(تفسير انجيل متى ( الاصحاح الرابع

Posted by on Aug 17, 2012 in -الدر الفريد في تفسير العهد الجديد ـ تفسير انجيل متى - مار ديونيسيوس ابن الصليبي, Library | Comments Off on (تفسير انجيل متى ( الاصحاح الرابع

ابليس يجرب يسوع – يسوع يعود الى الجليل – يسوع يدعو التلاميذ الأولين – يسوع يعلم ويشفي

 

ابليس يجرب يسوع

عدد 1 : ثم أُصعد يسوع الى البرية  من الروح ليُجرَّب من ابليس .

ان السيد المسيح بخروجه الى البرية على اثر عماده اراد ان يفهمنا انه بعد قبول أحدنا المعمودية او درجة الكهنوت يبدأ الشيطان بمحاربته ليوقعه في التجارب . كما اتفق ذلك لآدم بعد ان كوّن على صورة الله اذ قاتله الشيطان واسقطه . فكان سقوطه سبباً لسقوط اولاده من بعده . كما ان انتصار المسيح على الشيطان في محاربته له بعد المعمودية كان سبباً لانهاض ابنائه من ذلك السقوط وتبريرهم . وهكذا عندما امتدح الرب اعمال ايوب الصديق ابتدأ الشيطان يقاتله شأنه مع كل انسان منا ان كان حاصلاً على نعمة المعمودية او الموهبة التي نالها بغير دنس . ولكن الرب يمنحه قوة عظيمة ليتغلب على ابليس . وعندما يهيّج الشرير التجارب على الانسان عليه مقاتلته بالصوم والصلاة فلا يلبث الشيطان ان يقهر ويولي هارباً . والمسيح قد كفر عن ذنبين بحفظه الناموس لمدة ثلاثين سنة . فقد قتل الخطيئة ومحا الذنب العام . وفي صيامه مدة اربعين يوماً غلب ابليس ومحا الذنب الخاص . وقد كفر عن المذنبين بجسد آدم اي ان الجسد المقهور بالذنب هو يتبرر . وانما اراد المسيح ان يسلم ذاته ليجرب من الشيطان حتى يعطينا القوة لنغلبه نحن أيضاً ونقهره . فان اللعين قد قاتل آدم وقهره وجعلنا بذلك مقهورين جميعاً فجاء المسيح وقهره . والمسيح لم يقاتل الشيطان بما انه اله ولكن بما انه انسان . اذ لو حاربه الهياً لكان نسب الشرف انتصاره عليه الى لاهوته لا الى ناسوته . ولما اراد المسيح ان ينتصر لآدم اتخذ جسده وقهر الشيطان . ولم يقهره بلاهوته الغير المذنب . اذ لو قاتله بلاهوته لتذمر الشيطان قائلاً اني قاتلت انساناً فغلبته . فليس امراً عظيماً ان يغلبني العدو . لكنه من العدل ان يقاتلني انسان ويغلبني كما غلبته انا حتى يوفي الدين . فكان من الواجب اذاً ان يقاتله ناسوتياً ليتشبه بداود ابيه حين قاتل جلياد الجبار . فكما ان داود لم يقاتل بآلة حرب شاول وثيابه . بل بسلاح الرعاة . هكذا المسيح المولود من نسله لم يقاتل بما انه اله بل بما انه انسان . فبالعدل قهره المسيح لا بالحيلة . وكما ان ابليس اخفى ذاته في الحية وقاتل آدم وغلبه . هكذا الكلمة اخفى لاهوته في الجسد متّحداً معه وقاتل ابليس اللعين وقهره . ولما كان رئيس الشياطين يقاتل المسيح كانت أجناده واقفة بعيداً . وقد قاتله المسيح عرياناً كما قاتل هو آدم ولما رأى ان القتال صعباً جداً . فلم يشا ان يقاتله بواسطة آخرين . بل دخل وحده الى القتال ولم يقاتله قبل آلامه الا لكي يعلمنا انه متى قبل احد المعمودية او موهبة اخرى وثارت عليه التجارب فلا يخف كمن عرض له امر جديد . ورب معترض يقول لماذا لا يمنع الله التجارب عن الانسان الى ان تشتد قوته ؟ فالجواب لاجل الموهبة التي منحها حتى يستحق ان ينال بها اكليل الانتصار في ابان الحرب . ثم لكيلا يتكبر الانسان بما ناله من المواهب الشريفة . واختلفت آراء علماء الكنيسة فيما اذا كان المسيح قد صنع المعجزات  قبل صيامه . فذهب القديس فيلكسينوس وآخرون غيره الى انه قد صنع ذلك وانكر بعضهم من مثل القديس افرام والذهبي فمه ومار اسحق في الميمر الرابع عشر حصول المعجزات قبل ان يطرح يوحنا في السجن . اذ جاء الى الجليل وانتخب التلاميذ وابتدأ بعمل العجائب كتحويله الماء الى خمر . اما التلامذه فلم يعرفوا خبر تجربته من الشيطان الا بإلهام من الروح القدس لانهم لم يكونوا معه وقتئذ . وفي امره لنا بالصلاة لئلا ندخل في التجارب يعلمنا الا نلقي ذواتنا في التجارب بارادتنا لكن اذا عرضت لنا اتفاقاً فلنتحملها بالصبر لننال الاكليل اقتداءً بالسيد المسيح اذ لم يمض  ليجرب بارادته بل أخذ من الروح كقول لوقا : ” اما يسوع فرجع من الاردن ممتلئاً من الروح القدس وكان يقتاد بالروح في البرية ” ( لو 4 : 1 ) . وقد سمح يسوع ان يجرب من الثلاب ليعتق آدم من اسر الخطيئة ويعيد اليه النعمة التي سلبت منه . قال القديس ساويرس ان قوله الى البرية يشير الى معنى آخر سرّي وهو انه اخذ اليه مباشرة امر عظيم وتدبير الهي . ثم ان المسيح اخذ من الروح  بعدما حل عليه في العماد . وذلك لانه قد صار انساناً . سيما وانه كان مزمعاً ان يعلم لا ندخلنا في التجارب . ثم ان الكتاب يذكر انه أخذ من الروح  ليجرب ولم يذكر انه مضى لكي لايظن الناس ان الروح احطّ شأناً من الابن . وقد ذهب بعضهم الى ان المراد من قول الكتاب اخذ هو انه لم يؤخذ ماشياً الى البرية لكنه انتقل بغتةً من الروح القدس شريكه بالطبع كما خطف الروح فيلبس . وعلى هذا الوجه ذهب الى الجليل والاردن وانه لم يؤخذ الى البرية بعد عماده حالاً كما نص على ذلك القديس متى ولكن بعد ايام كثيرة حتى يتهيأ الشيطان لقتاله . لانه في القفر يضاعف همته في محاربة من يريد ان يحاربهم كما اتفق ذلك لحواء حين كانت وحدها . وهكذا فانه يقاتل المتوحدين اكثر من الساكنين بالاديرة العامة . ثم ان المسيح خرج للبرية ليري قدرته للشيطان ليعرفوه . ولذا فانه عندما قدم للمسيح الرجل الذي كان فيه روح شيطان نجس صرخ احدهم قائلاً : ” آه مالنا ولك يا يسوع الناصي أاتيت لتهلكنا قد عرفتك من انت ” ( لو 4 : 33 ) . يريد انه لم يعرفه بصفة كونه الهاً لان هذه المعرفة منوطة بالآب والروح فقط فكأنه يريد ان يقول قد عرفت مقدار قوتك حين حاربتك في البرية فغلبتني . ولم يكتف ابليس بمحاربة المسيح في القفر بل اقامه على جناح الهيكل وأخذ يجربه ليوقعه . فانتهى الامر بغلبة المسيح عليه ثانيةً وعاد ابليس خازياً مدحوراً فصار القتال الاول في القفر ليكون نموذجاً للرهبان المتوحدين ان يخرجوا للقفر صابرين بالصيام ليغلبوا اللعين . وفي المد ينة وعلى جناح الهيكل ليكون مرآة للساكنين في المدينة مع الاخوة اذ لو كان يقهره في القفر فقط لتكبر ابليس على الساكنين في المدن . ولو كان يغلبه في المدينة فقط لتكبر على الذين في القفر ولكنه غلبه في الموضعين ليجعله مداسا للفريقين . ثم ان المسيح سكن اربعين يوماً في القفر مع الحيوانات وحده عوضاً عن آدم الذي لم يستطع ان يقيم يوماً واحداً في الفردوس .

