الأدب الآرامي الأب البير أبونا

Posted by on Jul 2, 2018 in Library | Comments Off on الأدب الآرامي الأب البير أبونا

الأدب الآرامي

الأب البير أبونا

تمهيد

لعلَّ من الضروري القول : أنَّ الحضارة ، أيَّة حضارة ، ليست ثمرةَ جهود فرد ، أو شعب ، أو مجموعةَ أُمم ، بل هي صنع الإنسان في مختلفِ عصورهِ القديمة والحديثة والمستقبلية . يتضافرُ ويتكافلُ لِخَلقِها مع أخيه الإنسان للسير والانتقال من حَسنٍ إلى أحسن  . وقد تولي أمَّة ما اهتمامها لناحية حضاريّة من دون الأخرى ، وتسهم من ثمَّ على قدرِ طاقتِها في تشييدِ صَرحِ هذه الحضارة الإنسانيَّة العالميَّة التي ينعم بها الجميع على تفاوت تبعاً للمؤهلات والظروف

فلا فضلَ والحالة هذه لشعب على آخر ، إذ لا حياةَ ولا استمرارَ للجهد الإنساني الكبير إذا لم يعضّده الأفراد في أيِ قطرٍ وُجدوا ، وفي أيِ وقتٍ عاشوا ، وهكذا تظهر بوضوحٍ كلَّي تلك الصفة الاجتماعيَّة ـ الاشتراكيَّة التي تربطُ الإنسانَ بأخيه الإنسان مهما اختلفَ اللون ، وتميَّزَ العرق ، وبَعُدت المسافات ، إذ أنَّ الحضارة الإنسانيَّة للإنسان ، ونتيجةَ جهد الإنسان وفي خدمةِ الإنسان

من هذا المنطلق فإنَّ تاريخ الحضارة بمفهومِهِ الحقيقي ، هو التاريخ الذي يتناول بالدروس سجلَّ الجماعات البشريَّة والمدنيَّات ، ويُرى في هذا التراث مراحلَ التطوّر الحضاري الذي عرفته الإنسانيَّة في رقيِّها الصاعد ، ويُحصي على كلِ جماعةٍ ما أسدته من خيرٍ للتراث المشترك يصعبُ تجريده من غاية تجعل الحضارة وقفاً علينا نحن أبناءَ هذا القرن

وليس ثمَّة شك في أنَّ سوريا هي ملتقى طرقٍ وملتقى شعوبٍ أيضاً . فقد استوطنتها عدَّة شعوب وتناوبت السيطرة عليها تاركة فيها عنصريات مختلفة القوميَّات انصهرت رويداً رويداً في كلِّ متجانس وتاركة أيضاً بقايا أثريَّة يحاول المعاصرون تنسيقها . ولنقتصر بين هذه الشعوب على الآراميين من دون غيرهم ، إذ أنَّ حضارتهم تنطوي ، في بعضِ مظاهرِها ، على أهميةٍ راهنة

الأدب الآرامي

الاب البير أبونا

الرها مهد الأدب الآرامي:

لا بدّ لنا من أن نقول كلمة عن الرها التي كانت مهد اللغة والأدب الآراميين ، ثمّ نتطرّق إلى نشأة الأدب الآرامي ومختلف الأطوار التي اجتازتها

