اللغة ومعرفة الله عند مار أفرام السرياني / د. ديفيد بندي / ترجمة حنا عيسى توما

Posted by on Oct 22, 2014 in Library, دراسات سريانية | Comments Off on اللغة ومعرفة الله عند مار أفرام السرياني / د. ديفيد بندي / ترجمة حنا عيسى توما

pastedGraphic.pdf

اللغة ومعرفة الله عند مار أفرام السرياني  

 د. ديفيد بندي

ترجمة حنا عيسى توما

لا شكَّ أنّ تأثير مار أفرام في الكنائس الناطقة بالسريانية كان من أهم العوامل التي أدّت إلى نهضتها الفكرية والروحية في وقت مبكر  . لقد حدّدت أعمال مار أفرام إلى حدّ بعيد  العلاقات الوثيقة بين الأبحاث اللاهوتية والروحية والطقوس الدينية وأعطى لكلٍ منها شكلاً معيناً ووظيفة تقوم به . فتجد تراتيله في الأدب الديني حتى اليوم في كلً من الكنائس السريانية-العربية ، بالإضافة إلى تلك التي في الهند والحبشة . لقد ترجمت قصائده الشعرية ، التي كتبت بالسريانية ، إلى لغات عديدة منها : الأرمنية والجيورجية والحبشية والعربية والسلافية واللاتينية والصينية . وليس هناك كاتب آخر مثل مار أفرام أُحسِنَ تمثيل اعماله في  ” مجموعة المخطوطات اليونانية ” التي اعتبرت بمثابة ثروة هائلة  ولكن بحكم التعقيد المحيط بتقليد المخطوطة احبطت كل المحاولات في تقديم أيّة طبعة نقديّة لها . ويجدر بالملاحظة أن ّتأثير هذا الكاتب ، من القرن الرابع ، لم يقتصر على الشرق فقط بل تعداه إلى الغرب أيضاً ، حيث أنّ كتاباته كانت إحدى المحرضات على التكوين الفكري عند جان وتشارلز وزلي ( قائدي الحركة الإنتعاشية الدينية وقائدي الحركة الميثودية ) . وكانت لأعمال مار أفرام السرياني أهميتها الكبرى في الآداب الألمانية في العصور الوسطى.

تعكس أعمال مار أفرام فهماً للعالم ونظاماً في معالجة هذا العالم من وجهة نظر لاهوتية ، ليست منفصلة كلياً عن التقليد اليوناني واللاتيني ، ولكنها تختلف تماماً عن مفاهيم معاصريه . ومع أنّ مار أفرام ، على ما يبدو ، لم يعرف اليونانية  ( أو ألمّ بها قليلاً ) ، ولكنه حتماً لم يكن يعرف اللاتينية ، وكان هذا من نظام الثقافة السريانية-الهيلينية ، إلا انّه كان على اطّلاع واسع على أعمال بعض الكتّاب اللاهوتيين السريان السابقين ، وعلى بيّنة تامّة من نتائج الأبحاث الفلسفية اليونانية.

إن القصد من هذه الدراسة هو تقديم موجز عن حياة مار أفرام وإطاره التاريخي قبل مناقشة نطريته في المعرفة ومفهوم اللغة ودورهما في فهمه للطريقة التي ينبغي للإنسان ان يعرف الله . ونأمل أن ذلك سيسمح لتعليم آخر بالتحدث إلينا نحن المتشبعين بما سمّاه مار أفرام  ” سمّ اليونان “.

 

من كان أفرام ؟

 

حيّر هذا السؤال ، ولوقت طويل ، أولئك الذين قدّروا براعة مار أفرام ووجهة نظره . فبعد أن أصبحت أعماله معروفة في الكنائس الغربية ، حتى عندما كان حيّاً ، ظهرت سير عديدة لمار أفرام السرياني تلبية لحاجة الناس . فكتب ، كما يقال ، أحد تلاميذه المدعى سمعان الساموساتي سيرة حياته ، وإن كان ذلك صحيحاً ، إلاّ أنّها فقدت . كل ما لدينا هو رواية بالاديوس وسوزومينوس التي كانت بمثابة قاعدة لأجيال عديدة من كتّاب سير القديسين الذين حاولوا أن يكتبوا عن حياة مار أفرام . وأقدم ما وصلنا من العالم السرياني هو مديح لمار يعقوب السروجي في مار أفرام ، كتبه بعد أكثر من قرن من وفاة مار أفرام ، ولكنه كان خالياً من أية تفاصيل تتعلق بسيرة حياته.