 

( ليجرب من ابليس ) وقد يراد بالتجارب كل اضطراب وتشويش يطرأ على عقل البعض بتحريك ابليس لتضعف ثقتهم بالله . واسباب هذه التجارب ثلاثة : نهم البطن ومجد الباطل ومحبة الفضة . فبهذه قد غلبنا وبها جرب المسيح وغلب ابليس . وانما ازداد ابليس رغبةً في تجربة المسيح لما سمعه من كلام اليصابات للبتول اذ قالت لها مباركة انت في النساء ومن كلام الملائكة والرعاة ومن شهادة سمعان وحنا في الهيكل ومن صوت الآب والروح . فلما سمع ابليس كل هذه انفعل وتقدم ليجربه حتى يتحقق اذا كان هو الهاً ام انساناً . وقد لقب الشيطان ثلاباً لانه ثلب الله امام بيت آدم قائلاً حسداً قد حسدكم الله . وسمي شيطانا لانه يميل بالناس عن طريق الواجب . وسمي الساقط لانه سقط عن مرتبته . وسمي مجرباً لانه يزرع الافكار النجسة في قلوب الذين يقاتلهم ويجربهم . كما اراد ان يفعل مع المسيح حين جربه اذ قال له : ” ان كنت ابن الله فقل لهذا الحجر ان يصير خبزاً ” ( لو4 ك 3 ) فان سمعك فانت ابنه . والا فقد ضحك عليك بقوله عنك هذا هو ابني الحبيب . ثم اتبع كلامه قائلاً : ” ان كنت ابن الله فاطرح نفسك من هنا الى اسفل ” ( لو 4 : 9 )  .

 

عدد 2 : فبعدما صام اربعين نهاراً واربعين ليلة ، جاع اخيراً .