شيّد سلوقس نيقاطور مدينة الرها سنة 304 ق.م . وفي سنة 132 ق .م انتهزت قبيلة آراميَّة أو نبطيَّة (؟) فرصة ضعف الحكم السلوقي فأسّست مملكة مستقلّة في مقاطعة أسرونيا الواقعة في الشمال الغربي من إقليم ما بين النهرين . واتخذ رؤساء هذه القبيلة لأنفسهم لقب الملـوك واتخذوا مدينة الرها عاصمة لهم . أمّا ” أديسا ” فكان لقب عاصمة مقدونية اليونانيَّة ، وقد أطلق السلوقيون هذا اللقب على الرها ، كما يظنّ البعض ، نظـراً إلى موقعها ومناخها المماثلين لمنـاخ أديسا الأصليَّة وموقعها . وسمّيت أحياناً ” كاليرهوي ” وتأويله الينبوع الحسن ، لكثرة المياه والينابيع التي فيها . فاختصر الآراميون هذا اللقب وقالوا ” أورهاي ” وأخذه منهم العرب وقالوا ” الرها ” . وكانت المياه فعلاً غزيرة في هذه المدينة . فهناك نهر ” ديصان ” ومعناه بالآرامية ” الرقص ” يمرّ في المدينة . ونحو عشرين ساقية أو جدولاً تتجمّع وتصبّ في النهر الذي يدعوه الأتراك الآن ” قره قويون ” ، فيعظم شأنه ويمرّ في المدينة من شمالها الغربي إلى جنوبها الشرقي ، حيث يلتقي نهر “كولاب” الذي يمرّ بـ”حرّان” فيصبّان كلاهما في نهر ” البليخ ” أحد روافد الفرات . وفي وسط الرها بركتان مشهورتان ، إحداهما تسمّى بركة إبراهيم أو ” عين الخليل ” والأخرى ” عين زليخة ” ، وتخرج منها ساقيتان متوازيتان تؤدّيان إلى نهر ديصان .

لقد كان نهر ديصان الهادئ الصغير في الصيف يتحوّل إلى نهر صاخب عارم الأمواج في الشتاء ، فيهدّد سلامة المدينة ، وقد طغى عليها مرّات عديدة وأحدث فيها أضراراً بالغة . ولذا ، اضطرّ “يوستنيانس” ( 565 – 578 ) إلى تغيير مجرى هذا النهر لكي يمرّ بجانب المدينة في سفح الجبل الواقع في غربيها . وكانت في هذا الجبل مغاور عديدة لدفن الموتى ولسكنى النسّاك . وقد قضى القديس ” أفرام ” مدّة في أحدى هذه الكهوف منصرفاً إلى الصوم والصلاة . أمّا السهل الواقع شرقي المدينة وجنوبها فكان خصباً تتخلّله القرى الكثيرة

كانت الرها مدينة مسوّرة محصّنة لا يمكن الولوج إليها إلاّ بستّة أبواب . ولم يكن للمسيحيين فيها حتى سنة 201 م – وهي سنة الفيضان الكبير الشهير الذي فيه دمّر نهر ديصان مباني كثيرة من جملتها كنيسة للمسيحيين – إلاّ كنيسة واحدة أصابها الفيضان مرّتين في السنتين 201 و 303 ، ثمّ جُدّدت في سنة 313 في عهد ” قونا ” مطران المدينة ، ثمّ في عهد خلفه “سعد” سنة 324 . وقيل إنّها حصلت على ذخائر القديس ” توما الرسول ” سنة 394 . وبعد أن دمّرها فيضان سنة 525 مرّة ثانية ، عاد “يوستنيانس الثاني” فأقامها وجعل منها تحفة رائعة . غير أنّ الزلازل عادت ودمّرتها سنة 679 و 718 . وقد تسرّب التأثير الفرثي إلى العادات الرهاوية منذ الأزمنة الأولى فنسي الرهاويون أصلهم الآرامي أو النبطي ، وكانوا كثيراً ما يطلقون على مدينتهم اسـم ” مدينة الفرثيين” أو ” ابنة الفرثيين” . كما امتزجوا بالأقوام الأرمنية المتاخمة لهم في الشمال . وقيل إنّ ملوكهم الأولين كانوا من أصل أرمني (؟)

تاريخ الرها السياسي:

لم تنعم هذه المدينة باستقلالها مدّة طويلة . لأنّ جيرانها فرضـوا سـيطرتهم عليها . فقبل انتصارات ” لوقولوس ” و ” بومبيوس” كانت الرها خاضعة تارة لحكم الفرثيين وطوراً متحالفة معهم . وكانت تميل إليهم في حروبهم المستمرّة ضدّ الإمبراطورية الرومانية . لكنّ النصر كان حليف روما في النهاية ، فدخلت الكتائب الرومانية الرها سنة 116 وأعملت فيها السيف والدمار . وخلع الإمبراطور “ترايانس” ملكها (98 – 117م) . وأعاد إليها الإمبراطور ” أدريانس ” (117 – 138) عرشها وجعله خاضعاً لسلطة الإمبراطورية الرومانية . فحافظت عليه وعلى نوع من الاستقلال الذاتي مدّة قرن تقريباً ، إلى أن ألغى الإمبراطور ” كراكلا ” الملوكية من الرها سنة 216 وأحلّ فيها جالية رومانية . وهكذا أضحت هذه المقاطعة مدة أربعة قرون جزءاً من الإمبراطورية الكبرى . ثمّ استولى عليها كسرى الثاني ” ابرويز ” سنة 608 ، واستعادها “هرقل” سنة 625 ولم تبقَ في حوزته أكثر من 12 سنة . وأخيراً فتحها المسلمون مع بلاد ما بين النهرين سنة 637 ولم يتخلّوا عنها إلاّ مدّة قصيرة ( 1097-1146 ) ، حينما جعلها الصليبيون عاصمة لمملكتهم في الشرق

