القصارى في نكبات النصارى / سليم مطر

Posted by on Apr 24, 2017 in Library, دراسات سريانية | Comments Off on القصارى في نكبات النصارى / سليم مطر

القصارى في نكبات النصارى

القوى الأوروبية ساهمت في تأجيج العنف ضدّ المسيحيين السريان والأرمن وشجّعت على اضّطهادهم 

من أهم العوامل التي أدّت إلى ضعف حركاتنا الفكرية والسياسية وفشلنا بتحقيق مشاريعنا الكبرى المعروفة ، أنّنا لم نهتم بدراسة تاريخ بلداننا ، القديم منه والمعاصر والذي تتحمّل مسؤولية هذا التقصير الكبير جميع نخبنا بأقسامها الحكوميّة والمعارضة . وممّا زاد في سوء الوضع أنّ هذا التجاهل التاريخي ظلّ مصحوباً بسيادة مفاهيم تاريخية ” قوميّة عرقيّة ” لا تعترف بخصوصياتنا الوطنية ووحدة هويتنا التاريخيّة والحضاريّة بل قسّمت الشعب الواحد إلى ” قوميّات وأقلّيات قوميّة ” لها ” أصولها العرقية ” وتواريخـها المختلفة التي لا يجمعها أي مشترك وطني إلاّ ” إرادة الاستعمار ” بحشرنا في دولةٍ ” مصطنعة ” ، كما علّمتنا الطروحات القوميّة التقدميّة السائدة حتى الآن.

لقد اخترنا كتاب ” القصارى في نكبات النصارى ” الحديث الصدور كمثال على مدى تقصيرنا بدراسة تاريخنا حتى القريب منه . رغم أنّ الطبعة الأولى لهذا الكتاب صدرت عام 1919 إلاّ أنّ في إعادة نشره الآن بطبعة جديدة فوائد كثيرة تتعلق مباشرة بالأوضاع السياسية الحاليّة والمشاريع الخاصّة بمنطقة المشرق ” العراقي-الشامي ” وعموم منطقة الشرق الأوسط . إنّ الإطّلاع على تفاصيل الأحداث المأساوية التي عانى منها السريان المسيحيون في منطقة أعالي الرافدين الخاضعة لتركيا حاليا له فائدة في تصحيح مواقفنا إزاء قضايا حالية عديدة منها:

أولاً –  المسألة الكردية في العراق وتشعباتها في كلٍ من تركيا وكذلك سورية.

ثانياًٍ –  مسألة الوجود المسيحي التاريخي في منطقة المشرق وتداخله مع الصراعات

السياسيّة والدوليّة الدائرة منذ القرن الماضي وحتى الآن.

ثالثاً –  طموحات وادعاءات تركيا بالكثير من المناطق المرتبطة تاريخياً وسكانياً بالـعراق وسورية ، ادعاء تركيا بولاية الموصل ، ثم ادعاء الحركات القومية الكردية بما يسمى بـ” كردستان الكبرى ” التي تتضمن الكثير من المناطق العراقية والسورية ، بالإضافة  إلى مسألة أحقيّة سـورية والعـراق بالدفاع ” الإنساني والثقافي” عن سـكان منطقة أعالي الرافدين كردستان-تركيا من السريان والعرب ، باعتبارهم أشقاء لنا في التاريخ والحضارة وأرض الرافدين.

لكي يتبين للقارئ مدى هول المذابح والتصفيات العرقيّة التي جرت في هذه المنطقة نسجل هنا بعض الأرقام الواردة في الكتاب :

حتى أوائل هذا القرن كـان يسكن عموم منطقة أعالي الرافدين ” كردستان تركيا حاليا”    حوالي ” مليون ” سرياني لم يتبقّ منهم الآن غير أربعة آلاف نسمة بعد المذابح والتشريد والإجبار على تغيير الدين.

مدينة ديار بكر ” آمد بالسريانية ” كان يقطنها “35” ألف نسمة منهم 4130 كردياً . تمّ قتل 5394 سريانياً وتشريد الباقين أو إجبارهم على تغيير المعتقد بحيث أنّها أصبحت الآن مدينة كردية خالصة.

منطقة جبال حكاري كان يقطنها حـوالي 150 ألف سرياني ” اثوري نسطوري ” بعد المذابح التي كلّفت حوالي عشرة آلاف قتيل ، تمّ تشريد جميع السريان إلى أورميا في إيران، وإلى روسيا ، وإلى العراق ، والآن هذه المنطقة كردية خالصة.

 منطقة جزيرة ابن عمر كانت تقطنها 1250 عائلة سريانية لم يتبقّ منهم بعد المذابح غير خمسين فرداً، وقد تحولت المنطقة الآن بكاملها إلى كردية.

نضيف إلى أنّ هذه المذابح ، بالحقيقة كانت مـوجّهة بالدرجة الأولى ضدّ الأرمن الذين كلفتهم حوالي المليون قتيل وتشريد المتبقين وإجبارهم على تغيير الدين بحيث تم تكريد وتتريك كامل منطقة أرمينيا التاريخيّة ” حول بحيرة وان ” والمتداخلة مع منطقة أعالي الرافدين والتي تعتبر الآن أيضاً جزءاً من كردستان تركيا.

