الفلسفة والاسلام

Posted by on Aug 31, 2017 in Library | Comments Off on الفلسفة والاسلام

الفلسفة والاسلام

لقد استعار الإسلام في الفلسفة كما استعار في الطب من بلاد الشام المسيحية ما خلفته بلاد اليونان الوثنية , ثم رد هذا الدين إلى أوربا المسيحية عن طريق الأندلس الإسلامية . وكانت هناك بطبيعة الحال عوامل كثيرة هي التي أدت مجتمعة إلى ثورة المعتزلة وإلى فلسفات الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد . وكان للآراء الزرادشتية واليهودية عن الحشر والحساب بعض الأثر في الفلسفة الإسلامية وكان الملاحدة المسيحيون قد أثاروا عجاج الجدل في بلاد الشرق الأدنى في صفات الله وفي طبيعة المسيح وكلمة الله وفي الجبرية والقدرية والوحي والعقل . لكن العامل الذي كان له أكبر الأثر غي التفكير الإسلامي في آسية – كما كان له أكبر الأثر في إيطاليا أيام النهضة – هو كشف آثار اليونان الفكرية من جديد فقد أدى هذا الكشف – وإن أتى عن طريق التراجم الناقصة المعيبة لنصوص مشكوك في صحتها – إلى ظهور عالم جديد: عالم كان الناس يفكرون فيه في كل شيء ولا يخشون أن يصيبهم أذى بسبب هذا التفكير ولا تقيد عقولهم نصوص الكتب المقدسة ولا يرون أن السماء والأرض وما بينهما قد خلقت عبثاً أو أنها وجدت بمعجزة من المعجزات التي لا تستند إلى قانون من قوانين العقل بل يرون أنها تستند إلى قانون عام عظيم يحكمها جميعاً وتتضح آثاره في كل جزء من أجزاء الكون . وقد افتتن المسلمون بالمنطق اليوناني في صورته الكاملة الواضحة التي جاء بها كتاب أورغانون (الآلة الفكرية) لأرسطو بعد أن أتيح لهم الفراغ الذي لا بد منه للتفكير ووجدوا فيهِ الأدوات التي يحتاجونها لتفكيرهم وظل المسلمون ثلاثة قرون طوال يحاجون بالمنطق وتسلب لبهم بهجة الفلسفة المحببة كما سلبت لب الشباب في أيام أفلاطون . وسرعان ما أخذ صرح العقائد التعسفية يتصدع وينهار كما انهارت العقائد اليونانية بتأثير بلاغة السوفسطائيين وكما ضعفت العقائد المسيحية وتزعزعت قواعدها تحت ضربات أصحاب الموسوعات الفرنسيين وسخرية فلتير اللاذعة .

وكانت البداية التقريبية للعهد الذي نستطيع أن نسميه عهد الاستنارة الإسلامية هي الجدل الذي ثار حول موضوع عجيب هو موضوع خلق القرآن . ذلك أن عقيدة فيلون في الكلمة وقوله إنها حكمة الله الأبدية وما جاء بهِ الإنجيل الرابع من أن المسيح هو كلمة الله أو العقل القدسي : ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله . هذا كان في البدء عند الله كل شيء به كان وبغيرهِ لم يكن شيء مما كان ” . وعقيدة المسيحيين العارفين وأتباع الأفلاطونية الحديثة الذين يجسدون الحكمة الإلهية يقولون إنها هي أداة الخلق الفعالة وعقيدة اليهود في أزلية التوراة – كل هذه الآراء قد أوجدت عند المسلمين السنيين عقيدة مماثلة تقول إن القرآن كان على الدوام موجوداً في عقل الله وإن نزوله على محمد كان هو دون غيره حادثاً في زمان معين وكانت نشأة الفلسفة في الإسلام على يد المعتزلة الذين ينكرون قدم القرآن وهم يجهزون باحترامهم لكتاب الله (الكريم) ولكنهم يقولون إنه إذا تعارض هو أو الحديث مع العقل وجب ألا يفسر تفسيراً حرفياً بل مجازياً وأطلقوا على يد هذه الجهود التي يحاولون بها التوفيق بين العقل والدين اسم الكلام أي المنطق . وقد بدا لهم أن من السخف أن تؤخذ بحرفيتها العبارات الواردة في القرآن والتي تقول إن لله يدين وقدمين وإنه يغضب ويكره وقالوا إن تشبيه الله بالكائنات البشرية على هذا النحو الشعري إذا كان يتفق مع أغراض النبي الأخلاقية والسياسية في أيام الرسالة لا يمكن أن يقبله المتعلمون المستنيرون في أيامهم وإن العقل البشري عاجز كل العجز عن معرفة طبيعة الله وصفاته وكل ما يستطيعه أن يقبل ما جاء به الدين من إثبات وجود قوة روحية عليا هي أساس الحقائق عامة . وفضلاً عن هذا فقد كان المعتزلة يرون أن الخطر الشديد على أخلاق الناس وأعمالهم أ يؤمنوا كما يؤمن عامة المسلمين بأن الحادثات كلها مقدرة تقديراً كاملاً من عند الله وأن الله قد اختار منذ الأزل من سيثاب ومن سيعذب .