بالصيام ابتدأ في قتاله لا بالصلاة او بغيرها اذ هو غير محتاج الى الصيام . ولكن لما كان آدم قد سقط بسبب أكله الثمرة شاء ربنا ان ينتصر على ابليس بالصيام . وقد علمنا له المجد ان نستعمل الصيام بعد العماد لان الخطيئة تأتي عن الاكل . فرسم الصوم بعد المعمودية كالطبيب الجسداني الذي يأمر بامتناع المأكل لانه سبب المرض . ثم يذوق الدواء الذي يصفه لنا لا لأنه محتاج اليه ولكن تنازلاً منه ليشوقنا الى أكله . هكذا ربنا قد صام ليشهينا على الصيام ويشفينا من داء الشره ويفهمنا فوائد الصوم . فان الصوم قد نور وجه موسى النبي واصعد ايليا الى السماء وكشف لدانيال معرفة الاسرار . والصوم هو الامتناع عن الشر والافكار السمجة . وسيدنا صام في كانون الثاني . وموسى في حزيران ودانيال في نيسان . اما ايليا فغير معلوم زمان صومه . وانما صام المسيح اربعين يوماً لئلا يكون دون موسى وايليا في الصوم . وكما ان الانسان لا يتكون تماماً الا بعد اربعين يوماً من الحبل به . هكذا ان ربنا لما شاء ان يولد الانسان القديم ويخلقه خلقة جديدة استعمل هذا العدد في ايام صومه . ثم انه لما اخطأ الانسان المجبول من اربعة عناصر واراد الخالق تطهيره فَطَمَ الجسد عن المأكل ليخرج الخطيئة التي قد ادخلها التنين الاول بواسطة المأكل . وصام اربعين يوماً لينقي ويطهّر الاربعة العناصر مكفّراً عن كل عنصر بعشرة ايام . وكما ان الارض خربت بالطوفان في مدة اربعين يوماً فقد صام اربعين يوماً لئلا تخرب ثانيةً ثم وان المستوجب للضرب كان يعتق بحسب الشريعة اذا ضرب اربعين ضربة والذي لم يكونوا يريدون عنقه فكان يضرب اربعين الا واحدة . كقول بولس . ضربت خمس مرات اربعين الا واحدة . وكذا قيل عن سنين موسى فقد حسبت وصام اربعين بمصر واربعين بمديان واربعين في البرية . والتي تلد ولداً ذكراً فبعد اربعين يوماً تطهر والتي تلد انثى فبعد اربعين اربعين يوماً . وبعد اربعين يوماً كذلك رجع الجواسيس من ارض الميعاد . ومدة اربعين يوماً هدّد جلياد عسكر اسرائيل وفي آخر الاربعين سقط بضربة داود الذي كان رمزاً عن المسيح وجلياد رمزاً عن الشيطان الذي سقط امام ابن داود . وايليا صام اربعين يوماً وحزقيال اضطجع اربعين يوماً على جنبه وقد كرم آباؤنا الاولون هذا العدد لانهم سبقوا فعلموا بالنبوة مجيئ المسيح ليطهر ويشفي جنسنا . ثم انه لما اراد ان يطهر جنسنا المذنب . بواسطة الخمس حواس صام اربعين يوماً اي عن كل حاسة ثمانة ايام . وفي انتهاء الاربعين يوماً دنا الشيطان وقاتله الثلاث قتالات وبعد رجوعه بثلاثة او اربعة ايام حول الماء الى خمر واختار التلاميذ .

 

( وجاع أخيراً ) ثم جاع ليبين ان له جسداً مثل جسدنا قابلاً للجوع ويجعل ذلك وسيلة للشيطان ليجربه . اذ لو يجده لما تقدم اليه . ثم انه بعد ان صام اربعين يوماً جاع اي ان الجوع اشتد فيه رويداً رويداً حسب الطبيعة كما قد جرى لموسى وايليا . غير ان جوع يسوع لم يكن اضطرارياً بل اختيارياً خلافاً لجوعهما او جوعنا . اما ان المسيح لم يتنور بصومه كموسى . فذلك لكي لا يراه الشيطان ويخاف من محاربته . ولان التنور كان محفوظاً لزمان تجليه على الجبل . ومما يدل على ان جوع المسيح لم يكن اضطرارياً انه لم يسمح لنفسه ان يغرق في البحر بل مشي بخفة . وان جسده لم يحتمل آلام الطبيعة طوعاً واختياراً الا بسلطان لاهوته المتحد بالجسد اقنوماً وليس كجسدنا . ثم انه قد جاع لا بما انه اله لانه هو المقيت ومشبع الجياع . ولكن بما انه قد صار انساناً . اما الشيطان فقد تحقق جوع المسيح لانه رآه ينظر الى العشب كأنه يشتهي الاكل منه . وقد غارت عيناه وانحلت قواه وثقلت مشيته ونحل جسمه .

عدد 3 : فتقدم اليه المجرب وقال له : “ ان كنت ابن الله فقل ان تصير هذه الحجارة خبزاً  “.

ان المجرب لم يدن الى المسيح وهو صائم ولكن بعد ان جاع لكي نتعلم ان الصوم هو السلاح الذي يمكننا ان نحارب به ابليس . وقبل زمن الصوم حاول ابليس مدة ثلاثين سنة ان يوقع المسيح في الخطيئة ولم يستطع الى ذلك سبيلاً وبالريادة في مدة الاربعين يوم اثار حروباً خفية بالاحلام والافكار فما وجد فيه مكاناً . واذ لم يقدر ان يغلبه روحياً ترآءى له بالجسد ليقاتله . وقال الذهبي فمه ان الذي زاد في حنق ابليس هو سمعه الملاك يقول عن المسيح بان ليس لملكه انقضاء ( لو 1 : 33 ) . واليصابات تننبأ عنه ويوحنا يرتكض في بطن امه والملائكة يبشرون بمجيئه . فاضرم نار الحسد في قلب هيرودس الملك فأمر هذا بقتل الاطفال بقصد ان يقتل المسيح . ولما لم يتم للشيطان ما اراده ترآءى له بصورة انسان ليجربه . فالقديس يعقوب السروجي يقول ان الشيطان لم يترآء له كالعدو لكن كالمهتم والمشير وكالملاك المعين للكاملين ارسل ليتمم احتياجه . اما القديس افرام فيقول ان الشيطان ترآءى للمسيح في الهيكل والبرية بشبه انسان وفي الجبل بكمال العظمة والمجد وتكلم بالعظائم كأنه اله . وقال آخرون انه ترآءى له في البرية كشبه متسول ليحمله على ان يصنع من الحجارة خبزاً لهما كليهما وعلى جناح الهيكل بشبه رئيس كهنة وفي الجبل كملك مقتدر .

