4 of 4 أسـرار الصابئـة مذهب عبادة الكواكب في حرّان القديمة بقلم العلاّمة الكبير جورج سيغال ترجمة يوسف إبراهيم جبرا إعـداد حنّـا عيسى تومـا

Posted by on Oct 3, 2017 in Library | Comments Off on 4 of 4 أسـرار الصابئـة مذهب عبادة الكواكب في حرّان القديمة بقلم العلاّمة الكبير جورج سيغال ترجمة يوسف إبراهيم جبرا إعـداد حنّـا عيسى تومـا

4 of 4

أسرار الصابئة

مذهب عبادة الكواكب في حرّان القديمة

يشكّل الصابئة لغزاً محيّراً غريباً, ويُذكَرون في القرآن بغموض. وبعد ذلك نعلم أنّهم كانوا طائفة دينية تقوم بطقوس غريبة في القرون الأولى من الإسلام. ومع ذلك فإنّ المؤرّخين الأولين، وبعضهم ذوو استقامة – ولكنّ جميعهم مناهضون ومنكرون لاعتقادات الصابئة وممارساتهم- كانوا في حيرة عند تعريفهم, ويشيرون بغموض إلى أنّ اسم الصابئي انتحله دجّالون. أمّا الكتّاب فيما بعد فيعتبرون أنّ اسم الصابئي هو لقب عـامّ لتعريف الوثني وكلّ ما هو مكروه في الوثنية.
ولقد جُمع الكثير من المعلومات عن الصابئة في أثناء المائة سنة الأخيرة في عمل ضخم هامّ لعالم روسي يُدعى دانيال تشولسون Daniel Chwolson,. ومنذ كتاب تشولسون ظهر القليل من الكتابات الأصيلة – قليل من النصوص وبعض اكتشافات أركيولوجية, ودراسات اجتماعية. وفي أيّة حال، فإنّ بحوثاً متأخّرة تمكّننا من عرض المشكلة بشكل منظّم جديد. ولكن، هل تقدّم لنا الجواب عن هذه المعضلة؟ لا بدّ لنا أن نترك للقارئ أن يقرّر ذلك.

حرّان القديمة وهيكل سين

تقع حرّان في الشمال الغربي من ما بين النهرين, وهي معروفة لدى العالم الغربي الذي يهتمّ بالتوراة. “خرج إبراهيم وسارة من أور الكلدانيين، وأتيا إلىحرّان وسكنا هناك” (تكوين 11). وكان أن أرسل إبراهيم خادمه إلى حرّان ليجلب عروساً لابنه إسحق (تكوين 24). وإلى حرّان هرب يعقوب من وجه عيسو ليسكن مع عائلة أمّه (تكوين 29). وفي زمن الآباء الكبار (إبراهيم وإسحق ويعقوب) كانت لحرّان شهرة إذ كانت تقع على مفترق طريقين رئيسيين: أحدهما يصل مناطق الأناضول الجبلية بالمدن السورية والفلسطينية الآهلة, وثانيهما يصل آسيا الصغرى بسواحل البحر الأبيض المتوسّط وثراء الهند والصين البعيدة. وكانت حرّان مركزاً تجارياً. ولقد ذكرها حزقيال بين تجّار الشرق “بنفائس بأردية اسمانجولية.. بصناديق من الألبسة الفخمة ملفوفة بالحبال مصنوعة من الأرز” (حزقيال 23/27).
ولكنّ شهرة حرّان طارت في الآفاق بشكل خاصّ كمذهب مركزي وخصوصاً في عبادة سين القمر الإله. وكان يستشهد بالقمر سين الحرّاني في المعاهدات في منطقة واسعة ما بين القرن التاسع عشر والقرن التاسع ق.م. ولقد وُجدت رموزه، الهلال والقرص في شمال سوريا وحرّان نفسها.
كان العديد من الحرّانيين يدمجون مع أسمائهم لفظة سين أو سي. وكان هيكل الإله القمر وعائلته في حرّان معروفاً في زمن السومريين باسم إي – حل – حل، هيكل البهجة والحبور. وكان قد رمّمه شلمانصر الثالث الآشوري في القرن التاسع ق.م. وبعد قرنين من الزمن، رمّمه ثانية آشوربانيبال, ونصّب شقيقه الأصغر كاهناً أعلى له. وكذلك قدّم أسرحدون نذوره على هذا الهيكل وهو في طريقه إلى مصر. وكان سقفه من خشب أرز لبنان وأفاريزه مطعّمة باللازورد, وأبوابه من الفضّة.
هناك حادثـة بارزة في تاريخ حرّان – وموضوع هامّ للنقاش الحالي – وهي سكنى نابونائيد, آخر ملك بابلي هناك. وهذا مسجّل على مسلّة اكتُشفت في حرّان وضواحيها. وقد يكون نابونائيد آرامي الأصل, أتـاه الإرشاد في حلم أن يُعيد بناء هيكل سين الذي كان الميديون قد دمّروه في سنة 610 ق.م. وكانت والدته التي ماتت عن عمر مائة وأربع سنوات كاهنة هناك. ولكنّ شعب بابل رفض المساعدة في المهمّة المقدّسة, فهجر الملك عاصمته لمدّة عشر سنوات إلى أنّ تمّ بناء الهيكل في حرّان, لمجد الإله سين, “ملك الآلهة” و”أعظم الآلهة”. ورسْم الملك نابونائيد منقوش على مسلّة حرّان وهو يمسك صولجاناً يحمل رمزاً إلهياً, ويعبد شعارات القمر (دائرة كاملة وهلال تحتها) والشمس (قرص مع شكل داخلي بأربعة اتّجاهات وبأشعّة منتشرة) وعشتاروت (نجم بسبعة رؤوس داخل دائرة).
إنّ سيل المتعبّدين في هيكل حرّان لم ينقطع بسقوط الدولة البابلية. وفي أثناء رجوعه من زيارته لهيكل القمر في حرّان اغتيل الإمبراطور الروماني كراكلاّ في سنة 217 م. وكذلك عمل الإمبراطور الشابّ جوليان حرّان مركز رئاسته لعدّة أيّام في سنة 363 بعد أن قام بحملة وثنية ضدّ المسيحيين. ومن حرّان ابتدأ في نحت إمبراطورية في فارس, وقذف اندحاره وموته حرّان إلى حالة الهلع والحداد. ومع ذلك فقد استمرّ الوثنيون الحرّانيون في مقاومة تعدّيات الديانة المسيحية الناهضة. وفي القرن الخامس أو السادس قامت راهبة حاجّة من إسبانيا بزيارة حرّان. وقد سجّلت في يوميّاتها المكتوبة باللاتينية: “باستثناء القليل من الإكليروس والرهبان الأتقياء لم أجد مسيحياً واحداً جميعهم كانوا وثنيين”.
وعندما غزا ملك الفرس هذه المنطقة في القرن السادس لم يمسّ حرّان لكونها معقلاً للمذهب القديم. وفي سنة 638-639 م كان الوثنيون الحرّانيون هم الذين قاموا بالمبادرة بتسليم مدينتهم للجيش الإسلامي.