وانتشرت عقائد المعتزلة بهذه الصورة وبما أدخل عليها من الصور الأخرى التي يخطئها الحصرأثناء خلافة المنصور وهارون الرشيد والمأمون واعتنق هذه المبادئ العقلية الجديدة سِرَّاًً في بادئ الأمر عدد من العلماء والخارجين على الدين ثم جهز بها رجال في ندوة الخلفاء المسائية ثم وجدت من يدعو إليها في المحاضرات التي تلقى في المدارس والمساجد بل تغلبت في أماكن متفرقة على غيرها من الآراء . وافتتن المأمون نفسه بهذه النزعة العقلية الآخذة في القوة وبسط عليها حمايته وانتهى الأمر بأن جعل عقائد المعتزلة مذهب الدولة الرسمي . ذلك المأمون مزج بعض عادات الملكية الشرقية بآخر الآراء الإسلامية المستمدة من الثقافة اليونانية وأصدر في عام 832 أمراً يفرض فيه على جميع المسلمين أن يعتقدوا بأن القرآن قد خلق في وقت بعينهِ وأتبع هذا بأمر آخر يقضي بألا يعين قاضياً في المحاكم من لا يعلن قبولهُ لهذه العقيدة الجديدة أو أن تقبل فيها شهادتهُ وصدرت بعد هذين القرارين قرارات أخرى تحتم قبول عقيدة حرية الإرادة وعجز النفس البشرية عن رؤية الله رأى العين وانتهى الأمر بأن جعل رفض هذه العقائد من الجرائم التي يعاقب مرتكبها بالإعدام .

وتوفي المأمون في عام 833 ولكن المعتصم والواثق اللذين توليا الخلافة بعده واصلا هذه الحملة الفكرية وقاوم الإمام ابن حنبل هذا الاضطهاد الفكري وندد بهِ ولما استدعي لمناقشته في أمر المبادئ الجديدة أجاب عن كل ما وجه إليه من الأسئلة بإيراد شواهد من القرآن تؤيد آراء أهل السنة فضرب حتى أغمي عليهِ وألقي في السجن ولكنه أصبح في أعين المسلمين بسبب هذا التعذيب من الشهداء والأولياء الصالحين وكان تعذيبه هذا من العوامل التي مهدت السبيل للانتفاض على الفلسفة الإسلامية .

وكانت هذه الفلسفة قد أخرجت في ذلك الوقت أول داعٍ كبير لها وهو أبو يوسف يعقوب بن إسحق الكندي الذي ولد في الكوفة عام 803 م . وكان والد الكندي من ولاة الأعمال في المدينة وتلقى هو العلم فيها وفي بغداد وذاعت شهرته في الترجمة والعلم والفلسفة في بلاط المأمون والمعتصم ونبغ مثل الكثيرين من أمثاله في مجد الإسلام الفكري في عدد كبير من العلوم فدرس كل شيء وكتب 265 رسالة في كل شيء – في الحساب والهندسة النظرية والهيئة والظواهر الجوية وتقويم البلدان والطبيعة والسياسة والموسيقى والطب والفلسفة . . . وكان يرى ما يراه أفلاطون من أنه ليس في وسع إنسان أن يصبح فيلسوفاً من غير أن يكون قبل ذلك عالماً في الرياضة وحاول أن يبني علم الصحة والطب والموسيقى على نسب رياضية . وقددرس فيما درس ظاهرة المد والجزر وبحث القوانين التي تحدد سرعة الأجسام الساقطة في الهواء كما بحث ظاهرة الضوء في كتابهِ عن البصريات الذي كان له أكبر الأثر في روجر بيكن (وقد أدهش الكندي العالم الإسلامي برسالتهِ في الدفاع عن المسيحية) واشترك هو وزميل له في ترجمة كتاب أرسطو في الإلهيات (أوثولوجيا) . وتأثر الكندي أشد التأثر بهذا الكتاب المنحول وسره كل السرور أن يوفق بين أرسطو وأفلاطون إذ يجعل كليهما من أتباع الأفلاطونية الجديدة .

