـي سير الشهداء من منطقة بابل أو منطقة قردوتشير إلى أصلهم الروماني . وقد اعتلى بعض منهم مناصب مرموقة في البلاط الفارسـي ، أمثـال “ قنـديرة “ الرومانية زوجة بهرام الثاني التي سيدور الحديث عنها . ويقول التاريخ السعردي أنه بفـضل هـؤلاء الـسبايا ازداد عـدد المسيحيين في المملكة الفارسية وكثرت فيها الأديرة والكنائس . ومن الجـدير بالذكر أن نزوح جماعات رومانية إلى الشرق يرقى إلى عهد أسـبق . فمنـذ سنة ١١٧-١٣٨ ، في عهد ادريانس الرومـاني وارطبـان الاشـراقي ، أدى اضطهاد في المملكة الرومانية إلى مغـادرة الأسـقف “ تقريطـي ” للمنطقـة الرومانية ومجيئه إلى كرخ بيث سلوخ إلا أن معظم الـسبايا جليـت إلـى المشرق في عهد شابور الأول ، خلال غزواته الثلاث الموفقة فـي المنطقـة الرومانية ، سنة ٢٤٤ ، ٢٥٦ ، ٢٥٩-٢٦٠ . وقد وردت على لسان شابور هذه العبارة المحفوظة في “ نقشي روسطم ” : “ إننا استولينا على كل الناس وأتينا بهم سبايا وأسكناهم في مملكتنا إيران وفارس وفرثية وهوزسـتان واثورسـتان ( منطقة بابل ) وفي جميع البلدان الأخرى حيث توجد ممتلكات أبينا وأجـدادنا . أسكن شابور الأول هذه السبايا في المدن الفارسية القديمـة أو مـدن جديدة شيدها تخليداً لاسمه ولانتصاراته . ومن بين هذه المدن الحديثة مدينـة “ كونديشابور ” التي أقامها الملك بعد أن كانت جملة أنقاض ، وشيدها بمساعدة الأسرى الرومان ، ومن بينهم “ ديمتريانس ” ( بطريرك ) إنطاكية والإمبراطـور الروماني الأسير “ فاليريانس ” الذي ساهم أيضاً بمهندسيه فـي إقامـة الـسد المدعو إلى الآن باسمه “ بندي قيصر ” أي سد قيصر . وفي تلك الفترة شيدت كنيستان في “ إيران – شاهر ” ، روارداشير التـي أصبحت بعدئذ مركزاً لمطرافوليط فارس ، كنيسة للبيزنطيين وأخرى لـسكان كرمان أي فارس . وكان الألوان يحتفلون بالليتورجية باللغة اليونانيـة بينمـا يحتفل بها الآخرون بالسريانية . فهل كان البيزنطيون الـسابقين إلـى هـذه المنطقة ، أم أنهم ساهموا في تقوية المسيحية ودعم جهود إخـوانهم الفـرس المسيحيين الموجودين هناك قبلهم؟ ومن بين سبايا شابور ، جاءت قوافل كبيرة من سنجار وبيث عربـايي وبيث زبدى وقردو وارزون وأرمينية ومن أمكنة أخرى مختلفة وكثيرون منهم سيذهبون ويسكنون في “ كرخ ليدان ” الحديثة العهد . وسـيقومون بـدور فعال في مؤاساة المؤمنين أو دفن الشهداء خلال الاضطهاد الأربعيني . “ فبعد أن استشهد شمعون برصباعي أخذ جسده أنـاس مـن المـسبيين الرومـان الساكنين في كرخ ليدان ” ، إذ أنه “ كان في المدينة أسـاقفة ومؤمنـون لـم يتعرضوا للاضطهاد لأن المدينة كانت قد أقيمت حديثاً وكان الملك يريـد أن يسود فيها السلام مع سكانها المسبيين الجدد “. وحينما حل الـدمار بكـرخ ليدان ، ذهب هؤلاء المسبيون وسكنوا شوش المجاورة .

هرمزد الأول ( ٢٧٢-٢٧٣ ) :
لم يلق المسيحيون خلال حكم هرمزد الأول القصير المدى تعـسفاً أو اضطهاداً . إلا أن هناك حدثاً ينذر بقرب العاصفة . فإن المجوسـي “ كرتيـر ” الذي كان يضمر للمسيحيين حقداً دفيناً وعداءً شديداً أصبح “ موبيدا ” أي رئيس الشعبة الدينية لدى المجوس وأخذ نفوذه في التصاعد والازدياد .

بهرام الأول ( ٢٧٣-٢٧٦ ) :
في عهد هذا الملك شرع “ كرتير ” في تنفيذ خططـه العدوانيـة ضـد المسيحيين . وقد شن في المرحلة الأولى اضطهاداً سافراً على المانويين الذين رأى فيهم خطراً يهدد الديانة الزرادوشتية ، ريثما يتسنى له الإيقاع بالمسيحيين عامة .

بهرام الثاني ( ٢٧٦-٢٩٣ ) :
تربى هذا الملك في منطقة جيلان الواقعة بالقرب من بحـر قـزوين ، وكان والده حاك ًما هناك . وقد أشرف على تربية بهـرام أسـاتذة مـسيحيون علموه الأخلاق الرفيعة ولقنوه حتى اللغة السريانية . ولقيت فيه تلك التعـاليم تجاوباًا حسناً . فكان في مستهل عهده مسالماً ومتفهماً للمسيحيين ، حتـى أنـه استطلع بعض الأساقفة عن معتقداتهم ، وكان له زوجة مسيحية هي “ قنـديرة ” الرومانية . إلا أنه بعد عشر سنين أمضاها في الحكم ، أنقلب على المـسيحيين تحت تأثير “ كرتير ” الذي حصل منه على مرسوم يقضي بملاحقة المـسيحيين وكل الذين يدينون بمذاهب مناوئة للديانة الزرادوشتية . وهكـذا فقـد شـمل الاضطهاد زوجة الملك المسيحية نفسها . ولكن هذا الاضطهاد خمد في السنين الأخيرة من عهد هذا الملك .

بهرام الثالث ونرسي ( ٢٩٣-٣٠٣ ) :
لم يحكم بهرام الثالث سوى أشهر قلائل . أما نرسي فقد عمـل خـلال حكمه على إعادة الأوضاع إلى حالتها الطبيعية وسمح للمـسيحيين بتـشييد كنائسهم المهدومة وبإقامة شعائر دينهم . فإن نفوذ “ كرتير ” أخذ في التـضاؤل

هرمزد الثاني( ٣٠٣-٣٠٩ ) :
أستأنف هذا الملك الاضطهاد ضد المانويين تحت تأثير المجوس . ولكنه لم يلحق أي أذى بالمسيحيين الذين واصلوا نشاطهم وشرعوا ينضمون شؤون كنيسة المشرق ويرسخون كيانها .

الفصل الثالث تنظيم الكنيسة الشرقية
شهد القرن الرابع أحدا ًثا حاسمة للكنيسة الشرقية التـي ازدادت وعيـا لكيانها وأخذت توحد رئاستها وتتغلب على العقبات التي اعترضت طريقهـا . وليست قضية “ فافا ” سوى إحدى هذه المشاكل التي عكرت جو الكنيـسة فـي مطلع القرن الرابع . وما أن تنفست الصعداء في عهد الجاثليق مار شـمعون برصباعي ، حتى أنقض عليها الاضطهاد الأربعيني الذي أثاره الملك شـابور الثاني الفارسي .

آرسي ساليق :
عاش المسيحيون ، حتى نهاية القرن الثالث ، جماعات يرئسها أسـاقفة وتربطها بعض العلاقات بإنطاكية . أما ارتباطهم ببعضهم فلم يكن على صعيد الرئاسة الكنيسة ، مهما قيل عن الدور الذي لعبته كنيـسة المـداين بـصفتها الكرسي الذي أسسه مار ماري . فإن العلاقات كانت علـى صـعيد المحبـة المسيحية ووحدة العقيدة . وكانت كل من هذه الجماعـات المـسيحية تتمتـع باستقلال يكاد يكون كام ًلا بالنسبة إلى غيرها ، وحتى بالنسبة إلـى كرسـي ساليق نفسه . ولكن سرعان ما أخذ نفوذ أسقف المداين في الازدياد ، حتـى اعتبـر نفسه المسؤول الأول والأعلى لأخوته أساقفة المشرق ، وتبنى لقب “الجاثليق “ وهو اسم كان يطلق مدنيا على جابي الضرائب في المنـاطق الرومانيـة ، ويعني “ العام ” أو “ الشامل ” .

إنطاكية وساليق :
ما مدى تدخل إنطاكية في شؤون ساليق الكنسية؟ حينما تطرق مجمع نيقية إلى تحديد رئاسة روما والإسكندرية وتعيـين الأبرشيات الخاضعة لهما ، ذكر أيضاً في القانون السادس “ الحقوق القديمـة ” التي تتمتع بها إنطاكية مع “ سائر الأبرشـيات ” ، دون توضـيح هويـة هـذه الأبرشيات . فهل من تدخل مباشر لكنيسة إنطاكيـة فـي شـؤون الكنيـسة الفارسية؟ إننا أمام حالتين أتى أسـاقفة ( بطاركـة ) إنطاكيـة إلـى المملكـة الفارسية . فقد جاء ديمتريانس أسيراً إلى كونديشابور سنة ٢٥٧ ، كما ذكرنـا ، ولكنه لم يمارس سلطته ، حتى على رعاياه في المنفى ، إلا بعد موافقة السلطة الدينية المحلية على ذلك . أما اثناسيوس الجمال ، بطريرك إنطاكية الـسرياني ( ٥٩٥-٦٣١ ) ، فأتى إلى المداين في السنين الأولى من بطريركيته لتقـديس الكنائس الثلاث التي أقامها كسرى الثاني ابرويز إرضا ء لزوجته مريم ابنـة الملك موريقي الروماني . ولكنه لم يأتي بصفة رئيسة على الكنيسة الـشرقية ، وكان باستقبال الرؤساء . إلا أنه كان هناك نوع من الارتباط بين كنيسة إنطاكية وكنيسة المشرق لا سيما في القرون الثلاثة الأولى . وكان هذا الارتباط يتوقف على أن يثبـت أسقف )بطريرك( إنطاكية ويؤيد جاثليق البلاد الفارسية . وهذا أمر يبدو جليـا في قصة “ احادابويه ” الذي توجه إلى إنطاكية بصحبة “ يهبيشوع ” ، لكي ينـال أحدهما الرسامة هناك . ولكنهما اعتبرا جاسوسين في إنطاكية ولقي يهبيشوع من جراء ذلك حتفه مصلوبا على باب كنيسة الرسل ، أما احادابويه فقد هرب إلى القدس حيث اقتبل الرسامة . أما إبراهيم الكشكري ( ١٥٩-١٧١ ) ، فكان يعيش في إنطاكية ، وهناك تم اختياره وجرت رسـامته ، ثـم أرسـل إلـى المشرق . ولكن سرعان ما ضعفت هذه الروابط ثم زالت ، وذلك لـصعوبة المواصلات والأخطار الكثيرة الناجمة عنهـا بـالنظر إلـى العـداء بـين الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية . وكان اختلاف الكنيستين في المعتقد منذ القرن الخامس العامل الكبير في تباعدهما ، بالإضافة إلـى امتـداد أبرشـية المشرق الذي اقتضى فصلها ادارياً وهناك ايصاً مقررات مجمع نيقية التي تولي الكنيسة الشرقية نوعاً من الكيان الذاتي الذي أسفر عن استقلال تام في القرن الخامس . حتى أن البطريرك اثناسيوس الجمال يعترف بأن بطريـرك إنطاكية لم يكن له الحق ، حتى قبل سنة ٤٨٤ ، أن يرسل أساقفة إلى المنطقـة الشرقية ، وذلك “بسبب مقررات مجمع نيقية “. وهناك مؤرخـون كثيـرون ( ماري ، ابن طيب ، عبديشوع الصوباوي الخ . . . ) يقولون أن الآباء الغـربيين ( إنطاكيا ) ، على أثر حادث “ احادابويه ” ، أوفدوا الرسالة الأولى إلـى الكنيـسة الشرقية ، فيها يمنحونها نو عا من الاستقلال بالنظر إلى هذه الأخطار . وهذا ما يصرح به يوحنا برفنكابي إذ يقول : “ قبل هذا الزمان ( أي قبل عهد قسطنطين الكبير ) ، منحت حقوق الكرسي البطريركي السوري لكنيـسة كـوخي فـي المشرق . وذلك نظراً إلى العداوة القائمة بين مملكتين الشرق والغرب اللتـين كانتا في حروب مستمرة . فكان كثير من الأساقفة يلقون مصرعهم في طريق ذهابهم إلى الغرب أو عودتهم منه إلى الشرق ، بسبب بعد البطريرك . فـإنهم كانوا يتهمونهم بالتجسس ، ولكنهم بالحقيقة كانوا عطاشاً إلى دم القديسين . أما “ الآباء الأساقفة ” ، ففي غمرة أحزانهم على مقتل زملائهم ، أمـروا أن يكـون البطريرك في كنيسة كوخي مسلطاً على شؤون الشرق ، كما تـأمر القـوانين الكنسية “. وقد جرى هذا التخويل ، حسب يوحنا برفنكابي ، قبل سـنة ٣٠٩ . وهناك من يرجع تاريخ الرسالة التي وجهها أساقفة المغرب إلى إخوانهم في المشرق إلى عهد “ شلحوفا ” ( ٢٢٠-٢٤٠ )( الذي خلـف احادبويـه فـي إدارة كرسي المشرق .

الجاثليق( فافا ) وقضيته :
ظل كرسي المداين شاغراً بموت شلحوفا مدة طويلة إلى أن أقيم فافـا سنة ٣١٠ً مطرافوليطا أو جاثليقاً عليه . وأراد فافا أن يوحد كنيسة المـشرق تحت زعامة كرسي ساليق وأن ينظم الرئاسة الكنسية في المناطق الفارسـية . ولكنه لقي معارضة عنيفة من الأساقفة ، وكان يتـزعمهم “ مـيلس ” مطـران شوش . وأنظم إلى المعارضة مار شمعون برصـباعي نفـسه احتجا جا على تصرفات فافـا الشخـصية وأسـاليبه التعـسفية وفظاظته في معاملة أقرانه أساقفة المشرق . وأخذ المعارضون يطعنون فـي سيرة فافا وكبريائه وعدم التزامه بالقوانين الكنسية ورسامته أسقفين لكرسـي واحد . . . وإذ ذاك عقد الأساقفة مجمعاً قرروا إدانة فافا وإعفاءه مـن منـصبه .
ولدينا وثيقتان ترويان هذه الأحداث . جاءت إحداهما فـي كتـاب المجـامع الشرقية ، حيث يمتدح مجمع داديشوع فافا الجاثليق وينحي باللائمـة علـى معارضيه ، منك را عليهم حق إدانة الجاثليق . أما الوثيقة الأخرى ، فقـد وردت في أعمال ميلس . ويوجز المطران أدي شير هذه الوثيقة في كتاب “ شهداء المشرق ” ويقول : “ ثم نزل ( ميلس ) إلى المداين ، وكانت أحوال النصارى فـي المداين مبلبلة جداً بسبب الجاثليق فافا بن عجي سلف القديس مـار شـمعون برصباعي . فإنه كان يتكبر ويتطاول على كهنته وشمامسته ويحتقرهم . وكان قد عقد فيها مجمعاً من أساقفة بلادنا لتدبير أحوال النصرانية ورفع الشكوك . وكان ذلك سنة ٣١٤ . فدخل القديس ميلس المجمع . ولما عاين ما كان عليـه فافا من التكبر ، انتصب قائماً في الوسط وقال : “ مالي أراك تتجرأ على أخوتك وأعضائك فتحتقرهم وتتطاول عليهم كمن لا إله له . أنسيت قول ربنا القائـل في إنجيله الطاهر . إنما الأكبر فيما بينكم ليكن خادماً لكم ؟ ” قـال فافـا وقـد جاشت في صدره عوامل الغضب . “ أأنت يا جاهل تعلمنـي كـأنني أجهـل فريضتي؟ ” . فأضطرب ميلس وأخرج حالاً الإنجيل الذي في مزوده فوضـعه أمام فافا على وسادة وقال له . “ كنت غير راضي أن تتعلم مني ، لأني إنسان ، فدونك إنجيل ربنا الموضوع أمامك فمنه تعلم ” . فتجرأ فافا ورفع يده بغـضب وضرب الإنجيل وقال “ تكلم يا إنجيل تكلم ” . فلما رأى منه ميلس هذه الجسارة الوقحة ازداد هياجاً فأسرع إلى الإنجيل ورفعه وقبله ووضعه علـى عينيـه وقال بأعلى صوته مخاطبا فافا . “ من حيث إنك بتكبرك قد تجرأت على أقوال ربنا المحيية ، فهوذا ملاكه يضرب أحد شقيك بالفالج ، ولا تموت من ساعتك ، بل تبقى موضوعاً لعلامة العجب والخوف لكثيرين ” . وللحال نزل من السماء شيء نضير برق فضربه على شقه فيبسه . وبقي فافا على تلك الحالة المـرة اثنتي عشرة سنة ، أي حتى مماته وهو يقاسي ما لا يوصـف مـن العـذاب الأليم . ” وقد أسفر هذا المجمع عن إعفاء فافا من منصبه ورسامة مار شمعون برصباعي جاثليقاً على المداين . وينقل لنا ابن العبري تقليداً جاء بموجبـه أن فافا لم يعف من منصبه ، لأن الآباء لم يروا في نوبة الـشلل الـذي انتابتـه قصاصاً الهياً انما لثورة غضب اثرت على اعصابه . مهما يكن من أمر ، فإن فافا لم يرضخ لهذه الإجراءات التي اتخذها الآباء الشرقيون ضـده ، بل رفع شكواه إلى “ا لآباء الغربيين ” وطالب بحقه في الرئاسة وبعدم شـرعية المجمع الذي أدانه . وكان تدخل هؤلاء الآباء لصالح فافـا ، إذ أثبتـوا حـق كرسي المداين في الرئاسة وأضافوا إلى ذلك بيا ًنا يعلنون فيه أن فافا لا يمكن إدانته من قبل أساقفته ولا من قبل الغرب ، لأن “ إدانته تعود فقط إلى المـسيح الذي اختاره ” . وهذا ما يردده أي ضا مجمع داديشوع سنة ٤٢٤ ، الذي يقول أن الحكم الذي صدر بحق فافا ألغي ، وإن الذين أصدروه عزلوا عن مناصبهم الكنسية ، حاشا بعضاً منهم قبلت أعذارهم ، ومـن جملـتهم مـار شـمعون برصباعي الذي أظهر أنه نال الدرجة مدفو عا . ولذا فقد حافظ على الدرجة الأسقفية مع الحق في خلافة فافا بعد موته . لقد لاحظ البعض ارتباطاً بين هذه الأحداث والبينـة الرابعـة عـشرة
المنسوبة إلى افراهاط الحكيم الفارسي ( + بعد ٣٤٦ ) . فيرى الأب حنا في أن الأوصاف الواردة في هذه البينة تلائم الجاثليق فافا : “واحد من أخوتنا ” الـذي كان سابقاً “مزيناً بالتاج ” ، وقد أقامه المسيح ليكون وكيلاً على بيته ، ثم رفضته مقاطعته لسوء إدارته ولكبريائه وتطاوله . ولكنه فرض على شـعبه “ قيـوداً وسلاسل ” أقسى بمساعدة خارجية ( إشارة إلى الآباء الغربيين )( . ثم تـرد فـي هذه البينة دعوة إلى الاعتدال في رعاية الشعب وسياسة الرؤسـاء ، ودعـوة ثانية إلى الأساقفة والشعب لتـذكيرهم بالطاعـة الواجبـة نحـو الـرئيس ، ولتحريضهم على الصبر والاحتمال . أما “ لابور ” ، فيرى أن الأوصاف تطابق مار شمعون برصباعي أو خلفه شاهدوست ، وهو يميل إلى الأول ، نظراً إلى الأوصاف الخارجية الواردة في البينة ( قامة فارعة ، طلعة بهيـة ، الـخ . . . . ) ، ونظراً إلى الضرائب المفروضة في بدء الاضطهاد الأربعيني .
مهما يكن في أمر ، فأن الأزمة التي خضت الكنيسة الشرقية في مطلع القرن الرابع أسفرت عن تثبيت الرئاسة لكرسي المداين وعن ارتباط أقـوى بينه وبين سائر الكراسي في الكنيسة الشرقية ، وعن وعي أعمق للمـسؤولية القيادية التي عهدت إلى هذا الكرسي الذي أخذ شيئاً فـشيئاً بزمـام الـسلطة واحتل المقام الأول في المنطقة الفارسية . وكـان مـن الطبيعـي لعاصـمة الفرثيين ، وقد أصبحت الآن عاصمة الفرس الساسانيين ، أن تـصبح أيـضاً العاصمة المسيحية للشرق ورائدة الفكر المسيحي ، ليس في ما بين النهـرين فحسب ، بل في الجهات الأخرى أي ضا القاصية منها والدانية . . .

الفصل الرابع الاضطهادات
الأسباب :
لم يتعرض المسيحيون القاطنون في الإمبراطورية الفارسية للاضطهاد العنيف طالما كانت الإمبراطورية الرومانية تدين بالوثنية . ولكن ما أن صدر مرسوم ميلانو سنة ٣١٣ الذي فيه أعلن الملك قـسطنطين الكبيـر شـرعية الديانة المسيحية في إمبراطوريته ، بل تشجيعه لها ثم انتماءه إليها ، حتى تغير موقف الفرس من رعاياهم المسيحيين وأخذوا يرنون إليهم شزراً ويكنون لهم كراهية ويضمرون لهم الشر والعداء . وإذ لم يكن للفرس آنذاك سـوى ملـك صغير السن لا يستطيع مجابهة خصومه الرومان ، فقد ظلت العلاقات طيبـة أو فاترة بين الإمبراطوريتين وأستمر المسيحيون ينعمون براحة نسبية . ويقال أن الملك قسطنطين كتب رسائل إلى شابور الثاني يهنئه فيهـا علـى حـسن معاملته للمسيحيين العائشين في مملكته ويوصيه بهم خيراً .

شابور الثاني ( ٣٠٩-٣٧٩ ) :
إلا أن الحالة تغيرت حينما بلغ شابور الثـاني أشـده . فأخـذ يطالـب الرومان بإعادة المقاطعات الخمس التي اقتطعت من المملكة الفارسية في عهد غاليريوس ملك الرومان( ٣٠٥-٣١١ ) . وسرعان ما اتخذت هذه الخصومات طابعاً دينياً بين الإمبراطورية الفارسية الوثنيـة والإمبراطوريـة الرومانيـة المسيحية . ويقال أن قسطنطين الكبير هيأ حملة كبيرة ضد الفـرس ، وأعـد كنيسة متنقلة لإقامة الصلوات أثناء الحملة . إلا أن المنية عاجلته في ٢٢ أيار سنة ٣٣٧ ، قبل أن ينفذ ضد الفرس خططه الحربية الواسعة النطاق . وانتهـز شابور هذه الفرصة ، فزحف على المقاطعات الشرقية وحاصر مدينة نصيبين مدة ٦٣ يو ما . ولكنه ما أن أحس بقدوم قسطنطين الثاني ( ٣٣٧-٣٦١ ) ، حتى ترك المدينة وعاد إلى بلاده يجر أذيال الخيبة والفشل . وقـد عـزي الأمـر حينذاك إلى صلوات القديس يعقوب أسقف المدينة أو إلى صـلوات القـديس افرام الملفان . فاحتدم شابور غي ًظا أمام هـذه النكـسة واسـتنفر قـوات الإمبراطورية برمتها . وإذ لم يكن في خزينة الدولة مـا يـسد نفقـات هـذه القوات ، فرض شابور ضرائب باهظة على الآهلين ، لا سيما على المقاطعـة البابلية الغنية . وجاء في أعمال مار شمعون برصباعي أن شابور “ كتب رسالة مـن بيث هوزايي إلى حكام بيث ارامايي جاء فيها – حالما تطلعون على أمرنـا هذه نحن الآلهة في كتابنا هذا الذي أرسلناه طيا ، عليكم أن توقفـوا شـمعون زعيم النصارى وألا تخلوا سبيله إلى أن يوقع سنداً فيه يتعهد بجبايـة ودفـع جزية الرأس مضاعفة وضرائب مضاعفة من شعب النصارى الذين يسكنون في أرضنا نحن الآلهة وتحت سلطتنا ، لأننا نحن الآلهة نتعـرض للـضيقات والحروب ، وهم يتمتعون بالراحة والهناء . إنهم يقطنون بلادنا وهم موالـون لقيصر عدونا “. وكان هذا السبب الأخير الدافع الحقيقي إلى الاضطهاد . ولما تلقى شابور جواب مار شمعون برصباعي ، وفيه أعلن الجـاثليق عن عدم إمكانه تلبية رغبة الملك ، حرق عليه الارم وثار ثائره وقـال فـي سورة غضبه “ إن شمعون يريد تحريض تلاميذه وشعبه على القيام بثورة على مملكتي . إنه يريد جعلنا عبيداً لقيصر ، ولذا فهو لا يريد أن يطيع أوامـري ” . وساهم اليهود في إذكاء نار الحقد في قلب الملك على المسيحيين قائلين له : “ إن أرسلت أنت ملك الملوك وسيد الأرض كلها رسائل جليلـة وحكيمـة إلـى القيصر مع هدايا فاخرة ومواهب نفيسة ، فإنها لا تلقى استحساناً في نظـره . أما إذا وجه إليه شمعون رسالة في قصاصة ورق حقيرة ، فإنه يتناولها بكلتـا يديه راك عا وينجز أمره بكل اهتمام . وبالإضافة إلى ذلـك فلـيس سـر فـي مملكتك ما لم يطلع شمعون قيصر عليه ” أجل ، لقد كان المسيحيون عرضة للتعسف والاحتقار في الإمبراطورية الفارسية ، وكانوا على علم بما يجري وراء الحدود الفارسية وبالحرية الدينية التي كان ينعم بها إخوانهم في الإمبراطورية الرومانية . فكانوا من ثمة دومـًا يتوقون إلى العيش في ظل هذه الإمبراطورية لينعموا بشهرة إنطاكية وروما الخيالية القديمة ثم روما الجديدة ( بيزنطية ) . وطالمـا اشـتاقوا إلـى رؤيـة الجحافل الرومانية تدخل وادي دجلة تتقدمها الرايات الخفاقة تحمل الـشارات المقدسة . فأنى لهم أن يجدوا الراحة والهناء في مملكة تضمر لهـم العـداء ، رغم ولائهم وطاعتهم للسلطات الحاكمة؟ إنهم كانوا دو ماً يحـسبون غربـاء ودخلاء ، بل خونة متآمرين ، هم أهل البلاد الأمناء المسالمون! فإن الظنـون كانت دو ما تحوم حول إخلاصهم ، والضربات تنهال عليهم بين الفينة والفينة ، إلى أن أدت البربرية بشابور وطغمته إلى الرغبة فـي استئـصال شـأفتهم والقضاء عليهم قضاءً مبرماً . وإذا به يتذرع بحجج واهية للتنكيل بهم . فأعلن عليهم اضطهادا عنيفاً دام نحو أربعين سنة وأودى بحياة الألوف منهم .
الاضطهاد الأربعيني :
تضاربت الآراء حول السنة التي فيها بدأ شـابور الثـاني اضـطهاده الكبير ضد المسيحيين . ولكننا استنا دا إلى المعلومات الواردة في سير الشهداء الذين قضوا في هذا الاضطهاد يتسنى لنا القول أن هذا الاضطهاد جاء علـى أثر المرسوم الذي فيه فرض شابور الضرائب الباهظة على المسيحيين بنوع خاص ، لسند مجهوده الحربي ضد الرومان . ولما لم يستطيع المسيحيون دفع هذه الضرائب ، تعرضوا للاضطهاد والتنكيل ، وذلك في ربيـع عـام ٣٤١ . وكان مار شمعون برصباعي ورفاقه المئة والثلاثة في الدفعة الأولـى مـن الذين راحوا ضحية هذا الاضطهاد الهائل . فقد ألقي القبض عليهم وزج بهـم في غياهب السجون . ثم أخذت الاستنطاقات تتوالى عليهم ، وبالأخص علـى الجاثليق العظيم ، فتارة يتهمونه بالخيانة ضد الملك ، وطو را بـالتمرد علـى أوامره القاضية بدفع الجزية مضاعفة ، وحيناً باحتقاره النار والشمس ، وآخر برفضه السجود لملك الملوك . وكان شمعون بحكمته ودرايته يفند ويـدحض هذه الادعاءات كلها ويعرب عن ولائه للملك واحترامه للقوانين العادلة . أمـا الجائرة منها ، فلا طاقة له على تنفيذها ، ولا سيما انه اقيم رئيساً روحياًعلى النصارى وليس جلاداً أو جابياً للأموال والضرائب . وتـردد الملـك فـي القضاء على شمعون ، نظراً إلى مكانته المرموقة والى هيبته وعلمـه الـذي
أعجب به الملك . إلا أن المجوس واليهود لم يكفوا عن تحريض الملك على المـسيحيين . وقد تربصوا فرصة غضب الملك عليهم ليوقعوا بهم ويهدموا بيعهم ويشردوا شعبهم . . . وسيق شمعون ورفاقه من المداين إلى كرخ ليدان في مقاطعة الأهواز حيث كان الملك يقيم آنذاك ، وهناك في بلاط الملك كان الأمين كوشتازاد يدين هو أيضاً بالمسيحية ، ولما أحس الملك بذلك ، أفرغ كنانة جهده فـي إقناعـه بالعدول عن هذا المعتقد ، ولكن جهوده ذهبت أدراج الرياح . بيد أن كوشتازاد تظاهر أخيراً بالسجود للشمس تحت ضغط عظماء الدولة . ولكنه ما أن سمع بوصول قافلة الأسرى وعلى رأسهم جاثليق المشرق ، حتى خضته نعمة قوية أثارت فيه عواطف الندامة الشديدة على كفره وجحوده . ولما طلب أن يواجه شمعون ، أبى هذا أن يلتقي به لكونه جاحداً جباناً . فانزوى كوشتازاد في بيته وعكف على الصلاة ولبس المسوح وافترش الرماد ، واستمر في البكاء علـى جحوده طيلة يومين ، إلى أن دعي شمعون إلى المثـول بـين يـدي الملـك للاستجواب . وهناك جرت مناظرة بديعة بين الملك وشمعون حـول معتقـد النصارى والتهمة الباطلة التي ألصقت بشمعون زوراً وبهتاناً . ولـم يفلـح الملك في إفحام الجاثليق ، بل أمر بإعادته إلى السجن . وإذا بـشمعون يلتقـي لدى خروجه بكوشتازاد الذي أراد التبرك من الحبر الأسير ، ولكنه لم يتلـق منه إلا زجرا ًدفع به إلى المجاهرة بدينه المسيحي ، ثم إلـى الاستـشهاد . وجرى هذا في خميس الأسرار ١٣ نيسان سنة ٣٤١ . أما شمعون ورفاقه فقد أمضوا تلك الليلة أيضاً في السجن وهـم يـستعدون للاستـشهاد بـصلوات متواصلة ، ثم أقاموا القداس على أيديهم ، إذ لم يستطيع أحد أن يأتيهم بالأواني المقدسة ، خوفاً من المضطهدين . وأخذ شمعون يحرضهم ويـشجعهم علـى الإقدام على الاستشهاد . وهناك قال أنشودته البديعة التي مطلعها : “ بعين الفكر والحب . . . ” وطلب إلى الرب قائلاً : “أعطنا يا رب أن نتألم نحن أيضاً في هذا اليوم ونشرب فيه نظيرك كأس الموت من أجل اسمك القدوس حتى لا يبقـى على الأرض إلا من يقول : أن شمعون وأخوته انقادوا ليسوع ونظير يـسوع قتلوا يوم الجمعة في الرابع عشر من نيسان . ففي صباح الجمعة العظيمـة أمر الملك بإخراج المعترفين من سجنهم ، ثم دعاهم إلى السجود للنار . ولمـا رفضوا ، أمر بضرب أعناقهم بالسيف ، فشرع السيافون يقودون عشرة عشرة منهم إلى الموت ، والجاثليق واقف كالبطل الصنديد يشجعهم على بذل دمائهم في سبيل المسيح وهو يقول “ ولو أنكم تنزعون الآن ثيابكم الخارجية . ” وفـي الأخير تقدم هو أي ضا برباطة جأش ومد عنقه للسيف ونال إكليل الشهادة . وكان بين زمرة الشهداء كاهنان ، هما حنانيا وعبد هيكلا ، فلما بلغ دور حنانيا ليمد عنقه للسيف اعترته رجفة شديدة لشيخوخته المتقدمة وللهلع الذي استحوذ عليه أمام هذه المجزرة الرهيبة . وإذا بصوت يناديـه مـشجعاً : “ لا تخف يا حنانيا ، لا تخف . أغمض عينيك قليلاً فترى نور المسيح “. وكـان هذا صوت “ فوسي ” رئيس صناع الملك . وقد استشهد هو أيـضاً فـي اليـوم التالي بعد استجواب طويل وعذاب أليم . ولحقت به ابنته الراهبة مرتا في أحد القيامة وقتلت في المكان الذي فيه نال أبوها إكليل الشهادة ، بعـد منـاظرة أفحمت فيها الملك وطغمته . وكان استشهاد شمعون برصباعي بدء اضطهاد عنيف دام عشرة أيـام لم يشفقوا فيه على أحد . فكل من صرح بكونـه مـسيحيا ذاق المـوت دون استجواب أو محاكمة . فهرعت طوابير الشهداء إلى المـوت بـشوق وفـرح وكأنهم ذاهبون إلى عرس . . . ، إلى أن حل الأحد الجديد الذي يلي قيامة الرب . وخلفت هذه المجازر الرهيبة في كرخ ليدان وضـواحيها جثثـًا لا تحـصى ومنظراً تقشعر لهلوله الأبدان . وإذ ذاك أمر الملك بالتريث في القتل وبـإيلاء الاضطهاد صيغة قضائية رسمية ، لا سيما بعد أن لاحظ أن أمينه “ ازاد ” أيضاً قضى شهيداً . استمرت كنيسة المشرق ترزح تحت وطأة الاضطهاد خـلال السنين اللاحقة . وفي خريف ٣٤١ ألقي القـبض فـي سـاليق علـى مـار شاهدوست الذي خلف مار شمعون برصباعي على كرسي المـداين وعلـى ١٢٨ شخ صا من الكهنة والشمامسة والرهبان والراهبات وقد استشهد هؤلاء في ٢٠ شباط ٣٤٢ . أما مار شاهدوست فسيق إلى بيث لافاط حيـث قطـع رأسه خلال الصيف . وفي نهاية سنة ٣٤٤ ، خلال إقامة الملك في ساليق ، ألقي القبض علـى ١٢٠ شخصاً من الاكليروس وقتلوا في ٦ نيسان ٣٤٥ بعد ان امصوا في السجن ستة أشهر . فيها بذلت الشريفة يزداندوخت الاربيلية قـصارى جهـد نفسها في الاعتناء بهم ثم في دفن أجسادهم بعد استشهادهم . وفـي شـباط ٣٤٥ ألقي القبض على “بربعشمين ” وهو ابن أخت مار شمعون وخلف مـار “ شاهدوست ” على كرسي المداين ، وزج به في السجن مع ١٦ شخـصا مـن أقليروسه . وظلوا رهن الاعتقال مدة نحو سنة ثم اقتيدوا إلى كرخ ليدان حيث استشهدوا في ٩ كانون الثاني ٣٤٦ . وبعد استشهاد بربعشمين ، ظلت الكنيسة الشرقية بدون راع مدة أربعين سنة تقريبا ، إلى ما بعد وفاة شابور الثاني . ومنذ سنة ٣٤٣ كان الاضطهاد مستمرا تقريبا في المناطق الشمالية من المملكة الفارسية ، لا سيما في بيث كرماي ( كركوك ) وحدياب ( أربيل ) ، وذلك لوجود القوات الفارسية هناك على خطوط المجابهة مع القـوات الرومانيـة ويطول بنا البحث إذا أردنا التحدث عن جماهير الشهداء الذين قضوا ضحية هذا الاضطهاد في مختلف المقاطعات الفارسية . وبوسع القارئ أن يجد سـير بعض منهم في سلسلة “ سير الشهداء والقديسين ” التـي نـشرها الأب بـولس بيجان ، أو في كتاب “ سير شهداء المشرق ” الذي وضعه المطران أدي شـير ، مقتب سا حوادثه من الكتب الأول . وفي سنة ٣٦٠ استولى شابور على بلدة “فنك ” التـي كانـت القلعـة الحصينة لمقاطعة بيث زبدى . وعلى أثر اضطراب حدث فيهـا سـنة ٣٦٢ ، أجلى الملك الفارسي تسعة آلاف من سكانها إلى المناطق الفارسية السفلى . وكان المسيحيون أنفسهم يستغلون الاضطهاد أحياناً للانتقام من إخوانهم المسيحيين . ففي سنة ٢٧٤ مثلا وشى شماس بعمه عبديشوع مطران منطقـة كشكر مته ما إياه بمراسلة الإمبراطور الروماني وبإطلاعه على أسرار الدولة الفارسية . وأدت هذه الوشاية إلى قتل المطران وعـدد كبيـر مـن الكهنـة والعذارى . وكان استشهاد “عقبشما ” أسقف حنيثا الشيخ ورفاقه سنة ٣٧٩ خاتمـة المطاف لهذه الحقبة الرهيبة والرائعة م عا لكنيسة المشرق . أما عدد الضحايا الذين سبقوهم إلى المجد ، فلا أحد يعرفـه بالتأكيـد . ويقول المؤرخ سوزمين أن الذين عرفت أسماؤهم وحدهم يربو عددهم علـى وإذا فقدت كنيسة المشرق العديد من رؤسائها وأبنائها في الاضـطهاد الأربعيني ، فأن هذا الاضطهاد عجز عن إخماد أنفاسها والقضاء عليها . فإنها خرجت من هذه المحنة الدامية ناصعة جميلة ، راسخة في إيمانها ، ثابتة فـي مبادئها وشجاعة في المجاهرة بالقيم السامية والأخلاق العاليـة . وحقـاً لقـد أصبح الدم الغزير الذي ارتوت منه أرض فارس بذاراً خـصباً للمـسيحيين الذين ما أن خمد الاضطهاد حتى راحوا يستعيدون كيانهم وينظمون شؤونهم وينشرون هذه الديانة التي تعذر على السيوف والحراب القضاء عليها .
سير الشهداء :
يعزى تسجيل “ أعمال ” الشهداء وتنظيمها في سلخ القرن الرابع ومطلع القرن الخامس إلى شخصين بصورة رئيسية :

١- الجاثليق مار احا (٤١٠-٤١٤) :
الذي بذل جهوده في تدوين أعمال الشهداء في منطقة “فـارس ” بنـوع خاص ويقول عنه ماري : “ إنه طاف قبور المستشهدين بسبب المسيح أيـام شابور وكتب قصصهم وعمل كتابا في أخبار الشهداء وما في سبب قتل كـل منهم . . . ” .
٢- مار ماروثا أسقف ميافرقين ( -٤٢٠ ) :
الذي أرسل مرات بسفارة إلى المنطقة الفارسية حيث اهتم بجمع ذخائر الشهداء وأخبارهم . ويقول عنه ماري أي ضا : “وجمع ماروثا من عظام الشهداء الذين استشهدوا بالمشرق شيًئا كثي را ونسخ كل كتاب وحده لهم وحمل ذلـك معه ، فخلف بميافرقين في كرسيه بعضه ومضى بالباقي إلى المغرب وفرقت في البيع “ . فأية مجموعة من هذه الأعمال وصلتنا؟ هل هي المجموعة التي حصل عليها ماروثا ثم قام بتنسيقها؟ من الجدير بالملاحظة أن سمعان عواد السمعاني ينسب إلى ماروثـا مجموعة هامة من هذه الأعمال مع الخطابات الواردة في مقـدمتها كتوطئـة لها وهذا هو الرأي السائد في المشرق . أما الغربيـون فـأنهم يميلـون بالأحرى إلى نسبتها إلى مار احا الجاثليق .
فما هو إذن دور ماروثا في تدوين هذه الأعمال؟ هل نقـل أو جمـع المكتوبة عن الشهداء؟ لا يمكننا البت في كون ماروثا المؤلف للأعمال التـي فيها وردت كلمة “ اضطهادنا ” ، ونحن نعرف أن ماروثا كان يعيش في المنطقة الغربية أي الرومانية ، وليس في المنطقة الفارسية حيث جرى الاضطهاد . ثم أن النصوص الأخيرة هي من أعمال شاهد عيان ، إذ جاء فيها ما نـصه : “ أما الشهداء الأخيرون الذين كتبنا شهاداتهم وموتهم وأحكامهم ، فمـنهم مـن استشهدوا في أيامنا وقد رأيناهم . أما الذين سبقونا فقد كتبنا أخبارهم بالتأكيـد نقلاً عن الشيوخ من الأساقفة والكهنة الصادقين ومن المؤمنين الذين رأوهـم بعيونهم والذين عاصروهم “. وهذا أمر حاسم . فإن الشهداء الأخيرين الذين ينوه بهم هذا النص يرقى عهدهم إلى سنة ٣٧٩ ، أي إلى آخر عهد شـابور الثاني . أما ماروثا فلم يأت إلى المنطقة الفارسية إلا في عهد بهـرام الرابـع ( ٤٨٨ ) ، أو بالأحرى في عهد يزدجرد الأول ( ٣٩٩ ) . فإذا كـان ماروثـا كتب من جديد أخبار الشهداء وقصصهم ، فإن النص الوارد ذكره لا يمكن أن يكون من وضعه . أما إذا أقتصر عمله على جمع النصوص القديمة وتزويدها بالمقدمات ، فقد يكون ماروثا هو الذي قام بجمع هذه الأعمال وتنسيقها .

بعد الاضطهاد الكبير :
بينما كانت الاضطهادات تحصد المـسيحيين حـصدا ، تـارة بعنـف وضراوة وطوراً بتؤدة ورخاوة ، كانت شوكة الإمبراطورية الفارسية تقـوى وسلطتها تمتد ، حتى أنها تمكنت من استرجاع المقاطعات التي كان الرومـان قد اقتطعوها منها سنة ٢٩٧ في عهد ملكهم دوقليطيان ، وقد اشـتد ضـغطهم على الرومان ، حتى اضطر هؤلاء إلى تسليمهم نصيبين للفرس سـنة ٣٦٣ . وكانت لهذه النكسة الخطيرة وقع عميق في نفوس سكانها المسيحيين الـذين هاجر معظمهم إلى الرها . ومن جملتهم القديس افرام الملفـان الـذي أسـس مدرسة لهؤلاء النازحين في الرها سميت بمدرسة الفرس . إلا أن شـابور الثاني مني ببعض الإخفاق في نهاية حياته ، وتوفي سنة ٣٧٩ ، بعد أن حكـم سبعين سنة اتسمت بالعنف واصطبغت بالدماء .

ارداشير الثاني ( ٣٧٩-٣٨٣ ) :
تولى الملك بعد شابور الثاني أخوه وحذا حذوه في معاداتـه للرومـان واضطهاده للمسيحيين ، وكان قد قتل من هؤلاء خلقاً كثيراً حينما كان حاكماً على مقاطعة حدياب وبيث كرماى ومنفذاً لأوامر أخيـه الطاغيـة شـابور الثاني .

شابور الثالث ( ٣٨٣-٣٨٨ ) :
خلف ارداشير الثاني وغير خطته متبعاً طريق السلام . وكـان علـى اتصال مع تاودوسيوس الروماني ( ٣٧٩-٣٩٩ ) ، وأرسل إليه سفراء وهـدايا كثيرة ونفيسة من اللآلئ والحرائر ومن مطايا أصيلة لجر عربته الملوكية .

بهرام الرابع آرمنشاه ( ٣٨٨-٣٩٩ ) :
ازدادت في عهده هذه العلاقات الطيبة رسوخاً وتعاون مـع الرومـان لدرء خطـر الهـونيين الـزاحفين مـن المنـاطق الـشمالية علـى كلتـا الإمبراطوريتين . وقد استفاد المسيحيون من هذه العلاقات ، رغم ما يقوله ابن العبري أنه بعد موت تموزا ( تومرصا ) لم يشأ أحد أن يخلفه على كرسـي المداين ، “ ذلك لأن بهرام ابن شابور كان عدواً للمسيحيين ” . وأظـن أن ابـن العبري لم يميز بهرام الرابع المسالم عـن بهـرام الخـامس الـذي جـدد الاضطهادات . إذ أن كل شيء يحدونا الخ . . . القول أن بهـرام الرابـع لـم يستأنف الاضطهاد بصورة رسمية شاملة ضد المسيحيين ولو أن هناك من ينسب إليه قتل خادمه “ بختيشوع ” لأجل إيمانه بالمسيح إلا أن صليبا يضع هذا الحادث في عهد الجاثليق تومرصا . وهذا ما يتيح لنا القول أنه استشهد فـي عهد شابور الثاني . أما ماري فيسميه “ ابن بختيشوع ” ، ويظهر في المجـدل أنه خادم الجاثليق ومساعده في إقامة الكنائس ، وليس خادماً للملك .

