ملحمة كلكامش في الثقافة الغربية القديمة والمعاصرة / الدكتور ادمير كورية

Posted by on Nov 9, 2017 in Library, دراسات سريانية | 0 comments

 

لم يحظ أثر أدبي قديم أو حديث من آداب الشرق الأوسط باهتمام المثقفيين والباحثين الغربيين بمقدار ما حظيت به “ ملحمة كلكامش “ العراقية . فمنذ ان ترجمها جورج سميث إلى الانكليزية في عام 1872 وهي تشغل الأوساط الأدبية والفكرية والنقدية في أمريكا والغرب .

بعدما نقلت إلى الانكليزية ظهرت لها ترجمات فرنسية ، وألمانية ، وروسية ، وهولندية ، وسويدية ، وايطالية ، واسبانية ، وعربية ، وتركية ، وفارسية ، وعبرية و غيرها . وككل الاعمال الكلاسيكية الرائعة التي لا تستطيع ترجمة واحدة ان تستنفذ مضامينها ودلالاتها اخذت تظهر لملحمة “ الرافدين “ ترجمات عديدة ومختلفة في معظم بلدان العالم . ففي الولايات المتحدة وبريطانيا هناك الآن ما لا يقل عن عشرين ترجمة انكليزية لذات النص ، كانت اشهرها الترجمة الشعبية التي قامت بها ساندرز ونشرتها دار “ بينكوين “ ، ثم تلتها ترجمة جان كاردنر وجان مئير التي نشرتها دار فينتج الشهيرة . وخلال العقد الأخير ظهرت ترجمات جديدة قام بها مختصون بالاشوريات امثال ستيفي دالي (1989) ومورين كوفاكس (1989) وسميا شابندر(1994) واندرو جورج (1999) وستيفن ميتشل (2004) واخيراً حين لمس بعض الشعراء الاميركان بان الترجمات النثرية عاجزة عن نقل الصور والمجازات والايقاعات الشعرية للنص الاصلي اخذوا يقومون بترجمتها شعراً . وخلال العقدين الأخيرين ظهرت ترجمات شعرية للملحمة قام بها هيربرت ميسن (1970) ، وروبرت تمبل (1991) ، وديفيد فيري (1992) ، وداني جاكسن(1997) .

ان تأثير ملحمة كلكامش في الثقافة الغربية القديمة والمعاصرة لم يعد أمراً يحتاج إلى برهان . فمنذ أن صارت الملحمة جزءاً من برامج العلوم الكلاسيكية والأدب العالمي ـ في الاربعينيات ـ أخذ تأثيرها يظهر واضحاً في الابحاث الكلاسيكية التي اعتمدت المنهج المقارن في البحث عن الجذور التاريخية والاسطورية والادبية لملاحم هوميروس وهيسيود وغيرها .

كما اتبع باحثوا الاديان والاساطير المنهج التاريخي المقارن في دراساتهم للأصول القصصية في الكتاب المقدس لمعرفة مدى تأثرها بالحوادث الواردة في “ ملحمة كلكامش “ . كما ان تطور منهجيات الادب المقارن المعني بقضايا “ التناظر “ بين مختلف الاعمال الادبية والفلسفية لشعوب مختلفة شجّع بعض الباحثين في مجال الفلسفة على دراسة التناظر بين المضمون الفلسفي لـ “ ملحمة كلكامش “ و “ مأدبة “ افلاطون . وقام بعض علماء الانثروبولوجيا بقراءة بنيوية للملحمة مؤكدين على انها تعبير عن مبدأ التعارض بين الطبيعة والثقافة . وهناك ايضاً من ينظر إلى الملحمة على أنها تنطوي على الاسس الدينية والفلسفية الي اعتمدها نيتشه في تفسيره لنشوء التراجيديا اليونانية .

أثر ملحمة كلكامش في الثقافة اليونانية القديمة 

ظل الباحثون الغربيون ينظرون إلى ملاحم هوميرس وهيسيود على انها نتاج متميز للثقافة اليونانية ؛ وكانوا يعتقدون انه لا علاقة لهذه الملاحم ـ سواء من حيث نشوئها ، أو اشكالها ، أو موتيفاتها ، أو مضامينها ، أو أساليبها ـ بثقافة الرافدين القديمة . وكانت حجة هؤلاء الباحثين انه لم يكن هناك أي تفاعل بين اليونان القديم وشعوب الرافدين أو سورية الطبيعية خلال القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد . هذه النظرة التي تتّسم احياناً بالتعصب لمصادر الثقافة الغربية وتارة بالاحتقار لثقافات الشعوب الشرقية وصفها الباحث الألماني الشهير ولتر بيركيرت ـ في ندوة ضمت مختصيين في الادب اليوناني القديم وذلك عام 1982م بمدينة ستوكهولم ـ قائلاً : حتى الآن يعتبر الاستفسار عن الأثر الذي تركه الفن الشرقي للكتابة على الالياذة والاوديسا ضرب من الهرطقة . “ أي لا زال هناك من يعتقد أن عظمة الأدب اليوناني القديم تكمن في احادية مصدره اليوناني “ . وهنا يحضرني ما قاله كارل ثومبسن عن الطريقة التي يفهم فيها بعض الباحثين الأدب اليوناني القديم : “ غالبا ما توصف الثقافة الرائعة لليونان القديم بأنها معجزة انبثقت عن عبقرية خاصة بها ولا تدين بشيء لجاراتها “ . ولكن هذا التشنج أخذ يتلاشى تدريجياً على أثرالحفريات الحديثة التي تؤكد أن انتشار “ ملحمة كلكامش “ لم يكن محصوراً في ارض الرافدين ، بل انتشرت في معظم كيانات سورية الطبيعية وآسيا الصغرى ، اذ عثر على نسخة من الملحمة في ارشيف العاصمة الحثيّة في اناتوليا مكتوبة بالاكدية السامية . وكانت الملحمة قد ترجمت حوالي (1300-1350) ايضاً إلى اللغات الحورية واللغة الحثية التي هي هندو ـ اوربية . كما عثر على جزء صغير من الملحمة ، وهو في غاية الاهمية ، في منطقة مجيدو بفلسطين يشير إلى وجود نسخة كنعانية أو فلسطينية متأخرة . أما حفريات رأس شمرا ( اغاريت القديمة ) في الساحل السوري فقد كشفت النقاب عن قصة الطوفان التي يعتقد انها اشتقت من قصة الطوفان التي تشكل جزءاً من ملحمة كلكامش . فمعظم الترجمات القديمة للملحمة كانت قد انتشرت في مناطق مختلفة من آسيا الصغرى (بما في ذلك اليونان ) قبل ظهور هوميروس وهيسيود بما لا يقل عن أربعمائة سنة .