تبقى الأهمية الأولى والمباشرة لهذا الكتاب قدرته على إيقاظ الذاكرة إزاء أحداث وفضائح لم تختلف كثيرا عمّا جرى للشعب الفلسطيني ، بل في أحيان كثيرة تجاوزت مأساة فلسطين بحدّة عنفها وتقتيلها ووحشيتها ، المهم في الأمر، أنّ الشعب السرياني المسيحي الذي عانى هذه الفظائع ليس شعباً غريباً عنّا نحن أبناء المشرق ، وهو ليس فقط شعباً جـاراً تربطنا به علاقات إنسانيّة وتاريخيّة طويلة كما هو حال الشعب الأرمني مثلاً ، بل إن الشعب السرياني ، ضمن كلّ المقاييس والأعراف الوطنيّة ، هو جزءٌ حقيقي من الشعبين العراقي والسوري ومن جميع النواحي الجغرافيّة والتاريخيّة والثقافيّة وحتى العرقيّة الأقواميّة.

إنّ غياب أي ذكر لمعاناة هذا الشعب المظلوم من كتب التاريخ والتثقيف السياسي أمرٌ يدعو للاستغراب والتساؤل؟  لكنّ العارف بحقيقة تاريخنا القديم والحديث يدرك أنّه بمعظمه تاريخ مشوّه فرضه علينا المستشرقون ” وتلاميذهم ” من أتباع المفاهيم ” العرقيّة القوميّة السلفيّة ” التي قطّعت تاريخنا إلى قطع متناثرة ومـزّقت شعوبنا إلى ” قوميّات ” متنافسة لا يجمعها أي جامع . بالنسبة للسريان مثلاً ، كما يبدو ، أنّ السبب المباشر الذي جعل دولنا ونخبنا المثقّفة والمسيئة تتواطأ بممارسة الصمت والنسيان إزاء هذه الجريمة والمسؤولين عنها ” من العثمانيين والاغواث الأكراد ” سبب هذا الصمت يكمن أساساً في خضوع دولنا ونخبنا ، بعد الحرب العالمية الأولى ، لتأثيرات وقرارات القوى الإستعمارية الإنكليزية والفرنسية التي سيطرت على المشرق.

إنّ المعاهدات التي عقدتهّا هذه القوى الاستعمارية مع الدولة التركية الأتاتوركية تضمّنت قبل كل شيء الإتفاق على طيّ هذه الصفحة السوداء الخاصّة بالكارثة التي لحقت بالسريان ” وكذلك فيما يخصّ الأرمن “. على هذا الأساس تمّ التغييب التام لأي ذكر لهذه الجريمة من كتب التاريخ والخطاب السياسي ومن جميع البحوث والدراسات المتعلّقة بتـاريخ المنطقة الحديث . حتى الكتب والشهادات التي سبق وأن نشرها العديد من الغربيين، قد تمّ التعتيم عليها . إنّ دولنا ونخبنا قد تبنّت سياسة الصمت والتعتيم هذه، من دون أن تدرك بأنها بالحقيقة ضدّ مصالحها، يضاف إلى هذا، الدور الحاسم للقوى الصهيونية التي ساهمت ولا زالت تساهم بعمليّة التعتيم هذه ، لأنّ القضاء على الوجـود المسيحي في المشرق أحد أهداف  الصهيونية وإسرائيل.

أمّـا بالنسبة لمنطقة ” أعالي الرافدين ” التي جرت فيها مأساة ” السريان المسيحيين “، فإنّ المتمعّن في الخارطة الحاليّة التي تجمع كلاً من سورية والعراق وتركيا ، يلاحظ أن القسم الأعلى من الرافدين ” دجلة والفرات ” الجزء الممتد غرب العراق تابع لسورية ، أمّا الجزء الأعلى فتابع الآن لتركيا حيث ينحدر النـهران في منطقة أعالي الرافدين هذه والتي تسمّى حالياً “جنوب شرق تركيا أو كردستان تركيا ” بعد أن أصبحت رسمياً جزءاً من تركيا بعد الحرب العالمية الأولى.

وتحتوي منطقة أعالي الرافدين هذه على عدة مدن ومناطق تاريخية معروفة مثل طور عابدين وماردين والرها ” أورفا حاليا” وحرّان ونصيبين وديار بكر ” مديات “. جميع هذه المدن والمناطق كانت ، منذ فجر التاريخ وحتى الحرب العالمية الأولى ، جزءاً من حضارة وسكان الرافدين بقسمها العراقي والسوري خلال جميع العصور السومرية والآشورية البابلية والفارسية والعربية وحتى العثمانية ، وتكمن الأهمّية التاريخيّة الحضاريّة لهذه المنطقة ، لأنهّا جغرافياً تُعتبر مركز التقاء الأوطان الأساسية التي يتكوّن منها الشرق الأوسط : القفقاز ، وأرمينيا ، والأناضول ، وإيرا ن، والعراق ، وسورية ، ومن ضمن الفرضيّات عن أصل ” السومريين ” انهّم انحدروا من منطقة أعالي الرافدين هذا نحو جنوب العراق حيث كوّنوا دولهم وحضارتهم المعروفة.