إعادة تنظيم الكنيسة :
شرعت الكنيسة الشرقية في استعادة قوتها ، بعد أن خفت عنها وطـأة الاضطهاد . ولكننا الآن إزاء مشكلة مستعصية . فمن هم الرؤساء الذين تعاقبوا على كرسي المداين بعد الجاثليق “بربعشمين ” الذي استشهد سنة ٣٤٦؟ نعلم أن هناك فترة كان خلالها كرسي المـداين شـاغرا ، وأن هنـاك شخصين سبقا اسحق الأول في الرئاسة على هذا الكرسي . وهما – تومرصا ( ويسمى تموزا أيضاً ) ، وقيوما اللذان يذكرهما مـاري وصـليبا وابـن العبري . أما تاريخ رئاستيهما فيشكل عقبة كأداء تزداد تعقيداً لدى قـراءة “مجدل ” صليبا خصو صا . ويقول ايليا النصيبيني أن المسيحيين اسـتطاعوا أن يقيموا لهم رئيساً أعلى منذ عهد شابور الثالـث ( ٣٨٣-٣٨٨ ) . لنفـرض جدالا أن تومرصا هو الرئيس الأول الذي أقامه المسيحيون بعد الاضـطهاد ، وأن مدته كانت “ سبع سنين وشهور “، أو “ ثمـاني سـنين وشـهور “، أو “ ثماني سنين “، أي من نحو سنة ٣٨٤ إلى سنة ٣٩٣/٣٩٢ ، وإن الكرسـي خلا بعده سنة ونصف سنة أو سنتين ، كما يقول صليبا ، فيكون ، والحالة هذه ، اختيار “ قيوما ” لهذا المنصب في نحو سنة ٣٩٥ . وبعد أن قـام هـذا بمهمـة الرئاسة مدة أربع أو خمس سنين ، تنازل عنها لاسحق الـذي ارتقـى سـدة الجثلقة في مطلع عهد يزدجرد الأول ( ٣٩٩ ) . أما تاريخ بدء رئاسة اسحق فثابت ، لأن المؤرخين يجمعون علـى أن رئاسته دامت ١١ سنة وأنه توفي في نهاية سنة ٤١٠ أو فـي مطلـع سـنة ٤١١ . وأما تاريخ سلفيه فليس إلا حصيلة الاستنتاج ، قد يكون مطاب ًقا للحقيقة أو مخالفاً لها لأن الغموض يسود هذه الفترة أيضاً . وقد رأينـا أن اسـميهما يذكران حتى قبل الجاثليق فافا . وهذا ما حدا بالبعض إلى الشك في وجـود هذين الشخصين والارتياب في الدور الذي ينسب إليهما في كنيسة المـشرق . وهناك نص ورد في مجمد داديشوع ( سنة ٤٢٤ ) يقول عن الجاثليق اسـحق الأول : “بواسطته جددت رئاسة الكهنوت على الشعب المسيحي ، وكانت قـد بطلت منذ اثنتين وعشرين سنة . وبالدالة التي أعطاه االله عند الملك رفع شأن الكنيسة بتجديد الرئاسة “. وقد يشير هذا النص إلى أن رئاسة أسلافه – أيـا كانوا – لم تكن شاملة ، بل كانت تقتصر على أبرشية ساليق وحدها . مهما يكن من أمر ، فإن تاريخ الفترة الممتدة ما بين موت “بربعـشمين “ ومجيء اسحق يسوده الغموض . ونحن لا نريد أن نجازف في تحديـد هـذه التواريخ التي تتطلب دراسة خاصة عميقة قد تسفر عن نتائج إيجابية .
ورغم هذه الفترة العصيبة التي مرت بها الكنيسة الشرقية ، فقد أنجبـت هذه الكنيسة أشخاصاً كان لهم القدح المعلى فـي مـضمار العلـوم والآداب الآرامية . فأن الجاثليق مار شمعون برصباعي زودها بتراتيل شـجية تأخـذ بمجامع القلوب . ويعقوب افراهاط الحكيم الفارسـي (- بعـد ٣٤٦ ) وضـع الأسس الأولى للاهوت الشرقي في بيناته الـشهيرة ، وماروثـا الميـافرقيني ( -٤٢٠ ) نظم سير الشهداء ووضع لهم أناشيد عذبة تشيد بمـآثرهم وتخلـد ذكراهم وتغذي تقوى المؤمنين مدى الأجيال . وكفى القرن الرابع فخراً أنـه احتضن القديس افرام الملفان الذي أقرت له النصرانية بالإمامة وهو على قيد الحياة وتناشدت شعره وأقبلت على تسبيح العزة الإلهية بأناشيده العذبة .

الفصل الخامس الكنيسة الشرقية في القرن الخامس
خيم السلام في ربوع الكنيسة الشرقية منذ أن تبوأ الملك يزدجرد الأول عرش الإمبراطورية الفارسية سنة ٣٩٩ . وكان لماروثا ، أسقف ميـافرقين ، ولاسحق جاثليق المشرق ، دور هام في استتباب النظام والسلام داخل الكنيسة وفي علاقاتها بالسلطة الحاكمة .
ماروثا الميافرقيني :
أجل لقد كان ماروثا الرجل الذي اختارته العناية الإلهية ليكون حلقـة وصل بين الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية . فإنـه كـان مـن المنطقـة الرومانية ومن عائلة عريقة حكمت منطقة سافيت المجاورة لآمد ( ديار بكر ) ، وكان يمت بصلة إلى الشرق بثقافته ولغته ، ويتفهم مشاكل الكنيسة الـشرقية . وكانت مهنة الطب التي مارسها خير واسطة لنيـل الحظـوة لـدى الـبلاط الفارسي . فقد جاء إلى المشرق مرتين على الأقل ، وذلك سنة ٣٩٩ وسـنة ٤٠٨ . فكان مجيئه الأول إلى الشرق في بدء حكم يزدجرد الأول حاملاً إليـه تهانئ الملك الروماني . وإذ ذاك تم انتخاب اسحق ، في مجمع خاص ، جاثليقـًا لساليق سنة ٣٩٩ . إلا أن هذا الانتخاب صار موضوع الجـدال والاحتجـاج لدى بعض الأساقفة ، لا سيما أولئك الذين كـانوا مـن منطقـة هوزسـتان ( الأهواز ) . وفي سنة ٤٠٨ ، عاد ماروثا ثانية إلى البلاد الفارسية ، وذلك إمـا لإطلاع الملك الفارسي ، على مجيء تادوسيوس الثاني إلى الحكم في المنطقة الرومانية ، وأما لتهدئة الأساقفة الثائرين علـى الجـاثليق والطـامعين فـي الرئاسة . وهكذا فقد حصل من ملك الملوك على تثبيت اسحق فـي الرئاسـة وعلى الدعوة إلى عقد مجمع للكنيسة الشرقية في مطلع عام ٤١٠ وبحضور ماروثا نفسه كممثل لأساقفة الغرب ، وكشخص له مكانة خاصة ودور فعـال في تسيير أمور الكنيسة الشرقية وتوجيهها حسب مقررات المجامع المسكونية السابقة لا سيما مجمع نيقية . ودامت إقامته في الشرق هذه المـرة ثـلاث سنوات ، أي من سنة ٤٠٨ إلى ما بعد سنة ٤١٠ . واستغل هذه الفرصة أيضا لاستقصاء أخبار شهداء أرض المشرق ولجمع الكثير من ذخائرهم والعديـد من الأناشيد التي قيلت في إطراء أمجادهم ووصف جهادهم . وقد نقل ماروثا هذه الذخائر إلى مدينة ميافرقين التي سميت من ثمة “ مدينة الشهداء ” ( مذينث ساهدي ) . واستأثرت به رحمة الله قبل سنة ٤٢٠ ، أبان انعقاد مجمع يهبالاها . إذ أن اقاق الآمدي هو الذي مثل “ا لآباء الغربيين ” في هذا المجمع .

الجاثليق اسحق ( -٤١٠ ) :
إن هذا الجاثليق هو خير ممثل للكنيسة الـشرقية فـي مطلـع القـرن الخامس وكان أصله من بلاد كشكر ويمت بصلة القربى إلـى تومرصـا ، وأصبح جاثليقاً لكرسي المشرق في السنة الأولى لحكم يزدجرد الأول ، حينما تخلى سلفه “ قيوما ” عن كرسي الجثلقة لصالحه . ودامت رئاسة اسحق إحـدى عشرة سنة ، وتوفي بعيد سنة ٤١٠ . ولم تكن حياة اسـحق كلهـا موسـومة بالراحة والهناء . فقد ناوأه أساقفته وتجرأوا على الوشـاية بـه لـدى الملـك الفارسي . إلا أن ماروثا استدرك الأمر قبل استفحاله واستطاع أن يبرئ ساحة اسحق في المجمع الذي عقده سنة ٤١٠ .

يزدجرد الأول )٣٩٩-٤٢٠( :
إن الشخص الثالث الذي ساهم في إعادة النظام والسلام إلـى كنيـسة المشرق كان ملك الملوك يزدجرد الأول الذي تبنى منذ بداية حكمه سياسـة تختلف كل الاختلاف عن سياسة أسلافه الساسانيين . فإنه عقـد صـلحاً مـع الرومان وأحسن إلى المسيحيين ، ولم يعتبرهم كغرباء في مملكته . ولا تجـد المصادر المسيحية عبارات وافية للثناء على ألطاف هذا الملك ، ولو أن صليبا يدعوه “يزدجرد الأثيم ” . وقد يشير صليبا بذلك إلى نهاية عهده الذي اتـسم بشيء من العنف تجاه المسيحيين . وقد جلب هذا اللطف سخط المجوس عليه ، حتى أن تقاليدهم تمثله بأبشع الصور ، لا سيما بعد أن اسـتطاع ماروثـا أن يكسب ثقته ويبرئه من صداع لازمه مدة طويلة وينجي ابنـه مـن بـراثن الشيطان ، حتى أن المؤرخ سقراطس يظهر لنا هذا الملك على وشك اعتنـاق الدين المسيحي . إلا أن المنية حالت دون ذلك . ولكن في هذا القول مبالغـة ظاهرة . فإن يزدجرد ، مع ميله إلى الحلول السلمية ، كان يتسم أيضاً بقـساوة الملوك الساسانيين التقليدية . وقد ظهرت هذه القساوة في نهاية عهـده ، كمـا سنرى ، حينما انقلب عدواً لدوداً للمسيحيين ، لا يتردد في اضطهادهم ، بغيـة الحد من نفوذهم المتزايد ، ولإخماد سورة غضب المجوس المتصاعد عليه .

مجمع ساليق ( مار اسحق ) -٤١٠ :
تفتتح أعمال هذا المجمع بإطراء أمجاد الملك يزدجرد الأول الذي حقق في الشرق ما قام به قسطنطين الكبير في الغرب قبل مئة سنة بإعلانه مرسوم ميلانو الشهير سنة ٣١٣ . فإن يزدجرد أيضا أصدر أمراً في بلاده كلها بـأن تبنى من جديد كل الكنائس المهدومة . وأن يطلق سراح كل الذين كانوا رهن السجون لأجل دينهم المسيحي ، وأن تمنح الحرية لجميع رجال الدين . ويعـود الفضل في هذا القرار إلى ماروثا الذي أقبل إلى المنطقة الفارسـية حـاملاً رسائل من “ الآباء الغربيين ” : كانت الأولى تخول ماروثا صفة رسـمية لـدى يزدجرد ولدى الأساقفة الشرقيين ، وكانت الثانية موجهة إلى الملك يزدجـرد نفسه . أما الثلاثة فكانت تتضمن توجيهات إلى الجاثليق مار اسحق . وكانـت هذه الرسائل تحمل تواقيع أشهر أساقفة سورية وما بـين النهـرين ، مـنهم فرفيريوس أسقف ( بطريرك ) إنطاكية ، واقاق أسقف حلـب ، وفقيـدا أسـقف الرها ، واوسابيوس أسقف تلا ، واقاق أسقف آمد . وبالاتفاق مع مار اسحق ، نقل ماروثا من اليونانية إلى الفارسية الرسالة الموجهة إلى الملـك وقرأهـا أمامه ، ثم طلب إليه هو ومار اسحق بأن يأمر بعقد مجمـع شـامل لأسـاقفة الكنيسة الشرقية . فلبى الملك رغبتهم ، وأصدر أوامـره باسـتدعاء مطارنـة نصيبين وحدياب وبيث كرماي وبيث هوزايي وميشان وكشكر ، مع الأساقفة التابعين لهذه المقاطعات الكبرى . ويقول كتاب المجامع أن عدد الأساقفة الذين استدعوا إلى هذا المجمع بلغ أربعين أسقفاً . ولكننا لا يسعنا تأكيد ذلـك ، لأن عدد الموقعين على قرارات المجمع لا يتجاوز ٣٨ توقيعا وأن بعضا مـنهم اثبتوا تواقيعهم في عهد متأخر عن المجمع ، وأن أسماء غيرهم قد امحت من لائحة الموقعين . ولدى مطالعتنا مجمع مار اسحق ، لا يتسنى لنا أن نميز بوضوح عـدد الجلسات التي عقدت خلاله . إنما يمكننا تتبع ماجريات الأمـور ونقـول أن الأساقفة أقبلوا إلى العاصمة الساسانية في مطلع كانون الثـاني سـنة ٤١٠ ، واجتمعوا للمرة الأولى في الكنيسة الكبرى في عيد الـدنح (عمـاد الـرب ) ٦ كانون الثاني ، وتليت على مسامعهم الرسالة التي وجهها “الآباء الغربيون ” إلى الملك يزدجرد . ويظهر أن الرسالة كانت تحتوي شجباً لأعـداء اسـحق المناوئين لرئاسته الشرعية . ولهذا فإننا نرى أن اسحق يظهر فـي المجمـع بصفته الرئيس الأعلى الذي يعترف به أساقفة الفرس ، وذلـك منـذ الجلـسة الأولى الرسمية التي عقدت في مستهل شهر شباط . فيمكننا أن نعتبر جلـسة ٦ كانون الثاني الجلسة التحضيرية التي تهدف إلى تصفية الأجواء وإقـصاء المعارضين أو الحد من نفوذهم . وقد نالت مقررات هذه الجلسة تأييد الأساقفة ورضى ملك الملوك نفسه . افتتح المجمع ، إذن ، أولى جلساته الرسمية يوم الثلاثاء ١ شـباط سـنة ٤١٠ بصلوات رفعها الآباء لأجل حياة ملك الملوك . ثم قرئت الرسالة التـي وجهها “ الآباء الغربيون ” والتي ترتكز على أعمال المجمع النيقاوي . فرضـي بها كل الآباء المجتمعين وذيلوها بتواقيعهم . ثم عكف الحاضرون على تنظيم شؤون تتعلق بالإدارة الكنسية . فقرروا ألا يكون أكثر من أسقف واحد لكـل مدينة ، وأن يقام الأساقفة الجدد من قبل أساقفة آخرين وبتأييـد مطرافـوليط المقاطعة ، وذلك بالرغم من بعد المقاطعات ، وأن توحـد الأعيـاد والـصوم الكبير ، وألا تقام الذبيحة الإلهية إلا على مذبح واحد في كل مكان ، الخ . . . ويبدو أن المجمع لم يدم مدة طويلة . إلا أنه أسفر عن نتـائج إيجابيـة هامة للكنيسة الشرقية . ولدى ارفضاض المجمع ، وتوجه ماروثا واسحق إلى البلاط وطلبا مواجهة الملك وقدما له تقريراً عما جرى في المجمـع ، فأبـدى الملك رضاه وشاء تأييد المقررات وإظهار حسن نيتـه تجـاه المـسيحيين ، ففوض شخصين من المقربين إليه ، هما خسرو – يزدجرد ، الوزير الأكبـر ، وميهر شابور وهو من الأسرة المالكة . فاستدعيا الأساقفة إلى البلاط ووجهـا إليهم الخطاب نيابة عن الملك ، وأكدا الحرية للمسيحيين في ممارسـة ديـنهم وتشييد كنائسهم ، واثبتا اسحق في الرئاسة على المسيحيين في كل المـشرق ، وأبديا استعداد السلطة الحاكمة في وضع قوة في خدمـة الـسلطة الكنـسية للقضاء على كل مقاومة تحاول النيل من سلطة اسحق أو من احترام ماروثا .
وهكذا انتهى المجمع في غمرة فرح شمل المسيحيين الشرقيين عامـة . ثم عاد كل من الأساقفة إلى كرسيه لإطلاع المؤمنين على مقررات المجمـع والعمل على تنفيذها . وأصبحت المسيحية ، التي كانت في الأمـس القريـب موضع الاضطهاد ، ديانة يعترف ملك الملوك بوجودها وشرعيتها في نطـاق إمبراطوريته ، وصار لهذه الديانة كنيسة منظمة تشمل عدة مقاطعات كبـرى خاضعة لكرسي ساليق ، وأصبح إيمان نيقية العنصر الذي يوحد المعتقد فـي الشرق والغرب . أما الذين لم يخضعوا لمقررات هذا المجمع فقد عزلوا وحرموا ، ومـن بينهم باطي أسقف مشمهغ ودانيال . وأما في مقاطعة شوش فقد حافظ بعض الأساقفة على موقفهم المتحرر تجاه سلطة ساليق ، منهم اغـابيطس ومـاري وبرشبثا وشيلا ويزديداد ، فتركوا فـي مناصـبهم ، ولكـن حـذرت علـيهم الرسامات ، واحتفظ الجاثليق بحق تعيين خلف لهم بعد موتهم. . . .يعتبر مجمع مار اسحق أول مجمع هام في الكنيسة الشرقية ، لأنـه
انطلاقاً من قوانين المجمع النيقاوي ( ٣٢٥ ) ومن صورة الإيمان التي أقر بها الآباء الثلثمائة والثمانية عشر ، سن واحدا وعشرين قانوناً ، تطرق فيها إلـى الحياة المسيحية ونظم علاقات المؤمنين برؤسائهم على اخـتلاف مـراتبهم وارتباط هؤلاء الرؤساء برئيسهم الأعلى جاثليق المشرق الجالس على كرسي ساليق . وقد حفظت هذه القوانين في مخطوطات عديدة تتفاوت فـي القـدم ، ونشرها الأب يوحنا شابو مع ترجمتها الفرنسية في بـاريس سـنة ١٩٠٢ . ويتطرق القانون الأول إلى كيفية انتخاب الأسـاقفة والـصفات الـضرورية للمنت َخبين )بفتح الخاء( . أما القانون الأخير ، فيتناول الرتبة الكهنوتية وسـمو يحدد المقاطعات الكبرى في الكنيسة الشرقية وهي : ساليق ، وهي كرسي الجاثليق الذي تمتد سلطته المباشرة إلى أسقف كشكر الذي يعتبره ساعده الأيمـن فـي إدارة شـؤون الكنيـسة الشرقية . بيث لافاط ، وهي أولى المطرافوليطيات . نصيبين ، وتمتد هذه الأبرشية إلى منطقة بيث عربايي كلها . فرات ميشان ، وهي منطقة البصرة الحالية . حدياب ، وهي منطقة أربيل الحالية . كرخ سلوخ ، وهي كركوك الحالية .

الجاثليق أحاي ( ٤١٠-٤١٥ ) :
توفي مار اسحق الجاثليق سنة ٤١٠ ، وذلك بعيد ارفـضاض المجمـع الذي عقده ، وخلفه “أ حاي ” في الرئاسة ، وكان من دير قني وهو تلميـذ مـار عبدا القديس . وبينما يصف لنا ماري زهده ، يروي لنا صليبا نفوذه علـى بلاط يزدجرد ، لأنه أفلح في إقناع “ بيهور ” ابن أخي يزدجرد المتولي على منطقة فارس ، بالعدول عن مناوأة عمه ملك الملوك . و ِكلا المؤرخين ينسبان إلى الجاثليق أحاي زيارة أضرحة الشهداء والبحث عن ذخائرهم واستقـصاء أخبارهم . ويقول التاريخ السعردي أن أحاي “ عمل كتاباً فيه أخبار من استشهد من الشهداء بالمشرق “. إلا أن المجدليين يختلفان في تاريخ موتـه . فبينمـا يقول ماري أن مدته كانت “ سبع سنين وأشهر ” ، يقول صليبا أنها كانت “ أربع سنين واستناح ودفن في المداين ” . ولكنه في الواقع انتخب جاثليقاً في نهايـة سنة ٤١٠ وتوفي في مطلع عام ٤١٥ . وهذا مـا يؤيـده ايليـا النـصيبيني أي ضا .

مجمع يهبالاها ( سنة -٤٢٠ ) :
أقيم مار يهبالاها جاثليقاً خلفاً لأحاي . ويقول عنه ماري أنه كان هو أي ضا تلميذاً لمار عبدا ، وقد أرسله هذا للتبشير عند الوثنيين ، فهدى منهم خلقاً كثي را ، ثم بنى ديراً على الفرات وضمن فيه الصلاة المتواصـلة ودامـت رئاسته على الكنيسة خمس سنين وتوفي قبيل موت يزدجـرد الملـك سـنة ٤٢٠ . ويظهر أن انتخابه جرى وفق رغبة الملك الذي أيده وأرسـله فـي السنة التاسعة عشرة لملكه سفيراً إلى الإمبراطـورالرومـاني تاودوسـيس الثاني ، وذلك “ لأجـل الـسلام والـصلح بـين الإمبراطـوريتين “. وفـي القسطنطينية ، أظهر يهبالاها استقامة إيمانه . فسر الملك بذلك وأعطاه هدايا كثيرة ونفيسة ، فعاد إلى الشرق حيث عكف علـى تجديـد كنيـسة سـاليق وتوسيعها . وهناك أعمال فيروز الشهيد تروي لنـا أن ماروثـا رافـق يهبالاها لدى عودته إلى البلاد الفارسية ، وأن يهبالاها عند رجوعه شفى ابنة الملك الفارسي بأعجوبة باهرة . وفي سنة ٤٢٠/٤١٩ ، أوفد الإمبراطور الروماني تاودوسيوس أسـقف آمد سفيراً إلى ملك الملوك ، فانتهز يهبالاها فرصة حضور اقاق في الـديار الفارسية لكي يعقد مجمعاً جاءت أعماله في سلسة “ا لمجامع الشرقية ” . ويلمح مجمع داديشوع إلى وجود خلافات حول الرئاسة في الشرق ، مما دعـا إلـى عقد هذا المجمع . ولكن أعمال مجمع يهبالاها لا تنوه بأي خـلاف ، إنمـا تعرض الأمور وكأنها سائرة سيرها الاعتيادي ، ويظهر فيه يهبالاها مع ألقابه العديدة . فهو “ جاثليق بيث لافاط ونصيبين وفارس وأرمينية وفـرات ميـشان وحدياب وبيث كرماي . . . “.
وبينما كان الجاثليق مع آقاق عند الملك في “ فيه ارداشير ” ، توجه إليهما الأساقفة للسلام عليهما ، ثم وجهوا إليهما رسالة يطلبون منهما فيها أن يصادقا على مقررات المجامع الرومانية . وكانت هذه الرسالة مزدانة بتواقيـع أحـد عشر مطراناً وأسقفاً ، من بينهم مطرافوليط بيث لافاط ونصيبين وكرخ ليدان . ويبدو من خلال هذه الوثيقة أن مفعول مجمع مار اسحق( ٤١٠ ) لـم يكـن طويل الأمد ، وأن التنافس على الكراسي الأسقفية ظهر من جديد . وينتقد مار يهبالاها عمل مار اسحق عن طرف خفي ، ولكنه يعزو إخفاقـه هـذا إلـى الظروف الصعبة التي مر بها . فيهبالاها لا يلغي مقـررات مجمـع سـاليق الأول ، بل يؤيدها ويدعو الأساقفة إلى احترامها والتقيد بها ودعمها بما صدر من المقررات في المجامع الغربية . ولكن ما هي النتائج التي أسفر عنها مجمع يهبالاها؟ إن هذا المجمـع ، والحق يقال ، لم يضف مكسباً جديداً هاماً إلى مكاسب الكنيسة الـشرقية ولـم يسن أي قانون . . . وتوفي يهبالاها بعد هذا المجمع بفترة وجيزة ، وذلك سـنة ٤٢٠ ، على أثر نوبة قلبية انتابته من جراء خلاف حدث بينه وبـين “معنـا “ مطران فارس .

اضطهاد يزدجرد الأول :
توفي الجاثليق مار يهبالاها قبل أن يرى الاضطهاد ينهال على الكنيسة من جديد . فإن المجوس لم يروا بعين الرضى ازدهار المسيحية وتقـدمها وتكاثر عدد الأسقفيات في البلاد الفارسية وتهافـت النـاس علـى الـدين المسيحي ، وكان منهم من ينتمي إلى أعرق الأسر الإيرانية . وحاول الملك بشتى الوسائل صد هذا المد الذي أفزعه ، ورد المهتدين إلى دينهم الأصـلي ، أي الزرادوشتية . ولكنه لم ينكث العهد الذي قطعه سنة ٤١٠ ، إلى أن اضطره إلى ذلك تعسف بعض المسيحيين وغيرتهم الخرقاء . ففي مدينة هرمزارداشير في مقاطعة هوزستان ، قام كاهن اسمه “ هشو “( هوشع ) بتدمير معبـد للنـار ملاصق للكنيسة . وكانت هذه بداية المخاض للمسيحيين . فقد أمر الملك علـى الفور بإحضار المطران المدينة “عبدا ” مع الكاهن “هشو ” وزميله اسحق مـع الكاتب افرام والشماس الرسائلي فافا والعلمانيين دادوق ودورتان وفافا أخـي المطران. وحينما سألهم الملك عن سبب إقدامهم على تدمير معبـد النـار ، انبرى “هشو ” يدافع عن شرعية عمله بكل جرأة . وتواصل المصادر اليونانية سرد هذه الحوادث وتقول أن الملك دعا الأسقف عبدا إلى إعادة بناء المعبـد . وحينما رفض لاقى الموت وقضى شهيداً . وإلى هذا العهد أي ضا يرقى استشهاد مار نرسي الراهب الذي كـان من بيث رلزيقايي – وهي راي الواقعة في مـاداي العليـا – والـذي لقـي مصرعه في المداين في الموضع المدعو “سليق حروبتا ” . ويظن لابور أن قصة نرسي هي من أروع القطع في الأدب السرياني . . . ثـم وجـه الملـك ضربات أخرى إلى فئات من المسيحيين . وهكذا فأن قصة فيروز من بيـث لافاط الذي قتل في عهد بهرام الخامس تظهر هذا الملك بمظهـر مـضطهد أفسد في نهاية حياته ما أنجزه من الأعمال الحميدة طيلة حياته . واستـشهد “طاطاق ” خادم الملك الذي كان أصله من حدياب ، ومصرع عشرة شهداء من بيث كرماي في ساليق وقطيسفون يشيران أي ضا إلى العنف الذي اتسمت بـه خاتمة حياة يزدجرد الأول . إلا أن الموت قبض روحه في صـيف عـام ٤٢٠ ، بينما كان في بلاد خراسان .

اضطهاد بهرام الخامس ) ٤٢١-٤٣٨ ) :
بعد موت يزدجرد الأول ، ظهر منافسون عديدون على العرش . ولكـن ابنه بهرام الخامس الملقب بـ “كور ” – أي الحمار الوحـشي – هـو الـذي اعتلى العرش ، وذلك بمؤازرة المنذر ابن النعمان الأعور ملك الحيرة . وأراد العاهل الجديد أن يكتسب عطف رؤساء الديانة المزدية ليكونوا سندا له فـي حكمه . فأخذ يستميلهم إليه ويتبع نصائح رئيس لهم يدعى “ميهـر شـابور ” ، ووضع قواته الملكية تحت أمرتهم . فانتهز المجوس هذه الفرصـة المؤاتيـة وشرعوا ينتقمون من المسيحيين ويضطهدونهم ويسومونهم شر العـذابات . ويذكر تيودوريطس بين الشهداء الذي قتلوا في هذا العهد : هرمزد وسـورين وبنيامين . وإلى هذا العهد أي ضا يرقى استشهاد “ميهرشابور ” ويعقوب المقطع ويعقوب الكاتب وفيروز البيلافاطي . ولم يكن موقف المسيحيين إزاء هذه التنكيلات متس ما دو ما بالـشجاعة والإقدام . فمنهم من تراجعوا وجحدوا إيمانهم ، ومنهم من فروا واختبـأوا . وقد استفاد سكان المقاطعات المتاخمة للإمبراطورية الرومانية فالتجأوا إلـى الغرب خو ًفا من الاضطهاد . ولكن المجوس اقتفوا آثارهم وحرضوا القبائـل الرحل من تبعة ملوك الفرس على ملاحقتهم ، فقتلواعدداً غفيراً من الهاربين . وطلب الفرس إلى الرومان أن يسلموهم الهاربين من رعايا مملكـتهم . إلا أن الإمبراطور الروماني رفض ذلك الطلب وسـاءه تـصرف الفـرس تجـاه المسيحيين وأعلن عليهم الحرب سنة ٤٢١ . ويظهر أن كفة الرومان رجحت في هذه الحرب . ولكن تاودوسيوس عرض عقد الصلح مع بهرام الخـامس . فأبرمت معاهدة صلح بين المملكتين دامت مئة سنة ، تعهد الفـرس بموجبهـا باحترام حرية العقيدة للمسيحيين في مملكتهم مقابل احترام الرومـان لحريـة المعتقد للمزديين القاطنين في بلدانهم . وهكذا فقد بطل الاضطهاد رسميا فـي المملكة الفارسية ، ولو أن المسيحيين لم ينعموا بحرية كاملة وأن عددا آخـر منهم استشهدوا حتى بعد سنة ٤٢٢ .

مجمع داديشوع ( ٤٢٤ ) :
حينما توفي الجاثليق يهبالاها في الأشهر الأولى من سنة ٤٢٠ ، ظهـر ثلاثة أشخاص يتنافسون على الكرسي الجاثاليقي في المشرق ، وهـم : معنـا وفرابخت وداديشوع .
أما “معنا ” فكان مطران فارس ، وقد اختير جاثلي ًقا تحت تـأثير القائـد الفارسي “ميهرنرسي ” . ولكن الملك يزدجرد غضب عليه على أثـر حـادث الكاهن “هشو ” ، الذي ورد ذكره سابقاً . لأن “معنا ” أبى أن يشجب عمل “هشو ” ، ولذا فقد نفي إلى بلاد فارس وجرد من لقب الجاثليق . وكان ذلك قبل شـهر آب سنة ٤٢٠ ، أي قبل موت الملك يزدجرد . وإذ ذاك خلا الجو “لفرابخت ” الذي تبوأ كرسي الجثلقة بمساعدة أحـد القواد . ولكن الأساقفة لم يرضوا به رئي سا ، وأفلحوا في تنحيته وعزله عن هذا المنصب . ولم يكتفوا بذلك ، بل أسقطوا اسمه وأسم سلفه “معنا ” مـن لائحـة الجثالقة الشرعيين .
أما الشخص الثالث فكان “ داديشوع ” ( ٤٢١-٤٥٦ ) . فبعد أن عزل فرابخت ، تقدم صموئيل أسقف طوس من خراسان مـن الملك بهرام واستأذنه بانتخاب جاثليق ، فسمح لهم بـذلك . وكـان لـصموئيل حظوة كبيرة لدى الملك الفارسي ، “ لأنه كان قد حفظ بحسن تـدبيره حـدود البلاد في طوس وخرسان من تطرق الأعداء ودخـولهم أرض فـارس ” . وأسفر اجتماع المطارنة ، الذي قد تشير إليه قصة الشهيد يعقوب الكاتـب ، عن انتخاب داديشوع جاثليقاً . إلا أن هذا الانتخاب لم ينل رضى فئة من المطارنة الذين شكلوا حزباً معارضاً . وكانوا أحد عشر بزعامة “ بطي ” أسقف هرمزارد أشير ، وشرعوا ينكرون رئاسة كرسي ساليق ، ولم يرضخوا لقرار العزل الـذي أصـدره أو جدده الجاثليق داديشوع ضدهم منذ تقلده الرئاسة . إلا أنهم في هذه المرة لـم يلجأوا إلى حكم “ الآباء الغربيين ” ، كما كانت العادة سابقاً ، بل رفعوا شـكواهم إلى “ غرباء متنفذين ” ، أي إلى الوثنيين المقربين إلى الملك ، بل إلـى الملـك نفسه . ولم يقفوا عند هذا الحد ، بل أصدروا بدورهم حكمـًا يقـضي بعـزل داديشوع وإسقاطه من منصبه ، زاعمين أن انتخابه غير شرعي ، ومتهمين إياه بالسيمونية والطمع والفساد والتواطؤ مـع الـسلطات الفارسـية لاضـطهاد المسيحيين ، وإلى غير ذلك من آلهتهم التي هو منها براء . وقد أفلحـوا فـي مسعاهم هذا ، فألقى داديشوع في السجن بأمر الملك وظـل الجـاثليق رهـن الاعتقال نحو سنة . ولما عقد الـصلح بـين الملـك بهـرام وتاودوسـيوس الروماني ، توسط رسل الملك الروماني لدى الملك الفارسـي ، فـأفرج عـن الجاثليق . غير أن المعارضين لم يكفوا عن إزعاجه . لذا فقد قر رأيـه علـى اعتزال منصبه والانزواء في مدينة العرب التي يـسميها كتـاب المجـامع “مركبثا دطيايي ” . ويرى المطران أدي شير أنها الحيرة التي كانت تنعم بنوع من الحكم الذاتي . أما ماري وصليبا فيقولان أنه انزوى في ديـر القبـوث الواقع في منطقة بيث زبدى . ولكن معظم المطارنة والأساقفة الشرقيين رفضوا اسـتقالة الجـاثليق ، واجتمعوا إليه في السنة الرابعة لحكم بهرام الخامس )سـنة ٤٢٤( وحـاولوا إقناعه بالعدول عن رأيه والعودة إلى ممارسة السلطة على الكنيسة الشرقية . وكان عدد هؤلاء الأحبار ٣٦ أسق ًفا برئاسة مطرافوليطي بيث لافاط ونصيبين وميشان وأربيل وكرخ سلوخ وروارداشير ، وقد جاء بعضهم من أماكن نائية ، من مرو مثلاً ومن اصفهان و عمان ( بضم العين ) . . . وقام آغبطا )حبيب( مطرافوليط بيث لافاط ، في مـستهل الاجتمـاع ، واستعرض قضية رئاسة كرسي ساليق . وبعد أن استأذن الجاثليق ، تلا علـى مسامع المجتمعين مقررات الآباء الغربيين والمجامع الـسابقة وأشـار إلـى مشكلة الجاثليق فافا والذين عارضوا رئاسته ، ثم استخلص إلى القول أنـه لا يجوز عقد مجمع ضد الجاثليق . إنما باستطاعة الأسـاقفة أن يقـدموا إليـه اعتراضاتهم أو مطالبهم أو أن يوجهوا إليه اللـوم ، علـى أن يفعلـوا ذلـك باحترام . واستطرد “ آغبطا ” قائلاً : إن مار اسحق “ مجدد البطريركية ” تعرض هو أيضاً لهجمات المناوئين الذين توصلوا إلى زجه في السجن . ولكـن تـدخل “ الآباء الغربيين ” بوساطة ماروثا أفلح في إنقاذه من السجن ، بل دفـع الملـك يزدجرد الأول إلى شجب جميع معارضي الجاثليق اسحق في المجمع الـذي عقد في ساليق سنة ٤١٠ . وجرت أحداث مماثلة في عهد الجاثليق يهبالاهـا ، فتدخل آقاق لحسم النزاع باسم مطارنة ما بين النهرين . وهكذا ، كلما وقعـت أزمة في كنيسة المشرق ، كان الغربيون يتدخلون بوسـاطة سـفرائهم لحـل المعضلات ودعم الرئاسة والحيلولة دون اضطهاد المجوس للشعب المسيحي في المنطقة الفارسية . ولكن الآن ، وقد ثقلت علينا وطأة الاضطهاد ولا مجال للغربيين إلى مساعدتنا ، ينبغي للفرس أنفسهم أن يحلوا مشكلتهم وأن يرجعوا داديشوع الذي هو لنا بطرس زعيم الجماعة الكنسية أن يسحب استقالته . وانبرى “هوشع ” مطران نصيبين يدعم موقف “ آغبطا ” ويؤيـد أقوالـه موج ها كلامه إلى الأحبار المجتمعين قائلاً : “مالي أراكم سـاكتين وراضـين بالاشتراك مع هؤلاء المرذولين والمسقطين؟ ” وكان في كلامه قـوة كبيـرة أفلحت في إنهاض الهمم وتوحيد الكلمة وتوطيد العزم . وإذا بالمطارنة جميعاً يخرون راكعين عند قدمي الجاثليق ويعدونه بحرم المعارضين وعزلهم ، ثـم يقررون أن “ الشرقيين لا يمكنهم رفع دعواهم على بطريركهم أمام البطاركة الغربيين ، وإن كل دعوى لا تقدم أمام هذا البطريرك تكون عائدة إلى محكمة المسيح “. وإذ ذاك دعاهم الجاثليق داديشوع إلى النهوض وقبل مقترحاتهم وأيـد الإجراءات التي اتخذوها بحق العصاة المعارضين ، وعفا عن الذين غرر بهم لبساطتهم وهكذا انتهى هذا المجمع الذي ، مع كونه وليد الـصدف ، لـه أهميـة عظمى بالنظر إلى تأكيد استقلال الكنيسة الفارسية وعدم قبولها وصاية “ الآباء الغربيين ” على الكنيسة الشرقية .
ولكن لم هذا التحرر من وصاية “ الآبـاء الغـربيين ” الـذين سـاعدوا الشرقيين دو ما على حل مشاكلهم؟ يخال لي أن الأسباب التي حدت آباء هـذا المجمع الشرقي إلى الإقدام على هذه الخطوة الخطيرة عديدة ، منها .
١- كان اقاق مطران آمد آنذاك في العاصمة الفارسية لبعض شـؤون تخص الإمبراطوريتين الشرقية والغربية . ويبـدوا أن الأسـاقفة الشرقيين المعارضين لسلطة الجاثليق داديشوع قدموا احتجـاجهم إلى اقاق وعرضوا له وجهة نظرهم التي نالت تأييد اقاق والبلاط الفارسي . وكان وجود اقاق في المداين قد حال دون انعقاد المجمع فيها ، فعقد في حاضرة العرب البعيدة عنها والمستقلة عنها بعـض الشيء . لقد أراد آباء المجمع أن يبطلوا مفعول تدخل الغربيين في شؤونهم ، هذا التدخل الذي كان سـيجري هـذه المـرة لـصالحالمعارضين .
٢- أراد آباء المجمع بهذا القرار أن يربطوا مصير الكنيسة الـشرقية
بالإمبراطورية الفارسية ويقضوا على النظرية التي كانت تعتبـر المسيحيين في البلاد الفارسية حلفـاء الإمبراطوريـة الرومانيـة المسيحية وأعداء الداء لملك الملوك وبلاده وبهذا أعطوا لكنيستهم صبغة شرقية حقيقية مع حق المواطنة في البلاد الفارسية ومهدوا للاستقلال الإداري الذي سيؤدي قريبا إلى الاسـتقلال العقائـدي للكنيسة الشرقية خلال هذا القرن الخامس .

الفصل السادس أفسس وخلقيدونية
كان القرن الرابع عصر الجدالات حول الثالوث ، بينما ظهـر القـرن الخامس كعصر الجدالات حول سر المسيحية الإله – المتجسد . فإن اريوس ، متأثراً بالفكر الإغريقي ، ادعى أن الكلمة ( لوغوس ) هو خليقـة الله الأولـى والوسيط بين الأب والعالم المخلوق . فردت الكنيسة على هذه البدعـة ، فـي المجمع المسكوني النيقاوي الأول سنة ٣٢٥ ، بإعلانها أن الكلمة مساو لـلآب في الجوهر والكمالات وأزلي مثله . . . وحينما أثير الجدال حول الروح القدس ، وزعم مقدونيوس وأتباعه أنه خليقة االله ، أعلنت الكنيسة ألوهية الروح القدس ومساواته للآب والابن ، وذلك في مجمع القسطنطينية سنة ٣٨١ المسكوني الثاني. ولكن مطلع القرن الخامس كان يحمل تيارات جديدة سرعان ما ظهرت بين أساتذة المدرسة الإنطاكية بزعامة تيـودوروس المصيـصي ، وأصـبح نسطوريوس البطريرك القسطنطيني رائدها الأكبر ينشرها ويدافع عنها دفاعاً مستميتاً .
نسطوريوس :
ولد نسطوريوس في جرمانيقي السورية في نحو سنة ٣٨١ ، ثم أقبـل إلى مدينة إنطاكية حيث تلقى العلم وصار راهبا واقتبل الدرجـة الكهنوتيـة . وتأثر بتعاليم تيودوروس المصيصي السائدة في إنطاكية والمناطق المجاورة . وقد امتاز نسطوريوس بقسط كبير من الذكاء وبطلاقة في الكلام وفصاحة في التعبير عن آرائه . وفي ١٠ نيسان ٤٢٨ أقـيم بطرير ًكـا علـى العاصـمة البيزنطية ، تجاوبا مع رغبة الملك تاودوسيوس الثاني . ومنذ بدء بطريركيتـه سمح بإعلان التعاليم المستقاة من كتابات تيودوروس المصيصي ، ثم أخذ هو نفسه ينادي بها على الملأ ويقول أن مريم العذراء لم تلد االله ، ولذا لا يحق لها أن تدعى “أم االله ” )تيوتوكس( مع أن هذا اللقب كان متداو ًلا في الكنيسة منـذ القرن الثالث على الأقل . وبهذا خالف نسطوريوس التقليد الجاري في الكنيسة جمعاء ووضع مفاهيم سري التجسد والفداء في خطر . ففي نظر نسطوريوس ، ليست الوحدة في المسيح سوى وحدة خارجية ، وحدة المقدس مـع الـشخص الذي يسكنه ، وحدة الثوب مع من يرتديه ، وحدة الآلهة مع مـن يـستخدمها ، الخ . . . فيسوع يدعى إلهاً لأنه متحد بالكلمة بالشرف والسلطة . فنرى أن نقطة الضعف في اللاهوت الإنطاكي هو الانطلاق من الطبيعـة باعتبارهـا كـلاً مستقلاً بذاته ، كاملاً بميزاته وشخصه . وهكذا فأن نظريتهم الثنائية تضع وحدة المسيح في خطر ، ومن ثم فهي تضع أيضاً الخلاص كله في خطر . . . ولكن إيمان الكنيسة رفض آراء نسطوريوس هذه . وحدثت ضجة كبيرة في القسطنطينية ضد البطريرك . فأطلع نسطوريوس البابا سلـستينس الأول ( ٤٢٢-٤٣٢ ) على هذه الآراء ، ولكنه لم يتلق من البابا جوابا عاجلاً

القديس قورلس :
كان قورلس ، الذي أصبح بطرير ًكا للإسكندرية منذ سنة ٤١٢ ، يراقب عن كثب الأحداث الجارية في العاصمة البيزنطية . وفي سنة ٤٢٩ كتب إلى نسطوريوس يستوضحه آراءه . ولكن هذا قابله بجواب يستشف منـه الأنفـة والعجرفة ، فيه يدعوه إلى الاعتدال في آرائه وأحكامه . . . وكان هذا بدء الخصومات الأليمـة بـين البطريـركين الإسـكندري والقسطنطيني . إذ أخذ كل منهما يشرح موقفه ووجـه نظـره فـي المـسيح ونظرته اللاهوتية فيما يخص الطبيعتين في المسيح . . . ثم عاد قورلس وكتب ثانية إلى نسطوريوس سنة ٤٣٠ رسالة تعتبر وثيقة هامة حول التجسد وحول كون مريم أم االله ، كما سيقرر مجمع أفسس هذه العقيدة . وأخذ قورلس يوجـه رسائل عديد إلى أشخاص من مختلف الميول اللاهوتية والطبقات الاجتماعية يحاول فيها كسب تأييدهم . ثم جمع وثائق عديدة من كتابـات الآبـاء تـدعم نظريته . وكتب إلى البابا في صيف ٤٣٠ وأرسل إليه هذه الوثائق التي تدين نسطوريوس . فعقد البابا مجمعاً خاصاً شجب فيه تعاليم نسطوريوس وهـدده بالحرم ما لم يتراجع عن تلك التعاليم . ثم عهد إلى قورلس الإسكندري بمهمة تنفيذ هذه الإجراءات ضد نسطوروس في حالة إصراره على موقفه . وعقـد قورلس بدوره مجمعاً خاصاً في الإسكندرية فيه جدد شجب نسطوريوس ، ثم أنفذ إليه رسالة تحتوي على ١٢ مادة حول الإيمان بالتجـسد ويـدعوه إلـى الإقرار بمحتوياتها . ولكن أنى لنسطوريوس التسليم بنظرية الإسكندريين حول الاتحاد “ الاقنوم “؟ فعمت الفوضى وتصلب كلاً في آرائه ودافع عنها بما أوتي من الوسائل والبراهين .

مجمع أفسس ( ٤٣١ ) :
وإذ ذاك لم يرى الإمبراطور تاودوسيوس الثاني بداً من التدخل لحـسم النزاع وإعادة النظام والوحدة في الكنيسة . فوجه إلى الطرفين رسالة في ١٩ تشرين الثاني سنة ٤٣٠ ، فيها يدعو الأساقفة إلى مجمع عام في مدينة أفسس . ودعي إليه البابا نفسه الذي أيد التئام المجمع وأرسل إليه وفداً عنه يتكون من المطرانين ارقاديوس وبروجكتس والكاهن فيلبس . وقد عهد إليهم البابا بمهمة احترام السلطة الباباوية وتأييد ما يقرره قورلس الذي خول سلطة واسعة في تقرير مصير المجمع . وكان الوفد البابوي يحمل أيضاً رسائل وتوصيات من البابا إلى المجمع والى الإمبراطور . وفي اليوم المعين ، اجتمع في أفسس نحو ١٦٠ً أسقفا . أما غيرهم فقـد تخلفوا عن الموعد لصعوبة المواصلات وأخطار الطرق . وكان من جماعـة المتأخرين وفد البابا نفسه ويوحنا بطريرك إنطاكية مع مطارنة سورية الذين كانوا يواكبونه . وقد كتب يوحنا إلى قورلس يستمهله قليلاً ، ريثما يتسنى لهـم البلوغ إلى المدينة . وكان نسطوريوس نفسه حاضراً في أفسس فـي الوقـت المعين . إلا أن قورلس لم يصبر ، بل قرر افتتاح المجمع في ٢٢ حزيـران . قبل وصول الآباء بكاملهم . ودعي نسطوريوس للحضور في هـذه الجلـسة الأولى . ولكنه امتنع مع ستة أو سبعة من أساقفته . ولم يـول قـورلس ذلـك أهمية كبرى ، بل افتتح المجمع وشرع الآباء الحاضرون يفحصون الوثـائق والرسائل المتبادلة بين قورلس ونسطوريوس ، ثم قرروا إسقاط نـسطوريوس من الدرجة الأسقفية ، وذلك في الجلسة الأولى ذاتها التي دامت نهاراً كـاملاً . وعند انتهاء هذه الجلسة ، خرج الآباء من المجمع ترافقهم جموع غفيرة مـن المؤمنين الذين أوصلوهم إلى مساكنهم على ضوء المشاعل وألوف الأفـواه تهتف بمريم “ أم االله ” . وفي ٢٤ حزيران وصل إلى أفسس يوحنا بطريرك إنطاكية مع أساقفة سورية . وما أن علم بما حدث في المجمع وبـالغبن الـذي لحـق صـديقه نسطوريوس حتى عقد هو أيضاً مجمعاً قرر فيه عزل قـورلس ومؤيديـه . وكان هذا القرار مذيلا ًبتواقيع ٤٣ أسقفا ( أو ٥٣ ) . وقدم كل مـن الفـريقين تقريرا بأعماله إلى الإمبراطور . وإذا بالإمبراطور يصدر قـرا را فـي ٢٩ حزيران بإلغاء كل ما جرى في ٢٢ حزيران أي في المجمع الذي ترأسه مار قورلس . وفي تلك الغضون وصل وفد البابا أي ضا في مطلع تمـوز . وفـي ١٠ تموز عقد المجمع ثانية ، وتليت رسالة البابا التي جـاءت مطابقـة لمعتقـد قورلس وزملائه وفي اليوم التالي ، أيدوا بدورهم قرار شـجب نـسطوريوس ووقعوا عليه ، وبذلك انضموا إلى إخوانهم الشرقيين ليجعلـوا مـن المجمـع الأفسسي مجمعاً مسكونيا للكنيسة الجامعة . وفي ١٦ و ١٧ تمـوز فحـصت قضية يوحنا بطريرك إنطاكية الذي لم يرد الحضور إلى المجمع ، فحرم هـو أيضاً مع ٣٤ من الأساقفة الموالين له ، منهم تيودوريطس القورشي الشهير . إلا أن مجمع الشرقيين ( يوحنا الإنطاكي ) كان ما يزال منعقداً ينتظـر قرار الإمبراطور تاودوسيوس . وإذا بالكونت يوحنا يأتيهم حاملاً رسالة مـن الإمبراطور فيها يعزل نسطوريوس وقورلس وكذلك “ ممنون ” مطران أفسس لتواطئه مع أنصار قورلس ، ويضعهم جميعاً رهن الاعتقال . ودامـت هـذه الحالة المزرية حتى شهر أيلول . وإذ ذاك قرر الملك حـل المجمـع وأمـر الأساقفة بالعودة إلى بلدانهم ، ما خلا قورلس وممنون اللذين اعتبرها مسقطين من الأسقفية . . . وهنا لعبت الأهواء البشرية دورها الكبيـر فـي إقنـاع الإمبراطـور وبطانته والتأثير على المتنفذين في البلاط لمحاولة ترجيح كفة على أخرى . . . وتمكن قورلس من الوصول إلى الإسكندرية فـي ٣٠ تـشرين الأول . أمـا نسطوريوس فقد أرسل إلى ديره في كورة إنطاكيا ، وشغل مكسيميان كرسـي القسطنطينية عوضه . ولكن نسطوريوس لم يخلد إلى الراحة والهدوء ، بل أثار اضطرابات في إنطاكية نفي على أثرها إلى البتراء ، ثم إلى الواحة الكبـرى الواقعة في قلب الصحراء الليبية . وهناك وافته المنية قبيل انعقـاد المجمـع الخلقيدوني سنة ٤٥١ . وظل الإسكندريون والإنطاكيون متباعدين في نظرياتهم متنافرين فـي آرائهم حتى سنة ٤٣٣ حيث تم الاتفاق بين الفريقين ، فأقر الشرقيون أيـضاً بأن مريم هي أم االله ، وحرموا نسطوريوس ووافقوا على عزلـه ، مـا خـلا تيودوريطس القورشي الذي أبى أن يتخلى عن صديقه نسطوريوس . وأرسل البابا سكستس تهنئاته إلى الفريقين وأيد صورة الاتفاق الذي تم بينهم والرسالة التي أنفذها قورلس إلى يوحنا الإنطاكي ، التي تعتبر رسالة عقائدية في غايـة الأهمية . . .
وهكذا فأن مجمع أفسس ، رغم ما تخلله مـن الـشوائب والتـصرفات التعسفية التي أبداها كل فريق ضد خصمه ، كان خطوة كبيرة إلى الأمام فـي توضيح الفكرة اللاهوتية حول شخص المسيح وطبيعته . وألقى ضو ءا كبيـراً على مجرى الأفكار السائدة في الشرق والغرب . وإذا خمدت الآن ثورة هذا البركان الهادر ، فهي لـن تـزال حاضـرة للوثوب كلما دعت إليها الظروف وكلما استفزتها التصرفات التـي لا تتـسم بطابع المحبة المسيحية الصادقة . إنها أفكار تسربت إلى الشرق من مدرسـة إنطاكية وراحت تشق طريقها إلى العقول . ولن يمضي عليها نـصف قـرن حتى تختمر وتولي اتجاهاً خاصاً لشطر كبير من الكنيسة في الشرق . أجل ، لقد تبودلت الرسائل في نيسان سنة ٤٣٣ بين يوحنـا الإنطـاكي وقورلس الإسكندري ، فيها عبر ِكلا الطرفين عن اتفاقهمـا علـى التعـابير الخاصة بالتجسد ، فأكدا على الوحدة في المسيح ضـد نـسطوريوس وعلـى حقيقة الطبيعتين فيه ضد ابوليناريوس .

