المقدمة – انجيل لوقا

Posted by on May 16, 2014 in تفسير انجيل لـوقـا | Comments Off on المقدمة – انجيل لوقا

الدر الفريد

في تفسير العهد الجديد

تأليف

العلامة مارديونيوس يعقوب ابن الصليبي السرياني

مطران مدينة امد ( دياربكر )

يحتوي على تفسير

بشارة لوقا

عني بترجمته وتهذيب عباراته وطبعه على نفقته

الراهب عبد المسيح الدولباني السرياني الارثوذكسي

طبع بمصرسنة 1914 م

الديباجة

الى القارئ

بعد نشرنا التفاسير على بشارتي متى ومرقس كان من الواجب ان نتبعها بالتفاسير على انجيلي لوقا ويوحنا ليكون عملنا تاماً كاملاً وقد طال بنا الزمن في ايفاء هذا الالزام لما اقتضاه العمل من الاعتناء والتحقيق لاسيما وان علامتنا ابن الصليبي نسج على منوال اللاهوتيين في كثير من الآيات الكبيرة بخطورتها لاثبات الحقائق الموحى بها فلزمتنا الحالة ان نتبعه لنعبر في اللغة العربية طبق المراد عن شروحه وبيانه وآرائه وآراء سائر العلماء التي ايدها او فندها . واننا بفضل الله نشهد اننا لم نحد عن الطريقة الفضلى اللازمة الاتباع وقد استفدنا كثيراً من الملاحظات التي تكرم علينا بها ذوو الغيرة والفضل في انتقادهم الجزء الاول من هذا التأليف فازلنا العيوب التي راوها في ترتيب الآيات وعنونّا فصول كل بشارة وقسمناها تبعاً لموضوعها بحيث يسهل الآن على المطالع وجود المثل الذي يريده او المعنى الذي يقصده ومن الامور التي فرحت منا القلب وسرت الخاطر ان الاصل السرياني للتفاسير الحاضرة قد نشر مؤخراً بالطبع في اوربا وعقبها ناشراه “ سدلاسك وشابو “ بترجمة لاتينية وقصدهما تعميم فوائدها الجزيلة للغرب ايضاً . وهذا ما يعلن قدر ابن الصليبي ويجعلنا نقبل ان على تأليفه البالغ غاية الكمال في مطلبه ونجلّه الاجلال الواجب علينا نحو احد علمائنا الكبار الذين شرفت بهم جامعتنا واستنارت بضياء معارفهم.

                                                   الراهب عبد المسيح الدولباني

                                                      السرياني الارثوذكسي

مقدمة مؤلف الكتاب

( باسم الآب والابن والروح القدس الاله الواحد  )

الفصل الاول

 منشأ لوقا وانجيله 

قال موسى ابن الحجر : كان لوقا اسرائيلياً يزاول صناعة طب الاجساد كما كتب عنه بولس في ( كو 4 : 14 ) قال “ يسلم عليكم لوقا الطبيب الذي معنا “ ثم صار طبيب النفوس . وهو من الاثنين والسبعين مبشراً وتلميذاً لبولس وينسب انجيله لبولس عينه كما ينسب انجيل مرقس لبطرس لان الرسوليين شاءا تسمية الكتابين باسمي تلميذيهما . وقد كتب لوقا انجيله مطولاً في مدينة الاسكندرية باللغة اليونانية مقتدياً بذلك بمعلمه بولس الذي فاضت تعاليمه فيضان نهر جيحون . واعلم ان كلمة انجيل تعني البشارة وميز بينها وبين كلمة توقع أو انتظار فالتوقع يكون للخير والشر أما البشارة فانما هي للخير لا غير . ولهذا المعنى دعي كل انجيل بشارة .

واختلف العلماء في منشأ لوقا وحاله . فقال يعقوب الرهاوي انه من الاسكندرية وكتب تآليفه باليونانية . وقال اوسابيوس القيصري انه من انطاكية . وروى آخرون انه كان تلميذاً لجالينوس . وذكر بعضهم انه ابن اخته . ولما سمع المعلم والتلميذ ان السيد المسيح ظهر في اليهودية وأخذ يشفي الاوجاع والامراض بدون عقاقير أو أدوية حلفا ان الامر كذب وخداع او هو خيال ووهم ثم قصدا الى مكان اقامته طلباً لاثبات الخبر فمات جالينوس في الطريق ونال لوقا مشاهدة المسيح فتتلمذ له وحسب في عدد الاثنين والسبعين مبشراً وكانت وفاته في طيبا المدينة الكبرى وتفسير اسمه الذئب .