ثم أنّ أهمّية هذه المنطقة أنها لعبت دوراً حاسماً في تكوين ” الهويّة المشرقيّة المشتركة ” ، حيث شكّلت مركز التقاء الحضارتين العراقية والكنعانية الشامية ، إذ من خلال أعالي الرافدين ظلّت عبر التاريخ الجماعات السامية ” الشامية ” وكذلك الجماعات القفقاسية – الأرمنية تنحدر من أعالي النهرين إلى باقي العراق حتى الجنوب ، ونلاحظ مثلاً أنّ اللغة الآرامية السريانية قد انطلقت من هذه المنطقة من الألف الأول قبل الميلاد لأنها تمكنت من الجـمع بين اللغتين الشقيقتين الأكاديّة العراقيّة والكنعانيّة السوريّة . وقد تمكّنت هذه اللغة الآرامية الجديدة أن تفرض نفسها وتصبح لغة الثقافة لجميع سكان المشرق لأنّها تبنّت الأبجديّة الفينيقيّة السهلة التعليم بدل الكتابة المسمارية الشاقّة المعقّدة .

وهذه المنطقة أيضا، وبالذات مدينتي ” الرها ونصيبين” قد لعبت دوراً حاسماً في تاريخ المسيحية لأنها منذ القرن الميلادي الأول أصبحت مركزاً كنسياً وثقافياً فعالاً لنشر المسيحية في باقي العراق والمشرق وعموم القفقاس وآسيا حتى إيران وتركستان والهند والصين . ومع انتشار المسيحية تحوّلت لهجة هذه المنطقة إلى اللغة الفصحى السريانية لتصبح لغة جميع كنائس المشرق واللغة الثقافية الأولى للإمبراطورية الفارسية الساسانية.

إن منطقة أعالي الرافدين هذه ، في اغلب الأحيان ، ارتبطت حضارياً ودينياً وإدارياً بسورية ، أكثر من العراق ، كما هو الحال مثلاً في العصور البيزنطية والأموية والعباسية والعثمانية ، حيث تمّ ضمّها إلى تركيا بعد الحرب العالمية الأولى ، نلاحظ مثـلاً إنّ المسيحية التي انتشرت في هذه المنطقة كانت تابعة للكنيسة السورية السريانية ( اليعقوبية ) بينما الكنيسة العراقية ” النسطورية – كنيسة بابل ” تمركزت في أنحاء العراق الحالي ” بالإضافة إلى الأهواز التابعة لإيران حاليا ” مع المناطق المحاذية والتابعة لنينوى مثل منطقة جبال حـكارى ” في تركيا حاليا “.  وفي العصر العربي الإسلامي قدّمت هذه المنطقة الكثير من النوابغ المعروفين خصوصا بعلمي الفلك والطب الموروث من علوم البابليين مثل ثابت بن قرة الحرّاني ، وابنه سنان ، ومحمد عبد الرحمن المارديني ، وسبط المارديني ، وكذلك أيوب الرهاي ، وسرجيس الراسعيني ، وعشرات الأسماء التي لعبت دوراً واضحاً بازدهار الحضارة في بغداد.

***

يبدو أنّه بعد الفتح الإسلامي وتكوين الإمبراطورية العربية بدأ سريان هذه المنطقة يعيشون إشكالية جديدة .  بحكم الطبيعة المرتفعة والجبلية لهذه المنطقة ، فلقد تمكن الجزء الأكبر من السكان من الحفاظ على ديانتهم ولغتهم السريانية ، بعد تحوّل الأغلبية الساحقة من سكان المشرق إلى الإسلام والتعريب . وقد اعتُبرت هذه المنطقة من ” الثغور” أي الجبهة المواجهة للدولة البيزنطية المسيحية في الأناضول ” تركيا الحـالية ” . إنّ المذهب ” الأرثوذكسي ” السوري الذي ظلّ يعتنقه ” سريان ” هذه المنطقة قد ميّزهم تماماً عن المسيحية البيزنطية التي مارست القمع ضدّهم منذ القرن الأول الميلادي . منذ القرن العاشر الميلادي حصل تحالف بين القبائل الكردية القاطنة في المناطق الجبلية الكردية المحيطة والقبائل التركستانية القادمة تواً من أواسط آسيا والمدعومة بالدولة العباسية وبالإمارات الإسلامية التي تأسسّت آنذاك . باسم مكافحة النفوذ المسيحي البيزنطي تمكنت القبائل التركستانية أن تمارس سيطرتها وانتشارها في هذه المناطق ، على حساب السريان . ومرت عمليات ” التكريد والتتريك ” بفترات وموجات مختلفة في قسوتها ودرجة عنفها ، لكن رغم ذلك فإنه حتى القرن الماضي ظلّ جزءٌ مهمٌ من السكان ، قد يبلغ النصف ، على مسيحيته السريانية منتشرين في الكثير من القرى والمدن ، يضاف لهم أقلّيات أخرى مسيحية من الأرمن القادمين من منطقة أرمينيا المجاورة ” حول بحيرة وان ” . أمّا النصف الباقي من سكان المنطقة فإنهّم كانوا من المسلمين حيث أغلبيتهم من الأكراد مع وجود مهم للعرب وكذلك الأتراك.

