(تفسير انجيل متى ( الاصحاح السابع

Posted by on Aug 17, 2012 in -الدر الفريد في تفسير العهد الجديد ـ تفسير انجيل متى - مار ديونيسيوس ابن الصليبي, Library | Comments Off on (تفسير انجيل متى ( الاصحاح السابع

لا تدينوا الآخرين – الله يعطي لمن يسأله – الباب الضيق – من ثمارهم تعرفونهم – ليس بالكلام  بل بالعمل – البيت المؤسس على الصخر

 

لا تدينوا الآخرين

عدد 1 : “  لا تدينوا لكي لا تدانوا ،

اي لا تدينوا ظلماً اذ انتم ساقطون في الذنوب عينها ولا تحكموا على احد بغضاًً وحسداً ولكن وبخوه توبيخاً واصلحوا المذنبين . واذا رأيت اخاً يزني فانصحه ووبخه ولكن لا كالعدو بل بالمحبة واللين.

 

عدد 2 : لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون ، وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم .

اي انه الذي تحكمون به على احد يحكم عليكم الله ظلماًً كان او عدلاًً .

 

عدد 3 : ولماذا تنظر القذى الذي في عين اخيك ، وأما الخشبة التي في عينك فلا تفطن  لها ؟

قال القديس يوحنا الذهبي الفم ان كثيرين اذا رأوا عند الرهبان والمتوحدين ثوباًً زائداً خاطبوهم بالآية القائلة ” لا تقتنوا ثوبين ” وهم يخطفون ثياب غيرهم ظلماًً . كذلك اذا رأوا الراهب يأكل قوته اليومي يلومونه مع انك تراهم يدمنون المسكرات ويستعملون الشراهة في الاكل فانهم بذلك يضرون انفسهم اذ ينظرون النقص الصغير اي القذى في عين غيرهم وهم لا يفطنون للخشبة اي الخطايا الكبرى التي يرتكبونها .

 

عدد 4 : أم كيف تقول لاخيك : دعني أخرج القذى من عينك ، وها الخشبة في عينك ؟

اي ان الذي يعيب غيره على امر فيه مثله لا يقصد محبته وانما يفعل ذلك بغضاًً واحتقاراًً .

 

عدد 5 : يامرائي ، اخرج اولاً الخشبة من عينك ، وحينئذ تبصر جيداً ان تخرج القذى من عين اخيك !

أي انه يجب على الانسان ان يبدأ بتوبيخ نفسه وشفائها من العيوب قبل ان يعيب غيره حتى اذا نصح بعد ذلك اخاه يتأكد الناس من انه يقصد له الخير .

 

عدد 6 : لا تعطوا القدس للكلاب ، ولا تطرحوا درركم قدام الخنازير ، لئلا تدوسها بارجلها وتلتفت فتمزقكم .

اي ان هذا التعليم الذي علمتكم والاسرار التي كشفتها لكم لا تقولوها للكفرة والجهلة الذين لا يعرفون الله . لانهم اذا سمعوها يستهزئون بكم ويعذبونكم . بل لا تشركوا الاشرار والمنافقين في الاسرار المقدسة . التي يسميها قدساًً وجواهراًً . ثم انه شبه المنافقين بالكلاب والسائرين سيرة دنسة بالخنازير وشبه تعليمه الانجيلي بالقدس والجواهر . وقوله ” لئلا تدوسها بارجلها وترجع فتمزقكم ” اي ان الكفرة والمنافقين فضلاً عن انهم لا يرجعون من كفرهم وشرورهم ولكنهم يستهزئون بالايمان . ويتحصل مما تقدم انه يجب ان نخرج غير المعتمدين خارج الكنيسة ولا نتركهم يقفوا في القداس . فالمسيح سمى هؤلاء كلاباًً لأنهم يأكلون القداس والخبز من دون تمييز . وسماهم خنازير لان الخنازير تدوس الجواهر والطين على السواء دون معرفة ولا تمييز . بل يسمي كلاباًً وخنازير اولئك الكهنة والفريسيين الذين بعد ما كان يعلمهم الرسل كانوا يرجعون فيعذبونهم . ورب قائل يقول فكيف منع ان يعطوا القدس للكلاب وفي موضع آخر امرهم ان ينادوا بتعليمه على السطوح ؟ والجواب انه يجب ان نعلم الطائعين اما الذين لا يذعنون فهؤلاء شبهوا بالكلاب والخنازير فلذا يجب ان نعلمهم لئلا يستهزئوا بتعليمنا .