هذه هي التجارب الثلاث . ويتساءل البعض عما اذا كان ابليس يظن المسيح الهاً ام

انساناً . فتاودوروس النسطوري وآخرون غيره يقولون انه ظنه انساناً بسيطاً فجربه ليغلبه بالمأكل كما غلب آدم . ولكونه غير قادر على ان يسقط الناس في الخطيئة قسراً فلذا يعرض تجاربه بحركات طبيعية كما عمل بآدم فانه لما جاءت الساعة السادسة وعرف انه قد جاع تقدم اليه ليجربه . وعليه فلما نظر في المسيح علامة الجوع أخذ يجربه وهو يظن انه انسان . حتى ان المسيح لما اجاب بقوله لا تجرب الرب الهك لم يظهر كونه الهاً على ما رواه القديس يوحنا لانه لو عرف ابليس انه اله لما اقدم على تجربته ثالثة . اما القديس فيلكسينوس فقال ان ابليس عرف ان المسيح اله منذ نزوله الى العالم ومع ذلك فقد جربه . لانه منذ البدء يحارب الله . فمن ذلك تجربته لآدم . فينتج انه مع معرفته به الهاً جربه . وذلك واضح من قول ابليس له : ” آه ما لنا ولك يا يسوع الناصري … انا اعرفك من انت . قدوس الله ” ( مر 1 : 24 ) وكما يعرض للعين عارض فتعمى ولا تستطع ان تميز الالوان . هكذا فان الشر يعمي العقل لان نتيجة العمى البشري هو الشر . فاذاً عدم المعرفة قد عرضت للشياطين وجعلتهم ان يقاتلوا الله منذ البدء . وقد قال الآباء القديسون ان السبب الذي سقط به ابليس من السماء كان الكبرياء . فكما انه منذ البدء قاتل الله مع معرفته به ظناً منه انه ضعيف هكذا جرب المسيح مؤخراً مع معرفته انه ابن الله . اما القديسون يوحنا وساويرس ويعقوب السروجي فيقولون ان ابليس لم يجرب المسيح الا لارتيابه بصحة كونه الهاً . فمن جهة كان يعتقد انه اله بشهادة يوحنا والآب فيه عند العماد . وكان يظنه انساناً لان له جسداً وحواس مثلنا تشعر بالجوع والعطش وغير ذلك . فلكي يتاكد منه انه قال له حين جربه ” ان كنت ابن الله ” ولم يقل ان كنت جائعاً لئلا يحط من كرامته . وقد ظن ابليس انه باستعماله التعظيم والمدح في مخاطبته للمسيح يسهل عليه اسقاطه في حبائل تجاربه وقد اراد بكلامه هذا في الوقت نفسه ان يفهمه ان تعريف الآب له بصوته انه ابنه ربما غره كما غر اسرائيل اذ دعاه ابنه البكر مع انه قاسى بعد ذلك من الشدائد ما لم يقاسيه العبد ثم ان ابليس استتلى كلامه قائلاً هوذا الزمان الذي يجب ان تظهر فيه بنوتك . فانت في البرية ومعذب بالجوع والعطش فاظهر قوتك فتحيا وانا اؤمن اذ ذاك انك الابن بالطبيعة لا بالنعمة .

 

عدد 4 : فاجاب وقال : “ مكتوب ليس بالخبز وحده يحيا الانسان ، بل بكل كلمة تخرج من فم الله “.

فجواب ربنا هذا مكتوب في السفر الثاني ان ستمئة الف نفس عاشوا بلا خبز مدة اربعين سنة ولم ياكلوا فيها الا المن فقط . وفي سفر اللاويين مكتوب ان الله قال لشعبه احفظوا اوامري وعيشوا فان الانسان الذي يحفظ الوصايا يحيا بها . . ورب قائل يقول كيف يمكن الانسان ان يعيش دون خبز ؟ فنجيب قائلين ان آدم وحواء لو حفظا وصية الخالق لما شعرا بجوع او تعب لانه تعالى كان قادراً ان يعولهما بلا خبز كما قد عال موسى وايليا اربعين يوماً وستمئة الف نفس اربعين سنة من دونه . لانه اذا كانت قوته محدودة ولا يقدر ان يحيي البشر بلا خبز فليس هو الهاً . وبالنتيجة فلا صحة لما قاله من ان الانسان يستطع ان يحيا بكلمة . اما نحن فنقول انه قادر ان يحيي الكل بكل كلمة كما سيحي الناس بعد القيامة بلا خبز . لانه قادر ان يعمل كما يشاء في السماء وعلى الارض ولذا فقد اجاب السيد له المجد الشيطان بآية من الكتب ليؤكد له انه ابن الآب بالطبيعة . وبرهن بهذه الاية على عظم صبره فانه مع شدة جوعه لم يصنع خبزا ليدفع عنه الجوع خلافاً لآدم الذي لشراهته اقدم على اكل الثمرة المحرمة باغراء ابليس الذي يجهل بعد انه يمكن الانسان ان يحيا بلا خبز متى ما اراد الله . فلم يعمل ربنا من الحجارة خبزاً لئلا ينيل ابليس شهوته كما اناله اياها عندما طلب منه ان يدخل في الخنازير . ولكن الرب فعل ليظهر عجائبه في بلدة الجدرانيين فيؤمنوا به . لئلا يتم لهم ما قصدوه من قتل الجدرانيين . على انه لو صنع من الحجارة خبزاً لكان عرف انه ابن الله فيهرب الثلاث اذ ذاك ولا يعود يكمل تجاربه فيبطل حينئذ التدبير الالهي . فعلمنا له المجد بفعله هذا الا نسرع الى فعل العجائب اذا كانت التجارب قريبة والايمان ضعيفاً كقوله : ” الجيل الشرير الفاسق يطلب آية فلا تعطى له آية الا آية يونان النبي ” ( مت 12 ك 39 ) . وقد علمنا انه ولو اشار علينا ابليس مشورة حسنة فلا ينبغي ان نسمع منه مقتدين به تعالى اذا انتهر ابليس وهو يشهد عنه انه ابن الله . وبولس انتهر الروح النجس الساكن في الساحرة . فلو كان اطاعه مخلصنا وصيّر الحجارة خبزاً لأوقعه في الكبرياء . وان قال ولم يصر لضجر وتقمقم على الله كاسرائيل . اما ربنا فقد قهره بهذه التجربة وقهر معه الشهوة . وكل الشهوات التابعة لها . لان اول خطيئة سقط بها آدم كانت الشراهة والشهوة . اما ربنا فانتصر على الضرورة والشهوة . وقال قوم انه لاجل البطن كان مبدأ كل الشرور اما ربنا فقد اثبت ان المتمسكين بالفضيلة لا تستطع الضرورة ان تسوقهم الى ارتكاب الاعمال الرديئة . فقد فضل الجوع على ان يسمع كلام ابليس وعلمنا بذلك الا نخالف امر الله مصغين الى مشورة عدوه .