الأمر الذي التبس على الباحثين الغربيين الذين يدرسون الاشكال الادبية وتقنياتها وخصائصها يكمن في انهم لم يميزوا بين المثاقفة التي قد يتعرض لها شعب في مرحلة بحيث تترك تأثيرها على تصوره لذاته وعالمه وآلهته وهو غير واع لها لأن ثقافته تمثلها واعتبرتها جزءاً من تراثه ، وبين التأثير المباشر الذي قد يتركه تيار فكري أو سياسي أو أدبي على جيل من المثقفين أو الكتاب . ليس «“ ملحمة كلكامش “ تأثير مباشر على هوميروس وهيسيود شخصياً ، بل على الثقافة اليونانية التي كونت ، تاريخياً ، المخزون الادبي والديني والاسطوري الذي منه انتهل كل من هوميروس وهيسيود المواد اللازمة لصياغة ملاحمهم . بمعنى آخر ، ان المواد الاسطورية اليونانية ، قبل ان تأخذ شكلها الملحمي عند هوميروس وهيسيود ، كانت قد تشربت بعض خصائص أدب الرافدين . فتأثر هوميروس وهيسيود بـ “ ملحمة كلكامش “ هو غير مباشر وغير واع ، هو تأثر بتراث يوناني متشرّب لثقافة الشرق الأوسط القديم .

ان انتشار الملحمة الواسع في مناطق جغرافية متعددة من آسيا الصغرى والعثور على ترجمات مختلفة لـ ” كلكامش “ حمل الكثير من الباحثين على اعادة النظر في مسألة التفاعل الثقافي بين اليونان القديم والشرق الاوسط ، وحثهم اكثر على متابعة الدراسات المقارنة لاستجلاء أوجه الشبه أو التناظر بين ملحمة الرافدين والتراث الملحمي لليونان القديم ، وهذا أيضاً وفّر لهم امكانية تحديد الاطار التاريخي والثقافي الذي احتضن عملية تفاعل تلك الثقافات . وتبلورت نتائج هذه المحاولات ، التي ظهرت منذ الستينات ، في أعمال العديد من الباحثين امثال وبيستر ، وولكوت ، ولورد ، وكريسيث ، وويست ، وبيركيرت ، وغيرهم . وخلص هؤلاء الباحثون إلى أن تأثيرات أدب الرافدين تجلت في التناظر القائم بين رسم سمات بعض الآلهة ، وسايكولوجية بعض الشخصيات الملحمية ، وسياق بعض الاحداث ، واساليب شعرية اتبعت في ملحمة كلكامش وملاحم هوميروس .

يؤكد البيرت لورد ، الباحث الأميركي الشهير بدراساته عن الفولكلور والادب الملحمي ، ان “ ملاحم الشرق الاوسط القديمة كانت معروفة لليونان المعاصرين لـ هوميروس ، او كان لها تأثير على اليونان قبل هوميروس “ . ويشير لورد إلى اوجه الشبه بين “ كلكامش “ و “ الالياذة “ قائلاً : في “ ملحمة كلكامش “ يتحدى كلكامش وانكيدو ما حرمته الآلهة ، وان قرار الآلهة في القضاء على انكيدو وليس على كلكامش يتكرر في الياذة هوميروس حيث تقضي الالهة على صديق البطل . وهناك تناظر آخر بين كلكامش وآخيل اليوناني ، اذ ان كل من البطلين ثلثاه إله والثلث الآخر إنسان . ويشدّد لورد على التشابه في الروح بين الملحمتين من حيث خاتمتيهما المسالمتين : أي قبول كلكامش بفشله في اكتناه سر الخلود وقبول آخيل لـ برايم . وآخيل ، مثل كلكامش ، يصارع رهبة الفناء ، وفي النهاية يذعن له .

اما ثومس وبيستر فيشير إلى ان العلاقة بين الآلهة والابطال القدماء تشف عن عدد من المواقف المشتركة بين الشعر الشرقي واعمال هوميروس . ويرى تناظر بين المجالس الالهية في “ ملحمة كلكامش “ و” الالياذة “ و” الاوذيسا “ . ويلفت وبيستر ، مثلاً ، النظر إلى تناظر بين قتال كلكامش مع الوحش همبابا وثور السماء وقتال هرقل وبيرسوس ضد الغرغونة . ويتفق وبيستر وولكوت على ان التناظر بين الاساليب الشعرية في ملحمتي هوميرس وملحمة “ كلكامش “ ، لاسيما في استعمال الصفات المتعددة عند ايراد اشياء او احداث جديدة . عندما يموت انكيدو ، مثلاً ، يرثيه كلكامش قائلاً : «مثل أسد رفع صوته ، ومثل لبوءة حرمت من شبلها “ . ويذرع كلكامش المكان جيئة وذهاباً قرب سريرصديقه . ويناظر هذا المشهد ـ في الالياذة ـ آخيل الذي يعد مأتماً لصديقة . ففي الوقت الذي يندب الآخيون بتروكلس ، يبدأ آخيل الرثاء ، واضعاً يديه المجرمتين على صدر صديقه وهو يئن بعمق مثل : “ أسد ملحمتي سرق الصياد اشباله “ . يصف وبيستر هذا التناظر بين الاستعارتين بأنه مدهش للغاية . اما التناظر بين العلاقتين المزدوجتين بكل من كلكامش وآخيل فهو أكثر اذهالا : آخيل هو البطل الوحيد ، في “ الالياذة “ ، الذي لا يمكن تصوره بدون امه وصديقه ، وهذا يماثل علاقة كلكامش بامه وانكيدو . يميل وبيستر إلى الاعتقاد بان هذه العلاقة المزدوجة التي أوحت بها ” ملحمة كلكامش “ قد تم اقتباسها في مرحلة مبكرة للغاية ، أي قبل ظهور هوميروس .
ولعب جيرالد كريسيث ، الباحث الأميركي ، دورا هاما في الكشف على العلاقة بين “ ملحمة كلكامش “ وملاحم هوميروس . يقارن كريسيث شخصية أتونابشتم ( في ملحمة كلكامش ) بشخصية السينوس في “ الاوديسا» “ ، كاشفاً النقاب عن تناظر في رسم الشخوص ومنحى الاحداث . مثلاً : يعيش السينوس في جزيرة نائية مع زوجته والملكة أريث . والسينوس ، مثل اوتونابشتم ، هو كائن أزلي . كما أن لدى السينوس واتونابشتم اداة نقل لإعادة الاموات إلى اوطانهم ، ويتم هذا في الملحمتين عبر قارب سحري . أما جزيرة اتونابشتم وكذلك جزيرة السينوس فلا يمكن الاقتراب منها الا بعد اجتياز مياه خطيرة وصعبة ، ونجد البطلين ـ كلكامش و اوديسيوس ـ يصلان كل إلى جزيرته بعد ان نال منهما التعب وينامان في الحال رغم تحذير اتونابشتم لـ كلكامش وتنبيه السينوس لأوديسيون . ويورد كريسيث اوجه شبه أخرى كرمي انكيدو لفخض الثور في وجه عشتار الذي يناظر الجرح الذي يحدثه ديوميديس لأقروديت ، الهة الحب في “ الاوذيسا “ . ومثلما تهدد عشتار أنو ـ اله السماء ـ باطلاق سراح الاموات هكذا تضغط هيليوس ـ في “ الاوديسا “ على زوس مهددة بأنها ستهبط إلى عالم الأموات وتنشر النور بينهم . ان هذا التناظر بين “ ملحمة كلكامش “ وملاحم هوميروس ليس وليد الصدفة ، بل يدل على تأثر ثقافة اليونان القديمة بثقافة الرافدين البابلية والآشورية المنتشرة بين شعوب آسيا الصغرى التي كانت قد عرفت “ ملحمة كلكامش “ عبر ترجمات حثية وحورية وعلامية .

