حيـاة ومـوت مسيحيي الشرق

Posted by on Feb 15, 2017 in Library | Comments Off on حيـاة ومـوت مسيحيي الشرق

حيـاة ومـوت مسيحيي الشرق

المؤسسة الامريكية للدراسات السريانية
المدخل

هم يتكلمون، بالنسبة الى البعض ، لغة المسيح . وهم يعطوننا عن الشرق صورة مطمئنة تجعلنا نعتقد . بفضل القرابة الدينية ، أنّنا نطالع فيها ذواتنا . احتفالاتهم الليتورجية المزهوّة التي لا تزال قريبة من الازمنة البابلية توهّمنا بأنهم خالدون . على أي حال ، ألم يستمروا في البقاء منذ ألفي عام بالرغم من تقلبات التاريخ كلها؟ بيد أن هذا الانطباع لا يمكن أن يخدع : بعد كثير من جماعات قديمة وُوريت اللحد في القرن العشرين ، فان مسيحيي الشرق هم في صدد الاندثار . في مقرّاتهم القديمة في اناضوليا الشرقيّة ، آلاف الكنائس والأديرة التي تحوّلت غالباً الى عمارات للاستثمار الزراعي أو الى مقالع حجارة ، تنصب أطلالها المحزنة حيث القباب المشقّقة والجدران السوداء تعلن عالياً احتدام معارك الحرب العالمية الأولى .

في الأحياء المسيحية القديمة للمدن العربية التي كانت تضجّ آنفاً بالنشاطات ، لم تعُدْ الاّ صمتاَ وموتاً ، الكنائس – المتاحف المحاطة بمساكن قديمة للنبلاء لاتزال تلازمها بعض أشباح خفيّة . من الأبهات البيزنطينية ، من الملحمة الرسولية والتجارية ، من المجتمع الحافل بأجناس مختلفة ، الأنيق والمرفّه ، والذي كان قبل نصف قرن فتنة موانئ البحر المتوسط الكبرى ، لم يبقَ سوى ذخائر وأشباح . عندما يضمحل الشعب المسيحي في الشرق ، تصبح معابده زينة “ أرض ديزني الروحية “ التي تمثّلها اورشليم المسيحية .

هل ان الاستئصال النهائي للمسيحيين سيتخذ شكل مأساة مكمّلة ؟ كثيرة السوابق الأليمة التي تمنعنا من استبعاد ذلك . بالرغم من هذا ، ان ماهو أقرب الى الاحتمال أنها ستندثر دون ضجيج ، بنزيف مستور وقاس . من المتخرجين الشبان الذين يقوّمون في الخارج علمهم ، الى القرويين الأناضوليين الذين يهاجرون – قرى بكاملها – باتجاه اوروبا او استراليا ، يبرز في الواقع ، في كل مكونات المجتمع المسيحي الشرقي ، رفض واحد القبول لمدة أطول الرداءة والظلم وتقلبات المصير المقرر للأقليات الدينية في أرض الاسلام . ان العالم الذي ترعرعوا فيه ، دون ان ينبذهم بحصر المعنى ، فهو يأبى ان يوفّر لهم امكان التفتّح . أليس هذا سبباً كافياً لكي يهاجروا ، في حين انّ كل عوامل الاندماج متيسرة لهم في بلاد أخرى ؟ لا سيما وان العودة بالقوّة لإسلام متعصّب يعيد الى الواجهة ، في المجتمعات الشرق أوسطية ، معايير التفريق الطائفية وكل ألوان التمييز التي تتضمنها .

أمّا الذين يبقون ، فهم إجمالاً الأكثر شيخوخة والأقل إقداماً ، وهم مشتتون جداً بحيث لا يستطيعون أن يصونوا الإلتحام المتوجّب للحياة الجماعية ، كما أنهم غالباً تحت تأثير عتبة البقاء . فأي أهمية لهؤلاء أيضاً في دول تطمح إذ ذاك الى تجانس إثني وديني ؟ عندما تصبح القوى الديموغرافية غير مؤاتية الى هذا الحدّ ، بأي شكل يمكن التصدي لفريق الأغلبية المطلقة الذي يودّ أن تكون هويته هويّة البلاد بأجمعها ؟ أليس من الفطنة بالأحرى أن يتوقف المسيحي عن إلتزامه كمسيحي ويتقيّد بالخط العربي – الاسلامي المهيمن ؟ هكذا عدة آلاف من الأقباط ينتقلون بهدوء الى الإسلام ، بينما أكثرية من المسيحيين السوريين أو الفلسطينيين ينادون بإصرار مؤثر ، بالقوميّة العربية . ما هو مؤكّد منذ الآن : أنّ الشرق الأوسط المتوسطي الذي يرتبط غناه بالإمتزاج المثمر للديانات والاتنيات ، سيلبس غداً وجهاً حزيناً للتماثل . ما يعني أنّ إمكاناته ستتطور في الحدود الضيّقة التي تفرضها الثقافة المهيمنة.