التيار المعاكس :
ولكن كل شيء لم ينته . فهناك التعبير الوارد في تعليم قورلس القائـل “بالطبيعة الواحدة ” ، الذي سوف يلاقي معارضة قوية لدى الـشرقيين الـذين اعتبروا قورلس منحرفاً عن الإيمان القويم . وقد أحدثت هذه المعارضة ضجة في سورية أدت إلى تدخل السلطة الحاكمة لنفي بعض المطارنـة المـوالين لنسطوريوس
غير أن الأمانة المفرطة لتعابير قورلس بخصوص الطبيعة الواحدة في المسيح أحدثت انحرافاً جديدا أدى إلى قيام المذهب الذي نادى بـه اوطيخـا . وأخذت كتابات تيودوروس المصيصي تتسرب حتى في المناطق الأرمينيـة ، رغم أن اقاق مطران ملاطية وربولا مطران الرها حذرا الناس من خطر هذه التعاليم إلا أن الأرمن استوضحوا بشأنها بروكلس بطريرك القسطنطينية الذي وجه إليهم رسالة خاصة هامة جداً حول معتقد أفسس . وقد وافق يوحنا الإنطاكي وقورلس الإسكندري على مضمون هذه الرسالة . . . وحينما تـوفي ربولا في آب سنة ٤٣٥ خلفه على كرسي الرهـا هيبـا المـوالي لتعـاليم تيودوروس المصيصي ، وقد نقل كتابات “ المفسر ” ( تيودوروس ) من اليونانيـة إلى السريانية ، وكان قد وجه رسالة إلى ماري مطران فارس فيها يعرض آراءه . ولكن هيبا أصبح موضع الريبة لأقليروسه ، فحوكم في إنطاكية وفـي بيروت ، ثم أوقف سنة ٤٤٩ بأمر الإمبراطور الذي دعا إلى مجمـع أفـسس الثاني ، وأوصى بعزل هيبا وبإيجاد خلف له على كرسي الرها .

اوطيخا :
وفي تلك الغضون توفي يوحنا الإنطاكي سنة ٤٤٢ وخلفـه دمنـوس ، ومات كذلك قورلس الإسكندري وخلفه ديوسـقوروس سـنة ٤٤٤ ، ووافـت المنية بروكلس سنة ٤٤٦ وخلفه فلابياس على كرسي القـسطنطينية ، وظـل على المسرح تيودوريطس القورشي ، وهو أكبر ممثل للفكرة الإنطاكية ومـن أقوى مؤيدي نسطوريوس ، ولو أنه لا يوافقه علـى جميـع آرائـه . وكتـب تيودوريطس القورشي مؤلفاً بثلاثة أجزاء أسماه “ المتسول ” ، وهو في كتابـه ينسب إلى هذا المتسول أخطاء في المعتقد جمعها مـن هراطقـة عديـدين . ويظهر من خلال تعابيره أنه يلمح بالمتسول إلى “اوطيخا ” الذي كان آنـذاك رئي سا على دير كبير بجوار القسطنطينية ، وكان يشاطر آراء قورلس ، بدون أن يستوعبها على حقيقتها . وتوصل اوطيخا إلى كسب نفوذ واسع في البلاط أتاح له أن يساعد أصدقاءه ويقصي أعداءه . وكان ما يفتـأ ينـادي بعبـارة قورلس : طبيعة واحدة بعد التجسد . فلم يكن لاوطيخا مـذهب خـاص . إنمـا تمسك بإفراط بعبارة قورلس وأساء فهمها . وأخذت هذه التعابير تنتـشر فـي العاصمة . فدعا فلابيانس إذ ذاك إلى عقد مجمع فيها للنظر في هذه التعـاليم الجديدة . واتفق آباء المجمع الدائم في العاصمة على شجب اوطيخا وعزلـه وحرمه . ووقع على هذه الوثيقة نحو ٣٠ مطرا ًنا و٢٣ رئيس ديـر . ولكـن اوطيخا رفع شكواه إلى البابا لاون وإلى ديوسـقوروس الإسـكندري وإلـى غيرهم من كبار الرؤساء . وأطلع فلابيانس بدوره البابا على تعاليم اوطيخـا ، وتلقى من البابا كل تأييد وتشجيع في مقاومته “لـلآراء الفاسـدة ” . غيـر أن الإمبراطور تاودوسيوس كان ألعوبة بيد الموالين لاوطيخا . فاستعمل نفـوذه لرفع الشجب عنه ، ودعا إلى عقد مجمع مسكوني آخر فـي أفـسس ليعيـد الأمور إلى نصابها . وكان ديوسقوروس أي ضا مؤيداً لاوطيخـا . فاصـطحب معه إلى المجمـع ١٠ مطرافـوليطين و ١٠ أسـاقفة مـصريين . وأقبـل الارشمندريت برصوما أيضا مع جحافل رهبانه . ودعي البابا لاون كذلك إلى هذا المجمع . إلا أن الدعوة الموجهة إليه في ٣٠ آذار سنة ٤٤٩ لم تبلغـه إلا في ١٦ أيار . وفي ١٣ حزيران كتب البابا رسائل عديدة وجهها إلى مختلـف الأشخاص في الشرق ، وأوفد إلى المجمع المقترح ثلاثة أشـخاص يمثلونـه وحملهم رسالة هامة إلى البطريرك فلابيـانس ( Tome à Flavien ) ، فيهـا يستعرض المعتقد القويم ويشجب اوطيخا وتعاليمه “الفاسدة الحمقاء ” .

مجمع أفسس )الثاني( -٤٤٩ ) :
كان افتتاح هذا المجمع قد تقرر في الأول مـن شـهر آب . غيـر أن الجلسة الأولى لم تعقد إلا في ٨ آب ٤٤٩ تحت نفوذ الإمبراطور الذي كـان مواليا لاوطيخا . وقد سلم الإمبراطور رئاسـة المجمـع إلـى ديوسـقورس بطريرك الإسكندرية . ومنذ البدء ظهرت أهداف الذين دعوا إلى هذا المجمع . فقد رفعوا ، بادئ ذي بدء ، الشجب عن اوطيخا ، ووجهوا اللوم والـتهم إلـى فلابيانس بطريرك القسطنطينية وإلى جميع مؤيدي نسطوريوس ، ولم يسمحوا للأساقفة الذين شجبوا اوطيخا في مجمع القسطنطينية الخاص بالإدلاء بآرائهم في هذا المجمع الـذي عـرف فـي التـاريخ باسـم “ مجمـع اللـصوص ” ( Brigandage d’Ehèse) ، لما دار فيه من الأساليب التعسفية والتصرفات غير القانونية . وقد ضم هذا المجمع نحو ١٣٠ أسقفاً ، معظمهم مـن مؤيـدي الإمبراطور ، عدا فلابياس وأعضاء مجمعه البالغ ٤٢ أسقفا ، وقـد أرغمـوا على السكوت . والتف حول المجمع جملة من الرهبان الغوغائيين ومن عملاء الإمبراطور للضغط على المجتمعين وإجبارهم على اتخـاذ قـرار لـصالح اوطيخا . أما ممثلو البابا لاون ، فلم يتسن لهم التعبير عن آرائهـم باليونانيـة ، ولم يعيروهم انتباهاً كبيراً وقد أجلسوهم بعيدين عن بعـضهم فـي المجمـع لمنعهم من التشاور ، ولم يعطوا فرصة لتبيان وجهة نظر البابا ، وحتـى لـم يسمحوا لهم بقراءة رسالة البابا الموجهة إلى البطريرك فلابيـانس . وبينمـا كانت الأمور على تلك الحال إذا باوطيخا يدخل إلى المجمـع ويـشرع فـي المطالبة بحقه في التبرئة ويشجب خصومه وأخذ ديوسقوروس يثير العواطف ويهيب بالمجتمعين بصورة مسرحية إلى تأييده ونبذ آراء خـصومه ، تحـت أنظار ممثلي البابا الذين تألموا كثيراً لهذه المأساة ولكنهم لم يستطيعوا مقاومة العاصفة التي أثارها ديوسقوروس ، الذي دعا إلى عزل فلابيانس وإبعاده عن العاصمة . فاحتج فلابيانس على ذلك الإجراء ، وأيده في ذلك هيلاريوس ممثل البابا . وسادت الفوضى وعم الاضطراب وتدخل الجنود بـسيوفهم المـستلة ، ولاذ بعض الأساقفة بالفرار ، ولم ينج غيرهم مـن الإهانـات والـضربات . وأرسل فلابيانس إلى المنفى ، ولكنه مات في طريق منفاه متأثراً بالمعـاملات السيئة التي تعرض لها في المجمع . . . وبعد إعادة الهدوء ، جمع ديوسقوروس عدداً كبيراً من تواقيـع الآبـاء تحت الضغط والتهديد . وعزل الحاضرون هيها أسقف الرها وتيـودوريطس القورشي ودمنوس بطريرك إنطاكية ، رغم تخاذل هذا الأخير وانضمامه إليهم لاسترضائهم . ثم أعلنوا تأييدهم لحروم قورلس الإسكندري . . . ولما بلغت هذه الأخبار إلى البابا الروماني ، أبـدى أسـفه واسـتياءه الشديدين لهذه الإجراءات التي اتخذت تحت سـتار الـدفاع عـن الحقيقـة الأرثوذكسية . وتمكن هيلاريوس من الفرار والوصول إلى روما ، حيث قـدم للبابا احتجاج فلابيانس . وكتب بعض الأساقفة المظلومين رسائل مماثلة إلـى البابا ، يدعونه فيها إلى الدفاع عن حقوقهم والعمل على رفع الغـبن عـنهم . فكتب البابا إلى الإمبراطور مرات عديدة لكي يعيد الحق إلى أصحابه . إلا أن الإمبراطور لم يعره أذناً صاغية . ومات الإمبراطور في ٢٨ تموز سنة ٤٥٠ ، على أثـر سـقطة مـن الحصان . وإذا لم يكن له وريث ، أخذت أخته بولكيريا بزمام الأمور وعقـدت ز زواجاً شكلياً على أحد أعضاء مجلس الاعيان اسمه مرقيبانا لذي أعلن إمبراطو راً في ٢٤ آب سنة ٤٥٠ . وتمكنت بولكيريا بحزم من السيطرة على الوضع حتى على الـصعيد الديني ، وعملت على التقليص من نفوذ ديوسقوروس وزجت اوطيخـا فـي سجن بالقرب من العاصمة .

مجمع خلقيدونية ( ٤٥١ ) :
توطدت العلاقات الحسنة بين الإمبراطور الجديد مرقيان والبابا القديس لاون ، وذلك تحت تأثير الإمبراطورة بولكيريا . وفكر الإمبراطور بعقد مجمع يؤيده البابا ويرئسه . ولكن البابا لم ير عقد هذا المجمع ضروريا . خـشية أن يعكر صفاء الكنيسة من جديد ، ولأن أساقفة الغـرب لا يـستطيعون تـرك أبرشياتهم المهددة دوماً بغزو الهونيين . إلا أن الإمبراطور ، قبـل أن يتلقـى جوابا حاسماً من البابا ، دعا إلى عقد مجمع في نيقية في الأول من أيلول سنة ٤٥١ ، فاظهر البابا امتعاضه من هذا الأمـر ، ولكنـه لـم يعـارض قـرار الإمبراطور . ولما لم يتمكن من الحضور شخصيا ، أوفد أربعة ممثلين عنـه ليرئسوا المجمع المقرر ، وليس فقط لكي يحضروا فيه شأن سائر المجتمعين . وفي الأول من أيلول ، حضر في نيقيـة نحـو ٦٠٠ أو ٦٣٠ أسـقفاً لافتتاح المجمع . ولكن الإمبراطور وجه رسالة إلى الآباء يخبرهم فيها بـأن أموراً إدارية طارئة تضطره إلى البقاء في العاصمة وتحول دون حـضوره في المجمع ، ويطلب فيها إلى الأساقفة أن ينتظروه قليلاً . ولما لم يجد الآبـاء إلى الصبر سبيلاً ، كتبوا إلى الإمبراطور رسالة يطلبون إليه القدوم سـريعاً . وإذ ذاك أمر الملك بنقل المجمع إلى مدينة خلقيدونية الواقعة علـى شـاطئ البوسفور إزاء العاصمة البيزنطية . حيث يتسنى للملك الاهتمـام بالـشؤون الإدارية وتتبع سير المجمع ، لقرب المكان من العاصمة . افتتح المجمع أولى جلساته في ٨ تشرين الأول سـنة ٤٥١ بحـضور جميع الفئات المتخاصمة ، روما والقسطنطينية وخصوم دبوسـقوروس مـن جهة ، وأنصار ديوسقوروس واوطيخا من جهة أخرى . وكان كتاب الإنجيـل الكريم موضو عا على منصة بين الفـريقين . وفـي افتتـاح الجلـسة ، قـام بسكازينوس ممثل البابا وأعلن تعليمات لاون التي كانت تقضي بعدم حضور ديوسقوروس في المجمع ، وإلا فسينسحب ممثلو البابا من المجمع . أما سـبب ذلك فلأن ديوسقوروس كان قد تجاسر على عقد مجمع ( سـنة ٤٤٩ ) بـدون إذن من البابا ، ولأنه تصرف في ذلك المجمع كيفما شاء واستعمل حتى العنف للبلوغ إلى مآربه . وهكذا بدأت محاكمة ديوسقوروس وقرئت وثـائق مجمـع سنة ٤٤٩ . ولما سمح لتيودوريطس بالحضور في المجمع ، أحـدث دخولـه ضجة كبيرة بين أنصار الشرقيين وأنصار ديوسقوروس ، اضطر الشرط إلى التدخل لإعادة النظام . وبعد مداولات طويلة ، توصل المجمـع إلـى إعـادة الاعتبار إلى فلابيانس – ولو بعد موته – وبذلك وجه ضـربة أليمـة إلـى ديوسقوروس . وبهذا عمت الفرحة بين الشرقيين الذين انبروا ينـشدون فـي نهاية هذا النهار بحماس منقطع النظير أنشودة “ قدوس االله . . . ” باليونانية . وفي ختام هذه الجلسة دعي الأساقفة إلى التوقيع على قرار إيمان مطابق لمقررات نيقية والقسطنطينية وأفسس وما جاء في رسالة لاون إلى فلابيانس . وعقدت الجلسة الثانية في ١٩ تشرين الأول ، وفيها تعالـت الهتافـات المؤيدة لتعاليم قورلس ولاون ، وأعلن الآباء “إن بطرس يتكلم بواسطة لاون ” . أما الجلسة الثالثة فعقدت بعد ثلاثة أيام برئاسة بسكازينوس رئيس وفد البابا لاون . واستدعي ديوسقوروس ثلاث مرات إلى الحضور في المجمـع ، ولكنه رفض المثول بحجة المرض . وإذ ذاك فوض الآباء ممثلي البابا باتخاذ قرار بشأن موقف ديوسقوروس . فأعلن بـسكازينوس رسـميا باسـم لاون وباتفاق المجمع قراراً يقضي بعزل ديوسقوروس لأسباب عديدة ، منها :
١- تأييده لاوطيخا الذي حرم في المجمع الذي عقده فلابيـانس فـي القسطنطينية وعدم العدول عن موقفه هذا .
٢- رفضه السماح بقراءة رسالة البابا لاون إلى فلابيانس .
٣- تجاسره على رشق البابا لاون نفسه بالحرم .
٤- عدم حضوره في المجمع الحالي للإدلاء بآرائه والدفاع عنها .
وأبلغ القرار إلى ديوسقوروس والى الأقليروس الإسكندري الحاضـر في المجمع ، وطلب الآباء إلى هؤلاء الأقليروس أن ينتخبوا مطرانـًا آخـر لمدينتهم خلفاً لديوسقوروس . وأطلع الإمبراطور أيضاً على مجريات الأمـور وعلى قرارات المجمع . فأرسل ديوسقوروس على الفور إلى المنفى في غغرة الواقع في مقاطعة بغلاغونية . وتوالت جلسات أخرى تخللتها نقاشات حادة حول تحديد المعتقد . أخيراً قر رأيهم على هذه العبارة : في المسيح طبيعتان متحدتان بـدون تغييـر ولا انفصال ولا امتزاج .
وعقدت الجلسة السادسة في ٢٥ تشرين الأول بحضور الإمبراطـور والإمبراطورة . وفيها أيد الإمبراطور ما قرره المجمع الخلقيـدوني . وذيـل الآباء هذه المقررات بـ ٤٥٢ توقي عا . وعلى أثر ذلك تعالت الهتافات باسـم العاهلين الكبيرين وتبودلت التهانئ وكلمات الشكر . وهدد الإمبراطور باتخاذ إجراءات صارمة بحق كل من تسول له نفسه بمقاومة هذه المقررات . وقد أبدى الإمبراطور مرقيان ، في جلسة ٢٥ تشرين الأول ، رغبته في أن لا يغادر الآباء خلقيدونية قبل التوصل إلى تسوية كل القـضايا المتعلقـة ببعض الأشخاص . فخصصوا لهذا الغرض جلسات ٢٦-٣١ تـشرين الأول .
وفي مقدمة هذه القضايا أتت مشكلة سلطة جوفينال الأورشليمي الذي اختص بنفسه سلطة واسعة ، سرعان ما تطورت إلـى بطريركيـة جديـدة بجانـب بطريركية إنطاكية بل على حسابها . ثم تطرق الآباء إلى مشكلة تيودوريطس القورشي ، وفرضوا عليه أن يحرم نسطوريوس وتعاليمه بنوع صريح فـأبى في البداية . ولكنه اضطر أخي را إلى إعلان هذا الحرم ضد صديقه القديم . وإذ ذاك رد إليه اعتباره وأعيد إلى أبرشيته . وبعد ذلك فحـصت قـضية هيبـا مطران الرها الذي كان مجمع سنة ٤٤٩ قد عزله ، فبرئت الآن ساحته ، بعـد أن حرم نسطوريوس واوطيخا ، ثم أعيد إلى كرسيه الأسقفي الذي كان نونا قد احتله منذ سنة ٤٤٩ . ثم عكف الآباء على سن بعض القوانين الخاصة بتنظيم الحيـاة فـي
الكنيسة وأقليروسها ورهبانها . غير أن الآباء في إحدى الجلـسات ، وبغيـاب ممثلي البابا ، قرروا إعطاء أهمية كبرى لكرسي القسطنطينية وتخويله سلطة واسعة توازي سلطة الكرسيين الإسكندري والإنطاكي ، بل تضاهي نو عا مـا سلطة الكرسي الرسولي في روما . فاحتج ممثلو البابا علـى هـذا القـرار ، وطلبوا أن يدون هذا الاحتجاج في أعمال المجمع دلالة على عدم مـسايرتهم لأطماع القسطنطينية المجحفة بحق الكرسي الروماني . وعلى أثر ذلك أرفض المجمع الخلقيدوني في نهاية تشرين الأول سنة ٤٥١ ، ووجه الآباء رسالة إلى البابا بواسطة ممثلية يبدون له فيها كل احترام ويطلعونه على ما تمخض عنه المجمع وعلى القرارات الإدارية التي اتخذت لإعلاء شأن الكرسي القسطنطيني ، وذلك لتيسير الأمور في الإدارة الكنيسية . ولما تلقى البابا هذه المقررات أرجأ جوابه عليها ستة أشهر . ثم وجه ثـلاث رسائل ، واحدة إلى الإمبراطور مرقيان وأخرى إلى بولكيريـا وثالثـة إلـى اناتول بطريرك القسطنطينية ، وفيها ينحي باللائمة على هذا الأخير لتجاسره على التدخل في الشؤون التي لا تعود إلى كرسيه ، ولإقدامه علـى رسـامة بطريرك إنطاكية ، بالإضافة إلى السلطة التي يطالب بها لرسامة مطرافوليطي المقاطعات الكبرى التي هي أعرق في القدم من كرسيه . وقد ألغى البابا هـذه المقررات الأخيرة ، ولكنه أيد بسلطته العليا كل ما جاء في المجمـع بـشأن الإيمان ، وأعلن حرم أنصار نسطوريوس واوطيخا ديوسقوروس ، إذا هم لـم يرجعوا عن ضلالهم . . . أخيراً تدخل الإمبراطور وسوي الخلاف بين البابـا واناتول القسطنطيني الذي أعلن خضوعه التام للبابا ونيته السلمية في الاتفاق والمحبة . فنرى أن إيمان الكنيسة شق طريقه إلى التعبير عن ذاته بتعابير نهائية واضحة خلال عشرين سنة من التذبذب ، أي منذ المجمـع الأفسـسي حتـى المجمع الخلقيدوني .
ولكن حينما ظن آباء مجمع خلقيدونية أن القضية انتهت وظـن البابـا لاون أن الوحدة والسلام استقرا في الكنيسة ، لم يكن المجمع الخلقيدونية فـي الواقع إلا نقطة انطـلاق لحقبـة جديـدة طويلـة وأليمـة مـن الجـدالات والاضطرابات التي أسفرت عن انفكاك عرى الوحدة المسيحية فـي الـشرق وعن انفصال كنيسة فارس واستقلالها عن الكنيسة الغربية ( الإنطاكية ) ، ثـم إلى انشقاق كنيستي مصر وسورية .

الفصل السابع انتشار المذهبين النسطوري والمنوفيزي في المشرق
ليس في حوزتنا وثائق أصيلة تطلعا على نشاط الكنيسة الفارسية فـي الفترة الواقعة بعد مجمع داديشوع الذي عقد سنة ٤٢٤ . فإن كتاب المجـامع الشرقية يلزم الصمت المطبق مدة ستين سنة . وكـذا الـشأن مـع التـاريخ السعردي الذي جاء مخرو ما في الفترة الواقعة ما بين سنة ٤٢٢ و ٤٨٤ . مع أن هذه الحقبة هي في غاية الأهمية للكنيسة الشرقية التي بدأت تـسير نحـو الانفصال عن الغرب في سياستها ثم في عقيدتها التي أخذت فـي الاختمـار والتبلور شيًئا فشيًئا . إنما هناك معلومات نستقيها من مؤرخين آخرين ، أمثال كتبة “المجدل ” وغيرهم ، ومن المؤرخين المنوفيزين أمثال سمعان الأرشـمي الذي كتب عن دخول المذهب النسطوري وانتشاره في المنطقـة الفارسـية . وكان سمعان الشاهد العيان لهذا الانتشار ، لأنه كان أسق ًفا على بلدة أرشم غير البعيدة عن العاصمة الساسانية . وهناك أحداث سياسية دينية جـرت فـي المنطقة الشرقية وكان لها دور هام في توجيه الأمور فيها . ونخص بالـذكر منها :

اضطهاد يزدجرد الثاني ( ٤٣٨-٤٥٧ ) :
هو ابن بهرام الخامس . وكان رجلاً متقلباً . ومع كونه توصل في مقارنته للديانات إلى الاستنتاج أن المسيحية هي أسمى الديانات ، فقـد شـن عليها الاضطهاد بين الفينة والفينة . جاء إلى الحكم سنة ٤٣٨ بعد موت أبيـه بهرام . ويقول عنه تاريخ شهداء كرخ سلوخ أنه كان في البدء يعطف على المسيحيين ، ولكنه بعد سبع سنين انقلب عليهم مضطهداً ، وابتدأ بقتل ابنته التي كانت زوجته ايضاًا . ثم أخذ يقصي المسيحيين عن وظائف الدولة المرموقـة والرتب العسكرية الرفيعة . ونظم حملة ضدهم وجههـا إلـى كـرخ سـلوخ ( كركوك ) بقيادة “ طهمزجرد ” ، وأوصاه أن يدعو المسيحيين إلى جحود ديـنهم والسجود للشمس والنار والماء ، وإلا فينزل بهم أشد العذابات . فقبض جنـوده على المطرافوليط يوحنا وعلى عدد من الأساقفة والأشراف ، وأعدموهم في ٢٤ آب سنة ٤٤٦ . ثم تبعتهم جموع غفيرة من المسيحيين إلى الاستـشهاد . وقد أثر هذا الاندفاع في نفس “ طهمزجرد ” فإذا به ينضم إلى الدين المـسيحي ويعلن تنصره بشجاعة . ولم يثنه عن عزمه وعيـد يزدجـرد ولا وعـوده . وأخيراً مات معلقاً على الصليب في ٢٥ أيلول من السنة نفـسها . وفـي ٢٥ تشرين الأول سنة ٤٤٧ قتل الشهيد بثيون الشهير في موضع قريب من مدينة حلوان . وقد نشر الأب بيجان أعمال هؤلاء الشهداء . وجدد الملك يزدجـرد اضطهاده للمسيحيين مرة أخرى قبيل سنة ٤٥٠ . ومات في ٣٠ تموز سـنة ٤٥٧ .
أما الجاثليق داديشوع فقد سبق الملك الفارسي إلى اللحـد ، واتـسمت حياته بالصعوبات ، من الخارج بالاضطهادات ومن الداخل بالمعارضة التـي لقيها من مصاف الأساقفة . وقلة المعلومات التي لدينا عن رئاسة هذا الجاثليق قد تكون نتيجة ابتعاده عن العاصمة مع محافظته على لقب الجاثليق . وهذا ما قد يشرح عدم تعرضه للاضطهاد المباشر في عهد يزدجرد الثاني . ولا نعلم أيضاً مدى اشتراكه في الجدالات الدائرة آنذاك في العالم البيزنطي والروماني حول المعتقدات الجديدة . فهل تحزب للنساطرة؟ أم هل أنه انفرد في الحيـرة ينعم بالاستقلال الذي انتزعه من إنطاكية في مستهل رئاسته إلـى أن تـوفي ودفن هناك بعيداً عن كرسيه؟ إن هناك من يرى أن الرسالة التي كتبها هيبـا الرهاوي كانت موجهة إلى الجاثليق داديشوع الساكن فـي “ فيـه ارداشـير ” معللين ذلك بخطأ في اللقب وقع في لفظة “ ماري ” الآرامية التي تعني “ السيد ” والتي تؤخذ أيضاً كاسم علم ، وفي لفظة “ روارداشير ” و “ فيه ارداشـير ” ، واالله أعلم . وقد نسب عبديشوع الصوباوي إلى كل من داديشوع وماري ( أسقف روارداشير ) شرحاً لسفر دانيال النبي . فهل أعتبرهما التقليد الـشرقي إذن شخصا واحداً ؟

الملك فيروز ( ٤٥٩-٤٨٤ ) :
كان هذا الملك مسالماً للمسيحيين وصديقاً لبرصوما مطران نـصيبين . إلا أنه في سنته الأخيرة حذر من الاعتراف بغير الديانة المجوسية وأمر بأن يسمي النصارى الشمس إلهاً والماء والنهر والكواكب أولاد الآلهة . ولكـن هذه المضايقات لم تدم الّا وقتاً قصيراً ، ودارت حوادثها الاليمة منطقة بيث آرامايي وحدها . وكان الجاثليق بابوي إحدى ضحاياها ، كما سنبين ذلـك مفصلاً . إلا أن الموت وضع حداً لهذه القساوة قبل أن يستفحل شرها . فقضى الملك فيروز في صيف سنة ٤٨٤ ، خلال إحدى المعارك التي خاضها ضـد الهونيين ( الهياطلة ) .

الملك بالش ( ٤٨٤-٤٨٨ ) :
هو أبن الملك فيروز ، ويسميه التاريخ السعردي ميلاس . أبـدى رفقـاً بالمسيحيين وسمح لهم بإعادة كنائسهم . ونال الجاثليق اقاق حظوة عنـد هـذا الملك الذي أرسله بسفارة إلى الإمبراطور الروماني زينون .

مدرسة الفرس في الرها ( ٣٦٣-٤٨٩ ) :
كان القديس افرام الملفان قد أسس هذه المدرسة سنة ٣٦٣ خصيـصا للنازحين إلى الرها من المنطقة الفارسية ، لا سيما بعد استيلاء الفرس علـى نصيبين . وأصبحت هذه المدرسة مدة قرن وربع قرن أهم مركز ثقافي فـي المنطقة الشرقية وقد تخرج منها جملة من العلمـاء الـذين نـشروا الثقافـة السريانية في الشرق ، وتبوأ معظمهم كراسي أسـقفية وسـاهموا فـي إدارة الكنيسة وتسيير دفتها . غير أن هذه المدرسة الشهيرة تأثرت بتيارات الأفكار السائدة آنذاك في إنطاكية وما حولها ، وسرعان ما تبنت النظرية الإنطاكية ، فأصبح ديودوروس الطرسوسي وتيودوروس المصيصي الرائدين الرئيسين في هـذه المدرسـة بأفكارهما . ومع هذا فأن ربولا مطران الرها اتخـذ موقفـاً مناوئاً لتعـاليم نسطوريوس الذي اعتلى العرش القسطنطيني ، كما قلنا ، سنة ٤٢٨ . وبـذلك عارض ربولا أفكار “المفسر ” ، أي تيودوروس ، أيـضاً وانـضم إلـى رأي قورلس الإسكندري . ويقال أن سبب ذلك كان أن “ المفسر ” أفحم ربولا مرة في جدال جرى في العاصمة البيزنطية ، فحقد ربولا عليه . إلا أن “ هيبـا ” مـدير المدرسة كان من المتمسكين بتعاليم “ المفسر ” ومن المجاهدين في سبيل نشرها في مدرسة الفرس ، فأدى ذلك إلى خلاف عميق بينه وبين ربولا أسقف الرها الذي لم يتردد ، في سورة غضبه ، في إحراق ما كان هيبا قد نقله من اليونانية إلى السريانية من كتابات المفسر . ولما أصبح هيبا أسقفاً للرهـا سـنة ٤٣٥ ، بعد موت ربولا ، انفتح المجال أمامه لكـي يعمـم علـى المدرسـة تعـاليم تيودوروس ونسطوريوس . وحينما مات قيورا الذي خلـف هيبـا فـي إدارة المدرسة ، عهدت إدارتها إلى نرساي الملفان الشهير . فأخذ المدير الجديد يبث فيها تعاليم تيودوروس المصيصي بكل حماس . . .
إلا أن النفوذ المنوفيزي أخذ يتسرب هو أيضاً في مدرسـة الفـرس ، لاسيما حينما طرد من الرها هيبا أسقفها وحل محله “ نونا ” المنوفيزي بـأمر من المجمع الذي عقد سنة ٤٤٩ . إلا أن نونا أقصي عن كرسي الرها بحسب قرار مجمع خلقيدونية سنة ٤٥١ . ولكنه عاد فاحتل هذا الكرسي مـن جديـد سنة ٤٥٧ . وفي سنة ٤٤٩ غادر المدرسة عدد كبير من الأساتذة والطـلاب وتوجهوا شطر البلاد الشرقية . وكان برصوما واحداً من هؤلاء المغـادرين ، وقد أصبح مطراناً على نصيبين قبل سنة ٤٥٧ ، إذ أنه في هذه السنة استوقف نرساي ، الذي فرّ بدوره من المدرسة الرهاوية ، وطلب إليه أن يؤسس مدرسة في نصيبين ، لكي تواصل عمل المدرسة التي كان مار يعقوب النصيبيني قـد سلم إدارتها بيد القديس افرام الملفان في نحو سنة ٣٢٥ . . . وأخذت عوامـل الانحلال تدب في مدرسة الرها والخلافات تتفاقم بين الأساتذة والطلاب مـن المتمسكين بمذهب نسطوريوس ومن المتحزبين للمذهب المنوفيزي المناوئ . وأضحت المدرسة مركزاً للمشاحنات والخصومات ، ولم تعد تؤدي الرسـالة العلمية التي امتازت بها في عهدها الزاهر . وفي سنة ٤٨٩ ، نال قورا أسقف الرها إذنا من الإمبراطور زينون بإغلاق المدرسة.

برصوما النصيبيني ونرساي الملفان :
إن مجيء نرساي الملفان إلى نصيبين لفت الأنظار إلى هـذه المدينـةؤالتي سرعان ما أصبحت مدرستها قبلة أنظار الطلاب ومنبت العلماء . وقـد زاد هذا من شهرة مطرانها الطموح الذي كان زميلاً لنرساي فـي مدرسـة الرها . وعرف برصوما أن يكتسب بدهائه عطف الحاكمين الـذين اسـتغلوه لأغراضهم السياسية . فبرصوما كان مطل عا على الشؤون الرومانية ، وكان من رعايا المملكة الفارسية . فارتبط بروابط الصداقة مع مرزبان المقاطعة ، ونال حظوة لدى الملك فيروز حتى أصبح أحد مستشاريه . وهذا مـا جعـل مـن برصوما خبيراً في السياسة أكثر منه مطراناً ، وأخذت تصرفاته تتسم بطـابع العلمنة وأخلاقه تتردى ، حتى أجاز لنفسه معاشرة راهبة أسـمها “ مـاموي ” . وأدى ذلك إلى خلاف نشب بينه وبين مدير مدرسته نرساي الملفان الذي قرن العلم الواسع بفضيلة راسخة . وما أكثر الكتابات التي تدل على ذلك . وقد بذل نرساي النصح لصديقه لكي يعدل عن تصرفاته المـشينة ولكـن برصـوما أصغى إلى شيطان الهوى ، حتى قيل أنه ، مدفوعاً من ماموي ، طـرد مـدير مدرسته . . . وسيحاول برصوما تبرير عمله المنحرف وإيلائه صبغة قانونيـة في المجمع الذي سيعقده في بيث لافاط سنة ٤٨٤.

برصوما والجاثليق بابوي – :
بعد موت الجاثليق داديشوع سنة ٤٥٦ ، انتخب بابوي سنة ٤٥٧ ، وذلك في عهد الإمبراطور الروماني مرقيان (٤٥٠-٤٥٧ ) والملك الفارسي هرمزد الثالث الذي لم يدم حكمه سوى سنتين ( ٤٥٧-٤٥٩ ) . ثم خلقه الملك فيـروز الذي تكلمنا عنه سابقاً . كان باوبوي من بلدة “ تلا “على نهـر صرصـر وكان من أصل مجوسي . وما أن أتى فيروز إلى الحكم حتى اضـطهد كـل الذين كانوا موالين للملك السابق هرمزد الثالث أو من الذين اعتلـوا بعـض المناصب في عهده . وكان بابوي من جملة الذين اعتقلوا بأمر الملك ، وظـل رهن الاعتقال سنتين حسب ماري وسبع سنين حسب صليبا . مهما يكن مـن أمر فقد ظل الجاثليق في السجن حتى سنة ٤٦٤ حيث عقدت معاهدة صـلح بين الروم والفرس فأخلي سبيله . أما أبن العبري ، فإنه يوجز هذه الأحـداث ويقول : كان ( بابوي ) من أصل مجوسي وأحب المسيحية فآمن واعتمد وعكف على قراءة الكتب المقدسة جهد استطاعته . ولما سمع به ملك الفرس أنه رذل ديانة المجوس ، غضب عليه وسجنه سبع سنوات وهو يسومه العذاب ليكفـر بالمسيح . ولكن عزيمته لم ترتخ . ولما استتب السلام بين الـروم والفـرس ، خرج من السجن . وحينما رأى الأساقفة رسوخ إيمانـه ، انتخبـوه وأقـاموه جاثليقاً .
ولكن حياة بابوي لم تخل من الصعوبات . فقد أصبح له السجن مـدعاة للافتخار ، واعتبر نفسه شهيد الإيمان . فاستولى عليه الجشع وأهمل القـوانين الكنسية . وفي مقدمة الساخطين عليه كان برصوما الذي عرف أن يكتسب تأييد كثير من الأساقفة أقرانه ، فالتفوا حوله وعقدوا في نيـسان سـنة ٤٨٤ مجم عا في بيث لافاط عاصمة هوزستان . ومن بين الذين تضامنوا معه كـان يوحنا من بيث سلوخ ومعنا من روارداشير مع رؤسـاء أبرشـيات ليـدان وفارس وبيث كرماي وميشان وعيلام ، يؤازرهم في حركتهم هـذه العلمـاء المتخرجون من مدرسة الرها الـذين معظمهـم كـانوا زمـلاء لبرصـوما النصيبيني . وترأس المجمع برصوما نفسه وناني مطران فرات ميشان . وقرر المجتمعون إسقاط الجاثليق وشجب أعماله . وقد تضمن هذا الشجب “ تشكيات ومذمات وافتراءات وشهادات على مار بابوي ” ، كما جاء في رسالة برصوما نفسه إلى الجاثليق آقاق . ومن جملة ما قرره هذا المجمع أنه حرم هرطقـة المنوفيزيين و “ وكل من لا يقبل كتب تيودوروس المفـسر الممتلئـة حكمـة وصواباً ” . وسامح المجمع أيضاً الكهنة والرهبان والاساقفة ان يتزوجوا إن لم يقدروا أن يضبطوا أنفسهم . ومن مقرراته أيـضاً أنـه منـع الـسيمونية والتزوج بامرأة الأب والأخ وبامرأتين ، كما كانت العادة عند المجوس . . . ولم يقف الجاثليق بابوي مكتوف اليدين أمام هذه الإجراءات . بل عقـد هو أيضًا مجمعاً في المداين ضم الأساقفة الموالين للكرسي الجاثليقي ، وكلهم من الأبرشية البطريركية ، وهم : ميهرنرسا أسقف الزوابي ، وشمعون أسـقف الحيرة وموسى أسقف فيروزشابور ( الأنبار ) ويزدجرد أسـقف بيـث داراي ودانيال أسقف كرمى ( القريبة من تكريت ) . وحرموا هـم أيـضاً برصـوما والموالين له في مجمع بيث لافاط . ويوجز التاريخ السعردي هذه الأحداث الأليمة قائلاً : “لما رأى الآباء ما يجري ( من تصرفات بابوي ) اجتمعوا في السنة الخامسة والعشرين ( بالأحرى السابعة والعشرين ) لفيروز لمعاتبة بابوي على ما يستعمله . وعملوا قـوانين حظروا التزوج بامرأة الأب والأخ وبامرأتين وأشياء كثيرة . فقاومهم بـابوي ومن في جملته من الأساقفة وقثرسهم ( حرمهم ) . وفعلوا هم مثل ذلك وحرموا كل من يخالف ذلك وما وضعوه ورسموه . وكتب برصوما مطران نـصيبين كتابا أطلق فيه أن يتزوج الديرانيون والكهنة الذين لا يمكنهم ضبط أنفـسهم . واحتج بقول فولوس التزويج خير للإنسان من الاحتراق بالـشهوة ( ١ كـور ٩/٧ ) . ورضي بذلك الأساقفة المجتمعون معه “) . وقد زعم البعض أن هذا المجتمع البيلافاطي هو الذي قـرر مـصير الكنيسة الشرقية وبت في أمر تبني المذهب النسطوري فيها . ولكني أرى في هذا القول كثيراً من المبالغة ، نظراً إلى كون هذا المجمع ضيق النطاق ، إذ أنه لم يضم إلا بعض الأساقفة الموالين لبرصوما ضد إرادة الجاثليق الذي كـان يعتبر بحق رئيس الكنيسة الشرقية وإليه يعود أمر تقرير مـصيرها . ثـم أن برصوما نفسه نقض وأبطل هذا المجمع بعد أشهر قلائل ، حينما وجه رسائله إلى الجاثليق الجديد آقاق ، واستنكر ما جاء فيه من الأقـوال النابيـة بحـق الجاثليق المتوفي بابوي . هذا بالإضافة إلى أن هذا المجمع لم يحتو علـى أي تجديد عقائدي ولم يسن قانوناً بقي نافذ المفعول ، ما خلا ذلك الذي أيده المجمع العام الذي عقده الجاثليق باباي سنة ٤٩٧ مـن الـسماح بتـزويج الكهنـة والأساقفة وحتى الجاثليق نفسه . ولم يعتـرف الـشرقيون ، حتـى مجمـع غريغور الأول ( سنة ٦٠٥ ) ، بأن مجمع بيث لافاط هو الذي كان قـد قـرر الاعتراف بشروح تيودوروس المصيصي كتفسير رسمي للكتاب المقدس في الكنيسة الشرقية ، وذلك ردا على افتراءات أناس مغرضين على هذا المفـسر الكبير . ولكن برصوما النصيبيني لم يقف عند هذا الحد . بل أخذ يتحين الفرص للإيقاع بالجاثليق الذي ثقل عليه ظله . فأراد التخلص منه بأية وسـيلة كانـت ووجد الفرصة مؤاتية حينما قـبض علـى رسـالة أنفـذها الجـاثليق إلـى الإمبراطور الروماني زينون فيها يستنجده ليتدخل في تلطيـف الجـو علـى المسيحيين في المملكة الفارسية . ولدينا وثائق عديدة تنقل إلينا هذا الحـادث ، منها نسطورية وأخرى منوفيزية . وقد يكون ما يرويه التاريخ السعردي هو الأقرب إلى الحقيقة والواقـع فأنه يقول في سياق حديثه عن الاضطهاد الذي شنه الملـك فيـروز علـى النصارى في البلاد الفارسية : ” . . . واغتم بابوي بذلك غماً شديداً . وكتب إلـى زينون ملك الروم كتابا يشكو إليه فيه ما جرى على رعيته ويـسأله مكاتبـة فيروز في تخفيف الأذى . وأنفذه مع رسول وجعله في جوف عـصاه . فلمـا وصل نصيبين وقف أصحاب برصوما ما عليه . فأخذوا الكتاب وأنفذوه إلـى فيروز . ويقال أن برصوما فعل ذلك . فأحضر بابوي وعرض عليه الكتـاب مختوماً بخاتمه . فاعترف بصحة الختم . وكان قد ضمنه ما قاله بنو حننيا في أمر بختنصر . وأسلمه االله إلى “ المملكة الفاجرة ” ( ملكوثا رشيعتا ) التي هي شر من سائر ممالك الأرض . فلما قرئ الكتاب بحضرة فيـروز وفـسر إلـى الفارسية أغتاظ . وقال أنت مستحق القتل لأنك سميت مملكتي مملكة جبـارة فاجرة . وقد كانت سبيلي أن أقتلك منذ وقت خالفت أمري وأسمت الأسـاقفة . ولكن تغافلت عنك . فتجاوزت ذلك إلى غيره فقال من حضر من النـصارى إنما أراد بالمملكة الفاجرة أي المخالفة للنصارى . ولو عدل عن ذلـك لظـن الروم أنك نصراني وفيه وضع من ملكك . واعتذر بابوي وقال أنا أدعو للملك دائماً وأصلي عليه وأحب مملكته . فقال له فيروز خطأوك وأعظـم مـن أن يغفر . فإن كان ما ذكرته من محبتك صحيحاً فأسجد للشمس لأعلم حقيقة ذلك . فامتنع . فأمر أن يعلق على خشبة بإصبعه التي فيها الخاتم المختوم به الكتاب . فعلق بخنصره خارج المدائن إلى أن مات . وأخذ جسده قـوم مـن الحيـرة ودفنوه بها وكتب اسمه مع الشهداء “. وتضيف قصة حياته قائلـة : “لأنـه صلب بدافع بعض المجوس وبني شعبه “. والإشارة ههنـا واضـحة إلـى برصوما والذين آزروه في حملته ضد الجاثليق بابوي . وقد حدث هـذا بعـد مجمع بيث لافاط بمدة وجيزة ، أي قبل موت الملك فيروز الذي جرى الـذي جرى في صيف سنة ٤٨٤ . وكانت مدة بابوي في الجثلقة ٢٧ سنة .

