اللغة الآرامية

Posted by on Mar 11, 2014 in Library, دراسات سريانية | 2 comments

 

نرى في ماضي البشريَّة ، وتاريخها السحيق ، حضارات عديدة ، لكلٍ منها مجموعة من الأفكار  والنظم السياسية ، ومستوى من العيش المادي والتقني ، وطاقات على الإنتاج ، وقدرة على تأمين العلاقات الاجتماعية على اختلاف مظاهرها الدينيَّة ، والفكريَّة ، والفنيَّة

 

ومن هذا المنطلق فالتاريخ بمفهومه الحقيقي ، استحضار للماضي بكلِ مظاهره وواقعه ، فعلينا إذن أن نصفَ بدقةٍ المظاهر الحياتيَّة والمكانيَّة ، كما يجب علينا أن ندرسَ المؤثرات التي تفاعلت بها هذه الحضارات وانفعلت

 

اللغـة الآراميـة

اللغة الآراميَّة إحدى اللغات الساميَّة ، واللغات الساميَّة مجموعة لغات ميّتة وحيّة ، متقاربة في المفردات ، والاشتقاق ، والتركيب ، وأساليب التعبير ، مما يدلّ على تحدّرها من أرومة واحـدة . وتنقسم هذه اللغات إلى شعبتين رئيسيتين

 

شماليَّة : وتشمل البابليَّة والآشوريَّة ، والعبريَّة ، والفينيقيَّة ، والآراميَّة التي نحن بصددها

وجنوبيَّة : وتضمّ العربيَّة بفرعيها : العدناني ( الشمالي) ، والقحطاني (الجنوبي) ، وما إليها من لهجات عديدة ، والحبشيَّة ، وما إليها من لهجات

 

أمّا الآراميَّة فمصطلحٌ لغويٌ يشمل عدَّة لهجات متقاربة . وقد كانت مواطن الآراميَّة قديماً تمتد من منابع دجلة والفرات شمالاً ، إلى تيماء في شمالي الحجاز ، ومن الشاطئ السوري اللبناني غرباً إلى صحراء سورية ، وبلاد الأنباط (شرقي الأردن وحوران ) شرقاً . وقد وُجِد في جزيرة الفيلة ، جنوبي مصر ، وثائق مكتوبة على البردي يرجع عهدها إلى القرن السادس والقرن الرابع ق.م حيث كان هناك مستعمرة يهوديَّة بقيت إلى زمن البطالسة . وكانت الآراميَّة ، بعد انقراض سُلطان العبران السياسي لغة العبران العامَّة . وزمن الحكم الفارسي ، كانت اللغة الرسميَّة في جميع المقاطعات الواقعة غربي الفرات ، لأنَّ الفرس ، كورثة للمملكة الآشوريَّة ، اعتبروا الآراميَّة لغة رسميَّة . لأنَّ سواد الناس في فتوحاتهم الجديدة كانوا يتكلمون الآراميَّة ، ولأنَّ للآراميَّة نظاماً كتابياً حسناً ، ولأنها كانت لغة التجارة والفكر آنذاك

 

وقد تقدم  أن قبائل آراميَّة كانت منتشرة في سورية الجغرافيَّة حوالي القرن الخامس عشر ق.م  ولكنَّها لم تكوِّن دولة متَّحدة بل كانت دويلات ، ويذكر الكتـاب المقدس عدَّة دويلات آراميَّة أهمها ” آرام دمشق ” في منطقة الشام ، و ” آرام صوبة ” في البقاع ، و ” آرام معكة ” في سفوح جبل حرمون ( جبل الشيخ ) ، و ” آرام نهراي م” أي العراق القديم . ويجب ألا يغرب عن بالنا أنَّ لا ذكر لسورية في الكتاب ، إنما هو يذكر آرام . ولكن الإغريق أطلقوا على آرام اسم سورية ، وسمّوا أهلها سريان ، ولغتهم السريانيَّة . غير أنَّ العرب ، في العصور المتوسطة ، فرَّقوا بين سورية كوحدة جغرافيَّة وبين سريان وسريانيَّة كاسم لأقليَّة دينيَّة لغويَّة .ولكنَّه تاريخيَّا ، لا فرق بين سريان وسوريين ، وسريانيَّة ولغة سورية القديمة ، أي الآراميَّة

 

أما اللَّهجات التي تندرج تحت هذا المصطلح اللغوي الشامل فهي

 

أ – آراميَّة الكتاب

أي الفقرات والفصول التي كُتبت بلهجة آراميَّة والتي كان أهل فلسطين يتكلمونها ، وذلك في سفر عزرا ودانيال

 

ب – آراميَّة الترجوم

والترجوم كلمة عبريَّة من أصل آرامي معناها التفسير . والترجوم هو ترجمة أسفار الكتاب العبريَّة إلى لهجة فلسطين العاميَّة ، التي كانت الآراميَّة ، وليس الكلدانيَّة ، كما يظن خطأ ، وذلك لأنَّ عامَّة العبران تخلَّوا في حياتهم اليومية عن العبريَّة ، واستعاضوا عنها بالآراميَّة ، لأنها كانت اللغة الشائعة