ولعل المصادر الوحيدة الموثوق بها عن حياة مار أفرام هي التلميحات المتفرقة عن سيرته الذاتية الموجودة في أعماله ، هذه التلميحات وإن كانت في الحقيقة تناقض  ” سير مار أفرام ” الرائجة ، إلاّ أنّها تضفي مصداقية على ما أشارت إليه.

وُلِدَ مار أفرام في سنة 306 م قرب بلدة نصيبين ، قاعدة عسكرية تقع على الحافة الشرقية من الإمبراطورية الرومانية ، كان ابناً لأب وأم مسيحيين كما نوّه بنفسه عن ذلك مراراً . ولكن لا يمكن أخذ هذا التاريخ كحقيقة ثابتة . أصبح مؤمناً في سن مبكرة ، وتعمّد على الأرجح في السنوات الأولى من شبابه . شارك بشكل فعلي في كنيسة نصيبين وهو مصدرنا الرئيسي لتاريخها المبكر . وصف مـار أفرام المطـارنة الأربعة الأوائل : يعقوب ( 308 – 388 ) ، بابوا ( +346 ) ، فولوجيس (346 – 361 ) وإبراهيم (+361 ) . لم يرسم كاهناً ولكنه كان عضواً في جماعة غير منتظمة في كنيسة تسمى  “أبناء العهد Gyama  ” ، سعى أفرادها بواسطة جلساتهم الروحية وتنسكهم وعزوبيتهم إلى تحقيق المثال الأعلى للحياة المسيحية . هذا التعهد الذي استدعى طرازاً معيناً من حياة التأمل والعزوبية والفقر لا يجوز أن يرتبط بالرهبنة كما حصل مراراً عديدة . اصبح مار أفرام أخيراً شماساً وعُرف في الغرب باسم  ” شماس الرها “.

وعندما استسلمت مدينة نصيبين سنة 363 إلى الفرس ، بعد هزيمة الإمبراطور جوليان وموته ، صار مار أفرام لاجئ حرب . وشقّ طريقه إلى مدينة الرها حيث وضع نفسه في خدمة مطرانها برسيس . وكتب هناك بوفرة في مناهضة تعاليم البدعات المسيحية الأخرى التي كانت شائعة في الرها حينذاك . ألّف جوقة من الفتيات لتغني مقطوعاته الموسيقية  ( على الأغلب من فتيات العهد ) . ومع أنّ قسماً من أسماء الألحان بقي محفوظاً إلاّ أن الموسيقى فقدت مع الأسف . أصبحت البساطة في حياة مار أفرام كأسطورة يتداولها الناس ، على سبيل المثال ، جهوده المبذولة في تخفيف عذاب ضحايا المرضى والمجاعة . توفي ، أثناء انتشار المجاعة ، في التاسع من حزيران في سنة 373.

 