“ ملحمة كلكامش “ و” مأدبة أفلاطون “


قد لا نجد تعليلاً تاريخياً أو ثقافياً للتناظر القائم بين النظرة الفلسفية التي تنطوي عليها ” مأدبة أفلاطون “ و ” ملحمة كلكامش “ . وايراد الشبه بين هذين العملين لا يعني مطلقاً أن ملحمة الرافدين أوحت لأفلاطون بكتابة “ المأدبة “ أو ما تنطوي عليه من مقومات فلسفية . والتناظر هنا لا يعني بالضرورة انه حصيلة تفاعل أو انفعال عمل بآخر . كان جورج هيلد أستاذ الفلسفة في جامعة نيواورلينز ، اول من لفت النظر الى التناظر بين هذين العملين . يعتقد هيلد أن الفكرة الاساسية وراء “ ملحمة كلكامش “ تكمن في ان الانسان قادر على تطوير نفسه وتحقيق طبيعته ليحصل على سعادة حقيقية ، وذلك عبر التزامه بالفضيلة والبحث عن المعرفة ، وليس السعي وراء المتعة . هذا ويرى هيلد أن الحب (EROS) في “ ملحمة كلكامش “ و” المأدبة “ هو قوة بامكانها ان تحول وتطور طبيعة الانسان . ويجد هيلد في ملحمة الرافدين بذور نظرة “ أخلاقية غائية “ مماثلة “ لعملية الخطوات الثلاث للتطورالواردة “ في “ مأدبة “ أفلاطون . والاطوار الثلاث في “ المأدبة “ هي كما يلي : الطور الحسي ( ينطوي على اللذة ) ، والطور العملي ، والطور الفلسفي . ويؤكد هيلد ان هذه الاطوار الثلاث عند افلاطون تتجلى واضحة في سياق تطور احداث “ ملحمة كلكامش “ . ففي بداية الملحمة يعيش كلكامش حياة تقوم على اللذة . يضاجع فتيات مدينة اوروك ، الامر الذي يثير عداء وكره الشعب له . فالبداية تمثل اشكال الحب الدنيا . أما بعد لقاءه بـ انكيدو فيتبنى حياة عملية ، يشرع في اتباع الفضيلة والبحث عن الشهرة من خلال القيام بالاعمال . وفي النهاية ، حين يرهب موت انكيدو وبالتالي حتمية موته هو ، يتبنى حياة ليست فلسفية فعلياً ، ولكن تولد لديه النتائج اللازمة لحياة فلسفية ، أي الحكمة والمعرفة» . ونجد ، مثلاً ، في رفض كلكامش لطلب عشتار ( القائم على مبدأ اللذة ) رافض لحياته السابقة ودليل على تقدم خلقي ، لاسيما ، بالمقارنة مع اشكال الحب الدنيا التي تجاوزها ، ويرى هيلد ان رفض كلكامش لـ عشتار يماثل في شكله ووظيفته رفض سقراط لـ السبياديس في “ المأدبة “ .

ملحمة كلكامش “ وبنيوية ليفي شتراوس

في فصل مطول من كتابه “ الاسطورة “ : “ معناها ووضائفها في الثقافات القديمة وغيرها “ يقوم ج . اس . كيرك ـ عالم الاساطير والآداب اليونانية ـ بقراءة جديدة لـ “ ملحمة كلكامش “ . مستفيداً من معطيات المنهجية البنيوية لدى ليفي شتراوس . ينطلق كيرك في تحليله للملحمة من مقولة التناقض بين الطبيعة والثقافة التي صارت أحدى أهم الاسس التي اعتمدها التحليل البنيوي ، والتي على ضوئها درس ليفي شتراوس ثقافة هنود البرازيل وغيرها . يعتقد كيرك ان العلاقة بين الطبيعة والثقافة ليست غير محتملة بالنسبة لشعوب الرافدين ، لاسيما ما دامت اساطيرهم تؤكد على التباين بين الأرض المروية والارض القاحلة والآلهة المسؤولة . واذا كان الامر كذلك ، يقول كيرك ، عندها تكون علاقة الطبيعة ـ الثقافة قد بدأت تظهر ذاتها كواحدة من اكثر الاهتمامات العالمية والمركزية للاساطير التأملية ، إلى جانب قضايا الحياة والموت ، والعلاقة القائمة بين انواع البشر والحيوان والخصب الزراعي .

وفي تعليقه على بعض التفسيرات والتحاليل لنص الملحمة يقول كيرك ان ملحمة كلكامش هي قصيدة

مذهلة وينبغي أن تقرأ وتدرس بعناية من قبل كل دارس للثقافة اليونانية ويؤكد كيرك على أهمية دراسة الملحمة لذاتها لانها تذكرنا ، بكل بوضوح ، بما لم تعنى به الميثولوجيا والآداب اليونانية ، وعلى الرغم من قصر هذه الملحمة ـ بالمقارنة مع ملاحم هوميرس وهيسيود ـ الا انها تثير بطريقة واضحة للغاية مؤثرة اهم الاسئلة عن الحياة والموت . وعلى صعيد آخر تشكل الملحمة قصة تتميز بالتنوع والفتنة ، وتليت بحدة وحيوية درامية . وفوق كل ذلك حافظت هذه الملحمة ، رغم تاريخها الادبي الطويل ، على هالة اسطورية حافلة بذلك النوع من الاستكشاف العاطفي لمعاني الحياة الدائمة ـ التي فشلت الاساطير اليونانية ان تقدم نمودجا لها . ويستطرد كيرك قائلاً: تمثل الملحمة ، من خلال شخصية اسطورية ، مواقف متعددة من الموت يمكن أن يتبناها البشر . فالقبول النظري بالموت قد تحطم كلياً عند أول معرفة به من خلال فقدان شخص محبوب . وهناك أيضاً الاشمئزاز من بشاعة تفسخ الجسد ، والرغبة في تخطي الموت المتعلق بحياة الانسان ذاته ، وذلك بواسطة الشهرة ، أو بتخيل الانسان نفسه خالدا ، وفي النهاية كان هناك نوع من الاذعان ، ولكن قبل ذلك كان هناك أيضاً محاولة لتأخير مسيرة الموت بمحاكاة الصبا .

يعتقد كيرك أن العنصر الذي لم يشار إليه أو انكيدو كانسان متوحش من الصحراء . ان احدى الاهتمامات الاساسية لهنود البرازيل كانت تلك العلاقة بين الطبيعة والثقافة ، بين المدجن والبري ، بين الني والمطبوخ ، والتناقضات والمفارقات التي عملت ما بين هذه التطرفات . أنا أعتقد ، يقول كيرك ، ان “ ملحمة كلكامش “ في شكلها الآكادي المتطور تعنى ، إلى حد ما ، بتحري ـ شعوري أو لا شعوري ـ لمبدأ تناقض الطبيعة ـ الثقافة . ان التناقض والتصارع بين نمطين الحياة ، واحد تابع للصحراء وآخر تابع للأرض المزروعة ، يتخلل كل تاريخ الشرق الادنى . والعلاقة بين الطبيعة والثقافة لم تكن غير محتملة لسكان الرافدين ، لأن اساطيرهم تركز على الفرق بين الارض القاحلة والارض الخصبة ، كما تركز على الآلهة المسؤولة .