نشأة الأدب الآرامي:

نشأ الأدب الآرامي وازدهر في ما بين النهرين تحت تأثير المسيحيَّة ومن هنا طابعه المسيحي ونسبته إلى علماء وأدباء مسيحيين لا غير . وقد اشتهر العلماء الآراميون الذين عكفوا على درس الفلسفة اليونانيَّة ، كأساتذة مدرسة الرها في القرن الخامس ، أو على العلوم الطبيعيَّة أو الطبيَّة أمثال ” سرجيوس الراسعيني ” في القرن السادس والأطباء المسيحيين الذين اشتهروا في بغداد على عهد الخلفاء العباسيين . كان كلّ هؤلاء لاهوتيين ، وكانت كلمة الفلسفة تحوي جميع العلوم ، وفي مقدّمتها علم معرفة الله والوقوف على الحياة الروحيَّة ومعتقدات الديانة المسيحيَّة . والساميّون يميلون طبعاً إلى التديّن .

قلنا إنّ الأدب الآرامي مرتبط بالديانة المسيحيَّة ، وبما أنّ هذه الديانة بدأت تتغلغل في ما بين النهرين انطلاقاً من الرها . كان من الطبيعي أن تزدهر هذه المدينة وتتفوّق على غيرها بالآداب والعلوم ، وقد نشأت من جراء ذلك روابط قويّة بينها وبين أورشليم منطلق المسيحيَّة

ولمّا ظهر الإسلام جاءت معه لغته العربيَّة فزاحمت اللغة الآرامية ، وحلّت حيثما حلّ ، فاعتصمت الآراميَّة بالأرياف والجبال . وكانت الحقبة السابقة للفتح الإسلامي ( 637 ) العصر الذهبي للأدب الآرامي . وما أن دخلت اللغة العربية المناطق الآرامية حتى بدأت اللغة المذكورة بالتقلّص . وبالرغم من أنّها قاومت مدّة طويلة في الرها ، فقد فقدت كثيراً من نفوذهـا في المناطق الأخرى . ولم يتردّد “نولدكه” في الكتابة: “كانت اللغة الآرامية في حوالي سنة 800 م تعدّ لغةً مائتةً ، رغم أنّ الطبقة المثقّفة ظلّت تتكلّم بها مدّة طويلة بعد هذا  التاريخ” . ثمّ انحدر الأدب الآرامي إلى أحطّ درجة في القرنين العاشر والحادي عشر ، في حين بدأت الآداب العربيَّة تزدهر تحت رعاية الخلفاء العباسيين في بغداد . وربّما كان هذا الازدهار حافزاً لنهضة اللغة الآراميَّة أيضاً ، فصَحَت في القرنين الثاني عشر والثالث عشر عن يد عـدد من الكتّـاب المشهورين أمثال ” ابن الصليبي ” و ” ميخائيل الكبير ” و ” ابن العبري ” و ” عبد يشوع الصوباوي ” وغيرهم من الذين لم يكتفوا بالتأليف بل أخذوا ينقلون إلى الآراميَّة مؤلّفات الفلاسفة العرب أمثال ” ابن سينا ” و ” فخر الدين الرازي ” وغيرهما .