 

عدد 5 : ثم اخذه ابليس الى المدينة المقدسة ، واوقفه على جناح الهيكل ،

اي الى اورشليم التي دعيت مدينة الاقداس لان جميع الاسرار فيها كملت . ودانيال قد سماها هكذا . فنقول ان خزي ابليس في القتال الاول كان سبباً لحدوث القتال الثاني . ولما لم يتمكن ابليس من التغلب عليه بتجربة الشهوة فقد اراد ان يجربه بالمجد الباطل اما قوله مضى به فلا يظن انه كان يساق كالحيوان لان ذلك من فعل المجانين الساكن فيهم الشيطان . فاذا كان ابليس لا يقدر ان يمضي بالناس قسراً فكيف بخالقه لكنه مضى بارادته وبها ايضاً رضي ان يجرب . اما نحن فننتقل من مكان الى آخر دون ان نعرف اي فخ ينصبه لنا الشيطان . لكن المسيح بصفة كونه الهاً عرف ما ينويه اليه ابليس من التجارب . فمضى الى البرية والى المدينة المقدسة والى الجبل لكي يخمد همته ويبطل مسعاه ويجعله مدوس تحت اقدامنا . قال القديس فيلكسينوس كان المسيح يذهب الى حيث يريد ابليس مقاتلته . اما السروجي فقد قال ان ابليس لما غلب في قتاله الاول اراد ان يقاتله ثانية فلم يجد سببا يبني عليه قتاله . لان القتال الاول كان سببه الجوع والقتال الثاني لم يكن له داع اما الثالث فكان يسعى ليجد للمسيح موضعاً يرمي نفسه منه . ولما عرف المسيح ذلك جاء من القفر فوقف على جناح الهيكل الا ان ابليس فرح جداً وظن ان ذلك فرصة تمكنه من تجربته والتغلب عليه . وقال آخرون انه بعد حديث طويل جاء به الى المدينة كمن يتفرج على بناء الهيكل واصعده على جناح الهيكل .

 

عدد 6 : وقال له : “ ان كنت ابن الله فاطرح نفسك الى اسفل ، لانه مكتوب  : انه يوصي ملائكته بك ، فعلى اياديهم يحملونك لكي لا تصدم بحجر رجلك  “.

( اطرح نفسك ) فقصد بذلك انه اذا وقع ولم يصبه ضرر ثبت انه يحب المجد الباطل . ورغب ان يعرف الناس به انه ابن الله ليمجدوه وان سقط ومات فقد تخلص منه وان اصابه ضرر ولم يمت حمله على التجديف على الآب لانه لم يحفظه وان سكت عدّ جاهلا. وعلى فرض انه كان يطرح ذاته لما اصابه ضرر البتة لانه خالق العلو والعمق والشاهد بذلك هو انه لما جاؤوا به الى طرف الجبل وارادوا ان يطرحوه الى اسفل جاز في وسطهم وذهب . ولم يطرح ذاته لئلا يفتخر بنجاته . الا انه قاوم تجارب ابليس كلها بالحلم والاناة

    ( لانه مكتوب ان يوصي الخ ) هذه الآية مكتوبة في المزمور التسعين وقال قوم ان ما قيل في المزمور لا يرمز عن المسيح فقط لكن عن كل من وضع اتكاله على الله عندما تداهمه التجارب . اما ابليس فقد اتى بهذه الاية بقصد ان يخدع المسيح حتى اذا علم ان الملائكة يحرسونه رمى بنفسه الى اسفل وربما ان ابليس لم يكن يعرفه الهاً فاورد له هذه الاية . ثم ان يعقوب السروجي قد ذكر في ميمره انه وان يكن داود قد اشار في مزموره عن المسيح ان يوصي ملائكته به اذا سقط لكن ليس ليطرح نفسه من جناح الهيكل .

عدد 7 : قال له يسوع : “ مكتوب ايضاً لا تجرب الرب الهك “ .

ولم يرد بذلك ان ينهيه عن تجربته بكونه الإله لكن اراد بذلك ان يعلمنا انه لا يجب ان يجرب احد الرب الهه بل يجب ان يستعين به عند التجارب . وانه غير جائز ان يطرح الانسان نفسه بارادته في هوة او فخ طمعاً في معونة الله . الا انه تعالى لا ينجي الا من داهمته التجارب كرهاً لا طوعاً واختياراً . واذا خالجنا فكر من هذا القبيل فلنعلم ان مصدر  الشيطان اذ انه منذ البدء رمى بنفسه من فوق وصار سفلياً . فجاء المسيح ليرفع الساقطين كقوله اني متى صعدت الى فوق جذبت الكل اليّ .