بداية المشكلة
على هذه الخلفيّة نرى أوّل سجلّ تاريخي للصابئة, فبعد قرنين من الزمن في سنة 830 أو نحوها مرّ الخليفة عبد الله المأمون قرب حرّان لكي يشنّ حملة على منطقة البيزنطيين, ويقول أحدهم مسجّلاً الأحداث:
“ذهب الشعب لملاقاته لكي يتمنّوا له التوفيق. وكان بينهم جماعة من الحرّانيين. وكان لباسهم في ذلك الوقت سترة سوداء, وشعرهم طويل في خصل كخصل شعر قُرّة جدّ سنان ابن ثابت, واستغرب المأمون من لباسهم وقال لهم: “إلى أيّة طائفة مُجازة تنتمون؟” فأجابوه: “نحن حرّانيون”. وسألهم: “أأنتم مسيحيون”؟ فأجابوه: “كلاّ”. وسألهم: “هل أنتم يهود إذن؟” فأجابوه: “كلاّ”. وسألهم: “هل أنتم زرادشتيون إذن؟” فأجابوه: “كلاّ”. وسألهم: “هل لكم كتاب مُنـزل أو نبيّ؟” فاضطربوا وتلعثموا في كلامهم. وقال لهم: “في هذه الحال أنتم وثنيون تعبدون الأصنام. أنتم رجال الرأس (المتكلّم) منذ أيّام هارون الرشيد والدي, ودمكم (حلال أن يُهرق) بدون عقاب. أنتم لستم طائفة مُجازة”. فأجابوه: “ولكنّنا ندفع الجزية”, فقال لهم: “نحن نقبل الجزية من غير المسلمين الذين يتبعون الأديان التي ذكرها الله في كتابه العزيز المنـزل ولهذا يتسامح المسلمون معهم ولكنّكم لا تنتمون إلى هذه الفئة أو تلك. ولذا، عليكم الآن أن تختاروا أحد طريقين فإمّا أن تعتنقوا الدين الإسلامي أو تعتنقوا أيّاً من الأديان التي ذكرها الله في كتابه العزيز. وإذا رفضتم سأقتلكم عن بكرة أبيكم. سأمنحكم فترة إلى حين رجوعي من سفري، فإذا دخلتم في الإسلام, أو في أيّ من الأديان التي ذكرها الله, سبحانه وتعالى, في كتابه العزيز، سيكون ذلك حسناً, ولكن، إذا بقيتم كما أنتم فقد أعطيت أوامري لكي تقتلوا وتجتثّ أصولكم كلّيّاً..”.
وهكذا غيّروا لباسهم, وحلقوا خصل شعرهم, وهجروا ستراتهم السود واعتنق العديد منهم المسيحية ووضعوا الحزام حول أوساطهم (وكان المسيحيون يتميّزون به), ودخل جماعة منهم الإسلام. ولكنّ قسماً منهم بقي كما كان, فأصبح أتباعه في حيرة وقلق حتّى جاءهم شيخ من شيوخ حرّان, وكان قاضياً ومحامياً واستجاب لتساؤلاتهم. وقال لهم إنّ لديه خطّة تمكّنهم الخلاص من القتل. فأتوا له بمبلغ كبير من المال من خزينتهم التي كانوا قد جدّدوها منذ الرشيد لهذا الغرض.. وقال لهم القاضي: “عندما يعود المأمون من سفره قولوا له: “نحن صابئة” لأنّ هذا هو الاسم الذي ذكره الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم، اتّخذوه، وبه تخلصون”.
لم يرجع المأمون إلى حرّان، لقد توفّي في بوداندون سنة 833 م. ويستمرّ مؤرّخنا قائلاً: “ومنذ ذلك الوقت اتّخذوا هذا الاسم، لأنّه لم يكن هناك أيّ شعب آخر يُدعى صابئياً في حرّان قبلهم. وعندما وصلهم نبأ موت المأمون قرّر الكثير من الذين كانوا قد اعتنقوا المسيحية الرجوع إلى دينهم الحرّاني, وأطالوا خصل شعرهم كما كانوا قبل ملاقاتهم المأمون عند مروره بحرّان على أساس أنّهم كانوا صابئة. ولكنّ المسلمين منعوهم من لبس السترة السوداء, لأنّ هذا كان جزءاً من لباس موظّفي الدولة, أمّا الذين كانوا قد اعتنقوا الإسلام فلم يستطيعوا الارتداد خوفاً من أن يقتلوا, واستمرّوا في الزواج من النساء الحرّانيات, وربّوا أولادهم الذكور كمسلمين, وبناتهم كحرّانيات”.
ربّما لم يعشْ كاتب هذا الحديث أكثر من ستّين أو ثمانين سنة بعد الأحداث التي ذكرها ووصفها, وكانت له معرفة جيّدة بشعب حرّان, ومع ذلك فإنّ علينا أن نتردّد في قبول الحكاية بما رواها, لقد كان مسيحياً, وكان هناك صراع طويل مرير بين الوثنيين في حرّان وبين المسيحيين, وكانت له ملامة واضحة صريحة ضدّ المسلمين. ويدّعي أنّ القاضي المسلم الذي مدّ يد المساعدّة للحرّانيين في محنتهم قام بهذا العمل حبّاً للمكافأة. وفوق هذا فإنّه يلمّح إلى أنّ المسلمين يسمحون بحقّ الوثنيين في أن يحتموا تحت شعار كتاب مُنـزل, وبهذا نستطيع المطالبة بتسامح الإسلام.
إنّه من غير المعقول أن يُسمح للوثنيين بأن يستمرّوا في ممارستهم في حرّان من غير مضايقات – إلاّ بسبب تسامح المسلمين معهم رسمياً – وحرّان لم تكن قرية مغمورة بعيدة عن السُلطة الإسلامية, بل كانت مدينة قديمة ذات شهرة عظيمة ولقد قامت بدَور بارز في تاريخ الإسلام قبل زمن المأمون. ولقد كان أن أقام مروان الثاني, آخر الخلفاء الأمويين, سُكناه هناك في حرّان. وكان هارون الرشيد, والد المأمون قد زار منطقة الرها وحرّان في نحو سنة 792 م, ولا يمكن أن يكون جاهلاً الخلفيّة الدينية في حرّان, علاوة على ذلك فإنّ تواريخ الأحداث السرّيانية المسيحية – والتي ربّما كتبت في الرها القريبة, ولم تكن ميّالة إلى الوثنيين الحرّانيين بأيّ حال – تخبرنا بنحو من عشرين سنة قبل زيارة المأمون “أنّ إبراهيم, حاكم حرّان, أمر وثنيي حرّان بأن يقوموا بممارسة أسرارهم هذه علانية وكانوا يدفعون الجزية”.
فهل نستطيع أن نصدّق أنّ المسلمين قد خُدعوا بهذه التظاهرة الكاذبة فجأة بعد زيارة المأمون القصيرة, ومنحوا التسامح لوثنيي حرّان – فقط لمجرّد اتّخاذهم لقب صابئة؟ – وهل كانت هذه أول مرّة طبّقوا فيها هذا المصطلح على أنفسهم ؟ وماذا يعني ذلك؟
ففي عيون المسلمين إنّ أقدم مرجع للصابئة ورد في القرآن الكريم, وإحدى هذه الآيات تعلن: “حقّاً إنّ المؤمنين، وأولئك الذين تهوّدوا, والمسيحيين, والصابئة, وكلّ مَن يؤمن بالله واليوم الآخر, ويعملون الصـالحات, سينالون جزاءهم مع ربّهم, ولن يأتي خوف عليهم ولا هم يحزنون”.
من الواضح أنّ محمّداً بن عبد الله (نبيّ المسلمين) اعتبر أنّ الصابئة ينتمون إلى فئة المعتقدين بإله واحد – المسلمون واليهود والمسيحيون – الذين يؤمنون بالله وبيوم القيامة. وكذلك فإنّ هناك مرجعاً آخر في القرآن الكريم أقلّ وضوحاً:
“إنّ الله يهدي مَن يشاء أمّا المؤمنون الصادقون والذين تهوّدوا والصابئة، والمسيحيون, والمجوس، والوثنيون، حقّاً إنّ الله سيقضي بينهم في يوم البعث لأنّ الله شاهد على كلّ شيء”.
من هنا نستطيع أن نستخلص أكثر أنّ الصابئة ربّما كانوا طائفة دينية معترف بها. أيّاً يكن الأمر فإنّهم لم يكونوا معروفين لدى المسلمين. ربّما كانت هناك تلميحات في كتابات المسيحيين عن شيعة من الصابئة منذ أربعة قرون سابقة لمجيء الإسلام, يدّعي مؤسّس هذه الشيعة النبيّ القساي من مدينة “سيراي” في بلاد الفرس أنّ ملاكاً قد سلّمه كتاباً للبشر يُدعى صوباي. ونادى القساي بمغفرة الخطايا للذين يؤمنون بهذا الكتاب والذين يؤمنون بالمعمودية وهم يلبسون ثيابهم في نهر أو ينبوع باسم الله العليّ العظيم وابنه الملك العظيم. إنّ عقيدة هذه الشيعة كانت خليطاً مضطرباً من اليهودية والمسيحية والوثنية – الاعتراف بإله واحد, ونبذ الأنّبياء القدامى, وتقديس المياه كمصدر للحياة والاعتقاد بمبدأ الرجولة والأنوثة في المسيح والروح القدس والإيمان بالتجسّد – ويسوع قد تجسّد في القساي. ويربط أبيفانيوس الشيعة بالشيع التي كانت تعمّد بجانب نهر الأردن في بداية عصر المسيحية. ولقد عرّف بعض العلماء هذه الشيعة بالمانديين, أو الصـبّة الذين يدّعون بأنّهم هاجروا من تلك المنطقة. (وسنناقش أمرهم في ما بعد). إنّه من غير المحتمل أن يكونوا الصابئة الذين ذكرهم القرآن الكريم, ما دام أنّ عددهم لم يكن كبيراً أبداً, وكانوا عائشين بعيدين عن البيئة التي عاش فيها محمّد بن عبد الله (نبيّ المسلمين). ولكن علينا أن نأخذ في الحسبان الادّعاء بأنّ قائدهم نشأ في “سيراي” في بارثيا. وبارثيا تشمل أيضاً منطقة حرّان والرها. والاسم سيراي (في اللغة الصينية يعني الحرير) ربّما يشير إلى تجارة الحرير التي أتت بالرخاء الوافر لسكّان تلك المدن في الفترة التي يُعزى القساي إليها.
علينا أن نعالج باختصار اشتقاق اسم الصابئة. وبالطبع إنّهم ليسوا صابئة الجزيرة العربية, ولا يتّصلون بأيّة صلة بملكة سبأ التي دوّنت حكاية زيارتها للملك سليمان في التوراة. وربّما لم يكن الاسم عربياً بل سريانياً. والسريانية هي اللغة التي كان يحكيها أهل حرّان والرها. والواضح أيضاً أنّها لغة القيسائيين والمانديين أو الصبّة أيضاً. وكنّا قد اقترحنا النظرية في أنّ اسم الصابئة يعني المعمّدين, وهذا الاصطلاح يصف بصورة ملائمة القيسائيين والمانديين. ولكن هل من الممكن أن يكون الحرّانيون قد اتّخذوا اسم المعمّدين ما دام أنّ المعمودية اضطلعت بدَور صغير ثانوي في عقيدتهم – العقيدة التي ما انفكّوا أوفياء لها قروناً عديدة؟ إنّنا نشكّ في هذا. ومن جهة أخرى فإنّه من الممكن تفسير مصطلح صابئة: المجتمع السرّي بدون ترخيص. وأخيراً قد تكون للاسم صلة بصوبا، وهذا اصطلاح جغرافي في هذه الفترة لمدينة نصيبين. وكانت نصيبين مركز الثقافة السريانية. ولهذا، بالنسبة إلى محمّد بن عبد الله، قد يكون الصابئة هم المتكلّمون السريانية من منطقة شمالي ما بين النهرين. كانوا يؤمنون بإله واحد وفي يوم الدينونة. ومن المحتمل أيضاً أنّه كانت لهم صلة نسب روحية باليهود والمسيحيين، ويمكننا التخمين أنّهم كانوا شعباً ذا مستوى عالٍ من الحضارة والثقافة.

صورة على عملة نقدية من القرن الثاني الميلادي المتأخّر، صورة الملك أبجر الكبير أوّل ملك مسيحي على الرها

بانثيون مضطرب، سين، مارإلاها، وبعل شامين

على بعد أربعين كيلو متراً شمالي حرّان تقع مدينة أورهي (الرها)، وتُعرف الآن بمدينة أورفا التركية. وفي الزمن السلوقي عُرفت باسم إديسا, واكتسبت شهرة كأوّل مملكة اعتنقت المسيحية كدين للدولة, ومن المحتمل أنّ ذلك كان تحت حكم الملك أبجر الكبير في القرن الثالث الباكر للميلاد, وبموجب الأسطورة راسل ملكها يسوع نفسه. ويخبرنا مدوّنو الأحداث السريان كيف أنّ أداي الرسول خاطب شعب المدينة, ربّما على تلّ القلعة التي يقف على قمّتها عمودان كورنثيان. وبالطبع، فإنّ القصّة أبو كريفا – أي مشكوك في صحّتها. ولكنّ الاعتقاد في صحّتها كان سائداً. أَمَّ الحجّاج إديسا من مناطق بعيدة من العالم المسيحي, ولكنّ دين الشعب الرهاوي – في زمن الوثنية – كان مذهب الكواكب السبعة – القمر والشمس والمشتري والزهرة وعطارد وزحل والمريخ. وكان أحد أبواب المدينة يُدعى هيكل الشمس، بيت شمش. وكذلك فإنّ رمز الهلال يظهر على نقود الملوك الرهاويين قبل الميلاد. وكانت أسماء الكواكب تدمج بأسماء المواطنين. وعلمنا أنّ برديصان فيلسوف الرها. والمعاصر لأبجر الكبير، كتب مقالة عن اقتران الكواكب. وقد عاش مذهب الكواكب في الرها عدّة قرون بعد المسيحية وحتّى بعد مجيء الإسلام.

عملة فضّية من حرّان في زمن الإمبراطور الروماني كراكلاّ، تظهر الهلال رمز القمر.
اغتيل كراكلاّ في طريق عودته من زيارة قام بها لهيكل سين