ذلك أن فلسفة الكندي نفسه هي الأفلاطونية الجديدة مصبوغة صبغة جديدة : فالنفس عنده ثلاث مراتب : الله ونفس العالم الخلاقة والنفس البشرية التي هي فيض من هذه النفس الثانية .

وإذا استطاع الإنسان أن يدرب نفسه على العلم الحق استطاع أن ينال الحرية والخلود . ويلوح أن الكندي قد حاول ما استطاع أن يبتعد عن آراء المعتزلة وأن يعتنق آراء أهل السنة ولكنه أخذ عن أرسطو التفرقة بين العقل الفاعل أي العقل الإلهي وعقل الإنسان المنفعل الذي لا يعدو أن يكون هو القدرة على التفكير . ونقل ابن سينا هذا التفريق إلى ابن رشد الذي أثار بهِ العالم واتخذ حجة ضد القائلين بالخلود الفردي . وانتهى الكندي بالانضمام إلى المعتزلة فلما قام عليهم أهل السنة صودرت كتبهُ وكاد يقضى على حياتهِ ولكنه نجا من هذه العاصفة واسترد مكتبتهُ وعاش حتى عام 873 .

إن المجتمع الذي يرتبط فيه نظام الحكم والقانون والأخلاق بالعقيدة الدينية يرى كل خروج على تلك العقيدة تهديداً خطيراً للنظام الاجتماعي نفسه . ولقد عادت إلى النشاط من جديد جميع القوى التي طغى عليها الفتح العربي وهي الفلسفة اليونانية والمسيحية والغنوسطية والقومية الفارسية والشيوعية المزدكية وكان نشاطها عنيفاً فأخذت تجادل في القرآن وجهر شاعر فارسي بأن شعره أعلى منزلة من القرآن نفسه فكان جزاؤه على قولهِ هذا قطع رأسهُ وبدا أن صرح الإسلام القائم على القرآن قد أصبح وشيك الانهيار . غير أن عوامل ثلاثة في هذه الأزمة الشديدة جعلت النصر النهائي لأهل السنة: وهذه العوامل هي وجود خليفة محافظ مستمسك بدينهِ واشتداد ساعد الحرس التركي وولاء الناس الطبيعي لعقائدهم الموروثة . فلما أن تولى المتوكل على الله الخلافة في عام 847 استمد العون من الشعب ومن الأتراك . وكان الترك حديثي العهد بالإسلام حاقدين على الفرس غريبين عن الفكر اليوناني فاندفعوا بكل ما فيهم من قوة لتأييد السياسة التي ترمي إلى نصرة الدين بحد السيف . فنقض المتوكل السياسة الحرة العنيفة التي جرى عليها المأمون وألغى ما أصدره فيها من المراسيم وأخرج المعتزلة وغيرهم من الملحدين عن مناصب الدولة والوظائف التعليمية وحرم الجهر بالآراء المخالفة لآراء أهل السنة في الأدب والفلسفة وسَنَّ قانوناً يحتم القول بأن القرآن أزلي غير مخلوق واضطهِد الشيعة وهُدم مشهد الحسين في كربلاء . وجدد المتوكل الأمر المعزو إلى عمر بن الخطاب ضد المسيحيين والذي وسعه هارون الرشيد حتى شمل اليهود ثم أهمل العمل بهِ بعد صدورهِ جدد المتوكل هذا الأمر ففرض على اليهود والمسيحيين أن يلبسوا ثياباً من لون خاص تميزهم من غيرهم من أفراد الشعب وأن يضعوا رقعاً ملونة على أكمام أثواب عبيدهم وألا يركبوا غير البغال والحمير وأن يثبتوا صوراً خشبية للشيطان على أبواب بيوتهم وأمر بهدم جميع الكنائس والمعابد المسيحية واليهودية الجديدة وحرم رفع الصليب علناً في المواكب المسيحية ولم يسمح لمسيحي أو يهودي أن يتلقى العلم في المدارس الإسلامية .