 

عدد 8 : ثم أخذه أيضاً ابليس الى جبلٍ عالٍ جداً ، واراه جميع ممالك العالم ومجدها ،

هذا هو القتال الثالث . اما قوله : ” أخـذه ” فهو ان سيدنا كان يذهب الى حيث يريد ابليس قتاله . وقوله مضى به الروح القدس اي ان الروح كان يذهب بالمسيح الى حيث كان يريد ابليس مقاتلته . لماذا اصعد ابليس المسيح الى الجبل ؟ ذلك لكي يغير طريقة القتال ظاناً بذلك انه يغلبه . حتى اذا رآه غير قادر على الصعود الى الجبل العالي لصومه يفهم للوقت انه انسان اما ابليس فلم يكن يريه حقيقة ممالك العالم ، لكن كان يمرها امامه في الفضاء مظهراً له المدن والملوك والشعوب والغنى والكراسي . وقيل ان اقامته اياه على جناح الهيكل واخذه الى المدينة المقدسة كان من باب الاوهام والخيالات لانه من المحال ان يبان من الجبل جميع ممالك الارض ومجدها . حتى ولا ارض اسرائيل كانت تبان من هناك لانه بالكاد كان يشاهد منه الى مسافة مرحلة او مرحلتين لا غير . والقديس لوقا يذكر انه في وقت وجيز اراه جميع الممالك وهذا غير ممكن مطلقاً ولو في مدة طويلة لان ذلك لا يتم في عدة سنين ومن هذا يتضح انها اوهام وخيالات كما يعمل السحراء لانه اذا كان موسى الشريك في العبودية لم يخدع بخيالات سحراء مصر فكيف يخدع المسيح وهو رب موسى ؟.

 

عدد 9 : وقال له : “ اعطيك هذه جميعها ان خررت وسجدت لي “ .

يتضح من الآية ان ابليس كان يعتبر المسيح اعتبار اله . والا لما فضل سجود المسيح له على سجود جميع الممالك . ولم يكفه انه قد خطف ادعى بمجد الله بل طلب ان يسجد له منه .

( لو 4 : 6 ) وقال له ابليس لك اعطي هذا السلطان كله ومجدهن لأنه اليّ قد دفع وانا اعطيه لمن اريد ان الله لم يعط  للشيطان سلطان الشعوب لان للرب وحده الارض وما فيها ( مز24 : 1 ) ولكن لكبريائه تظاهر انه اله وطلب ان يسجد له وادعى ان المخلوقات هي له . نعم المخلوقات بما فيها سلمت نفسها اليه اختياراً كقول بولس : ”  الستم تعرفون انكم عبيد لذاك الذي انتم مستعدون ان تسلموا له انفسكم ” .

عدد 10 : حينئذ قال له يسوع : “ اذهب يا شيطان ! لانه مكتوب : للرب الهك تسجد واياه وحده تعبد “.

قال قوم ان المسيح انتهاراً انتهر ابليس حين جاوبه . غير ان الذهبي الفم قال انه أمر أمره والأمر هو اشد من الانتهار . ولم ينتهره قبلاً لئلا يخاف فلا يعود يجربه لكنه في هذه المرة انتهره لانه اراد منه السجود . ولانه جدف بادعائه ان المخلوقات هي خاصته . فبقوله اذهب يا شيطان نزع عنه السلطان الذي كان على بني البشر وملأه عاراً وخزياً ودعاه شيطاناً فهذا هو قول ربنا : ” اني كنت انظر الشيطان ساقطاً كمثل البرق من السماء ” اي حين التجربة الثالثة . ولما سمع المسيح يدعوه شيطاناً خاف وسقط . لانه كان يظن ان المخلص لا يعرفه . ولذا فانه لم يعد يقدم بعد ذاك على تجربته . اما جواب المسيح له وهو للرب وحده تسجد يفيد انه لله وحده يجب السجود والعبادة عملاً بما هو مكتوب في سفر الخروج في الوصايا الالهية العشرة ” ولا يكن لك اله آخر غيري ” .

عدد 11 : ثم تركه ابليس ، واذا ملائكة قد جاءت فصارت تخدمه .

( ثم تركه ابليس ) اي انه ابتعد عنه في لحظة من الوجود الى عدم الوجود . وكان منظوراً نظرة استعارية فرجع الى طبعه الغير المنظور . ثم بقوله ” ملائكة جاءت ”  يدل على انهم كانوا بعيدين . ولم يكن مأذوناً لهم ان يدنوا وينظروا لئلا يخاف العدو . فالملائكة في العلو والشياطين في العمق كانوا ينظرون من عساه ان يكون الغالب منهما . فالشياطين كانوا مرتابين والملائكة متحققين . فلما خزي ابليس وهرب تقدمت الملائكة وخدمته . اما الانجيلي فلم يذكر نوع الخدمة الا ان بعضهم ارتأى ان البعض من الملائكة كان يهيء قوتاً للجسد والآخرون كانوا يمجدونه لغلبته وانتصاره . لنعلم من ذلك انه بعد انتصارنا على ابليس في هذه الحياة تقبلنا الملائكة .

ولما اكمل ابليس كل تجربة فارقه الى حين ( لو 4 . 13 )