عاد الشرقيون والمستشرقون إلى دراسة الأدب الآرامي دراسة منظّمة منذ القرن الثامن عشر ، حين بدأ ” يوسف سمعان السمعاني” ( 1768 ) يكشف عن أهميّة هذا الأدب بما نشره في كتابه النفيس “المكتبة الشرقية” واستقاه من مخطوطات حازها من ” دير السريان ” بوادي ” النطرون ” في مصر

: الأدب الآرامي الوثني

إنّ المؤلّفات الأولى التي وصلتنا باللغة الآراميَّة هي من الجودة اللغويَّة بحيث نلاحظ فيها تطوّراً كبيراً لم تصل إليه إلاّ خلال سنين طويلة ، إن لم نقل خلال قرون . وقد عثر على بعض بقايا من اللغة الآراميَّة في دورها الانتقالي ، وهي آثار وثنية أفلتت من يد الدمار الذي أتى على كلّ ما لم يكن مسيحياً . وبقيت لنا من هذه الآثار كتابات قليلة متفرّقة ، منها ” كتابات المدافن ” وبعض كتابات مطوّلة اشتملت عليها ” المحفوظات الملكية ” في الرها ، وخطاب ” مار سرابيون ” إلى ابنه ” سرابيون ” وقصّة ” أحيقار ” وغيرها . . بالإضافة إلى الكتابات الآراميَّة الكثيرة التي اكتشفت في هذه السنين الأخيرة في مدينة الحضر الأثرية حيث كانت هذه اللغة مزدهرة وسائدة

أولاً– كتابات المدافن

لقد عثر على هذه الكتابات في إقليم الرها ، وهي تعود إلى العهد السابق لدخول المسيحيَّة إليها وإبان دخولها . غير أنّها لا تشمل عادة إلاّ على نصوص نثريَّة قصيرة لا تضيف كثيراً إلى تاريخ الأدب الآرامي

ثانياً- كتابات ملوك الرها

تأثّرت الرها عاصمة القسم الشمالي من بلاد ما بين النهرين بالحضارة والعادات الآراميَّة لأنّ سلالة آراميَّة حكمتها من سنة 132 ق .م إلى سنة 216 م . ودوّنت أعمالها بهذه اللغة . ومن جملة هذه الأعمال المحفوظة في الخزانة الملكيَّة في الرها تسجيل كارثة فيضان نهر ديصان الذي اجتاح مدينة الرها في شهر تشرين الثاني سنة 201 م في عهد ” أبجر التاسع ” ملكها ، وتصدّع من جرائه كثير من المباني في المدينة ، ومن بينها ” كنيسة للمسيحيين ” . وقد سُجّلت هذه الكارثـة سنة 206م  ونُقلت في مـا بعـد إلى سجلاّت أساقفـة مدينـة الرها التي أُنشئت حوالي سنة 313م

ثالثاً- خطاب مارا ابن سرابيون

أثّرت الثقافة اليونانيَّة على الآراميَّة في سورية الغربيَّة ، لا سيّما في الطبقة المثقّفة فيها ، فاستعمل الآراميون من جراء ذلك المصطلحات اليونانيَّة في كتاباتهم . إنّ هذا التأثير يبدو واضحاً في الخطاب الذي أرسله ” سرابيون ” . ويظهر من هذه الرسالة أنّ ” مارا ” كان من مدينة “شميشاط” وأنّه كان وثنيّاً من أصحاب الفلسفة الرواقيَّة ومن أتباع “زينون” ، وقد زجّ به الرومان في السجن بتهمة اشتراكه في حركة مناوئة لحكمهم . ويرى العالم ” كيورتون ” أنّ ” مارا ” كتب رسالته بالآراميَّة في فترة تتراوح ما بين نهاية القرن الأول ونهايـة القرن الثاني الميلادي . وقد قُدّر لهذه الرسالة البقاء ، لأنّ فيها إشارة إلى المسيح الذي يسمّيه الكاتب ” الملك الحكيم ” ويذكره إلى جانب سقراط وفيثاغورث ويقول في سياق حديثه: ” . . .ماذا جنى اليهود من قتل مليكهم الحكيم؟ لقد ضاع ملكهم منذ ذلك الزمان نفسه ، وحلّ الخراب بهم وطُردوا من مملكتهم وشُتّتوا في كلّ مكان . . لم يمت الملك الحكيم من أجل الشرائع الجديدة التي وضعها . .” .