يدرس كيرك الملحمة منتقيا تلك العبارات والافعال التي تشير إلى التناقض بين الطبيعة والثقافة من خلال انكيدو ونظيره كلكامش . لقد تم التوكيد ـ أولاً ـ على ان انكيدو قد خلق في سهل خال من الاشجار ، وجسمه مكسو بشعر خشن كالحيوان ، يعيش كالحيوان ، يأكل ويشرب كالحيوانات . الا انه بطرق معينة ـ يتصرف بشكل أذكى من الحيوانات ، اذ يمزق المكايد التي ينصبها الصيادون لبعض الحيوانات . اذن رغم ان انكيدو هو انسان ، فهو أيضاً نقيض للانسان ولافعاله . ثم تأتي البغي التي تدله ، ليس فقط على الجنس الذي تستطيع الحيوانات ايضا ان تمارسه ، بل إلى المأوى ، والجماعة ، والثياب ، والطعام المطبوخ ، والشراب وكل فوائد الثقافة . وحين يفشل في اللحاق بحيوانات البرية التي رفضته ، تواسيه البغي ، مؤكدة على انه صار الان مثل اله . في كل هذا ثمة انقلاب في الادوار: في الصحراء يرفض انكيدوا الحيوانات ويصير حكيما كاله ، بينما في المدينة ، كلكامش الملك الذي يجب أن يتصرف كحكيم ، يتصرف كحيوان متوحش . وفي ذات الوقت يثبت انكيدو انه قد نسي مكان ولادته ويأخذ باستخدام السلاح ـ احد رموز الثقافة ـ في مطاردة واصطياد الاسود والذئاب الكي يتمكن الرعاة ومربوا المواشي من العيش بسلام . أما كلكامش ـ فلكي يتمكن من تحقيق الشهرة ويقهر الموت ـ فينتقل من الثقافة ( المدينة ) إلى برية الجبال ليقضي على خمبابا البدائي وليجلب شجر الارز إلى أوروك .

ويستطرد كيرك قائلاً: يعلن انكيدو ثلاث ادوات تسببت في سقوطه: البواية ، والصياد ، والبغي . اثنتان من هذه الادوات ترتبطان بانتقاله من الطبيعة إلى الثقافة . ويعلل كيرك ان انكيدو واثق ان السبب الرئيسي لموته كامن في انتقاله من الطبيعة ( البرية ) إلى عالم الثقافة ( المدينة ) . لقد كان انكيدو يحتقر الموت عبر المرض والموت بحد ذاته . ويحتمل أن يكون المرض مرتبطاً بالثقافة ، لذلك لعن انكيدو البغي والصياد لأنهما جاءا به إلى المدينة ، إلى عالم المرض والموت البطيء ، بعيدا عن البرية حيث يأتي الموت فجأة قبل الشيخوخة ، والفساد ( أي ان الانسان في البرية هو في صراع مع عوامل الطبيعة والحيوانات ) . وسواء كان كلكامش يأمل بالاحتفاظ بصديقه أم لا ، لتعزيز روابطه بالثقافة ، فهو في النهاية يستجيب للواقع بالانتقال إلى عالم الطبيعة ، رافضا الثقافة كليا . وتتسم افعال كلكامش بالتطرف : كلكامش الذي هو تجسيد للثقافة يرفض عالم الثقافة ويجول في البرية كالحيوان ، ليس فقط كالحيوان بل ملتحفا جلد حيوان البرية أيضا .وفي عودة كلكامش إلى اوروك ، بعد أن استحم ولبس الثياب النظيفة ، اشارة ليس فقط لقبوله بالموت ، بل اشارة إلى انه لا يجوز ان تلام الثقافة بسبب المرض ونواحي الفناء الأخرى . أو ان الانسان ، على الاقل ، غير قادر على تجنب المرض والفناء الملازمين للثقافة . كما انه لا مبرر لدى الانسان ان يغير حياته كما فعل كلكامش اثناء بحثه عن سر الخلود .

على الرغم من النتائج القيمة التي جاء بها التحليل البنيوي ، هناك ملاحظات وانتقادات عديدة وجهت إلى كيرك من قبل المختصين بالعلوم السومرية والاشورية . مثلا ، تعتقد ساندرز ، الباحثة البريطانية ، ان محاولة كيرك البنيوية تختزل انكيدوا بممثل للطبيعة وتحيل كلكامش إلى ممثل للثقافة . وبذلك يصبح هدف الملحمة تسوية التناقضات او ازالة التوتر القائم بين قطبي الطبيعة والثقافة . كما تؤكد ساندرز ان ربط الانسان المتحضر بالمرض والانسان الطبيعي بالصحة والسعادة ليس الا ضرب من الوهم . وتستند ساندرز ، في ردها على كيرك ، إلى معطيات تاريخية لتؤكد أن انكيدو لم يكن انساناً نمطياً ، وشخصيته اغنى من ان تنحصر في حدود الطبيعة . كما تأخد على كيرك اغفاله لتمايز السياق التاريخي للمجتمعات . فهي تعتبر مقارنته للبيئة الثقافية الرفيعة لمجتمعي بابل الالف الثاني وآشور الالف الأول قبل الميلاد بالعالم البسيط لليونان المعاصر لـ هوميروس وهيسيود وهنود البرازيل أمر في غاية الظلال .

ملحمة كلكامشونيتشه

في الوقت الذي تؤكد فيه البنيوية على وحدة التناقض بين الطبيعة والثقافة كبنية اساسية للملحمة ، يرى الباحث الأميركي ـ جان منير ـ الذي ترجم “ ملحمة كلكامش “ بالتعاون مع الروائي الأميركي جان كاردنر ( ان الملحمة تنطوي على وحدة الصراع الـ “ ابولوني / ديونيسوسي “ التي اعتبرها نيتشه عاملاً جوهريا في نشوء التراجيديا اليونانية . وطبعا هذا لا يعني ان “ ملحمة كلكامش “ قد تأثرت بالتراجيديا اليونانية لأن الأخيرة حديثة العهد بالقياس لملحمة الرافدين . انما نظرية نيتشه ، التي القت اضواء ساطعة على البنى الخفية للصراع في التراجيديا اليونانية ، قد تعيننا ان نفهم بشكل أفضل طبيعة الصراع في «ملحمة كلكامش» . يمثل “ أبولو “ ، عند نيتشه ، ديانة العقل أو الوعي ، التي تأخذ بمبدأ العلة والمعلول ، وتخضع العاطفة لسيطرة العقل ، في حين يرمز “ ديونيسيوس “ إلى اللاوعي الذي يطلق العنان للمخيلة والوهم والحدس ( كل ما هو نقيض لمعطيات العقل والمنطق ) . وبالنسبة لـ “ أبولو “ كل شيء في الوجود ينبغي أن يسخر من أجل المعرفة ، بينما يفضل “ ديونيسيوس “ التجربة لذاتها ، والتجربة الديونيسيوسية هي جمعية وطقوسية ، والخمرة والرقص وسائل لبلوغ النشوة . واذا كان الانسان الابولوني تهمه الحياة الابدية ، فالانسان الديونيسيوسي مهووس بالحيوية الأبدية . لذلك البطل التراجيدي هو ذاك الذي يعيش الخطر ويجازف بالكل ليربح الكل ، وهو الذي يتحسس ذروة واعماق التجربة ، ولكي تكون الحياة جديرة بالعيش ، لابد أن يكون الانسان متطرفا في بلوغه ذروة الشعور . فالانسان ، حسب هذه النظرية ، تتجاذبه قوى الوعي واللاوعي ، العقل والعاطفة ، الواقع والخيال .