 

الله يعطي لمن يسآله

عدد 7 : “ اسألوا تعطوا ، اطلبوا تجدوا ، اقرعوا يفتح لكم .

فالسؤال والطلب والقرع شيء واحد . فان ما يريد الانسان فاياه يسأل وما يسأله فلاجله يقرع ليفتح له . ثم قوله اسألوا . يريد بذلك الامور الروحية وقوله اطلبوا اراد الامور الجسدية وقوله اقرعوا اي اعملوا الفضيلة . فلنسأل قوة الروح التي بها نستطيع ان نحفظ الوصايا ونطلب ونقرع مترجمين ما نحتاج اليه بغير شكوك وبضمير سليم صالح .

 

عدد 8 : لان كل من يسأل يأخذ ، ومن يطلب يجد ، ومن يقرع يفتح له .

اي انه يأخذ ما يجب ويورد على ذلك برهاناًً طبيعياًً .

 

عدد 9 : ام ايّ انسان منكم اذا سأله ابنه خبزاًً ، يعطيه حجراًً ؟

عدد 10 : وان سأله سمكة ، يعطيه حية ؟

اي هل من انسان يسأله ابنه شيئاًً ينفعه وهو يعطيه ما يضره حاشا فنقول شيئان يلزم السائل ان يسألهما باجتهاد اللائقات والمرجوات .

 

عدد 11 :  فاذا كنتم وانتم اشرار تعرفون ان تعطوا اولادكم عطايا جيدة ، فكم بالحري ابوكم الذي في السموات ، يهب خيرات للذين يسألونه !

فقد سماهم اشراراً لسبب ميلهم الى الشرور وعلمنا ان نواظب على الصلاة ونسير سيرة مقدسة .

 

عدد 12 : فكل ما تريدون ان يفعل الناس بكم افعلوه انتم بهم ، لأن هذا هو الناموس والانبياء .

اي مثلما تريدون ان يعاملكم الناس بالحسنى كذلك عاملوا غيركم واصنعوا الخير معهم وقوله ” هذا هو الناموس والانبياء ” . اي ان ذلك مفروض عليكم فعله من الناموس والانبياء  اما ما يجب علينا فعله او اجتنابه نحو غيرنا فذلك يرشدنا اليه العقل بواسطة الفضيلة .

 

الباب الضيق

عدد 13 : “ ادخلوا من الباب الضيق ، لانه واسع الباب ورحب الطريق الذي يؤدي الى الهلاك ، وكثيرون هم الذين يدخلون منه !

فيسمي وصاياه باباً وطريقاً . لان الباب والطريق بداءة المسير . هكذا الوصايا فانها توصل الانسان الى قمة الكمال وتبلغه الملكوت . فكأنه يقول احفظوا الوصايا التي اعطيتكم وان تكن صعبة الا انها توصل حافظها الى مكوت السماء وقد سمى الباب ضيقاًً ليشجع الداخلين فيه . وسمى الشرور باباًً واسعاًً وطريقاًً رحباًً لان اقتناء الشر اسهل من اقتناء الخير  وقد قال ان هذه الطريق تؤدي الى الهلاك . وقوله الداخلون فيه كثيرون . اي ان فاعلي الشر هم اكثر من عاملي الخير .

 

عدد 14 : ما اضيق الباب واكرب الطريق الذي يؤدي الى الحياة ، وقليلون هم الذين يجدونه !