: من أقـواله المأثـورة

– حيـاة الناس زائلة من العالم ، أمّـا مجدهم وفضائلهم فباقيـة إلى الأبد . همّ الناس تكبير بطونهم ، وهي . الرذيلة التي بها يتمّ الفساد

– إنّي أضحـك على الزمن الذي يردّ إليّ سوءاً لم يستعره منّي من قبل .

– وُلِد الناس لكي يتقبّلوا ظروف الزمـن ، وكلّ الأرض عند الحكمـاء سواء ، لأنّ للصـالحين في كلّ مدينة كثيراً من الآباء والأمّهات .

قصة أحيقار


إنّها قصّة جميلة كتبت باللغة الآراميَّة قبل القرن الخامس قبل الميلاد في البلادالآشوريَّة . وقد جاءت إشارة إلى هذه القصّة في ما كتبه ” اقليميس الإسكندري ” و ” سترابون ” ، واستخدمت في الترجمة اليونانيَّة لـ ” سفر طوبيا ” كما استعملها ” ديمقريطس ” و ” ميناندر ”

أما عن أصلها الآرامي فيقول “رينان” : ” لا يمكننا أن نشكّ في أنَّ السواد الأعظم من الشعب الآشوري كان يتكلّم اللغة الآراميَّة بنوع اعتيادي . . فالآراميَّة كانت مستعملـة من قبل الموظفين الكبار في البلاد الآشوريَّة الذين أرسلهم “سنحاريب” للتفاوض مع “حزقيا” الملك . . ولما أعقب الحكم الفارسي الحكم الآشوري ، حافظت اللغة الآراميَّة على مكانتها الرفيعة وأهّميتها الكبرى …”

إنّنا نرى نماذج من هذه اللغة – وقد تأثّرت قليلاً باللغة العبريَّة – في بعض فقرات من ” سفر عزرا ” المعاصر لـ ” أحيقار ” . وربّما نقل هذا النصّ الآرامي إلى لغة آراميَّة متطـوّرة في مطلع التاريخ الميلادي ، أي بعد مرور 600 سنة أو 700 سنة على تأليف الكتاب ، حينما كانت الآراميَّة في مرحلتها الانتقاليَّة . والاعتقاد السائد الآن هو أنّ هذه الترجمة الآراميَّة هي أصل جميع الترجمات التي ظهرت للقصّة بعد ذلك . فالنصّ العربي مثلاً قد تُرجم رأساً من النصّ الآرامي الحديث ، ولكنّه استعان بنصوص أخرى عديدة ، وكذلك النصّ الأرمني ، وكذلك النصّ السلافي القديم الذي أتى من الآراميَّة بواسطة اليونانيَّة

أمّا المخطوطات الآراميَّة المعروفة فهي متأخّرة وتتضمّن اختلافات عديدة . فقد جاء الآرامي في مخطوطات كثيرة ، بعضها في خزانة كمبردج ) عدد 2020 ( وغيرها في برلين ) ساخو 336 و 134( وقد كتبت في ” تلّ كيف ” سنة 1883 أو 1884 ، ومنها صحيفة في المتحف البريطاني ( رقم 7200 ) وفقرة أخرى في برلين ( ساخو 162 ) ومخطوطة مخرومة في بدايتها ونهايتها في المتحف البريطاني ( عدد 2313 )  وأخرى في ” دير السيّدة ” بالقرب من القوش ( رقم 100 ) ، وهناك أيضاً ثلاث مخطوطات لقصّة أحيقار محفوظة في أورميا . وقد قام العالم ” فرنسيس نو ” بدراسة لهذه القصّة دراسة وافية