بيئة مار أفرام

كانت مدينة نصيبين خلال فترة إقامة مار أفرام هناك مركزاً تجارياً وعسكرياً مهماً مع كل الصعوبات التي تفاقمت عليها . وعندما انتقل إلى الرها أصيب بصدمة ثقافية . فلقد كانت الرها ، كحالها لقرون عديدة ، المركز الثقافي والفكري في سوريا الوسطى . وكان من المعروف أنّه في القرن الثالث كان للرها حاكماً مسيحياً . ولكن عند قدوم المسيحية التابعة للإمبراطورية ، لم يعتبرها مار أفرام مركزاً أرثوذكسياً . فلقد كان سائداً حينذاك لكي تكون  ” مسيحياً ” يجب أن تكون مارسونياً والبديل كان إمّا أن تكون تابعاً لبرديصان أو ماني أو تاتيان-بالوت . لقد اعتبرت الإمبراطورية المجموعة الأخيرة  ” أرثوذكسية ” ، ولكن البالاتيانية كانت لا زالت تعتبر الأقليّة في عهد أفرام . كانت العبادة الوثنية ما تزال فعّالة وخاصة بعد عهد الإمبراطور جوليان . وكانت الأريوسية قد قسّمت البالاتيانية إلى مجموعتين . ونقل الإمبراطور الأريوسي فالينس مطران مار أفرام المدعو برسيس إلى حرّان ثمّ نفاه سنة 372 . إلا أن الأرثوذكسية أصبحت في عهد مار أفرام قويّة كفاية لتصرّ على  ” الأرثوذكسية ” . كان مار أفرام ، في بيئة الشك والتغيير هذه ، اكثر إبداعاً عندما حاول التعبير عن مفهومه للإيمان والله والعالم .

 

دعونا نلقي نظرة موجزة على بعض التأثيرات الفاعلة في مسيحيّي الرها والتي أجبرت مار أفرام على منافستها

 

مارسيون 

حاول مار أفرام أن يبرهن أنّ المارسيونية أقامت ثنائية : إله خير ، وهو الخالق ، والغريب الإلهي ، والله العادل الذي عطّل الكون الذي كان مصنوعاً من مادة جاهزة ، أما المادة  ( العالم ) فتتضمن الشر وتتسبب في تلوث الروح . وليس للإنسان ملاذ ضدّ هذا التلوث إلا ّان يطهّر نفسه منه . على الإنسان أن يعمل ليطهر نفسه ( لذا التنسك المارسيوني والصداقة الجنسية ) ولكن بحكم طبيعته محكوم عليه بالشر . وهذا ما قاد المارسيونيون إلى الكريستولوجيا  ( أو التعليل اللاهوتي لشخص المسيح وعمله ) ونكران قيامة جسد الإنسان ونفسه وروحه.

 

برديصان

وقف بارديصان ضدّ مارسيون  ( كما فعل مار أفرام فيما بعد ) . اثبت بارديصان أنّ الإله واحد وأنّ الإيمان ضروري في المعـرفة  ” الكاملة ” لـ  ” الله ” ، وذلك من أجل الأمل والتحرر من الخوف ، وأنّ الإنسان عنده الحرية التامة في اختيار الخير أو الشر . وأكدّ أنّ على المسيحيين تجديد أخلاقياتهم في حرية وفقاً  ” لقوانين مسيحهم ” مع الأخذ بعين الإعتبار مختلف الشرائع والقوانين في كلّ بقعة من بقاع العالم لإثبات تعدديتها  ” ضدّ الحتميّة “.

كما انّه انتقد مارسيون لانتقاضه وذمّه للنشاط الجنسي . فالجنس ليس شراً بل إساءة استعماله هو الشر . ولم ينكر ، في الوقت ذاته ، أنّ الشر قد يحدث ، فالأطفال يموتون والناس يجوعون ولكن ذلك ينشأ من القضاء والقدر  ( حظ سيء ) وليس من الشر المتضمن في صلب الشيء أو في طبيعته الأساسية.

كلّ هذا يقوى ويشتد بواسطة فهم كوزمولوجي توحيدي  ( الإيمان بإله واحد ) ، ولكن تلازمه أفكار ناشئة عن نظريات الصدور أو الفيْض  ( في خلق العالم ) ، التي أدرك أفرام أنها قريبة من الشرك أو الإيمان بعدة آلهة وعبادتها . ولكن بارديصان ، مثله مثل أفرام ، أكد على أن الشر ليس له شخصية خاصة بذاته ، ولكن هذه الشخصية تطورت من خلال إساءة الحرية ، وسوء استعمال العوامل والعمليات الطبيعية ، أو نتجت عن سوء الحظ.