لقد سلّط الضوء على مذهب عبادة الكواكب في العهد الأخير في سوماتار هارابيسي (خربة سوماتار) في جبال التكتك, وهو مكان بعيد مهجور لسقاية الأغنام والماشية في منطقة تبعد حوالي 50 كيلو متراً جنوب غربي (الرها) أورفا، وثلاثين كيلو متراً شمال شرقي حرّان.
هناك مجموعة من سبع أو ثماني عمارات حجرية خربة. وقد تكون قبوراً صنعت في شكل نصف دائري على فترات غير منظّمة حول تلّة مركزية في سوماتار. وهي ذات أشكال مختلفة: إحداها مستديرة والأخرى مربّعة, والثالثة مستديرة على قاعدة مربّعة. شمالي التلّة المركزية, وعلى بعد مسافة هناك أطلال أكثر رهبة, ربّما عمارات رئاسية, وبضمنها, ما يُسمّى اليوم “القلعة”. وبجانب إحداها هناك تمثال حجري لرجل بدون رأس يلبس دثاراً طويلاً يصل إلى تحت الركبتين – وهذا يذكّرنا بالسترة السوداء التي كان يلبسها الوثنيون الذين قابلهم المأمون في حرّان. وتحت هذا الدثار تظهر ساقـا السروال. وعلى جانب التلّة المركزية الشمالي – من الواضح أنّه مكان مقدّس – هناك صورة منقوشة أخرى نافرة تُصوّر لباساً آخر من هذه الفترة. السترة قصيرة نوعاً ما، ولكن، بدون ساقي السروال. وإلى جانبها هناك صورة حجرية نافرة أخرى. وهذه المرّة النصف الأعلى لشخص رجل, وبدون لباس للرأس على الرأس. شعره مضموم بربطة للرأس, حلقة ونصف أنشوطة على جانبي رأسه. وهذا يذكّرنا بالحرّانيين في زمن المأمون الذي استغرب جدائل شعرهم الطويلة.
على جانب هذه الصورة الحجرية النافرة هناك كتابتان سريانيتان منقوشتان مدشنتان للإله. وكتـابة منقوشة ثالثة تعلن أنّ الصورة الحجرية النـافرة التي ترافقها كانت مكرّسة للقمر سين.
ونقش رابع غير مقروء بصورة كبيرة, ولكن يبدو أنّه يذكر سين الإله القمر مرّة أخرى علاوة على تدشين كنـز، وربّما كان الكنـز في عهدته. وهنا، علينا أن نتذكّر الدفعة من خزينة الحرّانيين إلى القاضي المسلم بعد المقابلة مع المأمون.
إنّ قمّة التلّ المركزي صخرة جرداء. ونقوش عدّة من الكتابات السرّيانية محفورة بعمق على صفحتها, ونقرأ في إحداها:
“ليكن ابسميا ابن ادونا النوهدرا مذكوراً. وليكن مذكوراً أمام مارإلاها…”.
ونقشان تكريسيان آخران يعطيان الفخر نستدلّ على مكانهما. أحدهما على الجانب الغربي من القمّة والآخر على الجانب الشرقي منها. النقش الأول يقول:
“في القمر الجديد من شهر شباط سنة 476 (165م)، أنا تيريدتس ابن ادونا حاكم العرب بنيت هذا الهيكل وأقمت عموداً لمارإلاها من أجل حياة سيّدي الملك وأولاده ومن أجل حياة ادونا والدي..”.
والنقش الثاني يسجّل حادثاً في الشهر نفسه:
“في شباط من سنة 476… أقمنا هذا العمود على هذا التلّ المبارك ونصبنا كرسياً له راعيه هو حاكمي. سيكون “بودار” بعد تيريدانس الحاكم, وسيعطي الكرسي له.. لذاك الذي هو راعيه. إنّ جزاءه سيكون من مارإلاها, وإذا احتفظ بالكرسي سيتقوّض العمود عندئذٍ. إنّه الإله، هو الذي يعرفنا.
الكلمات الأخيرة غير مؤكّدة. لأنّها ممكنة، ولكن ليست محتملة. ويجب أن تكون الترجمة, هو سين الإله، فالسنة التي سجّلت فيها هذه النقوش أي سنة 105م كانت نقطة تحوّل في تاريخ أوزروين، الإقليم الذي كانت الرها وحرّان واقعتين فيه. احتلّت الجيوش الرومانية الرها وطردت ملكها الموالي للبارثيين وهو الملك وائل, وقد يكون الملك في نقوش سوماتار وهو ملك الرها, المدينة الرئيسية في الإقليم. كان هنـاك وثاق سياسي ما بين سوماتار والرها في هذا الوقت.
ويبدو أنّه كان هناك وثاق ديني أيضاً بين المكانين, ومن الظاهر أنّ المعبود الرئيسي في سوماتار يُشار إليه باسم مارإلاها “الربّ الإله”. ورموز مذهبه كانت العمود المقدّس, والكرسي. ورسم العمود الذي عليه قرنا هلال معروف على أنّه رمز الهلال في هذه المنطقة. ولدينا الرسم على نقش نافر على حجر في قبو صخري في سوماتار, ونجده أيضاً على مسلّة قديمة في حرّان. وكذلك, نجده على مسكوكات فضّية من حرّان زمن حكم الإمبراطور الروماني سبتيموس سيفيروس، ولكنّ أكثر المواضيع المحيّرة للعمود المقدّس والكرسي هي أنّها مصوّرة على قطعتين فضّيتين لوائل ملك الرها الذي ذكرناه. كما أنّ عملة فضّية رهاوية أخرى من زمن حكم اليفبالوس, ما يقارب الخمسين سنة في ما بعد, تحمل الرسم نفسه, ولكنّها لسوء الحظّ غير واضحة في نصوص كتابات سوماتار. ويمكن حلّ رموزها كاسم مارإلاها.
فمَن كان هذا المعبود مارإلاها؟ في اللغة النبطية, مارا (ربّ) هو أحد ألقاب الإله بعل شامين (سيّد السماوات). وفي تدمر أيضاً, في القرن الأول من الفترة المسيحية, مارا (ربّ) هو لقب بعل شامين, ولكن هنا هو العضو المركزي لإلهة ثلاثية, ويطلق عليه ألقاب مختلفة: (ربّ الكلّ, وربّ الكون, والإله العظيم).

العمود المقدّس والكرسي على قطعة نقدية من الرها، وكانت هذه رموزاً لمارإلاها

في القرنين الثاني والثالث للميلاد, أنشأت مملكة في حرّان, وهي تبعد حوالي 80 كيلو متراً جنوب الموصل, وتشير النقوش من مدينة الحَضر, في كتاب للمسكوكات شبيه بكتاب المسكوكات السريانية والنبطية والتدمرية, إلى أنّ هناك أيضاً كان الإله الذي يُستدعى هو بعل شامين ويُدعى, الإله العظيم و”ملك”. ونجد على نقود فضّية من الحَضر الشعار “سين مارإلاها” فهل سين هنا تُعزى إلى دورٍ عالٍ أولي, أم أنّه عرف بمعبود مركزي, بعل شامين؟

عملة ونقد معدني من الحَضر، وهي مملكة صغيرة جنوب الموصل. والكتابة المنقوشة على ظهر العملة (إلى اليسار) هي كتابة شبيهة بالسريانية تستدعي الإله سين مارإلاها
ليس من المفيد أن نتحرّى بخصوص هذا المعبود المركزي. كانت المذاهب تظهر وتندمج بمذاهب أخرى ثمّ تختفي مرّة أخرى. ولا نستطيع أن نسعى إلى حلّ الفوضى في بانثيون منظّم بحيث نستطيع أن نعيد كلّ معبود إلى محيطه الخاصّ ونعطيه مزايا معيّنة وواجبات فريدة. إنّه كافٍ أن نلاحظ أنّ الجوّ العامّ فوق منطقة واسعة في شمالي ما بين النهرين وسوريا في غضون القرون الأولى من الفترة المسيحية كان في صالح تصوّر معبود مركزي تصحبه إلهة صغرى أقلّ منه. وفي بعض الأماكن – ومنها بيت حور – كان بعل شامين يعبد “كزعيم الإلهة” حتّى القرن الخامس. أمّا في حرّان فقد استمرّ مدّة أطول بكثير.

الرها وصورها الفسيفسائية

وأيّاً يكن الأمر فإنّنا قبل أن نعالج موضوع حرّان, علينا أن ندرس بعمق أكثر بعض الممارسات الدينية التي كان يمارسها وثنيّو الرها. فالبيّنة على العبادة القديمة لترعاثا أو اتارغاتس أي عشتاروت, إلهة الخصب، بإمكاننا أن نجدها في برك السمك الولود الذي عاش حتّى اليوم. والراهبة الحاجّة التي زارت المدينة في القرنين الخامس والسادس وصفت السمك بأنّه يلمع بنضارة وحيوية، ولعمري هو كذلك حتّى اليوم. وهو لا يؤكل حتّى اليوم أبداً. وعلامة أخرى لمذهب ترعاثا, ربّما نستطيع أن نجدها في الوريقة التي يحملها في يده اليمنى الشخص المركزي في “صورة العائلة” الفسيفسائية في الرها. فالصورة الفسيفسائية التي وُجدت في سنة 1952 غير مؤرّخة, ولكنّها بالتأكيد تخصّ القرن الثاني أو الثالث الميلادي. وهذا الرسم نفسه يمكننا أن نجده في الصورة الفسيفسائية “الركيزة الثلاثية الأرجل” التي وُجدت في سنة 1956 وهي أيضاً غير مؤرّخة. وهنا نجد أنّ وريقة الزهرة موضوعة على مبخرة. وهذه الوريقة تظهر أيضاً في منحوتات من الحَضر.
إنّ وثنيي الرها اعتقدوا في حياة قادمة. فالكتابة المكتوبة في الطرف السفلي من الفسيفسائية “الركيزة الثلاثية الأرجل” تنتهي بهذه الكلمات “ليحصل على حياة طيّبة في الآخرة” والبعث هو موضوع فسيفسائية “العنقاء” التي وُجدت في سنة 1956 ومؤرّخة في سنة 235-236، وتصوّر القبر في شكل الأركوسورليا التقليدية في المغاور الصخرية الرهاوية. هناك فوق القبر عمود متوّج بإكليل- ونتذكّر هنا العمود المقدّس في سوماتار. ويعلو الإكليل طير العنقاء, رمز تجدّد الحياة.

نحت نافر من تدمر (مقبرة تحت الأرض في أتيناتان سنة 229م). إنّ الشخص المتّكئ، وشخوص النساء المتجمّعة في الخلفية يشبهان إلى حـدّ كبير فسيفسائية “الأريكة الجنائزية” في الرها.

إنّ المنحوتات النافرة في ثلاثة قبور كهفية في الرها تظهر الموضوع الجنائزي وهي شبيهة بمنحوتات تدمر. فالرجل المتوفّي يتّكئ وأحد كوعيه يستريح على وسادة. وهذا هو أيضاً موضوع فسيفسائية “الأريكة الجنّائزية” في الرها والتي وُجدت أيضاً في سنة 1956 وهي مؤرّخة سنة 277-278م. هناك رجل يمسك في يده اليسرى بكأس مقدّسة لشرب الخمر, وحوله زوجته وأولاده: أحدهم يمسك بمنديل وآخر بصندوق توابل وملحقات كمالية أخرى في جنازة رهاوي وثني. هي مصوّرة فسيفسائية “الركيزة الثلاثية الأرجل” والشيء المركزي الموضوع على ركيزة ثلاثية الأرجل هو لحرق البخور، وامرأة تقدّم شيئاً يبدو أنّه زهرة, ورجل يمسك قبّعة (قد تكون قبّعة رسمية للدولة).

داود وقيثارته، من جدار من الصلاحية. وهذه قد تمثّل شكلاً آخر من أشكال أسطورة أورفيوس