منذ أواسط القرن الماضي بدأت الأخطار تحدق بالوجود المسيحي في منطقة أعالي الرافدين هذه وبالذات في أرمينيا المجاورة . إنّ عمليات التكريد والتتريك تضاعفت سرعةً وعنفاً ، مع ازدياد انحلال الدولة العثمانية وتنامي دور القوى الأوروبية الروسية ” المجاورة شمالاً لأرمينيا الخاضعة لتركيا”، بالإضافة إلى القوى الغربية المتنافسة الإنكليزية والفرنسية والألمانية والأمريكية. والمشكلة إن أنشطة هذه القوى الغربية اتخذت صبغة دينية “مسيحية” من خلال البعثات التبشيرية الأرثوذكسية الروسية والكاثوليكية الفرنسية والبروتستانتية الإنكليزية والأمريكية . هكذا أصبحت هذه المنطقة كعادتها على مرّ التاريخ ، ساحة صِراع جنوبي بين القوى المحلّية والاستعمارية الكبرى ، بريطانيا وفرنسا وروسيا وألمانيا، بالإضافة إلى الدولة العثمانية والقوى الإقطاعية الكردية والحركات القوميّة الاستقلالية الأرمنية والسريانية . هذا الوضع سهّل للعثمانيين إضفاء الصبغة الدينية على الصراع  وتشجيع الاغواث والعصابات الكردية لكي يتمّ اعتبار المسيحيين ” السريان والأرمن ” كبش الفداء الأمثل لممارسة طقوس الانتقام الدامي.

على عكس ما يتوقعه الكثيرون فإنّ هذه القوى ” المسيحية ” الأوروبية لم تلعب أي دور إيجابي أو حام للمسيحيين السريان والأرمن،  بل هي قامت بالنقيض تماماً ، حيث ساهمت بصورة مباشرة وغير مباشرة في تأجيج حدّة العنف وحتى دفع وتشجيع القوى الكردية والتركية من اجل زيادة قمعها ضدّ هؤلاء المسيحيين ، هناك اعترافات وأدلّة عديدة تثبت مثلاً ، أنّ رجال البعثات التبشيرية الكاثوليكية كانوا يدفعون لبعض الاغـواث الأكراد من أجل الاعتداء على رجال الدين ” الأرثوذكس والنساطرة  ” وإجبارهم على التخلّي عن مذهبهم ”  الشرقي ” واعتناق ” الكاثوليكية ” وهذا السلوك ” المسيحي ” الأوروبـي إزاء الكنائس المسيحية الشرقية ، ليس جديداً، بل هو معروف وواضح لكل قارئ لتاريخ المسيحية منذ الرومان والبيزنطيين ومروراً بالحروب الصليبية حتى العصر الحالي.

إذن قامت الدول الأوروبية بالتنسيق مع بعثاتها التبشيرية بتوريط الأرمن خصوصاً وكذلك السريان في مشاريع سياسية وصراعات فاشلة ضدّ الأتراك ، ثمّ التخلّي عنهم في اللحظات الحرجة من أجل الإبقاء على مصالحها مع الدولة العثمانية والقوى الإقطاعية الكردية.

***

تكمن قيمة كتاب ” القصارى في نكبات النصارى” في إن مؤلفه ” شاهد عيان ” عاش الأحداث وسجلها ونقلها مباشرة من الذين عاشوها . إنّ الأب اسحق أرملة السرياني من مواليد المنطقة ” 1879 ” وتوفي عام 1954 في بيروت وهو بالإضافة إلى دوره ككاهن فإنّه مثقف كبير ومؤلّف العديد من الكتب عن تاريخ وثقافة السريان ، بالعربية والسريانية . وفي هذا الكتاب يورد لنا المؤلف التفاصيل الحيّة والمؤلمة عن عمليات التقتيل والإبادة العرقيّة التي مارستها القوات التركية وعصابات الاغواث الأكراد ضدّ القرى والمدن السريانية.

نطّلع مثلاً على ما جرى لقرية ” السعدية ” شرقي مدينة ” ديار بكر ” . كان يقطن في هذه القرية ثلاثة آلاف سرياني مسيحي ” مع بعض الأرمن “. في يوم واحد هجمت العصابات الكردية ولم تُبقِ من السكان غير ثلاثة أشخاص . حتى الناس الذين تمكّنوا من الإحتماء في كنيسة القرية : ” قام الأكراد والجنود وثقبوا سطح الكنيسة وصبّوا عليهم البترول وأحرقوهم