واتخذ رد الفعل في الجيل التالي صورة أقل عنفاً من هذه الصورة السابق وصفها . فقد قام جماعة من العلماء السنيين وجهروا في شجاعة بقبول حكم المنطق في الجدل القائم وعرضوا أن يثبتوا بالرجوع إلى العقل صدق العقائد الأصلية . وهؤلاء المتكلمون (المناطقة) في الإسلام يشبهون الفلاسفة المدرسين في أوربا في العصور الوسطى وقد حاولوا أن يوفقوا بين العقائد الدينية والفلسفة اليونانية كما حاول ابن ميمون ذلك في القرن الثاني عشر بالنسبة لليهود وتومس أكوناس في القرن الثالث عشر بالنسبة للمسيحية . وظل أبو الحسن الأشعري (873 – 935) يعلم الناس مبادئ المعتزلة نحو عشر سنين في البصرة ولكنه انقلب عليهم حين بلغ الأربعين من عمرهِ وهاجمهم بسلاحهم هم أنفسهم وهو سلاح المنطق وسلط عليهم سيلاً جارفاً من الجدل القوي كان له أكبر الأثر في انتصار عقائد أهل السنة . وقد آمن أبو الحسن إيماناً قوياً بمبدأ الجبرية فقال إن الله قدر منذ الأزل كل عمل وكل حادث وإنه عللها كلها وإنه يعلو على القوانين والأخلاق وإنه يصرف شؤون خلقه كما يشاء فإذا بعث بهم جميعاً إلى النار فليس في ذلك ولم يرضَ أهل السنة كلهم بإخضاع الدين إلى هذا الجدل العقلي ونادى كثيرون منهم بمبدأ ” بلاكيف ” أي أن من واجب الإنسان أن يؤمن دون أن يسأل كيف يكون هذا الإيمان وامتنع معظم علماء الدين عن الجدل في الموضوعات الأساسية ولكنهم اندفعوا يجادلون في التفاصيل الجزئية لعقيدة اتخذوا مبادئها الأساسية بداية يسلمون بها دون مناقشة .

وهكذا هدأت موجة الفلسفة في بغداد ولكنها ثارت في الوقت نفسه في العواصم الإسلامية الصغرى فوهب سيف الدولة أبا نصر الفارابي بيتاً في بغداد وكان الفارابي أول من نبغ وانتشر صيتهُ من العلماء الأتراك . كان مولده في فاراب إحدى ولايات التركستان ودرس المنطق في بغداد على معلمين مسيحيين وقرأ كتاب الطبيعة لأرسطو أربعين مرة وكتاب النفس مائتي مرة ورمي بالزندقة في بغداد وارتدى ملابس المتصوفة واعتنق مبادئهم وعاش كما يعيش طير الهواء . ويقول عنه ابن خلكان إنه ” كان أزهد الناس في الدنيا لا يحتفل بأي مكسب ولا مسكن ” . وسأله سيف الدولة عما يكفيه من المال فقال الفارابي إنه يكفيه أربعة دراهم في اليوم ” فأجرى عليه الأمير هذا القدر من بيت المال واقتصر عليها لقناعتهِ ولم يزل إلى أن توفي ” .

وقد بقي من مؤلفات الفارابي تسعة وثلاثون كتاباً كثير منها شروح لأرسطو وتعليقات على آرائهِ . وقد لخص في كتابهِ إحصاء العلوم علم عصره في الفلسفة والمنطق والرياضيات والطبيعة والكيمياء والاقتصاد والسياسة . وقد أجاب إجابة سلبية صريحة عن السؤال الذي أثار ثائرة الفلاسفة المسيحيين بعد قليل من ذلك الوقت وهو هل الكلي (أي الجنس والنوع والصفة) يوجد قائماً بنفسهِ منفصلاً عن الجزئي وقد خدع كما خدع غيره بإلهيات أرسطو فبدل الاصطاغيري العنيد إلى رجل متصوف . وطال به العمر حتى هدأت ثورته العلمية واستمسك بقواعد الدين . وكان في شبابهِ قد جهر بنزعة لا إرادية متشككة ثم خطا في مستقبل حياته خطوات واسعة فأعطانا وصفاً مفصلاً للخالق مستعيناً على ذلك بالبراهين التي أوردها أرسطو ليثبت بها وجود الله والتي استعان بها أكوناس بعد ثلاثة قرون من ذلك الوقت فقال إن حدوث سلسلة من الحوادث العارضة لا يمكن إدراكها إلا إذا أرجعناها في النهاية إلى كائن لا بد من وجوده لوقوعها وجود سلسلة من العلل يتطلب وجود علة أولى وسلسلة من الحركات يتطلب محركاً أول غير متحرك والتعدد يتطلب الوحدة . وإن الهدف النهائي للفلسفة وهو الهدف الذي لا يمكن بلوغه كاملاً هو معرفة العلة الأولى وخير طريق للوصول إلى هذه المعرفة هو تطهير النفس . وقد استطاع الفارابي كما استطاع أرسطو أن يعنى بجعل أقواله عن الخلود غامضة غير مفهومة . ومات الرجل في دمشق عام 950 م .