برصوما المضطهد :
استطاع برصوما التخلص من خصمه الأكبر الجاثليق بابوي . فخلا له الجو ليمارس نفوذه ويظهر بطشه لكل من لا يسايره في المـذهب والآراء ، لاسيما وأن الملك فيروز يسانده ويضع قوة تحت تصرفه . إلا أن برصـوما أصبح عرضة للطعن وبولغ في قساوته ، حتى لقد قيل أنه قتل أكثر من سبعة آلاف منوفيزي . لا نكير أنه أظهر قساوة كبيرة ضد خصومه . وقد شهد على ذلك الكتبة الشرقيين أنفسهم . فإن ماري يقول ، “ طلب فيروز الملـك اليعاقبـة وقتلهم وقتل منهم بتكريت خلق وتمجس الباقون . . . وقتل مـن اليعاقبـة فـي شرقي الموصل خلق “. ويقول صليبا : ” . . . وجرى لأجل ذلك أشياء يطـول شرحها بين برصوما وأهل مذهب جبرائيل أريق فيها الدماء “. وهنا يسمي صليبا المنوفيزيين من أهل جبرائيل وهـي تـسمية سـابقة لأوانهـا ، إذ أن جبرائيل السنجاري كان طبيب الملك كسرى الثاني في مطلع القرن الـسابع . ومن الغريب أن سمعان الأرشمي )+ قبل ٥٤٠( الذي عاش قريبا من هـذه الأحداث لا يذكر شيًئا عن اضطهاد برصوما لبني مذهبه . أمـا ميخائيـل السرياني الكبير ، فإنه يستند في حديثه إلى ما كتبه ماروثا التكريتي في نحو سنة ٦٣١ ، أي بعد قرن ونصف قرن من وقوع هذه الأحداث الدامية . ويمكننا تحديد زمان اضطهاد برصوما بين موت بـابوي سـنة ٤٨٤ ومجمع بيث عذراي سنة ٤٨٥ . أما مسرح هذه الأحداث فيتسنى لنا تعيينه في منطقة تمتد ما بين المداين حتى شمالي نينوى ( الموصل ) . ويبان أن ما قيـل عن مقاومة تكريت لبرصوما ليس إلا من العناصر التي أضيفت إلى الوثائق في عهد متأخر ، وذلك لكي تعطي أهميـة لتكريـت التـي أصـبحت قلعـة المنوفيزية بعد منتصف القرن السادس خصو صا ، حتى قيل أن برصوما قتل في كرمى بالقرب من تكريت ، وأن اغتياله جرى على يد راهبة أرثوذكـسية قضت عليه بضربات المفاتيح . أما ابن العبري فيضع هذا الحادث عينه فـي منطقة طور عبدين . إلا أن الملك فيروز الذي كان يساند برصوما النصيبيني ويحميه توفي هو أيضاً في صيف عام ٤٨٤ ، منتحرا في المعركـة التـي خاضـها ضـد الهونيين . وخلفه بالش على العرش الفارسي . ولم يكن برصوما يلاقي إذنـاً صاغية لدى هذا الملك . ورأى المسيحيون الفرصة مؤاتية فانتخبوا لهم جاثليقاً خلفاً لبابوي ، وكان هذا المنتخب “ اقاق ” الذي كان من خريجي مدرسة الرهـا وزميلاً لبرصوما في هذه المدرسة ، وكان قد رافق نرساي وبرصـوما عنـد تيودولس خلف تيودوروس المصيصي فباركهم هذا الملفان واسـبغ الألقـاب على الأستاذ الكبير نرساي ، وسمى اقاق أيضاً عمود المشرق . وكان اقـاق من جهة أخرى يمت بصلة القرابة إلى الجاثليق بابوي ، وقد استقدمه هذا إلى المداين لكي يعلم في مدرسة ساليق الشهيرة ، ولكي يدحض أيـضاً مـزاعم برصوما وآراءه المناهضة للجاثليق . وحاول برصوما الطعـن فـي سـيرة الجاثليق الجديد ايضاً وإظهاره بمظهر سيء أمام المؤمنين ، وحرض المجوس عليه ، فحبسوه زماناً وآذوه “ . ولكن اقاق دحض مزاعم برصـوما ببرهـان قاطع لا يترك مجالاً للشك في فضيلته ، كما يرويـه لنـا مـاري ببـساطته المعهودة . فخزي برصوما إذ ذاك ولم يسعه إلا التقـرب مـن الجـاثليق والإقرار بسوء تصرفه تجاه سلفه الراحل . أما الأسباب التي حدت برصوما إلى اتخاذ هذا الموقف المسالم فهـي عديدة ، منها :
١- شعر برصوما بتضعضع موقفه من جراء موت الملك فيروز .
٢- علم أيضا أن اقاق من الثقة والسيرة الفاضلة بحيث لا يتسنى لـه مقاومته .
٣- تحقق أن الصراع غير مجٍد بل هو مضر جـدا فـي الظـروف العسرة التي تجتازها الكنيسة الشرقية .
لأن النفوذ المنوفيزي أخذ في الازدياد وبدأ يتسرب في الشرق أيـضا فليس من المعقول أن يعمل هو برصوما على تفريق القوى أمام هذا العـدو المشترك المداهم . وقد تحقق مطرافوليط نصيبين أن هذا الخطر يهدد مركزه بالذات ، وهذا ما نستشفه من رسالته الثالثة إلـى الجـاثليق اقـاق . فـإن المنوفيزيين كانوا يلقون كل عون وتأييد من الإمبراطورية الرومانية آنـذاك . ومن ثمة فقد شعر برصوما بافتقاره إلى تأييد الجاثليق للحـد مـن نفـوذهم المتصاعد حتى في مدينته وإيقاف تغلغلهم فيها .

مجمع بيث عذراي ( ٤٨٥ ) :
ما أن أظهر برصوما رغبته في التفاهم ، حتى رحب بها الجاثليق اقاق وأبدى استعداده التام لإجراء المفاوضات . واتفق الفريقـان علـى أن تكـون المفاوضات في بلدة بيث عذراي )باعدري( الواقعة بالقرب من ألقوش شمالي الموصل . وهناك ، بعد مداولات طويلة وشاقة توصلوا إلى نتيجـة إيجابيـة . وكان ذلك في شهر آب من سنة ٤٨٥ . فقدم برصـوما الطاعـة للجـاثليق واستنكر كل ما جاء في مجمع بيث لافاط سنة ٤٨٤ وألغى مقرراته . ثم طلب إلى اقاق أن يدعو إلى مجمع آخر عام يعقد في ساليق للنظـر فـي قـضايا الكنيسة وإعطائها الصبغة الرسمية النهائية . ولقي هذا الاقتـراح استحـسان الجميع.

مجمع ساليق ( ٤٨٦ ) :
نزولاً عند رغبة برصوما وابتغاء توحيد الآراء في الكنيسة الـشرقية ، عقد الجاثليق اقاق مجم عا في ساليق سنة ٤٨٦ ، حضره عدد مـن الأسـاقفة ، ومن بينهم بعض أتباع برصوما . أما برصوما نفسه ، فقد تخلف عنه متعـذراً بشتى الحجج والأعذار ، في سلسلة من الرسائل وجهها إلى الجاثليق يعلن لـه فيها ولاءه ويقدم احترامه وطاعته ويبدي أسفه على ما صـدر عنـه ضـد الجاثليق بابوي في مجمع بيث لافاط . أما الأعذار التي قدمها برصوما لعدم حضوره فهـي أن المقاطعـات الشمالية من المملكة الفارسية معرضة لمجاعة شـديدة ولهجـوم الرومـان الانتقامي على بعض القبائل الرحل التي عاثت فسا دا في منطقتهم . . . ولهـذا فهو يطلب إلى الجاثليق أن يؤجل المجمع إلى السنة التالية ، ريثما يرجع مـن العاصمة البيزنطية حيث أرسله الملك الفارسي بالاش لكي يطلـع الرومـان على تسلمه زمام الملك في البلاد الفارسية . ولكن الجاثليق حرض برصـوما على الحضور في المجمع رغم ذلك . فاعتذر برصوما في رسالة أقر فيها أنه في السابق أثار الأساقفة على بابوي ، ولكنهم هم أي ضا حرضوه على العصيان وأشاروا عليه بأشياء “غريبة عن المسلك المسيحي ” . ثم استنكر مـن جديـد مجمع بيث لافاط وألغى مقرراته واعترف أن كل مرة لم تخـضع نـصيبين لمديرها الجالس على كرسي الكنيسة المقدسة في ساليق ، حدثت في الـشرق نتائج وخيمة وحلت مصائب كبيرة . وإذ شعر برصوما بصعوبة موقفه في نصيبين من جراء أناس مناوئين ولتغلغل عنصر المنوفيزي في المدينة ، التجأ إلى الجاثليق وطلب منه التدخل للحد من المعارضة في مركز أبرشيته ورشق المشاغبين بالحرم لعلهم يرجعون عن غيهم . وتمكن برصوما بدهائـه مـن الحصول على رسالة من الملك فيها يأمره بالبقاء في مركز أبرشيته بـالنظر إلى الاضطرابات السياسية المتوقعة في المنطقة الشمالية . وحاول برصـوما إرضاء الجاثليق فأرسل له هدية نقدية دسمة مع بولس أسقف ليدان . . . هذه كانت الأعذار الخارجية التي قدمها برصوما ، ولكننـا نـشعر أن لتصرفه هذا أسبابا أخرى تتلخص في تردده أو خوفه من الحضور في هـذا المجمع بالنظر إلى سلوكه الشخصي وإلى ما قام به من المعارضة للـسلطة الكنسية ، لاسيما وأن قضية بابوي ما زالت حديثة العهد . وقد أثر تخلفه هـذا على الأساقفة في المناطق المجاورة ، فأحجم عدد منهم عن الحضور أيـضا . لذا فأن المجمع لم يضم في الواقع سوى مطرافوليط بيث كرمـاي وأسـقف كشكر وبقية الأساقفة الدائرين في فلك الأبرشية البطريركية ، ونفر أخر أتـوا من بعيد ، أمثال جبرائيل أسقف هراة ( خرسان ) . وكان الجاثليق نفسه يـرئس المجمع . بدأ المجمع جلساته في شهر شباط سنة ٤٨٦ . وبعد مقدمـة قـصيرة ، توصل الآباء إلى سن ثلاثة قوانين هامة تطرقوا فيها إلى الـشؤون الكنـسية الراهنة :
القانون الأول :
تطرق إلى قضية الرهبان الذين يتجولون من موضع إلى آخـر ، فـي المدن والقرى ، وهم يعلمون تعاليم فاسدة فيما يتعلق بالإيمان الصحيح بالمسيح ففرض المجمع على هؤلاء العودة إلى مناسكهم أو إلى ديورتهم . ثـم حـدد الآباء عقيدة الكنيسة الشرقية بقولهم : “ يجب أن يكون إيماننا جميعاً بالاعتراف بطبيعة إلهية واحدة في ثلاثة أقانيم كاملة لثالوث واحد حقيقي وأزلـي ، الآب والابن والروح القدس . ( هذا الثالوث ) الذي به تقهر الوثنية وتدان اليهوديـة . ويكون إيماننا أيضا بتـدبير المـسيح بـالاعتراف بـالطبيعتين : اللاهـوت والناسوت . ولا يتجاسرن أحد منا أن يدخل في اختلافات هـاتين الطبيعتـين مزجاً أو خلطاً أو بلبلة . فبينما يكون اللاهوت قائماً ومحتفظاً بخواصه ، نضم في سيادة واحدة وسجود واحد اختلافات الطبائع لأجل الاقتران الكامل والغير منفصل الذي صار بين اللاهوت والناسوت . وإذا فكر أحد وعلم لآخـرين أن الألم والتغيير يلحق بلاهوت ربنا ، ولا يحفظ ، بالنظر إلـى وحـدة شـخص ( فرصوفا ) ربنا ، الاعتراف بإله كامل وإنسان كامل ، ليكن هذا محرو ما “)١ .
القانون الثاني :
يعيد الكرة على الرهبان المتشردين ويأمرهم بـالعودة إلـى أديـارهم ويمنعهم من الإقامة في المدن والقرى أو تسلم الخـدمات الدينيـة أو القيـام بمراسيم الكنيسة حيثما يوجد مطران أو كهنة أبرشيون . ويناشـد المـؤمنين والرؤساء بعدم الاستجابة إلى مطاليب هؤلاء الرهبـان أو مـساعدتهم ، وإلا فإنهم يعرضون أنفسهم للحرم .
القانون الثالث :
يرفض على المطران ، أيا كان ، الحق في منـع الـزواج فـي نطـاق أبرشيته ، ويأمره بألا يفرض البتولية على أقليروسه ، كهنة كانوا أم رهبانـًا ، ويستند في ذلك إلى قول الرب ( متى ١١/١٩-١٢ ) وكتابات القـدس بـولس الرسول ( ١ كور ١/٧ ، ٢ ، ٨ ، ٩ ) . فعلى كل واحد أن يختار بـين البتوليـة والزواج الشرعي . وسمح هذا القانون للشمامسة بأن يتزوجوا وكذلك للكهنـة إذا توفيت زوجتهم ، وحذر عليهم منع أثمار الزواج ، إلا لعلـة العقـم . أمـا المتبتلون منهم ، فعليهم أن يقيموا في الأديرة . وهكذا فأن هذا المجمع جاء في الواقع تأييداً لما وضعه برصوما النصيبيني في مجمع بيث لافاط . ثم تلي تواقيع الآباء الخمسة والعشرين الحاضـرين وفـي مقـدمتهم الجاثليق اقاق . وقد يكون الدافع الذي حدا الآباء إلى اتخاذ هذا الموقف المتساهل تفشي الشرور والعادات المجوسية بين المؤمنين وحتى بين الأقليروس نفسه . فلكي يتجنبوا الوقوع في المعاثر ويعطوا الكنيسة مظهراً لائقاً أمام الفرس الوثنيين الذين كانوا يقدسون الزواج ويستهجنون من يرغب عنه لأية علة كانت ، التجأ آباء هذا المجمع إلى إعادة الشرعية لزواج الأقليـروس . وأصـبحت هـذه القوانين سارية المفعول في الكنيسة الشرقية منذئـذ للـدرجات الـدنيا مـن الكهنوت . وإذا رأينا قريبا شخص غير متزوج يشغل كرسي سـاليق ، فـذلك لأنه من الرهبان المتبتلين ، انتشلوه من ديره لعلمه الغزير وسيرته الفاضـلة وأقاموه رئيساً على المؤمنين ولكن هل أفلح هذا المجمع في توثيق عرى الوحـدة بـين الجـاثليق وأساقفته؟ وهل قدر الجاثليق أن يكتسب ثقة برصوما النصيبيني؟ قد يكون المجمع حقق شيئاً من الهدف الأول . أما في العلاقـات بـين الجاثليق وبرصوما فلم يكن ثمة سوى هدنة قصيرة الأمد ، تقبلهـا برصـوما على مضض ، نظراً إلى الظروف الصعبة التي يجتازها . وحينما أرسل الملك بالش الجاثليق اقاق بسفارة إلى القسطنطينية سـنة ٤٨٧ ، أبدى البطريرك القسطنطيني تحفظه في صحة معتقده وطلب إليـه أن يحرم برصوما الذي بلغتهم عنه أمور عديدة ، فأضطر الجاثليق إلـى تلبيـة رغبة الرومان ليتسنى له الاشتراك معهم في الأسرار . وفي طريق عودتـه ، مر بنصيبين حيث كان الآهلون حانقين على مطرانهم برصوما وطلبوا إلـى البطريرك إبداله . ولكن اقاق توصل إلى تهدئتهم وإقناعهم بـضرورة إبقـاء برصوما على رأس أبرشيتهم نظراً إلى شخصيته وإلى النفوذ الذي كان مـا يزال يتمتع به بعض الشيء في البلاط الفارسي لأجل خدماته السابقة . غير أنه سرعان ما تلبدت السماء ثانية بالسحب الدكناء وأخذت الأمور تتردى بين الجاثليق ومطران نصيبين . ويطلعنا مجمـع بابـاي علـى أن الخصومات بدأت من جديد بين الجاثليق وبرصوما واتباعهمـا منـذ الـسنة الرابعة لقباذ ( أي سنة ٤٩١ ) حتى السنة الثانية لملـك زاماسـف ( أي سـنة ٤٩٧ ) . ولكنه في الواقع قد وافت المنية برصوما قبل سنة ٤٩٧ . إذ إننا نرى سنة ٤٩٦ً شخصا آخر يشغل كرسي نصيبين وهو “هوشع ” . ولحقه اقاق إلى اللحد بعد مدة قصيرة ، بعد أن شغل كرسي ساليق نحو اثنتـي عـشرة سـنة ( ٤٨٤-٤٩٦ ) . ولكن هذه الاضطرابات والخصومات الجارية في الكنيسة الشرقية لـم تحل دون انتشار الديانة المسيحية في هضبات إيران وبين الأكراد حيث اندفع المسيحيون إلى بذل دمائهم في سبيل المسيح ، أمثال القديس سابا الذي كان من منطقة بلشفر وتتلمذ على راهب اسمه كليليشوع واستشهد سـنة ٤٨٧ في منطقة بيث ارامايي . إلا أن هذه الاضـطرابات كانـت حقـلاً خـصباً للمنوفيزيين الذين أحسنوا استغلالها وزادوا من نفوذهم في المنطقة الشرقية . أجل ، لقد اكتسب المنوفيزيون نفوذاً قوياً في المنطقة الرومانية وبـدأوا يتسربون في المنطقة الفارسية أيضا . وقد رأيناهم يزعجون برصوما حتى في نصيبين مركز أبرشيته ، مما دفعه إلى أن يتقرب من الجاثليق ويطلب منه أن يحرمهم . وأفلحوا في تنظيم صـفوفهم بـين القبائـل العربيـة المتاخمـة للإمبراطورية الفارسية ، ولاقوا كل مؤازرة من الأمراء اللخميـين . ولعـب سمعان الأرشمي دوراً رئيساً في هذا الانتشار . فإنه كـان لولـب الحركـة المنوفيزية بين الشرق والغرب . وسيأتي الكلام عنه وعن نشاطه في المنطقة الشرقية . وكان بعض الأباطرة الرومان يساعدونهم أيضا ، أمثال الملك زينون في مرسوم الاتحاد والمصالحة “ هينوتيكون ” الذي أراد فرضه على النساطرة . وحتى في المجمع الذي عقده باباي سـنة ٤٩٧ ، تحـزب أسـقفان شـرقيان للمذهب المنوفيزي ، وهما : فافا أسقف بيث لافاط الذي كان زميلاً في الدراسة لفليوكسينس المنيجي ، ويزداد أسقف روارداشير .

مجمع باباي ( ٤٩٧ ) :
إن العلاقات الحسنة التي كانت سائدة بين المملكة الفارسية والكنيـسة الشرقية في عهد الجاثيلق اقاق استمرت في عهد خلفه أيضا ، رغم الظـروف السياسية الحرجة التي اجتازتها البلاد . فإن قباذ الأول الذي خلف بالش سـنة ٤٨٨ على عرش الإمبراطورية الفارسـية ، أراد أن يطبـق فيهـا بعـض النظريات المزدكية . وقـد اسـتهدف مـن وراء ذلـك تحطـيم الطبقـة الأرستقراطية في البلاد والسيطرة على أموال الإقطـاعيين الكبـار . ولكـن المجوس لم يرضوا بذلك ، فعملوا على عزله وإقامة أخيـه “ زاماسـف ” بـن فيروز مكانه في الحكم . وكان زاماسف أيضا عطوفاً على المسيحيين . وقـد نقل إلينا ماري وصليبا حواراً جرى بينه وبين الجاثليق باباي في شـأن إكرام ذخائر القديسين وإكرام الموتى .
وحينما توفي الجاثليق اقاق سنة ٤٩٦ ، انتخب باباي خلفا له . وينـسب ماري وصليبا هذا الانتخاب إلى تدخل رباني . مهما يكن من أمر فقـد كـان هناك تأثيرات أخرى أيضا لدى الـبلاط الفارسـي ، يلمـح إليهـا التـاريخ السعردي . وكان باباي هذا ابن هرمزد طاعناً في السن ، متزوج وله أولاد . ويقال أنه كان أميناً لمرزبان بيث ارامايي . ولكن التناقض ظاهر بين ما يقوله ماري من أنه كان “أميا لا يكتب ولا يقرأ ” أو صليبا الذي يقول أنـه “ كـان شيخاً كبيراً خيراً تقيا حسن الأمانة والديانة من أهل المداين “، وبـين مـا يرويه التاريخ السعردي عنه أنه كان “حسن الطريقة والفهم بالكتب ” . ولما كانت الديانة المجوسية مهددة بالانهيار أو التفـسخ تحـت تـأثير المحدثين الذين اندسوا فيها ودعوا إلى عوائد جديدة ، كما قلنا سابقاً ، فقد أراد الملك أن يسانده المسيحيون في مقاومة دعاة الشر فـي الديانـة المجوسـية ، فوجه الجاثليق مرسوماً يقضي باستدعاء الأساقفة الخاضعين له إلـى مجمـع لكي يجروا إصلاحاً بشأن الزواج الشرعي وإنجاب الأولاد ويفرضوه علـى الأقليروس في البلاد كلها . ولذا فقد اجتمع الأساقفة في ساليق فـي تـشرين الثاني سنة ٤٩٧ وعقدوا مجمعهم الشهير الذي أعاد النظر في مجمـع بيـث لافاط ومجمع ساليق السابق . وقد تمخض هذا المجمع عن المقررات التالية :
١- أيد ما جاء في مجمع برصوما النصيبيني في بيث لافاط سنة ٤٨٤ بشأن زواج الأقليروس ، وأجازه للبطريرك نفـسه وحتـى آخـر شخص في الدرجات المقدسة .
٢- ألغى المجمع ما تراشق به أصـحاب الجـاثليق اقـاق وأنـصار برصوما من التهم والحروم منذ سـنة ٤٩١ حتـى سـنة ٤٩٦ . وفرض المجمع إحراق كل الوثائق الخاصة بهذه الفترة .
٣- أقر المجمع كل القوانين التي سنت في مجـامع الآبـاء الأقـدمين والتي تهدف إلى الدفاع عن كرامة الكرسـي الرسـولي لكنيـسة كوخي الكبرى وعن أولويته ( وهذا يعني عدم اللجوء إلى إنطاكية والغرب ) ، ويهدد الآباء بفصل كل من تسول له نفسه بالمروق عن طاعة الجاثليق الذي هو الرئيس الأعلى للكنيسة الشرقية .
٤- قرر الآباء بعقد مجمع كل أربع سنوات لدى الجاثليق ، وذلك فـي تشرين الأول ، مع الاحتفاظ للجاثليق بحق استدعاء المجمع كلمـا دعت الضرورة إلى ذلك . ويترتب على جميع الأساقفة الحـضور
فيه ، إلا إذا حال حائل دون حضور أحدهم ، فيرسل من ينوب عنه من بين كهنته الأمناء .
٥- أعطى الآباء مهلة سنة للمطرانين فافا أسقف بيث لافاط ويـزداد أسقف روارداشير لكي يقدما الخـضوع للجـاثليق وإلا فـسوف يعتبران معزولين ومفصولين عن الكنيسة .
٦- تطرق المجمع إلى الرسامات الأسقفية التـي جـرت فـي عهـد الخصام . فإن كان انتخاب هؤلاء الأساقفة شرعياً ، فإنهم يقبلـون بمحبة أخوية بين مصاف الأساقفة . أما من اختص بنفـسه هـذه الدرجة قسراً وبصورة غير شرعية وبدون انتخـاب الأقليـروس والمؤمنين ، فهذا لن يقبل البتة في الكنيسة ولن يعتبر أسقفاً فيها . وذيل الآباء هذه الوثيقة بتسعة وثلاثين توقيعاً ، يتقدمهم توقيـع شـيلا اركذياقون الجاثليق باباي الذي وقع بالنيابة عن رئيسه الجاثليق . . . . فنرى أن مجمع باباي لم يأت بأمور هامة جديدة ، إنما جاء دعمـًا نهائيا لمقررات بيث لافاط ومقررات مجمع اقاق . ولهذا فأنه يعتبر المجمـع الحاسم الذي قرر مصير الكنيسة الشرقية وانفصالها الإداري عـن الغـرب وتبنيها المذهب الشرقي ، كما أقره مجمع اقـاق بـشأن الثـالوث والتجـسد . وسيحاول اللاهوتيون الشرقيون خلال الأجيال اللاحقة إيلاء هـذا المـذهب صيغته النهائية وتزويده بالتعابير الملائمة . . .

فترة الرآود :
كان النصف الأول من القرن السادس فترة ركود للكنيـسة الـشرقية ، عمت فيها الخصومات والمنافسات على السلطة ، وقـل الاهتمـام بالـشؤون الدينية ، وأهملت القوانين والمشترعات . فلا مجمع ثمة ولا تجديد ولا حركـة تهدف إلى السير بالكنيسة إلى الأمام . وأخذ كل يفتش عن مصالحه الشخصية ويتزلف إلى رئيس يختاره على هواه ، حتى إذا لـم تتـوفر فيـه الـشروط اللازمة . . . وظلت الكنيسة تئن وترزح تحت وطأة الفوضـى نحـو أربعـين سنة . ففي سنة ٤٩٨ ، أزاح قباذ أخاه زاماسف عن الحكـم وتـولى زمـام الأمور فيها . غير أن الخبرة علمته أن يستند إلى رؤساء الـدين المجوسـي والى الأشراف وأن يكتسب مساعدتهم . ولكي يلهي الشعب ، زجه في حـرب ضد الرومان سنة ٥٠١ ، فاكتسح المقاطعات الرومانية المتاخمة للمملكة ابتداء من ريشعينا وآمد ، حتى اضطر انسطاس الروماني إلى عقد معاهدة صلح مع قباذ الذي رحب بها نظراً إلى التهديد الذي كانت البلاد الفارسية معرضة لـه من الأقوام الهونية ( الهياطلة ) . وتمت هذه المعاهدة أو الهدنة سنة ٥٠٦ . وفي غمرة هذه الأحداث الدامية ، وافت المنية الجاثليق باباي سنة ٥٠٣ فخلفه شيلا الذي كان اركذياقونا عنده والذي وقع عنه في مجمع سـنة ٤٩٧ ، كما مر بنا . ولكنه يبدوا أنه لم يقم جاثليقا إلا سنة ٥٠٥ ، وقـد يكـون ذلـك لانشغال الملك الفارسي بالحرب ضد الرومان . ويصف المؤرخـون شـيلا بالعلم الغزير ، ولكنهم يذمونه لجشعه المفرط ، وينحون باللائمة على زوجتـه التي دفعته إلى حب المال والغنى . فعاتبه الملفان ماري التخلي على هـذا الجشع ، ولكن الجاثليق ، عوضاً عن أي يرعوي ، رشق ماري بالحرم . وكـان “ بوزق ” مطران هرمزدارداشير يؤيد هو أيضا شيلا ويـسانده علـى جميـع مناوئيه . وكان بوزق هذا قد شفي قباذ وأبنته ونال من جـراء ذلـك حظـوة كبيرة لدى الملك الفارسي . ولهذا فقد عاش المسيحيون في زمان شيلا بسلام وطمأنينة وأقيمت الكنائس في شتى أرجاء المملكة الفارسية . ولكن الصعوبة الكبيرة بدأت عند موته سنة ٥٢٣ . فقد أوصى بالخلافة لصهره الطبيب اليشاع . إلا أن المرشح كان ذا سيرة معيبة ، فلم يـرض بـه الأساقفة رئيساً عليهم ، بل اجتمع قوم منهم وتكتلوا لينتخبوا شخصاً آخر هـو نرساي الذي يقال أنه كان أسقف الحيرة ، ويقال أيضا أنه لم يكن سوى كاتب من الأهواز . وقد أيد بوزق هذا الحزب وأراد أن يطلب إلى الملـك الـسماح بالانتخاب لنرساي . وكان الملك آنذاك في منطقة حلوان . إلا أن داود مطران مرو سبقه ورسم اليشاع قبل أن يقام نرساي في الكنيـسة الكاتدرائيـة فـي ساليق . وتمكن اليشاع بواسطة صديق له اسمه “ بيروي ” طبيب الملك وبالهدايا الكثيرة الدسمة أن ينال من العاهل الفارسي مرسو ما يخوله السلطة الـشرعية على الكنيسة الشرقية جمعاء . . .
وهكذا عمت الفوضى ، حتى أن مطرافوليط بيث لافاط وأسقف كـشكر فضلا الوقوف على الحياد في هذه النكبة القاسية التي فيها ضاعت المقـاييس وفقدت القيم الأصيلة . وأخذ كل من الجاثليقين ، خلال اثنتـي عـشرة سـنة ، يواصل النضال ضد زميله ومنافسه ويرسم الأساقفة من الموالين له ويرشـق الحزب الآخر بالحرم . ويقول ماري وكتاب المجامع إن فترة الخلافـات هذه دامت ١٥ سنة وهذا ما يؤدي بنا إلى سنة ٥٣٨ . وفي هذه السنة مـات نرساي . فظن اليشاع أن الجو قد خلا له لينفرد بالسلطة على الكنيسة كلهـا . ولكن تصرفاته الخرقاء نفرت القلوب منه . فاجتمع الأساقفة وقـرروا عزلـه وحذف اسمه وأسم نرساي من لائحة الرؤساء . وأقام الأساقفة بولس جاثلي ًقـا عليهم بالإجماع في مطلع سنة ٥٣٩ . وكان بولس هذا مطرانا على كرسـي هرمزارداشير خلفا لبوزق المتوفى ، حسبما يقول المؤرخون الشرقيون . أما أبن العبري فيقول أنه كان اركذياقون لكنيسة ساليق . ويظهر أن المنتخـب الجديد كان محايدا طيلة مدة النزاع ، وأنه كان ذا حظوة لدى كـسرى الأول انوشروان الذي تولى الحكم سنة ٥٣١ بعد موت أبيه قبـاذ . إلا أن رئاسـة بولس لم تكن طويلة الأمد ، إذ لم تدم إلا بضعة أشهر ، ويقال شـهرين فقـط . وتوفي في أحد الشعانين سنة ٥٣٩ . ويقول عنه التاريخ السعردي أن بـولس “ لما صار جاثليقاً مال قليلاً إلى حب اليشاع ونسي عهده ومـا عقـد علـى نفسه “.وكانت الكنيسة الشرقية بأمس الحاجة إلى من ينهض بهـا ويـصلحها ويزيل عنها آثار هذه الرئاسة المزدوجـة التـي جـرت عليهـا المـصائب والويلات . . . وقد من االله عليها بهذا المصلح في شخص مار ابا الكبير .

الفصل الثامن الكنيسة الإنطاكية بعد المجمع الخلقيدوني
لقد أطلعنا على موقف كنيسة إنطاكية تجاه كنيسة المشرق والأحـداث التي دارت في النصف الأول من القرن الخامس حتى المجمع الخلقيـدوني . وليس في حوزتنا معلومات دقيقة عن هذه الكنيسة في السنين القليلة التي تلت المجمع الخلقيدوني . إنما نعرف أن مكسيم خلـف دمنـوس علـى الكرسـي الإنطاكي . ولكنه عزل سنة ٤٥٦/٤٥٥ ، ثم تتابع من بعده على هذا الكرسـي باسيليوس واقاق ومرتيريوس .

بطرس القصار :
بينما كان زينون قائد القوات الرومانية موجوداً في الشرق ، جاء إلـى إنطاكية راهب من خلقيدونية ، منفوزي المـذهب ، أسـمه بطـرس الملقـب بالقصار . وأخذ بطرس يثير الشعب في إنطاكية على مطرانهـا مرتيريـوس الذي أضطر إلى مغادرة المدينة على اثر شغب حدث فيهـا . ومـا أن خـلا الكرسي الإنطاكي ، حتى أحتله بطرس الذي كان قد اقتبل الرسامة الأسـقفية في سلوقية سورية بوضع أيدي بعض المطارنة وتحت ضغط من زينون . إلا أن مرتيريوس عاد إلى كرسيه بعد سـنتين ، بعـد أن رفـع شـكواه إلـى القسطنطينية وأكتسب الدعوى ضد خصمه ، وذلك سنة ٤٧٠ . ولكنـه تخلـى عن كرسي إنطاكية نهائًيا سنة ٤٧١ ، وقد مل من المشاغبات التـي أثارهـا ضده بطرس القصار . وإذ ذاك ظهر بطرس ثانية واعتلى الكرسي الإنطاكي .
غير أن أمراً صدر ضده قضى بإبعاده عن إنطاكية وتعيين خلف له في هـذه السنة نفسها ، وهو يوليانس . وأفلح بطرس في العودة إلى إنطاكية للمرة الثالثة والاستيلاء على الكرسي لمدة وجيزة ، ثم نفي وجاء عوضه “ كودونا ” ، وهـو أحد أصدقائه . وكان قد رسم مطراناً لأقامية ولم يرض به الآهلون ، فاضـطر إلى العيش منعزلاً في إنطاكية . ولكن مجمعاً رومانياً عقد سنة ٤٧٨ رشـق كودونا بالحرم أقصاه عن منصبه . فحل محل شخص يدعى اسـطيفان فـي السنة عينها . . . ولم تدم رئاسته سوى سنتين ، لأن المنوفيزيين أجهزوا عليـه سنة ٤٨١ بضربات قصبات مرضوضة وحادة . فاضطرت القـسطنطينية إلى أن ترسل إلى أهل إنطاكية ” قلنديون ” الذي اختير ونال الرسامة الأسقفية في العاصمة البيزنطية نفسها . . . وجرت أحداث مماثلة في أنحاء شتى مـن سـوريا . فـإن المـذهب المنوفيزي تغلغل بين صفوف الرهبان الذين تجندوا له وراحوا يطوفون فـي طول البلاد وعرضها ويعلنون على الملأ أفكارهم ، بل يفرضونها على الناس في المدن والقرى . وكان الإمبراطور ” بازيليسكس ” قد أصدر “براءة ” تقضي بنبذ المجمع الخلقيدوني ورسالة البابا لاون إلى فلابيانس . وكان لزاماً علـى الأساقفة في الإمبراطورية كلها أن يقروا هذه البراءة . وقد بلغ عـدد الـذين رضخوا لها ٥٠٠ أو ٧٠٠ أسقف .

مرسوم الاتحاد ( هينوتيكون ) :
كان اقاق بطريرك القسطنطينية في مقدمة الذين رفضوا البراءة الملكية وخالفوا بذلك أمر الإمبراطور بازيليسكس . ولما وصل النزاع بـين الـسلطة الكنسية والسلطة المدنية أشده ، إذا بزينون يزيح بازيليسكس ويأخـذ بزمـام الأمور في العاصمة البيزنطية ٤٧٦ ويبعد الإمبراطور السابق وينفيـه مـع ذويه إلى قبدوقية حيث قضوا جوعاً . وفي بادئ الأمر ، مـال الإمبراطـور الجديد إلى الخلقيدونيين وألغى جميع الإجراءات التي قررها ضدهم . فاجتمع إليه كثير من الأساقفة في العاصمة وابدوا له خضوعهم وتأييدهم سنة ٤٧٧ ، واستنكروا ما جاء في براءة بازيليسكس . أما بطرس القصار ، فقد طرد مـن أبرشية إنطاكية هذه المرة أيضاً . إلا أن هذا التأرجح فـي موقـف الأسـاقفة أظهر دخيلة أمرهم وميلهم إلى المنوفيزية وخضوعهم الظـاهر فقـط لمـا تفرضه السياسة الحالية . إزاء هذا الواقع ، شاء اقاق القسطنطيني أن يحقق بعض المساومة لكي يوحد الآراء ويجمع سلطته تحت أكبر عدد ممكن من الأساقفة . وكانت هـذه المساومة تتوقف على أن يتخلى عن المجمع الخلقيدوني ويتبنى حروم قورلس الإسكندري ، وهكذا يمكنه التوفيق بين النزعتين في الكنيسة ويقرب وجهتـي النظر ويكتسب نفو ًذا على الأساقفة . ولم يكن من العسير على اقـاق إقنـاع الملك زينون بتبني هذه الفكرة . وقد جرت أحداث فـي الإسـكندرية أيـ ًضا أظهرت ميل الملك إلى المذهب المنوفيزي ، إذ فرض تعيين بطريرك من هذا المذهب على كرسي مار مرقس الرسولي . وعلى أثر هذه المساومات أصدر مرسومه الشهير “هينوتيكون ” وأراد تعميمـه علـى الأقليـروس والـشعب المسيحي قاطبة في جميع أرجاء الإمبراطورية . وإليك نص هذا المرسوم :
“نريد أن نعلمكم بأننا نحن وجميع كنائس العالم ، لا نعترف بقـانون أو صورة أخرى للإيمان ما عدا قانون الآباء الثلاثمائة والثمانية عشر الذي أيده الآباء المائة والخمسون . فإذا كان لأحد إيمان غير هذا فإننا نعلن حرمـه . إذ بهذا القانون وحده يتم الخلاص لإمبراطوريتنا ، كما نعتقد . وليس لكل الشعوب التي تنال معمودية الخلاص قانون إيمان غيره . والآباء المجتمعون في أفسس الذين نبذوا نسطوريوس الكافر وأعوانه لم يتبعوا إلا هذا القانون . فـنحن إذ نحرم سوية نسطوريوس واوطيخا ، لأنهما يخالفـان شـعور الآبـاء ، نقبـل الفصول الاثني عشر التي نشرها قورلس المقدس الذكر الذي كان في السابق رئيس أساقفة الكنيسة المقدسة في الإسكندرية . إننا نعترف بابن االله الوحيـد ، الذي هو االله والذي أصبح إنساناً حقاً ، ربنا يسوع المسيح ، المساوي للآب في اللاهوت ، والمساوي لنا في الناسوت ، الذي نزل وتجسد من الـروح القـدس ومن العذراء مريم والدة االله ، وهو واحد وليس اثنين . ونقول أن المعجـزات والآلام التي قاساها إرادياً في الجسد هي لواحد . وإننا لا نقبل أولئـك الـذين يقسمون أو يمزجون أو يقولون بوجود هيئة . ذلك لأن التجسد المنـزه عـن الخطيئة من والدة االله لم يضف اب ًنا آخر . فإن الثالوث قد ظل هـو الثـالوث حتى حينما تجسد واحد من الثالوث وهو االله الكلمة . وإذ نعلم أن لا كنائس االله المقدسة الأرثوذكسية في العالم ، ولا الأساقفة محبو االله الذين يترأسونها ، ولا إمبراطوريتنا برمتها ، لا تقبل قانوناً أو إقرار إيمان آخـر عـدا ذاك الـذي أعلناه ، وكل من يفكر أو فكر بخلاف هذا ، الآن وفي كـل الظـروف ، فـي خلقيدونية أو في مجمع آخر ، فإننا نعلـن حرمـه . ونحـرم بنـوع خـاص نسطوريوس واوطيخا وأعوانهما . فاتحدوا إذن مع الكنيسة أمنا الروحية ، لكي تنعموا فيها بشركة إلهية واحدة ، حسب إيمان الآباء الثلاثمائة والثمانية عـشر الذي هو تحديد الإيمان الوحيد .
” إننا نلاحظ لدى قراءتنا هذا المرسوم أنه ينبذ نـسطوريوس واوطيخـا ويتمسك بمجمع نيقية . وإذا هو يقبل حروم قورلس وينتبذ مجمع خلقيدونيـة ، فلا يظهر ذلك فيه إلا بصورة عابرة وبدون أي تـشديد . ولكـن المرسـوم انطوى على عناصر خطيرة نظراً إلى الظروف الراهنـة . وكيـف يمكـن للأساقفة أن ينبذوا مجمع خلقيدونية أو ألا يعيروا التفاتـاً إلـى رسـالة لاون العقائدية الشهيرة ، هم الذين ناضلوا طيلة ثلاثين سنة فـي سـبيل المجمـع الخلقيدوني . فهل بوسعهم الآن أن يتخلوا عنه بسهولة؟ أما المنوفيزيون فقد رحبوا بهذا المرسوم وأخذوا في نشر الدعاية لـه وحرضوا الرؤساء والمؤمنين على قبوله . وكانت الدعاية الكبرى تنطلق مـن الأديرة الكثيرة المنتشرة في آسيا الصغرى وفي المنطقة السورية .
ولكن البطريرك الخلقيدوني “قلنديون ” رفـض قبـول المرسـوم فـي إنطاكية ، فاتهمه زينون بالتآمر لقلب نظام المملكة ، ولذا فقد نفاه من كرسـيه سنة ٤٨٤ وأتى ببطرس القصار ونصبه على الكرسـي الإنطـاكي للمـرة الرابعة ، بعد أن وقع هذا المرسوم بدون تردد ، وأمر بأن يتلى فـي الكنيـسة قانون إيمان نيقية للنيل من قيمة المجمع الخلقيدوني . وأضاف إلى التقـاديس الثلاثة عبارة “يا من صلبت لأجلنا ” التي كان لها صبغة منوفيزية . وقد خضع لهذا المرسوم أيضاً بطريرك أورشليم وكنيسة الإسكندرية ومعظم الأبرشيات التابعة لها .
وإذ ذاك أرسل البابا الروماني وفداً يضم ثلاثة أشخاص للبحث في هذه القضية في العاصمة البيزنطية ، وهم يحملون رسائل إلى الملك زينون وإلـى البطريرك القسطنطيني اقاق . إلا أن البطريرك عرف بدهائه أن يضل الوفـد الروماني ويشركه معه في الليتورجية التي خلالها أعلـن اسـم البطريـرك الإسكندري بطرس منغوس المنوفيزي المعروف . وكان يهدف إلى إشـراك الوفد البابوي في أفكاره ومعتقداته . ولما رجع الوفد إلى روما ، كانت أخبـار هذا التصرف قد سبقته إليها . فعقد البابا فليكس الثالث سنة ٤٨٤ مجمعا مكونا من ٧٧ مطرانا وحرم أعضاء الوفد وشجب عملهم غير الفطن ، وقرر عزل اقاق القسطنطيني ، وأرسل إليه بهذا المعنى رسالة شديدة اللهجة . واسـتطاع الرهبان الأمناء لروما أن يعلقوا نص هذه الرسالة على ظهر حلة البطريرك أثناء احتفاله بالقداس في الكاتدرائية البيزنطية . ولكـنهم دفعـوا ثمـن هـذه الجسارة غالياً . وكأني بالبابا بهذا الإجراء فصل الكنائس الشرقية عن رومـا ، ذلك لأن هذه الكنائس لم تعرف أن تتحرر من نفـوذ الإمبراطـور وأرادت المساومة حتى في الأمور العقائدية . وهذا أمر لا يمكن لحارس وديعة الإيمان المقدس أن يرضى به البتة . . . ولكن أبطال هذه المأساة تواروا الواحد تلو الآخـر . فمـات بطـرس القصار في نحو سنة ٤٨٨ . وتبعه إلى اللحد البطريرك القسطنطيني اقاق سنة ٤٨٩ . ثم بطرس منغوس الإسكندري . وأخيرا لحق بهم الإمبراطور زينـون سنة ٤٩١ . وأراد “فرافيتا ” الذي خلف اقاق أن يتقرب من البابا ومن الكرسي الإسكندري ولكن عباراته كانت غامضة ، وهو لم يدم طويلا ، إذ أنه مات بعد أربعة أشهر وخلفه على الكرسي القسطنطيني اوفيميوس الافامي الخلقيـدوني الصميم . فحاول إصلاح ما تصدع في العلاقات بين الشرق والغرب ، ولكنه لم يفلح كثيراً في مسعاه الحميد هذا .