موضوع آخر في فسيفسائية رهاوية نجده في فسيفسائية “أورفيوس” التي وُجدت في سنة 1956 والمؤرّخة 227-228م, وهي أحد المواضيع المتكرّرة في تحليلنا للدين الحرّاني. يصوّر المنشد الشاعر جالساً وقيثارته في يده, وحوله أسد ومعزاة وعصافير في هيئة وادعة طيّعة لائقة. وعلينا ألاّ نندهش أن نقابل أورفيوس في الرها, لأنّه في تاريخها كلّه كان المواطنون الرهاويون يحبّون الرقص والغناء والشعر. وعلاوة على هذا فقد كان موضوع أورفيوس في القرن الثالث قد اكتسب أتباعاً لا يُستهان بهم في الأقاليم الرومانية الشرقية. وبإمكاننا أن نجد موضوع أورفيوس في أشكال مختلفة أحدها في صورة داود في الكنيس في الصلاحية. وأكثر أهمّية من هذا قصّة حياة الإمبراطور ألكسندر سيفيروس, وهو سرياني الأصل, التي تخبرنا أنّ تماثيل النصف الأعلى لإبراهيم ويسوع, وأبولينوس الطيَّاني الفيلسوف, وأورفيوس وقفت الواحد منها بجانب الآخر في معبده الخـاصّ. وكان ألكسندر سيفيروس قد نودي به إمبراطوراً في سنة 222م قبل خمس سنوات من عمل هذه الفسيفسائية في الرها, ولقد مرّ هو نفسه في منطقة الرها في سنة 231 م في طريقه إلى الشرق.
إنّ التركيب الواسع للمذاهب والاعتقادات التي كان ألكسندر نصيرها تظهر انعكاساتها في الفلسفة المتحرّرة لمدرسة برديصان الرهاوي الذي ذكرناه آنفاً. وُلد برديصان وثنياً، ولكنّه اعتنق المسيحية وكتب ضدّ الهراطقة, ومهما يكن فإنّه بعدئذٍ لاقى مقاومة عنيفة من رجال الكنيسة لبثّه لما اعتبره آراء غنوصية: وبعد مرور قرن من موته هاجمه القدّيس أفرام صراحة: “دعنا نصلّي من أجل برديصان الذي فارق هذه الحياة وثنياً – وحشد من العفاريت في قلبه, وربّنا على شفتيه”.
إنّنا نجد بيّنة أخرى على اعتقادات غنوصية في الرها في الكتابة الفريدة على حجر قبري وهي غامضة, وُجدت هناك قبل نحو خمسين سنة.
“إنّه طيّب مكان راحة شلمان بن كوكب. لقد أجابوك ونادوك, وأنت أجبتهم أولئك الذين لمستهم. لقد رأيت العلو والعمق، البعيد والقريب، الخفي والظاهر, وهم يعرفون جيّداً فائدة حساباتك”.
لقد رأينا وثنيّي شمالي ما بين النهرين, إنّهم كانوا تابعين مخلِصين في عبادتهم للكواكب في أثناء القرون الأولى من العصر المسيحي, وكان لديهم أيضـاً ميل ظاهر نحو فكرة إله واحد فرد – سواء كان وحيداً فوق الآلهة الأخرى, أو الأوّل بين أقرانه فقط, وكما لاحظنا سابقاً, من المعالم الأثرية الباقية أنّ الوثنيين في الرها اعتقدوا في حياة ثانية بعد الموت. وجميع الساكنين في هذه المنطقة كانوا يتكلّمون السريانية. ولهذا فإذا كان تفسير كلمة صابئة يعني أنّهم شعب صوبة – ولأنّهم يتكلّمون السريانية – وتقبل على هذا التفسير، فيكون هذا تبريراً بأنّ صابئة القرآن الكريم هم الوثنيون الساميون في شمالي ما بين النهرين.
يمكننا أن نطبّق هذا التعريف بصورة أقوى على سكّان حرّان. ولقد كانوا في معظمهم ساميين, وعلى نحوٍ أدقّ آراميين, ويعبدون الكواكب. وعلاوة على ذلك فإنّ كتابات نابونائيد ترفع سين فوق الآلهة الأخرى, إنّه “ملك آلهة السماء والأرض وأعظم الآلهة”. والشاهد على هذه الفكرة العالمية ليس عرضياً, وتبرهن عليه كتابات نابونائيد في أور, فهناك يرفع سين “كربّ آلهة السماء والأرض ملك الآلهة”. هناك سبب آخر للتمسّك بنظرية أنّ الوثنيين الحرّانيين هم ممثّلو الاعتقادات العالمية ومناصروها, فالقرآن الكريم يستعمل اصطلاحاً حنيفاً للشخص الذي يؤمن بإله واحد قبل ظهور اليهودية والمسيحية – أي قبل موسى ويسوع وفي رأي النبيّ محمّد بن عبد الله أنّ الحنيف الحقيقي كان إبراهيم, وحرّان في زمن النبيّ محمّد كانت منذ زمن طويل مركز الحنفيين السريان, وحرّان كانت موطن إبراهيم. وكلمة حنيف بمقياس معيّن, هي رديف لكلمة صابئي, والصابئي هو العضو في هذه الطائفة الدينية, والحنيف هو الذي يعترف بعقائدها.
إنّنا سنكتشف في هذه الدراسة في ما بعد أن الحرّانيين كان لهم كتاب مقدّس خطير يُدعى كتاب الحنفاء يعترفون فيه بأنبياء معيّنين. ويبدو أنّ الكتاب اهتمّ بالطقوس وليس بالأخلاق والقوانين. والأنبياء كانوا أسطوريين أكثر من أن يكونوا بشراً. ولكنّ الحرّانيين أرضوا الحالات التي يطلبها الإسلام للاعتراف بهم كطائفة تنال التسامح الديني, ويمكن التساؤل هنا لماذا اضطربوا وتلعثموا عندما سألهم الخليفة المأمون وطلب منهم إثبات هويّتهم؟ ويمكن تقديم عدّة أسباب هنا. فقبل عشرين سنة من زيارة الخليفة كان الحرّانيون قد نالوا الموافقة الرسمية من قِبل حاكم حرّان على ممارسة طقوسهم. إنّ عدم موافقة المأمون الفجائية أخذتهم على غرة فاضطربوا. وعلاوة على هذا فقد كان الحرّانيون الوثنيون يتكلّمون السريانية, ولجهلهم اللغة العربية وكلام الخليفة التجأوا إلى قاضٍ مسلم. وهذا يدفعنا إلى الافتراض بأنّ ذلك كان السبب في اضطرابهم, ولكنّ الإيضاح الأكثر احتمالاً هو أنّ الحرّانيين عند مقابلة الخليفة المأمون اضطربوا لعدم رغبتهم في عرض كتابهم وأسرارهم المقدّسة أمام عيون الغرباء.

الصابئة من خلال عيون المسلمين
منذ القرن العاشر وما بعد اهتمّ جامعو الكتب القديمة, ومعظمهم مسلمون, باعتقادات الصابئة وعاداتهم, ولم يقبلوا كلّهم مساواة الصابئة بوثنيي حرّان – سنعود إلى هذه المشكلة في ما بعد. كان عالم الوثنية قد تقلّص كثيراً ومناطق واسعة لم تصلها المسيحية كانت قد تحوّلت إلى الاعتقاد بإله واحد بواسطة الإسلام. فجمع الكتّاب المسلمون في جعبتهم الذي نعتوه بصابئة كلّ ما استطاعوا أن يجدوه من الكتابات المختلفة – من اليونان والمصريين القدماء حتّى الهند والصين المعاصرتين. ولم يكن من السهل على الصابئة أن يناهضوا هذه التلميحات. ولكنّهم كطائفة دينية قليلة كانوا منشغلين في صراع دائم لكي يحافظوا على وجودهم كطائفة. إنّ دين الصابئةلم يكن ذلك الدين الذي يستطيع أن ينال قبولاً عامّاً. وكذلك يبدو أنّهم لم يحاولوا أن يقوموا بأيّ جهد لكسب معتقدين جدد لمذهبهم الذي كان يدور بصورة كبيرة حول أسرارهم. حتّى إنّ لغتهم السريانية كانت لغة سرّية على معظم جيرانهم المسلمين. وما كتبه الكتّاب الصابئة عن الدين الصابئي لم يدم. إنّ الحكايات التي بقيت ترينا الصابئة من خلال عيون الذين ينتقصونهم، المسلمين والمسيحيين واليهود، والذين كانوا يبرزون تلك التفاصيل التي يمارسها الصابئة وتثير عداء قارئيها واشمئزازهم, تحتوي على مزاعم من الواضح أنّها غير محتملة. ولكنّ هذا لن يدهشنا، لأنّ مزاعم كهذه قيلت عن اليهود بأنّهم يقومون بطقوس القتل في مراسيمهم. واليهود أقلّية بالإمكان أن تطال أكثر من الصابئة. وكانت هذه المزاعم موضوعاً يتكرّر في آسيا وأوروبا حتّى القرن العشرين.
حكاية مختصرة عن اعتقادات الصابئة يعطينا إيّاها كاتب من القرن التاسع هو أحمد ابن الطيّب, يدّعي بأنّ الصابئة يعتقدون بأنّ هناك قوّة فائقة وحيدة وأبدية كانت السبب الأوّل في خلق الكون. وهي فوق متناول البشر ولا يستطيع أحد عبادتها. وأوكلت هذه القوّة (التي هي الله) إدارة الكون إلى الكواكب التي تفصح عن قدرته الفائقة. وعلاوة على هذا, فإنّه أرسل أنبياء – أشهرهم هو راني (وثمّة كتّاب آخرون يسقطون هذا الاسم) وأغاثوديمون (الذي يجعله كتّاب آخرون مساوياً لشيث وأورفيوس – ويقدّم إلينا كما نذكر في الصورة الفسيفسائية في الرها، وهرميس (الذي يساويه آخرون بإدريس وإينوخ) ليقود البشرية. أمّا نظريات الصابئة حول هذا المعبود وماهيته وحول ظواهره الطبيعية, وحول الروح والأحلام, فإنّها تعيد إطلاق النظريات التي اقترحها أرسطو, ويخبرنا معاصر لأحمد ابن الطيّب أنّ الكواكب آلهة, بعضها ذكر وبعضها أنثى. بعضها صالح وخيّر وبعضها الآخر شرّير بعواطف وشهوات كالبشر.
يعلمنا أحمد ابن الطيّب أنّ الصابئة كانوا متّحدين في اعتقاداتهم, وليس لهم ضغائن حزبية في ما بينهم, ولكنّ كاتباً آخر من القرن نفسه يخبرنا – باحتمال كبير – عن جماعتين منشقّتين: إحداهما تدعى الرفوصية وأتباعها لا يلبسون حليّ للزينة, ويتمسّكون بتقديم أضاحي الخنازير بوقار. أمّا أعضاء الجماعة الثانية فلا يخرجون من بيوتهم أبداً, ويحلقون رؤوسهم حلاقة تامّة.
إنّ هؤلاء الصابئة المزعومين من غير المحتمل أن يكونوا وثنيي حرّان. إنّ الصور الفسيفسائية في الرها تصوّر الكثير من المجوهرات والزينة بصورة بارزة على الأزياء النسائية. وكان الخنـزير حيواناً ممنوعاً كما أنّ الحرّانيين كانوا يطيلون شعورهم. وثمّة مصدر آخر في ما بعد: المسعودي وهو مدقّق نفّاذ البصيرة, لقد زارحرّان في القرن العاشر وهو يستعمل اصطلاح صابئي على الوثنيين في اتّساع دائم, إنّه يكتب حقّاً عن صابئة حرّان وأولئك الصابئة الذين يصفهم بالقيمريين. ويعلن أنّ الأوّلين هم يونان, ويتبعون أشكالاً انتقائية من الفلسفة, أمّا الآخرون فهم المانديون أو الصبّة (وسنناقش أمرهم في ما بعد )، وهم يعيشون قرب البصرة وواسط. ويجب أن نقرّ بأنّ المسعودي يناقض نفسه ويدّعي في إحدى عباراته أنّ مؤسّس الجماعتين الصابئتين كان بوذاساف (بوذا ) الذي يعتقد – كما نخبَر في مكان آخر- أنّه أتى من الهند. وفي مكان آخر يكتب عن أربعة أصناف من الصابئة: الكلدانيين الذين هم المانديون, والصينيين الذين يتبعون بوذاساف، واليونان والرومان والمصريين الذين يعيشون في حرّان. ويقدّم كتّاب متأخّرون نظريات غير محتملة إطلاقاً.
ومع ذلك كلّه فإنّنا نستطيع أن نصل إلى خطّ معقول لهذه المعتقدات. ولقد رأينا أنّ الصابئة يوجّهون صلواتهم إلى كائنات روحية يعتقدون أنّها تقوم بدَور الوسيط ما بين البشر والمعبود الخالق. وهذه الكائنات تسكن وتسيّر الكواكب التي هي في اعتقادهم بمثابة الروح من الجسد. ونشاط الكائنات الروحية ينتج الحركة في الفضاء, وهذه، بدَورها، تخلق الأشياء المادّية: الأشجار والحيوانات والبشر. والمادّة رديئة بالطبيعة, والكائنات البشرية لها تحاملاتها وعواطفها، ولكنّها بتأثير الكائنات الروحية فقط تمنح الحبّ والوداعة, والمعرفة والشفاء. ولذلك رفض الصابئة التعليم الإسلامي (الذي يدعوه الشهرستاني بالحنفي) والذي مفاده أنّ نبيّاً من البشر يستطيع التوسّط بين الإنسان والمعبود السامي. والصابئة لا تؤمن بالبعث بالمعنى التقليدي, ويعتقدون أنّه في كلّ 36.425 سنة يُخلق نظام جديد من البشر.