 

ج – لهجة مسيحيّي فلسطين

 فإنَّ لدينا ترجمة للأناجيل ترجمها مسيحيوا فلسطين في القرن الخامس للميلاد ، ولا تختلف عن آراميَّة الترجوم

 

د – آراميَّة السامريين

 فإنهم ترجموا كتابهم المقدس ، أسفار موسى الخمسة إلى لهجة آراميَّة . وذلك عندما أصبحت الآراميَّة اللغة الرسميَّة الشائعة في جميع أنحاء الشرق الأدنى القديم

 

هـ – آراميَّة التلمود

 والتلمود كلمة عبريَّة معناها التعليم والإرشاد ( من فعل تلمد ، ومنها تلميذ بالعربيَّة ) وهناك تلمودان : اورشليمي ، ويرجع عهده إلى القرن الرابع ق.م ، وبابلي ، ويرجع عهده إلى القرن السادس ، والتلمودان مكتوبان بلهجة آراميَّة مشوَّبة بالعبريَّة

 

و – آراميَّة تدمر

 فإن جميع النقوش التي بين أيدينا مكتوبة بلهجة آراميَّة . وقد يكون التدمريون من أصل عربي ، ولكن لغتهم لم تكن العربية بل الآراميَّة ، كما تدل النقوش الكتابيَّة التي وصلت إلينا من تدمر

 

ز – الأنباط

 وتمتد من حوران إلى البتراء ، وكان الأنباط من قبائل عربيَّة غير أن لغتهم الرسميَّة واللغة التي ابقوا لنا منها آثاراً عديدة فإنها كانت آراميَّة مشوَّبة ببعض المفردات العربيَّة

 

ح – وأخيراً وأهمها جميعاً آراميَّة ( الرها ) أو ( أوديسا )

 كما كان يسميها الإغريق ( مدينة أورفا الحالية ) وهي التي تُعـرف في يومنا هذا بالسريانيَّة ولا تزال حيَّة تتكلم بها أقليات دينيَّة وتقام بها الطقوس ، وكان أهل الرها يدعون انهم أوَّل من تنصَّر ، وذلك زمن ملكهم ” ابجر الأسود بن معن ” . وقد قيل أنَّ ابجر تنصَّر حالاً بعد موت المسيح . وقد تُرجم الكتاب المقدس إلى لهجتهم ، وسُميت ترجمته بـ ” الترجمة البسيطة ” . وعندما تنصَّر أهل الرها تخلَّو عن اسمهم القديم ( آراميين ) وتسمّوا بالسريان ، أي السوريين ، وذلك لأن لفظة آرامي أصبحت إذ ذاك ، مرادفة للفظة وثني ، ولفظة سرياني مرادفة للفظة مسيحي ، ولم يبق منهم على الوثنيَّة سوى مدينة حـرَّان التي ظلَّت تُباهي بوثنيتها إلى زمن الإسلام

 

أما الخط الآرامي ، رغم ما يظهر من تباين بالنسبة إلى المناطق التي كانت موطن الآراميَّة ، فمشتق من الخط الفينيقي الذي هو أبٌ لكلِّ هجاءٍ تال . ومن هذا الخط الآرامي اشتق فيما بعد ، وفي عصور متأخِّرة ، الخط العربي

 

أما  اللغة الآراميَّة القديمة فلا نعرف عنها الكثير ، ولم يتجمَّع بعد عند علماء اللغات الساميَّة مادة لغوية تكفي لوضع كتاب في قواعدها وأحكامها وأساليب التركيب فيها . وقد وصل إلينا رُقَمٌ عديدة من مناطق متباينة ومن عصور مختلفة . ولكن هذه الرُقَم جاءت خلواً من الحروف المصوَّتة ، على ما هو معروف لدى خبراء الخط السامي عامَّة . فكان علماء الساميَّات ، الذين عَنوا بها ، يستعينون بالسريانيَّة والعبرانيَّة على قراءتها وفهمِها

 

واتَّهم بعضهم الآراميَّة بأنها لغة بدائيَّة فقيرة بالمفردات جافَّة في أساليب التركيب ، ضيّقة في الاشتقاق ، محدودة في النتاج الأدبي . ولكن نولدكه ، في مقاله الرائع عن اللغات الساميَّة ( والذي تُرجم إلى الموسوعة البريطانيَّة ) ينفي عنها هذه التهمة ، ويؤكِّد أنها كانت لغةً حيةً ناميةً متطورةً ، وسَّعت الفكر الهيليني في عهد ازدهارها . وما أدرانا أن يكون الآراميون قد أنتجوا أدباً جميلاً ، ولكنَّه لم يصلنا منه شيء

 

2 Comments

  1. I don’t even know how I ended up here, but I thought this post was good. I don’t know who you are but certainly you’re going to a famous blogger if you are not already 😉 Cheers!|

  2. You could certainly see your expertise in the article you write. The sector hopes for even more passionate writers such as you who are not afraid to mention how they believe. Always follow your heart.|