تاريخ كنيسة القيامة المؤسسة الاميريكية للدراسات السريانية

Posted by on Feb 1, 2017 in Library | Comments Off on تاريخ كنيسة القيامة المؤسسة الاميريكية للدراسات السريانية

تاريخ
كنيسة القيامة

المؤسسة الاميريكية للدراسات السريانية

كنيسة القيامة
تاريخها

يطلق اسم القيامة على مجموع الكنائس التي شُيدت فوق القبر والجلجلة ومغارة الصليب . وقد رأينا تسهيلاً للقارئ ان نقسم تاريخها الى خمسة أدوار :

الدور الأول ، يبدأ من حادثة صلب المسيح ودفنه سنة 33 م كما وردت في الأنجيل وينتهي بإعتناق قسطنطين الكبير المسيحية وهدم المعبد الوثني المشيّد على القبر واكتشاف القبر والجلجلة والصليب من قبل أمه الملكة هيلانة سنة 326 م . ومعظم المعلومات التي وصلتنا عن هذا الدور غامضة ومبهمة الا ما رواه الانجيل . ومدة هذا الدور 293 سنة .

الدور الثاني ، يبدأ من فراغ الملكة هيلانة من تشييد البناء البيزنطي الذي أقامته على القبر والجلجلة وكهف الصليب سنة 336 م وينتهي بهجوم الفرس واستيلائهم على القدس وتدميرهم القيامة سنة 614 م . ومدة هذا الدور 278 سنة .

الدور الثالث ، يبدأ من تاريخ إعادة بنائها من قبل مودستس سنة 629 م واسترجاع هرقل خشبة الصليب من الفرس ويستمر الى سنة 1009 م التي فيها دكّت القيامة بأمر من الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله . ومدة هذا الدور 380 سنة .

الدور الرابع ، يبدأ من تاريخ بنائها ثانية من قبل الملك قسطنطين الملقب بمونوماخوس سنة 1048 ويستمر الى سنة 1130 م حين بدأ الصليبيون في تغيير هندسة بنائها . ومدة هذا الدور 82 سنة .

الدور الخامس ، يبدأ من البناء الصليبي الذي انتهى في سنة 1149 م وهو البناء الحالي ويستمر الى يومنا هذا .

وهذا التقسيم مبنى على ما طرأ عليها من حوادث التخريب والترميم كما رأيت .

القيامة في دورها الأول
وهو الدور المعروف بالعهد الروماني الوثني

ولما كان المساء ، يقول الانجيل ، جاء رجل غني من الرامة اسمه يوسف وأخذ جسد المسيح ولفّه بكتان نقي ووضعه في قبره الجديد الذي كان قد نحته في الصخرة ثم دحرج حجراً كبيراً على باب القبر ومضى . وفي فجر الأحد جاءت النسوة الى القبر فظهر لهنّ ملاك اخبرهنّ بقيامة الرب ، فانطلقنّ مسرعات يبشرنّ التلاميذ بما سمعن . من هنا يبدأ تاريخ كنيسة القيامة . ولم يزدنا الانجيل ولا التاريخ إيضاحاً عن مصير القبر بعد قيامة السيد وصعوده . ولا ذكر ان التلاميذ والمؤمنين أتّخذوا القبر محلاً للعبادة . إنما جاء في تاريخ ابيفانيس ان المسيحيين كانوا يقيمون الصلاة في مكان على جبل صهيون حيث أكل السيد المسيح العشاء السري الأخير . وهذا المكان حسب التقليد وشهادة بعض مشاهير المؤرخين هو ديرنا المعروف ببيت مريم أم يوحنا مرقس . ولا يفهم من هذا ان المؤمنين أهملوا القبر في صدر المسيحية ، كما زعم البعض زعماً باطلاً ، بل حافظوا على مرقد سيدهم واعتبروه كل الاعتبار واستمروا على زيارته طيلة الجيلين الثاني والثالث .