الطقوس اليومية
إنّ الصابئي العادي لم يكن ليستطيع أن يسيّر حياته بمبادئ عامّة من الفلسفة الراقية, فالقدّاس الحرّاني كان يتبع طقوساً معقّدة, تعبد الأصنام في الهياكل كممثّلين للكواكب البعيدة وعلى الغالب غير مرئية أيضاً. أيّاً يكن الأمر, فقد كان هنالك هياكل ليس للكواكب السبعة فقط, بل هيكل للعلّة الأولى, والعقل الأوّل, ونظام الكون، والحاجة والروح، وجميع هذه الهياكل كانت مستديرة. ويعلن المصدر الذي اعتمدنا عليه أنَّ لكلِّ كوكب هيكلاً له شكل معيّن – وهذا يذكّرنا بالعمارات في سوماتار هارابيسي – وكلّ هيكل يعكس أفكار تلك الأوقات عن اللون والمعدن الفريد الخاصّ بكلّ كوكب واليوم البارز في الأسبوع. إنّ ترتيب الهيكل ونظامه وعلو الأصنام كان يتطابق مع بُعد ذلك الكوكب عن الأرض. فكان هيكل زحل مسدّساً وأسود، وتمثاله من الرصاص، ويومه السبت. وكان هيكل المشتري مثلّثاً أخضر، وتمثاله من التنك، ويومه الخميس. وكان هيكل المرّيخ مستطيلاً (أو مربّعاً)، ولونه أحمر، وتمثاله من الحديد، ويومه الثلاثاء. هيكل الشمس كان مربّعاً، تمثاله من الذهب، ويومه الأحد. أمّا هيكل الزهرة فربّما كان مثلّثاً داخل شكل مستطيل، ولم يكن له لون معين. تمثال عطارد كان من الطين، ويومه الأربعاء. وكان هيكل القمر، على أغلب الظنّ مثمّناً، وتمثاله من الفضّة، ويومه الاثنين.
نحن لا نعرف أين كانت هذه الهياكل قائمة في حرّان – ما عدا هيكل القمر، وسنذكره في ما بعد – وكانت هناك خارج حرّان قريتان إحداهما تدعى ترعوز، بوّابة الزهرة، والأخرى تُدعى سلامين، صنم سين الذي كان يحتفل به السكّان الصابئة الورعون في القرنين التاسع والعاشر. الاسم الثاني يذكّرنا باسم القرية الحديثة ساينمعارة، شرقي سوماتار وعلى جبال التكتك، حيث يمكننا أن نشاهد مذبحاً ومجموعة كبيرة من الأبنية الخربة. ربّما كان هنا موقع هيكل القمر الذي كان يُدعى كادي. من الواضح أنّ الأسطورة مشكوك في صحّتها (أبوكريفا)، وتقول إنّ صنم الماء فرّ إلى الهند، ولكن بعد الرجاء الحارّ قَبِلَ أن يرجع. فهذا الهيكل كان شهيراً باحتفالات هامّة، شهرية وسنوية، واحتفالات صابئية أخرى كانت تُقام سنوياً في هيكل سين وتُدعى سيني.
كان الحرّانيون يتّجهون في صلواتهم نحو الشمال (وكتّاب آخرون يقولون, وهذا احتمال قليل, نحو الجنوب). وكانوا يصلّون كلّ يوم عند شروق الشمس، وفي الظهر والمساء, وكانت هناك صلوات زائدة عن المطلوب أيضاً. وكانوا يغتسلون قبل الصلاة.
كانت التنظيمات بخصوص الصلوات صارمة. وكانت التعليمات تُعطى للمتعبّدين: “إذا كنت تريد توجيه الصلاة لكوكب معيّن وتطلب شيئاً, أوّلاً املأ كِيانك بمخافة الله العلي القدير, ونقِّ قلبك من الأفكار الشريرة وثيابك من الأوساخ واجعلْ روحك طاهرة نقيَّة, وتأمَّل إلى أيّ كواكب من الكواكب السبعة عليك أن توجِّه طلبك, وأيّ منها تنطبق مع شخصيّتك ثمّ البس ثيابك ووجِّه صلاتك إلى ذلك النجم عندما يصل مكانه في النطاق الذي سوف أدلّك عليه. فإذا عملت هذا فإنّ طلبك سيُستجاب وستحصل على النعمة التي ترغب فيها”.
إنّ لكلّ كوكب من الكواكب تأثيراً على فئة خاصّة من الأشخاص – فزحل له تأثير على الأشخاص ذوي السلطة، والمشتري على الحكماء والفلاسفة, والزهرة على النساء والأطفال والفنّانين, وعطارد على رجال العلم, والقمر على الذين يعتنون بالنباتات والجوّالين. وكان لكلّ كوكب طباعه أيضاً. فكان زحل والمريخ بوجه خاصّ, مؤذيين شرّيرين. والوقت المناسب الصحيح للصلاة كان يتعيّن بملاحظة موقع الكوكب من السماء. وطالب الدعاء عليه أن يلبس النموذج والكون اللائق بذلك الكوكب، ففي الصلاة للمشتري, يجب على مقدّم الدعاء أن يلاحظ ويلبس لباس الخنفاء حول عنقه – ويقدّم البخور بموجب عبارة معيّنة, فبخور زحل يحتوي على الأفيون وجمجمة قطّة سوداء. أمّا البخور المقدَّم إلى المريخ فيحتوي على دم بشري. والبخور المقدَّم للشمس والقمر يُدعى علىالتوالي بخور الخنفاء الأكبر, وبخور الخنفاء الأصغر, ولدينا بيان بأنّ الصلوات لكلّ كوكب, واسم ملاكه الخاصّ وتسميته السحرية, وضحيته المنتقاة للتضحية. فزحل يطلب تضحية تيس, والمشتري يطلب حملاً أبيض, وعطارد يطلب ديكاً أبيض, والقمر يطلب عجلاً صغيراً.
كان التقويم الحرّاني قمرياً شمسياً. وكما في كلّ مكان من الشرق الأدنى القديم كان يضبط بسلسلة من اثني عشر شهراً قمرياً – والشهر القمري يتكوّن من 29 يوماً و12ساعة و44 دقيقة و 2.8 ثانية – في مدار السنة الاستوائية بإقحام شهر إضافي كلّ سنتين أو ثلاث. ولقد بقي شهران فقط من الأشهر الخاصّة بحرّان. أحدهما يُدعى “شهر التمر- أو التاريخ Date month ” وهو اسم شهر الربيع الذي كانت السنة تُفتح به. والآخر يُدعى “شهر زعيم الثناء” ويتزامن مع شهر كانون الثاني. وربّما كان يتبع انتخاب زعيم الطائفة.
كان شهر الربيع يهلّ بعد صيام ثلاثين يوماً وينتهي في اليوم الثامن من ذلك الشهر. وكان يحتفل بالقمر البدر لشهر الربيع بسرّ من الأسرار. وهكذا أيضاً كان يُحتفل بالقمر البدر في الشهر الأقرب إلى الاعتدال الربيعي. وكان يتميّز بتقدمات مهيبة من الطعام والخمر وأضاحٍ للأموات. وعند اكتمال القمر الأقرب إلى الاعتدال الصيفي, كانت النساء تنوح على تمّوز, إنّه إله الخصب الشابّ الذي كانت عظامه, بموجب الأسطورة, تطحن بين حجرَي الرحى, فهذا النموذج من تبدّل الفصول كان يعكس في جمع ضريبة الرأس (الفرد) للخزينة الحرّانية (الذي أشرنا إليه سابقاً) في أشهر الصيف.
كانت المهرجانات جميعها تتميّز بأضاحٍ وافرة يحتفل بها في معابد خارج حرّان. أحدها في الثامن والعشرين من نيسان, في هذه المناسبة يُضحّى ثور إلى الإله هرميز وتقدمات إلى “ربّ الساعات”. وفي الثالث من أيلول كان الحرّانيون يستحمّون بالسرّ في ماء ساخن ممزوج بالطرفاء والشمع, وأكواز الصنوبر, والزيت والسكّر. وكان هذا الاحتفال يتمّ قبل شروق الشمس, ثمّ يقدّمون أضحية ويشربون سبع كؤوس كبيرة من الخمر. وفي اليوم السادس والعشرين من هذا الشهر كانوا يُقيمون مهرجان الحبل. وكانت النساء اللواتي قُمنَ بنذور يوصلنَ بفروج مشاعل ملتهبة. فإذا كان الفروج قد احترق قبل المشعل، كنّ يعتقدنَ أنّ نذرهنّ قد استجيب وقَبِله “ربّ الحظّ”. وفي بداية شهر كانون الأوّل كانت النساء يحتفلنَ بمهرجان أُقيم للزهرة وحوريات الماء خارج حرّان. وكان يُقام تمثال الإلهة على قاعدة رخامية في خيمة, ثمّ يأتي المحتفلون بالثمار والأزهار والأعشاب والضحايا الحيوانية.
جنباً إلى التقويم القمري والشمسي الديني الذي كان يفتتح في الربيع من الظاهر أنّ الحرّانيين كانوا يختلفون بسنة مدنية تبتدئ في كانون الثاني. وكان رئيس الكهنة يقف على منصّة في آخر يوم من أيّام الشهر الماضي, والمنصّة موضوعة على رأس درجات تسع ويضرب كلّ شخص بغصن من شجرة الطرفاء وهذا طقس محبوب من طقوس الخصاب. ثمّ كان الكاهن يصلّي من أجل طول الحياة والتكاثر والقوّة وتقدّم الطائفة. ثمّ يستنـزل اللعنات وخراب العمارات في حرّان حيث كانت في يوم من الأيّام هياكل فينوس – والمسجد الكبير وكنيسة البيزنطيين وسوق النساء.

الأسرار المقدّسة في حرّان الوثنية
أيّاً يكن الأمر, فإنّ الطقوس المركزية في حرّان الوثنية, كانت الأسرار المقدّسة. وكان يحتفل بها بصورة رئيسيّة لشامال “ربّ الجنّ” وربّما هو معبود الشمال يتوجّه نحوه الحرّانيون في صلاتهم وقد اعتقدوا بأنّه مصدر الحكمة والقوة. ومن الممكن أنّه في اليوم 27 من كلّ شهر, يخرج المتعبّدون إلى معبد الكادي ليضحّوا للقمر. وفي اليوم التالي يحرقون الحيوانات للمريخ في فسطاط من القرميد المشوي والمبني في شكل مخروطي. من المؤكّد أنّ هذه الأسرار المقدّسة كانت تُقام في اليوم 27 من الأشهر حزيران وتمّوز وأيلول وكانون الثاني. بعض هذه الأسرار كان لها مزايا خاصّة, وفي شهر كانون الثاني الذي كان يُدعى “يوم ميلاد الربّ” كان، كما أعلمونا، بالقمر. وكانت المناسبة تتميّز بإحراق أغصان السرو وتُدعى دادي – فالاسم والطقس يذكرنا بمهرجانات دِدْ التي كانت تُقام لأوزيريس في مصر القديمة, والتي لها نظيرها في مناطق أخرى من الشرق الأدنى القديم, وفي حزيران كان هذا السرّ المقدّس يوجّه إلى “الإله الذي يجعل السهام أن تنطلق..”. وكان الكاهن يطلق سهاماً في الهواء مربوطة بمشاعل مشتعلة ومقطوعة من أخشاب حرّان. وكان يزحف بعدئذٍ ليُعيد إليها السهام, فإذا كان المشعل لا يزال مشتعلاً كان يحسب فألاً حسناً.
هناك خمس خلاصات من صيغ أسرار مقدّسة حرّانية ما زالت باقية. ولكن لسوء الحظّ, فإنّها محرَّفة ومشوَّهة. والمترجم من السريانية كان يعرف القليل من العربية – وربّما أيضاً,كان عازفاً عن أن يبوح بكلمات الطقس السرّي المقدّس. إنّ كلمات طقسين من هذه الأسرار المقدّسة, الثاني والخامس كاملة بصورة معقولة, ولكن في عبارات الافتتاح والنهاية فقط. ففي كلمات الطقس السرّي الثاني – وهي موجّهة إلى الشيطان والأصنام – يهتف الكاهن: “ألم أعطكَ ما سلّمته لي؟” فيجيبه الفتى المترهّب: “للكلاب والغربان والنمل”. ويسأل الكاهن: “فماذا يجب علينا أن نفعل بخصوص الكلاب والغربان والنمل؟”. فيجيبه الفتى: “أيّها الكاهن! إنَّهم إخوتنا. الربّ منتصر وإنّنا نحتفل بهذه الطقوس السرّية المقدّسة له”. وكان الطقس السرّي المقدّس ينتهي بهذه الصيغة: “كالحملان في القطيع, والعجول في الماشية. والشباب بين الرجال.. الذين يصلّون ويدخلون بيت البغداريون, بيت المنتصر – نحن نحتفل بطقوسه السرّية المقدّسة”. أمّا الطقس السرّي الخامس، فينفتح بهتاف الكاهن: “يا ابن البغداريون, اسمع !”. فيجيب الفتيان المترهّبون: “نحن قانعون”، فيقول الكاهن : “اصمتوا !”، فيجيبه الآخرون: “نحن سامعون”، فيعلّق الكاهن بعدئذٍ: “اسمعوا إنّي أقول ما أعرف, ولن أهمل شيئاً”. وينتهي الطقس السرّي المقدّس بالصيغة كما في نهاية الطقوس الأخرى: “الذين يمضون إلى بيت البغداريون, ربّنا هو المنتصر وله نحتفل بهذا الطقس السرّي المقدّس”.
من الواضح أنّ هذا الاحتفال بهذا الطقس السرّي المقدّس كان يدوم سبعة أيّام. وفي هذه الأثناء كان الكاهن يعلن 22كلمة وهو ينشد بارتعاش. أمّا الفتيان المترهّبون فلم يكن لأيّ امرأة أن تراهم. كانوا يأكلون ويشربون هناك, ويلطّخون أعينهم بالشراب ثمّ يأخذون خبزاً وملحاً ويشاركون في (أكل) الخبز والفروج. وكان الشراب يخزّن في زاوية. ويقول المترهّبون للكاهن: “يا سيّدنا، دعِ الشيء الغريب أن يعلن”، فيجيبهم: “دعوا الطاسات تملأ بالأسرار المقدّسة, ودعوا ما بقي بأن يجمع”.