إنّ روح الحقد التدميرية عندما تندلع تبرّر وجودها بمختلف الحجج الواهيّة ، ومنها الجهل بالتاريخ واللغة .  مثلاً ، من هذه الحجج اللغوية يحدثنا المؤلف عن ” دير عمر ” المسيحي السرياني في منطقة طور عابدين . الطريف إن الأكراد والأتراك قد أدعو أنّ هذا الدير ، بما أنّه يحمل اسمه ” عمر ” فإنّ ذلك يُثبت بأنّه كان مسجداً قد بُني من قبل الخليفة ” عمر بن الخطاب ” (رض) .  بسبب هذا الجهل اللغوي لم يدرك الأكراد بأن تسمية ” عومرو ” بالسرياني تعني ” الدير ” أي بمعنى ” المكان العامر ” . بسبب سوء الفهم هذا بالتسمية قامت مجموعة من الأكراد بالهجوم على الدير وقتلوا جميع الرهبان والقسّان ومعهم سبعين من النصارى ولا زالوا يقيمون في الدير حتى الآن. ص ( 75 )

إنّ بعض الوقائع والمآسي الواردة في الكتاب تُذكِرنا بممارسات مشابهة جرت في عصرنا الحديث في مختلف البلدان ، ولم تكن بالضرورة موجّهة ضدّ أُناس يختلفون باللغة والدين ، بل يمكن أن يكونوا من نفس اللغة والدين، مثلما هو حاصل الآن في الجزائر. إنّ ”  الدفاع عن الدين ” تبدو حجّة واهيّة من أجل تبرير الإنتقام والإغتصاب والإستحواذ : مثلا في قرية ” القصور” السريانية جنوب مدينة ” ماردين ” هجم الاغواث الأكراد والعسكر الأتراك على السكان وفتكوا بهم ، ولم يكتفوا بذلك ، كما يخبرنا المؤلف بل : ” إن شيوخ الأكراد ولا سيما الذين سرّحوا لحيتهم ورقشوها كانوا ينتصبون على فم البئر وفي يمينهم الخبيثة الشفرة أو المدية فيقولون البسملة على كل فرد ويذبحونه ويهبطونه إلى قاع البئر. وأنّ رجلاً وحشيّاً من القوم أقبل على عدة أطفال وصعد بهم إلى السطح وظلّ يقبض على قدمي واحد فواحد ويرميه كالمقلاع إلى الأسفل ويقول للطفل اذهب ارعَ السخلان وللطفلة اذهبي احرسي المقثاة . وفتك على هذا المنوال بخمسين طفلاً وطفلة”.ص ( 110)

 

إمّا خلق هوية وطنية تعترف بالتنوع، أو إبقاء المجتمع متخاصماً توحّده الحكومات المستبدّة بالقمع

 

لكي لا يُساء فهم غايتنا من حديثنا عن هذا الكتاب وعن الوقائع المأساوية التي جرت لأشقائنا السريان في منطقة أعالي الـرافدين ” كردستان تركيا “حالياً ، ولكي لا يُستغل الحديث عن هذه الوقائع من أجل إطلاق الأحكام العنصرية والأوهام الحقودة ضدّ أشقائنا الأكراد وضدّ جيراننا وإخواننا الأتراك ، الذين بالنسبة لنا يبقون مثل كلّ شعوب الأرض لهم مفاخرهم وإيجابياتهم ولهم عيوبهم وسقطاتهم ، لهذا فإنّ قراءاتنا للوقائع المأساوية لهذا الكتاب تدفعنا إلى إيراد الملاحظات التالية:

أولاً

يتوجّب التأكيد على أنّ جرائم الإبادة العرقيّة والمذابح الأهليّة هذه لم تجرِ في كل المناطق الكردية ، بل جرت فقط في منطقة أعالي الرافدين التابعة حالياً لتركيا والمعروفة الآن بـ ” كردستان تركيا ” .  أي أنّ هذه الجرائم لم تكن حالة ” عرقية قومية ” تشمل كلّ الأكراد والأتراك ، بدليل أنهّا لم تحدث في مناطق الوجود الكردي العراقي ، وكذلك في إيران . ثمّ أنّ هذه الممارسات الإجرامية لم تحدث أيضا في باقي مناطق تركيا وبالذات في استنبول حيث كان يعيش مئات الآلاف من المسيحيين اليونان والأرمن وغيرهم بجانب اخوتهم من المسلمين الأتراك . من هذا نقول إن هناك خصوصيّات تاريخيّة وظـروفاً طارئة خاصة بهذه المنطقة قد أدّت إلى قيام مثل هذه الجرائم ، فلو أخذنا مثلاً حالة المناطق الكـردية العراقية ، فإننا نلاحظ أنّ أكراد شمال العراق يشبهون باقي العراقيين من ناحية عدم تعويدهم على ممارسة الحروب الأهلية والعنف الشعبي المباشر ضدّ السكان الآخرين.  يلاحظ أنّ جميع التمرّدات والحروب التي حصلت في المنطقة منذ القرن الماضي وحتى الآن ظلّت تحدث بين الميليشيات المسلّحة الكردية وجيش الحكومة المركزية في بغداد .  في أكثر حالات اشتداد الصراع وكثرة الضحايا بين الحكومة الميليشيات لم يحدث أن فكّر الأكراد بممارسة العنف الأهلي المباشر ضدّ السكان الآخرين من العرب والسريان المجاورين لهم. كذلك رغم وجود السكان الأكراد في كلّ أنحاء العراق وبالذات في العاصمة بغداد بجوار باقي العراقيين الناطقين بالعربية، رغم ذلك لم يحدث أبداً أن مورس العنف والتقتيل بين العرب والأكراد ” كما يحدث في الهند عادة بين الطوائف المختلفة ” .  وهذه الحالة مرتبطة بطبيعة عقليّة سكان الرافدين الذين تعوّدوا منذ فجر التاريخ على تقبّل الهجرات الأجنبية ” الساميّة والآسيويّة ” التي لم تتوقّف عن الاستقرار حـول هذين النهرين الخصبين : دجلة والفرات . بالإضافة إلى الدور الحاسم والدائم الذي ظلت تلعبه الدولة المركزية “وطنية أم أجنبية ” في تاريخ الرافدين بسبب الضرورات النهرية والبيئية والجغرافية . لهـذا فان تاريخ الرافدين ، رغم عنفه الدائم لم يعرف العنف الأهلي ” سكان ضدّ سكان” بل كان دائماً عنفاً مقنناً وحكومياً . إذن إنّ حالة انعدام العنف العنصري الأهلي إحدى خِصال تاريخ العراق بكلّ تنوّعاته الدينيّة والطائفيّة واللغويّة.