الفصل الثاني

صفة انجيل لوقا

افتتح متى انجيله برواية ميلاد السيد المسيح بالجسد وابتدأ مرقس بذكر معمودية يوحنا والاثنان أتيا بذكر اسمه “ يسوع المسيح “ الاّ ان متى سماه ابن داود ودعاه مرقس بابن الله أما يوحنا فبدأ بتسميتة “ الكلمة “ اذ قال : في البدء كان الكلمة . ثم ان لوقا تناول بكلامه بشارة زكريا وميلاد يوحنا انجازاً لوعده بان يكتب كل شيء منذ البدء حسب ترتيبه . والترتيب الزمني ان ميلاد يوحنا سبق ميلاد ربنا فالتزم هذا النظام وبين الحوادث الواحد تلو الآخر . ثم انه قصد الافصاح عن مقام مخلصنا وعظمته فاوضح ان يوحنا سابقه كرز بالتوبة وأتى بالامور الخطيرة ليستنتج الناس ما هو قدر من دلّ عليه يوحنا عينه .

الفصل الثالث

مقصد لوقا من كتابة الانجيل

انقاد لوقا لطلب كثيرين من فضلاء القوم الراغبين شديد الرغبة في الاطلاع على سيرة السيد المسيح وأعماله كما هي في حقيقتها الباهرة . وكان بعض رواة الاخبار قد قادتهم الجسارة الى ان حرّروا ما ليس بصحيح وما لا يعرفونه في هذا الموضوع فوبّخهم شديد التوبيخ . ثم لما كان متى ومرقس قد كتبا انجيلهما أراد هو أيضاً ان يشهد لصحة كتابتهما ويثبت ان ما روياه هو الحق عينه وأيضاً استنهج مثلهما ولو انه زاد أموراً أخرى كانت من مقصده ليثبت تاوفيلس المتتلمذ له في الاعتقاد والإيمان كما يستبين من عبارته هذه : لتعرف صحة الكلام الذي تتلمذت له أيها الشريف تاوفيلاً “ .

الفصل الرابع

نسق لوقا في روايته

اعلم ايها الأخ ان لوقا كتب عن الامور المختصة بكلام السيد المسيح وبافعاله حسب ترتيبها ووقوعها في الزمن أي انه وضع الحوادث متتابعة الاولى منها في اول كتابه والتابعة منها في صلب انجيله والأخيرة في أخره طبقاً لما تكلم سيدنا وعمل . يشهد لك بذلك ما قاله : “ أكتب لك جميع الاشياء حسب ترتيبها أيها الشريف تاوفيلا “ ولهذا السبب نرى متفرقاً في انجيل لوقا ما كتبه متى من الوصايا مجموعاً في فصل واحد والحكم عينه في العجائب التي سردها تبعاً لاجتراحها في الزمن  .

الفصل الخامس

لأي الأسباب لم يضع لوقا سلسلة النسب في بدء انجيله

ان لذلك اسباباً ثلاثة الاول انه لم يكتب للعبرانيين بل للأمم الوثنية . ودليل ذلك انه ما وقف عند ابراهيم الذي جعل الله له الموعد لكنه وصل حتى آدم . الثاني انه أراد ذكر بشارة وميلاد يوحنا والحادثان وقعا قبل ولادة السيد المسيح فابقى ذكر نسبه وجدوده ليقرنه بذكر عماده فيتبين بالامر ان من يقتبلون سر المعمودية تصل مرتبتهم الى الله الآب وهذا ما دعاه الى سرد سلسلة النسب من الادنى الى الاعلى . الثالث انه لم يكن أمر نسب الاجيال بذي خطورة لدى لوقا الاّ انه أراد صدّ اليهود عن التنديد بما جاء في متى عند ذكرها .

الفصل السادس

لماذا فصل لوقا اعمال ربنا بالجسد

نقول ان ما نقصه متى ومرقس وما اثبتاه أراد لوقا تحريره بالتفصيل فكتب عن بشارة العذراء وحبلها بالمسيح وذكر مولده وطفوليته ووصف لنا مغارة بيت لحم والقمط التي لُفّ بها طفلاً والمذود والختانة ودخوله الهيكل وتقدمة القرابين عنه وكيف حمله سمعان الشيخ على ذراعيه وكيف تربى ونشأ قامةً . وروى عدد سنيه وسماه طفلاً وصبياً وابن اثنتي عشرة سنة من كل هذه ان يعلن تأنسه ويفحم بالدليل القاطع من اعتنقوا الضلال كماني ومرقيان وانكروا سر التجسد . وكما ان يوحنا استكمل ما تركه الانجيليون الثلاثة من قبل فاوضح بالتفصيل ان السيد المسيح إله وانه واجب الوجود كذلك بيّن لوقا ببيان شاف انه صار انساناً . ومن اللازم ان نعرف حق المعرفة ان الكلمة الذي هو من الآب والله ووُلد بالطبع من الآب قد صار انساناً لخلاصنا ووُلد بالجسد من أم غذّته بلبنها كما يغذّى الاطفال وأخذ فيه كل ما يختص بالطبيعة البشرية ثم كمل فيه كل ما يتعلق بالناموس الموسوي من ختانة وتقدمة القرابين وحفظ السبت والاعياد وبعد ان اعتمد من يد يوحنا سابقه شرع يسير في العالم سيرة روحانية .