يعتقد مئير ان الثنائية الابولونية / الديونيسيوسية لها نظير في “ ملحمة كلكامش» “. يرى مئير ان الاله شاماش هو مثل “ أبولو “ ياخذ بمبدأ العقل . وكذلك نينسون ـ والدة كلكامش ـ تنزع نزوعا عقلانيا في تفسير الاحلام ، وتقديم النصائح لـ كلكامش . كما ان شاماش ـ بعكس عشتار التي تأخذ بالتجربة الذاتية والشعورية ـ لا يظهر نفسه جسديا ليتحدث إلى الابطال ، بل يكشف عن حقائقه عبر الاحلام التي تتطلب التعليل والتأويل ، أي تستدعي اعمال العقل . ويبدو دور شاماش مدهشا في توعية انكيدو الذي يعلن البغي التي قادته إلى المدينة حيث المرض . ونجد في نصيحة شاماش إلى انكيدوا اجلال لدور العقل الذي يمثله أبولو:


لماذا يا انكيدو تلعن كاهنة الحب ، / المرأة التي اطعمتك طعام الالهة ، /والتي جعلتك تشرب الخمرة التي يشربها الملوك ،/ وكست جسدك بثوب رائع ، / ومنحتك كلكامش الوسيم صديقا؟

فيما بعد يكتشف انكيدو ان الحياة المتحضرة التي قدمتها له البغي كانت حياة غنية ، فيستجيب مباركاً عملها . فالدور الذي يلعبه شاماش وتأثيره في انكيدو يؤكد على أهمية انتصار العقل وقيمه .

أما عن الطور الديونسيوسي فيرى مئير أن اللوح السابع من «ملحمة كلكامش» قد كرس برمته لتصوير حزن كلكامش ومدينة أوروك . ويؤكد مئير ان المرثية الطويلة التي يتلوها كلكامش تعبر عن انتهاء آخر اثر للطور الابولوني وبداية الطور الديونسيوسي ، إي طور الشقاء الشعوري . ويصف شاماش هذا الشقاء قائلا: «سيحمل كلكامش علامات الشقاء في جسده وسيتردى ثياب الكلاب جائلاً في البرية» .
ان سمة الشقاء والمعاناة الحادة والتحولات الفيزيائية التي تظهر على جسد كلكامش ، اثناء الرحلة ، تماثل شقاء ديونسيوس وتمزيق الجبابرة لجسده ـ ـ وهذا الشقاء الديونسيوسي كان ، برأي نيتشه ، أول شكل تراجيدي عرفته اليونان . كما ان تمزيق الجبابرة لديونسيوس يقدم مجازا يعبر عن عمق التحول في حياة كلكامش الذي خلع ثيابه الملكية وهجر المدينة ، وبذلك فقد كل ما يشده إلى المجتمع والثقافة . ان هذا التحول في حياة كلكامش هو عودة إلى نمط حياة انكيدو السابقة على اقترانه بالبغي . وعند دخول كلكامش البرية واتحاده بها تشبه معاناته بمعاناة قرينه انكيدو . ان رحلة كلكامش هذه هي رحلة جوانية تنتقل صاحبها إلى ماوراء حدود الثقافة ، حيث لا تقيم اعتباراً لموازين العقل والمنطق . هذه التجربة الشعورية تهدم كل ما هو كائن ومتعارف عليه ، باحثة عن جوهر دائم لا يمكن العثور عليه الا وراء الظواهر . وكالبطل التراجيدي يعيش كلكامش الاخطار ويجازف بالكل ليربح الكل . لذلك في كل هذا يماثل كلكامش الاله ديونيسيوس ، ولكن ، كما يعود البطل التراجيدي إلى حاصرة العقل في التراجيديا اليونانية ، هكذا يعود كلكامش إلى حاضرة شاماش ـ ممثل العقل .

وان كان قد حصرنا بحثنا في تأثير «ملحمة كلكامش» على الأدب اليوناني القديم ، الا ان أثر الملحمة استمر فاعلا في اداب الشرق الاوسط حتى بعد سقوط الامبراطورية البابلية عام 539 قبل الميلاد . طبعا ليس هناك ادلة حسية على وجود نصوص للملحمة كانت في متناول الشعوب التي عاشت في المرحلة الهيلنية ، ولكن ورود معلومات مشتقة من الملحمة دليل قاطع على انها كانت حية ومختزنة في ذاكرة شعوب الشرق الاوسط التي حافظت عليها وتناقلتها عبر العصور ، إلى أن تلقفها بعض الكتاب وادخلها في كتاباتهم مع بعض التحوير الناتج عن تغير في اللغات والرؤية الثقافية . فلقد عثر بين مخطوطات البحر الميت ، التي اكتشفت في بداية القرن العشرين ويعتقد انها تعود الى القرنين الثاني أو الاول قبل الميلاد ، على كتاب بالارامية بعنوان ” ـ كتاب اينوخ ـ “ ورد فيه كلكامش وكأنه أحد الجبابرة . كما جاء ذكر همبابا ( الوحش الذي قتل كلكامش وانكيدو ) في “ كتاب الجبابرة “ الذي ألّفه ماني في القرن الثاني بعد الميلاد . وبعد ان وضعت ستيفني دالي بحثا مطولاً وموثقاً عن علاقة ملحمة الرافدين بـ “ الف ليلة وليلة “ ، وأكدت فيه عن تأثير “ ملحمة كلكامش “ على “ حكاية بلوقية “ التي هي جزء من كتاب «“  ليلة وليلة “ . وفي القرن السابع بعد الميلاد ذكر ثيودور بارقوني السرياني في موسوعته الدينية بأن كلكامش كان أحد الملوك القدماء ومعاصر الـ ابراهيم الخليل( عليه السلام ) .

ومنذ ان تم اكتشاف “ ملحمة كلكامش “ في نهاية القرن التاسع عشر عادت من جديد لتلعب دوراً هاماً في تراث الانسانية ، مفجرة طاقات ابداعية في مجالات شتى كالرواية ، والمسرح ، والموسيقى ، والفنون الجميلة . فكما نشأت قصة كلكامش في احضان الواقع الاجتماعي لـ سومر للتحول ، في تفاعلها مع واقع آشور وبابل ، إلى ملحمة متكاملة فنيا وفلسفيا ، لتحرض على ولادة ملاحم أخرى لدى شعوب أخرى ، هكذا صار دور الملحمة حديثاً . اذ اخذت الترجمات الحديثة توحي للكتاب والفنانين والموسيقيين الغربيين بابداع روائع جديدة . ان الملحمة التي تحرض على الخلق باستمرار لابد أن تمثل بذاتها عالما ينطوي على قوى ديناميكية ذي ميزة ازلية تخترق حدود الزمان والمكان ، لتتجلى ابعادها في ظواهر تاريخية وثقافية مختلفة توحي للكتاب والفنانين باعادة صياغة مداليلها وفق اشكال جديدة متلازمة وشروط حياتهم الاجتماعية والثقافية والفكرية . وهذا يفسر ما قاله البرت شوت بعد ترجمته لـ “ ملحمة كلكامش “ إلى الالمانية . اذ كتب يقول : “ ان سعيك للحصول على معنى الملحمة هو كسعيك لفهم العالم “ . أي أن معنى “ ملحمة كلكامش “ ، وان ظل الكتاب والفنانون نيحاولون استكنائه ، الا انه سيظل ذلك المعين الذي لا ينضب ولا تعرف له حدود .

