أدب اللغة الآرامية / الأب البير أبونا

Posted by on Nov 14, 2014 in Library, دراسات سريانية | Comments Off on أدب اللغة الآرامية / الأب البير أبونا

 

الرها مهد الأدب الآرامي

 

لا بدّ لنا من أن نقول كلمة عن الرها التي كانت مهد اللغة والأدب الآراميين ، ثمّ نتطرّق إلى نشأة الأدب الآرامي ومختلف الأطوار التي اجتازتها.

شيّد سلوقس نيقاطور مدينة الرها سنة 304 ق.م . وفي سنة 132 ق .م انتهزت قبيلة آراميَّة أو نبطيَّة (؟) فرصة ضعف الحكم السلوقي فأسّست مملكة مستقلّة في مقاطعة أسرونيا الواقعة في الشمال الغربي من إقليم ما بين النهرين . واتخذ رؤساء هذه القبيلة لأنفسهم لقب الملـوك واتخذوا مدينة الرها عاصمة لهم . أمّا ” أديسا ” فكان لقب عاصمة مقدونية اليونانيَّة ، وقد أطلق السلوقيون هذا اللقب على الرها ، كما يظنّ البعض ، نظـراً إلى موقعها ومناخها المماثلين لمنـاخ أديسا الأصليَّة وموقعها . وسمّيت أحياناً ” كاليرهوي ” وتأويله الينبوع الحسن ، لكثرة المياه والينابيع التي فيها . فاختصر الآراميون هذا اللقب وقالوا ” أورهاي ” وأخذه منهم العرب وقالوا ” الرها ” . وكانت المياه فعلاً غزيرة في هذه المدينة . فهناك نهر ” ديصان ” ومعناه بالآرامية ” الرقص ” يمرّ في المدينة . ونحو عشرين ساقية أو جدولاً تتجمّع وتصبّ في النهر الذي يدعوه الأتراك الآن ” قره قويون ” ، فيعظم شأنه ويمرّ في المدينة من شمالها الغربي إلى جنوبها الشرقي ، حيث يلتقي نهر “كولاب” الذي يمرّ بـ”حرّان” فيصبّان كلاهما في نهر ” البليخ ” أحد روافد الفرات . وفي وسط الرها بركتان مشهورتان ، إحداهما تسمّى بركة إبراهيم أو ” عين الخليل ” والأخرى ” عين زليخة ” ، وتخرج منها ساقيتان متوازيتان تؤدّيان إلى نهر ديصان.

لقد كان نهر ديصان الهادئ الصغير في الصيف يتحوّل إلى نهر صاخب عارم الأمواج في الشتاء ، فيهدّد سلامة المدينة ، وقد طغى عليها مرّات عديدة وأحدث فيها أضراراً بالغة . ولذا ، اضطرّ “يوستنيانس” ( 565 – 578 ) إلى تغيير مجرى هذا النهر لكي يمرّ بجانب المدينة في سفح الجبل الواقع في غربيها . وكانت في هذا الجبل مغاور عديدة لدفن الموتى ولسكنى النسّاك . وقد قضى القديس ” أفرام ” مدّة في أحدى هذه الكهوف منصرفاً إلى الصوم والصلاة . أمّا السهل الواقع شرقي المدينة وجنوبها فكان خصباً تتخلّله القرى الكثيرة.

كانت الرها مدينة مسوّرة محصّنة لا يمكن الولوج إليها إلاّ بستّة أبواب . ولم يكن للمسيحيين فيها حتى سنة 201 م – وهي سنة الفيضان الكبير الشهير الذي فيه دمّر نهر ديصان مباني كثيرة من جملتها كنيسة للمسيحيين – إلاّ كنيسة واحدة أصابها الفيضان مرّتين في السنتين 201 و 303 ، ثمّ جُدّدت في سنة 313 في عهد ” قونا ” مطران المدينة ، ثمّ في عهد خلفه “سعد” سنة 324 . وقيل إنّها حصلت على ذخائر القديس ” توما الرسول ” سنة 394 . وبعد أن دمّرها فيضان سنة 525 مرّة ثانية ، عاد “يوستنيانس الثاني” فأقامها وجعل منها تحفة رائعة . غير أنّ الزلازل عادت ودمّرتها سنة 679 و 718.

وقد تسرّب التأثير الفرثي إلى العادات الرهاوية منذ الأزمنة الأولى فنسي الرهاويون أصلهم الآرامي أو النبطي ، وكانوا كثيراً ما يطلقون على مدينتهم اسـم ” مدينة الفرثيين” أو ” ابنة الفرثيين” . كما امتزجوا بالأقوام الأرمنية المتاخمة لهم في الشمال . وقيل إنّ ملوكهم الأولين كانوا من أصل أرمني (؟).