إلا أن بارديصان وأتباعه حافظوا ، إلى حدّ ما ، على استعمال خريطة البروج وعلم الفلك ، الأمر الذي دفع مار أفرام إلى اتهامه بعدم التجانس الفكري

 

المانوية

أصبحت المانوية منذ حوالي 240 منافس قويّ بالإضافة الى التعاليم المسيحية الأخرى في الشرق الأوسط . ففي القرن الرابع اجتذبت المانوية القديس اغسطين في روما ، ومع حلول القرن الثامن انتشرت في كلّ من الصين وآسيا الوسطى . ويبدوا أنها كانت ناجحة للغاية ، من خلال الحكم على التغيير الذي حصل في كتابات علم الدفاع عن العقيدة المسيحية في أواخر القرن الثالث وطوال القرن الرابع ، ومعظمها من حيث الأهميّة لم تكن دائماً كتابات مار أفرام في الجدل الديني التي تميزت بالإعتدال.

استوعبت المانوية ، كما أشار إليها أفرام ، أفكار عديدة ، ومن المحتمل أنها جذبت أنصار وموالين من كلا المذهبين البارديصاني والمارسوني . لقد فهم ماني مهمته جيداً كـ ” رسول ” للسيد المسيح ، والفارقليط الموعود في الأناجيل . قدمت الحركة المانوية رؤية كاملة عن الكـون والخلاص مدعومة  ( على الأخص للسكان السريان ) بتنسك وطيد . فالحياة المثالية لـ ” المرشح ” المانوي لا تختلف كثيراً عن حياة التاتياني  ( أو كلمنتاين )  ” الكامل ” أو التنسك المارسيوني . وكان الطقس الديني يتطلب تبديل طفيف لعدد من المسيحيين : من القربان المقدس إلى  ” المَقْدِس ” ( جزء من كنيسة يشتمل على المذبح –المترجم ) ، الانتقال من نوع معيّن من التراتيل الى آخر ، ومن نوع من الأيقنة  ( صنع الأيقونات ) إلى آخر.

أما الاختلافات الرئيسية مع الفـرق الأخرى فهي مفاهيم علم الكون  ( بما يتضمن الطبيعة الإلهية ) ، غياب حرية الإرادة  ( الحتمية ) والدور التنبؤي لماني . لقد اتهم مار أفرام ماني بأنه تبنى المفهوم اليوناني للمادة والثنائية الهندية.

 

الآريوسية

اعتقد مار أفرام أن الآريوسيين ، بالإطارات الفكرية لليونان وتخليهم عن الإيمان بشهادة الكتاب المقدس أدّى الى وجود تصور لاهوتي عن الله ، والمسيح ، والعالم لا أساس له ، وبذلك انحرفوا عن الإيمان . واسوأ نتيجة ، في نظر مار أفرام ، لانحرافهم كان تأثيرها على مهمة الكنيسة ، والنزاع الذي جعل من الكنيسة اضحوكة لـ ” الوثنيين ” في الخارج.

 

نقاط الخلاف

برزت عدّة معضلات لاهوتية ، كان الكوزمولوجي  (علم الكون ) الشأن الرئيسي بالإضافة إلى الأسئلة التي كانت تدار حول طبيعة الإله ، طبيعة المادة ، عملية الخلق ، تنظيم الخليقة ، وبيئة العالم غير المنظور ووظيفته . ومن بين الأسئلة ، المهمة أيضاً ، كانت تلك التي أثارتها  ” حادثة المسيح ” : هل الوحي توقف عند المسيح ؟ ما هي النصوص المقدسة التي يمكن استخدامها في تفسير حياة المسيح؟ وما هي مسئوليتهم الأخلاقية في هذه العملية؟

أكّد أفرام ، كما كان متوقعاً منه ، على فكرة التوحيد أو الإيمان بإله واحد  ( ضمن نطاق الإيمان بالثالوث المقدس بشكل معتدل ) ، وحاول أن يبرهن أنّ المادة خلقت من لاشيءex nihillo  ونظمت وفق تصميم يهودي-مسيحي . كان المسيح متمم الكتاب المقدّس ورغبة العالم في التجديد . وكانت الطبيعة والكتاب المقدس المصدران الوحيدان للإلهام الإلهي والوحي المسموح بهما . فعلى الناس أن يستجيبوا إلى الوحي الإلهي الذي تجلى في المسيح وأكّدته الطبيعة ، وعبر الممارسة لإرادتهم الحرّة يجددون أنفسهم وبيئتهم.