تأسّست أول كنيسة في العالم في اورشليم يوم حلول الروح القدس على التلاميذ . وكان عدد المؤمنين قبل الحادث قليلاً جداً ، الا ان هذا الحادث العظيم الذي شهدته الألوف من الناس المختلفي اللغات والأجناس والأديان كان سبباً لإنتشار المسيحية إنتشاراً عجيباُ . وأول أسقف نصب على الكنيسة الاورشليمية كان يعقوب أخي الـرب الذي استشهد سنة 62 م . وقد بقي المسيحيون مع إقامتهم الصلاة في بيت أم يوحنا مرقس وغيره من الكهوف يتردّدون الى الجلجلة والقبر للتبرّك بزيارته حتى شقّ اليهود عصا الطاعة على الحكومة الرومانية . ولما دوت في آذان المسيحيين جلبة جيوش الرومان التي جاءت لإخضاع اليهود وإخماد نيران الثورة علموا أن الوقت قد حان لإكتمال نبوّة السيد المسيح عن خراب المدينة والهيكل فغادروا اورشليم هاربين الى مدينة ” بلا ” الواقعة في شرقي الاردن بالقرب من بيسان مع اسقفهم سمعان البار . فجاء تيطس وحاصر اورشليم حصاراً شديداً وأفتتحها عنوة سنة 70 م ودمّر المدينة تدميراً هائلاً . وقد سلم القبر والجلجلة من التدمير لأنهما لم يكونا في حالة تسترعي الانتباه .
لم يحل خراب المدينة دون عودة بعض المسيحيين الى اورشليم عندما خمدت نار الحرب . فرجعوا اليها ونزلوا في جبل صهيون حول العليّة إذ كانت الجهة الوحيدة التي نجت من الدمار العام فظل موقع قبر المسيح معروفاً عندهم بعد الخراب أيضاً كما كان معروفاً قبله . ولا شك أنهم أخذوا يفدون على زيارة الأماكن المقدسة كعادتهم .

بقيت المدينة خربة 62 سنة الى ان حنّ اليهود المشتتون في أنحاء فلسطين الى مدينتهم فثاروا مرة ثانية وانتزعوا المدينة من أيدي الرومان ورمّموا بعض مبانيها وأخذوا يكرهون المسيحيين على الدخول في دينهم والاشتراك معهم في الثورة . فأرسل القيصر هدريان القائد يوليوس سفروس لإخضاع الثائرين فحاربهم هذا القائد سنة 136 م وهزمهم شرّ هزيمة وقتل منهم خلقاً كثيراً ثم حوّل هدريان اورشليم المدينة اليهودية الى مدينة رومانية جديدة دعاها ( ايليا كابيتولينا ) وطرد منها اليهود وحذّر عليهم دخولها الا مرّة واحدة في السنة ليبكوا عزّهم السابق . ولما بلغ المؤمنين الذين من الأمم القاطنين في (بلا) هذا الخبر جاؤوا الى اورشليم وتوطّنوا فيها وأخذوا ينتخبون لإدارة الكنيسة أساقفة منهم . وكانت الأمم التي استوطنت القدس من السريان والرومان واليونان . واستمرت القدس على هذه الحال الى ان اعتنق قسطنطين الديانة المسيحية كما سيجيء .

ولما كان هيكل سليمان مقر آمال اليهود وقبر المسيح مطمح أنظار المسيحيين على الدوام وسبب حنينهم الزائد الى اورشليم أراد هذا الامبراطور ان يمحي آثارهما ويقيم عليهما معابد وثنية لآلهة رومانية فشيّد على أنقاض هيكل سليمان المدمر هيكلاً للإله جوبيتر وعمد الى الجلجلة والقبر فطمرهما تحت تلّ صناعي أقام عليه هيكلاً لفينوس ” الزهرة ” . وبعمله هذا الذي أراد به طمس معالم الأماكن المقدسة وإبادة آثارها أحيا ذكرها الى الأبد . فقد تعلّق المسيحيين بالقبر وأخذوا يستدلون بهذا الهيكل على محله . ويؤخذ مما رواه اوريجانس واوسابيوس وايرونموس ان الزوار استمروا يفدون على اورشليم لزيارته من سائر الأنحاء طيلة الجيلين الثاني والثالث فموضع القبر اذن لم يضع قط وفي زيارات المؤمنين المتواصلة له برهان قاطع على حرص المسيحيين الأولين عليه .

بقي القبر المقدس راقداً تحت هيكل فينوس الذي أقامه هدريان ، والمسيحية تعاني أمرّ العذابات وأفظع الاضطهادات ، حتى اعتنق الامبراطور قسطنطين الكبير الديانة المسيحية وجعلها الديانة الرسمية للحكومة فاعتزت به المسيحية وأخذت تقيم شعائر دينها علانية . وبما ان انتصار هذا الامبراطور كان بفضل الصليب الذي اتخذه شارة لنفسه ولجنده قرر بعد التآم المجمع المسكوني في نيقية سنة 325 م ان يفتش على محل القبر والصليب ويشيد فوقهما كنيسة . وعلى هذا أوفد سنة 326 م . أمه الملكة هيلانة الى اورشليم فجاءت وهدمت بأمر ابنها الهيكل الوثني فظهر القبر المقدس سالماً وعثرت على الصليب في الكهف المعروف بمغارة الصليب واكتشفت الجلجلة . ان حادثة هذا الاكتشاف يرويها اوسابيوس بلا ارتياب ونستدل مما كتبه ان موقع القبر كان معروفاً جيداً ولم يكن على هيلانة عند مجيئها سوى إزالة التل الصناعي المشيد عليه . ويظهر ان اوسابيوس كان حاضراً عند اكتشاف القبر والجلجلة والصليب لأنه يسرد الحوادث كمن شهد الوقائع بنفسه .

دور القيامة الثاني
ويعرف بالعهد الروماني المسيحي

لم يكد خبر اكتشاف القبر والجلجلة ومغارة الصليب يبلغ مسامع قسطنطين حتى كتب الى مكاريوس اسقف اورشليم يأمره بإنشاء ثلاث كنائس الواحدة فوق القبر والثانية فوق مغارة الصليب والثالثة فوق الجلجلة . ولما باشروا البناء اقتضى تمهيد الأرض حتى أصبح على موازاة القبر ولم يبق قائماً على ارتفاعه الا محل الصليب الذي تُرك على حدته فنصب حول القبر على دائرة واسعة عشرون عموداً من الرخام تعلوها الحنايا الشامخة ويحيط بها جدار مستدير ينعطف في جهاته الأربع الى محرابين عظيمين يمنة ويسرة ومحراب ثالث بينهما الى الوراء يقابله المدخل الكبير ويكلّل المجموع قبّة شامخة عظمى وهذا البناء دّعي القيامة . ثم شيدت كنيستان على الجلجلة وعلى مغارة الصليب وكان يحيط بالكنائس الثلاث أروقة جميلة قائمة على أعمدة من الرخام ولا شك في ان هذه الكنائس كانت على جانب عظيم من الجمال ودقّة الهندسة والبناء حتى أنها فاقت هياكل رومية في عظمتها وأصبحت تحفة التحف في العالم كله .

وقد وصف هذا البناء الفخم اوسابيوس المؤرخ الكنسي الشهير وصفاً مطابقاً لوصف الزائرين من بعده . وأيضاً وصفه زوار كثيرون كالقديس كيرلس وثاودوريطس اسقف صور والقديس ايروفوس . ولدينا تفاصيل اخرى عن هذه الكنائس رواها سائح بوردو الذي زار اورشليم في سنة 333 م . بينما كانت أعمال البناء قائمة على قدم وساق فوصف البناء وصف شاهد عيان .

وهنالك آثار ترينا صور الكنائس التي شيدها قسطنطين كما كانت . منها قطعة فسيفساء موجودة اليوم في كنيسة سانتا بودنزيانا في رومية يظن انها نقشت في القرن الرابع أو الخامس تظهر فيها رسوم الكنيستين بوضوح . ويوجد قطعة أخرى من الفسيفساء في مأدبا بشرقي الاردن وهي عبارة عن مصور غير متقن لأورشليم ولأسوارها ولهاتين الكنيستين . وفي متحف ميلانو قطعة من العاج تمثل كنيسة القيامة في أول عهدها ويرجع تاريخ هذه القطعة الى الزمن الذي نقشت فيه قطعة الفسيفساء المحفوظة في كنيسة سانتا بودنزيانا الآنفة الذكر .

وقد استغرق بناؤها ست سنوات وأُكملت سنة 335 فجرى تكريسها بحفلة حضرها اوسابيوس اسقف قيصرية وغيره من الأساقفة والكهنة وعدد لا يحصى من المؤمنين .

وبعد إكمالها زارها حجاج كثيرون من سائر أنحاء العالم منهم سيلفيا الاكويتانية التي زارت اورشليم سنة 385 وخلّفت لنا مذكرات عن رحلتها الشهيرة وصفت فيها الأماكن المقدسة والحفلات الدينية وصفاً دقيقاً ونستنتج من البقعة الفسيحة التي اتخذت لتشييد هذه الكنيسة انها أقيمت لتضم جمهوراً كبيراً كما هو الحال الآن .

القيامة في دورها الثالث
وهو العهد الذي شيد فيه بناء مودستس على أنقاض البناء البيزنطي

بقيت الكنائس التي شيدها قسطنطين على الطراز البيزنطي زهاء ثلاثمائة سنة تناطح السحاب بجلالها . وكان اليوم الرابع من شهر أيار سنة 614 م آخر يوم حيّت في صباحه شمس القدس ذلك الصليب الكريم القائم على قبة القبر . ففيه هجم الفرس على القدس تحت قيادة ساريوس فاستولوا على المدينة واعملوا السيف في رقاب الأهلين فقتلوا من المسيحيين على ما قيل تسعين ألفاً وقد عاونهم اليهود في ذلك وذبحوا الذين التجأوا الى الكنائس ذبح الأغنام وأحرقوا الكنائس والأديرة في القدس كما أحرقوا سائر كنائس فلسطين ومن ثم مدوا أيديهم الى كنيسة القيامة فدمروها تدميراً وهكذا دكّت أركان ذلك البناء الشامخ ومدت مشاعل التخريب الى الأماكن المقدسة فنهبت كنوزها وسلبت نفائسها وسجدت تلك العواميد القائمة حول القبر لما رأت أرجل الفاتحين الغـزاة تلوث حجارة كانت تغسلها دموع المؤمنين . أجل صارت القيامة قاعاً صفصافاً وقامت نوادب فوق الطلول ترثي وتبكي . وقد رثى صفرونيوس الحكيم مدينة اورشليم بمرثاة رقيقة تضارع مراثي ارميا . وكسر الغزاة حجر الملاك الموجود في مغارة القبر ظناً منهم ان فيه كنزاً وأخذوا جزءاً كبيراً من عود الصليب واقتادوا البطريرك زكريا وأعيان المسيحيين أسرى الى بابل وكانت هذه النكبة التي حلّت بالقيامة من أعظم النكبات ومن أراد ان يطلع على حوادثها بتفصيل فعليه بمراجعة تاريخ سعيد بن بطريق أحد المؤرخين الثقاة .

وبعد ذهاب الفرس قام مودستس رئيس دير القديس ثيودوسيس واستدر حسنات المؤمنين في سورية وفلسطين واستأنف اعمار القيامة وقد عاونه بطريرك الاسكندرية يوحنا الرحوم بالمال والرجال والذخائر . وإذ كان يستحيل عليه ارجاع البناء الى رونقه القديم اكتفى بتشييد الانستازيس ( الكنيسة فوق القير ) وبنى أيضاً معبد الجلجلة وكانت العمارة التي شادها مودستس بسيطة جداً بالنسبة لما كانت عليه قبلاً . وقد بذل جهده في الباس البناء حلة من مسحة الجمال وساعده على ذلك ما بقي من آثار البناء البيزنطي لأن معاول الفرس وفؤوسهم لم تقو على ابادة أثرها واستغرق البناء اثني عشرة سنة وانتهى على الأرجح سنة 629 .

لم يطب لهرقل الامبراطور الصبر على هذه الكسرة الهائلة . ونظراً لفراغ خزينته من النقود سك أواني كنيسة القسطنطينية نقوداً برضى بطريركها وجدد الهمة فهاجم الفرس وغلبهم بقرب نينوى في 12 كانون الأول سنة 627 واسترجع خشبة الصليب وعاد بها الى اورشليم فدخلها حافياً متواضعاً فاستقبله الشعب بسرور ودموع الفرح تتساقط من عيونه وقد أقام المسيحيون تذكاراً لهذا العيد ولم يزالوا كل سنة في عيد الصليب يجددونه بمظاهر التقوى واشعال نيران الفرح .

وفي سنة 637 م دخل الخليفة عمر القدس فاتحاً ويشهد له التاريخ باحترامه البطريرك صفرونيوس وبحسن معاملته للمسيحيين واطلاق الحرية لهم في ممارسة واجباتهم الدينية وروى المؤرخ الشهير سعيد بن بطريق انه لم يرد ان يصلي في صحن القيامة لكيلا يطمع فيها الاسلام من بعده بل صلى على الدرجة التي على باب كنيسة قسطنطين . وقد أعطى البطريرك صك العهد المعروف بالعهدة العمرية ثم طلب منه ان يريه مكاناً ليبني فيه جامعاً للمسلمين فدلًه البطريرك على مكان هيكل سليمان حيث الصخرة الكبيرة وكانت الأقذار قد علتها فجعل عمر ينظفها بذاته فاقتدى به المسلمون حتى رفعوا جميع الأقذار وبنى هناك الجامع المعروف بجامع الأقصى . على أن خلفاء عمر لم يقتفوا أثره في معاملة المسيحيين بل اخترقوا مراراً العهود وتعدّوا على القيامة وتجد تفاصيل هذه التعديات في تاريخ ابن يحيى الانطاكي وسعيد بن بطريق وغيرهما وقد قضت هذه التعديات بترميم بناء مودستس أكثر من مرة .

وبدخول العرب للقدس تقلص ظل الحكم الروماني بعد ان خفقت أعلامه زهاء 600 سنة وزالت آثار حمايتهم للأماكن المقدسة .

صبر البناء الذي شاده مودستس على آفات الدهر أكثر من بناء قسطنطين بمائة سنة الى أيام الحاكم بأمر الله أحد الخلفاء الفاطميين بمصر الذي كان دأبه محو معالم الكنائس من على وجه الأرض وإبادة أثرها . فقد أمر هذا الخليفة بتدمير القيامة فنفذ أمره سنة 1099 م ودكت جميع أبنيتها وأستقصي في إزالة آثار الأماكن المقدسة ونهبت ذخائرها وكنوزها . وقد اضطهد هذا الخليفة الغريب الأطوار المسيحيين عشر سنوات ثم كفّ عن اضطهادهم وسمح لهم ببناء كنائسهم واقامة الصلاة على أطلال القيامة . ولما خلف الحاكم ابنه الظاهر عقد معاهدة مع ملوك القسطنطينية وكان من شروطها ان يطلق الملك سراح الأسرى المسلمين وينال من الظاهر لقاء ذلك الرخصة في تجديد بناء كنيسة القيامة . وجددت أحكام هذه المعاهدة في أيام الخليفة المستنصر بالله وما زال ملوك القسطنطينية يتحينون الفرص لتحقيق رغائبهم حتى تمكن من مباشرة البناء الملك قسطنطين مونوماخوس وذلك بعد مرور 30 سنة على تخريبها .

ولم ينقطع الزوار الأفرنج في خلال المدة التي بقيت فيها القيامة خربة عن المجيء لزيارتها . وكانوا يحملون معهم الى بلادهم أخبار انتهاك الأماكن المقدسة وتدنيسها وتفاصيل ما يقاسيه المسيحيون من أنواع العذابات . وكانوا هم أنفسهم يرون من القساوة والغلظة ما ملأ قلوبهم حقداً .

القيامة في دورها الرابع
البناء الذي شيده مونوماخوس سنة 1048 واستمر الى سنة 1130

كانت كنيسة القيامة حتى سنة 1009 حاوية لبعض آثار البناء البيزنطي رغم ما توالى عليها من النوائب والكوارث ولكن الخراب الذي الحقه بها الحاكم جردها من جميع آثارها القديمة وأصبحت في حالة يتعذر معها على المهندسين ارجاعها الى هندستها الأصلية وقد أرجع مونوماخوس مغارة القبر المقدس الى حالتها الاولى ثم شاد فوقها كنيسة جميلة قام حولها 12 عموداً وأفرز كنيسة الجلجلة عن القبر المقدس وشاد فوق صخرة الصليب معبداً نقشت جدرانه بالفسيفساء وأما مغارة الصليب فاكتفى بترميمها مستخدماً لذلك أعمدة قديمة وعلى هذه الحال وجد الصليبيون القيامة يوم استولوا عليها . والجزء الأكبر من هذا البناء باق حتى الآن .

يستدل مما كتبه الرحّالة المدعو ( ناصري خسرو ) الذي زار اورشليم في هذه الآونة ان تزيينات بناء مونوماخوس كانت في درجة لا بأس بها .

القيامة في دورها الخامس
وهو العهد الذي وحّد فيه الصليبيون جميع أبنيتها فدخلت في شكلها الحالي

استولى الصليبيون على القدس في 15 تموز سنة 1099 فدخلوا كنيسة القيامة حفاة ناشدين الأناشيد والتراتيل ورفض قائدهم ان يتوّج بتاج ذهبي حيث كلل المخلص باكليل الشوك . وعقب استيلائهم على المدينة أسسوا دولة لاتينية دامت 88 سنة لقّب حماتها بحماة القبر المقدس . وبقيت القيامة طيلة هذه المدة تحت النفوذ اللاتيني . وأما الطوائف الشرقية فأُبقي لها قسم ضئيل من حقوقها في القيامة واستمرت تمارس طقوسها تحت سقفها . وقد رأى الصليبيون ان يحافظوا على ما كان من البنايات في كنيسة القيامة فانصرفوا الى زخرفتها وتجميلها وتوحيد اجزائها المتفرقة ضمن جدر كنيسة كبرى فعمدوا الى العمل . وبعد مضي تسع سنوات تمكنوا من توحيد جميع بنايات القيامة تحت سقف قبة شاهقة فرغوا من بنائها سنة 1149 . فهيئة القيامة الحالية باقية اذن من عهد الصليبيين ان استثنينا بعض تغييرات طفيفة دعت الحاجة اليها .

وسنة 1187 أخذ صلاح الدين الأيوبي القدس من الصليبيين فأشار عليه بعض أتباعه على ما روى عماد الدين ان يدمر كنيسة القيامة لكيلا تبقى وسيلة للنصارى ليحجوا اليها فلم يفعل بل اقتدى بما فعله عمر يوم دخل القدس فاتحاً . انما اكتفى بنزع الصليب القائم على واجهتها وبتحطيم الأجراس التي على برجها وأزال كل أثر صليبي في الصخرة والمسحد الاقصى فحطم التماثيل والصور التي كانت قد نقشت هناك . وفي سنة 1229 استعاد الصليبيون القدس ثانية تحت قيادة فردريك الثاني ملك المانيا وبقيت في أيديهم عشر سنوات فقط 1229 – 1239 ثم انتزعت منهم وانقضى حكمهم نهائياً من القدس وبانقضاء حكمهم انتهت سيادة اللاتين المطلقة التي تمتّعوا بها في إدارة الأماكن المقدسة وأعيدت بعض الأملاك التي اغتصبت في الدور الصليبي الى أصحابها .

ومنذ الجيل الثالث عشر الى أيامنا رمّمت الكنيسة التي خلفها الصليبيون مراراً لما طرأ عليها من حوادث الزلازل والحريق واجتياح الأمم .

ففي سنة 1244 غزا التتر الخوارزميون القدس فهدموا القيامة ونهبوا كنوزها ولكنها بنيت ثانية في أواخر ذلك القرن . وفي سنة 1719 تداعت قبة كنيسة القبر وكانت من عهد قسطنطين مونوماخوس فرمّمت وأصلح جانب كبير من أبنية القيامة ومعابدها . وفي سنة 1808 حدث حريق في كنيسة الأرمن امتد لهيبه الى سائر جهات القيامة فالتهم الأبنية ولم يسلم الحريق الا قبة القبر وكنيسة اللاتين ومغارة الصليب فنال الروم فرماناً من السلطان محمود بتجديد البناء وشادوا سنة 1810 فوق القبر البناء الحالي ثم رفعوا جدراناً حول كنيسة نصف الدنيا وأقاموا فوق كنيسة القبر قبة لم يحكم المهندسون بناءها فتداعت قبل مرور خمسين سنة عليها ويستدل من الكتابة الموجودة على القبر ان المهندس الذي قام بتجديد هذه الأبنية كان يدعى كونينوس من جزيرة مدلي .

وفي سنة 1869 اتفقت روسية وفرنسا وتركية على تجديد بناء القبة التي فوق كنيسة القبر فأوفدت كل منها مهندساً لهذه الغاية وشادوا القبة الشاهقة الحالية ورسموا عليها صوراً أنيقة بدأت يد الزمان تذهب ببعضها .
فمّما تقدم يتضح للقارئ عظم أهمية هذه الكنيسة وشدة حرص المسيحيين عليها في سائر الأجيال . فقد كانت ولا تزال مطمح أنظار المسيحيين في الشرق والغرب وقبلة أبصارهم ومحور آمالهم وسوف تظل هكذا الى ما شاء الله .