الإمبراطور انسطاس :
تولى الحكم بعد زينون سنة ٤٩١ ، وكان من أصل سلافي وينتمي إلى أسرة متواضعة . إلا أنه امتاز بالتقوى . وكان يميل إلى المذهب المنـوفيزي . وأفلح الإمبراطور الجديد في القضاء على خصومه السياسيين وفـي إخمـاد نيران الثورات والفتن في شتى أرجاء الإمبراطورية وفي توطيد دعائم السلام فيها والظهور بمظهر الملك العظيم وسيد العالم الغربي . ولكن سياسته الدينية كانت أقل توفيقاً . إذ أنه زاد في الطين بلة بتدخله في الـشؤون المـضطربة آنذاك في الشرق . أما في الإسكندرية فيظهر أن الأمور تبلورت وأن التقليـد اقتضى أن يحرم كل بطريرك جديد المجمع الخلقيدوني ورسالة البابـا لاون . وكانت الأمور أشد تعقداً في إنطاكية . فقد جلس بلاديـوس علـى الكرسـي البطريركي خلفاً لبطرس القصار سنة ٤٨٨ً . وكان بلاديوس متمسكا بالمذهب المنوفيزي وعمل جهده لكي يقبل به ينوتيكون جميع من تحت ولايتـه . وقـد وجد خير مساعد له في هذه المهمة فيلوكسينس ( أحسنايا ) مطـران منـبج الشهير الذي كان قد اغترف المزيد من العلم في مدرسة الرها والمزيد مـن الكراهية أيضاً للتعاليم النسطورية ، رغم كونه من المنطقة الفارسية أصـلاً ، من بلدة تحل الواقعة في مقاطعة بيث كرماي . وكان فيلوكسينس قد طرد من إنطاكية في عهد بطريركها قلنديون ، ولكنه عاد إليها في عهد بطرس القصار الذي لم يكتف بالترحيب به فيها ، بل رسمه أيضاً مطرانـًا لمنـبج وأصـبح فيلوكسينس أكبر مدافع عن المذهب المنوفيزي بأقوالـه وكتاباتـه الـشهيرة الكثيرة . وقام أيضاً بأسفار عديدة في سبيل دحـض آراء الـذين يناهـضون مرسوم الاتحاد . ويمكننا القول أن النصف الأول من حكم انسطاس اتسم بالتسامح إزاء الخلقدونيين ، رغم كون المرسوم مفروصاً على الجميع مبدئياً . وهكذا نرى أن فلابيانس الخلقيدوني خلف بلاديوس على الكرسي الإنطاكي سـنة ٤٩٨ . وكذلك ايليا الخلقيدوني أصبح بطريركاً على أورشليم . ولكـن الإمبراطـور خرج من الحياد سنة ٥٠٦ ومال بوضوح نحو المنوفيزيين ، حينما قـرر أن يضع حداً للحرب الدائرة بينه وبين الفرس بعقد معاهدة صلح معهم . وبـدأت الخصومات الدينية من جديد . وقد وجد الإمبراطور دعماً قوياً لجهـوده فـي شخصين بارزين هما فيلوكسينس المنبجي وسويريوس الإنطاكي .
سويريوس الإنطاآي :
ولد سويريوس في سوزوبوليس في مقاطعـة ييزيديـة ودرس الأدب والبلاغة في الإسكندرية والحقوق في بيروت في كلية الفقه الروماني . ونال العماد المقدس سنة ٤٨٨ في سن الشباب . ثم قصد أورشليم . وفي رحلته هذه التقى رهبان دير مايوما القريب من غزة وترهب هناك ، ثم انعزل فترة فـي الصحراء . وبعد ذلك قضى زمناً بين رهبان دير رومانس ، ثم عاد إلى مايوما وأسس هناك ديراً ، ونال ثمة الدرجة الكهنوتية على يـد ابيفـانوس مطـران ماجدو المعزول لآرائه المنوفيزية . . . امتاز سويريوس بثقافة دينيـة ومدنيـة شاملة ، وكان له معرفة واسعة بالكتب المقدسة وكتابات الآباء . أما الذي بدأ الحملة المنوفيزية فكان “ فيلوكسينس المنبجي ” . فقـد اتهـم البطريرك الإنطاكي فلابيانس بالتحيز للمـذهب النـسطوري وأثـار سـنة ٥٠٧/٥٠٦ المنوفيزيين عليـه وعلـى الأسـاتذة الإنطـاكيين الـشهيرين ، ديودوروس وأصحابه . ولكن فلابيانس رد على مزاعمه بحرم نـسطوريوس وتعاليمه . إلا أن المنوفيزيين لم يقتنعوا بهذا العمل . فقـد كتـب فيلوكـسينس عرضاً للإيمان أرسله إلى الإمبراطور انسطاس . فاستدعى هذا فيلوكـسينس إلى العاصمة . ولكن المنبجي لم يلق هناك تجاوباً من البطريرك مقـدونيوس الخلقيدوني ومن الشعب بأسره المتمسك ببطريركه فلم يسعه إلا الهرب مـن العاصمة سراً . وما أن غادر العاصمة حتى وصلها سويرسوس علـى رأس وفد مكون من مائتي راهب من بني مذهبه لكي يساند القـضية المنوفيزيـة . وظل سويريوس هناك ثلاث سنين ( ٥٠٨-٥١١ ) يبذل نشاطاً عارمـًا لـدعم هذه القضية وإثارة الناس على البطريرك ، حتى توصل إلى عزله بقرار مـن مجمع عقد هناك في ٦ آب سنة ٥١١ ، بعد أن منع الرهبان أنصار البطريرك من الدخول إلى المدينة ، واقنع معظم أقليـروس العاصـمة بـالتخلي عـن البطريرك ، وألصق به شتى التهم التي هو منها براء . وفـي اليـوم التـالي ، أصدر الإمبراطور أمراً بنفي البطريرك المعزول وإقصائه . وأقاموا خلفاً لـه في العاصمة طيمثاوس الذي أصبح ألعوبة بيد المنوفيزيين .
أما فيلوكسينس فقد أعاد الكرة على فلابيانس الإنطاكي ، وتوصل إلـى دفع البطريرك إلى أن يحرم الملافنة الـشرقيين ديـودوروس وتيـودوروس وهيبا وجميع الأساتذة الإنطاكيين . ولكن فيلوكسينس لم يتوقف عند هذا الحد ، بل اقتضى من فلابيانس أن يحرم مجمع خلقيدونيـة أيـضاً وجميـع الـذين يعترفون بطبيعتين في المسيح بعد الاتحاد . فـرفض البطريـرك أن يحـرم المجمع الخلقيدوني . ثم دعا إلى عقد مجمع في صيدا لحسم النـزاع . والتـأم المجمع في تشرين الأول سنة ٥١٢ ، وحضره ممثل الإمبراطور ، وجاء إليـه البطريرك الأورشليمي والإنطـاكي وسـويريوس وأنـصاره وفيلوكـسينس والأساتذة الذين يؤيدونه . ولكن المجتمعين لم يتوصلوا إلى نتيجة ، بـل تفـاقم الشغب وتوترت الأمور وأنذرت بالانفجار . وإذ ذلك تدخل ممثل الإمبراطور وأمر بارفضاض المجمع الفاشل . وعلى الفور رجع كل إلى منطقته . وعـاد سويريوس إلى ديره في فلسطين حيث شرع فـي الكتابـة والتـأليف . أمـا فيلوكسينس فقد واصل الحملة على فلابيانس وأخذ يثير الرهبان عليه ، وأرسل عدداً منهم إلى العاصمة يلحون على الملك بعزل البطريرك الإنطاكي . ويقال أن فلابيانس ملّ من هذه المعاكسات فرضي بنبذ المجمع الخلقيدوني . ولكـن هيهات . إذ لم يجده ذلك فتيلاً . فقد جاءه قرار العزل من الإمبراطور يؤيـده مجمع عقد في العاصمة . فنفي فلابيانس إلى البتراء . وعلـى الفـور اختـار المنوفيزيون سويريوس ليخلفه على الكرسي الإنطاكي في ٦ تشرين الثـاني سنة ٥١٢ . وأعلن البطريرك الجديد حالاً قبوله المجامع المـسكونية الثلاثـة الأولى مع مرسوم الاتحاد ، وحرم نسطوريوس واوطيخا المجمع الخلقيـدوني ورسالة البابا لاون . . .
وعمل سوريوس الإنطاكي على تهدئة الخواطر وكـسب الثقـة فـي إنطاكية خاصة وفي الأبرشيات الشرقية عامة ، ودعا إلى مجمـع عقـد فـي صور ، ولكنه لم يسفر هو أيضاً عن أية نتيجة . ولكن سويريوس بلغ مرامـه بالوعد والوعيد ، وعزل كل أسقف لم يسايره أو لم يخضع له . وتوصل إلـى عزل بطريرك أورشليم سنة ٥١٦ والى نفيه وتنصيب يوحنا مكانـه . إلا أن يوحنا هذا خيب آماله في حفلة كنيسة حرم فيها سويريوس الإنطاكي وأعلـن قبوله المجامع المسكونية الأربعة . وجرت في العاصمة ًأيضاً حوادث شـغب واسعة النطاق . مما نغص العيش على الإمبراطور انـسطاس . فمـال إلـى استرضاء الشعب والخلقيدونيين الذين كانت قوتهم الهائلة تكمن في الرهبـان العديدين المتهيئين للزحف على العاصمة في أية لحظة كانـت . ثـم كتـب الإمبراطور إلى البابا هرمزداس يطلب إليه أن يعقـد مجمعـاً لحـسم هـذه المشاكل لاسيما وأن منافساً للإمبراطور كان يهدد دوماً بغزو العاصمة . وكان هذا القائد قد جمع حوله عدداً غفيراً مـن الجنـود ومـن أنـصار المجمـع الخلقيدوني . ولما مني القائد بالهزيمة في إحدى المعارك ، عاد الإمبراطـور إلى موقفه السابق المتذبذب تجاه روما والخلقيدونيين ، ورفض كل مـساومة معهم في الأمور الدينية . ومات انسطاس في ٩ تموز سنة ٥١٨ في عاصفة هوجـاء انقـضت على العاصمة البيزنطية على حين غرة . ولحقه إلى اللحد عـن كثـب ايليـا بطريرك أورشليم ثم فلابيانس بطريرك إنطاكية ، وكانـا كلاهمـا معـزولين وعائشين في المنفى .

الإمبراطور يوستينس الأول ( ٥١٨-٥٢٧ ) :
خلف يوستينس الإمبراطور انسطاس على العرش البيزنطـي . وكـان يوستينس متمسكاً بتعاليم المجمع الخلقيدوني . ولذا فقد انقلبت الأمـور رأسـاً على عقب . فأعلن بطريرك القسطنطينية تمسكه بتعاليم هذا المجمـع ونبـذه لسويريوس والموالين له . وأخذ التقارب يتحقق مع رومـا بعـد فتـرة مـن الركود ، بل من القطيعة . وأصدر الملك أمراً يحتم علـى الجميـع ، رؤسـاء ورعايا ، قبول تعاليم المجمع الخلقيدوني ، وإلا فيتعرضون لفقـدان مناصـبهم وأملاكهم أو للنفي بعيداً عن أوطانهم . واقتضى هذا الأمر أيضاً إعادة المنفيين الذين أقصاهم انسطاس عن بلدانهم . وقد لاقى هذا الأمر ترحيباً حـاراً فـي الأوساط الفلسطينية وفي سورية الجنوبية . أمـا سـورية الـشمالية فقابلتـه بالاستياء والمعارضة . ولم تعر له مصر إذناً صاغية . وإذا أحس سـويريوس الإنطاكي بالخطر المحدق به ، فر من إنطاكية في ٢٩ أيلول سنة ٥٨ً وأبحـر خفية شطر الإسكندرية المصرية . وأقيم عوضه بولس بطريركا على إنطاكية . وتحسنت علاقات القسطنطينية مع روما على الصعيدين الـديني والمـدني ، وتبودلت الوفود ورضى الإمبراطور والبطريرك أن يوقعا صـورة الإيمـان التي أرسلتها روما . ولكن الاضطرابات استمرت في أنحاء مختلفة من سورية وتعاقب البطاركة على كرسي إنطاكيـة بعـد سـويريوس : بـولس الثـاني واوفرازيانس ( ٥١٩-٥٢٦ ) ثم افرام ( ٥٢٦-٥٤٥ ) . ولم تسر الأمور على ما يرام في الرها أيضاً حيث تذبذب أساقفتها مدة طويلـة بـين تعـاليم مجمـع خلقيدونية وبين التعاليم المنوفيزية . ومما زاد في الطين بلة هو تدخل العنصر النسطوري أيضاً في المعركة . ففي بلدة قورش جرت مسيرة كبيرة لإكـرام تيودوريطس القورشي ، ثم احتفلوا بعيد لإكـرام ديـودوروس وتيـودوروس وتيودوريطس و “القديس نسطوريوس ” وذلك سنة ٥١٩ . وكان سويريوس من منفاه يوجه المعركة ضد الخلقيدونيين ويحرض الأسـاقفة والرهبـان علـى رفض تعاليم المجمع الخلقيدوني .

الإمبراطور يوستنيانس ( ٥٢٧-٥٦٥ ) :
تولى الحكم سنة ٥٢٧ ، بعد موت يوستينس ، ودام حكمـه إلـى سـنة ٥٦٥ . وكان هذا الإمبراطور ذا ثقافة عالية عاكفاً على الـدرس والمطالعـة وعائشاً عيشة صارمة مليئة بالأشغال . وسن عـدداً كبيـراً مـن القـوانين والشرائع . وكان يميل إلى التبحر في الشؤون الدينية ويهدف إلى توحيد شمل المملكة سياسياً ودينياً . لذا فقد سن الشرائع وخول نفسه صلاحية حسم القضايا أو شرح العقائد بدون الرجوع إلى السلطة الكنسية .
تيودورة :
هي زوجة الإمبراطور يوستنيانس . ويختلف المؤرخون فـي أصـلها . فهناك من يحسبها ابنة حارس الدببة في الملعب الرومـاني فـي العاصـمة البيزنطية ، وآخرون يقولون أنها كانـت راقـصة فـي الإسـكندرية . أمـا المنوفيزيون عامة فيقولون أنها ابنة كاهن منوفيزي من الرقـة ( قـالونيقس ) السورية . مهما يكن من أصلها ، فإنها عاشت حياة مسيحية لائقـة بمقامهـا الرفيع بعد زواجها من الإمبراطور . وسرعان ما اكتسبت نفوذاً كبيراً علـى الإمبراطور ولعبت دوراً هاماً في شؤون الدولة كلها ، لاسيما الدينيـة منهـا . وكانت منوفيزية شديدة التمسك بمذهبها . ولا تنضب أقلام المنـوفيزيين مـن إطراء مناقبها وخلع أبهر الألقاب عليها . وقد عملت فع ًلا كل ما في وسعها لمساعدة بني مذهبها ولدفع الملك إلى حمايتهم والتقرب منهم . . . ولما كان الملك غيوراً على الديانة المسيحية . فقـد أصـدر مراسـيم وأوامر تقضي بوجوب رجوع كل الوثنيين إلى الديانة المـسيحية . ولتحقيـق هذه الغاية ، نظمت إرساليات مكونة غالبيتها من رهبـان منـوفيزيين كانـت تيودورة تحتفظ بهم تحت حمايتها . واشتهر بـين هـؤلاء الرهبـان يوحنـا الأسيوي أو الأفسسي أو الامدي الذي كان يتقن اللغتين السريانية واليونانيـة ، وكان قد أتى إلى العاصمة إبان موجة الاضطهاد الذي أثاره يوستينس علـى المنوفيزيين سنة ٥٢١ . فتطوع يوحنا لكي يذهب ويشتغل في هداية الـوثنيين المتبقين في نواحي ازمير وأفسس . وقد أفلح في هذه الرسالة ، حتى أنه ، على حد قوله ، بعد سنوات قلائل ، لم يبق وثني واحد في آسيا الـصغرى . وكـان الملك نفسه يزود المهتدين بالحلل والنفقات اللازمة للعماد . ويظهر أن يوحنـا لم يحاول تلقين المهتدين التعاليم المنوفيزية الخاصة . وكان يوحنا قـد اقتبـل الرسامة الأسقفية كمطران على أفسس وأعطي صلاحيات واسعة جداً علـى آسيا الصغرى برمتها . وكان نفوذه كبيراً حتى في العاصـمة حيـث لاحـق الوثنيين وأراد اجتثاث جذورهم منها . وقد قضى على عدد منهم بقوة السلطة المدنية . وتجاوًبا مع هذه الحملة ، أمر الملك بإغلاق مدرسة أثينا للقضاء بذلك على مركز الأفكار الوثنية الممزوجة بالأفلاطونية الجديدة ، وذلك سنة ٥٢٩ . فاضطر مديرها “دامسكيوس ” مع ستة من أساتذتها إلى اللجوء إلـى الـبلاد الفارسية حيث استقبلهم كسرى الأول انوشروان في بدء عهـده سـنة ٥٣١ وأكرمهم وأناط بهم نقل عدد من محاورات أفلاطون إلى البهلويـة أو إلـى السريانية . وكتب له دامسكيوس مقالاً فلسفياً شرح فيه الأسـاطير اليونانيـة والشرقية . وحينما عقد كسرى سنة ٥٣٢ معاهدة صلح مع بوستيانس ، اشترط عليه بأن يسمح لهؤلاء الفلاسفة بالعودة إلى أوطانهم دون إرغـامهم علـى التخلي عن معتقداتهم الوثنية . وسن الإمبراطور أيضاً شرائع ضد اليهود والـسامريين والهراطقـة بمختلف أشكالهم ، ولاسيما ضد الاريوسيين . أما المنوفيزيون ، فلم تطبق هـذه القوانين بحقهم بصرامة ، بل حاول الملك تفهم عقيدتهم ، ولاسيما الـسويريين منهم ، وشاء التوفيق بين معتقدهم المستند إلى كتابات قـورلس الإسـكندري وبين ما صرح به المجمع الخلقيدوني . وإذا لم يفلح تماماً في محاولة التوفيق هذه ، فقد أبدى تجاههم كثيراً من الرحمة والعطف . أما تيودورة فقد ذهبت إلى أبعد من ذلك . فإنها أثرت على الملك لكي يستدعي مـن المنفـى الأسـاقفة والرهبان المنوفيزيين ، حتى ظهر قوم منهم في العاصمة ذاتها وأخذوا يبثون الدعاية لمذهبهم علناً . وقد أربى عدد الرهبان منهم على الخمسمائة وشكلوا ديراً خاصاً بهم في قلب العاصمة وفي سنة ٥٣٣ دعا الملك إلى مؤتمر فـي العاصـمة يـشترك فيـه المنوفيزيون والخلقيدونيون للتفاوض حول الأمور العقائديـة . ولكـن هـذا المؤتمر أيضاً كان نصيبه الفشل الذريع . وجـرت أحـداث أخـرى مؤاتيـة للمنوفيزيين اشتد فيها ساعد تيودورة حتى عينت شخصاً منوفيزيـًا صـميماً على كرسي الإسكندرية هو تيودوسيوس . ولما مات بطريرك القـسطنطينية ابيفانوس ، توصلت تيودورة إلى تعيين انتيموس خلفاً له . وكان هذا يتظـاهر بالخلقيدونية . ولكنه ما أن أعطي الكرسي البطريركي حتى بان على حقيقته ، فأرسل صورة إيمانه إلى سويريوس المنفـي وإلـى تيودوسـيوس . وجـاء سويريوس ذاته سنة ٥٣٥ إلى العاصمة وظل فيها سنة كاملة يبـذل نـشاطاً عارماً لإقناع البطريرك وكسبه نهائياً لمذهبه . واشتغل الرهبان بدورهم لدعم الدعاية المنوفيزية . ولكن مجيء البابا اغابيطس إلى العاصمة البيزنطية فـي شباط سنة ٥٣٦ اضطر البطريرك انتيموس إلى اعتزال منصبه والاختفـاء . فرسم البابا في ١٣ آذار شخصا خلقيـدونيا اسـمه مينـاس ، وطلـب إلـى الإمبراطور عقد مجمع لحرم انتيموس . إلا أن البابا توفي في ٢٢ نيسان قبل أن يرى المجمع الذي عقد في ٢٢ أيار وناشد انتيموس بالحضور . وعنـدما رفض هذا الحضور حكم عليه المجمع غيابياً وجرده من الـسلطة الأسـقفية والكهنوتية . ثم جاء دور الحكم على سويريوس ومناصـريه الـذين تـشتتوا وفروا من العاصمة خلال آب سنة ٥٣٦ . ومارس افرام بطريرك إنطاكية من جهته ضغطاً شديداً على المناوئين للمجمع الخلقيدوني وأرغم الكثيرين مـنهم إلى العودة . واستدعى الإمبراطور بطريرك الإسكندرية إلى العاصـمة سـنة ٥٣٧ وطلب إليه أن يعترف بمجمع خلقيدونية . ولما أبى عزله الملـك عـن منصبه وعين خلفاً له شخصاً يدعى بولس نـال الرسـامة مـن بطريـرك القسطنطينية ثم ذهب واحتل الكرسي الإسكندري . أما تيودوسيوس فقد أرسل إلى المنفى . ولكن سرعان ما عزل بولس أيضاً لتصرفاته التعسفية . وتوفي سويريوس في ٨ شباط سنة ٥٣٨ . أما الإمبراطورة تيـودورة فقد استقدمت سراً إلى العاصمة البطريرك الإسكندري الذي كان يعيش فـي المنفى وطلبت إليه أن يرسم عدداً من الأساقفة لضمان استمرار السلطة لدى المنوفيزيين .

يعقوب البرادعي ( + ٥٧٨ ) :
وفي سنة ٥٤٣ ، جاء إلى القسطنطينية الأمير العربي الغساني حـارث بن جبلة المنوفيزي وطلب إلى تيودورة أن تزود بلاده بمطران . فرسـم لـه تيودوسيوس مطراناً هو تيودور مطران بصرى ، وعين مطراناً آخر للرهـا هو يعقوب البرادعي ، وخوله السلطة على الشرق . وكان يعقوب أبن كـاهن من تل موزلت ، وقد ترهب في دير بالقرب مـن نـصيبين ، ثـم جـاء إلـى القسطنطينية سنة ٥٢٨ مع جحافل الرهبان لينعم بحماية تيـودورة . ومـا أن سيم مطراناً ، حتى أخذ يطوف في المناطق الشرقية ويرسم أسـاقفة وكهنـة وشمامسة عديدين ، حتى قيل أنه رسم ١٢٧ أسقفا وبطريركين ونحو مائة ألف اكليريكي على مختلف درجاتهم . وبفضله استطاعت الكنيسة المنوفيزيـة أن تنظم شؤونها وتستعيد نشاطها وتستمر على البقاء في هـذه البلـدان . ولقـد مارس يعقوب عمله هذا في هذه الأصقاع وحتى فـي مـصر حيـث دفـع تيودوسيوس البطريرك المعزول إلى رسامة اثني عشر أسقفاً لمصر ، وجـاء هو يعقوب نفسه إلى الإسكندرية حيث رسم أسقفين آخرين . وهكذا كانت حياة يعقوب كلها نشاطاً زاخراً بذله بـسخاء فـي سـبيل إحياء كنيسته وإعلاء شأنها في تلك الظروف القاسـية . واسـتحق أن يحتـل ويظهر أن مدينة الحيرة كانت المسرح الرئيسي لهذا النشاط ، لما كانت تـنعم به من أمرائها المناذرة من الحكم الذاتي ولقربها من الحدود الرومانية ، ممـا يسهل الفرار منها إلى بلاد الروم وقت الاضطهاد . فسمعان الذي رسم مطراناً في نحو سنة ٥١٠ لم يكن له مركز أبرشية ثابت ، إنما نسب إلى بيث أرشـم البلدة القريبة من المداين ، لكونها مسقط رأسه ليس إلا . وقد أكتسب سـمعان عطف بعض الأشراف في الحيرة فبنوا له فيها كنيسة ، رغم وجـود أسـقف نسطوري فيها . إلا أن الاضطهادات كانت متوقعة دوماً . فتارة يتجنبها سمعان بتنكره وبتغير زيه ، وطوراً بفضل رسالة من الإمبراطور الروماني انسطاس إلى العاهل الفارسي .ولكنه وقع أحياناً في قبضةأ عدائه فحجر عليـه فـي سجن نصيبين طيلة سبع سنين ، حتى تدخل ملك الحبشة وتشفع فيه فأنقذه . وأشتهر سمعان خصوصاً بجدالاته مع النساطرة ، حتـى أنـه لقـب “ بالمجادل الفارسي ” ( داروشا فارسايا ) . وأفلح في الحصول علـى مجموعـة هامة من صور الإيمان صادرة عن أناس ينتمون إلى شتى الطبقات والفئات ، ليظهر بذلك أن مذهبه جدير بالاحترام ، وأنه ليس مذهب الأقلية الضئيلة ، كما كان يدعيه خصومه النساطرة أمام الملك الفارسي . . . وقد قيل الكثير عن تنقلاته المفاجئة وحضوره في الوقت المناسب فـي الأمكنة اللازمة ، وعن جدالاته العديدة ونشاطه التبشيري الذي امتد حتى إلى البلدان الأرمنية وبلاد الروم ، بالإضافة إلى البلاد الفارسية بطولها وعرضها . وأدى المطاف به إلـى العاصـمة البيزنطيـة حيـث مكـث سـبع سـنين ( ٥٢٤-٥٣١ ) . ثم جاءها مرة أخرى واستوقفته الملكة تيودورة سنة أخـرى هناك . ويقال أنه توفي بعد سنة ٥٣٣ ، وقبل سنة ٥٤٠ على كل حال . ومهد سمعان بعمله هذا لما سيقوم به يعقـوب البرادعـي واحودامـه وغيرهما من الذين نشروا المذهب المنوفيزي في البلاد الفارسية في القـرن السادس .
وهكذا فأن العنف والاضطهاد عاجزان عن القـضاء علـى الأفكـار والمعتقدات ، بل من شأنهما أن يخلقا غالباً ردة فعل عنيفة تؤدي إلى التصلب في المواقف وقد يكون هذا التصلب على حـساب الحقيقـة والمحبـة ، ويـاللأسف .

الفصل التاسع النور والديجور
إن حيوية الكنيسة منوطة برؤسائها الذين عليهم تقع مهمة إدارة دفتهـا وتنظيم شؤونها . وقد اجتازت الكنيسة الشرقية فترة مظلمة دامت أكثـر مـن ربع قرن ، فيها سادت الفوضى والمنافسة على الرئاسة التي أصبحت زعامة تستغل للمصالح البشرية وليست خدمة تتطلب الكثير من السخاء في المحبة .
الجاثليق مار ابا الكبير وإصلاحاته ) ٥٤٠-٥٥٢ ( :
كانت سنة ٥٤٠ بدء عهد مشرق ومطلع فجر جديد لكنيسة المـشرق .
ففي هذه السنة تم انتخاب مار ابا الكبير جاثلي ًقا عليها . وتجمع المصادر على إطراء مناقب هذا الرجل العظيم والتحدث عن سـيرته الفاضـلة وأعمالـه الإصلاحية المجيدة . أبصر مار ابا النور سنة ٤٩٠ في قرية “حـالا ” مـن أعمـال رادان الواقعة جنوبي جبال حمرين على الشاطئ الشرقي من دجلة بين نهري ديالى والعظيم ، وتربى في الديانة المزدية وتقلد وظيفة مرموقة في الدولة . ولكـن النعمة مسته بواسطة تلميذ من مدرسة نصيبين يدعى يوسف الملقب موسى . فاهتدى إلى النصرانية وعكف على ارتشاف العلـوم الدينيـة فـي مدرسـة نصيبين . وبعد أن قام بأسفار تبشيرية فـي منطقـة ارزون وأخـرى إلـى الإسكندرية وإلى القسطنطينية بغية تعلم اللغة اليونانية ، عاد إلى نصيبين حيث أقيم أستاذاً في مدرستها حتى انتخابه جاثليقاً سنة ٥٤٠ . وما أن أخذ بزمـام الرئاسة حتى راح يصلح بهمة ونشاط كل الفساد الذي تسرب فـي الأنظمـة الكنسية . وبدأ جولته الراعوية في خريف هذه السنة عينها ، يرافقه فيها تسعة أساقفة . فذهب إلى فرات ميشان ، ثم إلى هرمزارداشير ومنها إلى روارداشير حيث أقال الأسقف اقاق . ومن هناك توجه إلى شوشتر حيث كان أسقف غير شرعي يسوس الأمور الكنسية ، فرده مار ابا إلى خدمته الكهنوتية وانطلق إلى بيث لافاط حيث كان شخص جاحد قد اغتصب لقب المطرافـوليط ، فحرمـه مار ابا وعزله . ولما لم يتمكن من الذهاب إلى منطقـة سجـستان ، قـرر ، بالاتفاق مع الأساقفة معاونيه ، أن يقسموا هذه الأبرشية بين أسقفيها ، على أن تعاد إليها وحدتها حالما يموت أحد الأسقفين . ثم أكد مار ابا سلطته المباشـرة على الأبرشيتين الكبريين نصيبين وبيث لافاط ، واختص بنفسه حـق إقـرار وتثبيت مطارنتها . ولكن هذا النشاط الرسولي اقض مضاجع المجوس . لاسيما وأن مار ابا هدى منهم خلقاً كثيراً إلى النصرانية في ارزون وفي منـاطق أخـرى مـن الإمبراطورية الفارسية . وكان المجوس يعتبرونه دوماً جاحداً مرتداً عن ديانة آبائه وعن دين الدولة الرسمي . وتوصلوا إلى دفـع الملـك كـسرى الأول انوشروان إلى نفيه إلى بلدة “كنزك ” الواقعة في منطقة نائية من أذربيجـان . ومكث هناك سبع سنين إلا أن هذا الإبعاد لم يثن البطريـرك العظـيم عـن نشاطه . فقد ظل يدير شـؤون الكنيـسة مـن هنـاك برسـائله الراعويـة وبالاجتماعات التي كان يعقدها مع المتقاطرين إلى زيارته في منفـاه ، ومـا أكثر المسيحيين الذين تجشموا مشاق هذا السفر الطويـل للالتقـاء بـراعيهم العظيم .
وحينما أحس مار ابا أن مؤامرة تحاك لاغتياله هنـاك ، فـر قاصـداً المدائن وظهر أمام الملك على حين غرة ، وطلب منه أن يبت هو في أمـره وألا يدعه عرضة لظلم أناس مغرضين يضمرون العداء للمـسيحية . ولكـن الملك أظهر نحوه تسامحاً كبيراً وحماه من كيد المجوس وأعـوانهم وأكـرم مثواه ، لاسيما بعد أن عاين إخلاصه وعمله السلمي في مشكلة تمرد أثارهـا أحد أبنائه عليه في منطقة بيث لافاط . وقضى مار ابا أيامه الأخيرة متمتعـًا بحرية نسبية ، إلى أن وافته المنية في ساليق في الجمعة الثانية مـن الـصوم الكبير الواقعة في ٢٩ شباط سنة ٥٥٢ . أما الأعمال الجليلة التي قام بها هذا الجاثليق الهمام فهي كثيرة تـدور حول تنظيم شؤون الكنيسة وترتيب طقوسها . ورغم الاضطراب الذي تعرض له في حياته ، فقد نقل كتابات كثيرة إلى السريانية ووضـع غيرهـا لفائـدة المؤمنين . ولكن عظمة مار ابا تظهر خصو صا بالقوانين التي سنها للكنيـسة وبالحلول التي قدمها للمشاكل الكثيرة التي خلقها أسلافه الجثالقة . فقـد عقـد مجمعاً سنة ٥٤٤ فيه سن ست وثائق هامة : ١- تدور الوثيقة الأولى حول الإصلاحات التي أجراهـا فـي شـتى الأبرشيات التي كان قد تسرب فيهـا كثيـر مـن الاضـطرابات والمنافسات على السلطة . فبدأ حملة ، كما قلنا ، اسـتهدفت إعـادة النظام والسلطة إلى أصحابها الشرعيين . وقـد لاقـى مـار ابـا صعوبات جمة في إعادة الأمور إلى حالتها الطبيعية بعـد تلـك الفوضى التي كانت قد ضربت أطنابها في الكنيسة الشرقية .
٢- تتطرق الوثيقة الثانية إلى الإيمان الأرثوذكسي مستعرضة صورة هذا الأيمان التي تظهر لنا صحيحة التعـابير فـي خطوطهـا الكبرى فيما يخص الاعتراف بالثالوث وبوحدة الشخص في يسوع المسيح الذي هو إله واتخذ الطبيعة البشرية التي بها احتمل الآلام والموت فداء عن البشر .
٣- وفي الوثيقة الثالثة يحاول مار ابا إصلاح ما فـسد فـي أخـلاق الرؤساء الكنسيين وفي تصرفات المؤمنين ، فيقدم للجميع التقـوى وخوف الرب كأساس للحياة الروحية وللعيشة الصالحة ، ويحـذر الأقليروس من التدخل فيما لا يعنيهم ومـن إثـارة الفـتن بـين العلمانيين وبين بعضهم ، ويمنعهم من تسلم إدارة الشؤون الماديـة والتفرغ لها . ثم تتطرق الوثيقة إلى الزواجات غير الشرعية التي أقدم عليها المسيحيون أسوة بالمجوس وبـاليهود ، فتمنـع تعـدد الزوجات والاقتران بمن يأباه الشرع الطبيعي من جراء القرابـة الدموية .
٤- تلغي هذه الوثيقة ما جرى أبان فترة الرئاسة المزدوجة في كنيسة المشرق ، فتبطل الجاثليقين نرساي واليشاع كليهمـا مـن الرتبـة البطريركية وتسقطهما من لائحة الجاثلقة ، وتبطل أيضاً كـل مـا جرى بينهما من الحرومات المتبادلة وتنظم شؤون المطارنة الذين أقيموا على الأبرشيات خلال هذه المدة المضطربة .
٥- ترتب هذه الوثيقة الشؤون الخاصة بأبرشيتي نصيبين وبيث لافاط وتخضعهما مباشرة لسلطة الجاثليق الذي بدونه لا يجـوز إقامـة مطرافوليطين لهاتين الأبرشيتين .
٦- وتسمى هذه الوثيقة “العملية ” ( براقطيقي ) وهي تتطرق إلى القوانين العملية الخاصة بالخلافة على الكرسي الجاثليقي بعد مـوت مـار ابا . فهي تبعد عن هذا المنصب كل شخص محروم أو مـذنب أو طماع أو أناني أو جشع أو كل من يفضل اللذة على محبة االله . ثم تحدد الوثيقة كيفية انتخاب البطريرك : يتفـق أسـاقفة الأبرشـية البطريركية ويستقدمون مطارنة الأبرشيات الأربع الكبرى بيـث
لافاط ، فرات ميشان ، أربيل وبيث سلوخ ، أو على الأقل ثلاثة من هؤلاء المطارنة . ويصطحب كل مطران ثلاثة من أساقفته ويأتون إلى الانتخاب ويتفق الجميع على انتخاب شخص بعيد عـن كـل خبث وثابت في السهر على الإيمان الصحيح وغيور على العقيدة الأرثوذكسية ومتمسك بالقوانين لكي يدير بحكمة وطهارة وقداسة . ثم تتم رسامته في كنيسة كوخي حسب تقليـد الآبـاء القديـسين وعدا هذه الوثائق المجمعية ، سن مار ابا الكبير أربعين قانوناً تتنـاول المسائل العملية وتنظم شـؤون الكنيـسة وواجبـات رعاتهـا والتزامـات المؤمنين . وقد أسس مار ابا أيضاً مدرسة في ساليق أصبحت من المراكز الهامة للثقافة الدينية واللغوية .
الجاثليق يوسف ( ٥٥٢-٥٧٠ ) :
رغم الاصطلاحات الهامة التي أجراها مار ابا الكبيـر فـي كنيـسة المشرق والقوانين الكثيرة التي سنها لمنع كـل اضـطراب وفوضـى فـي الرئاسة ، فأن خلفه لم يكن على مستوى المسؤولية الكبرى التي أنيطت بـه . فهو لم يتسم بصفات الرئاسة والإدارة ، إنما كان مختصاً بالطب ، وقد درسـه في بلاد الروم حيث قضى معظم حياته السابقة لفترة الجثلقة . ولدى عودتـه من بلاد الروم قدم إلى نصيبين فأقام في دير هناك مدة واتـصل بمرزبـان المقاطعة الذي أكرمه بسبب لباسه ومهنته . وقد جعلته مهنـة الطـب فـي احتكاك بالبلاط الفارسي وأفلح في معالجة كسرى انوشروان . ولذا فقد أظهر كسرى رغبته في إقامة يوسف خلفاً لمار ابا المتوفى . فانتخبه الأساقفة نزولاً عند رغبة العاهل الفارسي في أيار سنة ٥٥٢ً . ولما أراد الأساقفة عقد مجمع في بدء عهده ، ماطلهم يوسف سنتين متذرعا بشتى الحجج التي نجد إشارات إليها في القوانين التي سنها مجمعه الذي عقد سنة ٥٥٤ . وكان عـددها ٢٣ قانوناً ، تدور حول صورة الإيمان وتنظيم الشؤون الكنسية وتحديـد سـلطات البطريرك والأساقفة والتحذير من تدخل العلمانيين ، لاسـيما الغربـاء ، فـي الأمور الدينية والإدارة الكنسية . وكان بعض هذه القوانين موجهـاً بـصورة واضحة إلى الحد من طموح البطريرك وإلى تحديد سلطاته على الأبرشـيات الأخرى . وقد وقع مقررات هذا المجمع ، بالإضافة إلـى الجـاثليق يوسـف ، ٣٦ مطرافوليطا ، مـنهم ١٨ حاضـرين و ١٨ غـائبين أرسـلوا رضـاهم وتواقيعهم . أما يوحنان مطرافوليط فرات ميشان فقد تخلف عن المجيء ، ومع ذلك حفظت له المرتبة الثالثة بين المطرافوليطين ، بعد مطرافـوليطي بيـث هوزايي ونصيبين . ومن الجدير بالذكر أن مجمع يوسف يرتـب الكراسـي الكبرى على هذا المنوال : ١- بيث هوزايي ٢- نصيبين ٣- فرات ميشان ٤- حدياب . ٥- بيث كرماي ٦- روارداشير ٧ – مرو وعلى رأسهم الجاثليق الجالس في ساليق وقطيسفون. وظن الجميع أن الأمور ستسير سيراً حسناً بعد هـذا المجمـع . إلا أن الأيام فضحت نوايا الجاثليق وأظهرت أساليبه التعسفية ، مستندا في ذلك إلـى قوة ملك الملوك وأصدقائه العلمانيين المتنفذين في البلاط الفارسي . وإذا بـه ينقلب مضطهداً للأساقفة والكهنة . “فطرد الأساقفة والمطارنة عن كراسـيهم ووثب على القسان وشدهم بالأرسان وابتنى لهم المعالف وملأها من الأتبـان وقال لهم اعتلفوا ذلك فإنكم حيوان بغير تمييز ولا بيان . ثـم صـار يحلـق رؤوسهم ويصفعهم – لعنه االله – ويضحك هو السخيف العقل الجاهل المعثر ويقهقه “. ولم يكتف بالإساءة إلى الكهنة ، بل أدت به الجسارة إلـى إهانـة الأساقفة أيضاً . فحبس شمعون أسقف الأنبار بمعاضدة مرزبان مقاطعة بيـث ارامايي . فاضطر شمعون “لطول مكثه في الحبس إلى أن اتخذ في الموضـع الذي هو فيه مذب حا يقدس عليه في يوم عيد ويوم أحد ويتقرب . فـدخل إليـه الطاغي يوسف يو ما وقد قدس الرهبان )القربان؟( . فقبل أن يتقرب به أخـذه يوسف من المذبح ووثب على الأسقف ثم داس القربان برجله النجسة الطفسة وأهرق الكأس على الأرض . . . “. وقد قضى شمعون نحبه في السجن غمـًا وأسى . وتمادى يوسف في شره . فطرد أسقف الزورابـي ( النعمانيـة ) عـن كرسيه . وكذلك فعل بمار مالخ أسقف داربجرد في مقاطعة فارس . فطفح الكيل واستقبح الأساقفة تصرفات الجاثليق فوجهوا إليـه رسـالة مشتركة يطالبونه بالكف عن الإساءة إلى الأقليـروس وبالتمـسك بـالقوانين المجمعية . ولكن يوسف لم يعرهم إذ ًنا صاغية ، بل ازداد في غيه وطغيانـه . وقد أرسل إليه الأساقفة وفوداً ثلاث مرات يطلبون إليه الكف عن تـصرفاته ، ولكنه استخف بالوفود وأساء معاملتهم . حتى أنه أخذ يتهم المـسيحيين لـدى السلطات الفارسية . . . فاضطر الأساقفة حينئذ إلى عقد مجمع فيه قرروا إقالـة الجاثليق من منصبه . وتوصل الأساقفة إلى إسماع أصواتهم لـدى الـبلاط ، وأرسلوا إلى الملك طبيبا من نصيبين يدعى موسى أو نرسـي . فجـاء هـذا ووقف بين يدي الملك وضرب له مثلا ًقائلا ً: “ إن بعض الملوك استدنى رجلا ًمسكيناً وآنسه ثم وهب له فيلاً من فيلته ، فأخذه الرجل ومـضى إلـى بيتـه ، وكان باب داره صغيراً فلم يدخل فيه الفيل ، ولا كان في يده ما يطعمه . فبقي ذلك المسكين متحيراً فيأمره .فعاد إلى الملك والفيل معه وسـأل أصـحاب الملك أن يستعفوا له من الفيل وأن يسألوا الملك إقالته منه ، لأنه كان رأى فيه أموراً فخاب فيها وذلك أن بيته لا يسعه وبابه لا يدخله وطعمه لا يمكنه . فقبل وأقاله . فلما سمع الملك قول موسى النصيبيني ، تبسم وعلم معنى المثل . ثـم قال موسى : نحن المساكين وهذا فيلنا الذي وهب لنا الملك قدرنا فيـه وفـي رئاسته علينا ما خاب آمالنا فيه . فلينعم الملك بإقالتنا منه ونحـن شـاكرون للملك . فأمر بعزله ومنعه من تدبير النصارى ” . وكان ذلـك سـنة ٥٦٧ . واجتمع الأساقفة وانتخبوا حزقيال أسقف الزوابي . ولكن المعارضة ظهـرت بين صفوف الأساقفة والمؤمنين : إذ أخذ البعض يتحزبون ليوسف ويـصرون على إبقائه جاثليقاً . وحينما رأى كسرى ذلك ، أمر بإيقاف تنصيب الجـاثليق المنتخب حتى موت يوسف . وظل ماري أسقف كشكر يدير الأمـور طيلـة ثلاث سنين ، فيها بذل يوسف قصارى جهده للدفاع عـن منـصبه وسـلطته بكتابات عديدة تهدف إلى إثبات السلطة العليا لكرسـي سـاليق وللـشخص الجالس عليه . إلا أن هذه الكتابات لم تجده نف عا . فقد ظل منبوذاً حتـى موتـه .
حالة المسيحية في عهد الجاثليق يوسف :
لم يحدث اضطهاد سافر على المسيحيين منذ موت مار ابا . ولكن هـذا لا يعني أن المسيحيين كانوا ينعمون بالسلام والحرية الكاملة في جميع مناطق الإمبراطورية الفارسية . فأعمال الشهداء تشير إلى الخطـر الـساري علـى المزديين من اعتناق الديانة المسيحية . فلا يحق للمسيحيين أن يقومـوا بأيـة دعاية أو تبشير بين صفوف الوثنيين ، لاسيما في الأسر الإيرانيـة العريقـة . وكل مخالفة تلقى عذابا صارماً . ولنا خير دليل على ذلك في قصة الـشهيدة شيرين التي أبصرت النور في كرخ سلوخ في حضن أسـرة مزديـة ، ثـم اعتنقت الدين المسيحي وقبلت العماد المقدس من يد الأسقف يوحنا . وحينمـا بلغ الأمر إلى “راد ” المدينة ، ألقى القبض عليها واستاقها إلى الملك في حلوان وقتلت في ساليق في ٢٨ شباط سنة ٥٥٩ ونقل رفاتها إلى منزل رجل مؤمن من لاشوم أسمه “باطي ” . وهناك شهداء آخرون كثيرون قتلوا في فترات قريبة مـن استـشهاد شيرين . وكانت القوانين الفارسية تمنع المسيحيين من إقامة كنـائس جديـدة وتقبل بوجود القديمة منها فقط . وهذا ما يشير إليه من طرف خفي القـانون الثاني من مجمع يوسف لسنة ٥٥٤ . إلا أن حالة المسيحيين تحسنت كثي را في البلاد الفارسية حينما تطورت الهدنة التي اقترحها كسرى الأول سـنة ٥٥٥ على الملك الروماني يوستنيانس إلى معاهدة صلح سنة ٥٦٢ أبرمـت لمـدة خمسين سنة ، فيها تنازل الفرس للرومان عن مقاطعة “لازيق ” لقاء ضـريبة باهضة تدفع لهم سنويا ، وتعهدوا بمنح الحرية الدينية للمسيحيين شـريطة ألا يعكفوا على التغلغل بين المزديين وأن يتجنبوا الدعاية الدينية .
آفات وآوارث :
هناك أمور عديدة ومصائب كبيرة حدثت في القرن السادس . ويظهـر أن التاريخ السعردي يريد أن يضعها جمي عا في عهد الجاثليق يوسف لتـسويد صفحة أعماله .
ومن جملة هذه الأحداث ، يذكر التاريخ الـسعردي احـتلال كـسرى انوشروان لمدينة إنطاكية في عهد الملك يوستنيانس ويقول : “وفي هذه المـدة المذمومة قصد كسرى انوشروان إنطاكية والملك على الروم في ذلك الوقـت يوسطانس ، فسباها وأهلها وحملهم إلى المدائن وبنى لهم مدينة علـى شـكل إنطاكية وسماها أنطياخسرو وأسكنهم فيها وهي المسماة الروميـة “. إلا أن هذا الحادث جرى في الواقع في نحو سنة ٥٤٠ . . . وكذا الشأن مع الوباء الذي حدث في السنة العاشرة لكسرى انوشروان ( أي سنة ٥٤٠-٥٤١ ) والذي طالت مدته أربع سـنوات حـسب الـبعض ، وخمسين سنة حسب غيرهم ، والذي انتهى في مطلع عهد الجاثليق حزقيـال . وقد أودى هذا الوباء بحياة العديد من السكان ، ومن جملـتهم يوحنـان بيـث ربان ، أستاذ مدرسة نصيبين ، الذي اختطفه الطاعون في نحـو سـنة ٥٦٧ . ويتفق التاريخ السعردي مع ما يسرده ماري وصليبا عن هذا الوباء . فيقـول التاريخ السعردي : “حدث الوباء في الناس . . . وكانت علامـة المـوت فـي الإنسان أن تظهر في كفه ثلاث نقاط سود في جوف اللحم مثل الدم ، وبينمـا هو يمشي ينتفخ فمه ويسقط ميتاً ، وقوم ينسلخون وينشقون ، حتى خلت المدن والقرى من أهلها وبقيت ذخائر الناس وأموالهم مطروحة لا يعرض لها أحـد وهرب الناس من موضع إلى موضع حذ را مـن المـوت . . . وبـدأ المـوت بالمساكين وأهل الفاقة فتولى الأغنياء دفنهم . ثم صار في الأغنياء ، حتى كان الإنسان إذا خرج كتب رقعة فيها نسبه ومنزله وعلقها في حلقه حتى إذا مات قرئت وحمل إلى منزله إن كان بقي له إنسان حي . وربما بقي المـوتى فـي الطرقات أياماً لا يدفنون حتى كان يمتنع الناس من سلوك الطرق من روائح الموتى وانتشر ذلك في البلدان كلها . . . وعظم الأمر في ذلك حتى كان الناس يحفرون لدفن الميت فيموتون على القبر المحفور ويدفن فيه الذي حفـر لـه والحافر . . . وفي هذه الأيام امتحن كـسرى بالعلـة المـسماة الـشرعوط أي الطاعون ، وكانت الدماء تسيل منه . . . وعرضت هذه العلة في أهل إسكندرية حتى صار أهلها كالسكارى من العلة التي تخدر أدمغتهم . . . وقيـل أن ثلثـة أنفس ممن أستأجرهم صاحب ملك الروم لدفن الموتى حصل لهم من الأجرة من حمل الموتى ودفنهم أربع مائة وخمسين دينا را ، فاجتمعوا لقسمتها بيـنهم فماتوا لوقتهم . . . وأن يوسف الملقب بالجاثليق صرف همه إلى دفن المـوتى المطروحين في الأرض والطرقات ، ولا يعرف له جميـل غيـره . . . ومـن الأمور التي حدثت في هذه المدة الصعبة أن المدينـة المـسماة طريفـوليس )طرابلس( على البحر سقطت وصارت قب را لأهلها . . . ” . وهكذا نرى أن التاريخ السعردي يروي أحداثاً كثيرة جرت في فترات متقاربة في منتصف القرن السادس ويضمها إلى بعضها ويضعها في عهـد يوسف الجاثليق . إلا أن بعضاً منها جرى قبل عهده ، منذ سنة ٥٤٠ ، وغيرها ، مثل انهيار مدينة طرابلس ، جرى في عهده ، حسبما يرويه لنا يوحنا الآسيوي وابن العبري ، أي في نحو سنة ٥٥٩ . وكذا القول عمـا يرويـه التـاريخ السعردي عن الجدال الذي دار بين الشرقيين وأتباع سويريوس الإنطاكي في القسطنطينية في أيام يوستنيانس . فإن هذا الجدال جرى فـي الحقيقـة سـنة ٥٣٣ ، أي قبل عهد يوسف الجاثليق بنحو عشرين سنة .
الفصل العاشر عهد الاستقرار
الجاثليق حزقيال (٥٧٠-٥٨١ ) :
كان حزقيال تلميذاً لمار ابا الكبير ، ثم رقاه هذا إلى أسـقفية الزوابـي ( النعمانية ) ، لما لمسه فيه من الحزم والذكاء . فقد تعلم حزقيال الطب وأتقـن اللغة الفارسية بالإضافة إلى السريانية . واستفاد كسرى انوشروان من ذكاء حزقيال ، وهو لما يزل أسقفاً للزوابـي ، فأرسـله إلـى البحـرين واليمامـة لاستخراج الجواهر . ونجح حزقيال في مهمته خير نجاح . فنال حظوة لـدى العاهل الفارسي الذي أوصى بانتخابه جاثليقاً سنة ٥٦٧ ، كما مر بنا . إلا أنـه لم يمارس مهمته البطريركية حتى موت سلفه يوسـف سـنة ٥٧٠ . وإذ ذاك اجتمع الأساقفة للانتخاب . ويظهر أنهم انتخبوا شخصا آخر يـدعى ايـشاي الملفان ، ويسميه آخرون “ماري ” . إلا أن مطران نصيبين وغيره من الآباء تدخلوا وأصروا على إقامة حزقيال المنتخب سـنة ٥٦٧ . ورفـع الطبيـب “نوروزي ” المروزي إلى كسرى رغبة الآباء في اختيار حزقيال . فاستحـسن الاختيار وأذن لهم بتنصيبه . وجرى ذلك في المـداين سـنة ٥٧٠ . ويـصفه التاريخ السعردي بقوله : ” . . . وكان عارفـاً بـأمور العـالم فهمـاً بـالعلوم ، واستقامت الأمور على يديه ورضي به سائر الناس ومن كان يظهـر منـه كراهية أيام قثرسة يوسف ، وسامح القسان والشمامسة الذين أسامهم يوسـف واقتنع بأن أقامهم قدام المذبح وثنى عليهم صلاة الاستغفار والتمحيض ولـم يعد الاسياميذ ” . ثم يردف بقوله : “ثم خلط بعد ذلك بعض التخليط مـع الآبـاء واستعمل الجفا في أخلاقه معهم ” . ويعزو العمى الذي أصاب حزقيال في سني حياته الأخيرة إلى قصاص من االله حل به لأنه كان يعير الآبـاء ويـسميهم عمياناً . أما أهم الأحداث التي جرت في عهد حزقيال فهي : بطل الوباء الذي كان متفشيا في هذه المناطق الـشرقية والـذي جـاء الكلام عنه سابقاً . ويقول صليبا أن مطران باجرمي وأسقف نينـوى اتفقـا على إقامة صلاة وصوم مدة ثلاثة أيام لكي يرفع االله عنهم هذا الوباء وأطلعا الجاثليق على نواياهما ، فاستحسن الأمر ، ودعي “صوم نينـوى ” أو باعوثـة نينوى ، على غرار توبة النينويين . واستجاب االله أدعيـتهم وقبـل صـومهم وأبطل الوباء واستراح الأنام . وفي سنة ٥٧٣ قام كسرى انوشروان بحملة تهدف إلى حصار مدينـة “دارا ” الواقعة في لحف جبل بين نصيبين وماردين . فجند لها قوات كثيرة ، وتوجه الجيش بصحبة الملك يرافقه الأشراف والجاثليق حزقيال أي ضا . ولمـا وصل الجاثليق إلى نصيبين ، خرج المسيحيون إلى لقائه وعلى رأسهم بولس مطرافوليط المدينة . فأكرموا مثواه وبالغ بولس في إظهار الحفاوة للجـاثليق ، وخطب في الشعب بعبارات أغاظت الشعب والجاثليق ، بما فيها مـن تمليـق فاضح ومبالغة مفرطة . فأحدث ذلك ردة فعل سيئة في الشعب ، وطلبوا إلـى الجاثليق أن يقبل مطرانهم . فوعدهم أن يحقق مطاليبهم لدى عودة الملك مـن دارا منتصراً . إلا أن المطرافوليط بولس عكف على الصلاة والتضرع إلـى االله لكي يأخذ روحه ولا يتعرض لتلك الإهانة . واستجاب االله دعائه ، فتـوفي قبل رجوع البطريرك . أما كسرى فاستولى على مدينة دارا بعد جهاد طويـل ومحاولات عديدة وردت أوصافها في المؤرخين السريان والبلدانيين العرب . وكانت هذه الحرب بداية خصومات جديدة بين الفرس والرومـان اسـتمرت سنين طويلة . وأهم ما قام به حزقيال هو المجمع الذي عقده في شـباط سـنة ٥٧٦ .
وقد حفظت أعمال هذا المجمع في مجموعة القوانين التي نـشرها شـابو . وافتتح هذا المجمع أعماله بمقدمة طويلة فيها امتدح الآباء مبـادرة الـسلام الصادرة عن الجاثليق . ثم استعرضوا صورة إيمـانهم بالثـالوث والتجـسد والفداء ، وألمحوا إلى الصعوبات التي اجتازتها الكنيسة فـي تلـك الـسنين الأخيرة . وسن المجمع ٣٩ قانو ًنا ، الأول منها موجه ضد بدعة المصلين الذين كانوا يقلقون راحة الكنيسة الـشرقية ويندسـون بـين صـفوف المـؤمنين والأقليروس في المدن والقرى وحتى في الأديرة . أما القـوانين الأخـرى فتتطرق إلى تنظيم الحياة في الكنيسة وإلى إزالة كل تـصرف يـسيء إلـى النظام الكنسي أو يعرض الكهنوت إلى الهوان . ووقع أعمال هـذا المجمـع ومقرراته ثلاثون مطراناً وأسقفاً ، بالإضافة إلى الجـاثليق . وأرسـل أربعـة أساقفة آخرين رضاهم وتواقيعهم بواسطة وكلاء عنهم . وهناك غيـرهم مـن الأساقفة لم يستطيعوا الحضور في هذا المجمع ولا إرسـال تـواقيعهم لبعـد
أمكنتهم ولصعوبة الأسفار أو لأن خبر انعقاد المجمع لم يصلهم في حينه . . . . . . وتوفي الملك كسرى الأول انوشروان سنة ٥٧٩ ، بعـد أن حكـم ٤٨ سنة ( ٥٣١-٥٧٩ ) ، وأفلح في حروبه مع الروم وأباد دولة الهياطلة التي ضعضعتها حملة كاسحة شنتها عليها قبيلة تركية ، ومد نفـوذه علـى الـيمن جنوبا وطرد منها الأحباش سنة ٥٧٠ . ويروي لنا التاريخ السعردي الحروب الدائرة بين الفرس والروم وما كان من نتائج وخيمة على الفرس قائلا ً: “لمـا اتصلت الحروب بين الفرس والروم قصد انوشروان نحو بلد الروم بعد ثلاثة أيام من كبسه دارا وإخرابها ، فوجد الروم قد اقتربوا من نـواحي الموصـل ( كذا ) وباعربايا أكثر من خمسين فرسخاً ، فعظم ذلك عليه وجمع جيشه وقصد الرقة فأخربها وما يجاورها وأخرب قيساربة وأخذ كل ما فيها . فلحقه الـروم وأخذوا عليه الطرقات وأحاطوا به من كل جانب وكاد أن يحصل في أيديهم . ثم احتال في التخلص وعبر أكثر جيشه الفرات بلا جسر فغرق أكثرهم مـع دوابهم ، وأفلت بعضهم عراة ولحق الروم بعضهم فقتلوهم وظفروا ببيت النار الذي كان معه وقد جمع فيه ذخائره كلها فأخذوها وقتلوا ستين قي ما كانوا فيه وأطفأوا النار بالماء وانصرف من ناحيتهم خائبا ولحقته علة في صدره مـن الغم فمكث أربعين شه را بها ومات ” . ثم يذكر كيف أن الروم الذين كان قد سباهم أكرموا جسده “على عادة النصارى ” .
مهما يكن من أمر فأن عهد كسرى الأول يعتبر مـن أمجـد العهـود الساسانية . فقد بلغت المملكة الفارسية في أيامه مج دا لم تبلغه قط فـي كـل عهودها ، كما أن الثقافة الأدبية والفلسفية أضفت على عهده جمالا ًخاصاً . وقد منح النصارى حرية العقيدة منذ الصلح الذي تم بين الفـرس والـروم سـنة ٥٦٢ .
الملك هرمزد الرابع ( ٥٧٩-٥٩٠ ) :
خلف هرمز أباه كسرى الأول على العرش الفارسي سنة ٥٧٩ . وقيل أن عدالته فاقت عدالة أبيه انوشروان . واتفق جميع المؤرخين الشرقيين على أنه كان كثير العطف على الفقراء والمظلـومين ، شـديدا علـى الأشـرار والظالمين وقد تبع سياسة أبيه في خطوطها العريضة . ولكن تسامحه الظاهر نحو المسيحيين عرضه لحقد رجال الدين الزرادوشتي ، بالإضافة إلـى حقـد الأشراف والرؤساء . وينسب بعض المصادر إلى الملك هرمزد هـذا القـول الموجه إلى الهرابذة والمجوس : “كما أنه لا قـوام لـسرير ملكنـا بقائمتيـه المقدمتين دون قائمتيه المؤخرتين ، فكذلك لا قوام لملكنا ولا ثبـات لـه مـع استفسادنا من في بلادنا من النصارى وأهل سائر الملل المخالفة لنا ، فاقصروا عن البغي على النصارى وواظبوا على أعمال البر ، ليرى ذلـك النـصارى وغيرهم من أهل الملل ، فيحمدونكم عليه وتتوق أنفسهم إلى ملتكم “.
ولدى تولي الملك هرمزد العرش الفارسي كانت مفاوضات السلم دائرة بين الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية . إلا أنها لم تسفر عن نتـائج ثابتـة فتجددت الحرب ودارت معارك ضاربة بينهما . وكان النصر حليـف الـروم رغم كفاءة القائد الفارسي بهرام جوبين الذي كان قد أحرز انتصارات ساحقة على الترك وعلى الأقوام التي كانت تهدد الحدود الشمالية والشرقية من البلاد الفارسية . وحينما أقاله هرمزد من منصبه ، رفع بهرام عليـه رايـة التمـرد والعصيان . وكان له مناصرون عديدون . وقامت مؤامرة أخرى دبرها بسطام صهر الملك ، بالاتفاق مع أخيه “بندويه ” ، فخلعا الملك وسجناه وسملا عينيـه وناديا بابنه كسرى الثاني برويز مل ًكا على البلاد الفارسية . فلما سمع كسرى الثاني تلك الأخبار – وكان في منطقة أذربيجان مع جيـشه – أسـرع فـي العودة إلى المداين لتسلم زمام الأمور ، وذلك سنة ٥٩٠ . أما هرمزد السجين فقد قتل بعد ذلك بمدة وجيزة . إلا أن بهرام زحف بجيشه على الملك الجديد وألجأه إلى الفرار نحـو الحدود البيزنطية والاحتماء بموريقي ملك الروم . فتولى بهرام إدارة الشؤون الفارسية ونصب نفسه مل ًكا وتقلد التاج . ولكنه لم ينعم طويلا ًبهذا النصر . فقد ساعد موريقي الروماني كسرى وأمده بالعون العسكري ، على أن يتنازل لـه عن مدينتي دارا وميافرقين اللتين أخذهما الروم حديثاً في الحـرب . وانـضم كثير من الفرس إلى القوات المؤازرة لكسرى الثاني من الإيرانيين والـروم واصطدمت بجيش بهرام قرب “كنزك ” في أذربيجان ومزقتها شـر ممـزق ، واضطر بهرام إلى الهرب واللجوء إلى البلاد التركية حيث لقي حتفـه بعـد زمان وجيز . وعاد كسرى الثاني منتصراً إلى عاصمته وقضى على جميـع مناوئيه .