اعترف مار أفرام بجميع هذه القضايا ، ولكنه اقترح بأنّ هناك قضيتين رئيسيتين تحسمان النقاش برمّته وتحتّمان نتيجته : وهاتان القضيتان هما مفهوم المعرفة  ( ونسبة المعرفة التي يتوخى البشر الحصول عليها ) وطبيعة اللغة.

 

المعرفة

المشكلة التي واجهها مار أفرام هي أن أفكاره عن ماهية الإنسان وطبيعة المسيح ، والله والخليقة ، كانت بسيطة جداً وغير واضحة بالمقارنة مع المذاهب الاخرى الأكثر وضوحاً كالأريوسية والمانوية . لذلك حاول أفرام أن يبرهن أن مدى معرفة الإنسان لأي شيء هي محدودة . وأنّ الناس تواجه هذه الحقيقة حتى في إدراكهم لأنفسهم وشعورهم ورغباتهم ودوافعهم . ولا أحد يستطيع أن يتأكد مما يعرف . لأنّ كلّ ما يعرفه الإنسان هو مجموعة صور وكلمات اختزنت في العقل ، ولكن لا يستطيع المرء امتلاك الواقع نفسه . على سبيل المثال ، باستطاعتنا إثبات إرادتنا الحرّة وباستطاعتنا جمع البراهين على وجودها من مختلف التعاليم الثقافية ، من خلال ملاحظتنا لنتائج قراراتنا في الحياة اليومية ، ومن خلال تحذيرات الكتب الدينية وتعاليم الكنيسة  ( ويعني هنا تعاليم تاتيان-بار ديصان-بالوتيان ) بالإضافة إلى ما اتفق عليه ، بشكل عام ، فيما يتعلق بالخلاص . ومع ذلك ، فإنّ الطريقة الدقيقة التي تعمل بها الإرادة الحرّة لا يمكن معرفتها . إن وصف شيء ما ، حتى إثبات وجوده او التأكد من صحته لا يحلّ كيفية عمله ووظيفته . هذه هي ، كما يراها مار أفرام ، التقنية التعليمية للخالق.

ولكن تلك ” الإرادة الحرّة ” التي تجرأت على التصريح في ما يخصّ الله ، لا تستطيع نفسها التعبير عن طبيعتها بشكلٍ كامل . ولكننا ، في هذا ، نقول أيضاً إلى كلّ من يسأل : انّ ذلك أعجوبة نعيها بسهولة ولكن يصعب علينا إعطاء أي برهان عليها . ولكن هذه الصعوبة ليست محصورة بهذه المسألة فحسب بل تنطبق على كلّ شيء . قد يخضع كلّ ما هو موجود للنقاش ولمن يريد أن يعرف؛ وقد يكون من المعروف انّ الشيء موجود ولكنه من المستحيل معرفة كيف يوجد . ولهذا نعي كلّ شيء ولكننا لا نستطيع فهم أي شيء بشكل كامل . والشكر يعود بذلك إلى الله الذي سمح لنا معرفة الوجه الخارجي للأشياء ، لعلّنا نتعلم كيف نتفوق ، ولكنه لم يسمح لنا معرفة اسراره الداخلية لكي نفهم نقصنا.

 

هذا التفسير استخدم أيضا في مواجهة السؤال المتعلق بالله 

إذا كانت معرفتنا لا تستطيع حتى تحقيق معرفة ذاتها ، فكيف لها ان تتحرى ولادة من يعرف كلّ شيء ؟ كيف يستطيع الخادم الذي لا يعرف نفسه كما ينبغي ، التطفل في تحديد طبيعة خالقه ؟

وهكذا نستطيع التأكد على كينونة الله ووجوده على أساس الشواهد التي أعدت خطط الظواهر الطبيعية  ( هذه الخطط الإلهية قدمت تشبيهات أو انعكاسات لله ) وتوكيدا العهدين القديم والجديد ، والأهم ، بالنسبة لأفرام ، هو اختبار الإيمان . هذا العنصر الأخير له وجهان : الأول إيجابي ، يعطي المصادر الثلاثة بالتساوي قيمة وصفية ، تشبيهية ووجودية . والثاني سلبي ، وهو قبول عدم معرفة الله من حيث ما هو ، وكيف هو ولماذا هو . هذا الوجه الأخير هو الطريق الذي يختاره الإيمان ، أمّا المحاولة للذهاب ابعد من ذلك فلها مردود معاكس.