ومن بين كتب الفارابي الباقية كلها كتاب واحد يدهشنا ما يدل عليهِ من قوة الابتكار ونعني به كتاب المدينة الفاضلة . ويبدأ الكتاب بوصف قانون الطبيعة بأنه كفاح واحد دائم يقوم بهِ كل كائن حي ضد سائر الكائنات وهو في ذلك يشبه ما يقول هبز من أن الأشياء كلها يحارب بعضها بعضاً ثم يقول إن كل كائن حي يرى في آخر الأمر أن سائر الكائنات الحية وسائل يحقق بها أغراضه ثم يعقب على هذا بقولهِ إن بعض الساخرين يستنتجون من هذا أن الرجل العاقل في هذا التنافس الذي لا مفر منه هو أقدر الناس على إخضاع غيره لإرادتهِ وأعظمهم تحقيقاً لرغباتهِ كاملة . فكيف خرج المجتمع الإنساني إذن من هذا القانون قانون الغاب وإذا ما أمعنا الفكر في أقوال الفارابي رأينا أنه كان بين المسلمين الذين بحثوا هذا الموضوع فلاسفة من طراز روسو وآخرون من طراز نتشة: فمنهم من قال إن المجتمع قام في بادئ الأمر على أساس نوع من الاتفاق بين أفراد على أن بقاءهم يتطلب قبول بعض القيود التي تعتمد على العادات والقانون ومنهم من سخر من هذا ” العقد الاجتماعي ” وقال إن مثل هذا التعاقد لم يوجد قط في تاريخ العالم وأكد أن المجتمع بدأ أو أن الدولة بدأت بإخضاع الأقوياء للضعفاء وتجنيدهم تحت سلطانها . ويضيف هؤلاء النتشيون أن الدولة نفسها أدوات للتنافس وأن يقاتل بعضها بعضاً سعياً وراء سيادتها على غيرها وسلامتها وسلطانها وثرائها وأن الحرب طبيعية ولا مفر من وقوعها وأن الذي سيسفر عنه هذا الصراع لا بد أن يتمشى مع قانون الطبيعة الأزلي وهو أن الحق الوحيد هو القوة . ويقاوم الفارابي هذه النزعة بأن يدعو إلى إقامة مجتمع على قواعد العقل والوفاء والحب لا على أساس الحسد والقوة والخصام . ويختم بحثه خاتمة موفقة بالدعوة إلى إقامة ملكية على أساس العقيدة الدينية القوية .

وأنشأ تلميذ لأحد تلاميذ الفارابي في بغداد عام 970 جمعية من العلماء – معروفة لنا باسم موطن منشئها – الجمعية السجستانية غرضها بحث المسائل الفلسفية . ولم تكن هذه الجمعية تسأل أعضائها عن أصلهم أو مللهم ويبدو أنها صرفت همها كله إلى دراسة المنطق وفلسفة المعرفة ولكن وجودها يدل على أن الرغبة في البحوث العلمية والعقلية لم تخبُ جذوتها في عاصمة الدولة الإسلامية . وأهم من هذه الجمعية شأناً أو بالأحرى أعظم منها أثراً جمعية أخرى من نوعها ولكنها في واقع الأمر جمعية سرية من العلماء والفلاسفة أنشئت في مدينة البصرة عام 983 ونعني بها جمعية إخوان الصفا . وكان سبب قيامها أن هؤلاء الإخوان روعهم ما شاهدوه من ضعف الخلافة الإسلامية وفقر شعوبها وفساد أخلاقهم فتاقت نفوسهم إلى تجديد الإسلام من النواحي الأخلاقية والروحية والسياسية وخيل إليهم أن هذا التجديد إنما يقوم على مزيج من الفلسفة اليونانية والمسيحية والتصوف الإسلامي وآراء الشيعة السياسية والشريعة الإسلامية . وكانوا يفهمون الصداقة على أنها تعاون بين ذوي الكفايات والفضائل المختلفة تأتي فيها كل طائفة بما تحتاجه الجماعة كلها وما لا تجده عند الطوائف الأخرى . وفي اعتقادها أن الوصول إلى الحقيقة عن طريق اجتماع العقول أيسر من الوصول إليها عن طريق التفكير الفردي . ولهذا كانوا يجتمعون في السر ويبحثون في حرية تامة شاملة وتفكير واسع الأفق وتأدب جم جميع مشاكل الحياة الأساسية . وأصدرت الجماعة في آخر الأمر إحدى وخمسين رسالة جمعت شتات أبحاثها كلها وضمنتها خلاصة العلوم الطبيعية والدينية والفلسفة . وأولع أحد مسلمي الأندلس أثناء تجواله في بلاد الشرق الأدنى حوالي عام 1000 م بهذه الوسائل فجمعها واحتفظ بها .