 

تاريخ الرها السياسي

لم تنعم هذه المدينة باستقلالها مدّة طويلة . لأنّ جيرانها فرضـوا سـيطرتهم عليها . فقبل انتصارات ” لوقولوس ” و ” بومبيوس” كانت الرها خاضعة تارة لحكم الفرثيين وطوراً متحالفة معهم . وكانت تميل إليهم في حروبهم المستمرّة ضدّ الإمبراطورية الرومانية . لكنّ النصر كان حليف روما في النهاية ، فدخلت الكتائب الرومانية الرها سنة 116 وأعملت فيها السيف والدمار . وخلع الإمبراطور “ترايانس” ملكها (98 – 117م) . وأعاد إليها الإمبراطور ” أدريانس ” (117 – 138) عرشها وجعله خاضعاً لسلطة الإمبراطورية الرومانية . فحافظت عليه وعلى نوع من الاستقلال الذاتي مدّة قرن تقريباً ، إلى أن ألغى الإمبراطور ” كراكلا ” الملوكية من الرها سنة 216 وأحلّ فيها جالية رومانية . وهكذا أضحت هذه المقاطعة مدة أربعة قرون جزءاً من الإمبراطورية الكبرى . ثمّ استولى عليها كسرى الثاني ” ابرويز ” سنة 608 ، واستعادها “هرقل” سنة 625 ولم تبقَ في حوزته أكثر من 12 سنة . وأخيراً فتحها المسلمون مع بلاد ما بين النهرين سنة 637 ولم يتخلّوا عنها إلاّ مدّة قصيرة ( 1097-1146 ) ، حينما جعلها الصليبيون عاصمة لمملكتهم في الشرق .

 

نشأة الأدب الآرامي: 

نشأ الأدب الآرامي وازدهر في ما بين النهرين تحت تأثير المسيحيَّة ومن هنا طابعه المسيحي ونسبته إلى علماء وأدباء مسيحيين لا غير . وقد اشتهر العلماء الآراميون الذين عكفوا على درس الفلسفة اليونانيَّة ، كأساتذة مدرسة الرها في القرن الخامس ، أو على العلوم الطبيعيَّة أو الطبيَّة أمثال ” سرجيوس الراسعيني ” في القرن السادس والأطباء المسيحيين الذين اشتهروا في بغداد على عهد الخلفاء العباسيين . كان كلّ هؤلاء لاهوتيين ، وكانت كلمة الفلسفة تحوي جميع العلوم ، وفي مقدّمتها علم معرفة الله والوقوف على الحياة الروحيَّة ومعتقدات الديانة المسيحيَّة . والساميّون يميلون طبعاً إلى التديّن .

قلنا إنّ الأدب الآرامي مرتبط بالديانة المسيحيَّة ، وبما أنّ هذه الديانة بدأت تتغلغل في ما بين النهرين انطلاقاً من الرها . كان من الطبيعي أن تزدهر هذه المدينة وتتفوّق على غيرها بالآداب والعلوم ، وقد نشأت من جراء ذلك روابط قويّة بينها وبين أورشليم منطلق المسيحيَّة.

ولمّا ظهر الإسلام جاءت معه لغته العربيَّة فزاحمت اللغة الآرامية ، وحلّت حيثما حلّ ، فاعتصمت الآراميَّة بالأرياف والجبال . وكانت الحقبة السابقة للفتح الإسلامي ( 637 ) العصر الذهبي للأدب الآرامي . وما أن دخلت اللغة العربية المناطق الآرامية حتى بدأت اللغة المذكورة بالتقلّص . وبالرغم من أنّها قاومت مدّة طويلة في الرها ، فقد فقدت كثيراً من نفوذهـا في المناطق الأخرى . ولم يتردّد “نولدكه” في الكتابة: “كانت اللغة الآرامية في حوالي سنة 800 م تعدّ لغةً مائتةً ، رغم أنّ الطبقة المثقّفة ظلّت تتكلّم بها مدّة طويلة بعد هذا  التاريخ” . ثمّ انحدر الأدب الآرامي إلى أحطّ درجة في القرنين العاشر والحادي عشر ، في حين بدأت الآداب العربيَّة تزدهر تحت رعاية الخلفاء العباسيين في بغداد . وربّما كان هذا الازدهار حافزاً لنهضة اللغة الآراميَّة أيضاً ، فصَحَت في القرنين الثاني عشر والثالث عشر عن يد عـدد من الكتّـاب المشهورين أمثال ” ابن الصليبي ” و ” ميخائيل الكبير ” و ” ابن العبري ” و ” عبد يشوع الصوباوي ” وغيرهم من الذين لم يكتفوا بالتأليف بل أخذوا ينقلون إلى الآراميَّة مؤلّفات الفلاسفة العرب أمثال ” ابن سينا ” و ” فخر الدين الرازي ” وغيرهما.