كيف بلغنا هذا الحدّ ؟ إلى أيّة مسؤوليات نعزو كارثة كهذه ؟ في الشرق المعقّد ، يجب التشبّث بعناد بالأفكار البسيطة ، ما دام خطر الضياع كبير ! في الواقع ، إن تدهور المسيحيين الشرقيين يبيّن عجز المجتمع المسلم في إحتواء ما لا يماثله . في نظام إجتماعي حيث وضع الأفراد والجماعات يبقى مرتهناً للإنتماء الطائفي . فإن ديانة الأكثرية المطلقة تظل موضوع خلاف . كثيرون من الإختصاصيين ، بُهروا بموضوعهم فأصبحوا له عبيداً . لقد نشروا رؤية منمّقة عن الإسلام ، حاجبين مناطق الظل للماضي ومزيّفين بشكل بالغ إدراك الوقائع المعاصرة ، كما استطعنا أن نختبر ذلك طوال المأساة اللبنانية أو لدى تصاعد الثورة الشيعيّة في إيران . الإحساس بالخطأ ، هذه “ الزفرة للرجل الأبيض “ كما الرغبة حتى لا نبدو أننّا نعطي الحق للذين لا يزال يحركهم روح الصليبية أو الحنين إلى الإستعمار ، كلاهما ولّد في هذا المجال ، عند أهل الفكر في الغرب ، تسامحاً غريباً بحيث أن تكذيب الوقائع كان جذرياً . حتى تتفتح العيون قليلاً . إقتضى الإنتظار كي تصرّح عالياً بالبداهة الصارخة عقولاً متحرّرة من كل ارتباط وليس لها أن تراعي أية حقيقة رسميّة . إلى ذلك أُلحق بها الكثير من الخزي : إذاء أحاديثهم الدنسة ، قامت إحتياجات من قِبَل بعض رجال الدين المستشرقين . من هم هؤلاء الهواة ، حتى نجرؤ فنطرح للمناقشة “ الاسطورة المذهّبة “ للإسلام الناشر للحضارة ، والتي يؤكدها كثيرون من الأساتذة ؟ كيف يمكن أعداء التقاليد هؤلاء أن يعلنوا حقيقة إذا ما كانت هذه الظاهرة غير صحيحة ؟ فكما أنّ الشجرة يُحكم عليها عبر ثمارها ، كذلك لا يمكن للإسلام أن ينجو من التجربة القاسية لنتائجه التاريخية .

إنّ الشرق الأوسط المتوسطي ، مهد الحضارات القديمة ، يظهر حتى الفتح الإسلامي كأنه المركز الأساسي الحقيقي للعالم . في أريافه المزروعة بعناية عاشت شعوب كثيرة ومزدهرة . مدنه التجارية الكبرى ، ملتقى العبقريّة اليونانية والعبقرية الساميّة ، “ اعجوبة التاريخ البشري “ أشهرت خصوبة الإمتزاج الاثني والثقافي الذي كانت له إطاراً . الاسكندرية وإنطاكية ، المقامان الساميان للهيلينية المسيحية ، نافستا رومة وبيزنطية حتى القرن السادس ، في حين تقهقرت اوروبا في صراعات غامضة . ماذا بقي اليوم من هذا الماضي الرائع ؟ إلقاء نظرة على ذلك يبعث على الأسى . عندما نشاهد وعورة الأراضي المغطّاة بالحجارة والمعراة من الشجر ، وإهمال الزراعات ، وتلف التجمعات ، وسوء المعيشة العام ، هذه التي تعكس عقماً عقلياً لعالم لم ينجب منذ قرون عديدة عالماً واحداً أو مفكراً ذا شهرة عالميّة ، فكيف لا نتسائل عن الأسس الدينية التي حدّدت ، منذ أكثر من ألف سنة ، الأنظمة الإجتماعية والسياسيّة للشرق العربي ؟ لهي أنظمة ستكون عمّا قريب ، إزاء التطوّر الجاري في سائر أنحاء العالم الأكثر جموداً والأكثر تخلفاً على سطح الكرة الأرضيّة . لأن آسيا وأمريكا اللاتينيّة وحتى إفريقيا باشرت تحولاً عميقاً . عما قريب ، وحده العالم الإسلامي سيظل مغلقاً أذنيه عن روح العصر ، ووحدها الدول العربية وإيرانستبقى المربّع الأخير للدكتاتوريات .

من إزدهار الأمس إلى عقم اليوم ، إنطبعت المسافة بثلاثة عشر قرناً من التعصب والعنف . كانت ثمّة حقاً ظروف مميّزة شوهد خلالها ، في بلاط خلفاء أكثر استنارة من غيرهم ، اشعاع آداب وفنون ، وقيام حوار بين الديانات والثقافات . على هذا ، كثيرون من أهل الاختصاص خلصوا الى إضفاء الطابع التمدني والتحرري والمسالم على الإسلام عموماً . دمشق وبغداد والقاهرة عرفت العظمة التي لا تزال تشهد لها هندسة أحيائها القديمة ، والتي أضحت اليوم خراباً أمّا الواقع بالنسبة الى الأكثرية الساحقة من الشعوب التي بقيت بعيدة عن المراكز الأساسية الكبرى ، فكان استبداد الحكّام وحامياتهم ، تعصّب المنوّرين الذين ما فتئوا ، في كل العصور ، يعملون على بعث الإسلام بالحديد والنار ، أنواع الدمار التي كانت تتكرّر دوماً بموجات متلاحقة للغزاة ، غزوات غير النظاميين وزعماء القبائل البدويّة الذين كانوا ، حتى أواسط القرن التاسع عشر ، يتحدّون السلطة المركزية . مدن محروقة ، حقول متلفة ، شعوب قضي عليها بحدّ السيف ، أو نفيت ، أو استُبعدت ، هذه كانت العصور القاسية للتسلّط الإسلامي عبر القرون .

هذا التسلّط تجذّر باستبداده وتعسّفه في الإحساس بالتفوّق المطلق المنطبع في “ المؤمنين “ من منطلق التيقّن أنّهم يعتنقون الدين الحقّ الذي يضمّ ويكمّل كل ديانات الوحي السالفة . إن المسلمين ، كما تُبيّن ذلك أبحاث برنارد لويس ، هم عمليّاً الغزاة الوحيدون في التاريخ الذين لم يفيدوا في غزواتهم ، لأنهم ، في غرورهم بتفوّقهم الديني ، لم يُظهروا لسائر الناس سوى اللامبالاة والإحتقار . من هنا كانت ثقافتهم البدويّة الوضيعة جداً متدنية بالنسبة إلى حضارة الشعوب التي تغلبوا عليها .