فقوله الى حين اي انه ذهب ليطفي يهوذا فيسلمه ويحرك اليهود فيقتلوه . فهذا هو شأن الشيطان . انه حين يعجز عن اسقاط الانسان في التجارب يسعى الى قتله . ولذلك فانه منذ تجربته للمسيح الى ساعة الصلب لم يعد يجربه بتجارب أخرى . لانه في التجارب الثلاث التي امتحنه بها على ما تقدم ذكره تنحصر كل تجارب الشيطان . فان من نهم البطن تتولد الشراهة والسكر والظلم والزنا وغير ذلك . ومن مجد الباطل يتولد الكبرباء وبهرجة الجسد والبغضة والسجس والشقاق . ومن محبة الفضة يتأتى الطمع والسرقة والكذب وشهادة الزور والخصومات والقتل وما اشبه . اما قوله ” لتصير الحجارة خبزاً ” فهذا من نهم البطن . ” واطرح نفسك ” من المجد الباطل . ” ولك اعطي ممالك العالم ” يريد ترغيبه في محبة الفضة ثم نقول انه بسبب الشهوة نسقط في الخطايا . ولاجل مجد الباطل نعمل ما لا يجب عمله . وطمعاً في اقتناء الفضة نخرج عن الواجب . ولان داء محبة الفضة صعب وردي وهو اصل كل الشرور كقول بولس لذلك تركه الى آخر تجاربه كلها كما يفعل الاعداء . فانهم يبدأون اولاً باصغر القتالات حتى ينتهوا باكبرها . اما القديس فيلكسينوس فيقول ان محاربة المجد الباطل هي اصعب من محاربة كل شيء ولذلك ذكرها لوقا في الآخر على خلاف ما سردها يوحنا ومتى . فانه جعل التجربة بالمجد الباطل آخر التجارب لانها اصعبهما وربما كانت محبة المجد الباطل قد اثرت فيه لانه طبيب لذلك جعلها آخر التجارب . وزعم غيرهم ان تجربة الشيطان للمسيح بمحبة الفضة ونهم البطن كانت في البرية والجبل واما تجربته له بالمجد الباطل فتمت بعد ان رجع . وقال آخرون التجارب الثلاث وقعت في يوم واحد . وارتأى البعض ان تجربة نهم البطن تمت بعد الصيام ومن بعدها تجربة المجد الباطل فمحبة الفضة . وقال قوم ان ابليس لم يجرب المسيح الا تخيلاً ووهماً فكيف حسب ذلك نصرة وغلبة للمسيح ؟ فنجيب ان سيدنا لم يكن محتاجاً للنصرة لكن قصده كان ان يفضح الشيطان ويخزيه اما النصرة الحقيقية فمتوقفة على المعرفة لا القهر . وان يسبق الانسان ويعرف مقاصد عدوه وفي ذلك الغلبة الحقيقية . وكل نصرة لن تنصر بمعرفة فهي لا تنفع شيئاً . لذلك اظهر قوته في البرية ليعرفوه متى طردهم من المدن .

 

يسوع يعود الى الجليل

عدد 12 : ولما سمع يسوع ان يوحنا أُسْلِم ، انصرف الى الجليل .

ان الانجيليين الثلاثة ذكروا ان مضي المسيح الى الجليل كان بعد التجارب الا متى فقد روى ان الانتقال الاول الى الجليل كان بعد ان اسلم يوحنا الى السجن . ثم ان ثلاثة من الانجيليين رووا ان انطراح يوحنا في السجن كان بعد التجارب والصيام وما عمله قبل السجن تركوه ليوحنا الانجيلي ان يخبر عنه . مثل الاعجوبة التي جرت في عرس قانا الجليل اذ حوّل المسيح الماء الى خمر . اما متى فقد سرد اعمال المسيح بالترتيب فابتدأ بذكره عماده فتجربته وكرازته وما قد اوصى الرسل بعمله . ثم ان المسيح اراد بانتقاله الى الجليل بعد ان اسلم يوحنا للسجن ان يعلمنا الا نلقي بانفسنا في التجارب اختياراً ولكن لنهرب منها اذ لا لوم على من يفر من التجارب وهو لا يستطيع احتمالها . ثم انتقل ليهدىء حسد اليهود له .

 

عدد 13 : وترك الناصرة وجاء فسكن في كفرناحوم التي عند البحر في تخوم زبولون ونفتاليم ،

انه ترك الناصرة لقلة ايمان سكانها به . وسكن كفرناحوم لتكمل النبوة من أجله وينتخب رسله هناك . لأن اكثر الشعب كان في تخوم زبولون ونفتاليم . اي هناك كان الاسباط قريبين من بعضهم .

 

عدد 14 : لكي يتم ما قيل باشعيا النبي القائل :

ليبين انه قد اتم كلما تنبأ عنه الانبياء وكلما كان يمضي الى شعوب أخرى . كان اليهود يصيرون سبب ذلك . ولما طرح يوحنا في السجن ألزموه ان يمضي الى الجليل لان الاشتراك مع الشعوب كان مخالفاً للشريعة . فاتاهم بشهادة من اشعيا قائلاً

 

عدد 15 : “ ارض زبولون ، وارض نفتاليم ، طريق البحر ، عبر الاردن ، جليل الامم .

عدد 16 : الشعب الجالس في ظلمة أبصر نوراً عظيماً . والجالسون في كورة الموت وظلاله اشرق عليهم نور .

ان الظلمة تقال على ستة انواع : (1) عدم النور الطبيعي (2) ابليس ، كقوله والظلمة لم تدركه  (3) االخطيئة ، كقوله من يفعل الخطيئة في الظلمة يسلك (4) العالم والجسد ، كقوله  النور يضيء في الظلمة (5) عدم المعرفة  (6) الظلال ، فهنا يسمى الظلال ظلمة . والنور يقال على انواع كثيرة : (1) الله يدعى نوراً (2) النور المحسوس (3) الاعمال الصالحة (4) الناموس ( 5) المسيح (6) التعليم . فهنا سمي المسيح نوراً عظيماً لانه انار بني البشر واعتقهم من ثلاث ظلمات ، ابليس والخطيئة وعدم المعرفة ، ونجاهم من موتين موت النفس وموت الجسد . وقوله ” الشعب ” أي ليس الشعوب فقط بل وشعب اسرائيل أيضاً وقوله ” الجالس ” ولا الماشي أي علامة قطع الرجا لانه كان جالساً في الظلمة ولم يستطع القيام والمشي حتى ظهر نور الحق والبرارة . وبقوله ” اشرق عليهم نور ” اي ان الشعب لم يطلبه لكي هو بنعمته ظهر لهم .

 

عدد 17 : من ذلك الزمان ابتدأ يسوع يكرز ويقول : “ توبوا فقد اقترب ملكوت السموات “ .