عاد الشرقيون والمستشرقون إلى دراسة الأدب الآرامي دراسة منظّمة منذ القرن الثامن عشر ، حين بدأ ” يوسف سمعان السمعاني” ( 1768 ) يكشف عن أهميّة هذا الأدب بما نشره في كتابه النفيس “المكتبة الشرقية” واستقاه من مخطوطات حازها من ” دير السريان ” بوادي ” النطرون ” في مصر

 

الأدب الآرامي الوثني

إنّ المؤلّفات الأولى التي وصلتنا باللغة الآراميَّة هي من الجودة اللغويَّة بحيث نلاحظ فيها تطوّراً كبيراً لم تصل إليه إلاّ خلال سنين طويلة ، إن لم نقل خلال قرون . وقد عثر على بعض بقايا من اللغة الآراميَّة في دورها الانتقالي ، وهي آثار وثنية أفلتت من يد الدمار الذي أتى على كلّ ما لم يكن مسيحياً . وبقيت لنا من هذه الآثار كتابات قليلة متفرّقة ، منها ” كتابات المدافن ” وبعض كتابات مطوّلة اشتملت عليها ” المحفوظات الملكية ” في الرها ، وخطاب ” مار سرابيون ” إلى ابنه ” سرابيون ” وقصّة ” أحيقار ” وغيرها . . بالإضافة إلى الكتابات الآراميَّة الكثيرة التي اكتشفت في هذه السنين الأخيرة في مدينة الحضر الأثرية حيث كانت هذه اللغة مزدهرة وسائدة.

ا – كتابات المدافن:

لقد عثر على هذه الكتابات في إقليم الرها ، وهي تعود إلى العهد السابق لدخول المسيحيَّة إليها وإبان دخولها . غير أنّها لا تشمل عادة إلاّ على نصوص نثريَّة قصيرة لا تضيف كثيراً إلى تاريخ الأدب الآرامي.

ب – كتابات ملوك الرها:

تأثّرت الرها عاصمة القسم الشمالي من بلاد ما بين النهرين بالحضارة والعادات الآراميَّة لأنّ سلالة آراميَّة حكمتها من سنة 132 ق .م إلى سنة 216 م . ودوّنت أعمالها بهذه اللغة . ومن جملة هذه الأعمال المحفوظة في الخزانة الملكيَّة في الرها تسجيل كارثة فيضان نهر ديصان الذي اجتاح مدينة الرها في شهر تشرين الثاني سنة 201 م في عهد ” أبجر التاسع ” ملكها ، وتصدّع من جرائه كثير من المباني في المدينة ، ومن بينها ” كنيسة للمسيحيين ” . وقد سُجّلت هذه الكارثـة سنة 206م  ونُقلت في مـا بعـد إلى سجلاّت أساقفـة مدينـة الرها التي أُنشئت حوالي سنة 313م.

ج – خطاب مارا ابن سرابيون:

 أثّرت الثقافة اليونانيَّة على الآراميَّة في سورية الغربيَّة ، لا سيّما في الطبقة المثقّفة فيها ، فاستعمل الآراميون من جراء ذلك المصطلحات اليونانيَّة في كتاباتهم . إنّ هذا التأثير يبدو واضحاً في الخطاب الذي أرسله ” سرابيون ” . ويظهر من هذه الرسالة أنّ ” مارا ” كان من مدينة “شميشاط” وأنّه كان وثنيّاً من أصحاب الفلسفة الرواقيَّة ومن أتباع “زينون” ، وقد زجّ به الرومان في السجن بتهمة اشتراكه في حركة مناوئة لحكمهم . ويرى العالم ” كيورتون ” أنّ ” مارا ” كتب رسالته بالآراميَّة في فترة تتراوح ما بين نهاية القرن الأول ونهايـة القرن الثاني الميلادي . وقد قُدّر لهذه الرسالة البقاء ، لأنّ فيها إشارة إلى المسيح الذي يسمّيه الكاتب ” الملك الحكيم ” ويذكره إلى جانب سقراط وفيثاغورث ويقول في سياق حديثه: ” . . .ماذا جنى اليهود من قتل مليكهم الحكيم؟ لقد ضاع ملكهم منذ ذلك الزمان نفسه ، وحلّ الخراب بهم وطُردوا من مملكتهم وشُتّتوا في كلّ مكان . . لم يمت الملك الحكيم من أجل الشرائع الجديدة التي وضعها . .”

 

من أقـواله المأثـورة

 حيـاة الناس زائلة من العالم ، أمّـا مجدهم وفضائلهم فباقيـة إلى الأبد . همّ الناس تكبير بطونهم ، وهي  الرذيلة التي بها يتمّ الفساد.

 إنّي أضحـك على الزمن الذي يردّ إليّ سوءاً لم يستعره منّي من قبل.

 وُلِد الناس لكي يتقبّلوا ظروف الزمـن ، وكلّ الأرض عند الحكمـاء سواء ، لأنّ للصـالحين في كلّ مدينة كثيراً من الآباء والأمّهات.

 

  الأب البير أبونا استاذ اللغة الآرامية وآدابها “ أدب اللغة الآرامية “ مطبعة ستاركو بيروت 1970