يُنسب الى فاتح مصر المسلم قرار إحراق مكتبة الإسكندرية لأن كل كنوز الإرث الفكري القديم الذي كانت تحتويه ، فهو إمّا موافق للقرآن ، وبالتالي لا حاجة إليه ، وإمّا مخالف للقرآن ، وهو بالتالي خطر . لئن كان لا شيء يؤكد صحة هذه الرواية ، فهي على الأقل معبّرة بحيث تبدو قريبة إلى الواقع : إن وُجدت حضارات تملأ المكتبات ، فهناك حضارات تحرقها واليوم أيضاً ، هذا الرفض المطلق للإنضواء جديّاً إلى مدرسة الغرب الذي يعتبر رديئاً ومنحرفاً ، هو سبب من الأسباب الأساسيّة لعجز العالم العربي عن الخروج من مشاكله لا شكّ في أن العالم الإسلامي سينتظر أيضاً مدّة طويلة “ عهد العودة “ .

إنّ الإسلام الذي تحرّكه ديناميكيّة باطنيّة تفرض عليه أن يدفع بإستمرار الحدود التي يسود وراءها الكفر ، لم يتوقف عن إعلان الحرب على العالم “ المسيحي “ ( أو المعتبر كذلك ) . إذا ما تعاقبت ، وفقاً لنسبة القوى ، الأحقاب الهجوميّة وفترات الإسترخاء الظاهري ، فالإسلام لم يستسلم قط لنوع من التقاسم الثابت للعالم وللديانات الكبرى : في المنطق الإسلامي يجب توسيع الإحتلال دوماً لأكثر فأكثر وعدم القبول بأي تراجع نهائي . إن عدم تخلي المغاربة عن حكم الأندلس أكثر صحّة ممّا تصوره كورناي : أي حاكم إسلامي معاصر لا يتردّد في القول أن أرض إسبانيا ستعود بصورة طبيعية إلى الإسلام لأن الإسلام حكمها في الزمن الغابر . نعرف البُعد الخارجي لهذا المبدأ المحرّك المسمّى “ جهاداً “ ، هذا البعد الذي يدفع إلى بسط ملكوت الله أكثر فأكثر ، أعني إلى سيطرة المؤمنين وتطبيق النظام الإجتماعي والسياسي المستوحى من القرآن . ما لا نعرفه إلّا قليلاً ، أنّ الجهاد يمارس أيضاً في أرض الإسلام ملحقاً الأذى بالشعوب اللا إسلاميّة . بعض هذه الشعوب التي لا ترتبط بالتقليد الإبراهيمي ، لا تجد بديلاً سوى الإرتداد أو الموت . أمّا الآخرون ، المسيحيون واليهود ، فيجدون أنفسهم في منتصف الطريق بين الإيمان والكفر ، وعليهم من هذا المنطلق ، أن يُصانوا بسبب مشاركتهم في الضلال . من هنا الجهاد الداخلي الذي يجب فيه على المسلمين أن يقيموا وأن يجدّدوا عند الإقتضاء قانون الخضوع للأقليات غير المسلمة . لقد عُرف هذا القانون تحت اسم “ الذمّة “ والكلمتان اللتان تحكمانه هما الإنفصال والإذلال . إنفصال ، لأنه ينبغي أن يُصان المؤمنون من عدوى الضلال . إذلال لأن الضلال يجب أن يُفضح بشكل باوز كي يحثّ على الإرتداد ويشهد إنتصار الحقيقة .

من الجهاد إلى الذمّة ، كما كشف ذلك مؤلَّف حديث ، لم ينفك مصير المسيحيين في أرض الإسلام يتعاقب بين عنف مستمرّ وموت بطيء بين الأساطير التي تزيّن التاريخ الإسلامي ترد الفكرة بأنّ الهيمنة الإسلاميّة تمّت بطريقة شبه مسالمة ، ذلك أنّ فرسان الإسلام استُقبلوا كمحرّرين من قِبَل شعوب أنهكها القمع الهلّيني . إذا كان صحيحاً أنّ النظام البيزنطي كان يفتقر إلى الروح الإنسانية وأنّ مسيحيي الشرق لم يتطوّعوا قط لحمايته ، فالإحتلال الإسلامي لم يقلّ عنه شراسة . ولمن الغريب في هذا المجال ألاّ نسمع شكوى المؤرخين المسيحيين في القرون الوسطى ، الذين يسردون ، طوال صفحات وصفحات ، اللائحة الطويلة المؤلمة للغزوات والمجازر والنفي التي قاستها الأقليّات غير المسلمة .

نشعر بالعجز ، أسوة بالمؤرخ جان دي نيكيو ، إزاء كل ما ينبغي أن نكتبه : “ لنصمتنّ الآن ، إذ من المستحيل أن نروي الفظاعات التي اقترفها المسلمون “ . مع ذلك ، كيف تمًّ الغزو بصورة هادئة ، في حين أنّ النصّ الرئيسي للإسلام يُجبر المؤمن بإلحاح وبتكرارات شبه حضريّة ، أن ينقل الحرب – بالمعنى الأكثر واقعيّة للكلمة – إلى دار الكفر ( دار الحرب ) ؟ وكما يشير إلى ذلك جان إلول ، أنّ الإسلام هو أساساً دين حرب وعندما يلجأ المسلمون إلى العنف فهم يمتثلون إمتثالاً كليّاً للقرآن .