مضمون الكتاب

في الكتاب مجموعتان من الأمثال الحكميَّة تتخلّلها قصّة ملخّصها أنّ ” أحيقار ” كان وزيراً أو كاتباُ أو مستشاراً لـ ” سنحاريب ” ملك آشور ونينوى ( 704 – 671 م ) ، ثمّ لابنه ” أسرحدون ” ( 680 – 668 ق.م )  . وقد حباه الله حكمة مدهشة واكتسب ثروة طائلة في البلاط الآشوري . ولكنّه ظلّ بلا وريث رغم تعدّد زوجاته ، وقد بلغ عددهنّ الستين ، حسب ما جاء في الكتاب ( الفصل الأول ، العدد الثاني ) . ويرى البعض في ذلك قصاصاً لنبذه إله إسرائيل وارتداده إلى الوثنيَّة ، ويرى الآخرون أنّه كان وثنيّاً ، ثمّ رجع إلى عبادة الإله الحقّ ، كما يظهر ذلك من التعابير التي وردت في القصّة . وإذ ذاك تبنّى ” نادان ” ابن أخته ، وهو بعد رضيع ، ليقيمه وريثاً وخلفاً له في وظيفته في البلاط الآشوري . وأخذ يربّيه تربية حسنة ويبذل له النصح الكثير الذي نجده في الحلقة الأولى من نصائحه الحكيمة ( من الفصل الثاني إلى الفصل الثالث ) . غير أنّ نادان لم يصغِ إلى نصائح خاله ، بل ساءت سيرته ، فاستردّ أحيقار الميراث منه ومنحه لأخيه الأصغر ” نبوزردان ” . فحقد عليه نادان وأراد الإيقاع به بمكيدة دبّرها له ، إذ كتب رسائل باسم خاله موجّهة إلى الفرعون وإلى ملك الفرس قصد التواطؤ معهما لقلب نظام الحكـم في الإمبراطورية الآشوريَّة ، ورتّب الأمور لكي تقع هذه الرسائل في يد الملـك الآشوري  . وإذ ذاك حكم أسرحدون بالموت على أحيقار بتهمة الخيانة الكبرى . غير أنّ أحيقار نجا من الموت ، لأنّ الجلاد كان صديقاً له فلم يردْ أن يضرب عنقه ، بل أوصاه أن يختبئ في حديقة بيته

وبعد زمان طلب ملك مصر من الملك الآشوري أن يرسلَ إليه رجلاً حكيماً يستطيع أن يجيب عن أسئلته ويبني له بلاطاً في الجوّ . فأسقط في يد الملك الآشوري وأسف على أحيقار وحكمته الخارقة . فظهر أحيقار إلى الوجود ثانية وذهب إلى مصر ليجيب عن أسئلة فرعون . وإذ عرف سؤال فرعون ، أعدّ نسرين وغلامين وشريطين من القطن طول كلّ منهما ألفا ذراع . وأخذ يدرّب النسرين والغلامين فيربط النسرين بالشريطين ويمرّن الغلامين على الركوب على ظهرهما ثمّ يطلقهما فيطيران في الجوّ ، وهناك يصيح الغلامان : ” قدّموا لنا الحجر والملاط ” . وجاء اليوم المعيّن ، وطلب منه فرعون أن يبني له بيتاً بين السماء والأرض ، فطلب منه أحيقار أن يعدّ الحجر والملاط لهذا الغرض ، ثمّ أطلق أحيقار النسرين وعليهما الغلامان ، ولما استقرّا بين السماء والأرض ، صرخ الغلامان : ” أرسلوا الحجارة ، فنحن على استعداد للعمل ” . وأخذ أحيقار وأتباعه يصرخون في الفعلة وجند الملك لكي يقدّموا للبنّاءين ما يريدان . وإذ رأى الملك استحالة نقل شيء إليهما ، اعترف لأحيقار بالنصر . . . وفي اليوم التالي قال فرعون لأحيقار : ” إنّ حصان سيّدك إذا صهل في نينوى سمعته خيلنا هنا فطرحت ” . فلمّا سمع أحيقار ذلك أحضر سـنوراً وأخذ يجلده جلداً شديداً ، فأخبروا الملك بذلك ، فاستدعاه وقال له : ” لمَ تجلد هذا الحيوان المسكين ؟ ” . فقال له أحيقار : ” إنّ سيّدي الملك كان قد أهدى إليّ ديكاً يعرف ساعات النهار والليل ، وقد تركته في نينوى ، فقام عليه هذا السنور في هذه الليلة وقطع رأسه ، ولذلك فإنّي أجلده ” . فقال له فرعون : ” إنّ بين مصر ونينوى ثمانية وستّين فرسخاً ، فكيف يستطيع السنور الذهاب إلى نينوى والعودة منها في ليلة واحدة؟ ” . فقال له أحيقار : ” إذا كانت بين مصر ونينوى هذه المسافة ، فكيف تسمع خيلك صوت حصان سيّدي ؟ ”

واستمرّت هذه الألغاز ، فتارة يطلب منه الملك أن يفتل له حبلاً من رمل البحر ، وطوراً أن يخيط له حجر رحى قد انكسرت ، ويجيب أحيقـار عن أسئلته بأجوبة مفحمة ، حتى نال إعجاب فرعون وهداياه الكثيرة .