فيسمي حياة تلك السعادة الحقيقية المنزهة عن الاكدار وقوله الذي يؤدي الى الحياة . يعني يؤدي الصالحين الى الملكوت . فاذا يسمي الصالحين هنا وهناك احياء كما انه يدعو الاشرار امواتاًً . فاذا كان الجنود والملاحون والابطال يعرضون نفوسهم للمخاطر والمهالك طمعاًً في نيل شرف دنيوي زائل فما اجدرنا بمقاساة المشقات في حفظ الوصايا لنيل الشرف والمجد الغير الزائل .

 

من ثمارهم تعرفونهم

عدد 15 : “ احترزوا من الانبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان ، ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة !

ان المسيح بعدما اتم كلامه على الفضيلة ابتدأ يحذرهم من مخالطة الهراطقة المتخذين اسم المسيحية وهم بعيدون عن الحق وبتعليمهم الغريب يهلكون انفس كثيرين من الناس . قال القديس يوحنا الذهبي الفم ان الانبياء الكذبة هم المؤمنون الاشرار في الباطن ويتظاهرون بالفضيلة . وقوله احذروا . اي انتبهوا على الدوام وكونوا متيقظين . فقد حذرنا قبلاً من الكلاب والخنازير المعروفة . اما هنا فيحذرنا من الذئاب الخاطفة المتسترة التي لا يمكننا ان نعرفها لاول وهلة . فقد سماهم انبياء كذبة مذكراًً اياهم ان في ايام كانوا الانبياء الكذبة .

عدد 16 : من ثمارهم تعرفونهم ، هل يجتنون من الشوك عنباً ، او من الحسك تيناً ؟

وقوله من ثمارهم اي من اعمالهم وكما انه لا ينبت من الشوك عنب ولا يخرج من العوسج تين فكذلك لا يصدر من هؤلاء شيء يزين النفس .

 

عدد 17 : هكذا كل شجرة جيدة تصنع أثماراً جيدة. واما الشجرة الرديّة فتصنع أثماراًً رديّة ،

فشبه هنا الانسان الصالح بالشجرة الصالحة والرديء بالشجرة الفاسدة والاعمال الصالحة بالثمرة الجيدة والاعمال الرديئة بالثمرة الرديئة .

 

عدد 18 : لا تقدرشجرة جيدة ، ان تصنع أثماراًً رديّة ، ولا شجرة رديّة ان تصنع أثماراًً جيدة .

اي لا يمكن ان يصدر من الانسان المصر على الشر الا الاعمال الشريرة لانه اذا كانت شروره صادرة عن غير ارادة عنه فلا يعد شريراًً وبالنتيجة لا يستحق العقاب عليها . ويسأل البعض قائلين الا يقدر الانسان ان يرجع من الشر الى الخير ؟ فنجيب انه ممكن ان يصير الطالح صالحاًً والصالح طالحا اما المقصود من كلام المسيح فذلك الشرير الذي يستمر  في شروره فهذا لا يمكنه ان يصير صالحاًً .

 

عدد 19 : كل شجرة لا تصنع ثمراً جيداًً تقطع وتلقى في النار .

عدد 20 : فاذاً من ثمارهم تعرفونهم .

اي ان كل واحد يعرف من اعماله اذا كان يستحق العقاب او الثواب . وقد كان كلامه موجهاًً بعضه للصالحين وبعضه للكاملين وبعضه للتلاميذ وبعضه للعامة فحذرهم الا يشتركوا مع الهراطقة .

 

عدد 21 : ليس كل من يقول لي : يا رب ، يارب ! يدخل ملكوت السموات . بل الذي يفعل ارادة ابي الذي في السموات .

بقوله يا رب يا رب اعلن عياناًً انه رب المخلوقات وان ارادته وارادة ابيه واحدة . فمعنى بقوله هذا اليهود الذين كانوا يظنون ان الفضيلة قائمة بالايمان فقط دون حاجة الى الاعمال .