أثر “ ملحمة كلكامش “ في الأدب الغربي

كثيرا ما يعتمد كتاب الغرب على التراث اليوناني القديم في اختيار عقدة قصصية ، أو شخصية اسطورية لها طاقة رمزية تستجلي مصير الانسان عامة في تجربة الانسان الخاصة ، مؤكدة على استمرارية الاسطورة في التاريخ ، ولكن “ ملحمة كلكامش “ قد شغلت اهتمام الادباء الغربيين ليس فقط من خلال عقدتها أو شخوصها ، بل حتى من خلال رؤيتها الفلسفية ، تلك المعاناة الانسانية التي اعتبرها ريلكه ـ الشاعر الالماني “ اعظم شيء يمكن أن يختبره الانسان “ . واليوم نحس بحضور هذه المعاناة البابلية في الرواية الاميركية . يقول جان مئير عن رواية “ حوارات في ضوء الشمس “ (1973) للروائي الاميركي جان كاردنر: “ ان فكر الرافدين يطغي على هذه الرواية . انها تحتوي على اوضح ما كتب كاردنر عن كلكامش ، وان جاء ذلك عبر شخصية قصصية . ان احداث حوارات في ضوء الشمس تقع في بتافيا التابعة لولاية نيويورك ، لكنها مرتبطة بأربعة آلاف سنة من حضارة الرافدين . واحد شخوص الرواية ـ رجل ضوء الشمس ـ مقتنع ان الحضارة الغربية آخذة بالتدهور ، ويرى ضرورة تخطي التقاليد اليهودية ـ المسيحية و اليونانية ـ الرومانية والاخذ بقيم بابل القديمة لمواجهة ما يجرى في مجتمعنا الحديث» . ويخلص بطل كاردنر إلى الحقيقة التالية: «عندما تتلاشى كل اوهام الخلود الشخصي يبقى هناك فعل واحد وهو حماية حرية الفعل ، لأن الفعل هو الحياة “ .

اما قصة هيربرت ميسون ، التي تحمل عنوان “ كلكامش “ (1970) ، واعيد نشرها عدة مرات ، فتختلف عن رواية كاردنر في انها اتخذت عقدتها وشخوصها وحتى مضمونها الفكري من” ملحمة كلكامش “ . في الواقع ، ليست قصة ميسون اكثر من صياغة جديدة لملحمة الرافدين ، ولكن باسلوب حديث يجمع بين الشعر والنثر . ويعترف ميسون بانه كتب قصته نتيجة معاناة شخصية . وفي حاشية ارفقها بقصته يقول : “ عندما قرأت الملحمة لأول مرة شعرت بجرح داخلي آخذ بالظهور . كان والدي قد توفي وانا في السابعة . ولأن موته كان فجيعة لي ، فلم اتمكن من اعتاق نفسي من الانشغال بالموت حتى ان بغلت الصبا . وفتح هذا الجرح ثانية حين عدت إلى جامعة هادرفرد واكتشفت “ ملحمة كلكامش “ . ثم يتحدث ميسون قائلا : “ لقد اعدت كتابة قصة قديمة ، وحاولت أن امزجها بفيض من العاطفة والمباشرة والحكمة المييزة إلتي اكتسبت “ ويذكر جان ماركس في تقديمه لقصة ميسون : “ أن انجاز ميسون الرائع يكمن في اعطاء تفسير لـ” محلمة كلكامش “ غير متناقض والنص الاصلي ، ولكنه يركز اشعاعات قوية على السؤال المركزي المتعلق بالموت» . هذا ويشير ماركس إلى أن الكتاب السويسري باخمان وضع رواية بعنوان “ كلكامش “ بعد ان شعر ان معاناته الخاصة هي صدى لمعاناة كلكامش القديم .

والرواية الأخيرة التي استوحت “ كلكامش “ كانت للكاتب الأميركي روبرت سيلفيربيرك الذي حاز على جائزة نيويورك لاربع مرات وعلى جائزة هوغو لمرتين . نشرت رواية سيلفيربيرك عام 1984 تحت عنوان “ الملك كلكامش “ . يصف سيلفربيرك روايته قائلاً : “ كنت معنيا بـ كلكامش التاريخي ، ولكن اهتمامي بشخصية الاسطورية التي صارت بطلا لاقدم نص تراجيدي في العالم لم يكن أقل أهمية “ . كمحاولة لتجذير الحداث الملحمة في اطار تاريخي ، اعتمد سيلفربيرك على سجلات الحفريات والمصادر المكتوبة ، وقائمة ملوك السومريين ، واساطير سومرية عديدة ، فضلا عن النسخة البابلية للمحلمة . وفي محاولة لإضفاء واقعية على الأجواء الاسطورية ، أخذ سيلفربيرك بالاسلوب الواقعي في سرد الاحداث ، فجاءت الرواية وكأنها مذكرات وضعها كلكامش نفسه . وفي هذه المذكرات نعثر على الكثير من المعلومات التاريخية التي تتعلق بطفولة كلكامش ومعاناته الاولى للموت . ويستحضر الروائي كلكامش طفلا من ملعبه لحضور مأتم والده لوكالبندا . هذا ويستعرض سيلفيربيرك ـ خلال الفترة الواقعة بين الطفل كلكامش الذي يخشى الموت ( موت أبيه ) وكلكامش الملك الوقور ـ قصة داموزي الذي يلاحق لوكابندا ويصبح خطرا على كلكامش الذي يلجأ إلى أكا ملك كيش . وبذلك يعطينا سيلفيربيرك فكرة عن خلفية كلكامش وعلاقاته وحروبه مع جيرانه في الشمال . وبعد هزيمة أكا تنحرف الرواية باتجاه احداث الملحمة البابلية حيث كلكامش يأمر ببناء أسوار مدينة أوروك . واثناء تتويج داموزي ، يلتقي كلكامش بفتاة من اتباع أنانا وتصبح قوة اساسية في حياته ، اذ يلعب حبه وكرهه لها دورا كبيرا في تحدي مسار حياته . وتنتهي مذكرات كلكامش بعد سنوات من زيارته لأوتونبشتم وعودته إلى قصره . لقد ازال سيلفربيرك الهالة الاسطورية عن قصة الطوفان ليقدم معاناة كلكامش وكأنها معاناة عصرية يخرج منها كلكامش متحررا من عقدة الموت وشاعرا بسلام داخلي . وتوحي الخاتمة بأن كلكامش قد توصل إلى قناعة بأنه لابد من القبول بالحدود التي رسمت له كإنسان .
ككل الروائع العالمية التي تشغل اهتمام الكبار والصغار ، شقت ملحمة الرافدين طريقها إلى أدب الأطفال . قامت برناردا برايسن ـ الكاتبة الاميركية ـ بتحويل “ ملحمة كلكامش “ إلى قصة للاحداث ، نشرت عام 1969 تحت عنوان “ كلكامش : قصة أول انسان “ . اعتمد برايسن ، في كتابة قصتها ، على مراجع عديدة ، منها تاريخي ، واسطوري ، وأدبي ، وزودتها برسوم توضيحية . وفي محاولة لتعميق مفهوم الصداقة بين كلكامش وانكيدو اضافت قصة هبوط كلكامش إلى عالم الاموات ليلتقي بصديقه ويموت إلى جانبه .