الجاثليق ايشوعياب الأول الارزني ( ٥٨٢-٥٩٥ ) :
أبصر النور في منطقة بيث عربايي وتلقى العلم في مدرسة نـصيبين الشهيرة على إبراهيم بيث ربان ، وتضلع من شتى العلوم وتبحر بنوع خاص في الأمور القانونية والليتورجية ، وقد أظهر طول باعه فيها بالشروح التـي وضعها وبالرسالة الضافية التي وجهها إلى يعقوب أسقف جزيرة داراي فـي الخليج العربي . وقد أدخلت في مجموعة القـوانين الـشرقية ( ص ٤٢٤ ) . . . وتولى ايشوعياب إدارة مدرسة نصيبين سنتين ( ٥٧٩-٥٨١ ) ثم أقيم أسـقفا لارزون الواقعة في الحدود الرومانية الفارسية . واستفاد منه الملـك هرمـزد الأول للوقوف على تحركات الجيوش الرومانية . ولذلك أحبه وأظهر رغبته ، لدى موت الجاثليق حزقيال ، في أن يقام رئي سا على كنيسة المشرق . وكـان لرغبة العاهل الفارسي ثقلها ضد منافس ايشوعياب ، وهو أيوب أحد المنتسبين إلى عائلة نرساي الملفان ، وكان إذ ذاك مفس را في مدرسـة سـاليق فـأقيم ايشوعياب جاثليقاً سنة ٥٨٢ . وفي سنة ٥٨٥ عقد ايشوعياب مجمعا في ساليق . وحفظت مقـررات هذا المجمع والقوانين التي سنها في سلسلة المجـامع الـشرقية . ويفتـتح المجمع أعماله بإسداء الشكر الله على أنه أتاح لهم فرصـة هـذا الاجتمـاع وبإطراء مناقب الملك الفارسي هرمزد على لطفه وجودته نحو المسيحيين . ثم يستعرض صورة الإيمان وهي أوضح ما جاء من هذا النوع فـي الوثـائق النسطورية . وبعد ذلك يدافع عن كتب وتعاليم تيودوروس المصيـصي ضـد الذين يشوهونها ويناقضونها ، وهو بذلك يشجب تعاليم حنانا الحديابي مـدير مدرسة نصيبين . ويتطرق المجمع أيضاً إلى قضايا عديدة تهدف إلى صـيانة حقوق مختلف الفئات في الكنيسة وإلى توجيه الرؤساء والمرؤوسين إلى مـا فيه الخير في نظام تام . ومن الجدير بالذكر أن المجمع في القانون الثلاثـين يوجه إنذاراً شديد اللهجة إلى شمعون مطرافوليط نصيبين وإلى أساقفته ، وإلى غريغور مطران روارداشير وأساقفته ، الذين تخلفوا عن الحضور ، بوجـوب حضورهم لدى البطريرك خلال السنة وإلا فسوف يتعرضون للمنع الكنسي . أما في القانون الحادي والثلاثين – وهو الأخير – فيتعهد المجتمعون بحفـظ هذه المقررات والعمل بها بأمانة وإخلاص . . . وفي الخاتمة يـستمطر الآبـاء بركات االله على الذين سنوا هذه القوانين وعلى الذين يحفظونها . وقـد ذيـل البطريرك هذه المقررات بتوقيعه ، وحذا حذوه اثنان وعشرون مطراناً وأسقفاً كانوا حاضرين . وأرسل خمسة أساقفة وكلاء وقعوا عنهم وخمـسة آخـرين أرسلوا رضاهم وتواقيعهم كتابة . وهكذا فيكون عدد المـوقعين علـى هـذه القوانين ٣٣ شخصاً . وهناك الرسالة الهامة التي كتبها ايشوعياب إلى يعقوب أسقف جزيـرة داراي . وكان هذا قد وجه إليه أسئلة عديدة تدور حـول مختلـف الـشؤون الليتورجية والإدارية . فيجيبه ايشوعياب طويلا ويشرح لـه بعـض الأمـور الليتورجية ويطلب إليه أن يتصرف نحو الجميع بالرحمـة والعطـف لحـل مشاكلهم على ضوء ما جاء في الكتب المقدسة وما ورد في كتابات الآبـاء ، ويوصيه بالسهر على قطيعه ، ويقول أنه استقى هذه الأجوبة ممـا كـان قـد سجله من الملاحظات القانونية الدائرة في مدرسة نصيبين حينما كان طالباً ثم أستاذاً فيها . ومن الجدير بالذكر أن الجواب الثامن عشر يتـضمن تعليمـات خاصة بالوزنات أو المواهب التي تعطى في الرسـامات الكهنوتيـة لخـدام المذبح . فيقول ايشوعياب أن الشماس ( أي الشماس الإنجيلـي ) ينـال وزنـة واحدة ، والكاهن ثلاثاً ، والأسقف خمساً ، وهذا منتهى الكمال وملء الكهنوت . وفي الختام يصرح ايشوعياب بأن الأسئلة التي وجهها إليه يعقوب كانت ٣٣ سؤالا . إلا أنه دمجها ببعضها ولم ير من الضروري الإجابة إلا على عشرين منها . أما الأسئلة الأخرى فقد تركها لفطنة سائله وحكمه . . . أخيراً يأتي قانون الإيمان الذي أقره ايشوعياب ، ويستند إلى ما جاء في قانوني نيقية والقسطنطينية ، وهو موجه أيضاً ضد المعتقدات المناوئة للمذهب الشرقي . . . . ولكن سني ايشوعياب الأخيرة لم تمر بهدوء . فلما قضى كـسرى الثاني على مناوئيه واستقر بيده زمام الأمور ، خاف ايشوعياب من بطشه . مع أن الجاثليق لم يقم بعمل ضده . إنما كان مهت ما قبل كل شيء بمصالح كنيسته ولم يرد أن يتدخل في الشؤون السياسية ، لاسيما في تلك الفترة المـضطربة التي حاول أشخاص عديدون الاستيلاء على العرش الفارسـي بعـد الملـك هرمزد . فإن ايشوعياب لم ينضم قط إلى حركة التمرد والعصيان التي قام بها بهرام ضد وريث العرش الشرعي . ولكنه لم يظهر أيضاً ولا ء خاصاً لكسرى في صراعه ضد خصومه . فهو لم يرد مثلا ًأن يرافق كسرى إلى منفاه فـي بلاد الروم حينما هرب من وجه بهرام ومن جيشه الجرار . ولم يخرج أيضاً إلى استقباله حين عودته ظافراً إلى العاصمة . وكان هناك أناس حاسـدون أوغروا قلب كسرى على ايشوعياب ، أمثال الطبيب طيمثاوس النصيبيني . أما الرومان الذين رافقوا الجيوش الفارسية وساعدوا كسرى على استعادة عرشه ، فلم ينسوا الدور الذي كان ايشوعياب يقوم به حين وجوده في ارزون ، وكيف كان ينقل أخبارهم إلى الفرس ، ولذا فلم يتدخلوا في مصالحة العاهل الفارسي مع الجاثليق . وإزاء هذا الجو المكفهر والضغط المتزايد ، اضـطر الجـاثليق إلـى مغادرة المداين والتوجه إلى الحيرة والاجتماع بالملك النعمان بن المنذر وهو أبو قابوس وكان النعمان قد تنصر حديثاً ( سنة ٥٩٣ ) وصار يعد نفسه مـن حماة المذهب النسطوري ، وأصبحت الحيرة حاضرة ملكه من معاقـل هـذا المذهب . وهناك وافت المنية الجاثليق سنة٥٩٥ ، فتولت شؤون دفنـه هنـد الصغرى أخت النعمان وووري جثمان الجاثليق التراب في دير جديد كانت هند قد أقامته حديثاً . وينسب كتبة المجدل خطأ إلى ايشوعياب الأول الـسفر إلى بلاد الروم ، في حين أن الذي قام بهذا الـسفر هـو ايـشوعياب الثـاني الجدالي ، كما سنرى .
الجاثليق سبريشوع ( ٥٩٦-٦٠٤ ) :
لم يحدث موقف ايشوعياب الأول تأثيراً عميقاً في نفس كسرى الثـاني ولم يدفعه إلى معاداة المسيحيين ، لأن أفضال الروم عليه ما زالـت حديثـة العهد . لذلك فقد تبنى سياسة المسامحة تجاه النصارى ومنح لهم الحرية فـي ممارسة دينهم ، شريطة أن يتجنبوا الدعاية في صفوف المنتمين إلى الديانـة المجوسية الرسمية . ولابد أن زوجتيه المسيحيتين شيرين الآرامية ومـريم الرومانية ، قد لعبتا دوراً إيجابيا لصالح بني مذهبيهما . لذا فقد أحـسن إلـى الكنائس وشيد معابد عديدة في البلاد للشهيد سرجيوس الذي يقال أنه ظهـر على رأس الجيوش الرومانية المساندة لكسرى . ويقال أيضاً أن كسرى ، فـي حربه ضد منافسه بسطام ، رأى في المنام شيخاً جليلا ًيحثه على المضي قد ما في حربه ويعده بالنصر . وقد فسرت له زوجته شيرين هذه الرؤيا وقالت أن الشيخ ليس إلا سبريشوع أسقف لاشوم الشهير بقداسته . وبعد موت ايشوعياب الأول اجتمع الأساقفة للانتخـاب . ويظهـر أن المرشحين للجثلقة كانوا خمسة أشخاص . ولكن إرادة الملك وضعت حداً لكل تردد أو جدال . فانتخبوا سبريشوع ونصبوه بطريركاً فـي سـاليق فـي ١٩ نيسان سنة ٥٩٦ . وقد حفظت لنا تفاصيل كثيرة عن سبريشوع فـي سـيرته التي كتبها بطرس الراهب من بيث عابي والتي نشرها الأب بولس بيجان بعد سيرة يهبالاها الثالث . ولكبر سن سبريشوع عينوا له منذ بدء عهده معاوناً هو “ميلاس ” أسقف “شنا ” الذي مثل بعدئذ العاهل الفارسي بالقرب من العرش الروماني في القسطنطينية . وقد استفاد سبريشوع من حظوته لـدى الملـك الفارسي لتجديد الكنائس المتهدمة في عهد الملك هرمـزد ولإنقـاذ أسـرى كثيرين . وشيدت له الملكة شيرين ديراً في مقاطعة فيروزاباد . وحينما بدأ كسرى الثاني حملاته ضد الروم سنة ٦٠٤/٦٠٣ ، اضـطر سبريشوع ، حسب العادة الجارية ، إلى مرافقـة الجيـوش الفارسـية . إلا أن الشيخوخة والأمراض أقعدته في نصيبين حيث وافاه الأجل فـي شـهر آب ٦٠٤ ، بينما كانت الجيوش الفارسية تحاصر مدينـة دارا الـشهيرة . ودفـن الجاثليق في بيث كرماي وقيل في الحيرة . وقد تكون هذه إشارة إلـى نقـل رفاته إلى الحيرة جرى في زمان لاحق . عقد سبريشوع في أول عهده ، في شهر أيار سنة ٥٩٦ ، مجمعا بحـث فيه بعض شؤون الساعة ، وشن فيه حملة قاسية على المصلين واتباع حنانـا الحديابي . وقد أفلح سبريشوع في إرجاع بعض الرهبان الذين كـانوا قـد انحرفوا نحو بدعة المصلين وجمعهم في دير برقيطي بالقرب مـن سـنجار ونظم حياتهم تحت رئاسة شرعية ومنعهم من التشرد في المدن والقرى .
وأما الحملة على حنانا الحديابي وتعاليمـه فقـد تخللهـا كثيـر مـن الملابسات . فإن حنانا الذي تولى إدارة مدرسة نصيبين من سنة ٥٧٢ حتـى موته سنة ٦١٠ ، أخذ يجاهر بتعاليم لا تلائم المعتقد الشرقي ، ولم يتبـع فـي شروحه كتابات المفسر تيودوروس المصيصي ، بل تبع آراء يوحنا الـذهبي الفم . وقد أحدث تجدده هذا رجة عنيفة في نصيبين ومدرستها التي أربى عدد طلابها على ٨٠٠ طالب ، حسب قول بعض المؤرخين . وحدث انشقاق فـي صفوف الطلبة ، بين الموالين له ومناوئيه الذين اضطروا إلى مغادرة المدرسة احتجاجاً على آراء مديرها المستحدثة . لذا فأن حملة سبريشوع على حنانا وتعاليمه لم تكن موفقة كل التوفيق ، بل كان ثمة أسباب دفعت الجاثليق إلـى التخفيف من حدة هذه الحملة . فقد عزل الأساقفة مطران نصيبين جبرائيل بن روفينا ، بحجة اشتغاله بالعلوم الفلكية وبالتنجيم ، وعينـوا مكانـه غريغـور الكشكري ، الذي احتل هذا الكرسي بالقوة ، وأخذ يعادي حنانا علناً . فـساء ذلك في أعين أشراف المدينة الموالين لحنانيا واطلعوا الجاثليق على الأزمـة ورفعوا شكواهم إلى الملك الفارسي الذي أمر بسجن غريغور ثم بإبعاده إلـى كشكر موطنه الأصلي . وكان الجاثليق ينظر إلى ذلك بعين الرضى ، وقد سبق له أن قام بإجراءات تهدف إلى الحد من نفوذ مطرافوليط نصيبين ، وإذ وضع رهبان دير برقيطي التابع لنصيبين تحت سلطته البطريركية المباشرة ، ولـو أن الأساقفة لم يكونوا على هذا الموقف من غريغور الكشكري . فإنهم كـانوا يعتبرونه بطلا ًمجاهداً في سبيل الحقيقة ويقولون أن سبريشوع بعـد اتخـاذه موقف العداء من غريغور فقد موهبة اجتراح المعجزات . وينسبون إلى هذا الظلم الذي تعرض له غريغور أيضاً تمرد نصيبين وسقوطها بيد قائد الملـك كسرى في تلك الفترة ونهبها ومقتل العديد من أشرافها .

الجاثليق غريغور ( ٦٠٥-٦٠٩ ) :
لم يظل كرسي ساليق شاغ را مدة طويلة بعد موت الجاثليق سبريشوع . فبعد أن استولى كسرى على مدينة دارا ، على أثر حـصار طويـل وجهـاد مرير ، عاد إلى العاصمة وأصدر أوامره بعقد مجمع عـام للأسـاقفة بغيـة انتخاب جاثليق جديد . وكان لبادرة ملك الملوك هذه أعمق الأثر فـي نفـوس المسيحيين ، ردد كتاب المجامع صداها بشكر وامتنان بالغين . وما أن أقبل شهر نيسان من سنة ٦٠٥ ، حتى تم انتخاب جاثليق لكنيسة المـشرق ، وهـو “غريغور الملفان ومفسر الكتب المقدسة ” ، كما يقدمه لنا كتاب المجامع . إلا أن انتخابه كان بدء متاعب جمة للكنيسة الشرقية . وكان غريغور هذا من بلدة تل بسمي في منطقة فرات ميشان . ثم تلقى العلم على شخص اسمه ايـشوع ، وأصبح مفسراً في مدرسة ساليق . وكان الشعب والأسـاقفة والملـك نفـسه يريدون تعيين غريغور الكشكري مطران نصيبين الذي كان يعيش بعيدا عن كرسيه . إلا أن اتباع حنانا والموفيزيين كانوا يرون في غريغور الكـشكري خصمهم اللدود . فبذلوا كل جهودهم لإبعاده عن هذا المنصب الخطير ، ودفعوا الملكة شيرين إلى تبني وجهة نظرهم وإلى تعيين غريغور الملفان الذي كان من ميشان موطن الملكة شيرين . وقد نجحت هذه الجهود ، وأقـيم غريغـور الملفان جاثليقاً . فاغتاظ الملك من هذا التصرف ، ولكنه رضخ للواقـع علـى مضض . إلا أنه اقسم بألا يكون جاثليق بعد على كنيسة المشرق ما دام هـو حياً . وانتهز الجاثليق غريغور فرصة حضور الأساقفة لانتخابه ، فعقد مجمعاً في الأيام اللاحقة لهذا الانتخاب ، في ربيع سنة ٦٠٥ عينها . فجـدد المجمـع الحروم التي كان سلفه قد رشق بها الأناس الذين ينـاوئون تعـاليم الكنيـسة الشرقية وأعلن تمسكه الشديد بتعاليم تيـودوروس المصيـصي وبتفاسـيره ، وفرض استعمال الانشودات الثلاث التي تنسب إلى الملفان نرسـاي وهـي ، الشكر الصالح ( َتودي ْلطاوا ) ونور إشراق المسيح ( نهرا دِذن ِحـه دمـشيحا( وكلنا بالخوف والوقار ) ُكلن بِذحلثا وإيقارا ) ، وهدد بالحرم الرهبـان الـذين يرفضون استعمالها والأساقفة الذين لا يرشقون بـالحرم هـؤلاء الرهبـان العصاة . وشجب المجمع أي ضا كل الرهبان أو الراهبات المتـشردين الـذين يتعاطفون مع تعاليم المصلين والمنوفيزيين . وكان من بين الذين ذيلوا أعمال المجمع بتواقيعهم مطرافوليطو الأبرشيات الكبرى الـثلاث ، فـرات ميـشان وأربيل وبيث كرماي ، مع ٢٦ أسقفا بالإضافة إلى الجاثليق .
إلا أن الجاثليق غريغور لم يترك انطباعاً حسناً في الكنيسة الـشرقية . فقد أصبح جشعه مضرب الأمثال وموضع التندر بين الناس ، حتى أن تومـا المرجي يقول أن المناوئين للجاثليق أخذوا يبثون الدعايـة ضـده . ومـع أن الكاتب المرجي يشجب الطريقة التي فيها تم انتخابه بطريركاً ، فهـو يقـول ، “كان عليهم أن ينصاعوا للواقع ريثما يكمل الرب مقاصده أو يقضي غريغور ( المفسر ) نحبه ويبارح هذا العالم ” . ولما توفي الجاثليق غريغـور – بـين تشرين الأول سنة ٦٠٨ ونيسان ٦٠٩ – استولى كسرى الثاني على أموالـه كلها وضمها إلى الخزينة الملكية . وظلت الكنيسة الشرقية بدون جاثليق مـدة عشرين سنة ، إلا أن اغتيل كسرى الثاني سنة ٦٢٨ ، كما سنتكلم عـن ذلـك قريبا .
الفصل الحادي عشر تنظيم الكنيسة المنوفيزية في الشرق
ذكرنا سابقاً الدور الفعال الذي قام به يعقـوب البرادعـي فـي نـشر المنوفيزية في الشرق بواسطة الأساقفة والكهنـة العديـدين الـذين رسـمهم وأرسلهم إلى مناطق مختلفة من الإمبراطورية الفارسية . وقد رسم سنة ٥٥٩ احودامه مطرافوليطا على المشرق ، وكان احودامـه رجـلا يمتـاز بعلمـه وفضائله وغيرته الحميدة على الديانة المسيحية . وقد دفعته هذه الغيرة إلـى هداية كثيرين من الوثنيين ، وحتى من الذين ينتمون إلى العائلة المالكة . وكان اهتداء أحدهم ، الذي عمده احودامه ودعاه “جورجي ” ، سببا أثار سخط كسرى الأول انوشروان على احودامه ، فسجنه مدة وأذاقه مر العـذاب . ثـم أمـر بضرب عنقه ، وذلك في ٢ آب سنة ٥٧٥ . إلا أن تقدم المنوفيزيين لم يتوقف . فقد تغلغلوا في طور عبـدين كلـه وجعلوه منطلقاً لدخولهم في البلاد الفارسية . وكانت القبائـل الغـسانية فـي الغرب تمدهم بالحماية والعون المعنوي والمادي . وكان السبايا الرومان قد انتشروا في البلاد الفارسـية ، ولاسـيما فـي المنطقة الجنوبية ، حيث حلت أعداد غفيرة منهم من جراء الغزوات الموفقـة التي قام بها كسرى الأول في المناطق الرومانية . فكان لمـذهب المنـوفيزي يلاقي كل القبول والترحاب بين هؤلاء المسبيين الذين كانوا يشاطرون ملوك القسطنطينية ميلهم وعطفهم على المنوفيزيين . فأخذوا من ثمة يشكلون خط را على الكنيسة الشرقية ولذلك فقد رأينا أن مجامع هذه الكنيسة تنـدد بعملهـم وتعاليمهم وتعدهم بين صفوف المصلين والحنانيين وترشقهم بشتى الحـروم وتحذر الناس من عملهم ودعاياتهم . . .
وكانت الأزمة التي مرت بها الكنيسة الشرقية في عهد حنانا الحـديابي والانشقاق الذي حدث في مدرسة نصيبين فرصة مؤاتية للمنوفيزيين ، رغـم أنهم مروا هم أي ضا في ظروف حالكة وتعرضوا لاضـطهادات أليمـة ، وإن استشهاد احودامه والظروف التي واكبته جلبت عليهم سخط كـسرى الـذي منعهم من إقامة خلف لاحودامه . إلا أن موت كسرى سنة ٥٧٩ أتـاح لهـم الفرصة لكي يقيموا مطرافولي ًطا للشرق . فانتخبوا قاميشوع الذي كان معل مـا للكنيسة الجديدة التي أقيمت لهم بالقرب من البلاط الملكي ، حسب قـول ابـن العبري . ويردف ابن العبري بقوله أن قاميشوع رسم أساقفة حيثمـا وجـد حاجة إلى ذلك ، لأن الأرثوذكس كانوا حينذاك قليلين . ولسنا مطلعين بكفايـة على المراكز الجديدة التي أعطيت لهؤلاء الأساقفة الجـدد . إنمـا نعلـم أن المركز الوحيد الذي كان يشغله مطران كان دير مار متى . أما مراكز الرها وامد ( ديار بكر ) وتلموزلت فلم تعط لهم إلا في فترة لاحقة ، خـلال الحـرب التي دارت بين الملك الفارسي كسرى الثاني والروم ، ابتدا ء من سنة ٦٠٣ . فكان إذن دير مار متى وما يجاوره من الأماكن أهم مراكز الإشـعاع للحركة المنوفيزية ، ومنها انطلق المرسلون إلى شتى أرجاء المملكة الفارسية وامتدوا إلى القبائل العربية العائشة على هامش الإمبراطـوريتين الفارسـية والرومانية . وانتشر نفوذهم في الشمال أي ضا ، في منطقة بيث عربايي وفـي حدياب . وعرفوا أن يكتسبوا كذلك بلاد أرمينية وجبل ايزلا الذي سرعان ما أصبح معقلاً حصيناً للمنوفيزيين . كان لابدّ للنساطرة من أن يهتموا بهذه ، وأن يحاولوا إيقاف المد المنوفيزي ، فأخذوا يؤسسون المدارس فـي كل مركز هام ويزودون هذه المدارس بما تحتاجه من الأساتذة من خريجـي مدرسة نصيبين ويمولونها بالأموال الكافية ويهتمون بإعطاء الطلاب ثقافـة شرقية أصلية . ولكن المنوفيزيين حذوا حذوهم في هذا المضمار ، إذ أخذوا هم أيضاً في تأسيس المدارس الكثيرة ، ابتداءً من منطقة بيث نوهـذرا ، وبإقامـة الأديرة في أنحاء كثيرة من البلاد . إلا أن الكنيسة الشرقية كانت من المتانة والتنظيم بحيث لم تكن تتـأثر كثيراً بالدعاية المنوفيزية لو لم تساندها عناصر قوية في البلاط الفارسي . فقد كان دوماً للأطباء تأثير كبير على الملوك في كل الأجيـال والعهـود . فـإن هؤلاء الملوك العظام الذين كانوا يعتبرون أنفسهم أشبه آلهة ، كانوا يـشعرون بحاجة إلى من يطيل بقاءهم على هذه الأرض ويوفر لهم السعادة في الصحة . فكانوا من ثمة ينظرون إلى الأطباء نظـرة إجـلال ويمتثلـون لأوامـرهم صاغرين . وكان في بلاط كسرى الثاني طبيب اسمه جبرائيل السنجاري نال إعجاب الملك وحظوته واكتسب ثقة الملكة شيرين الآراميـة التـي عالجهـا فأنجبت ابناً سمي “مردنشاه ” ، بعد فترة من العقم كـادت تـؤدي بهـا إلـى اليأس . فوضع جبرائيل نفوذه القوي في خدمة القضية المنوفيزية . ويظهـر أنه كان في أول عهده منوفيزياً . ولا عجب في ذلك إذا عرفنـا أن سـنجار كانت آنذاك تحت التأثير المنوفيزي . إلا أنه أصبح بعدئذ نسطورياً ، وقد يكون ذلك للتزوج من امرأة نسطورية تنتمي إلى عائلة شريفة ، أو مراعاة للتيـار النسطوري الذي كان ذا حظوة في البلاط بواسطة شيرين الملكة التي كانـت هي أيضاً نسطورية . فلماذا إذن تخلى جبرائيل عن مذهبه النسطوري وعـاد إلى مذهبه الأول؟ إن المصادر المنوفيزية لا تـذكر أسـبابا لـذلك . أمـا النساطرة فأنهم يعزون ذلك إلى أسباب كثيرة ، منها أن جبرائيل طلق امرأتـه الشرعية واتخذ امرأتين أخريين وثنيتين “وأخذ يعيش معهما عيشة وثنيـة ” . ولما نصحه الجاثليق سبريشوع ليعود إلى حفظ القوانين الكنسية ولم يعتبـر ، حرمه . فانقلب جبرائيل ناقماً على النساطرة وجر وراءه الملكة شيرين أيضاً . ولكن قد يكون شيء من المبالغة في التنديد بتصرفات جبرائيل . فإن الأقرب إلى الواقع هو أن جبرائيل بحكم احتكاكه المستمر بالبلاط ، أخذ يعيش مـثلهم مسايرة لرغبات الملك الفارسي الذي طالما اقتضى من الذين يعيـشون فـي بلاطه أن يتخلقوا بأخلاق الفرس وعاداتهم ، لاسيما فيما يخص الزواج . ولكن صرامة الجاثليق سبريشوع جعلت جبرائيل ينفر من نظم الكنيـسة الـشرقية ويعود إلى مذهبه الأول الأصلي . وأخذ من ثمة ينتهز كل الفـرص للإيقـاع بالنساطرة ومعاكسة خططهم . ودفع الملك إلى إصدار أوامره إلـى الجـاثليق سبريشوع برفع الحرم عنه . فرفض الجاثليق الشيخ . ثم وافاه المـوت وأنقـذ حياته من هذا المأزق الحرج . فانفتح المجال أمام جبرائيل لكي يختـار مـع الملكة شيرين الشخص الذي يريدانه للجثلقة . فابعدوا غريغـور النـصيبيني وأقاما عوضه غريغور الآخر الذي سايرهم في آرائهم ، بـالرغم مـن ميـل كسرى إلى غريغور النصيبيني ، كما مر بنا القول .
وساهم تصرف بعض الرؤساء الشرقيين في تعكير الجو وفي تـرجيح كفة الميزان لصالح المنوفيزيين . فقد جرت حوادث في منطقة شهرزور على أثرها هدم “الراد ” الفارسي كنيسة للمسيحيين ، فثارت ثائرة الأسـقف نثنائيـل ودفع المسيحيين إلى الثورة على هذا الرئيس وإلى طرده من المنطقة . وكان لهذا التصرف عاقبة وخيمة . فقد رفع “الراد ” شكواه إلى ملك الملوك وقـال : “إنك تحارب للمسيحيين – وهو يشير بذلك إلى مساعدة كسرى لابن موريقي الروماني – وأنا أطرد من قبل المسيحيين ” . فلم يسع كسرى إلا أن يأمر بإلقاء القبض على الأسقف نثنائيل وإيداعه السجن حيث مكث ست سنين ، ثم صلب سنة ٦١٠ . وفي تلك الفترة استحصل يوناداب مطران حدياب رسالة مـن الملك تخوله السلطة على كل المنطقة الجبلية التي كانت قد أصـبحت مقـراً للمنوفيزيين ، وحتى على دير مار متى الـشهير . إلا أن عـين جبرائيـل السنجاري كانت ساهرة على مـصالح المنـوفيزيين ، واسـتطاع أن يحـبط المشروع قبل البدء بتنفيذه ، بل توصل إلى الاستيلاء على دير مـار فثيـون ودير شيرين الواقعين في منطقة حلوان ووضعهما تحت سلطة المنوفيزيين .