ونجد في هذه الرسائل البالغة 1134 صفحة تفسيراً علمياً للمد والجزر والزلازل والخسوف والكسوف والأمواج الصوتية وكثير غيرها من الظواهر الطبيعية كما نجد فيها قبولاً صريحاً كاملاً للتنجيم والكيمياء الكاذبة ولا تخلو من عبث بالسحر وتلاعب بالأعداد . أما ما فيها من العقائد الدينية فهو شديد الصلة بالأفلاطونية الجديدة كما هو شأن الكثرة الغالبة من كتابات المفكرين المسلمين فهم يقولون إنه عن الموجود الأول أي الله يصدر العقل الفعال وعن هذا العقل يصدر عالم الأجسام والنفوس وإن جميع الأشياء المادية توجدها النفس وتعمل عن طريقها وكل نفس تظل مضطربة قلقة حتى تتصل بالعقل الفاعل أو نفس العالم أو النفس الكلية ويتطلب هذا الاتصال تطهير النفس تطهيراً كاملاً والأخلاق هي الفن الذي تصل به النفس إلى هذا التطهير والعلم والفلسفة والدين كلها وسائل لبلوغهِ . ويجب علينا في سعينا للتطهير أن ننسج على منوال سقراط في الأمور العقلية . وأن ننهج نهج المسيح في الإحسان إلى الخلق عامة ونهج عليّ في نبلهِ وتواضعهِ . فإذا ما تحرر العقل عن طريق المعرفة وجب أن يحس بحريتهِ في أن يؤول عبارات القرآن التي تتناسب مع فهم بدو غير متحضرين يسكنون الصحراء تأويلاً مجازياً .

ويمكن القول بوجه عام أن هذه الرسائل الإحدى والخمسين أكمل ما وصل إلينا من تعبير عن التفكير الإسلامي في العصر العباسي وإنها أعظم تناسقاً من جميع الرسائل في هذا التفكير .