تقسم برايسن قصتها إلى فصلين: الأول يدعى “ مزاج الآلهة “ والثاني ” تجوال كلكامش “ . وفي الجزء الأول تقوم بتعّريّف المكان والزمان والشخوص تمهيداً لتقديم معاناة شعب أوروك المنهمك في بناء أسوار المدينة . ثم تتجلى تلك المعاناة ، بشكل حسي ، في شكوى الشعب من قلة العمل وانتشار الظلم والقرف ، فتستغل عشتار ذلك الوضع وتحيل الشعب إلى الالهة ارورو التي تصنع انكيدو من الطين وتبعث فيه الحياة . وبعد ذلك يتبع الحدث القصصي في تطوره السياق العام للملحمة . غير ان برايسن لا تتردد في ادخال بعض الاضافات المشوقة كمجيء الراعي الذي يشكو لانكيدو من اسد دخل حظيرة ماشيته وآكل بعضها ، فيذهب انكيدو ويمسك بالاسد ويطرحه ارضا دون ان يقتله ، ثم يطلق سراحه ويبدأ بالاهتمام بالخراف الجريحة . واتسم رسمها للشخوص والاحداث بالواقعية التي تجلت بالتفاصيل الدقيقة التي استوحتها من كتابات الرافدين ، كما عمقت احساس القاريء بانسانية انكيدو من خلال رفضه لقتل الاسد وعطفه على الحيوانات الجريحة . وأولت اهتماما خاصا بالتحولات النفسية عند كلكامش المعني بقضايا شعبه . نلمس مثل هذه التحول في قتل كلكامش لثور السماء وتوزيع لحمه على شعب اوروك . كما ان التقنية القصصية التي اعتمدت اسلوب الوصف الذي تتخلله مقاطع حوار درامية قد اضفت حيوية فريدة على النص واعتقته من رتابة الافراط في الوصف . أما التركيز على قيم الصداقة ، والتضحية ، والمحبة ، والتعاون فقد جعلت من قصة برايسن احدى روائع أدب الاحداث في أميركا .

ومن ضمن أدب الأطفال قامت لودميلا زيمان الكندية بكتابة قصة للأطفال ، مستوحية عقدتها واحداثها من ملحمة الرافدين ، ونشرتها دار توندورا بوكس بعنوان “ كلكامش الملك “ . ولأن المؤلفة تتوجه لاطفال لا تتجاوز اعمارهم سبع سنوات ، فلقد بسّطت العقدة القصصية واختزلت احداثها دون التفريط بعناصر التشويق ، والاثارة ، والمفاجئة التي رافقت القتال بين كلكامش وانكيدو ، القتال الذي ينتهي بصداقة يعز نظيرها ويتوج في خروج كلكامش من عزلته الخانقة بعد استدراكه للاخطاء التي ارتكبها بحق شعبه ، وعلى أثر ذلك يكرس كلكامش حياته  ، بالتعاون مع انكيدو ، لخدمة الشعب ورفاهيته . بالرغم من قصر النص وتبسيطه تمكنت الكاتبة ببراعة فذة ان تمد القاريء الصغير بالدوافع والمبررات اللازمة للتحولات النفسية والاخلاقية عند الشخوص القصصية . والجميل في هذه القصة هو الدور الذي لعبته شامهاة ، كاهنة المعبد ، التي تسببت في خروج انكيدو من عالم الحيوان وتأنسنه . اعطت المؤلفة لـ شامهاة دورا كبيرا ، اذ كان لها حضور دائم ومشاركة فعالة في احداث القصة . بالاضافة إلى النص هناك رسوم توضيحية ترافق الاحداث في كل خطوة وتعوض عما يسهى عنه القارئ الصغير ولكي تعمق شعور الصغار بقدم النص استوحت الكاتبة في رسومها الخط المسماري وفنون النقش النافر والنحت والعمارة لحضارة آشور وبابل .
أثر «ملحمة كلكامش» في المسرح الغربي الحديث

ليس بالأمر الغريب ان نجد عملا كـ ” ملحمة كلكامش “ يثير اهتمام كتاب ومخرجي المسرح الغربي الحيدث لأن هذا النص يتميز بخصائص درامية ومسرحية هائلة . وهناك الآن بعض الادلة التاريخية التي تزعم ان المحلمة كانت تعرض على الخشبة . ذكر روبرت تمبل ، الذي ترجم “ ملحمة كلكامش “ إلى الانكليزية شعراً ، نقلا عن بعض علماء الاثار ان أميرة علامية ذهبت إلى ارمينيا للزواج من ملكها . ورافقتها في الرحلة فرقة قدمت عرضا لـ “ ملحمة كلكامش “ في حفلة زفافها . والنص العلامي ، على حد قول تمبل ، هو على شكل مخطوطة مسرحية ، ومعظم ما هو محكي ينطق به كورس .

وهناك مبررات جوهرية أخرى سهلت حديثا أمر تحويل الملحمة إلى مسرحية ، نذكر منها قصر النص الذي لا يتطلب تمثيله اكثر من ساعتين ، خلوه من الوصف المطول والسائد في الادب الملحمي القديم ، كثرة الحوار ، والمشاهد الحسية التي يسهل عرضها على الخشبة ، قلة الشخوص وتنوع تكوينها النفسي ، ومحدودية مكان الفعل . والبعد الدرامي الآخر يتجلى في تعددية انواع الصراع : هناك صراع عامودي بين كلكامش والالهة أنانا ، صراع افقي بين كلكامش وانكيدو ، صراع سيكولوجي داخلي بين كلكامش وذاته ، لاسيما بعد موت انكيدو . واذا درسنا نص الملحمة على ضوء نظرية أرسطو للتراجيديا لوجدنا ان «وحدة الفعل» التي اعتبرها أرسطو أهم عنصر في الدراما تشكل المحور الاساسي للملحمة . ولا يعني ارسطو بوحدة الفعل مجرد حدث أو سلسلة احداث . بل ذلك الدافع الرئيسي الذي يحرض الشخوص على فعل يتطور عبر الزمان والمكان باتجاه هدف محدد . وهذا الهدف هو السمو الذي يتجلى في محاولة كلكامش المستمرة لتجاوز ذاته . ونجد في الملحمة عناصر درامية أخرى كالمفاجاة والترقب والتشويق ، فضلا عن عنصر «النقض» ، الذي يحيل كل ما هو موجب إلى سالب . كما يعتبر ارسطو ان العنصر الأخير وسيلة درامية هامة لانها تكشف للبطل المنتشي بانتصاره دون ان يعلم انه يسير إلى خيبة أو هزيمة مرتقبة . هذا الانتقال من الموجب إلى السالب يتجسد في الملحمة بالافعي التي تسرق نبتة الخلود من كلكامش وهو في أوج انتصاره ، وبذلك تستحيل كل انجازات كلكامش إلى خيبة ، ولكنها خيبة كل ابطال التراجيديا الذين لابد أن يواجهوا الحقيقة ويقبلوا بها .