الفصل الثاني عشر الكنيسة الشرقية في نهاية العهد الساساني
الكنيسة الشرقية المترملة :
ظلت الكنيسة الشرقية بدون جاثليق منذ سنة ٦٠٩ . فشق ذلـك علـى الأساقفة ، لاسيما وأن هذا الفراغ أتاح الفرصة أمام خصومهم لكي يـزدادوا قوة وامتداداً في المملكة الفارسية . فأرادوا أن يقوموا بمحاولة تهـدف إلـى استرحام ملك الملوك وإلى إقناعه بصدق نواياهم وصحة معتقدهم ، لعله يسمح لهم بانتخاب جاثليق لكنيستهم . وقد لعب الراهب كيوركيس دوراً هاماً في هذه المحاولة . وأبصر كيوركيس النور في كشكر سنة ٥٧٥ ، وكان ابن موظـف كبير في الدولة وكان يدعى قبل اهتدائـه إلـى الـدين المـسيحي “ميهـرام كوشنسف ” . وقد اهتدى إلى المسيحية مع أخته التي قبلـت العمـاد مـن يـد الجاثليق سبريشوع . أما كيوركيس فقد اقتبل العماد سنة ٥٩٥ من يد شمعون بن جابر أسقف الحيرة الذي لعب دوراً كبيراً أيضاً في هداية الملك النعمـان إلى المسيحية . وبعد أن درس كيوركيس الكتـب المقدسـة فـي مدرسـة نصيبين ، رافق الأسقف شمعون إلى القسطنطينية . ولما عاد منها انضم إلـى رهبان الدير الكبير في ايزالا . فإليه لجأ الأساقفة ، نظراً لإطلاعـه علـى شؤون البلاط . لكي يساعدهم على القيام بمحاولتهم . فلبى رغبـتهم وانطلـق بصحبة كاهنين وشماسين وجاء إلى العاصمة الفارسية حيث كـان الأسـاقفة بانتظاره . وبواسطة القائد “فروخان ” اطلعوا الملك على رغبتهم في تقديم طلب إليه يسترحمونه في انتخاب جاثليق . ولكن الملك ، تحت تأثير الملكة شيرين وجبرائيل السنجاري ، اشترط لقبول طلبهم أن يبرهنوا عن صحة معتقـدهم . فاقترح “فروخان ” إجراء مناظرة عامة فيها يجيب الأساقفة على الأسئلة التـي تلقى عليهم . وقد وردت تفاصيل عن هذا الاجتماع في التاريخ الـذي نـشره كويدي . وحفظ بعض الوثائق في كتاب المجامع الـشرقية . أمـا ممثلـو الشرقيين في هذا الاجتمـاع فكـانوا : يونـاداب مطرافـوليط حـدياب ، وشوحالمارن مطرافوليط كرخ سلوخ ، وكيوركيس الراهب من جبـل ايـزلا الذي ورد ذكره قبل قليل ، وأسقف نهر كول ، وأسقف كشكر سرجيس الـذي كان من بلدة “تل فخاري ” القريبة من واسط . وقد طلب الأساقفة إلى كيوركيس وحنانيشوع أن ينظموا صورة إيمان ليقـدموها لكـسرى . ويقـول تـاريخ كويدي باقتضاب أن النقاش جرى في البلاط وقد انتصر فيه الأرثـوذكس ( أي النساطرة ) على جبرائيل وأصحابه ، فأمر الملك طبيبه بالكف عن الإساءة إلى الفريق الشرقي ، ولكن هذا استمر على خطتـه . إلا أن كتـاب المجـامع الشرقية يزودنا بتفاصيل عن هذا النقاش وبالاعتراضات التي قدمها خـصوم الشرقيين والأجوبة التي تلقوها عنها . فبعد مقدمة يكيل فيها الشرقيين المـديح والثناء لكسرى الثاني على اهتمامه ليس بالأمور المادية فحسب ، بل بالمعتقد الصحيح أي ضا ، يوردون صورة إيمانهم الشرقي التي تنتهي بكلمات تشير إلى أن هذا الإيمان هو إيمان الكنيسة الفارسية الوطنية ، بينما تعاليم خصومهم هي من مستوردات الإمبراطورية الرومانية ، ويعبرون عن أمـانيهم أن كـسرى الظافر على الرومان في حروبه الموفقة سيجتث جذور الأفكار المستوردة من بلاد الروم . وعلى أثر هذا الجدال ، قدم الشرقيون طلبا إلى الملك فيه يلتمس بكـل تواضع أن يسمح لهم بانتخاب جاثليق لكنيستهم . إلا أن الملك ألقـى علـيهم بعض الأسئلة التي استلهمها من المنوفيزيين والحنانيين وهي :
١- ما هو الإيمان الذي بشر به الرسل؟
٢- من هي مريم؟ هل هي أم االله أو أم الإنسان؟
٣- هل ثمة معلم قبل نـسطوريوس نـسب إلـى المـسيح طبيعتـين وشخصين؟
وأجاب الشرقيون على هذه الأسئلة وعلى غيرها ، مستشهدين بكتابـات بعض الآباء أمثال القـديس يوحنـا الـذهبي الفـم والقديـسين اثناسـيوس وامبروسيوس وحتى قورلس نفسه . ولكن كسرى لم يتخذ قراراً حاسماً بشأن هذه الجدالات .
وجاء فصل الصيف وتوجه العاهل الفارسي إلى مقاطعة ماداي ورافقه الفريقان المتنازعان إلى هناك ، وساد الصمت على الشؤون الدينية فتـرة . إلا أن حادثاً جرى هناك جدد هذه الجدالات . فقد توقفت القافلـة الملكيـة وقتـاً بالقرب من دير سرجيس الذي كان سابقاً في حوزة الشرقيين والذي أعطـاه جبرائيل السنجاري للمنوفيزيين أخيراً ، كما مر بنا القـول . وإذا بكيـوركيس وحنانيشوع يثيران قضية ملكية هذا الدير الشرعية . وقـد اتـسم احتجـاجهم بطابع العنف في الأقوال والأفعال . ولكن السنجاري كـان واقفـاً للـشرقيين بالمرصاد . وإذا به يتهم شوحالمارن بتدبير مؤامرة لاغتيالـه . ويقـول عـن كوركيس أنه جاحد لدين آبائه ومرتد عن المجوسية ، دين الدولـة الرسـمي . وكان لهذه الأقوال وقع عميق على نفس كسرى فأمر بإجراء التحقيـق مـع شوحالمارن وكيوركيس على الفور . ولا نعلم ماذا جرى لـشوحالمارن . أمـا كيوركيس فقد اعترف بشجاعة أمام الملك بكونه مسيحياً . فاعتق لحالا ً . وحينما عاد الملك إلى المداين لقضاء فصل الشتاء ، أودعـه قلعـة مجـاورة تسمى اقراد كوخي” وتسمى بالفارسية “ كاروند اكـان “ . وبعـد أن قـضى ثمانية أشهر في السجن . أمر الملك بإعدامه صلباً . وقد نفذ الجنود هذا الأمـر وأجهزوا عليه بسهامهم ، وذلك في “فيه ارداشير ” في موضع يـدعى “سـوق التبن ” في ١٤ كانون الثاني سنة ٦١٢ . وتوصل المؤمنون إلى أخـذ جـسده ودفنه في كنيسة مار سرجيس في “ميركنا ” القريبة من ساليق . وقد احـدث استشهاد كيوركيس هزة في الأوساط المسيحية ، فكف الأساقفة عن المطالبـة بإقامة جاثليق على الكنيسة الشرقية . . .
وظلت الكنيسة الشرقية بدون جاثليق . وكـان مـن ثمـة علـى كـل مطرافوليط أن يتعهد إدارة منطقته بسهر وحزم . أما كنيـسة سـاليق فقـام بإدارتها الاركذياقون مار ابا الذي يصفه المؤرخون بالحكمة والفضل . وأما المناطق الشمالية فقد اتفق عدد من المطارنة على تسليم إدارتها الكنسية إلـى باباي الكبير الذي كان من بيث عيناثا في منطقة بيث زبدى ، وكـان إذ ذاك رئيساً على الدير الكبير في جبل ايزلا . وكان باباي يمتاز بـالعلم والفـضيلة والغيرة العارمة على الدين المسيحي . فتسلم الإدارة الكنسية وراح يطـوف في المناطق ويتفقد الأديرة بصفة زائر رسمي مخـول مـن قبـل مجلـس الأساقفة . وكان ساهراً على الإيمان يذود عنه ضد الهراطقة والمصلين الذين كانوا يندسون حتى بين صفوف الرهبان . وكانت سلطته الأدبيـة والتعليميـة تحظى بتأييد واسع النطاق بين الشرقيين . فهو اللاهوتي الكبير الذي ساهم في بلورة اللاهوت الشرقي في هذه الفترة ، لاسيما في كتابه الشهير “في الاتحاد “ الذي يعتبر بحق الدستور العقائدي للكنيسة الشرقية . وانفتح باب جديد أمام الشرقيين بموت جبرائيل الـسنجاري وتحـسن وضعهم في البلاط الفارسي ، لاسيما وأن شخصاً منهم يدعى “يزدين ” حظـي بثقة الملك الفارسي وأصبح لديه أمين الخزينة . وكان يزدين ينتمـي إلـى أسرة مار فثيون الشهيد من كرخ سلوخ حيث كانت لأسرته ممتلكات واسعة . ويظهر أن الملك كان قد عهد إليه أمر الجباية في المملكة كلها . فكان يتتبـع آثار الجنود لكي يرتب أمر الأموال المنهوبة في الحروب ويـضمن ذهـاب القسم الأكبر منها إلى الخزائن الملكية . ويقول تاريخ كويدي أن يزدين كان يلقي كل صباح ألف قطعة ذهبية في الخزينة الملكية . وقد اكتسب هو أيـضاً من جراء وظيفته هذه أموالا ًطائلة وصارت ثروته مضرب الأمثال ، حتـى إنها جذبت أنظار كسرى الجشع ، وكانت الدافع الأول الذي حدا كسرى إلـى قتله والاستيلاء عليها . ورغم هذا النفوذ الذي كان يزدين يتمتع في البلاط ، لم يفلح في إقناع الملك بالسماح للمسيحيين بني مذهبـه لكـي يختـاروا لهـم جاثليقاً . . .
حروب آسرى الثاني والروم :
لم يكن كسرى الثاني من الأشخاص الذين يبيتون على ضيم ولا مـن الذين ذوى فيهم كل طموح وزال من قبلهم كل جشع . وسرعان مـا انقلبـت الصداقة التي كانت تربطه بالروم بواسطة زوجته مريم إلى عداء سافر ، بـل إلى حرب ضروس أعلنها على الروم وبدأ يقتحم حـدودهم ويتوغـل فـي أراضيهم ويستولي على مدنهم الحصينة وقلاعهم المنيعة التي تهاوت الواحدة تلو الأخرى تحت ضربات المتاريس الفارسية .
وكان مصرع الإمبراطور الروماني موريقي على يد “فوقا ” سنة ٦٠٢ بمثابة صافرة إنذار تعلن حالة الطوارئ في البلاد الفارسية . فهـب كـسرى يتذرع بالانتقام لموريقي القتيل ولابنه تاودوسيوس الـشاب ضـد مغتـصبي عرشه . وأول عمل قام به ، هو أنه توج الملـك الـشاب بواسـطة الجـاثليق الشرقي . ثم توجه إلى مدينة دارا وحاصرها طويلا ًإلى أن استولى عليها سنة ٦٠٤ . وبذلك انفتح باب المنطقة الرومانية أمامه على مـصراعيه . فراحـت الجيوش الفارسية تغزو بلاد الروم زاحفة نحو الغرب في حرب لا تبقى ولا تذر ، حتى استولت سنة ٦٠٩ على الرها المدينة الحصينة التي لـم تطـأطئ رأسها أمام الغزاة الفاتحين من قبل . ولم يضع موت فوقا الغضب حداً لتلك الحرب القاسية . وإذا بالجحافـل الفارسية تقف أمام أسوار قيصرية قبدوقية سنة ٦١١ . وما عتمت أن انهارت مقاومة المدينة أما قسوة الفرس الهائلة . وجاء دور دمشق سنة ٦١٣ . وبلغت الجيوش الفارسية في زحفها الكاسح أمام أسوار أورشليم المدينة المقدسة فـي صيف سنة ٦١٤ . وكان يقود الجيوش الفارسية “فروخـان ” الـذي يـسمونه “روميزان ” الملقب أي ضا “شهر براز ” أي خنزير الدولة . واستطاع الجـيش الفارسي الدخول إلى المدينة المقدسة من خلال ثغرة أحدثوها فـي سـورها . فأصبحت المدينة عرضة للسلب والنهب . وأسروا البطريرك زكريـا مـع وجهاء المدينة ، وأضرموا النيران في كنيسة القيامـة والكنـائس الأخـرى ، بتحريض من اليهود القاطنين في أورشليم . أما ذخيرة الصليب المقدس فقـد نجت من الحريق بهمة المؤمن يزدن . إلا أن هذا الصليب أخذ طريقـه إلـى الخزائن لفارسية مع بقية النفائس التي سلبها الفـرس مـن بيـت المقـدس . وسقطت مدينة الإسكندرية المصرية أيضاً في قبضة الفـرس الـذين فتحـوا جميع المدن الكبرى في سورية ، حتى أن القائد شهر براز الـشهير ضـرب حصاراً حول مدينة القسطنطينية نفسها ، ولكنه كان يفتقر إلى الوسائل لنقـل جنوده إلى الساحل الغربي للبوسفور . ولما ساءت حالة الروم ، هب ملكهم “هرقل ” واستنفر جيـشه وأوقـف الزحف الذي قامت به جيوش الفرس . فاستعاد آسيا الصغرى وطارد جيوش كسرى في أرمينية وأذربيجان واستولى سنة ٦٢٣ و ٦٢٤ علـى “كنـزك ” مدينة الفرس المقدسة ، حيث ضرب بيت نار “آذور كوشنسف ” . فهرب منـه كسرى حاملا ًالنار المقدسة . وفي السنوات التالية استولى الخزر ، وهم قـوم من أصل تركي كانوا قد استقروا في القوقاز في النصف الأخير من القـرن السادس ، على مدينة “دربند ” ، وتحالفوا مع الإمبراطور البيزنطي . وتلاحقت ضربات الملك هرقل على الفرس الذين واصلوا انسحابهم وتقهقرهم . فتوغل الروم وادي دجلة واحتلوا منطقتي حدياب وبيث كرماي ، ثم اسـتولوا علـى قصر الملك في “دستكرد ” وظفروا بغنائم عظيمة فـي أسـلاب هـذا المقـر الملكي ، واستعدوا لحصار المداين . فغادرها كسرى إذ ذاك ليـأمن علـى حياته .
وحينما رجحت كفة الروم في الحرب ، تغير موقف كسرى الثاني مـن المسيحيين . وأنقلب سماحه الظاهر إلى عداء سافر نحو كـل الفئـات مـن المسيحيين . ويقول التاريخ المغمور الذي نشره كويدي أن كسرى أقسم أن انتصر في هذه الحرب ليأتين على جميع الكنائس في الدولة ولا يترك ناقوساً فيها . ولم ينج من بطشه حتى أقرب المقربين إليه ، ومنهم يزدين الذي يقـول عنه تاريخ كويدي أنه “شيد في جميع البلاد الكنائس والأديرة علـى صـورة بيت المقدس السماوي ، وكان محبوباً لدى كسرى كما أحب فرعون يوسـف ، بل أكثر منه ” . فقد أمر كسرى بقتله وبتعذيب زوجته لكـي تطلعـه علـى الموضع الذي كان يزدين فيه قد خبأ أمواله الكثيـرة التـي جمعهـا بـالحق وبالباطل . وقد يكون الدافع إلى ذلك توجس كسرى بانضمام يـزدين إلـى موالاة جيش هرقل الروماني والتآمر على اغتياله ، أم قد يكون الجشع الـذي دفع كسرى إلى قتله والاستيلاء على أمواله وضمها إلى خزائنه الملكية التي قيل أنها احتوت على ٤٦٨ مليون مثقال من الدراهم وهو ما يـوازي ٣٧٥ مليون من الفرنكات الذهبية ، بالإضافة إلى الجواهر النفيسة والحلل الثمينـة .
وكان قد سبق لكسرى أن أمر بقتل الشهيد ايشوعسبران . فثقلت وطأة الظلم على الجميع ، وحاولوا التخلص من هـذا الطاغيـة العجوز الذي تمادى في الشر والظلم . ويصف لنا توما المرجي نهاية كسرى بهذه الأقوال “أما الملك كسرى بن هرمزد فقد اندفع بجنون وجـشع إلـى جمع الأموال ، وأزادته السنون شراً وظل ما . ولما توفي ( اغتيل ) الطوباوي مار يزدين رئيس المؤمنين الذي أضاف المجد السماوي إلى الجاه العالمي الـذي كان يتمتع به ، وحق له أن يرث خدر الأفراح السماوية ويسكن جنات النعيم ، نسي كسرى أفضاله كلها واغتصب ثرواته وأمواله جميعهـا وتـرك ولديـه المباركين شمطا وقورطا المؤمنين الصادقين عرضة للفقر والذل . فلمـا رأى شمطا المبارك أن شر كسرى الملك يعظم ويتفاقم مع تقدمه في الـسن ، قـام خفية ونزل إلى المداين عاصمة المملكة ، وقتل بحد الـسيف أبنـاء كـسرى الأربعة والعشرين الذين كانوا يتربون هناك ، واقتاد منهم ابنه شيرويه – وهو قباذ – وجاء إلى مدينتهم وفتح السجن واخرج نزلاءه كلهم وأركبهم خيـولا ُوزودهم بالسلاح ونادى بشيرويه ملكا ًبدون أمر والده وإرادته . وكان كسرى قد سرح جيوشه جشعاً . فدخل شمطا المغوار مع اتباعه بلاط كسرى وقتلـه بحد السيف ” . وهناك مصادر أخرى تختلف بعض الشيء في رواية تفاصيل مصرع كسرى . فهي تقول أن كسرى ، بعد أن هرب من دستكرد رافـضاً عـروض الصلح التي قدمها له ملك الرومان هرقل ، عاد إلى قصره في المداين . ثم لـم يلبث أن تركه ليعبر دجلة ويقيم مع شيرين في “فيه ارداشير ” . وهناك مرض بالزخار ، فنقلوه إلى المداين ليرتب وراثة العرش . . . فأراد تثبيت مردنشاه ابنه من شيرين على العرش . ولكن شيرويه ابنه من مريم البيزنطية اتفـق مـع الروم ومع ابني يزدين وقاموا بتنفيذ المؤامرة لاغتياله . وإذ أحـس كـسرى بذلك ، لاذ بالفرار . ولكن الثوار قبضوا عليه وأودعوه السجن حيث لم يكـن يعطى سوى قليل من الخبز والماء . ونال ولدا شيرين من شيرويه الـسماح بقتل كسرى أبيه . فدخلا عليه في السجن واستل شمطا سيفه ليضرب عنـق الملك . ولكن كسرى أخذ يتضرع إليه بتذلل ودموع قائلا ً “بم أذنبت إليك لكي تقتلني؟ ” . فارتد عنه شمطاً . ولكن قورطا الـذي تـدعوه المـصادر أيـضاً “نيوهرمزد ” تقدم من الملك وهوى بفأسه على رأسـه وأرداه قتـيلا ً. فـصار شيرويه قباذ ملكاً وعاد الهدوء إلى الكنائس كلها في جميع أرجـاء المملكـة الفارسية . إلا أن شيرويه سرعان ما أحس بمؤامرة يحوكها له ولـدا يـزدين للاستيلاء على العرش مع بعض كبار الدولة ومع الروم الذين هللوا لفكـرة إقامة سلالة مسيحية على عرش فارس . فقضى الملك على هـذه المـؤامرة وأراد القبض على شمطا ، ولكنه هرب إلى الحيرة . إلا أنه لم ينج من قبـضة شيروين الذي أمر بقطع يمينه وإيداعه الزنزانة مع أخيه قورطا .
الجاثليق ايشوعياب الثاني الجدالي ( ٦٢٨-٦٤٥ ) –
هو من بلدة جدالا القريبة من سنجار الحالية . تلقى العلم فـي مدرسـة نصيبين على حنانا الحديابي . ولكنه ما إن لاحظ انحراف حنانا عن المعتقـد الشرقي وعن تعاليم “المفسر ” حتى غادر المدرسة احتجا جا عليه يصحبه عدد كبير من زملائه الطلبة . وتوجه إلى “بلد ” ( أسكي موصل الحالية ) حيث أقـيم أستاذاً على مدرستها ثم أسقفاً على هذه المدينة ، مع كونـه متزوجـاً حـسب ادعاء التاريخ المغمور لكويدي . ولما اغتيل كسرى الثاني وجاء شيرويه – قباذ إلى الحكم ، أطلق الحرية للمسيحيين في انتخاب جاثليق للمشرق . فاجتمع المطارنة وأرادوا إجراء الانتخاب ، وتوجهت الأنظار إلـى بابـاي الكبيـر . ويقول توما المرجي : “إن الآباء كلهم طلبوا إلى القديس مار باباي أن يكـون جاثليقاً، ولكنه رفض ، لأنه فضل أن ينهي حياته في صومعة ديره علـى أن يقوم بالرئاسة المضنية ” ، وجرى الانتخاب ، وكان ايشوعياب الجدالي هـو الفائز ، فأقيم جاثليقاً على المشرق . وأراد أن يقوم بواجب الاحترام تجاه باباي والشكر على ما بذله من الجهود في إدارة الكنيسة طيلة عشرين عاماً ، فصعد الجاثليق الجديد نفسه مع لفيف من أساقفته وأوصلوا باباي بإكرام إلى ديـره في جبل ايزلا . وهنا يروي لنا توما المرجي حادثاً طريفاً ينبئ عن حسرة دفينـة فـي قلب باباي على رفضه الجثلقة ، ويقول : “ولما ودعهم ( باباي ) وعادوا أدراجهم ظهر له بغتة ملاك الرب بهيئة فارس متقلدا سيفاً من نار وممتطيـا صـهوة جواد أبيض ووقف في فناء صومعته ، وخاطبه وقال له : الآن وقد رفـضت البطريركية ونصب آخر ، ايذن لي بأن التحق به . فقال له مار باباي : من أنت يا سيدي؟ فأجابه الملاك : أنا الملاك الذي أمرني االله رب العالمين بأن أخـدم كرسي المشرق البطريركي . وطالما كنت أنت القائم بأعمال الجاثليق لازمتك من اليوم الأول وحتى الآن . أما الآن فعلي أن اتبع ذلك الذي قبـل المهمـة . فقال له ربان ( باباي ) لو عرفت أنك معي ، لقبلت هذا المنصب السامي بفرح . والآن فأمض بسلام وباركني . وتوارى الملاك عن الربان ” .
إلا أن حكم شيرويه كان قصير الأمد ، إذ لم يدم سوى ثمانية أشهر . فبينما كان ذاهبا إلى مقره الصيفي في دستكرد ، داهمه المرض ولم يبارحـه إلى أن صرعه في شهر أيلول سنة ٦٢٨ . ويقول التاريخ السعردي : “يحكـى أن شيرين احتالت في قتل شيرويه بالسم لأنه قتل ابنها مردنشاه ” . ويقول ابن البطرق وابن قتيبة أنه مات بالطاعون المروع الذي اجتاح الدولة وأهلك الكثيرين من سكانها . ويروي الفردوسي والثعالبي قصة خرافية عن انتحار شيرين وسم شيرويه . ويصف التـاريخ الـسعردي شـيرويه بالجودة والمحبة الشديدة للنصارى ، حتى قيل أنه كان في سره مسيحيا . ولأن الفرس كانوا يكنون ولاء عميقاً لشيرويه ، فقد ولوا على العرش بعد موتـه ابنه ارداشير الثالث وهو بعد صغير السن . فأقاموا عليه وصياً أحد رؤسـاء المملكة . إلا أن فروخان القائد الشهير المسمى أيضاً شهربراز زحف بجيـشه على العاصمة الفارسية وقتل المليك الذي لم يمر عليه في الحكم سوى سـنة ونصف سنة ، واستولى على زمام الأمور ونصب نفسه ملكاً على الفرس في ٢٧ نيسان سنة ٦٣٠ . وأول عمل قام به شهربراز هو إخراج شمطا بـن يزدين من السجن وصلبه على باب كنيسة بيث نرقوس فـي العاصـمة ، لأن شمطا كان قد أهان ابنته . ولكي يشكر هرقل الملك الروماني على مساندته له في الاستيلاء على العرش الفارسي ، رد إليه ذخيرة الصليب المقدس وأرفقـه بهدايا نفيسة . أما زكريا بطريرك أورشليم الأسير في البلاد الفارسية فقـد أطلق سراحه في وقت سراحه في وقت سابق وعاد إلى القـدس . ولكـن شهربراز لم ينعم طويلا ًبنصره هذا . فقد انقضت عليه فئة من كبار ضـباط الحرس الملكي وقتلوه وقطع الشعب جسمه إرباً إرباً . غير أن عوامل الفساد أخذت تدب في المملكة الفارسية التي أصبحت في هذه الفتـرة ألعوبـة بيـد الأقدار . وبعد اغتيال شهربراز بويع كسرى الثالث ، وهو ابن أخـي كـسرى برويز ، مل ًكا على القسم الشرقي من الدولة ، بينما أقيمت بوران ابنة كـسرى الثاني ملكة على المداين . أما كسرى الثالـث فقـد اغتالـه سـريعاً حـاكم خراسان . وأما بوران فقامت بأعمال جليلة رغم قصر عهدها الذي لم يدم سـوى سنة وأريعة أشهر . فقد عقدت صلحاً نهائياً مع الروم وأرسلت لهذا الغرض بعثة رسمية إلى الملك هرقل برئاسة الجاثليق الشرقي ايـشوعياب الجـدالي . وكانت البعثة تضم أيضاً أعضاء بارزين من الكنيسة الشرقية هم : قريـاقوس مطران نصيبين وبولس مطران حدياب وجبرائيـل مطـران كـرخ سـلوخ وايشوعياب الحديابي أسقف نينوى آنذاك وسهدونا أسقف ماحوزا اربـون . فاستقبلهم هرقل مثل ملائكة االله ، على حد قول توما المرجي . وأفلحـوا فـي مهمتهم أيما افلاح . إلا أن هذه البعثة سببت متاعب جمة للجاثليق . فكان عليه أن يذهب إلى حلب حيث كان الإمبراطور هرقل ، وأن يمر خلال بلاد غالبية مسيحييها من الموفيزيين أو الملكيين ، وكان عليه أن يبرهن عن صحة معتقده لدى الروم ، لكي يتسنى له الاشتراك معهم في الأسرار . ولذا فقد انهالت عليه تقريعات الشرقيين ، ولا سيما تهم برصوما أسقف شوش الذي تجـرأ عليـه وقال له : “لو لم تشجب أنوار الكنيـسة الثلاثـة ديـودوروس وتيـودوروس ونسطوريوس ، ولو لم تنطق بهذه العبارة وهي أن مريم هي أم االله ، لما سمح لك الروم بإقامة الذبيحة على مذابحهم ” . وحتى أدى الأمر ببعض المغـالين من النساطرة إلى حذف اسم ايشوعياب من سفر الأحياء . إلا أن الجاثليق دافع عن نفسه وبذل جهده في إقناع المتعصبين بأنه لم يقم بشيء ينـافي الإيمـان القويم ولا بما يخالف العادات الشرقية . ويروي لنا توما المرجي حوادث جانبية جرت خلال السفر الذي قام به الجاثليق وزملائه المطارنة إلى بلاد الروم . فقد سرقوا من إنطاكية صـندوقاً يحتوي على ذخائر الرسل القديسين وجلبوه إلى الشرق . وبينما كانوا هنـاك قام ايشوعياب الحديابي مع زميله سهدونا بجولة في كورة افامية والتقيا يوحنا أسقف المنشتتين من كورة الشام . ودارت جدالات عقائدية بينهم وبين رهبان أحد ديورة الملكيين هناك أسفرت عن تبدل صـريح فـي موقـف سـهدونا ومجاهرته بالتعاليم الخلقيدونية . وهذا ما أدى إلى نبذه من الكنيـسة الـشرقية بعد ذلك ، في عهد بطريرك ايشوعياب الثالث الحديابي . ولكن هذه الأحداث الدينية مقرونة بالاضطرابات السياسية لم تثن ايشوعياب الثاني عن غيرتـه على دعم المسيحية ، ليس في البلاد الفارسية فحسب ، بل وعلى نشرها أيـضاً في الشرق الأقصى . فهو الذي أرسل مرسلين نساطرة إلـى بـلاد الـصين ونشروا فيها الديانة المسيحية التي ازدهرت هناك مدة طويلة .
تنظيم الكنيسة المنوفيزية في بلاد الفرس –
رأينا أن الملك كسرى الثاني مال بعض الشيء إلى النساطرة بعد موت طبيبه جبرائيل السنجاري وتحت نفوذ يزدين . ولكنه حينمـا منـي بهزائمـه المتتالية أمام الجيوش الرومانية ، أتخذ موقفاً عدائيا تجاه كل المسيحيين الذين صاروا يحذرون بطشه وانتقامه . وقد أنعش دخول الروم إلى البلاد الفارسية الرجاء والتفاؤل في قلوب المسيحيين . واستفاد المنوفيزيون بنوع خاص مـن حضور الجيوش الغربية في المنطقة الـشرقية ، وجـرت اتـصالات بـين المنوفيزيين وبطريركهم الإنطاكي أثناسيوس الجمال )+ ٦٣١( ، فتوجه خمسة أساقفة منهم إلى بلاد الروم ، وهم : كريستوف مطرافوليط مار متى وجرجيس أسقف سنجار ودانيال أسقف بيث نوهذرا وغريغوريوس أسقف بيث رمـان ويزدفنة أسقف شهرزور ، واصطحبوا معهم ثلاثة رهبان رشحوهم للدرجـة الأسقفية ، وهم ماروثا وايثالاها وأحا . طلبوا مـن البطريـرك الإنطـاكي أن يرسمهم أساقفة للمنطقة الشرقية . ويظهر أن البطريرك رفض هـذا الطلـب “لسبب مقررات المجمع النيقاوي ” ، كما يقول أبن العبري . وكان البطريـرك برفضه هذا يهدف إلى إبقاء نوع من الاستقلال لكنيسة المشرق المنوفيزيـة وتجنب كل الاتهامات التي كان خصومهم يلصقونها بهم مـن أنهـم عمـلاء لسلطة أجنبية تعيش ما وراء الحدود الفارسية في بلاد الروم ويتلقون منها كل الأوامر والتوجيهات . وقرر المطارنة أيضاً تغيير مركز المطرافـوليط فـي الشرق . وكان هذا المركز دير مار متى منذ عهد احودامـه . فـأولوا هـذا الشرف لتكريت المدينة “المباركة ” وجعلوها مركزاً لمطرافـوليط الـشرق أو الجاثليق . وكان من السهل عليهم فيما بعد أن ينقلوه إلى العاصـمة الفارسـية متماً ووجدوا الفرصة مؤاتية لذلك . واحتفظ مطران مار متى مع ذلك بلقـب المطرافوليط . إلا أنه فقد سلطته الواسعة التي لن تـشمل مـن الآن سـوى المناطق المجاورة للدير . وقد شجعتهم الأحداث السياسية على اتخاذ هـذه الإجراءات . فبعد أن استولت جيوش هرقل على العاصمة الفارسـية ، أصـر الروم على إبقاء شمالي البلاد تحت نفوذهم المباشر وأقـاموا حـاكمهم فـي تكريت التي جعلوها مركزاً للإدارة المدنية . وسرعان ما اكتـسبت تكريـت بذلك أهمية كبرى ، فأصبح المركز المدني مركزاً دينيا خطيراً أيضاً وأعطي صاحبه لقب “الجاثليق ” أو “مطرافوليط المشرق ” على الشطر الـشرقي مـن المؤمنين التابعين لكنيسة إنطاكية . وسيعطى هذا الرئيس في الأجيال اللاحقـة لقب “المفريان ” . ابن العبري ، التاريخ الكنسي ٢ ، ١٢١ً وقد سبب هذا التنظيم تناحرا بين تكريت ومار متى دام سنين طويلـة . وكان ماروثا أول مطرافوليط شغل كرسي تكريت . وكان يخضع لمطرافوليط تكريت أبرشيات عديدة ، اختلف المؤرخون في عددها . فبينما يعطينا التـاريخ السعردي أسماء عشرة كراسي من ضمنها تكريت ، يزودنا ابـن العبـري باثنتي عشر كرسيا تابعاً لتكريت . ومعظم المؤرخين يظنون أنها عشر في الواقع وهي : سنجار – معلثا وبانوهذرا – ارزون – مركا وكومل – بيـث رمان وبوازيج – الدجلة وكرمى – الجزيـرة والبحـرين – فيروزشـابور ( الأنبار ) – شهرزور – عانة والعرب التغلبيون . وفي وقت لاحق أضيف إلى هذه الأبرشيات غيرها مستحدثة هي بغداد وجزيرة قردو ، الخ . . . وقد كتـب سيرة ماروثا تلميذه وخلفه المطرافوليط دنحا ، ونشرها “نو ” بنصها الـسرياني وترجمتها الفرنسية ، بعد سيرة احودامه . أما لقب “المفريان ” الذي يعطيه ابن العبري في وقت مبكر لمطرافوليط تكريت . فإنه لم يطلق في الواقع للمرة الأولى إلا على يوحنا صـليبا الأول ١٠٧٥ – ١١٠٦ . ولن يكون لتكريت بالفعل إلا مفريانان فقـط ، همـا : صليبا المذكور وخلفه ديونيسيوس ١١١٢ – ١١٤٢ .