وقد رأى علماء بغداد أن هذه الرسائل من قبيل الإلحاد فحرقوها في عام 1150 ولكنها رغم هذا ظلت تتداولها الأيدي وكان لها أثر شامل عميق في الفلسفة والحق أن ميتافيزيقية ابن سينا تكاد تكون خلاصة ما وصل إليه المفكرون اللاتين بعد مائتي عام من أيامهِ من توفيق بين المذاهب الفلسفية المختلفة في الفلسفة المدرسية . وهو يبدأ بشرح مفصل بذل فيه جهداً شاقاً لمذهب أرسطو والفارابي في المادة والصورة والعلل الأربع والممكن والواجب والكثرة والواحد ويدهشه كيف تستطيع الكثرة الممكنة المتغيرة – كثرة الأشياء الفانية – أن تصدر عن الواحد الواجب الوجود الذي لا يتغير . وهو يفعل ما يفعله أفلاطون فيفكر في حل هذه المشكلة بافتراض وجود وسيط بينهما هو العقل الفاعل منتشراً في العالم السماوي والمادي والبشري وهو النفس . ثم إنه وجد شيئاً من الصعوبة في التوفيق بين الانتقال من عدم الخلق إلى الخلق وبين صفة عدم التغير الملازمة لله فينزع إلى الاعتقاد مع أرسطو بقدم العالم المادي ولكنه يدرك أن هذا سيؤلب عليه جماعة المتكلمين فيعرض عليهم حلاً وسطاً كثيراً ما لجأ إليهِ الفلاسفة المدرسيون وهو: أن وجود الله سابق على وجود العالم سبقاً ذاتياً لا زمانياً أي في المرتبة والجوهر والعلة فوجود العالم يعتمد في كل لحظة من اللحظات على وجود القوة الحافظة له وهي الله ويقول ابن سينا إن كل الموجودات ” ممكنة ” حتى الأفلاك نفسها أي أنها ليست واجبة الوجود أو محتومة . وهذه الممكنات لا بد لوجودها من علة تتقدمها وتخرجها إلى الوجود ولهذا لا يمكن تفسير وجودها إلا بإرجاعها بعد سلسلة من العلل إلى موجود واجب الوجود أي واحد قائم بذاتهِ هو العلة الأولى لسائر الموجودات . والله وحده هو الموجود بذاتهِ وإن وجوده هو عين ماهيتهِ فهو واجب الوجود . ولولاه لما كان شيء مما يمكن أن يكون . ولما كان العالم كله ممكناً أي أن وجوده ليس بذاتهِ فإن الله لا يمكن أن يكون مادة بل إنه بريء من الجسم وهو العقل واحد من كل وجه لا تركيب فيهِ . ولما كان في المخلوقات كلها عقل فلا بد أن يكون في خالقها عقل أيضاً . وهذا العقل الأول يرى كل شيء – الماضي والحاضر والمستقبل – لا في وقت ولا بالتتابع بل يراه كله مرة واحدة . وحدوث هذه الأشياء هو النتيجة الزمنية لفكرة اللازمني . ولكن الأفعال والحوادث لا تصدر عن الله مباشرة بل إن الأشياء تتطور بفعل غائي داخلي – أي أن لها أغراضاً ومصائر في ذاتها . ولهذا فإن الله لا يصدر عنه الشر بل إن الشر هو الثمن الذي نؤديه نظير ما لنا من حرية الإرادة وقد يكون الشر للجزء هو الخير للكل .

ووجود النفس يدل عليه التأمل الداخل المباشر . والنفس لهذا السبب عينه روحانية فنحن لا ندرك أكثر من أنها كذلك وأفكارنا منفصلة انفصالاً واضحاً عن أعضائنا . وهي مبدأ الحركة الذاتية والنماء في الجسم وبهذا المعنى تكون للكواكب نفوس . والكون كله مظهر لمبدأ الحياة العام . والجسم وحده لا يستطيع أن يكون فاعلاً بل إن سبب كل حركة من حركاته هو نفسه التي تحل فيه ولكل نفس ولكل عقل قدر من الحرية والقدرة على الخلق والإبداع شبيهة بقدرة السبب الأول لأنها فيض منه . وتعود النفس الخالصة بعد الموت إلى الاتصال بالفعل الكلي وفي هذا الاتصال تكون سعادة السعداء الصالحين .

وقد بذل ابن سينا كل ما يستطيع أن يبذله من الجهود للتوفيق بين الآراء الفلسفية وعقائد جمهرة المسلمين . فلم يكن مثل لكريشيوس يرغب في القضاء على الدين من أجل الفلسفة ولم يكن كالغزالي في القرن الذي بعده يريد أن يقضي على الفلسفة من أجل الدين بل هو يعالج كل مسألة مستنداً إلى العقل وحده غير متقيد مطلقاً بالدين ويحلل الوحي في ضوء قوانين الطبيعة ولكنه يؤكد حاجة الناس إلى الأنبياء ليبينوا لهم قواعد الأخلاق في صور من الاستعارات والمجازات تفهمها عقولهم وتتأثر بها . وبهذا المعنى يكون النبي رسول الله لأنه يضع الأسس التي يقوم عليها النظام الأخلاقي والاجتماعي . ومن أجل هذا كان النبي ينادي ببعث الأجسام وكان في بعض الأحيان يصور الجنة تصويراً مادياً والفيلسوف وإن كان يشك في خلود الجسم يدرك أنه لو أن النبي قد اقتصر على تصوير الجنة تصويراً روحياً محضاً لما استمع الناس إليه ولما تألفت منهم أمة واحدة قوية منظمة . وأرقى البشر وأرفعهم درجة هم الذين يستطيعون أن يعبدوا الله عبادة تقوم على الحب الحر وهو الذي لا ينبعث من الرغبة أو الرهبة ولكن هؤلاء لا يكشفون عن هذه المرتبة السامية لعامة أتباعهم بل يكشفونها لمن كملت عقولهم وسمت نفوسهم .