أمّا منطقة أعالي الرافدين ” كردستان تركيا حاليا ” فإنهّا تختلف تقريباً عن باقي الرافدين ، حيث تنتشر الهضاب والجبال التي تعزل كلّ منطقة وكلّ مجموعة سكانيّة عن سواها وتمنع التواصل والامتزاج . إنّ عدم التواصل هذا أدّى إلى قلّة الاختلاط بين السكان وخلق الجهل بالآخر وساعد على بروز الأوهام والإشاعات والأحقاد بين المجاميع المتباعدة لغوياً ودينيا ً.  إنّ هذا الوضع الجغرافي الجبلي ساعد على أن يحتفظ سكان أعالي الرافدين ” السريان المسيحيين” بخصوصيتهم الدينية واللغوية وأن يقـاوموا عمليات الأسلمة والتعريب التي حدثت في باقي الرافدين وكذلك في سورية بعد الفتح العربي الإسلامي ، حيث تحولت الأغلبية الساحقة من سكان المشرق ” السريان المسيحيين ” إلى الإسلام ونطقت العربية وصنعت الحضارة العربية الإسلامية في دمشق وبغداد.

إنّ هذا العامل الجغرافي لمنطقة أعالي الرافدين ، وكثافة الوجود المسيحي السرياني المحاذي للوجود المسيحي الأرمني في منطقة أرمينيا ” بحيرة وان ” المجاورة والمتداخلة مع منطقة أعالي الرافدين بالإضافة إلى تدخلات القوى المحيطة ، الإيرانية والروسية مع نشاطات البعثات الغربية . كلّ هذه العوامل ساعدت على توتير الأجواء وبث الأوهام والأحقاد لدى القبائل الكردية المجاورة التي تمّ استغلالها ودفعها من قبل السلطات العثمانية التي شجعت روح الحقد والرغبات الإستحواذية لدى الاغواث الأكراد ضدّ هؤلاء ” الكفرة المسيحيين الأغنياء ” عملاء روسيا والغرب ، من أجل إبادتهم والإستيلاء على ممتلكاتهم وأراضيهم ، نقول ، أنّه من أجل تجنب إصدار الأحكام العنصرية والعدائية ضدّ الأكراد والأتراك يتوجب الأخذ بعين الاعتبار الظروف التاريخية والجغرافية والسياسية التي أدّت إلى هذه المذابح ، لكنّ هذا لا يمنعنا طبعاً من إدانتها وفضحها والتثقيف بها من أجل عدم تكررها ومحاولة إصلاح تبعياتها الحالية ، ولكي نخلق الأساس المعقول الذي يسمح لمختلف الشعوب والأديان والطوائف في المنطقة أن تعيش بسلام وأمان وأخوّة.

ثانياً 

إنّ الدرس الآخر الذي نتعلمه من إطّلاعنا على هذه المأساة يتعلق بمسؤولية النخب الثقافيّة والسياسيّة في قيادة شعوبها ، إمّا نحو العنف والتدمير الذاتي أو نحو السلام والإستقرار والتقدم .  يبدو أنّ لوثات العنف التي تصيب الشعوب تتأتى أساساً من حالة الكبت وتراكم المعاناة وديمومة الإنمساخ طيلة عقود . تبعاً لدور النخب الفاعلة “الدينية والثقافية والسياسية ” التي تؤثر في الشعب وتحدّد ميوله وسلوكه فإنّ هناك إمكانيتين لكي يقوم الشعب بتفريغ هذا العنف المكبوت والمتراكم. إمّا أن تنجح هذه النخب القائدة ببث الوعي في الشعب وتوجّه حقده ضدّ المسببين الأساسيين للمعاناة ، أي ضدّ الطغاة الحاكمين سواء المستعمرين الأجانب أو الحكّام ” الوطنيين” فتندلع الثورة  ” سلميّة أو عنفيّة ” من أجل التخلّص من الظلم وإحلال البديل الأفضل . وهناك ما لا يحصى من الحالات المعروفة في التاريخ . أو أن تكون النخب القائدة ضعيفة وممزّقة وممسوخة من قبل الطبقة الحـاكمة ” أجنبية أو وطنية “، فعندئذ يتمكن ” الرعاع ” والأشقياء والممسوخون وبالتنسيق مع الطبقة الحاكمة بقيادة ” وعي ” الشعب والتمكّن من جعل حقده المتراكم يتوجّه نحو عدو وهمي ، إمّا أن يكون ” عدواً خارجياً ” ، مثل دولة جارة، حيث تندلع الحروب ضدّ هذا الشعب ” العدو ” بحجج واهية أغلبها تتحوّل إلى الحدود “المغتصبة” ، أو أن يوجَه هذا الحقد ضدّ ” عدوٍ داخلي” يتمثل عادةً بجماعةٍ مختلفةٍ سياسياً أو دينياً أو لغوياً ، وهذا السبب الأول للحروب الداخلية والأهليّة التي حدثت في جميع الأوطان والأزمات،  ولنا أمثلة كثيرة منها الهتلرية التي تمكنت خلالها الطبقة الحاكمة من استغلال معاناة الألمان من العطالة والمجاعة وإذلال الدول الأوروبية وتوجيه الحقد ضدّ أعداء وهميين مثل اليهود والبلاشفة والسلاف .  ولنا أمثلة أخرى كثيرة عن الحروب الأهليّة المعروفة مثال لبنان أو أفغانستان، وغيرها الكثير، وهذا ما حدث بالضبط بالنسبة للأكـراد في أعالي الرافدين حيث وجّهوا حقدهم المتراكم إزاء الدولة العثمانية ، ضدّ أشقائهم المسيحيين السريان وكذلك ضدّ الأرمن بدرجةٍ أكبر بسبب كثرة عددهم وشدّة تحركاتهم الاستقلالية.

إنّ المأساة التي عاشها السريان تجعلنا ندرك ضرورة خلق وعيّ تاريخي وطني لدى جميع أبناء الوطن، مهما اختلفوا دينياّ أو لغوياّ أو مذهبياّ ، بأنهّم جميعهم يشتركون بأرض الوطن بكلّ ما تحمله من تاريخ وحضارات وأديان . من دون خلق هوية وطنية مشتركة قائمة على شعور صادق وأصيل بأنّ جميع تنوعات الوطن تشترك بالتساوي في خلق تاريخ الوطن وحضاراته المثالي ، فإنّه من المستحيل الحديث عن إمكانيات العيش المشترك بين التنوعات الدينية واللغوية المختلفة . ما دامت كلّ جماعة تعتقد بأنّ لها ” قوميتها ” الخاصة وجماهيرها وأحلامها ومشاريعها ” القومية الكبرى” المختلفة فإنّه من المستحيل الحديث عن السلام والأمان والديمقراطية والاستقرار . إنّ ديمومة الصراعات والحروب الأهليّة والسلطات الاستبدادية في بلـداننا متأت أولاً وأخيراً من ففدان هذه الهوية الوطنية التاريخية المشتركة.  إنّ الخطيئة الكبرى التي وقعت فيها جميع التيارات الفكرية والأحزاب السياسية في منطقة المشرق وعموم العالم العربي تكمن في تجاهل أهمية خلق ” الهوية الوطنية ” الخاصة بكلّ بلد والضياع في خطابات مستوردة وجاهزة دينية وعلمانية عن :  الطموحات القومية وحقّ تقرير المصير والدفاع عن المصالح الطبقيّة والتعدديّة الديمقراطيّة ، مع الدعوات الفنتازية عن الوحدة القومية أو الدينية الكبرى ، على حساب الوحدة الوطنية الواقعة والمعقولة ، كمن يدعو إلى التوحّد مع أبناء عمومته وأصدقائه وجيرانه في الوقت الذي يمارس فيه سياسة تشتيت أبنائه وأشقائه.

لو أخذنا مثال العراق ، لو فكّرت حكوماتنا ونخبنا الفاعلة منذ أجيال ، أنّه قبل الحديث عن الحقوق القومية وحقّ تقرير المصير والوحدة القومية الكبرى وغيرها من الشعارات الجاهزة المستوردة ، أن تُعلّم المواطن العراقي حقيقة تاريخه وتفاصيل خصوصيات الفئات التي يتكون منها الشعب العراقي ، عندما يتعلّم ويشعر الكردي والتركماني والسرياني ، وكذلك السني والشيعي ، بما أنّه ينتمي لأرض العراق فإنّ تاريخ العراق منذ إن وُجِد الإنسان وحتى الآن هو تاريخه حقاً وحقيقةً ، وأنّ أسلافه بمختلف تسمياتهم وأديانهم ولغاتهم ، قد ساهموا في صنع جميع المراحل الحضارية لهذا البلد ، وأنّ جميع الفئات العراقية الدينية واللغوية والمذهبية تشكّل بمجموعها تاريخ العـراق وثقافته وكينونته . أن يغدو حقاً قانونياً معترفاً به بأنّ قيادة الدولة والمجتمع ليس حكراً على أية فئة ، ومن حقّ جميع العراقيين بمختلف تنوعاتهم الاشتراك بإدارة الدولة والمجتمع ، وأنّ رئيس الدولة أو وزير الدفاع أو أيّ مسؤول كبير ، يكفيه أن يكون عراقياً وطنياً ، سواء إن كان شيعياً أو كردياً أو سريانياً أو تركمانياً أو يزيدياً .  أن يتعلم المواطن في كتب التاريخ المدرسيّة بأنّ الحضارة العربية الإسلامية في العراق ليست ” فقط ” من صنع ” أبناء القومية العربية المنتمين عرقياً وقبائلياً وتاريخياً إلى عرب الجزيرة العربية ” !! بل أنّ هذه الحضارة العربية الإسلامية التي ازدهرت في بغداد، هي أولاً حضارة عراقية وهي تتمة طبيعية للحضارات التي انبثقت في أرض العراق وأنّ جميع الفئات العراقية الحالية قد ساهمت بصنعها .

أن يتم تعميم المعرفة والتثقيف بالخصوصيات الثقافية والدينية للفئات المختلفة ، بحيث يغدو من الطبيعي جداً أن يشاهد الكردي والتركماني والسرياني بأنّ أغانيهم وميراثهم وأعيادهم ليست محصورة داخل الفئة بل هي منتشرة ومعروفة بنفس الدرجة من باقي العراقيين الناطقين بالعربية حيث يجري الإحتفاء بها وتداولها في وسائل الإعلام والثقافة والمسرح والسينما مثلّ كل المناسبات والنتاجات الوطنية.. نقول بعد كـلّ هذا سوف لن تشعر أية فئة بأنهّا ” قوميّة أو أقلّية قوميّة أو دينيّة أو مذهبيّة ” متميّزة ومضّطهدة من قبل ” القومية الكبرى” بل سوف يشعر الجميع حقاً بأنهم عراقيون مهما اختلفت خصوصياتهم، حينها سيغدو من الغريب أن يتجرأ أحد على المطالبة بالحكم الذاتي أو الإستقلال أو حقّ تقرير المصير أو تحقيق مشروع ” الأمّة الفلانية الكبرى “. حتى اللغة العربية لو يتم طرحها على أنهّا لغة الوطن الرسمية السائدة التي منحها لنا التاريخ وتكلّمها أسلافنا منذ قرون طويلة وأنهّا لا تمثل أبدا ” لغة قومية أبدعها أسلافنا العرب نحن أبناء الأمة العربية المجيدة .. الخ “، حينها سوف لن تشعر أيّة فئة بأنّ هذه اللغة العربية مناقضة ” قومياً”  للغتهم الأم ، بل هي لغتهم هم أيضا لأنهاّ لغة بلدهم وميراثهم الثقافي الوطني ، بالإضافة إلى أنهّا لغة غنيّة وكبرى تجمعهم مع عشرات الشعوب العربية والمسلمة . حتى هدف ” الوحدة العربية ” سوف يكون مقبولاً من جميع الفئات الوطنية المختلفة لو شعرت بأنّه هدفٌ يجمع بلدها مع البلدان العربية الأخرى لغايات اقتصادية وثقافية واستراتيجية من دون هلوسات توسّعية قوميّة وتدخّلات مؤامراتية تهدف إلى تحقيق ” الرسالة الخالدة ” ! بل هو تقارب وتضامن واقعي عقلاني وديمقراطي على غرار تجربة الوحدة الأوروبية .  هذه الإشكالية العراقية يمكن إن تكون مثالاً على الإشكاليات التي تعاني منها جميع الأوطان العربية، بدرجات مختلفة الحدّة والتعقيد وخصوصاً التي تتميز بالتنوع الديني والمذهبي واللغوي مثل سورية ولبنان ومصر والسودان والجزائر والمغرب.

إن تجارب تاريخنا الحديث وخيباته وكوارثه الحالية تفرض على مثقفينا وسياستنا في العالم العربي وفي المشرق العراقي الشامي بالذات ، أن يُعلنوا طروحاتهم القوميّة الرومانتيكية التعسّفية ويمنحوها البعد الوطني الأرضي الواقعي التاريخي المغيب منذ أجيال عـديدة وحتى الآن . وهذا الطرح الوطني هو وحده الكفيل بأن يضمّ تحت رايته جميع الطروحات الفكرية والسياسية المختلفة ، دينية أو يسارية أو ليبرالية ، ويخلق الأساس الصلب لوحدة جميع الفئات في داخل الوطن الواحد . من دون خلق هوية وطنية تعترف وتعرف بالتنوع والخصوصية وتشعر الجميع بإنتمائهم الأصيل للوطن أرضه وتاريخه، وسوف نظل إلى الأبد متفرقين متخاصمين لا تجمعنا غير الحكومات المستبدة التي توحّدنا وتقودنا بالقمع والتجويع والإذلال نحو كوارث حروبها الداخلية والدولية.