حرّان القديمة

إنَّ كساء الرأس العالي هذا هو لنساء حرّان ويظهر في التمثال النصفي لامرأة تُدعى شلماث (إلى اليسار). إنّ مبشِّراً بريطانياً صوّر كساءَ رأس لثوب مشابهاً (إلى اليمين) عندما زار حرّان قبل قرن من الزمان
وبالطبع نحن لا نستطيع إعادة بناء هذه الطقوس السرّية, ويخبرنا أحد الكتّاب, أنّه ليس هناك صابئي واحد يرغب في أن يكشف لنا هذه الأسرار حتّى ولو هجر دينه. ولكنّ الضوء أُلقي عليها عن طريق الكتابات المنقوشة في سوماتار التي أفصحنا لكم عنها. وإنّه من المعقول أن نساوي البودار في سوماتار ببغداريون حرّان – أيّاً كان يعني هذا الاسم, ويبدو أنّ وظيفة البودار كانت تُنقل من شخصيّة مرموقة إلى أخرى. ففي شباط سنة 165كان تيرادتييس الحاكم قد انتفى خليفته في سوماتار. وربّما (كلمة ) تطعم, في نصّ سوماتار تعني ضمناً طقس إطعام كالمترهّبين في حرّان. ومن الواضح أنّ رمز البودار كان كرسياً. وفي الحقّ أنّه قيل إنّ الزعماء الحرّانيين في القرن السابع كانوا يحتفظون بمقعد. وكان من الواضح أنّه كان يُسلّم من بودار إلى بودار. وإذا انقطعت هذه السلسلة من التسليم يسقط العمود الموضوع على المقعد. ويظهر النصّ في سوماتار أنّه ربّما باستطاعتنا أن نُعرّف شاملاً حرّان بمارإلاها سوماتار.
لقد كُتب الكثير عن الضحايا البشرية بين الحرّانيين. ففي اليوم الثامن من آب عند عصر الخمر الجديدة على شرف الإلهة, يقال إنّهم كانوا يضحّون بطفل ذكر وُلد جديداً, يضيفون إلى جسده الطحين والزعفران والناردين وكبش القرنفل والزيت كطعام عندما يحتفلون بطقوسهم السرّية (وأيّاً يكن, فإنّ أحد الكتاب يعلن أنّ هذه التضحية كانت تنجز عندما تكون الأرض خمس درجات في صعود أو على العكس). وهذا الزعم يجب أن يرفض، وبخاصّة في العصر الإسلامي. فالدمشقي في القرن الرابع عشر يذهب بعيداً إلى درجة أنّه يعلن أنّ الضحيّة البشرية ظهرت في طقوس الصابئة الموجّهة إلى كلّ كوكب في ما عدا زحل الذي كان يقدّم له ثور. وفي هذا ما فيه الكفاية من الأهمّية. ويدّعي بأنّه كان يضحّي للمشتري بطفل مولود من امرأة مشتراة. (وفي اللغة العربية هذا الكوكب يُدعى المشتري) ووالدة الطفل تضحّي للشمس ويضحّي للمريخ رجل أحمر الشعر. وللزهرة امرأة بيضاء الشعر, ولعطارد شابّ مثقّف, وللقمر رجل أشقر, إنّ هذا الكلام لا يمكن أن يؤخذ جدّياً. فذوق الدمشقي للرعب يظهر في حكايته أنّ صنم المريخ يحمل رأساً دامياً في يد واحدة, ولكنّنا نعلم من كاتب سبقه أنّ هذا كان مشعلاً متّقداً, وليس رأساً بشرياً.
ثمّة حكايات عن رأس بشري مقطوع يتكلّم بالوحي في الهياكل الحرّانية. حكاية واحدة في كلّ من القرن الثامن والتاسع والعاشر. ولكنّ هذه الحكايات تختلف في التفاصيل. فإحدى الحكايات تدّعي أنّ الرأس كان مكرّساً لعطارد وأخرى للمريخ, في حين أنّ حكاية ثالثة تقول إنّ الاحتفال كان يجري في هيكل القمر. ويعلن البيروني أنّ الصابئة كانوا يضحّون الأطفال لزحل. ويكتب في مكان آخر قائلاً إنّ الصابئة كانت شهرتهم شنيعة بسبب تضحياتهم البشرية, ولكن، حالياً، لا يسمح لهم بإقامتها علانية. ويمكننا أن نتساءل: هل كانت هذه الطقوس تُقام في العصر المسيحي؟ باستثناء واحد مشكوك فيه, ليس هناك كاتب أحداث مسيحي واحد يحكم على الحرّانيين الوثنيين بهذه الإهانة. هناك إيضاح عن الكتّاب المسلمين وتقاريرهم الساذجة الذي قد نجده في التاريخ السرياني لابن العبري الذي جمع من مصادر أقدم. في القرن التاسع سمح إبراهيم حاكم حرّان للحرّانيين أن يُقيموا طقوسهم السرّية المقدّسة علناً. ويقصّ علينا كاتب الأحداث متأفّفاً أنّهم كانوا يقودون في موكب ثوراً مزيّناً بأكاليل الورود والأجراس يصحبه مغنّون وموسيقيون. ثمّ يُضحّى به بعد هذا بمهابة. من الواضح أنّ هذا الثور كان الضحيّة التي تُقدّم إلى زحل الذي يخبرنا عنه الدمشقي. ونقرأ عنه في مكان آخر، كان أسود اللون بصورة كاملة – وهو لون غير عادي في الأضاحي الحرّانية.كان يطعم بعشب تقطفه العذارى عند شروق الشمس, ويسحب بسلسلة ذهبية وسط الصلوات، والبخور يحترق أمامه, ويساق مكان التضحية. كان رأسه يلطّخ بالخمر والملح ثمّ يقطَّع وتفحص أعضاؤه للفأل. فبإمكاننا أن نجد هنا في أصل الحكايات عن الضحايا البشرية التي توضع في حمّام من زيت السمسم وتطعم التين لمدّة سنة كاملة. وبعد هذا تقول الرواية, يتكلّم الرأس, هذا الرأس المقطوع ينصح الصابئة مدّة سنة كاملة – ورواية أخرى تقول أسبوعاً واحداً – بخصوص أمورهم العلمية والاقتصادية. هذه الحكايات تستمدّ من مثل حرّاني شعبي. يقول المثل “هو في الزيت” أي إنّه في ضيق. وهذا ينطبق تماماً على عبارة “تحضير الرأس” وهي عبارة معروفة شائعة بين الكيمائيين.
أمّا هل كان هناك دجل في طقوس الحرّانيين؟ فهذا يفصح عنه ضمناً وصف العذاب الطويل الذي كان الفتى طالب الترهّب الجديد يخضع له, ونقرأ عن أربع قناطر تحت هيكل نُصبت فيه أصنام في شكل أجرام سماوية, كانت عيون الشباب تُغطّى بعصابة, ويلبسون خفّاً صُنع من جلد ضحايا بالتقدمات, ويتوّجون بأكاليل الصفصاف. وبينما هم جالسون كانوا يسمعون أصواتاً مفزعة من آلات نحاسية, والأضواء تومض في الظلمة, ثمّ تُزال العصبة عن عيونهم, ويُغمى عليهم. أمّا المسعودي المؤرّخ فلا يقول شيئاً عن هذا. ويكشف أنَّ الكلمات المفزعة والأصوات لم تكن من الأصنام ؟ بل من كهنة الهيكل الذين يستعملون منافيخ وراء الجدران. هذه هي الأسرار الطقسيّة التي يصفها شاعر صابئي: “الأشياء الغريبة, هيكل يقام على قناطر, وفيه يبجلون النجوم، وفيه أصنامهم ونذورهم للغائبين…”.