وكتابا الشفاء والقانون لابن سينا هما أرقى ما وصل إليه التفكير الفلسفي في العصور الوسطى وهما من أعظم البحوث في تاريخ العقل الإنساني . وهو يسترشد في كثير من بحوثهِ في الكتابين بأرسطو والفارابي كما استرشد أرسطو في كثير من بحوثهِ بأفلاطون . غير أن هذا لا ينقص من قدره ذلك أن نزلاء المستشفيات العقلية هم وحدهم المبدعون تمام الإبداع الذين لا يتأثرون بعقول غيرهم . وفي بعض أقوال ابن سينا ما يبدو لعقولنا المعرضة إلى الخطأ أنه سخف وهراء ولكن هذا الحكم بعينهِ ينطبق أيضاً على أقوال أفلاطون وأرسطو والحق أنه ليس ثمة سخيف لا نجده في صحف الفلاسفة . ولسنا نجد عند ابن سينا ما نجده عند البيروني من أمانة التشكك وروح النقد واتساع الأفق وحرية العقل وهو أكثر منه أخطاء ذلك أن البحوث التركيبية لا بد أن تؤدي هذا الثمن ما دامت الحياة على ما هي من قصر الأمد . ولقد بز الرئيس ابن سينا جميع أقرانه بوضوح أسلوبهِ وحيويتهِ وبقدرتهِ على جعل التفكير المجرد مشرقاً بعيداً عن السآمة والملل بما يبثه فيه من القصص الإيضاحية وأبيات الشعر التي لا نرى عليهِ مأخذاً في إيرادها وباتساع مجاله الفلسفي والعلمي اتساعاً منقطع النظير . ولقد كان ابن سينا عظيم الأثر فيمن جاء بعده من الفلاسفة والعلماء وقد تعدى هذا الأثر بلاد المشرق إلى الأندلس حيث شكل فلسفة ابن رشد وابن ميمون وإلى العالم المسيحي اللاتيني وفلاسفته المدرسين وإنا لندهش من كثرة ما نجده من آراء ابن سينا في فلسفة ألبرتس مجنس وتومس أكوناس ويسميه روجر بيكن: ” أكبر عميد للفلسفة بعد سطو ” . ولم يكن أكوناس وهو يتحدث عنه بنفس الاحترام الذي يتحدث به عن أفلاطون مجاملاً قط كمألوف عادته حين يتحدث عن عظماء الرجال .

وكاد أجل الفلسفة العربية في الشرق أن ينقضي بموت ابن سينا ذلك أن نزعة السلاجقة السنية القوية وارتياع رجال الدين من الآراء الفلسفية الجريئة وانتصار نزعة الغزالي الصوفية لم تلبث كلها أن قضت على كل تفكير . وإن مما يؤسف له أ يكون علمنا بتلك القرون الثلاثة (750 – 1050) التي ازدهر فيها التفكير الإسلامي ناقصاً كل النقص . ويرجع سبب ذلك إلى أن آلافاً من المخطوطات العربية في العلوم والآداب والفلسفة لا تزال مخبوءة في مكتبات العالم الإسلامي .

ففي اسطنبول وحدها ثلاثون من مكتبات المساجد لم يرَ الضوء من مخطوطاتها إلا النزر اليسير وفي القاهرة ودمشق والموصل وبغداد ودلهي مجموعات ضخمة لم يعنَ أحد حتى بوضع فهارس لها وفي الأسكوريال بالقرب من مدريد مكتبة ضخمة لم يفرغ بعد من إحصاء ما فيها من مخطوطات إسلامية في العلوم والآداب والشريعة والفلسفة . وليس ما نعرفه من ثمار الفكر الإسلامي في تلك القرون الثلاثة إلا جزءاً صغيراً مما بقي من تراث المسلمين وليس هذا الجزء الباقي إلا قسماً ضئيلاً مما أثمرته قرائحهم وليس ما أثبتناه في هذه الصحف إلا نقطة من بحر تراثهم . وإذا كشف العلماء عن هذا التراث المنسي فأكبر ظننا أننا سنضع القرن العاشر من تاريخ الإسلام في الشرق بين العصور الذهبية في تاريخ العقل البشري .
الفلسفة والاسلام

 Please feel free to browse our website:

SyriacStudies.com