انهيار الإمبراطورية الفارسية –
بعد موت الملكة بوران ، توالى المنافـسون علـى العـرش الفارسـي وكثرت المؤامرات والاغتيالات في البلاط ، إلى أن عثروا على أمير من نسل كسرى الثاني كان يعيش مختفيا في اصطخر ، البلد الذي فيه نشأ الساسانيون ، وهو ابن الأمير شهريار واسمه يزدجرد . وتمكن هذا الأمير مـن الاسـتيلاء على المداين بمساعدة القائد رستم الذي دخل اسمه في الملاحم وفـي عـالم البطولات . وقدر يزدجرد الثالث هذا أن يوحد الدولة بعـض الـشيء . إلا أن عوامل الانحلال كانت قد تسربت إلى جسمها المريض . فلم يـستطيع القائـد رستم ، مع كل بسالته أن يصد زحف العرب المسلمين الذين تقدموا فاستولوا سنة ٦٣٣ على البحرين ( قطر ) ومنطقة ميسان والحيرة والانبار واحتلوا كل البلاد الواقعة غربي الفرات وأدرك رستم الخطر المحدق ببلاده فبذل جهودا جبارة لصد الفاتحين والذود عن العرش الفارسي . وفي سنة ١٥ هـ الموافقة لسنة ٦٣٦ م ، التقى الجيش الفارسي بالجيش العربي الذي كان بقيادة سعد بن أبي وقاص ، وذلك في القادسية القريبة من الحيرة . واستمر القتال ثلاثة أيـام وأسفر عن هزيمة الفرس وقتل رستم . وبعد مدة قصيرة تمكن العـرب مـن الاستيلاء على العاصمة الفارسية . أما يزدجرد فقد هرب مع حاشيته وتوجـه إلى حلوان ومن هناك إلى بلاد ميديا ( ماداي ) . وتابع العرب المسلمون زحفهم نحو المناطق الشرقية ، فاحتلوا سنة ٦٣٨ بلاد الأهواز والسوس ، وتوصـلوا إلى هضبات إيران سنة ٦٤٠ . وحاول الملك الفارسي جمع شمل جيشه لعله يصد هجمات الفـاتحين ، واشتبك جيشه مع العرب سنة ٦٤٢ في موقعة “نهاوند ” . ولكن هذه المعركـة العنيفة أيضا انتهت بهزيمة الفرس . ففر يزدجرد مـن موضـع إلـى آخـر والفاتحون يقتفون آثاره ويحتلون المنطقة تلو المنطقة حتـى توصـلوا إلـى اصطخر . أما الملك الفارسي الطريد فقد اغتيل سنة ٦٥٢ على يـد طحـان طمع في ثيابه الفاخرة . وهكذا زالت الإمبراطورية الفارسية وانهـارت أمـام قـوة العـرب الفاتحين .
موقف المسيحيين –
يمكن القول بأن المسيحيين في معظم المناطق وقفوا موقف الحياد مـن المعارك الفارسية – العربية ، إن لم نقل أنهم في سرهم حبذوا حكم العـرب . ويقول المؤرخون أن الجاثليق ايشوعياب بذل قصارى جهـده لكـي يظهـر الولاء للفاتحين ويقال أن أمي را نجرانيا مسيحيا توسط بين مذهبه ونال من المسلمين عهداً يكفل لهم حسن المعاملة . مهما يكن من أمر ، فإن التـاريخ المغمور لكويدي يقول ببساطته المألوفة ، “حينما رأى الجاثليق ايـشوعياب أن العرب قد احتلوا ونهبوا ماحوزي ( المداين ) ، وأن أبوابهـا قـد نقلـت إلـى العاقولاء ، فر إلى كرخ سلوخ تجنبا للمجاعة ” . . . أما ماروثـا مطرافـوليط المشرق الذي كان في تكريت أبان الفتح الإسلامي ، فقد فتح أمـام المـسلمين أبواب قلعة المدينة تجنبا لوقوع المجازر الدموية فيها إن هي فتحت عنوة .
. . . ولا عجب إذا اتسم موقف المسيحيين بارتياح لمجيء العرب ، ذلك لأن المسيحيين ملوا من الظلم الذي تعرضوا له في فترات عديدة من العهود الفارسية ، فلعل الفاتحين الجدد يكونون أكثر إنسانية ورحمة تجـاههم . وقـد رحب المسيحيين أي ضا بمجيء العرب للتقارب الكبير بين لغـتهم الـسريانية ولغة الفاتحين العربية ، لكون اللغتين تنتميان إلى دوحة واحدة هي الآرامية .
الفصل الثالث عشر نشأة الحياة الرهبانية
في نهاية هذه الحقبة من تاريخ الكنيسة الشرقية ، نود أن نلقـي نظـرة خاطفة على الحياة الرهبانية عامة وعلى مدى تحقيقها في كنيـستنا خاصـة ، ذلك لأن الرهبان كانوا دوماً القلب النابض في هذه الكنيـسة ، وهـم الـذين ساهموا في نشر الديانة والثقافة المسيحية في مختلف أرجاء الشرق الأوسـط وأوصلوا هذه الرسالة السامية حتى إلى الشرق الأقصى .
الحياة المسيحية والحياة الرهبانية :
تبدو الحياة الرهبانية لأول وهلة وكأنها حياة لا منطقية إذ كيف يرغب الراهب عن العالم ، مع علمه أن العالم شيء حسن بما أنه عمل االله ، ولأن االله يتراءى للبشر من خلال الحقائق المنظورة إلا أن الراهب بتركه هذا العالم يعلن انتماءه المسبق إلى العالم آخر افتتحه المسيح منذ قيامته المجيدة : “حيث لا الرجال يتزوجون ولا النساء يزوجن ، وإنما هم كالملائكة في السماء فلا يتسنى لنا استيعاب الحياة الرهبانية في العالم إلا على ضوء الخبرة الفصحية التي عاشتها الكنيسة : “لكن االله الواسع الرحمة ، وقد أحبنا حبا شديدا ، أحياناً مع المسيح وكنا أمواتاً من جراء زلاتنا ، فأقامنا معـه وأجلـسنا فـي السماوات في المسيح يسوع ” .
إن هذا ، والحق يقال ، يتحقق في كل مسيحي من جراء العماد . بيـد أن العماد ليس إلا مثل بذرة تحتوي على الطاقات المسيحية كلها . ولكـي تتفـتح هذه الطاقات وتتفجر عن زخم روحي هائل ، يتحتم على الإنـسان الحـر أن يتعاون مع النعمة في مراحل حياته كلها : “فأما وقد قمتم مع المسيح ، فاسـعوا إلى الأمور التي في العلى ، لا في الأمور التي في الأرض ، لأنكم قـد مـتم وحياتكم محتجبة مع المسيح في االله ” . فلكي يؤدي العماد والأسرار الأخرى عملها التام في المسيحي ، عليـه أن يشترك بنوع شخصي فعال في سر موت المسيح وقيامته . وهذا ما ترمي إليه الحياة الرهبانية . فهي ليست إذن حياة على هامش الحياة المسيحية ، بـل أنها تعمق في سر المسيح وتوغل في خططه واندفاع شطر المثل العليا : “إني أسألكم أيها الأخوة ، برأفة االله أن تجعلوا أنفسكم ذبيحة حية مقدسـة مرضـية عند االله . فهذه هي عبادتكم الروحية ” . فالرهبانية إذن خير عام في الكنيسة يشترك فيه كل مسيحي . إنها تحمل رسالة يجب ألا يتغاضى عنها كل تلميذ للمسيح ، إذ تدلنا على الاتجاه الـذي يجب أن يتخذ الكيان المسيحي تحت قيادة الروح . أليس إلى الجميـع وجـه المسيح كلامه حينما قال : “من لم يحمل صليبه ويتبعني ، لا يستطيع أن يكون ليتلمي ًذا . . .لايستطيع أحد منكم أن يكون لي تلميذاً إن لم يتخل عن جميـع أمواله ” .
ومن جهة أخرى ، يذكرنا القديس بولس بأن “صورة هذا العـالم فـي زوال ” ولذلك “فليكن الذين يستفيدون من هذا العالم وكأنهم لا يستفيدون ” . فإن الملكوت الذي دعينا إليه ليس من نظم الأمور الزمنية مهما عظـم شأنها ، والطريق المؤدية إلى هذا الملكوت هي طريق الصليب ، ومقتـضيات التخلي والتجرد الفعلي شاملة لا مناص منها لكل مسيحي يعيش حسب منطق عماده . فعليه أن يحتفظ في حياته بمتسع من الوقت للتفرغ الله : “أدخل حجرتك وأغلق عليك بابها وصلِ لأبيك الذي في الخفية ” ، بحيث أن حياته كلها تتسم بهذه “الأوقات القوية ” التي تضعه في احتكاك مباشر مع االله . إلا أن الرهبان في اندفاعهم إلى االله لا يفقدون احتكاكهم بالأرض ، فمع كونهم منتبهين إلى النداءات الخاصة التي يوجهها االله إلى كـل إنـسان مـن خلال الظروف الخارجية أو الإلهامات الداخلية فهم يعلمـون أن طـرق االله عديدة ، وأن الروح حر في أن يهب حيثما يـشاء . لـذلك فـأنهم يحترمـون الشخصية الروحية في الغير بكل فطنة ، ويحترمون مقتضيات النعمة في كل إنسان في طريقه إلى االله .
الشهادة والتجرد :
كانت المسيحية ، حتى قبيل صدور مرسوم ميلانو سنة ٣١٣ ، تعـيش تحت وطأة الاضطهاد وعلى هامش الحياة العامة . فكان علـى المـسيحي أن يختار البطولة والتضحية ، وأن يستعد في كل حين للشهادة ، يدلي بهـا أمـام الملوك والولاة ، ويبذل دمه في سبيل الحقيقة . فكانت فكرة الاستشهاد ترافـق المسيحي دو ما ولا تسمح بأن يتعلق قلبه بحطام الدنيا أو مجدها أو مناصـبها الرفيعة . فكان االله همه الوحيد وهو يصبو دوماً إلى ساعة الجهـاد الأخيـرة التي فيها يتحرر من قيود الجسد وينظم إلى المسيح في المجد . هكذا قبـل أن تتكون الحياة الرهبانية بإطارها القانوني ، كان المسيحيون يعيـشون بحـسب روحها . وكان الشهيد يحقق فكرة الراهب بتجرده عن كل شـيء وبإعطائـه ذاته الله حتى الموت .
خطر العالم :
وما أن صدر مرسوم ميلانو ، حتى حل السلام في الكنيسة وأصـبحت المسيحية ديانة معترفاً بها ، ثم غدت دبن الأباطرة الرومان وشـعوبهم . وإذا استمرت الوثنية تحظى ببعض الحرية زماناً يسيراً ، فـسرعان مـا أصـابها الخمول وتعرضت للذل وأخذت تتراجع أمام الحقيقة الزاحفة ، ثـم أضـحت ديانة محظورة منذ نهاية القرن الرابع في المنـاطق الرومانيـة ، فلـم يعـد المسيحي يلاقي غبناً من جراء دينه ، بل إكراماً وجاهاً . بيد أن هـذه الحالـة أثارت في فكر المسيحيين تساؤلات كثيرة : هل للمسيحي ، وهو في العالم ، أن يتبع المسيح بحمل الصليب؟ وهل يمكنه ، في وسط العالم ، أن يحقق خـلاص نفسه؟ وكان جواب كثيرين منهم نفيا .
شهادة الحياة :
وإذ تضاءل أمام المسيحيين حقل الجهاد والكفاح في سبيل دينهم والذود عنه ، شعروا أن ثمة شهادة أخرى غير شهادة الدم ، يتحتم عليهم أداؤهـا . لا سيما وأنهم لاحظوا أن جموع المؤمنين وجماهير الهواة المتفرجين شـرعوا يغزون مواضع الصلاة ، ففتشوا عن وسيلة تمكنهم من أداء الشهادة للمـسيح ، ليس ببذل دمائهم ، بل بحياة تكون كلها شهادة للمسيح . وإذا بهم ينفردون فـي عزلة عن الناس في أماكن بعيدة عن ضوضاء العالم ويعكفون هنـاك علـى الصوم والصلاة وهناك من يقول أن الأمر الذي دعا بعض المـسيحيين إلى اعتزال العالم ليس الاضطهادات ولا الخوف مـن تـسرب روح العـالم إليهم ، إنما هي الرغبة في تحقيق مثل التنسك العليا ، وفي الكـرازة بـالقول والحياة . فبعد أن بشرت الكنيسة المدن توجهت إلى البراري برهبانها . وكانت فكرة التنسك تراود كل مسيحي يريد امتثال المشورات الإنجيلية . وقد أدت هذه الرغبة ببعض المسيحيين منذ القرن الثالث إلى الانفصال عن المجتمـع جزئيا أو كليا في المعتزلات الثنائية ، وفي البراري والجبال .
هل الرهبانية من اختراع المسيحية :
لقد أدعى البعض أن للرهبانية المسيحية سوابق من الديانات الوثنيـة ، عند البوذيين مثلا ً، ولدى الأفلاطونية الجديدة في اليونان ، وفي البلاد اليهودية بواسطة شيعة الاسينيين العائشين على ضفاف البحر الميت )( قمران ) .
لا نكير أن بين هذه الطرق وبين الرهبانية المـسيحية بعـض أوجـه الشبه ، ذلك لأن الإنسان التواق إلى الكمال قد وجد في مختلف الأجيال طريقه إلى هذا الكمال – حسبما فهمه – فـي الإماتـات وضـبط الـنفس وقهـر الحواس . . . إلا أن الرهبانية المسيحية نشأت انطلاقا ًمن حاجة الإنسان إلى تلبيـة نداء المسيح الداعي إلى التجرد عن كل شيء فـي سـبيل الحيـاة الأبديـة . وجاءت ظروف عجلت في تحقيق الرغبة الكامنة في قلب الإنسان . فحينما بدأ المسيحيون ينعمون بالراحة والطمأنينة ، تسربت فيهم الرخاوة والاستسلام إلى ما يرضي الطبيعة البشرية . وقد رأت نخبة منهم في ذلك ش را ينـساب إلـى نفوسهم من العالم . فقرروا نبذ العالم والابتعاد عن فساده . وقـد يكـون هـذا العمل احتجاج الشخص البشري على المؤسسات العالمية التي تثقـل كاهلـه وترهقه وتشغله عن الضروري الأوحد . وهذا ما قد يشرح وجـود عـذارى ونساك ينقطعون لخدمة االله ولا يخالطون البشر إلا نادراً ، وذلك منـذ سـلخ القرن الثالث .
نشأة الطريقة النسكية :
يعتبر القديس أنطونيوس الكبير ( ٣٥١-٣٥٦ ) مفتتح الطريقة النسكية ، مع نده الأنبا بولس ( + ٣٤٧ ) الذي اختار الصحراء الشرقية في مصر مقـرا له وسكن مغارة هناك مدة تسعين سنة وهو يقتات بنصف رغيف يحمله إليـه غراب كل يوم ، شأنه في ذلك شأن ايليا النبي العظيم . وقـد كتـب القـديس أثناسيوس الإسكندري ( + ٣٧٣ ) حياة القديس أنطونيوس الكبير . وجاء في هذه القصة أن أنطونيوس ولد سنة ٢٥١ في حـضن عائلـة مسيحية ثرية في بلدة “قمن ” أو قيمان من أعمال مركز الواسطي التـي تقـع على بعد نحو ٩٠ كم جنوبي القاهرة المصرية . ولم يكن مصري الأصل ، بل ابن مهاجرين يونان سكنوا مصر ، وأبواه مسيحيان أثريا من التجارة . ووافت المنية والديه وهو لما يتجاوز الثامنة عشرة من سنيه ، تـاركين له ولأخته الصغيرة ثروة لا يستهان بها . وشرع أنطونيوس يفكر في متطلبات الحياة المسيحية وكيف أن الرسل تركوا كل شيء وتبعوا الرب . وأخذت هذه الأفكار تزدحم وتختمر في نفسه وهو يلتمس طريقه في الحياة . ولمـا دخـل يوماً إلى الكنيسة إذا بالكاهن يتلو الإنجيل حيث يقول يسوع للشاب الغني : “إن شئت أن تكون كاملا ً، فأذهب وبع مالك وأعطه للمعوزين فيكون لك كنز في السماوات ، ثم تعال واتبعني ” . وكانت هذه الكلمات نداء حاس ما لأنطونيوس ونو را لحياتـه ومنطلقـاً لدعوته . فما أن رجع إلى البيت ، حتى وزع ممتلكاته الواسعة على الفلاحـين وأعطى المساكين أمواله ، بعد أن احتفظ لأخته بحصتها . ثم عهد بأخته إلـى جماعة من العذارى ، وأخذ يتردد على شيخ ناسك كـان يـسكن فـي قريـة مجاورة . وتحت إرشاد هذا الشيخ كان أنطونيوس يـشتغل ويـصلي ويقـرأ الكتاب المقدس . وحاول الشيطان أن يجربه مرات عديدة ، ولكن أنطونيـوس قابله بتقشفات صارمة وإماتات هائلة فرضها على ذاته . ثم انزوى في قبـر قديم منقور في لحف الجبل المجاور لقريته . وهناك أيضاً عاودتـه هجمـات الشيطان بضراوة . ولكنه ظل صامداً في عزمه ومستمراً على حياة الفضيلة . وبعد سنين توغل في الصحراء وسكن في بناء قـديم متهـدم كـان مـأوى للحيات . وبعد أن قضى عشرين سنة في هذه العزلة التامة دون أن يـشاهد أحدا ، رضي منذ سنة ٣٠٦ أن يأتيه تلاميذ ويقيموا لهم صـوامع بجـواره . وبذلك حقق “اتحا دا للنساك ” ظلوا بغير قـانون ثابـت ، تجمعهـم شخـصية أنطونيوس وأقواله ونصائحه . وأخذت الجموع تتوافد عليـه ، فيجـري لهـم الأشفية والمعجزات . وكان من عزلته يتابع سير الكنيسة ويشاطرها أفراحهـا وآلامها . ففي الاضطهاد الذي شنه عليها الإمبراطور مكسيمان سـنة ٣١١ ، ساعد أنطونيوس الشهداء في المناجم وفي سجون الإسكندرية . ولما عاد إلـى منسكه لم يترك له ازدحام الجماهير مجالا ًإلى الراحـة والتفـرغ للاخـتلاء والصلاة ، فقر رأيه على الرحيل إلى مكان بعيد . ففي سنة ٣١٢ التحق بقافلة متوجهة شطر البحر الأحمر وسار معها ثلاثة أيام بلياليها ، حتى توقف عنـد سفح جبل عال ( جبل العربة ) يجري في سفحه ينبوع ويظلل المكـان بعـض أشجار النخيل ، بالقرب من البحر الأحمر بجوار الحـدود الـشرقية لسلـسة المرتفعات المدعوة اليوم جبل الغلاظة . وهناك أمضى بقية حياته . وقد جاء مرة لزيارة أبنائه النساك ، فاستقبلوه بحفاوة وفرح بالغين . وقبيل موته ذهـب إلى الإسكندرية لدحض بدعة الاريوسيين . وقد سمح لاثنـين مـن تلاميـذه بالالتحاق به في عزلته . ووافته المنية في ١٨ كانون الثاني سنة ٣٥٦ ، وله من العمر ١٠٥ سنين . وهو بكل جدارة يعتبر أبا النساك ومثالهم .
نشأة الحياة الرهبانية الجماعية :
أحس النساك أن كثيرين من المدعوين إلى هذه الحياة الكاملة لا يسعهم العيش في العزلة التامة ، وأنهم بحاجة إلى أخـوتهم ليتلقـوا مـنهم العطـف والمساعدة لحياتهم الروحية . . وإذا بالحياة الرهبانية تخطو خطوة كبيرة على يد القديس باخوميس . وكان باخوميس فلاحاً سرح سنة ٣١٤ من الجندية . وكان ذووه وثنيين يسكنون في ضواحي اسنبه إلى الجنوب من طيبة . واهتـدى إلـى الديانـة المسيحية وتلقى العلوم والإرشاد مدة ثلاث سنين على ناسك يدعى “فالمون ” ، بالقرب من خنيوبوسكيون ( قصر السيد اليوم ) . ثم أخذ في إنجـاز مـشروعه شيئاً فشيئاً . وكانت البداية متواضعة . فقد رضي بعض النساك ، مع سـكناهم في صوامع منفصلة ، أن يتناولوا الطعام سوية وأن يضعوا ثمـار جهـودهم وأعمالهم في شبه “صندوق مشترك ” . ثم تعهد ثلاثة منهم بحفظ القوانين التـي عرضها عليهم فاخوميس ، وكان هذا هو الدير الأول أقيم في جنوبي مـصر في مكان يدعى “تبنسي ” . وكان الدير يضم صوامع كثيرة لـسكنى الرهبـان . وأحاطه باخوميس بسور ، وأعطى جمعيته قانوناً ينظم صـلواتهم وتمـارينهم الروحية ويحدد زيهم الخارجي وشغلهم المادي ونوع معيشتهم . وهكذا نشأت جمعية تتجاوب مع احتياجات الإنسان الروحية والمادية والاجتماعية . وقد انتشرت الحياة الرهبانية انتشاراً سريعاً ، لا سيما في الشرق ، حتى اضطر باخوميس إلى تأسيس أديرة عديدة في مختلف الأرجـاء المـصرية لقبول الراغبين في الحياة الرهبانية . وكانت جمعيته تضم تسعة أديـرة لـدى موته سنة ٣٤٦ ، فيها بضعة آلاف من الرهبان .
وظهرت بالقرب من باخوميس أخته مريم . وشعر باخوميس بأن قلبهـا يميل نحو حياة التقوى والفضيلة لذا أرسل بعضاً من اخوانه يبنون لها بيتاً في قرية بنسي، على مقربة من ديرها الاول وأقاموا فيه معبداً صغيراً .وبعد قليل من الزمن أتت نساء كثيرات يضعن أنفسهن تحت إدارة وسلطة مـريم . وهكذا نشأت أديرة كثيرة للنساء أيضاً . . . وكانت “طيبـة ” الأرض الخـصبة للدعوات الرهبانية ثم تبعتها مصر السفلى وسورية وفلسطين . وقد اشتهر في مصر بين كبار الرهبـان امونيـوس الإسـكندري (+ ٣٥٦) والقديس مكاريوس الكبير (+ نحو ٣٩٢) وأدخل “هيلاريون ” الغزي الحياة الرهبانية في فلسطين في القرن الرابع . وفي القرن الخـامس اشـتهر “اوطيمس ” (+ ٤٧٣) كأب للرهبانية في الأرض المقدسـة . وفـي الجبـال المجاورة لإنطاكية ، في سورية الغربية وفي برية كلسيس (طيبة الـسورية) ، نشأت فرق عديدة من النساك . ولديهم قضى يوحنا الـذهبي الفـم والقـديس هيرونيمس ردحاً من الزمن . أما في آسيا الصغرى والمناطق المجاورة لهـا ، فقد انتشرت الحياة الرهبانية بواسطة اوسطاثيس مطران سبسطية في أرمينية (+ نحو ٣٨٠) وبالأخص بواسطة تلميذه الشهير القديس باسيليوس مطـران قيصرية قبدوقية الذي تمرس مدة على الحياة الرهبانية على ضفاف ايـريس في مقاطعة بنطس في آسيا الصغرى . وأولـى القـديس باسـيليوس الحيـاة الرهبانية اندفاعاً جديداً ، وأضاف إلى الحياة التأملية العنصر التربـوي فـي الحياة الجماعية وواجب المحبة الفعالة تجاه القريب وضرورة الثقافة العاليـة والدراسة اللاهوتية العميقة . وإليه يعود الفضل فـي سـن قـانونين للحيـاة الرهبانية – القانون الكبير والقانون الموجز – أصبحا عماداً للقـوانين التـي وضعها المؤسسون الآخرون في الأجيال اللاحقة .
مدى تـأثير الرهبانية المصرية في ما بين النهرين :
إن الطريقة النسكية وجدت لها أتباعاً في الكنيسة الشرقية منذ مطلـع القرن الرابع . فقد ورد ذكر أبناء العهد وبنات العهد بإجلال مبين في كتـاب “الدرجات ” وفي “بينات ” افراهاط الحكيم الفارسي )+ ٣٤٦) وفي سير الشهداء والقديسين . ولكن الآراء تضاربت حول مدى تأثير الحياة الرهبانية المصرية فـي الشرق . فإن القديس هيرونيمس يؤكد أن الرهبانية السريانية ترتبط بالقـديس هيلاريون تلميذ القديس أنطونيوس الكبير . وهناك التقليد الشرقي الذي ينسب تأسيس الحياة الرهبانية في البلاد الفارسية إلى القديس اوجين . ولكـن قـول القديس هيرونيمس قد لا يكون صحيحاً إلا بالنسبة إلى المنـاطق الـسورية ، وأما أسطورة مار اوجين فإنها متأخرة لا يعتمد عليها كما سنبين ذلك . ويميل المؤرخ المعاصر “فونوس ” إلى صحة النواة الأساسية لتاريخ يعقوب النصيبني كما رواه تيودوريطس القورشي ، والـذي بموجبـه ترقـى الحياة الرهبانية الفردية في البلاد الفارسية إلى سلخ المائة الثالثة . والقـديس أفرام خير شاهد على ازدهار هذا النوع من الحياة الرهبانية الذي تبناه هـو نفسه . وانطلاقا من الشرق قد تكون هذه الحياة انتشرت في سورية الغربية .
إلا أن دراسة جدية للمصادر تضطرنا إلى إرجاء بدء الحياة الرهبانية الفردية إلى عهد يوليان سابا )الشيخ(+ ٣٦٧) وابراهام قيدونايا معاصـري القديس أفرام السرياني . أفلا تكون الحياة الرهبانية في الشرق ، والحالة هـذه ،متأثرة بعض التأثير بالتيار المصري؟ .
تطور الحياة الرهبانية :
أخذت الحياة النسكية في بعض المناطق ، لا سيما في فلسطين ، اتجاهـاً جديداً يمتزج فيه شيء من الحياة الجماعية . فكان الرهبـان يعيـشون فـي صوامع منفصلة تحت إدارة رئيس واحد . وكثير من الآباء اليونـان ، أمثـال اواغريس وبلاديوس ، ساهموا في إعطاء ثقافـة عميقـة للحيـاة الرهبانيـة بكتاباتهم النسكية ومجموعات الحكم التي وضعوها لإرشاد الرهبـان ولحـل مشاكلهم الروحية . وكان الرهبان في بادئ الأمر كلهم علمانيين تقريبا ، يتوشحون جميعـاً بزي مماثل ، وهو ثوب من الخيش ، ويتنطقون بسير من جلد وفوقه جلد للمعز أو الضأن مع قبعة للرأس . وكانوا يشغلون أوقاتهم بالصلاة والعمل اليـدوي الذي كان يختلف حسب المناطق وحاجاتها ، من العمل في الحقول إلى نـسج السلال والحصائر وغيرها . . . وفي الأديرة الكبيرة ، كانت هذه المهـن كلهـا تتواجد تقريبا . وكان الرهبان يبيعون منتجاتهم ويقتاتون بأثمانها ، ويحـسنون بالفائض إلى الفقراء والمحتاجين . ولم يكن في الدير من الكهنة إلا واحـد أو عدد قليل يكفي لخدمة الجماعة الروحية . وحتى أن باخوميس فصل الكهنـة عن الجماعة ، لكي يقضي على كل طموح إلى الدرجات العليا يـراود قلـب رهبانه . وكان الكهنة أحيا ًنا يأتون من المناطق المجاورة للقيام بخدمة الرهبان الروحية . أما أديرة النساء فكانت في الغالب مجاورة لأديرة الرجـال ، لتيـسير الخدمة الروحية لهن ولسد حاجاتهن المادية ، وخصو صا للذود عـنهن ضـد المعتدين . ولكن لم يخف على المسؤولين ما في ذلك من الأخطار الروحيـة . لذا فقد قامت المجامع الكنسية في أماكن شتى بمنع هذه الأديرة المزدوجة . بيد أن العادة استمرت في الغرب حتى نهاية القرون الوسطى . ومنذ عهد باخوميس شرع الناس يعهدون بأولادهم إلى عنايـة الـدير تمهي دا لهم للانخراط في الحياة الرهبانية . وكان من المفروض أن يكون للولد عشر سنين على الأقل عند دخوله الدير ، إلا أن هذه القاعدة لم تكن مرعيـة د وم ا .
وقد سن المجمع الخلقيدوني سنة ٤٥١ قانو ًنا يرمي إلى القضاء علـى كل ما تسرب في الأديرة من سوء الإدارة ، ويقضي بإخضاع كل الرهبـان ، في المدن والأرياف ، لسلطة مطران الأبرشية ، وبعدم تأسيس دير بـدون أذن منه . وفرض على الرهبان ملازمة الدير والعكوف فيه على الصلاة والشغل وعدم الخروج منه إلا في حالات اضطرارية بعد نيل السماح من المطـران . ولم يكن يسمح للعبيد بالانخراط في سلك الرهبانية إلا بإذن من أسيادهم . وإذا تجاسر أحد الرهبان وعاد إلى العالم ليعيش فيه ويمارس مهنة مـا أو ليعقـد زوا جا ، فإنه كان يتعرض لأشد العقوبات صرامة وللحرم الكنسي . وبـالرغم من هذه القوانين كلها ، فقد نشأت انحرافات كثيرة في الجمعيـات الرهبانيـة . فهناك الرهبان المتجولون ، وهناك الرهبان العائشون اثنـين أو ثلاثـة فـي صومعة واحدة غير خاضعين لرقيب أو رئيس وهناك بدعـة “المـصلين “ التي سببت متاعب كثيرة للكنيسة . ثم ظهرت نزعة جديدة في الحياة الرهبانيـة وهـم الحبـساء . وكـان الحبيس يقضي فترة طويلة أو مدى الحياة كلهـا فـي محبـسة صـغيرة أو صومعة ضيقة . وقد بلغ الأمر ببعضهم إلى سد كل منفذ إليهم ، ما خلا كـوة صغيرة يتلقون من خلالها ما يكفي أولادهم من القوت يأتيهم من الدير أو من المحسنين . وكان ثمة نوع آخر من الرهبان سموا “بالعموديين ” ، يعيشون فوق عمود بشكل برج . وقد اشتهر من بين هؤلاء القديس سـمعان العمـودي (+ ٤٥٩) الذي أمضى ٣٧ سنة على عمود بالقرب من مدينة حلب (قلعة سمعان الحالية) . كانت بدعة المصلين تدعي أن الشيطان والروح يسكنان في نفس الإنسان المعمد ، وأن العماد غير قادر على طرد الشيطان ، إنما الصلاة وحدها هي القـادرة علـى ذلـك بصورة شبه سحرية . وإذا أفلح الإنسان في طرد الشيطان ، يضحي إنساناً روحيا في منجى من كل الأهواء ويثبت في النعمة برؤى سرية . وكانت تتخلـل هـذه التعـاليم أخطاء عقائدية بصدد الثالوث الأقدس وشخص المسيح ورسالته الخلاصـية وتـؤدي إلى أخطاء مسلكية فظيعة .
الفصل الرابع عشر الرهبانية في الكنيسة الشرقية
إن الكنيسة الشرقية تتمسك بتقليد بموجبه أن راهًبا مصرًيا أصله مـن “قلزوم ” بالقرب من السويس يسمى “اوجين ” هو الذي جلب إلى طور عبـدين طريقة الحياة الرهبانية . وبعدئذ تفرق كثير من هؤلاء التلاميذ وأسسوا أديـرة في المملكة الفارسية الساسانية . وأهم الوثائق التي يستند إليها هذا التقليد هي .
١- كتاب المجدل .
٢- وثيقة تروي “سيرة ” اوجين نشرها الأب بولس بيجان .
٣- كتاب العفة لايشوعدناح البصري . إننا هنا نضرب صفحاً عما ذكره المؤرخان ماري بن سليمان وصليبابن يوحنان في هذا الصدد ، لأنها يستقيان أخبارهما من الوثيقتين الأخـريين ، ويضيفان إليهما أمور لا تتفق وواقع الزمان . وتأتي معلومـات مماثلـة فـي التاريخ الكنسي لابن العبري.
أما “سيرة ” اوجين فإنها ترمي إلى تزويدنا بعرض كامل لحيـاة هـذا البطل الأسطوري وإطراء الدور الهام الذي نسب إليه تجاه الطريقة الرهبانية في الشرق . فاوجين ، حسب هذه الوثيقة ، كان يمتهن حرفة صيد اللآلئ فـي بلدته ثم حظي برؤى عديدة وبموهبة اجتراح المعجزات . وبعد أن قضى فـي هذه المهمة خمساً وعشرين سنة ، دخل دير القديس باخوميس حيث أسـندت إليه مهمة الخباز . ولكن سرعان ما لاحظ الرهبان والجموع قداسته ، فاضطر إلى الانتقال إلى نيترية وقصده هناك سبعون تلميذاً . فذهب بـصحبتهم إلـى نصيبين وأنزوى في جبل ايزلا حيث التحق به ٣٥٠ تلميذا اقبلوا من مختلف المناطق . . . ثم يصف الجزء الثاني من “السيرة ” علاقـات اوجـين بالقـديس يعقوب مطران نصيبين الشهير وبمار مليس (ميلوس) والملك شابور الثاني . وإذا بالراهب اوجين يضع عمله الرسولي وشهرته في خدمة مـار يعقـوب النصيبيني . وأخبر حاكم المدينة الملك قسطنطين بأعجوبة أجراهـا اوجـين بإحياء ابنه . فشبهه قسطنطين بالقديس انطونيوس والقديس هيلاريون . بيد أن كاتب السيرة لا يتجاسر ويعزو إلى اوجين اكتشاف فلك نوح المنسوب عامة إلى القديس يعقوب ، ولكنه يدعي أن اوجين تنبأ عن نجاح الأعمال الجاريـة لاكتشاف الفلك . واعترافاً بهذا الفضل ، أرسل له القديس يعقوب جـزءا مـن خشب الفلك . وتأتي السيرة إلى ذكر العجائب العديدة التي جرت على يـد اوجـين ، منها أنه طرد شيطاناً من أحد أبناء شابور الملك ، فمنحه الملك حرية التجول في المنطقة الفارسية وبيث هوزايي والتبشير فيهما . وبعد ذلك اجتمع إليـه تلاميذه السبعون والتمسوا بركته ، ثم ذهب كل منهم إلى منطقة لتأسيس ديـر فيها . وتقول هذه الرواية ، التي كتبها ميخائيل رفيق اوجين ، أن القديس توفي في ٢١ نيسان سنة ٦٧٤ يونانية الموافقة لسنة ٣٦٣ ميلادية . وكـان لـدى النساطرة روايات عديدة تتطرق إلى حياة تلاميذ مار اوجين ، مـنهم شـليطا ويونان ودانيال الطبيب وميخا . . . . أما العدد الأول من كتاب “العفة ” فيزودنا بموجز ما جاء في السيرة ، ثم يعدد أسماء أربعة عشر تلميذاً لاوجين مع أختين له . وذكر كتاب العفة أيضاً ثمانية تلاميذ آخرين للقديس اوجين أسسوا أديرة في أمكنة مختلفة .
إلا أن هذه الوثائق لا تخلو من صـعوبات كبيـرة تعتـرض طريـق المؤرخ . لقد قيل أن كتاب العفة هو أحسن مصدر لمعرفة حياة اوجـين . إلا أن هذا الكتاب لا يرقى إلى أبعد من نهاية القرن التاسع . لقد جاء فيه خبر نقـل رفات ايشوعزخا مؤسس دير الجص في جبل حدياب : “في السنة الثالثة لملك جعفر بن المعتصم ملك العرب ” ، أي في عهد خلافة المتوكـل (٨٥٠/٨٤٩ م) . ولا يمكننا التأكيد أن ايشوعدناح وضع كتابه حالا ًبعد هذا التاريخ ، بـل كل شيء يحدونا إلى القول بأن مطران فرات ميشان (البصرة) كتب في نحو سنة ٩٠٠ م . فبطلنا اوجين ، والحالة هذه ، لا يظهر إلا في نهاية القرن التاسع أو مطلع القرن العاشر . وقبل هذا التاريخ يخيم عليه سكوت مريب . فلم يسرد ذكره في كتابات المؤرخين أمثال تيودوريطس القورشي أو سوزومين اللذين يزودوننا بمعلومات نفيسة عن الحياة الرهبانية في ما بين النهرين . ولا يذكره أي مجمع ولا القوانين الرهبانية التي وضعها في القـرن الـسادس إبـراهيم الكبير وخلفاؤه أو غيرهم من مؤسسي الأديرة . بل والأكثر من ذلك ، أن باباي الكبير ، في مقدمة كتابه القيم عن التجسد ، يسمي إبراهيم “أبا الرهبان ” . وكذلك توما المرجي ، الذي وضع كتاب الرؤساء بعيد سنة ٨٥٠ م ، يتجاهل وجـود مار اوجين . مع أنه ذكر في الفصل الثالث مـن الجـزء الأول مـن كتابـه الأشخاص الذين امتازوا بالحياة النسكية قائلا ً: ” . . . موسى في جبـل سـيناء . وايليا في جبل الكرمل ، واليشاع وأبناء الأنبياء ، والقديس يوحنا في البريـة ، واتباع سمعان في جبل طابور ، ورب الأنبياء في زمن صومه في البريـة . . . والأنبا بولس والأنبا انطونيوس والأنبا بمبو والأنبا سلوانس والأنبا سوسائيس والأنبا نسطير والأنبا ارسانيس . . . ” ، ثم ينتقل المرجي رأ ًسا إلى الحديث عـن إبراهيم مؤسس دير ايزلا الكبير . فإذا لم يذكر توما المرجي القديس اوجين الذي يعتبر المؤسس الكبير للأديرة في البلاد الفارسية ، فما ذلك إلا لأنه كان يجهل وجوده . وقد تعجب السمعاني نفسه من هذا السكوت عند المرجـي . وهذا ما يحدونا إلى اعتبار “السيرة ” وثيقة تكونت في عهد يتراوح مـا بـين تاريخ “كتاب الرؤساء ” (أي منتصف القرن التاسع) وكتاب العفة (أي نهايـة القرن التاسع أو مطلع القرن العاشر) .
ثم أن لائحة أسماء تلاميذ مار اوجين ، الواردة في كتاب “العفة ” وفـي مخطوطتي لندن وبرلين اللتين اعتمدهما الأب بولس بيجان في نشر “سـيرة ” اوجين ، تشير إلى وجود مصادر مختلفة لحياة اوجين . فـإن المخطوطـة اللندنية (المرقمة ١٢١٧٤) التي انتسخها شابور ، تحمل الأسماء التالية : توما – كوريا – غريغوريوس – قذالا – طاوا – يهب – ايوانيس – اليـشاع – سرابيون وتقلا أخت مار اوجين. أما كتاب “العفة ” (عدد ١) ، فلا يذكر اسم قذالا ويهب ، ولكنه يضيف إلى اللائحة الأسماء التالية : يوحنـا – شـليطا – ستراطونيقي )أخت أخرى للقديس اوجين( يوحنا – شيري – مار ميخائيل . . . أما نص السيرة الذي يتبع مخطوطة برلين ففيه لائحة الاثنين والسبعين . إلا أن هذه اللائحة لا قيمة تاريخية لها إذ أنها لا ترقى إلى ما قبل القرن الحادي عشر ، بما أننا نجد فيها اسم الربان يوسف بوسنايا(+ ٩٧٩) ، وحتـى اسـم كاتب سيرته يوحنا بركلدون . فاستنتج من ذلك أن المخطوطة اللندنية تزودنا بأقدم وثيقة ترقى إلى ما قبل القرن العاشر . . . فأخذ الفكرة التي تنسب تأسيس الأديرة في الشرق إلى القديس اوجين تتسرب شيئاً فشيئًا في التقليد الـشرقي ، حتى بلغت طور الرسوخ حينما كتب بركلدون حياة يوسف بوسنايا . فحذا بـه الأمر إلى ربط اوجين باسم إبراهيم الكشكري الكبير .
ولكن أتكون المخطوطة اللندنية ١٢١٧٤ مصدرا لكتاب العفـة ، أم أن الكتابين لا يرتبطان ببعضهما البتة؟ يظن “لابور ” أن كتاب العفة قد تعـرف إلى “السيرة ” ويشير إلى ذلك اسم ميخائيل الذي ورد في لائحـة ايـشوعدناح البصري . ونعلم أن ميخائيل هذا هو تلميذ مار اوجين والمؤلـف المزعـوم لسيرته حسب المخطوطة اللندنية . وبالإضافة إلى ذلك ، لقد تعرف البصري إلى قطع أخرى تمت بصلة إلى حياة اوجين ، كقصة يونان وشليطا . وقد تكون فترة لا تقل عن مائة سنة بين تأليف “السيرة ” حـسب المخطوطـة اللندنيـة وتأليف كتاب “العفة ” لايشوعدناح البصري . أما المخطوطة البرلينيـة ، فهـي متأخرة عن هذا العهد ، كما أشرنا إلى ذلك .
بين الأسطورة والتاريخ :
لقد حان الأوان لنجرد تراثنا الشرقي مما علق به من غبار الأسـاطير ليبرز تقليدنا العريق وتظهر ما فيه من الصفحات الناصعة والتاريخ الأصيل .
فما هي النواة التاريخية في الأسطورة الاوجينية؟ لنعد إلى كتاب “العفة ” ، الذي يلقي بعض الأضواء على هذه المـشكلة .
فإن العدد ١٠٧ يروي أن شخصا يدعى إبراهيم من قرية “معري ” (في طور عبدين) ذهب إلى جبل ايزلا وجدد خرائب دير مار اوجين واجتمع إليه نحو خمسين رجلا ً. ثم يساعدنا العدد ١٠٨ على وضع هذا الحـدث فـي إطـاره التاريخي لأن خلف إبراهيم هذا هو “روزبيهان ” الذي أصبح بعد ذلك مطرانا على نصيبين وكان قد اقتبل الاسكيم في دير مـار ميخائيـل القريـب مـن الموصل من يد مار ايشوعياب رئيس الدير وهو ابن أخت الجـاثليق مـار صليبا زخا . وهذا ما يوقفنا بنوع تقريبي على الإطار التاريخي الـذي يحـدد حياة روزبيهان في الدير في جبل ايزلا . فإن الجاثليق مار صليبا زخا تـوفي سنة ٧٢٨ ، وقد يكون روزبيهان دخل دير مار اوجين في نحو ذلك الزمـان . أما ماري فذهب إلى القول أن مار صليبا زخا هو الذي رسم روزبيهـان مطرانا على نصيبين . وقد أصبح روزبيهان محس ًنا كبي ًرا لدير مار اوجـين وخصص به واردات قرية مجاورة . ولما أصبح مطرافوليطا على نـصيبين اهتم في نهضة الدير وإيجاد رهبان له وتوفير وسائل المعيشة لهـم . فـازداد عدد رهبان هذا الدير وانتشروا في شتى المقاطعات حاملين معهم أسـطورة شفيع ديرهم . والغريب ، كما قلنا ، أن توما المرجي الذي عـاش فـي القـرن التاسع لم يعرف هذه الأسطورة ، أو أنه عرفها ولم يوليها أي اعتبار ، لا سيما وأنه لا يريد تدوين تاريخ رهباني شامل ، بل يقتصر على ذكر رؤساء ديـر بيث عابي في المرج ومن يمت بصلة إليهم . إلا أن الجيل اللاحق تبنى هـذه الأسطورة ، وجاء ايشوعدناح في كتاب “العفة ” وأقرها واعتبرها حد ًثا تاريخًيا .
وهكذا تطورت الأسطورة إلى تاريخ . ولكن ماذا كان دير مار اوجين الذي قام إبراهيم المعري بترميمه . ألم يكن هذا الترميم تأسيساً في الحقيقة؟ فإن “السيرة ” تزودنا بإشارات تتيح لنـا القول أن المنوفيزيين هم الذين كانوا قد بنوا الدير في الأصـل . فـإن اسـم لعازر ، الذي حظي بأعجوبة من القديس ، منوفيزي أكثـر منـه نـسطوريا . وهناك عبارة تدعو مريم “والدة الإله ” ، وهي أيضاً عبارة كثيرة التداول لـدى المنوفيزيين . كما أن هناك أيضاً أسماء تلاميذ اوجين المستعملة في سـورية الغربية وهي غير واردة في البلاد الفارسية ، منهم سرابيون وتقـلا ، الـخ . . . وحينما يقدم لنا ايشوعدناح البصري الرهبان الـذين وردت أسـماؤهم فـي المخطوطة اللندنية كمؤسسي أديرة ، لا يطلعنا على الأديرة التي أسسوها فـي المنطقة الفارسية . ثم أن منطقة طور عبدين حيث يقع دير اوجين كانت منطقة منوفيزيـة في معظم أجزائها . فكان لهم هناك دير الزعفران الشهير ، ودير مار يوحنـا ، ولو أن كتاب “العفة ” يقول بخلاف ذلك . أما الدير الكبير الذي أسسه إبراهيم الكشكري الكبير ، فكان يبعد مسافة غير قليلة باتجاه الـوادي المطـل علـى السهل . ولا عجب إذا استعمر النساطرة ديراً كان يعود فـي الأصـل إلـى المنوفيزيين ، ثم أهملوه وتركوه خرباَ . وتجدر الملاحظة أن أملاك المـذهبين كانت متجاورة متداخلة منذ القرن الثامن ، وكان المرسلون النساطرة قد أقبلوا إلى طور عبدين والى المناطق المتاخمة لها . وقد حفظ لنا كتاب العفة (عـدد ٣٢) ذكر أحد هؤلاء المبشرين . وهكذا فقد شقت أسطورة اوجين طريقها إلينا عبـر الأجيـال . وجـاء الإصلاح الليتورجي الذي أجراه البطريرك يوسف الثاني آل معروف سـنة ١٧٠٧ًً ليولي هذه الأسطورة طابعا رسميا ، وليعطي اوجين حـق المواطنـة العامة في الشرق ، وخصص به تذكاراً في الجمعة السادسة من سابوع الدنح التي كانت قديماً مخصصة بتذكار الجاثليق مار آبـا الكبيـر ، بينمـا كانـت المخطوطات القديمة تعين تذكار مار اوجين في الجمعة الأولى من سـابوع تقديس البيعة ، وغيرها في ٢١ تشرين الأول . ولكن الشبهات كانت تحـوم دوما حول هذه الشهرة المزعومة . ونلاحظ أن الأب جبرائيل دنيو ، حينما قدم للمجمع المقدس في روما سنة ١٨٣٠ قوانين رهبانيته الأنطونية المجددة باسم القديس هرمزد والقديس اوجين ، أشار عليه المجمع بحذف اسم القديس اوجين والاكتفاء بالأول . . . . ولكن طريقة النسك المصري لم تدخل البلاد الفارسية فجـأة فـي خضم الاضطهاد الذي شنه شابور الثاني على الكنيسة . و “اونـيس ” ورفاقـه الذين يذكرهم المؤرخ سوزومين عاشوا في سورية الغربية ولم يـستوحوا الطريقة الباخومية المتبعة في الكنيسة الشرقية ورهبانيتها .
ويمكننا القول مع السمعاني والمطران أدي شير إنه إذا لا يـسوغ لنا أن نعتبر القديس اوجين المصدر الوحيد للرهبانية في ما بين النهرين ، فلا يحق لنا كذلك أن ننكر عليه كل صلة بالرهبانية في الشرق .
إبراهيم الكشكري والدير الكبير :
لم يرد ذكر خاص للرهبان في المجمع الذي عقد في ساليق سنة ٤١٠ ، ولم يكن التمييز واضحا في القرن الخامس بين الأقليروس والرهبان . وفـي المجمع الذي عقده الجاثليق اقاق سنة ٤٨٦ ، الغيث العفة للأقليروس في كل الدرجات ، وفرض على الذين يريدون المحافظة عليها أن ينزووا في الأديرة . وكانت نتيجة هذا القرار أن عدد الرهبان أخذ في التضاؤل في بـدء القـرن السادس وتأثيرهم قل على الكنيسة الشرقية التي كانت تئن آنذاك تحت وطـأة الانشقاق والانحطاط ، ورغم ما بذله مار آبا الجاثليق من جهود جبـارة فـي الكنيسة ، فإنه لم يفلح في إعادة الحياة الرهبانية إلى سابق عهدها من الازدهار والحيوية . وظهر في منتصف القرن السادس رجل حباه االله غيرة عارمة ، فعكف على إصلاح الحياة الرهبانية . إنه إبراهيم الكشكري الملقب بالكبير . أبـصر النور سنة ٤٩١ في كشكر . وأقتبل العماد سنة ٥٠٢ وتلقى العلم في مدرسـة نصيبين على إبراهيم بيث ربان . وبعد أن نال من العلم قسطاً وافراً ، توجـه إلى منطقة الحيرة للتبشير ومنها ذهب إلى الصعيد المصري حيـث احتـك بالرهبان واطلع على ممارساتهم الروحية . وبعد مدة أمضاها في جبل سـيناء وفي زيارة الأماكن المقدسة ، عاد إلى الشرق وانزوى في جبل ايـزلا وهـو ينوي إدخال طريقة الحياة الرهبانية المصرية في موطنـه . وهـذا لا يعنـي طبعاً ، كما قلنا في موضع سابق ، أن البلاد الفارسية كانت خالية مـن نـساك قبل ذلك العهد . ولكن إبراهيم تمكن من إنعاش الحياة الرهبانية فـي الـشرق بقوة شخصيته الفذة ومثال فضائله العالية ، حتى استحق بجدارة أن يلقب بــ “الكبير ” و “أبي الرهبان ” . ولدى موته سنة ٥٨٦ ، كان قد جمع حولـه عـددا غفيراً من الرهبان الذين نشروا طريقته في جميع البلاد الفارسـية . وأصـبح ديره مدرسة روحية يتدرب فيها الرهبان على الفضائل المـسيحية والغيـرة الرسولية في القرن السابع . ويزودنا كتاب العفة بلائحة طويلـة تـضم أسماء أبناء إبراهيم الروحيين وغيرهم من الرهبان . وخلفه داديشوع في رئاسة الدير الكبير . وأفلح في تنفيذ قـوانين مـار إبراهيم الكبير وأضاف إليها غيرها سنها هو ، وهي بمثابـة تنقـيح لقـوانين سلفه . ومات داديشوع سنة ٥٩٢ . وكان لعبقرية باباي الكبير ، الـذي خلـف داديشوع في رئاسة هذا الدير ، الدور الفعال في إعلاء شأن الرهبانية بما ألفه من الكتابات النسكية واللاهوتية . إلا أن طبعه الحاد وتغيباته الكثيرة من الدير -إذ أقيم زائراً عاماًعلى الكنائس والأديرة الشرقية في مدة شغور الكرسـي البطريركي – أتاحت الفرصة لتسرب الرخاوة في حياة الرهبان ، حتى أدت إلى انحطاط كبير في الحياة الروحية والخلقية لدى البعض منهم . وقد أسـفر الأمر عن الخصام المعروف الذي أدى إلى طرد مار يعقوب اللاشومي الذي ذهب إلى منطقة المرج وأسس دير بيث عابي الشهير بـالقرب مـن قريـة “خربا ” . وعدا هذه الحوادث الفردية القليلة فقد بلغت الحياة الرهبانية أوجها في المناطق الشمالية من البلاد الفارسية بين سنة ٦١٠ وسنة ٦٣٠ ، وزخرت الجبال والوديان والبراري بالرهبان والنساك ، حتى ليسعنا القول أنـه حـين مجيء الإسلام كان في الكنيسة الفارسية نحو ستين ديراً يسير حسب إصلاح إبراهيم الكبير ، ومعظمها في المناطق الشمالية ، موزعة بين منطقـة ايـزلا وبيث زبدى وجبال ارزون ومنطقة نينوى وبيث نوهذرا وبيث كرمـاي ، ولا سيما منطقة المرج (مركا) وداسن في وادي الزاب الأعلى .
القانون الرهباني :
لم يكن القانون المتسع لدى الرهبان في المنطقة الفارسية سوى تكييف للطريقة الرهبانية التي تنسب إلى القديس باخوميس . فكان الراغب في الحياة الرهبانية ينتمي إلى جمعية ليعيش فترة فيها حياة جماعية – وهـي الوحيـدة التي كان يسمح بها للنساء – فيها يترتب على الراهب أن يكون ثلاث سـنين تحت إرشاد رئيس يعني بحياته الروحية وبتقدمه نحـو الكمـال الرهبـاني وبملاحظة كل شيء فيه بصرامة . أما ثياب الرهبان ، فكانـت بـسيطة إلـى درجة كبيرة . فهم يكتفون بثوب ونطاق وقبعـة وصـليب ونعـال وعـصا ، بالإضافة إلى الكتاب المقدس بكامله أو الإنجيل المقدس فقط . وكانت علامتهم الفارقة نوع حلاقة رأسهم . فالنساطرة يحلقون على شكل إكليل تمييزاً لهم عن المنوفيزيين . ويقول توما المرجي أن هذه العلامـة قـد فرضـها إبـراهيم الكشكري الكبير .
وكانت الصلاة الواجب الأول والأساسي في حياة الرهبان . وقد فرض عليهم في البدء أن يصلوا سبع مرات في النهار تجاباً مع مـا جـاء فـي المزامير . ولكنهم سرعان ما اكتفوا بأربع مرات من الصلاة الجماعية . أمـا الصلاة الفردية فكانت ترافق أعمالهم اليومية كلها . وكان الشغل الواجب الثاني في حياة الراهب . فكـان الرهبـان الـذين يجيدون الكتبة يعكفون على انتساخ الكتب . أما الآخرون فيدأبون على مختلف الأعمال اليدوية . فكانت الراهب يشتغل في الصيف من الفجـر إلـى نحـو الساعة التاسعة صباحاً حيث يعود إلى الدير ويعكف على الـصلاة والتأمـل والقراءة حتى الظهر . وبعد تناول طعام الغداء وأخذ قسط من الراحة حتـى نحو الساعة الثالثة يستأنف الشغل حتى المساء . وكان هـذا القـانون يكيـف حسب مقتضيات الفصول . أما أيام الآحاد والأعياد والليالي السابقة لها ، فكان الراهب فيها يكفون عن الشغل ، ما خلا الأمور الضرورية للدير ، ويثـابرون على الصلاة والسهر والمداولات الروحية . وكان شغل الرهبان الرئيسي فـي المنطقة الفارسية وفي الديار المصرية الفلاحة ، سواء في أراضي الـدير أو كأجراء لدى الآخرين ، لا سيما في أوان الحصاد أو قطف الثمار . ويبدو أن الخروج من الدير كان سهلا ً، لا سيما لغـرض الدراسـة أو الوعظ والتبشير . وبعد انقضاء السنين الثلاثة في الجمعية ، كان بوسع الرهبان أن ينـالوا من الرئيس السماح بالانعزال في أحد الجبال للتفرغ للصلاة والتأمل . وهناك كانوا يعكفون على عيشة الزهد والتقشف . وكانوا أحياناً يبتعدون نهائياً عـن ديرهم الأصلي ويذهبون إلى منطقة نائية طلباً للعزلة في مكان يجهلهم فيـه الناس . ولكن سرعان ما كان الناس يشعرون بوجودهم ، فيقـصدهم تلاميـذ لسماع أقوالهم ومشاطرتهم الحياة ، ثم يتوافد عليهم الزائرون من كل صـوب طلباً لبركتهم ومساعدتهم الروحية . وعرفاناً لجميلهم ، كان النـاس يقـدمون للأديرة مساعدات كثيرة تتوقف على نقود أو مواد غذائية أو كتب أو أمـلاك يوقفونها للدير لتكون موردا لمعيشة الرهبان . وكانت الطاعة للأساقفة إحدى ميزات الرهبانية الشرقية . وهـي التـي جعلت الرهبانيات خصبة بدون أن تعيق سير العمل الراعـوي للأقليـروس المحلي . . . وقد تمكنت الكنيسة الشرقية بواسطة رهبانها من الـصمود مـدة طويلة أمام الفتح الإسلامي . وحيثما تكاثرت الأديـرة وازدهـرت حافظـت المسيحية على حيويتها ووقفت في وجه الصعوبات بشجاعة . وهكذا كان الرهبان دو ًما شهو ًدا للإنجيل في عالم منغمس في المـادة ، فيذكرونه بالقيم الروحية السميا ويدعونه إلى الترفع عن المادة والعمل علـى تحقيق مثل الحياة المسيحية العليا . أنهم كانوا في العالم ليحملوه إلى االله الـذي اختاروه النصيب الأوفر لحياتهم ، وكانوا أيضاً في احتكاك مـستمر مـع االله والحقائق الروحية ليغذوا بها العالم المتعطش إلى المطلق . فعسى أن تكون هذه الأسطر الوجيزة لكثيرين حافزا إلى عطاء اسخى الله ونداء لا يضيع في مجاهل الحياة التافهة بل يتغلغل في أعماقهم ليسفر يوماً عن نشاط روحي زاخر بالطاقات التي يضعونها في خدمة االله والمجتمع . 111

مصادر الكتاب
١- المصادر الشرقية :
١- ابن العبري ]غريغوريوس[ ، التاريخ الكنسي ، ٣ أجزاء ، نـشره ابيلـوس ولامي ، لوفان ١٨٧٢-١٨٧٧ .
٢- ابن العبري ، التاريخ السرياني ، طبعة بيجان ، باريس ١٨٩٠ . ٣- ابن العبري ، تاريخ مختصر الدول ، طبعة صالحاني ، بيروت ١٨٩٠ . ٤- أدي شير ]المطران[ ، مدرسة نصيبين الشهيرة ، بيروت ١٩٠٥ . ٥- أدي شير ، التاريخ السعردي ، في ب . ش ، باريس ١٩٠٧-١٩١٨ . ٦- أدي شير ، تاريخ كلدو وآثور بجزئين ، بيروت ١٩١٢-١٩١٣ . ٧- أدي شير ، شهداء المشرق بجزئين ، الموصل ١٩٠٠ . ٨- أبونا ]الأب البير[ ، أدب اللغة الآرامية ، بيروت ١٩٧١ . ٩- اوسابيوس القيصري ، التاريخ الكنسي ، طبعة بيجان ، باريس ١٨٩٧ . ١٠- ايشوعدناح البصري ، كتاب العفة ، طبعـة بيجـان ، بـاريس ١٩٠١ ، والترجمة العربية للقس بولس شـيخو ]بطريـرك الكلـدان الحـالي[ ، الموصل ١٩٣٩ .
١١- باباي الكبير ، حياة كيوركيس الشهيد ، طبعة بيجان ، باريس ١٨٩٥ . ١٢- برحذبشبا عربايا ، سبب تأسيس المدارس ، في ب . ش ، باريس ١٩٠٧ . ١٣- برصوم ]البطريرك افرام[ اللؤلؤ المنثور طبعة ثانية ، حلب ١٩٥٦ . ١٤- برصوم ، مختصر تاريخ الكنيسة ، حمص ١٩٣٨ .
١٥- بيجان ]الأب بولس[ ، سير الشهداء والقديسين بسبعة أجـزاء ، بـاريس ١٨٩٠-١٨٩٧ .
١٦- توما المرجي ، كتاب الرؤساء ، طبعة بيجان ، باريس ١٩٠١ والترجمـة العربية للأب البير أبونا الموصل ١٩٦٦ .
١٧- جواد علي ]الدكتور[ ، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، بيـروت ١٩٦٩ .
١٨- حداد ]القس بطرس[ الرهبنات النسائية في الكنيـسة الكلدانيـة ، بغـداد ١٩٧٢ .
١٩- رحماني ]بطريرك افرام[ ، الدراسـات الـسريانية ، الـشرفية ١٩٠٤- ١٩٠٩ .
٢٠- سليمان البصري ، كتاب النحلة ]مخطوطة[ .
٢١- شوريز ]القس الفونس[ ، الكنيسة الكلدانية في التاريخ ، الموصل (بـدون تاريخ) .
٢٢- شولر ]سيلفستر[ ، الكنيسة قبل الإسلام ، والترجمة العربية للمحامي فؤاد جرجي أبو ريحان ، ٣ ، جونيه ١٩٧١ .
٢٣- صائغ ]القس ثم المطران سليمان[ ، تـاريخ الموصـل بثلاثـة أجـزاء ١٩٢٣-١٩٥٦
٢٤- صليبا ]بن يوحنان[ ، أخبار بطاركة كرسي المشرق ]المجـدل[ ، رومـا١٨٩٦ .
٢٥- صموئيل تاوضروس ]القمص[ ، الأديرة المصرية العـامرة ، القـاهرة
٢٦- الطبري ، تاريخه طبعة نولدكه ، ليدن ١٨٧٩ .
٢٧- طه باقر ، مقدمة تاريخ الحضارات القديمة ، ١ ، بغداد ١٩٥٥ .
٢٨- كريستنسن ، إيران في عهد الساسانيين ، تعريب يحيى الخشاب ، القاهرة ١٩٥٧ .
٢٩- ماري ]بن سليمان[ ، أخبار نطاركة كرسي المشرق )المجـدل( ، رومـا١٨٩٩ .
٣٠- منا )القس يعقوب( ، المروج النزهية بجزئين ، الموصل ١٩٠١ .
٣١- منكنا )القس الفونس( ، تاريخ مشيحا زخا المنحول ، الموصل ١٩٠٧ .
٣٢- نصري )القس بطرس( كتاب ذخيرة الأذهـان ، بجـزئين ، الموصـل ١٩٠٩-١٩١٣ .
٣٣- ياقوت لحموي ، معجم البلدان ، بيروت ١٩٥٥ .
٣٤- يعقوب الثالث )البطريرك( ، الشهداء الحميريون في الوثائق الـسريانية ، دمشق ١٩٦٦ .
٣٥- يهبالاها الثالث )البطريرك( قصته في بيجان ، باريس ١٨٩٥ .
٣٦- يوحنا الأفسسي ، التاريخ الكنسي في م . ش ، لوفان ١٩٣٥-١٩٣٦ .
٣٧- يوحنا بر فنكابي تاريخه الذي نـشره منكتـا ، المـصادر الـسريانية ، الموصل ١٩٠٨ .
٣٨- يوسف داود )الخوري( تعريب مختصر تواريخ الكنيسة تأليف لومون ، الموصل ١٨٧٣ .

٢- المصادر الغربية
1- ASSEMANI [J .S .], Bibliotheca Orientalis, t . I-III, Roma .1719-1728
2- BAUMSTARK[A .], Geschichte der syrischen Literatur, Bonn 1922 .
3- BELLO [S], La Congregation de S . Hormisdas et l’Eglise chaldeenne dans la premiere moitie du XIXe siecle, Roma 1939 .
4- CAMELOT [T .],Ephese et Chalcedoine, Paris 1962 .
5- CHABOT [J . B .], L’ecole de Nisibe, son histoire, sestatuts, Paris 1896 .
6- IDEM, Chronique de Michel le Syrien, texte et traduction francaise, 4 voll ., Paris 1899-1924 .
7- IDEB, Synodicon Orientale, Paris 1902 .
8- IDEM, Chronique de l’annee 1234, Paris 1916 .
9- IDEM, Litterature syriaque, Paris 1934 .
10- DANIEL – ROPS, L’Eglise des Apotres et des Martyrs, Paris 1948 .
11- DELAPORTE, La Chronographie d’Elie bar Sinaya Paris 1910 .
12- DUVAL [R .], Histoire d’Edesse, Paris 1892 .
13- IDEM, Ltterature syriaque, 3 e edition, Paris 1907
14- FESTUGIERE [A . J .], Lee moines d’Orient, 4 voll Paris 1961-1965 .
15- FIEY [J . M .], Mossoul Chretienne, Beyrouth 1959 .
16- IDEM, Assyrie Chretienne, 3 voll ., Beyrouth 1965-.1968
17- IDEM, Jalons pour une histoire de l’Eglise en Iraq Louvain 1970 .
18- FLICHE [A .] et MARTIN [V .], Histoire de l’Eglise . T 3, Paris 1936 .
19- GUIDI [L .],Chronicon anonymum [Chr . Minora] in CSCO, Louvain 1903 .
20- LABOURT [J .], Le Christianisme dans I’empire perse sous la Dynastie Sassanide, Paris 1904 .
21- LAND [J . P . N .], Anecdota syriaca, 4 voll ., Leiden .1862-1875
22- LECLERQ [H .], Dictionnaire d’Archeologie et de Liturgie [DAL] XII, col . 1377/85 .
23- NAU [F], Bardesane l’astrologuc, le livre des pays, Paris .1899
24- IDEM, Histoire et sagesse d’Ahiqar, Paris 1909 .
25- Idem, Les Arabes chretens de Mesopotamie et de Syrie,
Paris 1933 .
26- OVERBECK [J . J .], S . Ephremi syri, Rabbulse . . . Opera
selecta, Oxford 1865 .
27- SOCRATES, Histoire Ecclesiastique in P . G . 67, 29-
.842
28- SOZOMENE, Histoire Ecclesiastique, in P . G . 67, 843-
.1630
29- THEODORET, Histoirre Eccesiastique, in Migne I, 54 . 30- TISSERANT [E .], Nestrorienne [Eglise] in DTC, XI, 1,
1931, col . 157-323 .
31- URBINA [O . DE], Patrologia Syriaca, 2e edition, Roma
.1965
32- VAN DER MEER, Atlas de l’Antiquite chretienne, Paris
– Bruxelles 1960 .
33- VOOBUS [A .], Les messaliens et les reformes de
Barsauma de Nisibe, Pinneberg 1947 .
34- IDEM, Syrian and Arabic Document, Stockholm 1960 . 35- IDEM, History of Asceticism in the Syrian Orient, 2
voll . In CSCO, 1958-1960 .
36- IDEM, The statutes of the School of the Nisibis, Stockholm 1961 .
فهرس
إنطاكية وساليق الجاثليق فافا وقضيته الفصل الرابع – الاضطهادات الأسباب شابور الثاني الاضطهاد الأربعيني سير الشهداء – الجاثليق مار آحا مار ماروثا أسقف ميافرقين بعد الاضطهاد الكبير ارادشير الثاني – شابور الثالـث – بهـرام
الرابع إعادة تنظيم الكنيسة
الفصل الخامس – الكنيسة الشرقية في القرن الخامس ماروثا الميافرقيني
الجاثليق مار اسحق يزدجرد الأول مجمع ساليق )مار اسحق( الجاثليق احاي مجمع يهبالاها اضطهاد يزدجرد الأول اضطهاد بهرام الخامس مجمع داديشوع
الفصل السادس – أفسس وخلقيدونية
نسطوريوس القديس قورلس مجمع أفسس التيار المعاكس اوطيخا مجمع أفسس )الثاني( مجمع خلقيدونية
الفصل السابع – انتشار المذهبين النسطوري والمنوفيزي في الشرق
اضطهاد يزدجرد الثاني الملك فيروز الملك بالش مدرسة الفرس في الرها برصوما النصيبيني ونرساي الملفان برصوما والجاثليق بابوي برصوما المضطهد مجمع بيث عذراي مجمع ساليق مجمع باباي فترة الركود
الفصل الثامن – الكنيسة الإنطاكية بعد المجمع الخلقيدوني
بطرس القصار مرسوم الاتحاد )هينوتيكون( الإمبراطور انسطاس سويريوس الإنطاكي يوستينس الأول يوستنيانس تيودورة يعقوب البرادعي سمعان الأرشمي
الفصل التاسع – النور والديجور الجاثليق مار آبا وإصلاحاته
الجاثليق يوسف حالة المسيحية في عهد الجاثليق يوسف آفات وكوارث
الفصل العاشر – عهد الاستقرار الجاثليق حزقيال
الملك هرمزد الرابع الجاثليق ايشوعياب الأول الارزني الجاثليق سبريشوعالجاثليق غريغور
الفصل الحادي عشر – تنظيم الكنيسة المنوفيزية في الشرق
الفصل الثاني عشر – الكنيسة الشرقية فـي نهايـة العهـد الساساني
الكنيسة الشرقية المترملة حروب كسرى الثاني والروم الجاثليق ايشوعياب الثاني الجدالي تنظيم الكنيسة المنوفيزية فـي بـلاد
الفرس انهيار الإمبراطورية الفارسية موقف المسيحيين
الفصل الثالث عشر – نشأة الحياة الرهبانية الحياة المسيحية والحياة الرهبانية
نشأة الطريقة النسكية نشأة الحياة الرهبانية الجماعية
الفصل الرابع عشر – الرهبانية في الكنيسة الشرقية بين الأسطورة والتاريخ
إبراهيم الكشكري والدير الكبير القانون الرهباني