 

الغبي الذي أحيط إيمانه بكل أنواع الأسئلة مثله مثل الذي يفرك عينه المؤلمة ، وكما أنّ العين قد تصاب بالعمى إن جسّها الإصبع كذلك البحث العميق قد يصيب الإيمان بالعمى.

البحث العميق هو العجرفة في طرح الأسئلة التي ينبغي عدم طرحها ، أو محاولة تعريف الذي لا يمكن تعريفه . ومع انّ أفرام لم يعطِ لائحة في البحث المحرّم والممنوع ، إلاّ أنها تبدو أنها تحتوي على اكثر مما يتعلق بالإهتمامات اللاهوتية فقط . فهي تحتوي على ظواهر طبيعية ، ومشاعر ، وبديهيات ،  وأنشطة ، وحظ . ويذهب ابعد من ذلك ليصرّ على انّ إلغاء  ” البحث العميق ” لا يعني الدفاع عن الجهالة . فإنّ  ” رعاية الجهل ” تحرم الفرد من معرفة ما يمكن معرفته . فلا  ” البحث العميق ” ولا  “رعاية الجهل ” تمدنا بقاعدة متينة للمعرفة والفهم . ولقد لخّص مار افرام ذلك قائلاً.

“ ليس من العدل والإنصاف أن نشجع الجهالة أو البحث العميق ، إنّما علينا أن نشجع صوت العقل والحقيقة بين هذين الموقفين المتطرفين “.

العقل هو طريق الاعتدال . ويشمل العقل إدراك وقبول طبيعتنا المحدودة ، وبحكم المحدودية التي فرضت علينا من قبل الطبيعة ، لا نستطيع ان  ” نعرف ” البنى العميقة للحقيقة . وهذا يتطلب أيضا كبح جماح جرأة الإنسان وفضوله ، والرغبة في القوة الفكرية . ويعني أيضاً ، كما ورد أعلاه ، أنّ عدم المعرفة هو شيء إيجابي . ” وبحكم أنّ الإنسان يعرف انّه لا يستطيع أن يعرف فهو مخوّل أن يعرف ” . انّ  ” المعرفة ” الناجمة هي التوكيد على طبيعة وحقيقة الله – أو أيّ شيء آخر . انّه لطريق صعب ، والذين قرروا سلوكه والحصول على ذلك التوازن اقدموا على مجازفة روحية اعظم بكثير ، كما أكدها مار أفرام ، من مجازفة  القديس بطرس عندما حاول السير على بحر الجليل .  ” لأنّه في أمواج البحر فقط تغرق الأجساد ، ولكن في أمواج البحث والإستقصاء تغوص العقول او يتم إنقاذها ” . انّ طريق  ” الفكر ” هو أن تكون إنسانا ملاحظاً شديد الانتباه ، بارع في التحليل ، كثير الدقة ، ولكن دون ان يكون حاسم في تعصبه لرأيه ، مطلق في أحكامه ، متكبر ، غير مرن . انّ الذي يكون معروفاً هو  ” البسيط ” ، وهو ذاك الذي يخضع إلى الفحص الموضوعي لكي يصبح معناه معروفاً من خلال ملاحظة علاقته بحقائق أخرى وتحليل بناها . ينبغي أن تكون وجهة النظر هذه هي تلك التي تخصّ المخلوق المتواضع الذي لا يدعي التشكيك بالله . المعرفة هي القدرة على وصف  ” ما هو الله ” ، وليست السيطرة على الأعمال الباطنية للإله  ( لماذا وكيف ) ، والإنسانية والخلاص.