 

عدد 22 : كثيرين سيقولون لي في ذلك اليوم : يا رب ، يا رب ! ألم يكن باسمك تنبأنا ، وباسمك اخرجنا شياطين ، وباسمك صنعنا قوات كثيرة ؟

يشير عن الذين لهم ايمان وهم خلو من الاعمال الصالحة فلا يقرنون الايمان بالاعمال كيهوذا الذي كان يخرج الشياطين . وكذا قل عن المطارنة والقسان والشمامسة الرديئي الافعال فانهم من هذا النمط وبالنتيجة فقد علمنا ان الايمان بغير اعمال لا يفيدنا شيئاًً ولو عملنا العجائب .

_ وباسمك اخرجنا الشياطين وباسمك صنعنا قوات كثيرة .

اي كمثل سيمون ومانندروس وبلعام وقيافا وبني سقوا الذين كانوا يعملون القوات باسم يسوع . فيعلمنا الا نظل وراءهم بسبب القوات والعجائب لكن يجب علينا ان نختبر صحة كلامهم من افعالهم .

 

عدد 23 : فحينئذ اصرح لهم : اني لم اعرفكم قط ! اذهبوا عني يا فاعلي الاثم !

اي انكم عندما كنتم تعملون المعجزات لم تكونوا ذوي اعمال صالحة فلا اشاء ان تدخلوا الملكوت . وعندنا مثل البتولات الجاهلات . وقوله لهم اذهبوا عني . يعني المؤمنين الذين كانوا ذوي اعمال صالحة فعادوا بعد ذلك الى عمل النفاق . لاجل ذلك يحكم عليهم حسب عملهم الاخير . اما ما يبعدنا عن حضرة السيد المسيح فهو الخطيئة الداعية الى عذاب لا نهاية له .

 

البيت المؤسس على الصخر

عدد 24 : “ فكل من يسمع أقوالي هذه ويعمل بها ، اشبه برجل عاقل بنى بيته على الصخر ،

فقد شبه هنا تعليمه الصحيح ووصاياه بالصخرة . كما شبه الشدائد والاضطهادات وسائر تجارب هذا العالم بالامطار والانهار

 

عدد 25 : فنزل المطر ، وجاءت الانهار ، وهبت الرياح ، ووقعت على ذلك البيت فلم يسقط لانه كان مؤسساً على الصخر .

اي ان كل من يحفظ الوصايا لن يسقط لان اساسه موضوع على صخرة الوصايا الغير المتزعزعة وقوله لن يسقط يشير بذلك الى تعمقه في الفضيلة

 

عدد 26 : وكل من يسمع اقوالي هذه ولا يعمل بها ، يشبه برجل جاهل ، بنى بيته على الرمل .

فقد سماه جاهلاًً لانه احتمل تعب البناء وعدم اثمار الراحة . وقد سمى من لا يحفظ وصاياه رملاًً لانه سريع الهبوط كالرمل . وقد كنى بالامطار عن الشدائد . وبالانهار عن الاضطهادات . وبالرياح عن التجارب . فهذه اذا هبت وضربت الضعفاء والغير المنحذرين سقطوا في الخطيئة لا محالة .

 

عدد 27 : فنزل المطر ، وجاءت الانهار ، وهبت الرياح ، وصدمت ذلك البيت فسقط .،وكان سقوطه عظيماًً  ! “.

اي ليس اعظم من سقوط من يسقط من الملكوت الى جهنم .

 

عدد 28 : فلما اكمل يسوع هذا الاقوال بهت الجموع من تعليمه ،

اي انهم بهتوا من شرف تعليمه .

 

عدد 29 : لانه كان يعلمهم كمن له سلطان وليس كالكتبة .

    اي كمثل سيد له سلطان ان يضع الناموس من ذات نفسه . فان موسى والانبياء كانوا يعلمون قائلين كذا يقول الرب لا تقتل . وهكذا الكتبة كانوا يعلمون ما هو مكتوب في الناموس والانبياء . اما المسيح فكسيد ومشترع كان يعلم تعليمه بنفسه اذ قال انا اقول لكم وبهذا عرف انه اله حقاًً وليس انساناًً ساذجاًً .