العادات والأزياء
إنّنا نعرف شيئاً من العادات الاجتماعية في حرّان. فهم لم يكونوا يختبئون، وكانوا يعتنون في تجنّب الأشخاص المصابين بالبرص, أو أيّة أمراض معدية أخرى. فبعد التنجّس بأيّ شكل من الأشكال كانوا يغتسلون بالنطرون, وكانوا يعتبرون أنّ التناسل هو الغرض الوحيد من الزواج. ومع ذلك فهم لم يمارسوا تعدّد الزوجات. والاحتفال بالزواج كان ينجز أمام شهود. والزواج بين الأقرباء كان ممنوعاً. ولم يكن يمنح الطلاق إلاّ بعد إثبات واضح بأنّ تصرّفاً معيباً قد ظهر. والمرأة المطلّقة لا تستطيع الزواج من زوجها السابق.
كانت المرأة في حرّان الوثنية تتمتّع بالمساواة مع الرجل قانونياً. ومنـزلة المرأة واضحة من النصب الباقية في الرها القديمة. إنّ بعض الكتابات القبرية تُحْيي ذكرى المرأة، وشلماث ملكة الرها تمَّ إحياء ذكرها بتمثال فوق أحد العمودين الكورنثيين اللذين لا يزالان قائمين على جبل القلعة في أورفا. اختفى التمثال, ولكنّ الكتابة السريانية المنقوشة على العمود ما زالت باقية حتّى اليوم. والتمثالان الحجريان الوحيدان اللذان في أورفا هما لامرأتين. والنسوة يبدونَ في شكل بارز في الصور الفسيفسائية في الرها. فقلائدهنّ الذهبية, والأنواط (البروشات) التي يتزيّنّ بها, ثمّ تقاطيعهنّ الوادعة تدلّ على سموّ منـزلتهنّ. نحن نستطيع أن نقتفي أثر تغيير الزيّ في لباس الرأس للمرأة. ففي الصورة الفسيفسائية “صورة العائلة” (كما في صورة فسيفسائية أخرى هي خربة الآن) هناك فتاة تضع ثلاثة أمشاط في شعرها, ولكنّ خالتها وجدتّها تلبسان قبّعتين عاليتين مع عصا كما يتبيّن على كلّ منهما. وهكذا أيضاً، تلبس سيّدة في الصورة الفسيفسائية “الأريكة الجنائزية”. أمّا العائلة الأقلّ ثراء في الصورة الفسيفسائية “الركيزة الثلاثية الأرجل” فإنّ قبّعة المرأة أقلّ علواً, ونجد قبّعة مختلفة في تمثال نصفي لامرأة تدعى شلماث. فهذا النموذج من القبّعات يشبه لباس الرأس الذي تلبسه النساء الكرديات في أورفا اليوم.
كان الحرّانيون يأكلون اللحم فقط عندما يكون الحيوان مذبوحاً وفق الترتيبات الطقسية وقطع الوريد الوداجي والمريء. هذا الأسلوب شبيه بالذي يتّبعه المسلمون. وكان هناك كثير من النقاش بين المسلمين فيما إذا كان مسموحاً لهم أكل اللحم الذي تقدّمه الصابئة. وكانت هناك أجناس كثيرة من الحيوانات ممنوع أكلها على الحرّانيين أكثر من المسلمين. ولم تكن الكلاب والخنازير ممنوعة فقط، بل الجِمال أيضاً. واعتقد الحرّانيون بأنّ حظّاً سيّئاً سيلحق بهم إذا مرّوا تحت الضان الأنفي للجمل, وكان عليهم ألاّ يأكلوا السمك والحمام وفراخ الدجاج (الفراريج). ويُقال إنّ إبراهيم بن هلال الصابئي أمين السرّ الشهير كان يمنع من أكل هذه اللحوم عندما يكون مدعوّاً على مائدة الوزير، وكان الوزير يحثّه قائلاً: “لا تدع يبرد,كُلْ من هذه الفاصوليا معنا”. فيجيبه الصابئي “يا سيّدي الوزير, لن أعصى الله في أكل طعامي” وذلك لأنّ الفول والثوم ممنوعان على الصابئة. وبعضهم كان يمتنع عن أكل اللوبياء والقنبيط والملفوف والعدس, ويُقال إنّ هذه القواعد قد استمدّت من اعتبارات طبّية.
يبدو أنّه كان للحرّانيين ولع بالخمر. فعصر الخمر الجديد كان مناسبة سنوية لإحياء البهجة الدينية وكان الخمر يظهر بين التقدمات للأموات وفي مهرجان الخريف عندما يكون القمر بدراً. وتصور الصورة الفسيفسائية “الأريكة الجنّائزية” الرجل المتوفّى ممسكاً بكأس من الخمر. وكان الخمر يسكب على الضحايا الحيوانية وقت التضحية, ومع ذلك, فإنّ الاعتدال في المشروبات المسكرة كان لدى الصابئة يُعتبر فضيلة. وأيّم الحقّ, فإنّ إبراهيم بن هلال الصابئي نظم أبياتاً من الشعر في مزايا الخمر الجيّدة – ولكنّه كان مديناً في تقدّمه لاعتداله في شرب الخمر. وكان مرّة في حفلة شرب على مائدة الوزير مع أصدقاء آخرين عندما وصل رسول من قِبل الخليفة يطلب منه أن يرسل فوراً رسالة إلى حاكم بعض الأقاليم. وكان إبراهيم الوحيد الذي يستطيع أن يتمالك نفسه ويكتب وثيقة مناسبة، ما أثار إعجاب أصحابه.
كانت الحجب والتعاويذ تستعمل بصورة واسعة في طقوس حرّان. فكان الأولاد والنساء الحوامل يحملون الجناح الأيسر لفرخ الدجاج (الفروج) بعد أن يجرّد من اللحم. وكان للخواتم التي تحفر عليها صور الحيوانات اعتبار عظيم عندهم. يسأل أحد كتّابنا لماذا؟ فيجيب الحرّانيون: في اعتقادهم أنّهم يصادفون هذه الحيوانات في قبور موتاهم الذين ماتوا منذ زمن بعيد, و أنّهم سيكسبون نعمة الله بواسطتهم. وهذا يشير إلى الخواتم التي يلبسها الأموات, ولكنّها ربّما تشير إلى صور الحيوانات في القبور. بعض هذه الحيوانات مصوّر في الصورة الفسيفسائية “أورفيوس”. وفي صورة فسيفسائية أخرى من الرها والتي أسميتها “فسيفسائية الحيوان” كان القسم المركزي منها قد خرب بصورة كبيرة, ولكنّ الحيوانات في أطنافها ممثّلة بفنّ حيوي, ويمكننا أن نتصوّر الحرّانيين وهم يحفرون صوراً على خواتمهم ليكسبوا البَرَكة المنبعثة من الأموات.
لقد عانى الصابئة بعض العجز في صِلاتهم بجيرانهم المسلمين. فمنع بعض رجال الدين المسلمين المسلم من الاختلاط بالزواج من الحرّانيات, ومنعوه من الأكل معهم أيضاً. ولكن بعضهم سمحوابه. وتراكم عزل الصابئة بفعل تنظيماتهم الخاصّة بالصلوات والمهرجانات, وقيودهم على الطعام ونتيجة لهذا أوجب الإخلاص للطائفة الصابئة التي كانت لها متطلّبات على أعضائها. ومع ذلك, فإنّ الصابئة الذين توصّلوا إلى مراكز مرموقة في عالم العلم والأدب حافظوا على علاقتهم مع متشيّعيهم.

الثقافة والعلوم، منجزات الصابئة

لقد اكتسب الصابئة الشهرة في حقول الفلك والطبّ والعلوم بوجه خاصّ. فالطوائف المتكلّمة بالسريانية, سواء أكانوا مسيحيين أو وثنيين, تلقّوا ونقلوا علوم اليونان والبابليين إلى العالم الإسلامي ومن ثمّ إلى أوروبا. ولكنّ الحفاظ على طقوس الصابئة الملائمة بكلّ دقائقها تطلّب معرفة تامّة بظاهرة الطقوس التي لم تكن مطلباً في ممارسة المسيحية. وربط معادن معيّنة بكواكب فردية الذي كان شائعاً بين الصابئة له شبيه في الأبحاث اليونانية. إنّ معرفة المسافة التقريبية الخاصّة بالكواكب من الأرض استمدّها الصابئة من اليونان. تبعاً لهذا خصّصوا كلّ يوم من أيّام الأسبوع لكوكب بترتيب زحل, والشمس, والقمر, والمريخ, وعطارد, والمشتري, والزهرة, وبعد هذا قام الصابئة بمهمّتهم البارزة للعلم المعاصر. أمّا مدى مساهمتهم فيمكن تمييزها في أيّ تحليل عامّ للحضارة الإسلامية.
إنّ أوّل صابئي أحرز شهرة بارزة هو ثابت بن قرّة الذي من المحتمل أنّه وُلد في حرّان في نحو سنة 836م – أي بعد ستّ سنوات من زيارة المأمون لحرّان. وبعد أن رجع من دراسته في بغداد دخل ثابت في صراع مع السلطات الصابئية في حرّان. وعلمنا أنّه مُنع من دخول هياكلهم. ونتيجة لهذا ارتدّ وتخلّى عنهم. وبعد حين توتّرت علاقاته بالطائفة فانسحب نهائياً من حرّان. وعُيّن في ما بعد كفلكي للخليفة في بغداد. وهناك صرف معظم حياته. وعلمنا أنّ علاقته كانت طيّبة جداً مع الخليفة المعتضد بالله. وكان له وحده فقط الحقّ في الجلوس في حضرته، في حين أنّ الوزير نفسه كان يقف. كان ثابت غزير الترجمة والكتابة, ومقالاته وأبحاثه – التي كانت تتألّف من الميتافيزيقيا والتاريخ والموسيقى والتنجيم والطبّ والرياضيات والفلك – كان لها تأثير كبير على الفكر المعاصر. وكان قد أسّس طائفة صابئية في بغداد وقاد شؤونها. ومن الواضح أنّ مقالات ثابت عن اعتقادات الصابئة وطقوسهم لم يُكتب لها البقاء.
توفّي ثابت سنة 901م، وكان قد أسّس عائلة من التقاليد الثقافيّة امتدّت لأكثر من قرنين من الزمان. أمّا ابنه سنان بنوع خاصّ فقد كان طبيباً للخليفة, وأقام عدّة مستشفيات. إنّ إنجازات الصابئة لم تكن مقتصرة على الطبّ فقط, كان سنان فلكياً, وفيلسوفاً, ومؤرِّخاً أيضاً, وكان شهيراً بإنسانيّته الكبيرة وتسامحه. اعتنق الإسلام رغماً عن إرادته. ولكنّ أولاده ظلّوا صابئة. هم أيضاً أحرزوا شهرة في حقول العلم نفسها.
هناك عائلة صابئية شهيرة أخرى انحدرت من طبيب حرّاني كانت قد استقرّت حوالي الرقّة. وكان ابناه الاثنان طبيبين معروفين جيّداً في بغداد. أمّا حفيده فقد كان إبراهيم بن هلال الشهير الذي أشرنا إليه سابقاً. كان أمين سرّ البلاط في القرن العاشر, وكانت له عدّة مواهب: شاعر وناثر ومؤرّخ ورياضي وفلكي. وكان صابئياً ورعاً مخلصاً. وكسب التسامح لطوائف الصابئة في جميع أنحاء الإمبراطورية. وفي الحقّ أنّه رفض منصب وزير ولم يهجر معتقده,لم يترك بغداد خوفاً من أن تقاسي طائفته في غيابه, وجعل نفسه نموذجاً لفضائل الصابئة وهي كبح النفس، والخدمة والتواضع والتسامح. وكان يعرف القرآن جيّداً, ولم يكن يضيره أن يصوم في أثناء رمضان. وكان ابنه وحفيده كاتبين معروفين. وقد حاز حفيده على رتبة عالية كأمين سرّ ولكن يبدو أنّه اعتنق الإسلام.
وكان الصابئي محمّد بن جابر البتّاني الذي توفّي سنة 929م سريانياً صابئياً وواحداً من أعظم الفلكيين والرياضيين في كلّ زمان ومكان.كان يعيش في بغداد, وكان لقوائمه الفلكية وأعماله عن تقدّم الاعتدالين وعن مدار الكواكب وعن كسوف الشمس وخسوف القمر لها في أعين الأوروبيين وجميع أنحاء الشرق اعتباراً عالياً – وكما هي, حقيقة، حتّى اليوم.
إنّ هذا التقدّم والازدهار في الثقافة والعلم الصابئي في بغداد والمراكز الأخرى من الإمبراطورية الإسلامية ووجود فلكيين ورياضيين وأطبّاء وكتّاب صابئة آخرين لا مجالَ لذكرهم هنا – أمورٌ كانت لها نتائج وخيمة على حرّان. إنّ أبرز أبنائها تركوها, ثمّ انحطّت وتدهورت سريعاً, وانتشرت هالة من الغموض حول المكان. وتكلّم الناس عن هياكل بشرية متحجّرة في الجبال المجاورة. وراجت حكايةسارّة في بيزنطية عن سيّدةسريانية شُفيت من عقمها بواسطة حجر اعتقد أنّه من بئر يعقوب في حرّان. ولم يكن الحجر من هناك. ونسمع من بلاد الفرس أنّ شمّاساً مسيحياً تثقّف في حرّان وتعلّم هناك أن يخدم الشيطان, ثمّ ارتدّ ورفض أن يضحّي بفرخي دجاج لسيّده الشيطان. فاعتقد تلاميذه أنّ (الشيطان) قتله. وكان البلاط يعرف شهرة الحرّانيين الكيمائيين فهناك قصّة حول راهب من حرّان حصل علىترقية سريعة لمنصب أسقف او حتّى منصب بطريركي بتدخّل شخصي من الخليفة, ولكنَّ الراهب كان قد اخذ على عاتقه لكي يبرّر هذه الترقية أن يحوّل المعدن الرخيص إلى ذهب, ولكنّ العمليّة لم تكلّل بالنجاح, ولم يعش طويلاً بعد ذلك.
وتدهورت حالة حرّان, فكانت ضحية خصومات مهلكة بين قوّاد عسكريين سذج ما بين القرن العاشر والثاني عشر. وفي القرن الحادي عشر كان الهيكل الصابئي الذي بُني مكان الهيكل الذي تمَّ تدميره ليفسح في المكان لبناء مسجد في بداية الاحتلال الإسلامي, قد دمّر هو أيضاً. ولكنّ بعض البنايات البديعة التي بنيت على أماكن هياكل صابئية كانت ما زالت قائمة ورآها الرحّالة الإسباني ابن جبير في نهاية القرن الثاني عشر.
“كان لحرّان أسواق منسّقة تنسيقاً بديعاً ومركّبة بصورة فريدة. وكانت جميعها مسقوفة بالخشب ولم يكن الناس يخرجون من الظلّ الطويل أبداً. ترى نفسك وأنت تمرّ فيها. وكأنّك تمشي في أروقة طويلة داخل البيوت.. ومسجد المدينة الكبير, وهو قديم مرمّم, جماله منقطع النظير.. ولم نرَ مسجداً أقواسه واسعة من قبل مثل هذا قطّ. أمّا جمال بناء هذا المسجد وترتيب الأسواق حوله فرأينا فيها مشهداً بديعاً وتناسقاً في التصميم قلّما تراه في المدن..
وحرّان.. مدينة كبيرة, بأسوار ضخمة وقويّة.. ولها قلعة متينة في الجانب الشرقي منها وجدران القلعة نفسها محصّنة تحصيناً قويّاً..”.
وبعد قرن من الزمان لدينا وصف موجز لبوّابات حرّان وشوارعها. في إحدى القلاع كانت توجد تماثيل نحاسية للجنّ كطلسم للأفاعي. وكان ثابت بن قرّة الصابئي قد كتب بحثاً عن التماثيل الصغيرة كواقية من الأفاعي, ولا تزال قلعة حرّان قائمة على مكان هيكل صابئي مستدير، ولكن، بعد بضع سنين دمّر المغول هذا المكان الذي يعدّ آخر ما تبقّى من مكان عبادة الصابئة. واختفى الصابئة من حرّان.
وحرّان اليوم تحتفظ بآثار من ماضيها المنوّع, والشكر للمجهود الذي يبذله الأركيولوجيون وأخصّهم الدكتور ستورم رايس Dr. storm Rice . فالأطلال المهيبة للمسجد الكبير تسيطر على مشهد الريف, والنحت على جدران القلعة يخصّ الفترة الإسلامية. وتذكّرنا الأسوار الحجرية ذات الصناعة الحثيّة بتاريخ المدينة القديم. وكذلك البئر الذي سحب منها يعقوب الماء لسقاية قطيع لابان (تكوين 10/29). وبين هاتين الفترتين المتباعدتين من تاريخ حرّان تقف البقايا الأثرية الصابئية القليلة بحلقة الاتصال. فخرائب القلعة, حيث انتصب آخر هيكل صابئي، لا تزال موجودة. وفي الحفريات التي جرت في مكان المسجد ظهر معبد قد يكون مكان عبادة صابئي وأسطورة الوالي المسلم المحلّي, حياة الحرّاني, الذي يقال عنه إنّه كان له اتّصال بالهند, تذكّرنا باتّصالات الصابئة بالهند, وحتّى الشكل الفريد للأكواخ التي هي على شكل خليّة النحل في قرية حرّان الحديثة تذكّرنا بالبيت الذي كان مبنيّاً من القرميد المشوي على شكل مخروطي ويذهب إليه الصابئة للتضحية للمريخ.