حاول مار أفرام أن يبرهن انّ كلّ من الأديان المنافسة له ، الأريوسية والمانيكية ، سعت بطريقتها الخاصة أن تتجاوز حدود ما هو معروف . فبدلاً من إيجادهم قاعدة متينة للإيمان والجماعة كانت نتيجة أفكارهم اضطرابا في النظريات المتعلقة بالله والعالم والإنسانية وعملية الخلاص . فتقوقعت آراء الإنسان على نفسها وتحولت إلى ” الرغبة في معرفة كل شيء ” كالله نفسه . وبدلاً من الاضطلاع على أسرار الله وخليقته اصبح التركيز على الأشياء الجديدة وغير المعروفة.

انّ الإعجاب في  ” الذكاء ” وتحديد الحقيقة يحوّلان معـرفتنا الناقصة إلى شيء حسّي ، ويرفعان  ” ارادتنا الشريرة ” إلى مصاف سلطة غير مؤهلة واقامة جدار حول الطريق الى الحقيقة وذلك بواسطة تقديس مفهوم للحقيقة من صنع الإنسان . أنها تجعل الوضع الراهن مقدساً وتنكر احتمالية المشاركة في إيمان اختياري غير موجود في الإطار النظري.

انّ منهج مار أفرام هو اغنوسطي : يعتقد بأنّ وجود الله وطبيعته وأصل الكون أمور لا سبيل إلى معرفتها :  ” هؤلاء الذين يعتقدون انهم يعرفون كلّ شيء ، عبـر هذه المعرفة يربحون الجهالة لأنفسهم ” .  ” إنّ معرفتنا الرئيسية هي أننا لا نعرف شيئاً ، ومع ذلك يستطيع المرء الدخول إلى عمق بنى الحقيقة بواسطة التأمل الروحي والتفكير الملي “.

لقد أعطي لنا العقل لنتأمل جمال الخالق ، لأننا لا نملك العين  ( العقل ) التي تستطيع أن ترى عظمته  ( الله ).

هذا بالنسبة لأفرام هو قمة المعرفة : الدخول إلى حقيقة الله بواسطة التأمل الروحي في الله على ضوء الكتاب المقدس وخليقته

 

اللغة

    في نقده الرئيسي للاريوسية والمانيكية يصرّ مار افرام على انه لا يجوز تبني اللغة ، بما في ذلك لغة الكتاب المقدس ، بحرفية متخشبة . بالنسبة له اللغة ترمز إلى واقع ولكنها ليست تعرفياً أو معادلاً له.

بعضهم يتعلقون بأهداب الحقيقة ، مع ذلك قوة تلك الحقيقة تحميهم من السقوط . لا تسعى وراء معنى الألفاظ التي تؤخذ بمعناها الخارجي فحسب لأنها قد تعيق سبيلك الى الفكرة  ( الحقيقية ) ، ولكن فتش عن معناها ( الحقيقي ) وما ترمز إليه . لا تلتجي إلى الطرق الفرعية بل اعتمد على قوة الحجة الجوهرية ، على عهد الكتاب حيث الروح صورت أعضاء المسيح لتظهر من خلال الرموز الجلية شكله الخفي ، لأنه قد اظهر اشياء عظيمة بواسطة اشياء صغيرة ، بواسطة أشياء ظاهرية صارت الاشياء الخفية واضحة . لقد أشار إلى الأزمنة ، أعطى معرفة بالأرقام ، عين الساعات ، وأعطى الأرقام قوتها الرمزية والاختلافات دقتها.

 

    أدرك مار افرام أن محاولات منافسيه الذين يقومون بتعريف الأفعال الداخلية السرية للكون ليست فقط مثالاً على العجرفة الفكرية ، بل تنم أيضا عن سوء استعمال فج للغة وعدم الشعور بالمسؤولية تجاه الطبيعة المجازية لهذه اللغة .  وأكد على أن  ” براعة ” العرض والتحليل ليس لها تأثير على مصداقية أو ملائمة لقرار ما.