الفصل السابع

زمن حبل يوحنا وزمن بشارة مريم وميلاد السيد المسيح

كانت البشارة بالحبل بيوحنا في اليوم العاشر من تشرين الاول حساباً قمرياً في عيد الغفران وفي مثل هذا اليوم كان يقع هذا العيد كما هو مكتوب : في العاشر من الشهر السابع . ومن البيّن ان من بدء نيسان الى بدء تشرين الاول يمرّ من الاشهر ستة وفي الشهر السابع تمت بشارة زكريا فاذن قد تمت في تشرين الاول حساباً قمرياً . أما مولد يوحنا فوقع في شهر تموز القمري . وكتب في بعض النسخ انه وقع في اليوم العاشر من حزيران ولكن عدد التسعة أشهر اذا بدأنا به من العاشر في تشرين الاول انما يتم في العاشر من تموز لا قبل .

وان سألت عن مولد السيد المسيح أجبت ان أوسابيوس يضعه في السنة اليونانية الثانية عشرة بعد الثلثمائة وهي توافق السنة الثالثة والاربعين لاغسطس والثالثة والثلاثين لهيرودس وهو الزمن الذي أرسل فيه كيرينيوس الى سوريا ولكنا نتبع رأي يعقوب الرهاوي القائل ان سيدنا المسيح ولد في السنة اليونانية التاسعة بعد الثلثمائة وهي السنة الحادية والاربعون لاغسطس . أما آلامه فكان وقوعها في السنة العاشرة لطيباريوس قيصر بحيث لم تتجاوز مدة حياته على الارض الى أكثر من اثنتين وثلاثين سنة ونصف سنة . لان المدة التي تخللت بين ميلاده وعماده ثلاثون سنة وبين عماده وصعوده سنتان وستة أشهر .

الفصل الثامن

الكلام على الحبل بالسيد المسيح وعلى ميلاده بالجسد

يلزمنا التكلم على الحبل بالمسيح ربنا وعلى مولده . فان بشارة مريم البتول حدثت في السنة اليونانية التاسعة بعد الثلثمائة في العاشر من نيسان حساباً قمرياً وفي الخامس والعشرين من آذار على الحساب الشرقي . فبناء عليه من اليوم الخامس والعشرين في آذار وهو اليوم الذي حبل به الى مساء الخامس والعشرين من كانون الاول الذي يقال انه ولد فيه تكون المدة تسعة أشهر ويوماً واحداً وثلاث ساعات ولهذا السبب في المساء عينه نبتدئ بعمل تذكار ميلاد ربنا . وأعلم ايها الحبيب ان عادة العبرانيين ان يعدوا أشهرهم حساباً قمرياً الا انهم يعدلون عنه الى الحساب الشمسي في عد اشهر الحبل وانما ربنا ولد في الخامس والعشرين من كانون الاول لأن النور اذ ذاك يأخذ بطرد الظلام اشارة انه له المجد نور العالم الذي غلب الشيطان المظلم . وفي ذلك الزمان كان الليل يتساوى بالنهار في الرابع والعشرين من آذار ومن ايلول فيصير الليل اثنتي عشرة ساعة ومثله النهار . وقد تبدلت الآن هذه الحالة فيتم التساوي في الثالث عشر من الشهرين المذكورين وسببه دوران الشمس الطبيعي . وقد مر لنا شرح ذلك مطولاً في كتابنا علم اللاهوت المختصر حيث ألفنا الكلام أيضاً في الطبائع المعقولة والمحسوسة . ثم انه في زمن المسيح كان النهار في الرابع والعشرين من حزيران وكانون الاول يطول الى خمس عشرة ساعة ولا يمتد الليل أكثر من تسع ساعات . أما في زماننا فيقع ذلك في الثالث عشر منهما . والظاهر ان كل يوماً يطول النهار عن الليل ساعة واحدة . وقد قال مار افرام في مدراشه انه حُبل بالسيد المسيح في العاشر من نيسان وولدته أمه في السادس من كانون الثاني . وقال مار يعقوب الرهاوي في رسالته الى موسى الطورعبديني انه لا يعرف أحد معرفة صحيحة يوم ميلاد ربنا . وكانت بلاد المشرق والشمال تعيّد العيد في السادس من كانون الثاني واستمرت العادة جارية بذلك حتى زمن الملك اركاديوس وكانوا يسمونه عيد الاشراق وبهذا الاسم دعاه أيضاً القديس الثاولوغوس في خطبته في الميلاد . أما في بلاد الروم وفي الغرب وفلسطين فان النصارى اعتادوا منذ زمن الرسل الاحتفال به في الخامس والعشرين من كانون الاول . ولما كان عملهم يستحق الثناء ويقرنه الصواب تبعهم المشرق والشمال واستثنى طائفة الارمن الذين ظلوا متمسكين بالعادة القديمة ولا يعيّدون العيد الا في السادس من كانون الثاني . ثم ان ربنا ولد في الليل تبعاً لما حرره لوقا .

وبعد كتابة هذه الفصول الوجيزة حان لنا الوقت ان نباشر شرح الآيات واحدة فواحدة وان نعالج جسم الكتاب لتظهر معانيه المخفية وأطلب منك يا من تقدم على مطالعة كتابي ان تصلّي من اجل ديونيسيوس الغريب لتنال أيضاً الرحمة .6