ما يلي كان عمليّة طويلة من “ الإفناء “ أعني تقليصاً كاملاً للطوائف المسيحية ، لا سيما وأنّها عملية غريبة استولى فيها الغزاة على إرث المسيحيين . لقد حُرم المسيحيون من الحقوق السياسيّة ، وقُلّصوا الى طاقة قانونيّة محدودة ، كما حُصروا في شبكة من المحرّمات والعراقيل ( دينياً ، حِرَفياً ….) وأُكرهوا ـ حتى على مستوى اللباس ـ على إحترام الأوامر المذلّة . وإذ أعتبروا كُفّاراً أو مزوّرين للكتب المقدسة ، فلقد سُخر منهم في معتقداتهم ، كما جُحدوا في قيمهم الإجتماعية . تاريخهم المجيد حُجِب وزُور ، بحيث أنهم عُوملوا في النهاية على الأرض التي كانوا يملكونها قديماً ، كضيوف محتملين تقريباً ، إن لم يكن كغرباء . عندما كانت تجري عمليّة التحقير والإذلال هذه ، لم تكن الإمبراطورية العربية – الإسلاميّة تأنف من أن تلجأ إلى الذين لم تكن توليهم أي إعتبار . لئن اساطاعت هذه الإمبراطورية أن تعطي ، خلال بضعة قرون ، إنطباعاً وهميّاً عن الإشعاع والنجاح ، فهي مدينة بذلك على الأخص للموظفين المسيحيين الذين ورثتهم من الإدارة البيزنطيّة ، وللمهندسين المسيحيين الذين بنوا لها قصوراً وجوامع ، وللعلماء المسيحيين الذين نقلوا لها الإرث الفكري القديم . فبفضل المسيحيين الشرقيين إستطاع الكوكب الميّت للعصور اليونانيّة – الرومانيّة القديم أن ينشر ، خلال مدة من الزمن أيضاً نوراً يصعب علينا أن نعزوه إلى العالم العربي ـ الإسلامي بالذات .

بًيْـدَ أنّه لم يكن ممكناً للسلطة الإسلاميّة أن تستخدم لمدة طويلة المجتمع المسيحي مع السعي إلى خنقه . بينما كانت مصلحتها تقتضي بأن تؤمّن للمسيحيين ظروف إزدهار تجني من خلاله منفعة كبرى ، فإنّ تعصّبها ، أو على الأقل تعصّب الرأي الإسلامي ، ان يملي عليها بالموازاة ، تصرّفاً غير عادل وقمعي . إنّ تاريخ المسيحيين تحت الهيمنة العربيّة – الإسلاميّة ، لم يكن ، عملياً ، إلّا أوقاتاً متعاقبة حيث كانت السلطة ، نظراً للضرورة أو التراخي ، تتيح للمسيحيين بأن ينعتقوا من الإطار الضاغط جداً ، إطار الذمّة ، قبل أن تعيدهم ، تحت ضغط الظروف ( أو وفقاً للتدابير الشخصيّة لدى هذا أو ذاك من الحكّام ) إجمالاً لقاء تعسّفات بالغة الشدّة . في الواقع ، وُجدت أوقات كان الضغط فيها يفتر ، وكان ممكناً تحقيق نجاحات فرديّة رائعة . ولكن إذا كان إستخدام نظام الذمّة بدا غالباً أكثر تسامحاً ، فإن شرعيّته ودونيّة مبدأ الأقليات غير المسلمةلم تكن قط موضوع جدال . من هذا المنطلق ، إنتقل المسيحيون من المخالفات إلى التراجعات ، مدركين الطابع العابر تماماً لمكتسباتهم ، يترقّبون دوماً العلامات التي تنذر بتصلّب الحكم ، أو موجات العنف الشعبي الذي من شأنه أن يعيدهم إلى نظامهم الأساسي بحذافيره . من هنا هذه الخطوط المميّزة لنفسيّة مشوّهة طعن بها ، غالباً ، منذ الصليبيين ، الغرب الواثق من قوّته : معنى للتراضي يبلغ حدّ الشبهات ، طاقة لا محدودة لتحمّل الإهانات ، حاجة مثيرة للشفقة – حتى في العرض التفاخري للنجاح بأن يُعترف به من الغير .

غروب الحضارة العربيّة الإسلاميّة سار في خط متواز مع خنق المجتمع المسيحي ، عندما رفض العالم الإسلامي إعطاء المسيحيين مكانهم الصحيح ، قضى على نفسه بالعقم والذبول . لقد خمدت الشعلات الأخيرة للولايات العربيّة ،مع الفتح التركي : محجوزين في نظام إجتماعي وسياسي لا يولّد إلاّ الإنقسامات الدينية ، دخل المسيحيون في حال من التجذّر والتصفّد . لا يمكننا أن نجمّل التعايش الإسلامي – المسيحي الذي جعله هذا الحجر ممكناً . لقد أتاح هذا التعايش ، على الأقل ، للأقليّات الصغيرة غير المسلمة ، بأن تصل إلى أبواب القرن العشرين في جزء من الأراضي المحتلّة ، ( لأنّ المسيحية في الجزيرة العربيّة إندثرت في غضون جيل وتمّ إضمحلالها في افريقيا الشماليّة منذ القرن الثاني عشر ) .

ليس ما يدعو إلى استخلاص نتائج إيجابية على الأخص حول التسامح الإسلامي . عندما نعرف أنّ الشرق الأوسط بأجمعه كان مسيحياً عملياً عشيّة الغزو الإسلامي ، نُصدم بضخامة التقهقر . في الواقع إنّ إسلام القرون الغابرة لم يكن يملك لا البنّية الإداريّة ولا الإستمرار السياسي ليمارس ، بعد موجات العنف ، سياسة استئصال منهجي للمسيحيين . مثل كل أشكال الإستبداد في الماضي ، كان يعمل بانجفاعات عابرة تراوح بين الشراسة والخمول . كما أنّ تنظيمه الضرائبي الذي كان يجعله يفرض على الأقليات غير المسلمة الضروري من الضريبة ، كان يلزمه بأن يحتفظ بالأساسي منها . في بعض العصور ، احبطت السلطة الإرتدادات إلى الإسلام وأجبرت المسيحيين أن يظلوا مميّزين .
بدءاّ من القرن السادس عشر ، أنهت أوروبا عزلة المسيجيين الشرقيين ، وكان هذا سبباً في نكبتهم .

من المؤكّد أنّ كل شيء لم يكن سلبياً في تلاقي فرعَيّ المسيحيّة . إ ن المسيحيين الشرقيين ، في إتصالهم بالغرب ، استيقظوا على العصرنة . لقد اكتسبوا بفضل المرسلين ومدارسهم ومطابعهم ، تفوّقاً ثقافياً قوياً على مواطنيهم المسلمين ، وانفتحوا على نموذج أكثر تحرراً في التنظيم الإجتماعي والسياسي ، حيث يتمكن الفرد أن يتحرّر من العائلة والجماعة ، وأن تنعتق الدولة من الدين ، وأن تتحرّر المعرفة من الكتب المقدسة .

بعد أن اتّسع أفقهم ، وانحلّ الضغط الإسلامي ، إستشف البعض منهم إمكان تحرّر كامل وحلموا بمصير منفصل للمسيحيين في إطار خاص بهم . أمّا الآخرون فقد عملوا بالمقابل ، على بعث شرق عربي ، آملين تكوين وطن مشترك للمسيحيين وللمسلمين حيث الإتنيّة ترجح على الدين .

كان يبدو المشروع واعداً بنهضة حقيقيّة لكل المنطقة . في الواقع ، لقد وضع قيد الإختبار على الأخص التعايش بين مختلف الطوائف .

إنّ التدخّلات الأوروبية في الشرق التي حرّكتها اعتبارات غيريّة على الإطلاق حيث لم يُحسب ، الّا قليلاً جداً ، حساب مصير المسيحيين المواطنين الأصليين ، قطَّرَت سمّ الحذر والضغينة في العلاقات الإسلاميّة – المسيحيّة التي سبق وأفسجتها التعصبات الدينيّة . فالأوربيون الذين ادّعوا مهمة الحماية التي لم يتوسّلها قط أصحاب العلاقة ، استغلوا الظرف ليتدخّلوا عميقاً في شؤون الأمنراطورية العثمانيّة ، مع الرغبة المكشوفة في إخضاعها للرقابة أو في تفجيرها .

لقد استخدموا الدروز في منتصف القرن التاسع عشر ، كذلك بالنسبة إلى إبادة الأرمن في سنتي ١٩١٥ – ١٩١٦ . وإذا لم يكن ثمّة عذر للجريمة ، فهناك على الأقل تفسير لها : لقدأتمّ الجزّارون مهمتهم مع اقتناعهم انهم يروون غليلهم بإنتقام عادل . وحتى اليوم ترفض تركيا الحديثة أية إعادة لقراءة الأحداث .

لقد انقرضت الإمبراطوريّة العثمانيّة ونبتت على أنقاضها نحوّ من عشرين دولة عربيّة – إسلاميّة . غير أنّ ظروف تصفيتها كانت سبباً لجروح لم تندمل قط . ويمكن القول ، بطريقة ما ، أنّ “ الرجل المريض “ العجوز ، الذي أشار إليه نيقولا الأوّل أمام السفير هاملتون سيمور لا بزال في طور الإحتضار . من هدنة “ مودروس “ إلى معاهدة لوزان ، بدا بالحقيقة ، أنّ الدبلوماسيّة الغربيّة زرعت في أقل من خمس سنوات ، دون أي داع ، كل بذور النزاعات التي تمزّق ، مذّاك ، بلا نهاية ، الشرق الأوسط وبلدان البلقان .

في هذا التشابك الشديد للاتنّيات والديانات الذي يطبع أوروبا الشرقيّة والشرق الأوسط المتوسطي ، وحدها الإمبراطوريّات الكبري المتعدّدة القوميّات والتي لا مطمع لها بالتوحيد ( أو المعدومة الوسائل لتحقيق ذلك ) كان يمكنها أن تضمن تعايش الفئات .

إنّ الرغبة في أن تُطَبَّـق على هذا النسيج الكلي التنوّع ، المخطوطات الموروثة من الثورة الفرنسيّة أو من حركة القوميّات ، التي ينبغي بموجبها أن تتحسّد كل قوميّة في دولة إتحاديّة ومتناسقة ، كانت تعني دون شك دفع المنطقة بكاملها إلى اشطرابات لا نهاية لها . في الواقع ، لا توجد في الشرق الأوسط “ قوميّات “ وفقاً للمعنى الغربي للكلمة ، لا طوائف ذات هويّة يمكن أن تكون في غالبيتها إتنيّة ، دينيّة ، ثقافيّة …. نادراً ما استقرّت هذه الطوائف ضمن حدود واضحة ، بل تعوّدت ، بعد عدة قرون من حكم الإدارة العثمانيّة ، أن تفضّل التضامن مع فريقها ، على كل عاطفة إنتماء أخرى . من العبث أن نعمل على إقامة دول حيث تسود ذهنيّة قبليّة . كان المسعى يقود دون شك إلى كوارث ، لا سيما وأنّ البلدان المتحالفة كثّرت ، في الحرب العالمية الأولى ، حتى تحتاط للمنافسات ، الوعود المتناقضة حول الأراضي ذاتها ( دول عربية كبرى موحّدة ، لكن أيضاً دول أرمنيّة ، كرديّة ، آشوريّة ، يهوديّة ، لبنانيّة …) .

هنا أيضاً لم يصادف الغرب سوى أصداء متزايدة ، فالنموذج الدولي في أوروبا فرض نفسه بشكل حاسم ، لا سيما وأنّه كان مجلللّاً بمزايا العصرنة . بعد أن أصيبت المنطقة بكاملها بفيروس النزعة القوميّة كما كتب جورج قرم ، وراحت تفكّر مذّاك في تعابير الإقليم ، والحدود والهويّة القوميّة ( البعيدة حتى الآن عن إهتماماتها والمناقضة لواقعها التعدّدي ) ركّزت قواها بحثاً عن الدولة – الأمّة التي يعز إيجادها .

بينما كانت بعض الحركات تعمل لتجاوز الأطر المتعلقة بالدولة والتي حدّدتها معاهدات السلام ( مثل الدعوة إلى وحدة البلدان العربيّة التي ينادي بها حزب البعث ) ، كانت حركات أخرى تسعى إلى تفجيرها من الداخل لتتيح التعبير عن قوميّت مصغّرة ( درزيّة وعلويّة في سوريا ، كرديّة ، وآشوريّة في العراق ، يهوديّة في فلسطين .. ) .

غيرها أيضاً ، بعد أن أذعنت للحدود المصطنعة كلياً التي حدّدتها المعاهدات ، حاولت أن تثبّت الكيانات الجديدة مبتكرة هويّة سوريّة هنا ، وهويّة عراقيّة هناك . والمتنافسة التي لم تحقّق واحدة منها مقاصدها ، لم تولّد صوى الخيبات والمرارة

في الحقيقة ، إنَّ دستور الدول الذي أقتُبس من النماذج السياسيّة الغربيّة ، حمل الى المسيحيين قدراً صئيلاً من المساواة ، إذ لم يعد وصع الأفراد والجماعات محدّداً رسميّاً وفقاً لإعتبارات دينيّة . بَيْدَ أنّ ما كيبوه كمواطنين ، خسروه كأقليّات إتنيّة وثقافيّة . بناء هذه الكيانات الدوليّة الجديدة حصل ، بالحقيقة ، لقاء تعادل كانت توّد هذه الدول أن تعطيها عن ذاتها .

إنَّ تركيا الحديثة ، بهدف تبرير محاولتها لتصبح وطناً للأتراك وحدهم ، طردت اليونان من أناصوليا ( في عملية تبادل سكاني صخم لم يشهد مثلها التاريخ قبلاً ) ، تنكّرت للواقع الكردي ، وحرمت السريان حقوقهم الثقافيّة . العراق ذبح الآشوريين ، مصر التي كانت تعمل للوحدة العربيّة ، شتّتت الأقليّات الأرمنيّة واليونانيّة واللبنانيّة .

بما أنّ الإسلام لم يتوقّف عملياً عن التأثير على ضمير الحكّام والهيمنة على الحياة الإجتماعية ، فإنّ التمييزات ذات الطابع الإتني أضيفت ، في الواقع ، إلى التمييز القديم ذي المصدر الديني ، أكثر ممّا حلّت محله . لقد أُثيرت مبادئ العلمنة على حساب المسيحيين وحدهم بغية إجبارهم على تفكييك تنظيمهم الجماعي ، بينما الإسلام ينجو من العلمنة متذرّعاً بتداخله مع الدولة.

من إجهاض الأحلام القوميّة ، بقي في الرأي العام العربي والمسلم حقد شديد ضدّ العالم الغربي . فأوروبا التي سبق وعرفت أن توقظ الأمل بدولة عربية موحّدة ، اعتُبرت مسؤولة عن فشلها واشتُكي منها لاتخاذ قرارين ألحقا أعمق الأذى بالضمير الإسلامي : إقامة دولة يهودية في ملسطين ، وبمستوى أقل ، إقامة دولة لبنانيّة خُلقت بصورة بيّنة من أجل المسيحيين.

الولايات المتّحدة التي وقفت بعد الحرب العالميّة الثانية ، عائقاَ ضدّ الوحدة العربية ، لم تُرمَ بتشنيع أقل ، حتى وإن فتنت بقوتها العالم العربي واضطرّته على الإلتفاف إليها طلباً للعدالة.

فالإيديولوجيّات القوميّة والتقدميّة ، والنموذج السياسي للدولة ، هذه التي نُقلت عن الغرب ، لاقت الفشل . ومن الطبيعي جدّاً أن ينظر المسلمون إلى المسيحيين ، عقب هذا ، نظرة أكثر إنحطاطاً . لقد نسبوا إليهم ، بشكل شبه غامض ، جزءاً من المسؤولية في هذه الهزيمة . هؤلاء الذين عقدوا صلات مع أوروبا ، وأعلنوا عن قرابات عقليّة ودينيّة معها ، بل هم يعرضون صورة للتغرّب ، كيف لا يلعبون لعبتهم ضدّ فريقهم ؟ في بروزهم كمؤسّسين للنماذج السياسيّة الغربيّة التي كانت عاقبتها الأكثر وضوحاً تملّصهم من تشريع التبعيّة التي أراده القرآن ، ألّا يكونوا شركاء في المؤامرة الواسعة التي يحاول الغرب فيها أن يلغم من الداخل العالم العربي – الإسلامي مزيّفاً هويّته الإسلاميّة ؟

أكثر من أيّ وقت يجتذب المسيحيون المشاعر الممزوجة بالغيرة والنفور اللذين يضمرهما العالم الإسلامي للغرب.

أيمكننا أن نرجو تبدّلاً في هذا الصدد ؟ ما يجب أن نخشاه بالأحرى تفاقم الأمور . إنّ العالم العربي – الإسلامي ، بعد أن أنهكته خيباته المتعدّدة ( عدم قدرته على الإتحاد ، إخفاق مشاريعه في التنمية الاقتصاديّة ، عجزه العسكري في مواجهة إسرائيل ) كان عاجزاً عن أن يدرك أسباب ذلك ـ لأنها ستجعله يشكّك في تأكيداته ـ لذا بدا بالمقابل أنّه يعتبر أن عليه أن ينطلق أكثر في أخطائه . لقد عزا مشله إلى التحدّي الثقافي للغرب ، ولم يجد جواباً في الوقت الحاضر إلّا التشبّث بالمظاهر المتنازَع فيها لهويّته الإسلاميّةوالتي هي بالضبط أساس نكباته.

إن النهشة الإسلاميّة التي نشهدها منذ عشرين سنة والتي تقوم مقان الأيديولوجيّات القوميّة التي مشلت ، هي أيضاً نتاج التحولات الإجتماعيّة والثقافيّة العميقة الملازمة للإرتفاع المفاجئ في أسعار النفط والتي خلقت أزمة هويّة وحاجة للقيم تكون ملاذاً . إن المصائب التي نُسبت الى الغرب ، وقد ولّدها هذا الدفق المفاجئ للثروات الموزّعة توزيعاّ سيئاً ، خالقاً خللاً كبيراً في أنماط الحياة التقليديّة مضلّلاً العقول وموسّعاً الحرمان الجماعي ، هذه المصائب استخدمت كتبرير لإيديولوجيّة متخلفة وتوتاليتاريّة : هذه الإيديولوجيّة تطمح إلى ردّ العالم الإسلامي إلى عصره الذهبي ، بالعودة إلى حرفيّة الأنظمة ذات الطابع السياسي والإجتماعي التي سنّها النبي لمجتمع ( المدينة المنورة ) في القرن السابع.

هذا يعني أنّ هذه الأيديولوجيّة تستعيد كل جوانب الإسلام السلبيّة مع التشديد عليها ( رفض التسامح والتقدم ، إخضاع السياسة للدين …) والتشديد على الميل المريض المصاب بالفصام لدى العالم الإسلامي ، لكي يعيش خارج الوقائع أو في تذبذب بين عالَميْن منفصلَيْن ( نظام الأبوّة الموروث من قبائل الجزيرة العربيّة القديمة ، والتحسينات التقنيّة العصريّة ) . هذه الأيديولوجيّة هي على الأخص ، عملياً ، ستار وراءه أفرقاء حازمون جداً يحاولون أن يستولواعلى السلطة.

إنّ الأصوليّة الإسلاميّة ، بصفتها هذه ، تمثّل بالنسبة إلى المسيحيين تهديداً نوعياً . لقد أغفلت كل الإختبارات وهي تنوي أن تعيد الأقليات الدينيّة إلى حرفية نظام اللامساوات الذي اوجد أسسه في القرآن ، لكنّه حُدّد في القرون الوسطى كأنّه توضيح لعلاقات القوة التي أنشأها الغزو الإسلامي.

في الواقع ، حيث يستطيع الأصوليون أن يفرضوا أنفسهم ، كما في بعض ضواحي كبرى المدن المصريّة ، يعمدون إلى جباية ضريبة على المسيحيين ويفرضون عليهم عقوبات قرآنية.

إنّ الأصوليّة الإسلاميّة ، في إعطائها أهميّة للمعايير الدينيّة للتراتبيّة في المجتمع ، تحفر من جديد هوّة بين المسيحيين والمسلمين في تخفيض قيمة المظهر الوحيد الذي كان يمكن أن يوحدهم : الإنتماء إلى العروبة.

وسط خليط مُستغرب ، يقومبه كثيرون من المسلمين بشكل طبيعي ، أكّدت الأصوليّة أنّ غير المسلم لا يستطيع أن يدّعي أنّه عربي . الأسوأ من ذلك : تطوُّع الجماعة الإسلاميّة لخدمة المشروع الأصولي يفترض إيجاد جوّ من المنازعات حول عدوّ هو في الوقت نفسه وهمي ( بالأضرار التي تنسب إليه ) ومحسوس ( بالضحايا التي يمكن أن يقدمها ).

إلى ذلك ، إنّ المحرضين الأصوليين يهاجمون على الأخص المسيحيين فيروّجون عنهم إشاعات كفيلة بإثارة ردود الفعل لدى الجماهير المسلمة ( تجديفات ، إنتهاك للحرمات ، “ مؤامرة مسيحية ..…” ) لقد شوهدًت تكراراً خلال السنوات الأخيرة ، الجماهير المسلمة تندفع عفوياً للإنقضاض على منازل الأقباط في الأحياء أو القرى المختلطة في مصر ، وذلك بناءً على تصديق وشايات.

بعد مجزرة أرمن تركيا ، وطرد يونان آسيا الصغرى ، وذبح الآشوريين في هيكاري ، ويعاقبة طور عابدين ، وفرار مسيحيي قيليقيا وسنجق الإسكندرونة ، ونهاية الجزيرة السريانيّة ، هل سيحتفظ القرن الواحد والعشرون أيضاً للمسيحيين بمأساة أكبر ؟

في الواقع ، لقد جرت هذه المأساة تحت أنظارنا دون أن ندركها على حقيقتها . على مدى ستة عشر عاماً ، عرض واقع الحال لائحة طويلة من نكبات لبنان ، لكنّ تقرّباً منحرفاً من الوقائع يحول دون معرفة معيارها الصحيح ، بينما تعقيدات الحوادث الطارئة كانت تميل إلى عدم الحكم لأي من الفريقين اللذين كانا يتناحران.

إنّ أهل الفكر الغربيين ، بعد أن انحازوا إلى المسلمين لأنّ هؤلاء عرفوا أن يصبغوا قتالهم بألوان العالم الثالث ، جذبوا إليهم ، في جهدهم لنزع الإعتبار عن مقاومة المسيحيين اللبنانيين ، قسماً كبيراً من الكنائس المسيحية في الغرب التي كانت مرتعاً للإحساس بالخطأ وتبحث عن التبرّؤ إزاء الإسلام.

ولكن إذا كان استمر تسلسل الأحداث غامضاً وأمكنه أن يقود فعليّاً إلى الخطأ ، فلأنّ النتائج ، بالمقابل ، لم تكن إلّا بالغة الوضوح . كان المسيحيون ، عشية الحرب ، موزعين على ١٠،٠٠٠كم٢ للأرض اللبنانية . بعح ستة عشرة سنة وجدوا أنفسهم منحصرين ضمن حدود لا تتعدّى ألف كم٢ . هذا يعني أنّهم طردوا من مناطق بكاملها ، وبأي شكل ؟

في العام ١٩٨٣ في منطقة الشوف ، قُتل أكثر من ١٥٠٠ مسيحي برباطة جأش بالغة ، قُطعوا بالفأس غالباً أو نُشرت أعضاؤهم وهم أحياء . ولا تزال أنقاض ١١٠ قرى محترقة تشهد على هذه الكارثة التي لم تُثر وقتها ، أي انفعال في المجتمع الدولي.

لا شك في أنّنا سنستفيض أيضاً في شرح طويل لمفهوم النزاع الذي لا ينتهي ، وللمسؤوليات وللحساب الأخير للخسائر . ما هو مؤكد على أيّ حال : عَبْرَ الـ ٥٠٠،٠٠٠ مسيحي لبناني طُردوا من منازلهم ، وآلاف ضحايا المجازر الجماعيّة ، والـ ٢٥٠ قرية و٣٨٠ مركزاً دينياً و٦٠،٠٠٠ مسكن مُهدم ، عَبْرَ مئات ألوف المسيحيين الذين غادروا لبنان دون أمل بالعودة ، أُصيبت المسيحية الشرقيّة في قواها الحيّة.

بالنسبة إلى جميع مسيحيي الشرق ، وجود بلد عربي حيث الجميع يتمكّنون من أن يسيروا مرفوعي الرؤوس ، ويُعلنوا هويّتهم وإنتسابهم ، ويعيشوا دون عراقيل معطيات العصر ، كان يؤّلف ضمانة وملاذاً.
أمّا الآن ، وقد تُلف النسيج الإجتماعي للبنان المسيحي مع إستئصال السكان ، ورحيل النخبة ، وهبوط المستوى الدراسي ، وخسارة مصداقيّة المؤسّسات التمثيليّة ، وضعف المعنويات عامّة ، فأي مسيحي يمكنه بعد أن يأمل بمستقبل مضمون في الشرق ؟

ما جرى في لبنان يكوّن بطبيعة الحال ، وضعاً بالغ الخطورة لا يحلّل تحليلاً صحيحاً وضع المسيحيين في مجمل العالم العربي . بَيْدَ أنّ الواقع اليومي لحياتهم ( في العالم العربي ) هو في كل مكان وأكثر فأكثر ، واقع التنكيل والقلق والهروب . فالعداوة الشعبيّة الإسلاميّة إزاء المسيحيين ، تتمخّض في المناطق الريفيّة ( المصريّة ) عن تعدّيات ماديّة ( سرقة المواشي ، إغتصاب العقارات ، أعمال تخويف تصل حتى الفتك بالأفراد ) ، وتخريبات وتدنيسات تستهدف الكنائس والمقابر المسيحيّة.

أما في المدن فثمّة إدارة مدقّقة تزيد من الإزعاجات ضدّهم ، خانقة عندهم حريّة التعبير الثقافي ، خانقة مدارسهم ، مانعة بناء كنائس جديدة وترميم الكنائس القديمة . يتوقف أحياناً هذا الوضع على تدابير هذا الموظف أو ذاك . وغالبا ما يطابق أكثر فأكثر السياسة المتعمّدة للحكومات التي توّد أن تمنح الإسلاميين ضمانات.

في كل مكان جوّ من العدوانيّة يحيط بالمسيحيين عندما لا يتفجّر العنف دون إنذار علىأثر حادث تافه . إلى ذلك ، إنّ الطوائف المسيحيّة مرتهنة منذ الآن لعمليّة نزوح متزايد ، وأنّ هروب النخبة من شأنه أن يقلقل وشع الباقين دافعاً إيّاهم إلى الرحيل بدورهم.

هلّا سيبقى مسيحيون في الشرق الأوسط في الألف الثالث ؟ إذا لم نكن متأكّدين من اضمحلالهم التام ( الب١٢عض يبقون مع ذلك عن اقتناع ، بالرغم من تيقّنهم من حياة أفضل في الغرب ) نعتقد أنّهم يقتصرون على مجموعة من أفراد يعيشون مجهولين في المدن غير قادرين على مزاولة الحياة الجماعيّة التي لا بدّ منها للمحافظة على هوّيتهم . نظراً لعددهم الضئيل جداً المعدوم الأهميّة ، لن يستطيعوا قطّ إلّا أن يتقَولبوا وفقاً للقيم المهيمنة وأن يمتنعوا عن التمرّس بعملهم علانية كمسيحيين.

هذا يعني أنّ ما كان يكوّن ثراءهم سينقرض ، بهذا سيكسب الشرق الأوسط العربي التجانس الديني الذي تفترضه رؤيته اللاهوتيّة : من منطق نظام الذمّة دفع “ ديانات أهل الكتاب “ إلى التلاشي . سيخسر في ذلك أوراق التعدديّة ، هذه التي لا تعني الإسلاميين في شيء.
إنّ معركة مسيحيي الشرق التي جرت خلال ثلاثة عشر قرناً عَبْرَ التقلبات الأكثر شراسة ، كانت إحدى أطول معارك التاريخ.

في الختام ، نظرة سريعة إلى الماضي ، تدفعنا إليها العاقبة النهائيّة ، القريبة جداً الآن ، لا يمكننا إلّا أن نضمر عاطفة إعجاب لا بالذكاء والشجاعة والعناد التي عرفت أن تأخذ بها باستمرار الجماعات المسيحيّة فحسب ، بل أن تستفيد من أقل فسحة من الحريّة لتعبّر ، بشكل ساطع للغاية ، عن مواهبها التي لاتحصى.

مهما يكن قبول هذا الأمر قاسياً ، يجب أخيراً ، دون شك ، أن نبتهج كون مسيحيي الشرق ، بدلاً من أن يستمرّوا على أرضهم ، في أن يعيشوا عيشة وضيعة ومهدّدة ، يأتون اليوم لإغناء العالم الغربي بإمكاناتهم الهائلة.
١٢