 

    لأنه إذا تناولنا قضية ما بطريقة ماكرة مصقولة ، في الوقت الذي كان يتوجب علينا درسها ببساطة ، عندها يتحول ذكاؤنا إلى جهالة . وعندما يتعلق الأمر بالواجب ، حين يتجاوز الإنسان ما هو متعارف عليه ، كل البراعات التي يبتدعها فيما يتعلق بذلك الواجب هي تافهة . وبالمثل عند القيام ببحث ما والبحث انحرف عن الحقيقة ، كل الاكتشافات التي يحققها ، وان كانت ذكية ، هي زائفة . لأن كل ما هو ذكي هو غير حقيقي ، أما كل ما هو حقيقي فهو ذكي.

 

كل ما جاء في الكتاب المقدس ( وكل الطبيعة ) هو عرض لمجازات وصور قدمها الخالق لإنارتنا ومن خلالها كيّف نفسه استجابة لمحدودية بصيرتنا ومعرفتنا . هكذا يقول مار افرام في ترنيمة له.

 

  إذا صب أحدهم انتباهه فقط على المجازات التي استخدمت في تصوير جلالة الله فهو يسيء إلى تلك الجلالة ويحرفها بواسطة تلك المجازات التي ارتداها الله خدمة للإنسان الذي كان ناكرا الجميل لتلك النعمة التي نزلت عن مكانتها الرفيعة وانحدرت الى سوية تفاهة الإنسان ، وبالرغم من انه ليس هناك قاسم مشترك بين الله وتفاهة الإنسان ، إلا أن الله لبس صورة الإنسان لكي يدنو بالإنسان من صورته  ( أي من صورة الله ) . لا تدع فكرك يضطرب بالأسماء لأن الجنة قد تدثرت بألفاظ مألوفة لك : ليس لأنها فقيرة قد اتخذت صورك ، بل لأن طبيعتك البشرية ضعيفة لدرجة أنها غير قادرة أن تحصل على عظمتها ، وجمالها قد نقص كثيرا لأنه تم تصويرها بألوان باهرة مألوفة لك.

 

     ينبغي أن تفهم المجازات والصور بدقة . وهذا لا يعني ان نقول بأن الوقائع المصورة ليست منسجمة مع الرموز الكتابية  (الخاصة بالكتاب المقدس ) والطبيعة . مار افرام يصفها  ” كمرايا ” يستطيع الإنسان بواستطها أن يرى الأمجاد التي خلف الرموز . وهي متماسكة مع الواقع لأن الخليقة هي كل متناغم مرسوم ومصان من قبل الخالق ، ولأن الله صنعها فهي تعكسه.

 

    إن في مقدورنا التأمل في أسرار الله المنعكسة في الصور المعروضة في الكتاب المقدس والخليقة ، وإرادتنا الحرة ستمكننا من اختبار نتائج ذلك التأمل الذي يميزنا عن الحيوانات الأخرى ويجعل صورة الله واقعا في البشرية .  ” لا تستطيع الحيوانات بذاتها أن تكون أفكارا محضة عن الله ، لأنها لا تعرف النطق الذي ينشأ فينا صورة عن الحقيقة  ” .  إن لم ينمي الفـرد هبة الله للتأمل والـمواجهة عندها  ” يحط من مكانته الطبيعية ويتخذ صورة الحيوانات “.

 

الخاتمة

   اقترح مار افرام بان الله يزودنا بعالم متناغم للطبيعة ، والكتاب المقدس هو مزيج من المفاهيم والصور والرموز والأنماط التي تظهر صانعها . ولا يجوز التعامل مع هذه الأمور على صعيد  ” الإشارة ” فحسب . وكذلك ليس من المتوقع أن نحلل  ” الإشارة ” لنفهمها كلياً : لأن المعاني الأكثر عمقاً تتخطى مقدرتنا على فهمها . ومحاولة إزالة الغموض عن الإلهي بواسطة التنظير البشري لها مردود عكسي . وبدلاً من ذلك ينبغي أن نسمح للصور ، والمجازات ، والظواهر الطبيعية أن تقودنا إلى التأمل في ذاك الذي يتعدى حتى تخوم اللغة التي وهبنا إياها الله للقيام بالوصف بشكل واف.

 

المؤسسة الامريكية للدراسات السريانية  – نيوجرسي