ولدى عودته إلى البلاد الآشورية مثقلاً بالهدايا والإكرام ، طلب إلى الملك أسرحدون أن يسلّم إليه نادان ، فربط أحيقار يدي نادان بسلاسل من حديد وألقاه في مكان مظلم من بيته وجعل غذاءه الخبز والماء ، وكان يجلده جلداً مبرحاً قائلاً له : ” قيل بالأمثال إنّ من لا يسمع من أذنيه أسمعوه من قفاه ” . وهنا يبدأ الجزء الثاني من الحكم ( الفصل 23 وهو طويل جدّاً ويتكوّن من 142 حكمة ) . وخوفاً من القصاص الصارم الذي توقّعه من خاله ، انتفخ نادان ثمّ انفجر ومات . وتأتي الخاتمة في الفصل الخامس والثلاثين ، وقد زادها على الكتاب أحد المؤلّفين المتأخّرين وقد يكون مسيحياً نظراً إلى التعابير التي وردت فيها مثل : ” الخطيئة المميتة ” و ” ملكوت السماء ” و ” السعادة الأبدية ” . وفي هذه الخاتمة يذكر أنّ أحيقار كان وثنياً في البداية ثمّ آمن بالإله الواحد في نهاية حياته

   أمّا عن شخصيّة أحيقار فيقال إنّه ابن ” عنائيل ” أخي ” طوبيا ” الذي ورد ذكره في الكتاب المقدّس

(  فرنسيس نو ، قصّة أحيقار ص 50 – 51  )

من حكـم أحيقـار

  1. يا بنيّ ، عصفور حقير في يدك خير من ألف في الهواء .


  2. يا بنيّ ، نقل الحجارة مع رجل حكيم خير من شرب الخمر مع رجل لئيم .

  1. يا بنيّ ، إذا أكل الغني الحيّة قالوا أكلها تطبّباً ، وإذا أكلها الفقير قالوا أكلها جوعاً .

  1. يا بنيّ ، إذا أرسلت الحكيم في حاجة فلا توصه كثيراً لأنّه يقضي حاجتك كما تريد ، ولا ترسل الأحمق بل امضِ أنت واقضِ حاجتك .

  1. يا بنيّ ، إذا سمعت كلمة فدعها تموت في قلبك ولا تكشفها لغيرك لئلاّ تصبح جمرة تحرق لسانك وتترك الألم في جسدك وتكسبك الخزي والعار عند الله والناس .

  1. يا بنيّ ، أنت صرت لي مثل قملة الحنطة لا تصلح لشيء وإنّما تفسد الحنطة وتنخرها .

  1. يا بنيّ ، أنت صرت لي مثل كلب أرغمه البرد على اللجوء إلى محل الخبّازين ، وحينما دبّت الحرارة في جسمه شرع ينبح عليهم ويعضّهم وبدؤوا هم بضربه . وإذ لم يكفّ عن النبح اضطرّوا إلى قتله خوفاً من عضّاته .


  2. يا بني ، لا تزن بامرأة صاحبك لئلا يزني آخرون بامرأتك .

يا بني ، كل نصيبك، ولا تهزأ بجارك .

يا بني ، ان الأثيم يقع ولا ينهض ، أما المستقيم فلا يتزعزع ، لأن الله معه .

يا بني ، اخضع ابنك وهو طفل قبل ان يفوقك قوة وشدة ، فيتمرد عليك وتخجل من كل أعمال السوء التي يعملها .

يا بني ، لا تجلب عليك لعنة أبيك وأمك ، والا فانك لن تفرح بنعمة بنيك .

يا بني ، لا تشتم ربك في يوم مصيبتك وبؤسك فانه اذا سمعك يغضب عليك .

يا بني  ، اقض في شبابك قضاء عادلا كي تنال وقارا في شيبتك .

الأدب الآرامي –