نحت حجري لأسد من صنع حثّي من أطلال قلعة حرّان.
إنّ هذا النحت النافر والمنحوتات النافرة الأخرى يذكّراننا بفترة أقدم من تاريخ المدينة

في أطلال قلعة حرّان ما زال بإمكاننا أن نرى منحوتات بديعة من العصر الإسلامي
كما في هذا الحفر النافر لكلبين موثوقين بمقودين

المانديون – صابئة اليوم ؟

لقد تمسّك بعضهم بالقول إنّ الصابئة ما زالوا عائشين حتّى اليوم, ليس في حرّان، بل في أغلب الأحوال, في مستنقعات المراكز الهامّة السفلى من نهري دجلة والفرات. هنا يعيش الصبّة, أو المانديون (وربّما هو اصطلاح سرياني يعني الغنوصيين). وكان لقبهم القديم نازاريين, ودعاهم الرحّالة بالخطأ “مسيحيي القدّيس يوحنّا”. فأعضاء هذه الشيعة الغريبة هم، بصورة رئيسيّة، يبنون المراكب ومهنيون في صناعة الفضّة والذهب, ولا يبلغ تعدادهم اليوم أكثر من بضعة آلاف. وكالأقلّيات المنـزوية الأخرى في هذه المنطقة المنهكة بالوطنية. هم يسيرون حثيثاً إلى الزوال.
يعتقد المانديون أنّ العالم العلوي يمثّله ملك النُور العظيم, الحياة العظيمة. وهناك كائنات روحية لا تُحصى أصغر منه, بعضها يمنح الخير وبعضها شيطاني. خلقت الأرض من مياه سود. أمّا الفلك والكواكب السبعة فهي من أعمال الأرواح الشريرة, و”معرفة الحياة” والقوى المانحة النُور تسعى لقيادة الرجال والنساء إلى عمل الصالحات. أمّا الكواكب وأرواح الحياة المادّية فتحرّضها على ارتكاب الخطأ بواسطة اليهودية والمسيحية والإسلامية وأديان كاذبة أخرى. إنّ معلّم المانديين كان يوحنّا المعمدان الذي تعمّد هو نفسه عندما كان يافعاً بواسطة “معرفة الحياة”، فالذين لهم حياة صالحة فسيجتازون بعد موتهم إلى عالم النُور, أمّا الآخرون فسيقاسون العذاب, ولكن حتّى أعظمهم شرّاً فسيتطهّر في المعمودية العظمى في نهاية العالم – العماد في المياه الجارية، التي يُطلق عليها المانديون اسم” ياردنا” (ربّما لها صلة بنهر الأردن) – وهو أعظم سرّ مقدّس ومميّز عند المانديين, ومنه يستمدّون اسم صبّة. إنّهم يقومون بعماد بسيط قبل كلّ الاحتفالات الدينية، وقبل شروق الشمس. فيجب أن تزال بالتغطيس في الماء ثلاث مرّات كلّ حالة غير طاهرة. أمّا الكهنة فيقومون بطقوس العماد المعقّدة المتطلّبة. وشكل السرّ المقدّس الثاني هو وجبة السمك المقدّسة, والرمّان, وجوز الهند, والأثمار والمكسّرات أخرى. والمناسبات الدينية المقدّسة تتميّز أيضاً بشرب الماء المقدّس وأكل الخبز المقدّس وَسَا (عجين على شكل قضيب الرجل). إنّ حرق البخور وتضحية الأغنام والحمام هي تضحيات أخرىمرافقة للاحتفالات الدينية, ولو أنّ المانديين هم عزوفون عن ذبح الحيوانات. والمانديون يشيّدون هم أنفسهم كوخ مذهبهم ويسمّونه (ماندي) ويبنونه من القصب والطين على جانب مياه جارية. وهو كوخ مستطيل الشكل منبسط السقف يسمّونه (انديرونا) ويستعملونه للأعراس وتكريس الكهنة.
أمّا طقوس العماد والوجبات المقدّسة فتنجز في النقاط الحاسمة من حياة الماندي الذي يقوم بهذه الطقوس: في يوم الميلاد, ويوم الزواج, والموت. وهذا الأخير هو أعظمها مهابة, لأنّ اعتقاد الماندي في الحياة الأخرى يقوده إلى القيام بتفاصيل دقيقة من الطقوس عند الموت والجنازة. إنّ الاحتفالات الرسمية يقوم بها الكهنة وهم يلبسون ثيابهم وعلاماتهم المميّزة من عمامة وعصبة وإكليل الآس (نبات عطري) والصولجان, والخاتم الذهبي, وفي مناسبات معيّنة، خاتماً حديدياً وعليه صورة حيوان معيّن (كما بين الصابئة) لأسد أو عقرب أو نحلة او أفعى. وكالصابئة فإنّ تنصيب كاهن جديد يدوم سبعة أيّام. وفي كلّ يوم تُعطى له ثلاث كلمات سرّية. أمّا في احتفالات أسرار الصابئة المقدّسة فكانت تلفظ بمهابة 22 كلمة.
المانديون كالصابئة يعتقدون أنّ كلّ يوم وكلّ ساعة من الأسبوع هي تحت تأثير كوكب من الكواكب. وهم لا يباشرون مشروعاً هامّاً بإرادتهم إلاّ إذا كان الحظّ مؤاتياً. وسنتهم تتكوّن من اثني عشر شهراً، في كلّ منها ثلاثون يوماً, يتبعها خمسة أيّام منحوسة هي الأيّام التي تضاف إلى السنة القمرية. وفي رأس السنة يسهرون في البيت 36 ساعة، لأنّهم يعتقدون أنّ أرواح النُور تفارق هذا العالم لتهنّئ الكائن السامي بذكرى الخليقة. والسنة الجديدة تميّز بإعادة بناء الكوخ المذهبي, وذلك بتحضير الطعام وبالعماد. ومن بين الصيغ التي يتفوّه بها المحتفلون عبارة شبيهة بتلك التي يتفوّه بها الحرّانيون عند قيامهم بإحياء أسرارهم المقدّسة “اسألْ وجِدْ، تكلّم وأصغِ “. والحرّانيون عبدوا الكواكب, في حين أنّ ابتهال الماندبين يتضمّن إنكاراً رسمياً لقوّة الشمس والقمر.
وكما بين الصابئة, يُسمح للنساء المانديات باقتناء الأملاك ووراثتها. والطلاق لا يعترف به, ولا يتوقّع للمرأة المتزوّجة أن تتزوّج ثانية. ولكنّها في الواقع تستطيع ذلك, والرجل يستطيع أن يتزوّج من النساء كما يشاء. ويستطيع الماندي أن يأكل كلّ نبتة تنتج بذراً. وتؤكل الخضار بحرّية شريطة أن تُغسل أوّلاً. ويجب أن تُذبح الحيوانات وفق أساليب طقسيّة, ولكن ممنوع أكل الطيور الجارحة, والطيور التي تأكل السمك أو السمك الذي لا حراشـفَ له, ولحم الجمل, والخيل, والخنازير, والكلاب، والأرانب, والقطط.
فهل المانديون هم نسل الحرّانيين؟ وهل هم الصابئة الحقيقيون الذين اغتصب الحرّانيون اسمهم ؟ بموجب تقليدهم الخاصّ: نشأ المانديون في فلسطين, ثمّ ذهبوا إلى المنفى، إلى حرّان أوّلاً ثمّ استقرّوا في ما بين النهرين. ولكنّ تاريخ المانديين يقع على حدود الأسطورة ولو أنّ بعض حكايات المانديين ترجع إلى بدايات الإسلام أو حتّى أقدم, إلاّ أنّ جمعهم كان بعد هذا بكثير. أجل, إنّ لغة المانديين شبيهة بلغة الحرّانيين السريانية. ولقد رأينا أيضاً النقاط المعزولة في الشبه بين احتفالات المانديين والصابئة – في صيغ الأسرار المقدّسة, والاحتفال بتنصيب الكهنة, واستعمال الخواتم المحفورة بصور الحيوانات، وقد يكون الشبه بمحض الصدفة. والمذهب الحرّاني مبني على عبادة الكواكب. أمّا في كتب المانديين القديمة فتعتبر الكواكب حاقدة. والماندية تحتوي على الكثير ممّا هو فارسي في الأصل, في حين أنّ هناك آثاراً طفيفة من التأثير الفارسي في حرّان. والمانديون يستعملون تقويماً شمسياً, أمّا تقويم حرّان فقد كان قمرياً شمسياً. ولكنّ الأكثر أهمّية هو العماد، السرّ المقدّس المركزي بين المانديين, في حين أنّ له دوراً ثانوياً صغيراً في حرّان، ولا يمكن أن تكون له أهمّية كبيرة هناك ما دام أنّ حرّان كانت تعاني دومـاً من شحّ في المياه.
نحن نستطيع أن نخمّن فقط أصل المانديين وهويّة الصابئة. أمّا مؤرّخ القرون الوسطى وثقافتها فيقول: “إنّ الله يعرف خيراً من الكلّ”.