منذ بداية الثمانينات قدم المسرح الاميركي ـ في ولاية نيويورك وحدها ـ ليس أقل من عشرة عروض لـ “ ملحمة كلكامش “ . وكانت هذه العروض لفرق طليعية واختبارية تعمل على تخطي المسرح التقليدي الذي كرسته برودواي . ولكن اول عمل مسرحي متكامل كان للشاعر الكندي ـ ميشيل كارنو ـ الذي وضع مسرحيته الشعرية “ كلكامش “ بالفرنسية وذلك عام 1970 ، وتم اخراجها في مونتريال عام 1972 ، كان كارنو في كتابته لمسرحيته حريصا ليس فقط على روح النص البابلي بل ايضا على تقنيته . لذلك جاءت مسرحيته مشحونة باجواء الشعائر الموحية بالطقوس القديمة والمتداخلية مع روح الحكاية التي تجسدت بالحكواتي . ولكي يضع جمهوره في تماس مع معاناة كلكامش ادخل كارنو الحوار الدارمي في ثنايا النص فجاء متناغما ونسيج الشعائر والحكاية اللتين تتميز بهما الملحمة .

قدمت فرقة (Growing Theatre) اول عرض مسرحي لـ ” ملحمة كلكامش “ في 13 كانون الأول عام 1975 اعتمد الاخراج على الحركات الايمائية كوسيلة لرسم الشخوص واثارة الدلائل والمعاني . كما لعب الرقص الحديث دورا هاما في تحديث العمل ، اما بعض الاحداث الخارقة التي تخللت العرض فقد اضفت عليه سمات الاثارة والتشويق . اما العرض الذي قدمته فرقة (Direct Theatre) النيويوركية في 8 أيار 1975 ، فجاء اكثر تكاملا ، اذ استخدم المخرج الانماط التجريبية التابعة لفترة الستينات دون أن يقع في فخ الكليشيهات المملة . نوهت جريدة «ذي ويستسايدر» بهذا العرض قائلة : “ كان كل شيء ناضجا وملازما للنص ، الامر الذي خلع على العرض هالة الاعمال الكلاسيكية ومعانيها دون السقوط في هوة الادعاءات . ان هذا الاخراج الجريء اعاد بناء المسرح برمته ليقوم برسم ابعاد شعائرية تثير الاحساس بمكان لاحتفالات طقسية قديمة ، وهذا أدى إلى خلق مكان رائع لاداء الممثلين عز نظيره في نيويورك “ .
وفي تشرين الاول من عام 1981 قدمت فرقة (The National Theatre of the Deaf) على خشبة مركز الفنون التابع لمسرح جامعة ولاية نيويورك . وفي هذا العرض استعيض عن الحوار بالايماء والاشارة والحركة ، فكانت المسرحية سلسلة من المشاهد المتحركة . أما عرض فرقة (Charas Teatro La Terraza) في تشرين الثاني من عام 1982 . فكان مجموعة متكاملة من مشاهد قصيرة ولكن شيقة . كان اداء الممثلين مؤسلبا ، واستخدمت الاقنعة بغية تحويل بعض الممثلين إلى شخوص مثل همبابا وثور السماء . كما تمكن المخرج أن يوحي بغابة همبابا عبر اربعة ممثلين وقفوا ، بلا حركة ، على شكل لفافات خضراء .
وفي شهر تموز من عام 1984 عرضت مسرحية “ كلكامش “ في “ متحف المتروبولتن “ للفن في نيويورك . قامت بهذا العمل فرقة (New York Open Center) التي تشرف عليها المخرجة بيفا روستن . اعتمدت المخرجة في صياغة النص على ترجمة سنادرز للملحمة . كان عملها نسيجاً من الحكاية ، والحوار ، والحركة المؤسلبة . واستخدم الايماء في بعض ما كان يرويه الحكواتي ، وتم توظيف اداء الممثلين ليس فقط لنقل انفعالات داخلية بل كاداة لخلق الديكور وخلفية الحدث . استفادت المخرجة كثيراً من الفنون التشكيلية ، ولكن دون أن تستخدم موادها ، اذ كانت حركة الممثلين هي التي تقوم بدور الفنون التشكيلية في رسم المشاهد . وكانت الاقنعة التي صممتها باربرا بوليت صورا ممسرحة ومعمقة عن فن الرافدين . لم يكن هم المخرجة التقيد بحرفية النص ، بل ارادت أن تخلق جواً يماثل في تأثره ما كان للنص الاصلي على جمهور الرافدين . واعيد عوض هذا العمل ثانية في أذار من عام 1986 ولقي اقبالا جيداً .

أثر “ ملحمة “ كلكامش في الموسيقي الغربية الحديثة

ليس هناك من فن نزع إلى التجريد أكثر من الموسيقى . ففي الموسيقى نجد اللغة قد تحررت من قيود الدلالات والمعاني المحددة التي يسقطها الانسان على الالفاظ . فالموسيقى ، بمعنى آخر ، هي اللغة قبل أن تتقولب وتنال من مطلقيتها حتمية المعاني اللفظية . ومجازية “ ملحمة كلكامش “ كمجازية الموسيقى لها طاقة ايحائية ، الا انها تتجاوز محدودية الموحى به .

ومن هنا شغف موسيقيين امثال نيقولاي بيرزوسكي ، وبوسلاف مارتينو ، والفرد بوهل ، بالملحمة البابلية . وضع بيرزوسكي مقطوعته «كلكامش» عام 1947 ، وقدمت في صالات الموسيقى الاميركية . أما مارتينو التشيكي فقد الف مقطوعته الموسيقية «ملحمة كلكامش» عام 1958 قبل وفاته في سويسرا عام 1959 ، وظهرت مقطوعة يوهل النمساوي عام 1956 ، الا انه اعاد نسخها بين عامي 1968 و 1969 .
هناك مجالات أخرى كالفنون التشكيلية وقعت بدورها تحت تأثير «ملحمة كلكامش» ، ولكن الاطلاع عليها يقتضي القيام بمسح شامل لكل ما انجز حول العالم ، اذ هناك بعض الفنانيين الذين وضعوا بعض اللوحات من وحي الملحمة البابلية . يقال ، مثلا ، ان الفنان الايطالي دينو كافاليري قد رسم لوحات عديدة بوحي من قراءته لـ” ملحملة كلكامش» “ ، ولكن لم يتسنى لي رؤيتها .

كثيراً ما تقف الترجمة عائقا بين الخصوصية اللغوية والقومية للاثر الادبي والشعوب المتلقية له ، الا ان الترجمات المتعددة لـ«ملحمة كلكامش» لم تقف عقبة في انتشارها ، لأن هذه الملحمة تستمد اصالتها من الافاق الانسانية وليس من التقاليد الادبية وحدها ، لهذا خرجت من سجن الترجمة منتصرة ، وانفتحت على كل لغات العالم لتفجر فيها ابداعات متميزة وتمد شعوبها برؤى جديدة . ان تجاوز ملحمة الرافدين للحدود الجغرافية والثقافية واللغوية يماثل تجاوز كلكامش لذاته ، وانفتاح الملحمة على شعوب العالم يشبه انفتاح كلكامش على الآخر محبة وعطاء وسمواً .

 

(*) استاذ جامعي سوري ـ امريكا .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *