الآراميون الدكتور / ابراهيم نجيب ميخائيل

Posted by on Aug 10, 2017 in Library, دراسات سريانية | 0 comments

مقدمـة

لم تكن سوريا يوما من الايام دولة لها طابع الدول المعروف أو كيانها بل انها كانت تشتمل مجموعة من الدويلات والشعوب خلقها المركز الجغرافي للاقليم كما خلق من اليونان مثلا دويلات المدن … واستطاعت بعض هذه الدويلات أن تفرض نفسها على التاريخ ، كما فعلت اسرائيل في بعض عهودها بفضل التراث الذي قدمته للأنسانية… التوراة… التي كانت أول رسائل التوحيد على أيدي الهداة من الانبياء والمرسلين..

ولكن سورية البقاع كان لها شأن آخر… سكنها الآراميون منذ عهد لاندريه على وجه التحقيق ،  وهم يمثلون الموجة الثالثة من موجات الهجرات السامية ، وكانوا يجوبون أنحاء وادي الجزيرة من ناحية الشمال ويتحركون الى الشرق ناحية العراق والى الغرب ناحية سورية حتى بدأوا يستقرون في العراق الاوسط من منتصف الألف الثاني قبل الميلاد…. وهناك بدأوا يظهرون كمجموعة متناسقة أخذت لونها الخاص من الثقافة والقومية كما تأثرت تأثرا واضحا بجيرانها المباشرين وان حافظت على لغتها … الآرامية

وكما قدر للاسرائيليين أن يفرضوا دينهم على التاريخ استطاع الآراميون أن يفرضوا لغتهم على العالم حين كانوا يقتعدون منه القمة في الثقافة فغدت لغتهم لغة المراسلات الدولية حتى كتبت بها توراة الاسرائيليين أنفسهم

——–

ولعل أول مرة نلتقي فيها باسم الآراميين كانت عن طريق نصوص مسمارية ترجع الى القرن الرابع عشر قبل الميلاد تشير إلى انهم منتشرون في الصحراء الواقعة إلى غرب ما بين النهرين وإلى انهم كانوا في أول امرهم قبائل رحلًا يتنقلون في البادية بين نجد في الجنوب وحدود الشام في الشمال ونهر الفرات في الشرق وخليج العقبة في الغرب و أنّ ظروف الصحراء كانت تدفعهم إلى اللجوء إلى البقاع الخصيبة أحياناً فيغيرون عليها حتى استطاعوا أن يكونوا إمارة بين بابل والخليج العربي عرفت باسم ” كلدو ” ومنهاجاءت كلمة الكلدانيين – ودخلوا بعد سقوط دولة ميتاني في القرن الثالث عشر إلى بلاد ما بين النهرين التي عرفت باسم ” آرام النهرين ” . وقد ورد ذكرهم كذلك في القرن الحادي عشر في نصوص الملك الآشوري تقلات بلاسر الأول حيث يشار إلى أن مواطنهم تنتشر من الفرات الاوسط إلى سورية غرباً ؛ ولعل مما يسر لهم الاستقرار إضّطراب الامور في بابل إثر غزوة الحيثيين لها ثم تدمير الحيثيين لمملكة ميتاني بعد قرن ونصف من الزمان

ويرجح أنّ كلمة ” آرام ” تعني الارض العالية ونحن نلتقي بها مضافة إلى غيرها مثل ” آرام صوبا ” و” آرام مكة ” و” آرام نهر إيم ” ( النهرين – أي الفرات ورافده الخابور ) و ” آرام بيت رحوب ” و ” آرام دمشق ” و ” فدان آرام ” ( ومركزها حرّان ) وهي تسميات تردد ذكرها في التوراة وتعني جميعاً الارض المرتفعة في هذه النواحي

—–

وقد سمى البابليون الأرض الواقعة بين شمال ميزوبوتاميا إلى الجبال وغرباً إلى كبادوشيا باسم ” سوبارتو ” أو ” سوري ” ( في قراءة اخرى )  وهو اسم عرفت به سورية البقاع لدى الكتاب الكلاسيكيين وحين أصبحت آشور وجنوب سورية آراميتين امتد اطلاق الاسم على البلاد الجنوبية حتى أصبحت كلمتا ” سوري ” و ” آرامي ” مترادفتين . وإذن فسورية البقاع موطن الآراميين الذين قدر لهم أن يستقروا به.. تمثل سورية الحقيقية والآراميون على ذلك في نسيج الشعوب السورية بمثابة لحمته وسداه يشغلون من الاراضي السورية أخطرها شأناً ويتوسطون أعرق الحضارات إلى الشرق وإلى الجنوب الغربي ويتصلون اتصالاً مباشراً بالجيران الشماليين… الحيثيين… الذين تأثروا بهم كذلك كما سنرى ، إذ كانت حضارة الحيثيين حضارة شعب أقل غموض نواحي تاريخه كانت هذه البقعة مسرحاً لاحداثه… ومن اجل هذا كانت كبادوشيا المنطقة التي نلتمس الضوء منها لينعكس على ناحية من حضارة الآراميين

 

دويلات الآراميين

لم يكن الآراميون حين تعرفنا إليهم دولة وانما كانوا مجموعة من القبائل عرفت في كتب العمارنة وفي الكتابات المسمارية تحت اسم ” أخلامو ” ( اي الرفاق أو الاصدقاء ) ولعلها تسمية عرفهم بها الاموريون . كما عرفت شعبة منهم كذلك – كما اشرنا من قبل – تحت اسم ” كلدو ” . وقد استطاعوا فيما بين القرنين الرابع عشر والثالث عشر قبل الميلاد أن يضغطوا على الاموريين والحوريين والحيثيين وان يأخذوا خير المواقع التي يشغلونها في وادي الاورونت ( العاصي )  ولم يستطيعوا أن يتقدموا غرباً إلى أبعد من ذلك فلم يتأثر بغزوتهم الكنعانيون أو الفينيقون على الساحل .. وحين اشتد ساعدهم استطاعوا أن يثيروا الاضطراب في جموع الآشوريين حتى كادوا يقضون عليهم ، واستمر النزاع في القرن التاسع قبل الميلاد في عهد الامبراطورية الآشورية الأولى ثم انتقل بعد ذلك إلى سورية حيث كانوا قد أسسوا دويلاتهم التي قاست من ضغط الآشوريين إلى درجة منعتهم من أن يجمعوا صفوفهم ليقيموا دولة موحدة.

كانت دويلاتهم المدن تنتشر في الفرات الاوسط وفي وادي الاورونت في سورية البقاع . وكانت غارات الآراميين على الشام مستمرة في الوقت الذي كان الصراع قائما بين الدويلات الكنعانية وقد تمكنوا من الوصول إلى شمال الشام وكونوا دويلاتهم فيما بين حلب وجبال طوروس ومن بينها امارة ” سمأل ” بين انطاكية ومرعش ومكانها الآن زنجرلي وفي اواخر القرن الحادي عشر استطاعوا أن يستولوا على دمشق ( حين ظهرت دولة الاسرائيليين ) وكانت دويلة امتدت شرقا إلى الفرات وجنوبا إلى اليرموك ( على حساب الاسرائيليين ) كما حاددت الآشوريين من ناحية الشمال الشرقي . ومنذ بداية القرن العاشر استطاعت أن تضم إليها جميع سورية الداخلية إلى الشرق من لبنان وجميع سورية الشمالية وحوران ثم اتصلت اتصالا مباشرا بالاحداث التي توالت في جارتها اسرائيل بل إن المعارك بينهما بدأت قبل أن تغدو دمشق دولة يوم كانت صوبا مركز النشاط عند الآراميين وكان يحكم اسرائيل ملك في أول عهدها بالملكية.. شاؤل . ولئن كسبت اسرائيل الجولة الأولى في ايام داود إلّا أنّه قدَّر لها في أخريات عهد سليمان أن تخسرها على يد ” رصين ” الآرامي الذي نقل مركز النشاط من صوبا إلى دمشق ، وساعد انقسام الدولة بعد سليمان على تمكين الآراميين من بسط سلطانهم وفرضه حتى على الاسرائيليين أنفسهم حتى اضطرت يهوذا إلى دفع الجزية إلى ” بنهدد ” الذي هاجم اسرائيل وضم جلعاد  شرق الاردن

اللغـة

ولغة الآراميين فرع من فروع كتلة اللغات السامية الغربية التي انتشرت في بداية الالف الثاني قبل الميلاد شمال غربي ما بين النهرين ظلوا يحتفظون بها دهراً طويلًا واستطاعت بعد سبي بابل أن تغلب اللغتين البابلية والآشورية . وبعد سقوط نينوي عام 612 ق. م. أصبحت بلاد آشور آرامية وكان من الشائع في بابل أن تكتب العقود باللغتين البابلية والآرامية وحين غزا الفرس بابل عام 528 ق. م. كانت اللغة الآرامية شائعة في الشرق كله حتى بين طبقة الحاكمين من الفرس فاستعملوها لغة للتفاهم بين أجزاء الامبراطورية حتى غدت لغة المكاتبات الرسمية

وحين قام النزاع بين الفرس والرومان ظلت لغة الآراميين تفرض نفسها على سائر اللغات فأبادت اللهجات الكنعانية والاكدية . وقد عثر على مئات بل الآلاف من الوثائق كتبت بلهجات آرامية متعددة فهي لم تكن لغة الامبراطورية الفارسية الرسمية فحسب وانما كانت لغة دولية – إن صح التعبير – استعملها الفرس في دواوينهم وكتبت بها برديات عثر عليها في مصر كما كتب بها التلمود البابلي وكذلك كتبت بها بعض أسفار التوراة والانجيل على الارجح ، وظلت تحمل لواء الثقافة دهراً طويلاً حتى نالها ما نال غيرها على يد الزمان

 

الخـط

ومن الخط الآرامي أخذت خطوط كثير من الكتابات فاليهود استبدلوا حروفهم الفينيقية فيما بين القرنين السادس والرابع قبل الميلاد بحروف آرامية ، والخط العبراني المسمى بالخط المربع مشتق من الخط الآرامي ، واتخذ العرب الشماليون الحروف الآرامية فأخذوا خطهم من الخط النبطي أحد أشكال الخط الآرامي ( وهو الخط الذي كتب به القرآن الكريم وتطور عنه الخط العربي الحديث ) وأخذ الأرمن والفرس والهنود ( الخط البهلوي والخط السنسكريتي ) خطوطهم من اصول آرامية . ونقل الكهنة البوذيون الخط السنسكريتي ( المشتق من مصدر آرامي ) من الهند إلى قلب الصين وكورية . . . . وهكذا يكون الخط الفينيقي ( أصل الخط الآرامي ) قد انتقل على أيدي الآراميين إلى جميع نصف العالم الشرقي في حين أن اليونان نشروا الخط نفسه إلى نصف العالم الغربي

 

ديانة الآراميين

لعل اهم معبودات الآراميين التي نستطيع أن نتعرف عليها هو ” حدد ” ( هدد أو ادد ) وهو إله عرفه الآراميون عن الاموريين والكنعانيين كان إلها للامطار وما يصحبها من زوابع ورعود وبروق ، وهو نافع حين يرسل الماء الذي ينفع الزراعة وهو مهلك إن أرسله سيولا جارفة ، ومن هنا جاء لقبه ” رمون ” أو ” رمان ” أي المرعد مثير العواصف ، ونشأة ” حدد ” في هذه البقعة نشأة طبيعية في ارض تلتمس الامطار لتعيش عليها المزروعات . وصورة الاله تمثله حاملا شوكة مثلثة الطرف ومطرقة ، كما يمثل أحيانا واقفا على ظهر ثور رمز الاخصاب والقوى المولدة

وقد اقترن بمعبود الحيثيين ” تشوب ” الذي يمثل في العصور الكلاسيكية كـ ” زيوس ” يحمل الصاعقة والبلطة الحيثية المزدوجة . وتشوب – كما نعلم – هو معبود الشعبة الشرقية من الحيثيين . وامتزجت عبادة ” حدد”  كذلك بعبادة الشمس فأخذ عنها أشعتها تزين رأسه ، وقد عرف في العصر الروماني تحت اسم “ جوبيتر الدمشقي “

ولـ ” حدد ” زوجة هي ” أتارجاتس ” ، ويدخل في الجزء الأول من تركيب اسمها الالهة المعروفة ” عشتار ” وهي تمثل الامومة وتصور لابسة تاجا وبصحبتها أسد في بعض الاحيان – كما تفعل عشتار . وتجمع في رمزها بين الهلال وقرص الشمس وتظهر أحيانا محجبة وكان كهنتها – ككهنة عشتار – ينذرون أنفسهم لها فهم في أغلب الامر خصيان . وقد كانت عسقلون في فلسطين مركزاً آخر لعبادتها وكانت تعدل ” أفروديت ” . وقد انتشرت عبادتها في أوربا – كما حدث بالنسبة لعبادة الالهة ايزه المصرية – فأقيم معبد باسمها في روما وكان أهم مراكز عبادتها وعبادة ” حدد ” منبج الحالية ( هيرابوليس : المدينة المقدسة ) وإن انتشرت عبادتها معا في أنحاء سورية

وكانت هناك إلى جانب ” حدد” و ” أتارجاتس ” آلهة آخرون أقل شأناً استعارهم الآراميون من الشعوب المجاورة واعترفوا بهم ومن بينهم ” شمش ” وهو إله آشوري ، ” رشوف ” الاله الفينيقي الذي يمثل على هيئة مقاتل ، وكذلك ” بعل شمين”  وهو معبود له صفات ” حدد ” و ” ركاب ” أو سائق المركبات ثم ” سهر”  الاله القمري الذي كانت حرّان مركزا لعبادته

 

تطور علاقة الآراميين بجيرانهم

لئن كنا نعرف شيئا – أو لا نكاد نعرف شيئا – عن سورية المعاصرة للامبراطورية البابلية القديمة إلا أننا نستطيع أن نقرر أنه ما دامت فينيقيا قد خضعت لها فلا بد أن سورية تأثرت بها على الأقل فتلقت نصيبها من الهجرات السامية البابلية والكنعانية . وأما أي نوع من الشعوب غزا – أو حاول الغزو – من الشمال – حيث كان يتقدم الحيثيون كذلك – فأمر لا يزال يحتاج لكثير من الضوء ، ذلك لأنه رغم أن الغزو البابلي في اخريات الاسرة البابلية الأولى يشير إلى تحركات حيثية نحو الجنوب فأننا نستطيع إلى جانب ذلك أيضا أن نقرر من وراءها ما اوردته كتب العمارنة ومخلفات بوغاز كوى أننا نستطيع أن نلقي بعض الضوء على سير الامور في هذه المرحلة إذ أنها تشير إلى ان شعبة غير سامية شقت طريقها إلى الامام وأن عناصر من نفس الجنس كانت تضغط من الخلف

 

منذ هذه المرحلة يبدأ التاريخ السوري في إبراز معالمه

إن الحيثيين يختلفون عن الساميين من حيث المميزات الجنسية والزي وطرائق الحياة والكتابة . الخ .. وقد جيء بالحضارة الحيثية إلى سورية من الخارج جاء بها الغزاة وخاصة الـ ” خاتي ” ولكن متى حدث ذلك ؟ إن الخاتي كانوا يستقرون قبل الغزو في كبادوشيا ( شمال شرق آسيا الصغرى ) مهد حضارتهم على الارجح وقد تلقى الابحاث مستقبلا بعض الضوء على علاقات الحيثيين بالسكان ما قبل الآريين في الغرب حتى يستطاع مقارنتهم بالاترسكيين والايبيريين وغيرهم ممن يدورون في نسيج ضباب التاريخ البدائي . ولسنا نستطيع الآن سوى ان نفترض أن سكان آسيا الصغرى في الألف الثاني – بل وقبله – كانوا حيثيين وان كان من المستحيل أن نقدم برهانا على الارتباطات والقرابات بين الجنسيات المختلفة وحين تحل مشكلة الهيروغليفية الحيثية قد نستطيع ان نتبين الفروق بين مختلف اللهجات في مختلف النواحي من وراء النصوص التي عثر عليها في سورية وبخاصة في حماة وحلب وقرقميش وماراش وكيليكيا

 

كان الحيثيون حين تعرفنا عليهم يشقون طريقهم إلى سورية وميزوبوتاميا وشمال بابل ، ويشير نص بالمتحف البريطاني – يعد أقدم ما نعرفه عنهم – إلى أنهم نجحوا في الاستيلاء على بابل ونهبها في نهاية الاسرة البابلية الأولى قبل الغزو الكاشي

 

وفي القرن الخامس عشر كانت لـ ” ميتاني ” السيادة على ميزوبوتاميا وشمال سورية وخاصة في الرقعة التي تمتد حتى طوروس ولا بد أنه كان لامبراطورية ” خيتا ” كيان في هذه الفترة وان كنا لا نستطيع تحديد حدودها السياسية وقد تعرضت ميتاني لضغطها بعد ذلك حتى قضي عليها بفضل تقدم الملك الحيثي شوبيلوليوما وخلفاؤه مورسيل ومواتاللي.

وتاريخ مصر في هذه المرحلة حافل بما سجل من أحداث يستطاع من ورائها تقدير مدى قوة الحيثيين وعنفهم مما يشير إلى انهم ليسوا جدداً على مسرح السياسة.

ولئن استطاعت حاتي أن تمد نفوذها فترة من الزمان في سورية فانها لم تستطيع أن تستمتع بثمار هذا التغلغل وما كانت تحيكه من مؤامرات أثارت بها الامراء من اصدقاء مصر واعوانها إذ سرعان ما تدخل الآشوريون فأفسدوا ما كان الحيثيون يدبرون وقضوا على نفوذهم هناك.

ولعلَّ أقدم نقوش حيثية عثر عليها في الاراضي السورية وجدت في حفائر سنجرلي والعمق وهي ترجع إلى العصر ما قبل الآشوري أقدمها نستطيع أن نؤرخه بالالف الثاني . . . وفي ” سنجرلي ” نشهد تراث شعب حيثي قديم قادم من حاتي  . . . . أمّا الآراميون قد شقوا طريقهم اليها بعد ذلك وهم لم يهاجروا إلى سورية مباشرة في أول الامر ولكن أصبحت لهم الغلبة بعد أن انتشروا في بابل وميزوبوتاميا ، وسبب ذلك أن الهجرات الحيثية كانت تستطيع أن تتقدم ما دامت لا تجد ما يعوقها كان الميتانيون والكاشيون قد تقدموا من قبل من ناحيتين وكانت الموجات الأولى للحيثيين قد أفادت من وراء ضعف بابل وآشور ومع هذا التيار – في نفس الوقت – انتشرت موجة الهجرة الآرامية من الجنوب على وادي الفرات وسورية ولم تلق مقاومة من الكاشيين المستقرين على ضفاف النهر بل شقت طريقها لتحارب خاتي في سورية وعلى ذلك فان النواحي التي تظهر لنا في عصور تالية كأنما هي آرامية تماما لم تكن كذلك فعلا إلا في عصر متأخر . . . فدمشق وحلب ومدن سورية الشمالية أصبحت آرامية حين طغت الآرامية على ميزوبوتاميا وبابل على السواء . و ” بيثور ” على الفرات ظلت حيثية – كقرقميش – لم يحتلها الآراميون حتى ظهر ” آشورربي ” وقرقميش نفسها ظلت تقاومهم طويلا أما النواحي المتطرفة في الشمال من ” سوري ” مثل كوماجين فلم يستطع الآراميون غزوها بل ظلت – حتى خضعت لآشور – تحت سلطان الامراء الحيثيين وهو أمر لا يستطيع على كل حال أن يباعد فكرة إمكان تقدم عناصر آرامية نحوها رغم ذلك.

—–

وأما الصورة التي تستطيع سورية أن تقدمها لنا عن الهجرات الآرامية قبل القرن الخامس عشر وبعده فهي كما يلي:

استطاع الحيثيون أن يطردوا أو يخضعوا الكنعانيين القدامى وكان الآراميون يتقدمون نحو الحيثيين ولكن لما كان الحيثيون يمتد نفوذهم في القرن الثاني عشر على سورية البقاع حتى قادش فإن تقدم الآراميين في سورية لم يربطهم مباشرة بالبلدان السورية الداخلية عن طريق احتلال بعض المواقع الهامة مثل دمشق وحماة وحلب ، بل انهم تقدموا أولًا إلى الشرق على طول الفرات ، وحين استولوا على ميزوبوتاميا عبروا الفرات وتقدموا غربا إلى سورية الوسطى.

وقد طرد تجلات بلاسر الأول الآراميين عند قرقميش عبر النهر واستطاعوا أن يحلوا عند تقهقرهم في محلات على الضفة اليمنى ولم يستطيعوا أن يحتلوا المدن الحيثية في سورية – فيما عدا دمشق – إلا متأخراً وعلى ذلك فإن الآراميين لم يقتلعوا اللغة الكنعانية القديمة إلا في العهد الآشوري . وقد ارتبطت الهجرة الآرامية في الشمال بالموجة الاخيرة من الحيثيين المعروفين تحت اسم ” كوموخي ” الذين عوّقوهم عن التقدم كما منعوا بدورهم تقدم ” الكوموخي ” إلى الاقاليم الداخلية في سورية البقاع .

لم يتبع تقدم تجلات بلاسر الأول إلى شواطىء البحر المتوسط أي توسع لسلطان آشور غرباً ذلك أنه سرعان ما استدعى إلى الشرق ليصد هجمة قام بها الملك البابلي ” مردوك نادن أخي ” الذي استولى على ” ايكالاتي ” ونقل إلى بابل اثيل ” ادد ” و ” شالا ” إلهي المدينة ( ولم يمكن اعادتها إلا في عهد سنحاريب)  واتخذ تقلات بلاسر خطى الانتقام السريع فهزم البابليين عند الزاب الادنى وتقدم مجتاحاً حتى استولى على بابل وسيبار وأوبيس وغيرها وكانت هذه ضربات متلاحقة للبابليين وقضاء على ما كان يجول بخواطرهم من إمكان الانتقاص من سيادة آشور واعادتها إلى حكم سيدتها السابقة وسرعان ما شغلت عرش بابل أسر لم يكن لها أثر في التاريخ حتى انتقل العرش إلى العيلامي المغتصب من التلال الشرقية واسمه ” مار بيتي أبل أوصر ” وظل حكم الاسر الضعيفة مدى قرن من الزمان قتل بعضهم البعض الآخر خلاله وتعرضوا جميعا لغارات القبائل الآرامية من ناحية الصحراء وظهر الآراميون أول ما ظهروا في بابل خلال حكم “ ادد ابلو ادينا ” الخلف التالي ( وليس المباشر ) لـ ” مردوك نادين أخي “.

وأما آشور فقد حلَّ بها الضعف كذلك إذ انتقل العرش بعد تقلات بلاسر إلى ولديه ” آشور بعل كلا الأول ” ثم ” شمشي ادد ” اللذين استهدفا العيش في سلام فكانا ينشدانه عن طريق ربط نفسيهما ببابل بروابط الود والمسالمة ثم سقطت الظلال على آشور وسرعان ما رانت عليها الظلمات كما رانت على بابل مدى قرن أو أكثر.

كانت هذه فرصة العمر لقيام قوة جديدة في سورية وفلسطين

كانت هذه الاراض المتوسطة – منذ القدم – مكان لقاء ومعارك وساحة وغي بين مصر وبابل والحيثيين كما نعلم وأما وقد أصاب الشلل مصر وبابل وحاتي جميعا فالفرصة مواتية من غير شك لمن يستطيع أن يستغلها . كانت آشور قد استطاعت أن تقلِّم أظفار حاتي وان تهدّ من قواها . . . ولكن لتتجرع من نفس الكأس بعد قليل وأما مصر وبابل قد أصيبتا بالهزال بعد أن دبت الشيخوخة إلى أوصالهما حتى غدت ميزوبوتاميا ومصر والاناضول مضيعة القوى جميعاً وأما الارض فيما بينهما سورية فقد أحسّت بالحرية وبدأت تلتقط أنفاسها بعد طول ما أنهكها من صراع بين الطامعين فيها.

تقدمت نحو هذه الارض التي بدأت تستشعر لذة الحرية عناصر ثلاثة تسعى جميعا وراء الاستيطان بها واستغلالها وطرد أهلها منها وهم الاموريون والكنعانيون الفينيقيون على الاغلب . . . . تقدمت من الجنوب شعبتان من بين هذه العناصر الثلاثة هما الفلسطينيون والاسرائيليون كما زحف الآراميون من الشمال .

أما الآراميون والاسرائيليون فكانوا من الساميين : استطاعوا في وقت ما أن يمتزجوا بالسكان الكنعانيين والاموريين في البلاد التي مروا بها أو أخضعوها . . واما الفلسطينيون فلم يستطيعوا ذلك فهم ليسوا بساميين بل هم ايجيون كريتيون على الارجح لا يختتنون  وهكذا لا يمتزجون بالساميين.

ومع ذلك فان الصراع الطويل بين الفلسطينيين والاسرائيليين لم يؤد – رغم محاولات الاسرائيليين – إلى القضاء على الفلسطينيين الذين منحوا رقعة الارض التي استقروا عليها اسمهم وربما قنع الاسرائيليون بعد ان عجموا عودهم بالابتعاد عنهم والاندماج في الكنعانيين ومساكنتهم بعد ان نقلوا عنهم عاداتهم وطرائقهم في الحياة والعبادة.

كان دخول الفلسطينيين سابقا لدخول العبرانيين والآراميين ، وربما كان دخول الآراميين سورية على هيئة تسرب مزمن بطيء اكثر منه على هيئة غزو حقيقي حربي يتم على مرحلة واحدة ، ذلك ان القبائل الآرامية اخذت تتطور على ضفاف الفرات الأوسط بعد ان خرجت من مواطنها الأولى في شبه الجزيرة العربية على هيئة مجموعات من الرحل يسعون إلى تملك ما يحيط بهم من اراضي مرموقة هي اراضي البابليين من ناحية والسوريين من ناحية اخرى . وربما حدث استقرارهم الكبير في ارض ” اوبي ” Ubi ( وعاصمتها القديمة دمشق ) خلال اوعقب الارتباك الذي نشأ بسبب الثورة الفلسطينية ضد مصر في اخريات عهد اخناتون ثم اغارة الحيثيين على ميتاني وتقويض دعائم ملكها ، وكذلك عند تقدم العبرانيين نحو فلسطين . وهكذا تحولت دمشق إلى مركز دويلة آرامية وسرعان ما أخذ الآراميون يمتصون العناصر الامورية والحيثية في وادي الاورونت وشمال سورية.

وكانت الحدود بين العبرانيين والآراميين من ناحية شرق الاردن هي اليرموك وأمّا من ناحية الغرب فكانت إلى الشمال في اعلى وادي الاردن حتى الجبال حيث مقاطعة ” أشير ” التي تحادد الشاطىء الفينيقي ولم تكن هناك فوارق واضحة على الاغلب بين الآراميين والعبرانيين من ناحية الاصل أو المصدر اللذين جاءا عنه ، ومن المحتمل أن الجنسين امتزجا على الحدود منذ البداية حتى أن القبائل الشمالية مثل ” نفتالي ” استطاعت أن تتحول من اسرائيلية إلى سورية وإنا لنستطيع أن نترسّم في صميم الأمة العبرانية ميلًا آرامياً واضحاً في قصة ابراهام واسرته ( الذي أتى من حاران الآرامية – على قولهم – قبل أن تكون دمشق كذلك بزمن طويل ) وذلك إن نحن وافقنا على أنّ القصة ترجع فعلاً إلى عصر أول هجرة لأسلاف العبرانيين من شمال ميزوبوتاميا إلى كنعان قبل دخولهم إلى مصر وان الارتباطات الآرامية التي نسبت إلى ابراهام جد الاسرائيليين صدى لما كان يدور بخلد يوشيا ومعاصريه واما سلسلة أنساب أبناء ناحور فتحتفظ بتراث قديم للارض التي كان يسكنها الآراميون قبل ان يحتلوا سورية الجنوبية ودمشق  ومن الملاحظ أن نسل ناحور هم أسلاف الآراميين الحقيقيين بينما أبناؤه غير الشرعيين من المحظيات هم أصحاب المدن من البلاد المنزرعة مثل تحش ( تخسى في النصوص المصرية التي علق أمنحتب الثاني سبعة من أمرائها من أرجلهم على مقدم سفينته في موكب النصر إلى طيبة عند عودته منها منتصرا ( قبل أن تصبح آرامية بقرن من الزمان ) والواقع أن تسجيل اسم تحش وإغفال ذكر ” دمشق ” و ” حرّان ” يشيران إلى ان القائمة دونت قبل عام 13. ق .م  . وليس هناك من سبب يدعونا إلى افتراض انه في حكم امنحتب الثاني كانت ” تحش ” ( تخسى ) آرامية اكثر من دمشق .

ومجمل القول اننا نلتقي بالآراميين كما قدمنا – على وجه التحقيق – في حرّان في عهد تقلات بلاسر الأول ( حوالي 11.. ق . م ) وبعد ذلك بزمن ليس ببعيد نلتقي بملكتي صوبا ودمشق في حروبهما ضدَّ داود ولما كان لا بد لهما من أن تتخذا فترة ما لتستقرا وتصبحا قادرتين على المقاومة فمن المحتمل أن الآراميين استولوا على دمشق وحرّان في خلال القرن الثالث عشر ومن المحتمل أن دمشق غدت آرامية بعد اجتياح الشماليين القادميين من آسيا الصغرى الذي هزّوا سلطان الحيثيين وقوّضوه كما قضوا على الاموريين وافنوهم.

ولعل تدخل الآشوريين يفسر امر عدم التقائنا بولايات أو دويلات آرامية لها أثرها الحاسم أحيانا فنحن لا نكاد نلتقي بعد بغير دمشق ولعل السبب في ذلك أنها أبعد المراكز الحضارية عن ساعد آشور ، ولعلها – من أجل ذلك – كانت آخرها في الوقوع تحت سلطانها.

العمق

لما قام آشور ناصر بال بحملته ضد فينيقيا عام 877 ق .م دخلت” العمق ” ( وهي المنطقة الممتدة إلى شمال بحيرة انطاكية حتى طوروس ) تحت حكومة موحدة عرفت باسم ” باتيني “ وهي التي تردد ذكرها في التوراة تحت اسم ” فدان آرام ” ومن أجل ذلك عرف الاقليم كأنما هو آرامي وليس من المحتمل ان امراء آراميين كانوا يحكمون هذه البقعة في عهد آشورناصربال فظواهر الامور – من وراء استطلاع الاسماء – تشير إلى أن أصحابها كانوا يحملون أسماء ليست بسامية بل حيثية مما يكاد يشير إلى أن القوم هناك كانت تغلب عليهم النزعة الحيثية رغم كل شيء ومن هذه الاسماء المعاصرة لآشور ناصر بال الثاني وشلمنصر الثالث” ليبورنا ” و ” سابالومي ” و ” كالباروندا ” ثم ” لوبارنا الثاني” الذي مات عام 833 ق .م كما تشير إلى ذلك المصادر الآشورية وكانت ” العمق”  أهم نواحي الاقليم وعاصمتها ” كيناليا ” وكان النظام الذي يسودها هو النظام الحيثي اقطاع يقوم على ركائز العشائر والقبائل رؤساؤها مستقلون أو خاضعون لمن هو أقوى منهم تبعا لقدرة صاحب السلطان وبظهور تجلات بلاسر الثالث على المسرح بدأ الامراء يعملون مستقلين وانتهت دوبلة ” باتيني ” على هذه الصورة وحلت محلها دويلات أصغر شأنا هي “مارقاسي” ( ماراش الحالية ) و ” جورجوم ” وعونكي ( العمق ) و ” سمأل ” و ” ياعودي ” التي سرعان ما خضعت جميعا لـ آشور.

وأما السكان في هذه المواطن فقد تأثروا كثيرا بالمؤثرات الآرامية وان لم يكن الحكام آراميين كما رجحنا فأسماء الحكام بعد الغزو كذلك ليست سامية على الاغلب مثل بانامور وكارال بل إن الاسم السامي الوحيد الذي نلتقي به وهو ” عزرياعو ” صاحب ياعودي ليس آرامياً على الاغلب كذلك بل كنعاني يمت بصلة إلى المرحلة قبل الحيثية ولكن مما يدعو إلى الملاحظة في هذه المرحلة انتشار اللغة الآرامية وبدء الكتابة بحروفها بل ان الكنعانية بدأت تكتب بطراز فينيقي كما تشير إلى ذلك بعض القطع المستخرجة من حفائر ” سنجرلي ” وتؤكد الكتابة بالآرامية أيضا مخلفات عثر عليها في ” سنجرلي ” كذلك بأقليم ” العمق ” عاصمة دويلة سمأل ترجع إلى عهد ” باريكاب ” مولى تقلات بلاسر الثالث وهو ابن ” بانامو”  الذي مات – كما يشير ابنه – في عام 732 ق . م في عهد تقلات بلاسر في معسكر دمشق حين كان يتبع الجيش وهناك من ” جرجين ” على بعد خمسة أميال من ستجرلي أثر أقامه كذلك ” بانامو ” الاكبر ملك ياعودي . . وتعد النقوش أقدم ما عثر عليه مكتوبا بالآرامية.

حلب

كانت تقع إلى شرق هذا الاقليم منطقة حلب التي لا تشير اليها النصوص الآشورية كعاصمة ولاية مستقلة وحين تقدم اليها شلنصر الثالث في حملته على دمشق عام 854 م . قدم التضحيات إلى ” حدد”  ولكنه لا يشير إلى الوضع السياسي لها ولنا أن نفترض – بناء على ذلك – قيام حكومة مستقلة بها هي التراث الباقي من السلطان الكنعاني الحيثي وإنا لنتلقي في نفس هذه البقعة ( كما تشير إلى ذلك كتب العمارنة ) باقليم ” نوخاشي ” الذي يشير صاحبه في كتبه إلى امنحتب الثالث إلى أنّ تحتمس الثالث عين جده حاكما هناك وهو يشكو من ضغط خاتي.

حماة

تقع حماة إلى الجنوب من هذه المنطقة وهي تتحكم في الاقليم الواقع بين حلب ودمشق وبها – كما تشير إلى ذلك كتب العمارنة – بعض المدن مثل ” ني ” و ” قطنة ” و قادش ونستطيع ان نشهد في الأولى والثانية أهم مدينتين قديمتين في الاقليم هما ” أباميا ” و ” حمص ” أو ” أميسا ” وكانت تقطن بهما عناصر كنعانية وحيثية . أما قادش فقد تردد ذكرها كثيرا في النصوص كموطن للحيثيين في القرن الثاني عشر وحين تقدم شلمنصر الثالث نحو دمشق عام 854 ق . م كان من حلفائه أو مواليه على الارجح ” بريدري ” و ” إرخوليني ” ملك حماة الذي ارتبط بآشور عقب ذلك مباشرة وفي عهد تجلات بلاسر الثالث نشهد حماة كدويلة موالية لآشور فقدت استقلالها عقب ذلك في عهد سرجون إثر ثورة ” ياعوبيدي “.

دمشق

أما اقليم دمشق فيقع إلى الجنوب ناحية الصحراء وهو لا يلعب في كتب العمارنة دوراً اهم من دور حماة ولكننا نلتقي به يتردد ذكره باستمرار منذ عهد داود حيث يشار اليه كعاصمة لمملكة تقف على قدم المساواة مع غيرها من الممالك ولقد كانت هذه المملكة من أول الامر ” آرامية ” فملوكها كانوا آراميين وهي قد عرفت منذ البداية كمركز للآراميين ولعلنا نلتقي المرة الأولى بحكام من الآراميين يتخذون من اقليم من الاقاليم مركزا لاشعاع حضارتهم يستطيعون منه أن يسهموا في توجيه السياسة الدولية المعاصرة  .

ولعل دمشق تدين لموقعها بهذه الميزة ذلك لأن وضعها الجغرافي استطاع أن يذود عنها بعض الوقت اطماع آشور من ناحية كما يسرّ لها الاتصال المباشر بالحضارات القريبة منها عن طريق الوديان والسهول وهي في الوقت نفسه مركز هام لطرق القوافل إلى الصحراء السورية وهي بذلك وسيط مباشر بين التجارة العربية والبابلية من ناحية وتجارة سورية وفلسطين من ناحية اخرى . ومن اجل ذلك كانت اكثر من غيرها تعرضاً لهجرات وغارات الآراميين من ناحية السهول بل انها بسبب ذلك ايضا كانت أول ما وقع في ايديهم من سورية وأول ما استوطنوه هناك من اقاليم وتشير كتب العمارنة إلى سفارة من دمشق إلى البلاط المصري تشير إلى تهديد حشود الآراميين وان كان لا يشار إلى المواطن التي يتقدمون منها وكان تقدم الآراميين إلى هذه النواحي يعني وجود اقليم آرامي إلى جنوب دمشق في عهد شاؤل وداود يشتمل ” صوبا الآرامية ” ويمتد حتى اقليم ” جشور ” الذي لجأ اليه ” ابشالوم ” حين كان يعيش طريداً وعلى ذلك فاننا نستطيع ان تنتهي إلى ان اقليم دمشق يمثل مركز الآراميين المباشر اكثر مما تمثله المدائن الاخرى وانها اقدم المواطن التي استقر بها الآراميون وجعلوا منها مركزا لتحركاتهم القبلية حتى جعلوا من دمشق دولة استطاعت ان تفرض نفسها منذ القرن العاشر قبل الميلاد على ما كان يجري من أحداث وان تقف على قدم المساواة مع غيرها من الدول بحيث أصبحت تستطيع أن تعدل من القوى حين كانت تنحاز إلى احد الجانبين وبحيث اكتسبت احترام جيرانها بفضل ما أظهرته من منعة وقوة وما وصلت اليه من مركز حضاري مرموق.

ونلتقي أول ما نتلقى بذكر مملكة دمشق في التوراة حين استطاع ” رصين”  خلال حكم سليمان أن يرفع عن كاهله نير ” حدد عزر ” ملك صوبا ويستولي على دمشق . . . وعلى ذلك فلا بد أن ” صوبا ” كانت مركزاً من قبل الآراميين الذين كانوا يضغطون على سورية وكان امتلاك دمشق الخطوة التالية لتوسعهم وكان ” رصين ” في صراع دائم مع اسرائيل وكانت الجليل وشرق الاردن موطن الصراع بين الفريقين وتشير التوراة إلى أسماء محرفة أو مشوهة على الاراجح من بينها الاسمان التاليان وأولهما “حزيون ” كما تشير اليه التوراة وهو ” حزائيل ” الذي خلفه ” تبريمون ” أو ” تب إيل ” ونحن لا نكاد نعرف شيئا عنهما أكثر من اسمين مسجلين يرجح بعض المؤرخين أن أولهما قتل سلفه المباشر وانه حين أنفض عنه خلفاؤه عول على أن يحارب شلمنصر منفردا.

وبعد هذه المرحلة تبدأ معلوماتنا تزداد عن دمشق وحكامها فهناك ” بريدري ” ( وهو ” بنهدد ” الذي تشير اليه نصوص التوراة ) واستطاعت دمشق في عهده أن تصبح على رأس الدويلات السورية ) 815 – 844 ق . م  . وقد هاجمها شلمنصر الثالث عام 854 ق .م وهو يشير في حولياته إلى الاقاليم والولايات التابعة لدمشق ومن بينها ” حماة ” و ” اسرائيل ”  ( تحت حكم أخاب ثم موءاب ويهوذا ) كتابعتين لاسرائيل  ثم  ( ادوم )  كتابعة ليهوذا . . . . والولايات الفينيقية الشمالية إلى الشمال من ” جبيل ” و ” عمون” و “قوى ”  ( اوكيليكيا ). . . وهي مجموعة تستطيع أن تتضمنها مملكة لا دويلة . . .. ولكن موقعة قرقار – رغم أهميتها كما نعلم – لم يستطع شلمنصر أن يجني من ورائها ربحا وقد أصابته الخيبة كذلك في حملته التالية لاخضاع سورية واستطاعت آشور أن تدرك انها بغير إخضاع دمشق لا تستطيع أن تثبت أقدامها في سورية ولم يكن من اليسير بالنسبة لواحدة من هذه الولايات أن تظهر ميلا لآشور لأن هذا كان يعني بالضرورة تعرضها لقسوة دمشق وحزمها وقد ظلت الامور كذلك حتى استطاع تقلات بلاسر في نهاية الامر أن يخضع دمشق.

كان ” بريدري ” يمثل في الواقع عنفوان سلطان دمشق ومجدها وانا لنرى ذكره يتردد في التوراة كما يتردد ذكره ” حزائيل ” حين يشار إلى قصورهما وما سوف ينالها من تدمير ونحن في الواقع لانجد اشارة أو تنويها لدمشق قبل عصر شلمنصر بل اننا نكاد نستنتج من وراء صمت النصوص الآشورية في عهد آشور ناصربال وهو يشق طريقه نحو ” باتيني ” أن دولة ” بريدري ” كان لها كيانها وأن الملك الآشوري يحرص على عدم الاحتكاك بها ولهذا لم يتقدم إلى ما وراء ” باتيني” بل هو لا يشير إلى أنه سار جنوبا إلى فينيقيا ولم يتعرض لذكر مدينة غير ” أرواد ” وهو لا يشير إلى اسرائيل ولا يتعرض لها ( هي في عهد عمري من موالي دمشق على الارجح ) أما صور فانها كانت تدفع الجزية لآشور وتشير التوراة إلى نبوءة اليشع بموت ” بريدري ” ( بنهدد ) ولكن الاشارة هنا لا تبين في وضح الدور الذي لعبه خلفه ” حزائيل ” . . . . ولعلنا لاحظنا من قبل أثر تغيير الملكية هنا في سقوط وانهيار أسرة ” عمري ” وانتقال العرش إلى إسرة ” ياهو”  ولما كان ” ياهو ” قد اعلن للتو خضوعه لآشور فأننا نكاد ندرك أن آشور كان لها إصبع في الثورة وىالفتنة التي ساعدت على إيقاظها لتحأول اضعاف عدو لم يسعها أن تغلبه في ساحة الوغى وربما لجأ ” حزائيل ” كذلك إلى آشور لتسنده في اعتلاء العرش ولكنه حالما أصبح ملكاً على دمشق ظل على مقاومة آشور بأمل تثبيت مركزه واظهار قوته .. ولذا نراه في عام 842 ق  .م  . يحارب شلمنصر . ونستطيع هنا ان نعقد المقارنة بينه وبين سلفه ” بريدي ” ففي عهد “بريدي” كنا نطالع اسماء حلفائه ومواليه وأما هنا فاننا نشهد “حزائيل” يقف وحيدا كما نرى الآسوريين يشقون طريقهم نحو دمشق مباشرة ويضطر حزائيل إلى الدفاع عن نفسه في عاصمته, ولم يقدر لشلمنصر ان يأخذ كل البقاع القوية التحصين فأكتفى بأن يجتاح الاقاليم على الطريقة الآشورية المتبربرة . ولقيت حملة 839 ق . م. التوفيق كذلك . ولكن آشور اضطرت بعد ذلك ان تعدل عن محأولة تحقيق اهدافها وسّعت دمشق إلى استرداد اسرائيل ، ووقعت بين نارين : مواليها الجدد من الآشوريين ومولاها القديم الذي يسعى لاستردادها .

وخلف حزائيل ” ماري ” الذي نتعرف عليه في نصوص ” أدد نيراري الثالث “والذي تشير اليه التوراة كذلك تحت اسم ” بنهدد ” وقد تعرضت دمشق تحت حكمه لهجمة آشورية جديدة واضطر للتسليم بعد حصار دمشق . ولكن ضعف آشور بعد عصر ” أدد نيراري الثالث ” شجع دمشق على استرجاع استقلالها الذي لم تستمتع به طويلا فسرعان ماتقدم نحوها شلمنصر الرابع في عام 773 ق. م. ولكن الامور تظل غامضة حتى عهد تقلات بلاسر الثالث الذي يعاود الهجوم عليها كذلك.

 وخلف ” ماري ” على الارجح ابنه ” تب ايل ” الذي تشير اليه نصوص التوراة كأنما هو أب ” رصين ” وتقدمه تحت اسم ” طبئيل ” . واحداث عهده ليست بقيمة . فليس فيها مايشير إلى الوان واضحة من الصراع ولقد خلفه ” رصين”  الذى نلتقى به في عام 738 ق . م . عند ظهور تجلات بلاسر الثالث واحدا من المالي الذين يدفعون الجزية لآشور ولكنه سرعان مايقوم في ثورة ويستثير السامرة مما أدى إلى سقوط ” فقحيا بن منيحم ” الموالي لآشور واجلاس شريكه ” فقح بن رمليا”  على العرش . وعقب ذلك نراهم معا في عام 735 ق . م . امام بوابات اورشليم يحأولان خلع ” احاز ” الذي انحاز إلى آشور وكان يؤمل في عونها وسندها ضد اسرائيل . وفي العام التالي ظهر تجلات بلاسر في فلسطين واخضع “فلسطيا” وهزم “فقح” في السامرة عام 733 ق . م. ثم حاصر دمشق واستولى عليها عام 732 ق. م. وفقد ” رصين ” عرشه بل دفع حياته ثمنا للدفاع عن مدينته  . . وهكذا سقطت دمشق في يد الآشوريين وأصبحت ولاية آشورية وخضعت سوريا بالتالي لسلطان آشور مادامت اقوى اقاليمها قد غدت خاضعة لها . وسرعان ماقضى ” سرجون ” بعد ذلك على ثورة ” ياعوبيدي ” في حماة . وبدأ الآشوريون ينصبون ولاة آشوريين على الاقاليم السورية يخضعون خضوعاً مباشراً لآشور وكان ذلك في المرحلة التي انهارت فيها مملكة السامرة وأخذ اهلوها إلى السبي فيما وراء الفرات . وبعد قرن من الزمان كانت آشور تحتضر وبدأت مصر تعاود استرجاع سلطانها على الشرق فخرج ” نيكاو الثاني ” في العام الأول من اعتلائه العرش على رأس جيش مستهدفاً تخليص سورسا وفلسطين من سلطان الآشوريين فاستولى على غزة وعسقلون ثم زحف شمالاً حتى مقاطعة يهوذا والتحم بالاسرائيليين في سهل مجدو وانزل بهم الهزيمة واضطرت اورشليم لدفع الجزية ثم انتقل نيكاو إلى الفرات ليقضي على دولة آشور ولكنه خاف – بعد ان بعدت الشقة بينه وبين مصر – ان تتحول دفة الامور إلى غير مايحب فآثر العودة دون ان يهاجم نينوى مكتفياً باخضاع سورية لسلطان مصر.

ولكن هذه الامبراطورية المصرية الجديدة لم يقدر لها ان تعمر كثيرا, ذلك لأن بابل بدأت تظهر في الالإق : بعد عامين من عودة نيكاو اتح ” نبوبولاسر ” ملك بابل مع ” سياكساريس”  ملك ميديا وقضيا على دولة آشور واقتسما فيما بينهما املاكها فكانت الاقاليم الشمالية والشمالية الشرقية من نصيب ” سياكساريس”.

وكانت الاملاك الجنوبية والجنوبية الغربية من نصيب ” نبوبولاسر ” واوفد ” نبوبولاسر ” ابنه ” نبوخذ نصر ” للاستيلاء على مصر وما تملك , والتقى بجموع المصريين عند قرقميش وهزمت مصر وتقهقر نيكاو مسرعا إلى الدلتا ولاحقه ” نبوخذ نصر” وكاد يأخذ بتلابيبه لولا جاءته الأنباء بوفاة ابيه عام 65 ق. م. فعاد إلى بابل ثم عقد مع مصر بعد ذلك معاهدة مؤداها تنازل مصر عن املاكها في آسيا لملك بابل .

    ولكن نيكاو عاود محأولة اضرام نيران العصيان في سورية وفلسطين ضد نبوخذنصر مستندا إلى عون ” يهوياقيم ” الاسرائيلي الذي كان قد احله على العرش. وقاوم يهوياقيم جند ” نبوخذنصر” ولكنه اقتيد أسيرا في نهاية الأمر وعين مكانه آخر أبناء يوشيا واسمه ” متانيا ”  ( بعد ان غير اسمه إلى صدقيا ) . وحين ولى ” واح ايب رع “عرش مصر بعد ” بسمتك الثاني ” خلف ” نيكاو الثاني ” كان نبوخذ نصر قد فرغ من اخضاع يهوذا واذلالها، وكان اليهود قد تحركوا إلى مصر مهاجرين اليها وانشأوا بها جاليات يهودية في بضعة مواطن اشهرها ” الفنتين “وتحرك ” واح ريب رع ” في ربيع عام 587 ق. م. متجها على رأس جيشه إلى جنوب فلسطين مستهدفا فك الحصار المضروب حول اورشليم …وأحداث الحملة غامضة بل متضاربة فهيرودوت يذكر ان ” جيش ابريس خرج ليهاجم صيدا وأنه حارب ملك صور عن طريق البحر ” ومصادر اخرى تشير إلى كنعان كأنها هي الناحية التي كان الجيش يتجه اليها بينما كان الاسطول يتجه إلى ناحية صيدا حيث رسا وعصف بها ثم تحول إلى صور _ كان اهلوها موالين لنبوخذ نصر – فتحدوا المصريين الذين غلبوهم على امرهم واضطروا للهرب خوفا من نيران المصريين ثم تحرك الاسطول المصري إلى قبرص وأغار عليها ودمر المحطات الفينيقية بها … والواقع ان هذه التحركات اساءت إلى مصر اكثر مما كانت تتخيل ، ذلك ان سوء فهم اهل صور لموقف مصر واهدافها دفع جيرانها إلى ان يتكتلوا معها ضدّ مصر وهكذا وجد “واح ايب رع” ان “نبوخذ نصر” استقر في ” رباة ” على الاورنت فساءه ذلك وادرك أنّ طريقه إلى الشمال قد سد وان امله في نصر عاجل قد انهار . اما نبوخذ نصر فلم يتخذ خطة معينة للهجوم بل آثر الانتظار ومراقبة جيش مصر من قاعدته على الاورونت ولكن تقدم نبوخذ نصر بعد ذلك دفع ” واح ايب رع ” إلى ان يترك حليفه ” صدقيا ” يتلقى وحده الضربات واستعد صدقيا للمقاومة ولكن الأمر انتهى بهزيمته واقتياده إلى بابل ثم فقأ عينيه بعد ان شهد مقتل ابنائه . وضاق اليهود بما حل بمدينتهم بعد الغزو من نهب وحرق فهربوا إلى مصر . وبموت ” نبوخذ نصر ” حلت المتاعب ببابل واختصم خلفاؤه على العرش واستطاع دخيل ان يصل اليه – هو ” نبونيد “- الذي استدعى حاميات سورية وفينيقيا ليستعسن بها في بناء المعابد في العواصم القديمة . وكان نبونيد يتنقل في عواصم دولته فهو مرة في بابل واخرى في ” تيما ” … . او ” حرّان ” وبموته بدأت الامبراطورية البابلية تتداعى ثم سقطت في نهاية الأمرفي يد ” كيروش ” الفارسي الذي ضم تركة بابل إلى فارس ومن بينها سورية بل زادت عليها مصر كذلك في عهد خلفه “ قمبيز “.

حلت الكارثة ببابل عام 539 ق. م. ثم سقطت سورية وفلسطين على اثر ذلك تحت سلطان الفرس. وتحول الشرق إلى ولاية فارسية تمتد من مصر والمدن الايونية في آسيا الصغرى إلى البنجاب في الهند وساعد على جمع اطراف هذه الامبراطورية الشاسعة نقد موحد وشبكة منظمة من الطرق ثم لغة رسمية واحدة هي الآرامية التي ظلت دهرا لغة المخاطبات التجارية واللغة الرسمية للاقاليم الغربية على قدم المساواة مع اللغة الفارسية بل ان كافة المراسيم كانت تترجم اليها . وقد قسمت الامبراطورية إلى مجموعة من ال ” مرزبانات ” يحكم كل منها ” مرزبان ” عدتها ثلاثة وعشرون ، واضيفت إلى ” سوسة ” و ” بابل ” المقرين الملكيين ، عاصمة ثالثة هي ” برسيبوليس”  . وكان لكل ” مرزبان ” شبه استقلال محلي وتربطه بالحكومة المركزية حصة من الخراج او الجزية تؤدى إلى بيت المال . وكانت سورية وفلسطين وكذلك قبرص تمثل في الامبراطورية الاقليم الخامس الذي اطلق عليه اسم مرزبانة عبر نهرا ” وقدرت جزيته بـ 35 وزنة . وقد ظلت دمشق –  كما يشير إلى ذلك سترابو – المدينة الرئيسية خلال الحكم الفارسي.

وظلت الامور تسير على هذه الوتيرة مدى قرنين من الزمان حين ظهر الاسكندر المقدوني فتقدم عبر الساحل الفينيقي وأخذ يستولي على دويلاته الواحدة بعد الاخرى – وان لقي بعض المقاومة – حتى دخل إلى مصر . وفي ربيع 331 ق. م. عاد إلى سورية حيث بقي مدة كافية للضرب على ايدي السامريين الذين اغتالوا نائبه هناك وسلك طريقه عبر سورية البقاع ووادي الاورونت حتى وصل إلى ” ثابساكسوس ” على الفرات.

وهكذا انتقل ملك الشرق من فارس إلى اليونان ورضخت سورية لما رضخت له مصر فخضعت للعرش الجديد ، عرش الاسكندر ، حتى قضى فتمزقت دولته بعد موته وتسابق قواده لاقتسامها … اما مصر فكانت من نصيب اسرة البطالسة واما سورية فكانت من نصيب السلوقيين ، وهي لم تكن اصلا في حوزة ” سلوقس”  عند تقسيم الامبراطورية لأنها الحقت بآسيا الصغرى ولكن بطليموس الأول استطاع في عام 312 ق . م . بمساعدة سلوقس ، ضد انطيوخس في غزة ان يضم فلسطين إلى مصر ( وقد ظلت كذلك اكثر من قرن من الزمن باستثناء فترات متقطعة ) واسترجع ” سلوقس ” في نفس العام بابل التي كان قد خسرها ، وبعد ان اسهم في احراز نصر جديد على انطيوخس استطاع ان يصبح حاكما على القسم الشرقي كله من آسيا الصغرى بما في ذلك سورية من الفرات إلى البحر . واصبحت انطاكية ( التي بناها على الاورونت واطلق عليها اسم ابيه ) مقر حكمه وعلى ذلك فان عام 312 ق. م. يعتبر بداية التاريخ السلوقي وبه يبدأ عهد ” الملوك السوريين ” للمرة الأولى . وكان بطليموس قد مد رقعة ولايته إلى خط يقع شمال ارواد وجنوب حمص وقد تراجع ذلك الخط حتى جنوب بيروت ودمشق حوالي عام 25. ق. م. ليتقدم مرة اخرى إلى شمال ارواد بعد خمس وعشرين سنة . وبلغت حدود المملكة السورية في أول عهدها شرقا حتى فارس إلى نهر جيحون شمالا ثم إلى السند جنوبا اي انها تضمنت القسم الآسيوي من امبراطورية الاسكندر وبذا اصبحت اعظم الممالك التي قامت على انقاض دولة الاسكندر.

 

 من كناب ” تاريخ مصر والشرق الأدنى القديم” – الدكتور نجيب ميخائيل ابراهيم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *