دراسات في الأدب السرياني الدكتور متـى موسـى ترجمة حنا عيسـى تومـا

Posted by on Dec 26, 2015 in Library | Comments Off on دراسات في الأدب السرياني الدكتور متـى موسـى ترجمة حنا عيسـى تومـا

دراسات في الأدب السرياني *

الدكتور متـى موسـى

ترجمة حنا عيسـى تومـا

بدأت دراسة اصول الآداب والعلوم السريانية في اوروبا في نهاية القـرن السابع عشر . ولم يهتم الكتاب الغربيون ، إن كانوا سرياناً أم لا ، بدراسة الأدب السرياني بشكل موضوعي إلاّ حديثاً ، حين نشر مار اغناطيوس افرام برصوم بطريرك السريان الأرثوذكس كتابه الشامل بعنوان ” اللؤلؤ المنثور ” الذي ترجم الى اللغة الفرنسية عام ١٩٤٣ واعطي العنوان:

“Histoire des Sciences et de la Litterature Syriaque “
جدد طبع هذا الكتاب في العام ١٩٥٦. وسيعطى له تقييما في وقت لاحق.

يعتبر فن الشعر في مقدمة انجازات الأدب السرياني ، ولكن الشواهد تثبت أن الكتّاب السريان لم يقوموا في اي عمل شامل في هذا الشأن . ولعل اقدم الأعمال هو العمل الذي قام به سويريوس بن شابو ، مطران دير مار متى قرب مدينة الموصل في العراق ، الذي عاش في بداية القرن الثالث عشر وكان أول من نظّم الشعر السرياني . ضاع هذا العمل مع الأسف ، والمصدر الوحيد الذي نعرفه هو ما نوّه عنه الكاتب في الفصل الرابع من الجزء الثاني من ” كتاب الكنوز ” ، ومنه نعرف أن هذا المطران أعطى ملخصاً وافياً على قواعد الشعر الديني السرياني وعلى كتّابه وتواريخ إدخاله الى طقوس وشعائر الكنيسة .

وظهر بحث آخر في روما سنة ١٨٧٥ انجزه الماروني قرداحي في اللغة العربية تحت عنوان ” الكنز الثمين ” يشرح فيه اوزان وبحور الشعر السرياني ، ويضيف سير شعراء سريان مع عيّنات من أشعارهم . ولكنه لم يعالج نشوء وتطور الشعر السرياني ولم يعطِ أيّ تفسير تاريخي لتطوره .

ونشر المطران داوود ، مطران دمشق للسريان الكاثوليك ، كتابه ” اللقمة الشهية ” في سنة 1896 في مجلدين باللغة العربية ، وكرّس في نهاية المجلد الثاني فصلاً عن الشعر السرياني ذاكراً أسماء وأعمال اشهر الشعراء السريان . ومع أن عمله كان الإقدام على سد الفجوة في الشعر السرياني ، الاّ أن محاولته كانت بعيدة جداً من أن تكون مثالية أو كاملة ، بل كانت بداية جيدة في هذا الاتجاه .

كانت اقرب المحاولات في دراسة الوجوه والمظاهر المختلفة في الأدب السرياني هو ما قدمه المطـران بولس بهنام مطـران مدينة الموصل للسريان الارثوذكس ، في مجلته ” المشرق ” ( طبعت بالعربية في الموصل ، 1946 – 1953 ) حيث كتب سلسلة من المقالات عن التراث السرياني . انتقد المطران بهنام في هذه المقالات وغيرها مصادر تطور اللغة والأدب السرياني ، وقيّم فيها آراء المثقفين الغربيين الذين كتبوا في هذا الموضوع ، ولكنه ، مع الأسف ، لم يواصل متابعة هذه المحاولة الجديـرة بالثناء والإطراء .

وفي عام 1949 ، اقدم عالمان في الدراسات السامية من جامعة فؤاء الأول بالقاهرة هما مراد كميل ومحمد حمدي البكري ، على نشر كتاب ” تاريخ الأدب السرياني ” . غطى هذا الكتاب تاريخ الأدب السرياني منذ البداية وحتى الفتح الإسلامي ، ولكنه بالكاد يعتبر ملخصاً انتقادياً لأعمال الغربيين في هذا الموضوع . علاوة على ذلك ، كان العمل في الحقيقة بدون حواشي مما جعل من الصعوبة على القارىء أن يقيّم آراء الكتاب . وقد توصل الكاتبان مراراً عديدة إلى نتائج مغلوطة وارتكبا أخطاء عديدة.

كان أول من ادرك اهمية دراسة الأدب السرياني في الغرب العالم الفرنسي يوسيبيوس رينودوت ( 1646 – 1720 ) الذي قيل أنه قدّم للعالم الغربي دراسة عن الكنيسة السريانية وآباؤها وطقوسها الدينية وانتهى من ترجمته وتعليقاته قبل أن ينشر الاسقف الماروني جوزيف السمعاني مجلده الأول في سنة 1719 بثلاثين سنة . ولكن عمله ، مع الأسف ، لم ينشر ابداً والسبب أن رينودوت انتظر بصبر وأناة وزير المالية الفرنسية لتزويده بالحروف السريانية التي وعده بها حتى موته سنة 1720 . ومن المرجح أنه لو نشر كتاب رينودوت لما حصل السمعاني على هذه الشهرة الواسعة . فإن عمل رينودوت وفقا لـشابوت، أكثر شمولاً ومعرفة من أعمال السمعاني 1 .

يعتبر السمعاني مصدراً متحيزاً لا يعتمد عليه في ترجمة بعض النصوص السريانية ، على الرغم من شهرته كمثقف بارز والأكثر شعبية بين طلاب أدب اللغة السريانية الغربيين . وعلى الرغم من اعتبار المجلدات الاربعة من اكثر الأعمال شمولاً في الكتابة عن الدراسات السريانية ، فقد حاول السمعاني جاهداً في المجلد الأول ، استناداً إلى وليم رايت ، من أن يثبت أن يعقوب الرهاوي كان غير مونوفيزي ، وهذا يعني انه لم يؤمن في طبيعة مجسّدة للسيد المسيح ، ولكنه كفّ عن هذه المحاولة في مجلده الثاني في يأس وقنوط 2. وإذا فهمنا بوضوح أن يعقوب الرهاوي كان موالياً لمبدأ ” الطبيعة الواحدة المجسدة ” ، كما قررها بالإجماع الكتاب الغربيين والشرقيين على السواء ، عندها نستطيع الاستنتاج أن محاولة السمعاني كانت تصوير عمل وإيمان يعقوب الرهاوي في لون خلقدوني.

ليس من الصعوبة شرح تحامل السمعاني ضد الكتّاب الارثوذكس . إن كرهه الشديد الغير عادل لفيكسينوس المنبجي المشهور ما هو الا عيّنة من هذا الإجحاف . إن السمعاني ” لم يضيع أية فرصة لشتم فلكسينوس “3 ، حسب شهادة وليم رايت ، لقد سماه ” أعظم هرطقي شرير ” واضاف ” انه ضرب كنيسة الرب كخنزير بري متوحش ” . ولكنه التزم اخيراً في القول أن المنبجي ” كتب السريانية بشكل انيق كأي كاتب آخر ” . واستحق المنبجي ، علاوة على ذلك ، ان يصنف من قبل يعقوب الرهاوي من بين أعظم الكتاب في اللغة السريانية . إن خيانة السمعاني في الترجمة ظهرت بشكل واضح من قبل الكاهن هنري برجوس في ” توبة نينوى ” لأفرام سيروس ( لندن 1853 ) . لقد حرّف السمعاني ظاهرياً أجزاء من نص القديس افرام في توبة نينوى طبقاً لرأي الكنيسة الرومانية . ولمّح هنري برجوس في هذا الشأن ” إن فكرة افرام بسيطة للغاية وتوراتية إلى حد ما ، ولكن السمعاني أعطاها شكلاً كاثوليكياً بحتاً ، مستخدماً الفاظاً بذيئة ومشينة لم تستخدم ابداً في أي جدل4 . واضاف برجوس ” إن هذا النموذج من الخيانة يبرّر الإنتقاد المعاد الذي شعرنا به مراراً انه من الواجب عمله في الترجمة اللاتينية لأفرام ، والإظهار انه من الخطأ والمستحيل اخذ رأي افرام من أي مصدر كاثوليكي ” 5.

يتبع عمل السمعاني كتاب ” خلاصة الأدب السرياني ” لغوستاف بيكيل ، الذي هو نظرة شاملة تحليلية لـ ” دليل المخطوطات الشرقية ” مع بعض التعديلات . وكتاب ” الأدب السرياني ” لوليم رايت ولقد ظهر اصلاً في ” دليل المخطوطات الشرقية ” ( 1887 ) ، مع بعض الإضافات الوجيزة التي اعدت لنشره على شـكل كتـاب بعد وفاته . وكتاب لـ ” رونبز دوفال ” (باريس 1889) ، الذي غطى بدقة تاريخ الأدب السرياني حتى القرن الثالث عشر. إن تنظيمه وشموليته وسهولة تصميمه منحت القارىء اضطلاعاً ممتازاً في هذا الموضوع .

ويحتوي كتاب ” المسيحية البدائية الشرقية ” لـ بركيت ( لندن 1904 ) بشكل رئيسي على محاضرة عن الكنيسة السريانية البدائية في الرها ، ولكنها لمحت على بعض مظاهر الأدب السرياني . ويظهر بأن الكاتب كان مرتبكاً في معرفته تاريخ الرها الحقيقي وفي الأسماء السريانية لملوكها التي اعتبرها عربية بشكل خاطىء.

وكتابان احدهما لثيودور نولديك
Aramaische Literature( ليبزغ 1906 )
و لبروكلمان
Die Syrische und die Christliche Arabische Literature( ليبزغ 1907)
ويعتبرا وضعاً موجزاً في الأدب السرياني.

ما زال هناك عمل مهم هو
” Geschichte der Syrischen Literatur ” لأنطوان بومستارك ( بون 1922)
ومع أن هذا الكاتب كان شديد التدقيق في التوافه والتفاصيل ، إلا أن الكتاب شمل مواضيع غزيرة وملاحظات كافية . وكانت المعلومات التي اعطيت عن طريق الكاتب مكثفة جداً ، بحيث أن الغير مختص قد يجد صعوبة في إيجاد طريقه خلالها . واكثر من ذلك فإن الكتاب كان واقعيا أكثر منه تحليلا .

بالاضافة الى
” Les Langues et la literature Arameen”
فلقد كتب شابوت كتاب قصير بدون ملاحظات بعنوان
” la literature Syriague ” ( باريس 1935 ) ،
وفيه ناقش شابوت تطور الأدب السرياني حتى القرن الثالث عشر.

يجب التنويه هنا الى
” Geschichte der Christlichen Arabischen literature ” جورج جراف ،
الذي نشر في مدينة الفاتيكان سنة 1944. ويحتوي المجلد الثاني من هذا الكتاب على معظم الكتّاب السريان بالاضافة إلى الكتّاب الاقباط الذين كتبوا في اللغة العربية أو ترجموا من السريانية إلى تلك اللغة . ويتضمن هذا المجلد ايضا المخطوطات التي تحتوي كتابات في اللغة العربية بين كتّاب سريان ، مع وصف موجز وتعليق على كل منهم . ويعتبر هذا العمل الأكثر شمولا وذو قيمة ثمينة في دراسة الأدب المسيحي في الكنيسة السريانية بعد الغزو العربي.

بدأت مصادر دراسة الأدب السرياني في الشرق وتطورت بشكل كامل من قبل الكتاب الغربيين . استعمل السمعاني ، الشرقي الولادة والعادات ، معرفته الهامة ليعطي الأفكار الغربية شكلاً معيناً عن الأدب السرياني ، وحذا الغربيون حذوه اليوم وكوّنوا آراء مقبولة بشكل عام في الشرق.

لقد اعطى البطريرك افرام برصوم فكرة صحيحة بدلاً عن تلك الأفكار الغامضة والمشكوك فيها في كتابه ” اللؤلؤ المنثور ” . ويستطيع تقييم الأهمية التاريخية للكاتب في أنه مديون للمعارف الاولية ، وعلاوة على ذلك ، في ادراك الشعور الوطني الذي خلفه بشكل فريد، وفي المعلومات المختارة والملخصة والمتراكمة بشكل متواصل غير مقطوع.

برز البطريرك برصوم ( 1887 – 1957 ) في سنة 1918 عندما عين مطرانا لسوريا واكتسب تقديراً عظيماً بعد الحرب العالمية الأولى لا كرجل دين فقط بل كمثقف وممثل لمصالح السريان القومية . عين أفرام بطريركا لإنطاكية سنة 1933 بشكل رسمي ، واظهر نشاطاً فعالاً كرئيس للكنيسة حتى موته . بالإضافة إلى مسؤولياته الكبيرة ضمن الكنيسة كرس برصوم وقته في الكتابة في مواضيع الدين واللغة وتاريخ شعبه . لم يكن كتاب ” اللؤلؤ المنثور ” العمل الوحيد لبطريرك شرقي غير متعلم ، بل كان جزء من نتاج هام لرجل ملم ومضطلع في موضوعه.

ماذا كانت غاية برصوم من كتابة هذا الكتاب ؟ نستطيع الإجابة على سؤال كهذا إذا أخذنا بعين الإعتبار عنوان الكتاب . إن العنوان باللغة الفرنسية
” Hisorie des Science et de la Litterature Syriaque ”
هو مضلل وخادع واعتبر بوضوح أن الكتاب يشبه الدراسات الغربية للأدب السرياني . إننا نفضل العنوان العربي ” كتاب اللؤلؤ المنثور في تاريخ العلوم والآداب السريانية ” . إن الاستعارة المتضمنة في هذا العنوان هي شاهد على أن غاية الكتاب هي في تقديم معلومات تقع خارج مجال الدراسات الغربية.

لم تكتب المقدمة في العربية فقط بل بالفرنسية والسريانية ، مع إشارات دقيقة على نوعية العمل . حدّد برصوم عمله في ملء الفراغ الموجود في معرفة الأدب السرياني ، ليكسب اللغة السريانية الثناء والتقدير . لقد لاحظ ان بداية القرن الحديث استهل في إحياء الرغبة في معرفة العلوم والآداب ، ولكنه اضاف أن العلوم والآداب الآرامية ” تلقت معاملة غير كافية من قبل الكتّاب الغربيين ويقول : ان كلا من دوفال ورايت وبامستارك وكابوك ركّزوا إهتمامهم على ما اعتبروه بشكل عام “علوم وآداب” . (ولكن يقتضي الأمر انهم مرّوا على مجموعة شاملة من الأدب الديني في اللغة السريانية) . ونوّه برصوم ايضاً ان بومستارك كان الوحيد من هؤلاء الكتّاب الذي اعطى اهتماماً للأدب السرياني في نهاية القرن الثالث عشر.

ينوي برصوم معالجة مواضيع عدّة هنا أُهملت من قبل الكتّاب الأولين والمتضمّنة خط اليد (الخط) ، ونظم الشعر والطقوس والشعائر المتعلقة بالكنيسة ، ومخطوطات جغرافية للمدن السريانية ووثائق تاريخية وتاريخ الأدب من 1290 وحتى الوقت الحاضر ، والأعمال والمخطوطات التي لم تعرف سابقاً ، وانتقد الكتّاب الذين قصدوا التقليل من تأثير المعرفة السريانية .

يتضمن الجمهور القريب والمباشر الذي كتب له برصوم مجموعتين : مؤرخين وعلماء فقه اللغة الذي قد يلتمس فيهم معرفة أكثر في الأدب السرياني ، والاعضاء المؤمنين في الكنيسة السريانية الذين تمنى ” لو تنتعش فيهم الروح القومية المستمدة من الأسلاف ” . وانحصرت شـواهد اخرى في جمهور القـراء الذين اسـتهواهم الكتاب لتأكيده على انه ” يعالج فقط العلماء والكتّاب السريان الغربيين ، بإستثناء السريان الشرقيين ( النساطرة ) وما يعرف بالتقليد الهزيل للروم والموارنة ” . بالنسبة لبرصوم إن الأمل في تحقيق ” نتائج اجتماعية ” مثمرة ومفيدة ، وبعث التراث الثقافي للمجتمع الناطق باللغة السريانية ، هي تعويض كامل للصعوبات والمصاريف المادية لتهيئة هذا العمل الذي يمثل ” ثمرة العمل دون ملل لتغطية فترة ما يقارب ثلث قرن من حياتنا الكنسية والبطريركية .”

نستطيع تقسيم الكتاب من الناحية البنيوية إلى ثلاثة اجزاء بارزة وواضحة المعالم : الاول ، يتضمن إحدى وثلاثون فصلاً تتعلّق في الأدب الديني وكتابات اخرى في السريانية ما زالت باقية لم تتلف . بعد تقدمة فصل عن اللغة السريانية والأدب السرياني ، وعرض مراكز التعليم السريانية والمكتبات ، عالج برصوم بدقّة ما بقي من الأدب المسيحي ، الذي يشتمل على الطقوس الدينية المستعملة في الكنيسة ، وحياة رجال الكنيسة العظماء . الجزء الثاني ، يقدم سيرة حياة 292 كاتب سرياني بارزين ، ستة وخمسون منهم لم ترد اسماؤهم من قبل الكتاب الغربيون سابقاً . في الجزء الثالث ، ملاحق اعطت أسماء الخطّاطين السريان ومعاني المصطلحات الغريبة في الكتاب ، الأسماء الجغرافية ، وقائمة في أسماء الرهبانيات وفهرس مرجعي في سير الأشخاص ، وقائمة في أسماء القديسين.
ومن الحكم على غاية الكاتب التي صرح بها ، يعتبر كتاب ” اللؤلؤ المنثور ” كتاباً ناجحاً جداً . لقد رُحًب به في الحقيقة بحماس ، ليس من قبل الناطقين باللغة السريانية فقط والذين كتب من اجلهم بل من قبل النساطرة والإسلام ايضاً . ولقد وصف الفيكونت فيليب دي طرزي ، كاتب رومي ارثوذكسي ، هذا الكتاب كما يلي:

يعتبر ” اللؤلؤ المنثور ” عملا قيما جدا يستحق الاحترام والإعتبار . أعدّ كاتبه المثقف تنضيد الكتاب والعلماء المشهورين من العهود الأولية وحتى الحاضر في دقة متناهية اكثر من أي كاتب قبل وقته . في الفصول الأولى اظهر بوضوح معرفته الكاملة ودقته المتناهية في موضوعه . لقد ملأ الفراغ العظيم في تاريخ آدابنا وعلومنا فزيّن بذلك الشرق المسيحي لأجيال عديدة. 6

إن الاعجاب الشديد والواسع الإنتشار لكتاب اللؤلؤ المنثور للقراء الشرقيين قد يمكن فهمه بسهولة ، فطريقته ومنهجه تشبه اعمالاً اخرى قام بها مثقفين شرقيين على مواضيع مشابهه . خصوصاً ، نستطيع مقارنة عمل برصوم مع اربعة مجلدات في تاريخ الأدب العربي لجرجي زيدان ” كتاب تاريخ أدب اللغة العربية ” ( القاهرة 1911) ومع استارجيان ” تاريخ الثقافة والأدب الأرمني ” ( الموصل 1954 ) .

اعتقد زيدان أن احداً قبله لم يحمل على عاتقه هذه المهمة ، فحاول ربط الأدب العربي بتاريخهم السياسي ، ليصوّر تطور وانحطاط علومهم ، ولإعطاء لائحة في سير الشخصيات الرائدة في العلوم والآداب العربية بالإضافة الى مواد سيرية لها صلة بالموضوع ؛ ولتصنيف الكتب العربية الموجودة وفقاً لمواضيعها . في الوقت الذي قدم زيدان مواده بشكل شمولي في إطار تسلسلها الزمني والتاريخي ، اهتم برصوم في نمط معين من الأدب السرياني ، خصوصا المنضد منه في اسلوب ديني . إن العملان ركّزا بشكل غزير على المواد التي تتعلق بحياة الأشخاص . ومع أن العملان يعتبران موسعتان في طبيعتهما إلا أن عمل زيدان كان بشكل عام اكثر شمولاً في هدفه فاستقامة النمط الذي كتب فيه كان اكثر فصاحة وسلاسة من برصوم الذي افتقرت بناء الجملة عنده إلى اصول الإعراب مرات عديدة كما انه استعمل الإستعارة في لغته مرات اخرى.

يظهر هدف ايستارجيان في كتابه ” تاريخ الأدب الأرمني ” مختلفاً من ذاك الذي عبّر عنه برصوم في مقدمة اللؤلؤ المنثور . وكما كان برصوم ، كذلك كان استارجيان شديد الفخر في العادات والتعاليم الثقافية لشعبه . وتعتبر الفترة الزمنية التي غطاها الرجلان واحدة تقريبا . ولكن في الوقت الذي حدّد برصوم بحثه في الآداب الدينية ، عالج استارجيان الأدب المدني أيضاً ، وحقّق غايته من خلال الأخذ في الاعتبار أنواع أدبية عديدة . ومع ذلك فإن استارجيان أيضاً ركّز في الدرجة الأولى على تقديم مواداً سيرية ؛ وعمله ، كاللؤلؤ المنثور ، يعتبر حقيقياً واقعياً اكثر منه تحليلياً.

ومع أنّ عمل البطريرك برصوم يتضمن برمته تعاليم الثقافة السريانية السائدة إلاّ أنّ هذا لايعني أنّ الكتّاب الشرقيين اهتمّوا فقط في تجميع الشواهد الحقيقيّة . ففي الواقع أنّ عمل أنيس المقدسي “ الإتجاهات الأدبية في العلوم العربية الحديثة “ ( بيروت ١٩٦٣ ) ، تعكس إهتمامهم المتزايد في تفسير العلوم الأدبية . فلقد ناقش المقدسي الأدب العربي في القرن العشرين لا من سماته ونمطه بل من مصطلحاته السياسية والاجتماعيّة وأهميته الجماليّة

من وجهة نظر غربية ، قابلة للنقاش ، أنّ برصوم لا يكتب باسلوب علمي . ربما نستطيع بسهولة إستيعاب الجدارة والاستحقاق والعيوب والشوائب في كتابته بمقارنتها مع “ الأدب السرياني “ لروبرت دوفال .

يزودنا دوفال بوصف تاريخي لمصدر ، تطور وانحطاط الأدب السرياني . ويضيف جدولاً موجزاً في سير الكتّاب السريان القياديين حتى القرن الثالث عشر . بينما يقدم برصوم معلةمات أكثر على الكتّاب منذ ذلك الوقت وحتى الآن . دوفال في تبنيه الجدول الكرولوجي ( جدول يبين فيه التواريخ الدقيقة للأحداث مرتبة حسب تسلسلها الزمني ) ومراعاته ، في مجال عمله، النشاط الأدبي للسريان الغربيين والشرقيين معاً ، كان أكثر نجاحاً في وضع الأدب السرياني في محيطه التاريخي . لم يبدِ أيّ من الكاتبين محاولة صادقة في انتقاد الأدب السرياني . فقد ركّز دوفال اهتمامه على مواضيعه وتمسك بالشكليات الخارجية ، بينما عدّد ( سرد) برصوم أعمال الكتّاب السريان ولكنه لم يقيّم هذه الاعمال. وملاحظة أخيرة ، أن دوفال يستشهد ، ولكن بحذر ، أعمال العلماء السريان الأولين وبرصوم أعطى مراراً شواهد دون تعيين مصدرها .

من الواضح إذن أنّ القارئ الغربي قَبِلَ “ اللؤلؤ المنثور “ في مصطلحاته ، كعمل قام به كاتب من الشرق الى جمهور من القراء الشرقيين . مع الأخذ بعين الاعتبار أن برصوم هو بطريرك انطاكية ورأس الكنيسة السريانية وأن صفته الغالبة هي الفخر والاعتزاز في الانجازات الأدبية لآباء الكنيسة . وهذا ما يجب أن يكون موقفه حتى يؤدي الغرض . هذا دب الاعتزاز لا ريب يقود مراراً الى المبالغة الغير ضرورية وخصوصاً في الامور المتعلقة بثقافة السريان اللغوية وأدبهم العظيم .

لم يدعم برصوم بالوثائق المقنعة كيف ربط الهويّة السريانيّة بالآرامية . كما أنّه لم يزودنا بالدليل الكافي بأنّ السيد المسيح والرسل تكلموا اللغة السريانية . إن إصراره العقائدي البرغماتي (مؤكّد من غير بينة أو دليل) على أن الأدب السرياني هو أدب منافس للأدب اليوناني غير مستساغ عقلياً لأنه لم يعتمد لى أيّ مقياس أو قاعدة واضحة في حكمه هذا . يجد المرء صعوبة في قبول رواية أن الكتب السريانية هي الأقدم الباقية على قيد الحياة . ومن المستحيل أن تصدق أن مكتبة دير السريان في مصر هي الأقدم في العالم .

يعطينا برصوم في أوقات أخرى سبب وجيه للإرتياب في مدى صحة مايقول لا كعالم فقط بل كخبير في الأدب أيصاً . في تصريحه أنّ الـ Pshito “ البسيط “ سببه اليهود المتنصرين في القرن الأول على سبيل المثال لم يعطِ البديل على ذلك . وفي نقاشه في الأدب السرياني نسب فعلاً بشكل خاطئ تأليف كتاب طوبيث الى القرن الخامس قبل الميلاد . ومرة أخرى لا يعطي أنة شواهد لدعم صحة مايقول . لقد مدح مار أفرام السرياني ، يعقوب الرهاوي ، وأبن العبري بشكل مفرط مراراً عديدة على حساب الكتاب المهمين الآخرين أمثال أفرهاد وبرديصان . كما أنّ معالجته المواضيع الرئيسية في الشعر السرياني كانت مشوهة نوعاً ما في مصطلحاته المبهمة في الهجاء . وأخيراً في تركيزه الكثير على الأدب المسيحي الذي قدمه السريان قلّل من أهمية وشأن دور المترجمين .

إن قيمة عمل برصوم ، بعيداً عن هذه العيوب ، تكمن في أهميتها لطلاب الأدب السرياني ، فبرصوم ، خلافاً لأسلافه الغربيين ، لا يعتمد بكثافة على عمل السيماني بل يستمد معلومات كثيرة من مصادر أصلية أخرى ومن المخطوطات السريانية التي حفظت في الكنائس والأديرة الموزعة في أنحاء الشرق الأوسط . ولكن المدى العريض للمصادر الأصلية المتاحة لبرصوم لم تفضي به ، بشكل عام ، الى النتائج الماديّة المختلفة عن الصورة التي رسمها العلماء الغربيون ، ولذلك يغني تقديمه المعلومات الحقيقية مراراً عديدة . فلقد استشهد “ رايت “ فقط ، على سبيل المثال ، في مسودة سيرة ابن العبري في المكتبة الشرقية وكتابات ابن العبري ، كما زود برصوم معلومات إضافية وبراهين من سيرة حياة ابن العبري وأخيه وفقاً لكبرئيل برطلي .

مع ذلك ، إن الأهمية الرئيسية لكتاب اللؤلؤ المنثور تكمن لا في معالجة مواضيع لم تؤخذ بعين الاعتبار من قبل الكتاب الغربيين بل في المعلومات الاضافية المتعلقة بكتّاب الأدب السرياني العظام . لقد أعطانا برصوم شرحاً شاملاً وتوضيحاً في فن الخط . ويأخذنا بحثه في الشعائر والطقوس الدينية إلى نطاق لم يُكتشف بعد في الدراسات الأخرى للأدب السرياني . كما أنه يعطينا تبصراً في درس شتّى أنواع الموسيقى الكنسية التي قد تعتبر أحد أعظم المحاولات الأدبية للسريان . هذا القسم من العمل نشأ في معظمه من مصادر قديمة لم يوضحها برصوم مع الأسف . في الواقع بدا البحث الثقافي للطقوس الدينية جديداً أصلاً لا ثانوياً مبتكراً . لقد أشار برصوم في هذا القسم أنه قرأ رينودت وميخائيل الكبير ولكونه متمكن وخبير بالطقوس الدينية حيث أنه قضى معظم حياته في الكنيسة وأنه قرأ في الحقيقة أربعة وسبعين طقساً بنفسه ، لذلك فإن فهرس الطقوس الدينية الذي رتبه يعتبر الأكثر شمولاً من أيّ أعمال الكتّاب الاوربيين . فهو ينسب الى فلكسينوس المنبجي ، على سبيل المثال ، طقسين كنسيين وآخر غير نهائي ، في الوقت الذي يستشهد “رايت” في واحد فقط وذلك وفقاً لرينودت والسيماني .7

اعتاد الكتّاب الغربيون على التعليق بإستخفاف بأن السريان كرّسوا معظم حياتهم في الكتابة في الأدب السرياني والذي أُهمل بسرعة . هذا مطابق في الحقيقة لكتاب اللؤلؤ المنثور الذي انشغل في الكتابات المسيحية وأعطى صورة غير صحيحة عن الأدب السرياني برمته . لقد استفاد ، دون شك ، هؤلاء الذين يرغبون في المعرفة العامة في مجال اللغة والأدب السرياني بالمعالجة التي أبداها كلاً من دوفال وبومستراك في هذه المواضيع .

باستطاعتنا تقسيم تطور الادب السرياني ، من حيث خصائصه العامة وميزاته الادبية ، الى ثلاث مراحل . المرحلة الأولى تمتد من الفترة السابقة للمسيحية حتى القرن الثامن الميلادي ، وتتمثل هذه المرحلة بجزء ضئيل من الكتابات الوثنية وبفيض من الادب المسيحي . أن انتاج الأدب المسيحي من قبل مفكري الكنيسة السريانية كان قد انجز بذات الفترة التي ترجمت فيه الفلسفة اليونانية الى السريانية .

أما المرحلة الثانية التي أمتدت من القرن الثامن الميلادي وحتى نهاية القرن الثالث عشر فتتزامن مع فترة سيطرة العرب على سورية والعراق . بالرغم من ان السريان في هذه المرحلة انتجوا اعمالا أصيلة في شتى المجالات ، غير أن اهمية نشاطهم الفكري يكمن في نقلهم الفلسفة اليونانية والطب الى العربية ، والتي لولاها لما تم انتقال العلوم القديمة الى أوروبا بين القرنين الثاني والثالث عشر .
أما المرحلة الثالثة فتمتد من القرن الثالث عشر حتى الوقت الحاضر، وهي تعتبر بشكل عام عصر انحطاط الأدب السرياني. وبعد ان حكم العرب المنطقة ادرك السريان ان اللغة العربية حلت ، الى حد بعيد ، محل لغتهم السريانية . وبالرغم من محدودية نطاق المواضيع والطبيعة المحدودة لجمهورهم ، أستمر الكتاب السريان في انتاج كمية كبيرة من الفكر المميز وبذات اللغة الجميلة التي استخدمها اجدادهم لأكثر من الفي سنة .

BIBLIOGRAPHY

1-See J. B. Chabot. La Litterature Syriaque (Paris, 1935), pp. 9-10. Chabot also refers to H. Omont, Inventaire de la Collection renaudot a la Bibliotheque Nationale
See also, by the same author, Les Langues et la Litterature Armeenne (Paris, 1910), translated into Arabic by Anton Shukri Lawrence (Jerusalem, 1930), p. 5.

2-William Wright, Syriac Literature (London, 1894), p. 141.

3-Wright, p.74.

4-The Repentance of Ninevah, by Ephraim Syrus. Trans. By Rev. Henry burgress (London, 1853), Introduction, pp.20-21. According to Burgess, Ephraim says that “God gives forgivness, a word concerning which there can be no difference.” Yet Assemani renders the sentence “Indulgenatiam adjecit, id est, Clavium potestatem.” (“He adda indulgence, that is the ‘power of the the keys’.”)

5-loc. Cit., p.21.

6-Viscount Philip de Tarrazi, Asdag ma kan an Tarikh lubnan (The Most True Account of the History of Lebanon), in Arabic (Beirut, 1948), I, 432.

7-Wright, Syriac Literature, p. 74, mentions one anaphora by Philoxenus of Mabug, but refers us to Renaudot, II, 310, and to Assemani, B.O., II, 24. He also cites Renaudot as the source of this information in his Catalogue of Syriac Manuscript in the British Museum.