 لم يكرز المسيح قبل ما طرح يوحنا في السجن لئلا يقع انشقاق بين الشعب . فمنهم يتبعون المسيح ومنهم يوحنا . ويوحنا لم يصنع عجائب قط وكان تلاميذه مع ذلك يظنونه اعظم من المسيح وكانوا يغارون من تلاميذه فكم بالاحرى لو كان يصنع عجائب . ثم ان يوحنا سمى معمودية المسيح ملكوت السموات اما المسيح قد سمى التدبير الذي يتم بعد القيامة ملكوتاً ولم يغير الكلمة لانها كانت قد رسخت في اذهانهم . ثم لكي تكون كرازته مقبولة اكثر سيما وان يوحنا كان قد كرز عن الملكوت قبله . غير انه لم يقسي قلبه عليهم كما فعل يوحنا حين كان يذكر لهم الفاس والجرة لكنه كان يكلمهم باللين واللطف . ومرقس يزيد قائلاً :

    قد تم الزمان واقترب ملكوت الله  ( مر1 : 15 )

اي قد مضى زمان الناموس العتيق ودنا العهد الجديد.

 

يسوع يدعو التلاميذ الأولين

عدد 18 : وإذ كان يسوع ماشياً على شاطئ البحر الجليل أبصر أخوين : سمعان الذي يقال له بطرس .واندراوس أخاه يلقيان شبكة في البحر فإنهما كانا صيادين .

هذه دعوة أخرى غير المذكورة في يوحنا . ان تلك كانت بعد ما اعتمد . وهذه بعد ما طرح يوحنا في السجن . فلم يكونا تابعين له قبل ذلك الوقت . لان يوحنا يقول انهما كانا عنده في ذلك اليوم . فيتضح اذا انهما مضيا فيما بعد . أما الآن فدعاهما ليكونا معه . ولوقا يذكر دعوة أخرى قائلاً : ” فركب احدى السفينتين وكانت لسمعان وساله الخ ” ( لو5 : 3 ) . وقوم يقولون ان الدعوات هي ثلاث . الاولى الدعوة المذكورة في يوحنا والثانية في لوقا والثالثة في متى . فقد تمثل في ذلك بالصياد الماهر الذي اذا سقط حوت كبير في الشبكة فيرخيها قليلا حتى يضعف ثم يجذبه . كذلك عمل سيدنا بالتلميذين في المرة الاولى والثانية . ولما كانت المرة الثالثة مضيا وراءه كمضي اليشع وراء ايليا . . وبمثل هذه الطاعة يطالبنا الله تعالى .

( يلقيان شبكة الخ ) هذه هي علامة الفضيلة . فانهما من تعب ايديهما كانا يعيشان .

 

عدد 19 : فقال لهما : “ هلم ورائي فأجعلكما صيادي الناس  “.

اعني كما ان الصيادين  يصيدون الحيتان من البحر . كذلك الرسل يصيدون بني البشر الحيتان الناطقين ويصعدونهم من هذا العالم الى السماء وكما ان الصيادين يملحون الحيتان لئلا تنتن . هكذا فعل الرسل فانهم بعد ما اصطادوا بني البشر بشص كلامهم وملحوهم بملح تعليمهم . وكما انه تعالى في العهد القديم انتخب انبياءه رعاة مثل يعقوب وموسى وداود ليرعوا القطيع المحدود اي الشعب الاسرائيلي . هكذا في العهد الجديد فانه اختار رسله صيادين لانهم قد اصطادوا شعوباً كثيرة من بحر العالم . وكما ان الصياد يلقي شبكته في البحر غير عارف ما ستصيده ويصعدها حاوية اجناساً مختلفة . كذلك الرسل فانهم اصطادوا جميع الناس الى الحياة دون تمييز بين شعب وآخر .

 

عدد 20 : فللوقت تركا الشباك وتبعاه .

فاتضح من هذا انهما لو كانا من ذوي الذهب والفضة لتركا ذلك كله ومضيا وراءه . ولكنهما لم يكونا يملكان سوى الشباك وهذه كانت عندهم عزيزة بمنزلة الذهب والفضة عند الاغنياء .

 

عدد 21 : ثم اجتاز من هناك فرأى اخوين آخرين : يعقوب بن زبدى ويوحنا اخاه ، في السفينة مع ابيهما زبدى يصلحان شباكهما ، فدعاهما .

وهذان بهذه الدعوة الثانية دعيا . الا ان المسيح لم يعدهما ان يجعلهما صيادين مثل سمعان واخيه . لكنهما لما رأيا طاعة سمعان واندراوس وذهابهما وراء المسيح حين دعاهما اقتنعا بانهما سيكونان صيادن مثلهما .

 

عدد 22 : فللوقت تركا السفينة واباهما وتبعاه .

بهذه قد اكملا الوصية التي كان المسيح مزمعاً ان يوصي بها ” ان لم يترك اباه وامه وكل ما له فلا يستحقني ” فقد اختار المساكين والجهلة . لا الاغنياء والحكماء . لئلا يفتخروا على الذين يبشرونهم بالانجيل . ولنسب الناس تعاليمهم الى الحكمة الانسانية والقوة البشرية . لكنه قد اختار اغبياء العالم ليخزي الحكماء والفلاسفة . وقال اوسبيوس في مقالته على الغطاس ان التلاميذ كانوا اناسا يجهلون اللغات ولم يكونوا يعرفون الا اللغة السريانية

ولما فرغ من الكلام قال لسمعان تقدم الى العمق والقوا شباككم للصيد ( لو 5 : 4 )

فقوله ” تقدم الى العمق ” بين انه قادر على كل شيء وان الابحر واليبس والعلو والعمق تسمع منه . وقد اصطاد التلاميذ بحكمة بالصيد مثلما اصطاد المجوس بالكوكب . فاصطاد كل واحد بالصناعة التي كان يمارسها فأجاب سمعان وقال له يا معلم أنّا قد تعبنا الليل كله ولم نصب شيئاً ولكن بكلمتك ألقي الشبكة ( لو 5 : 5 ) اي قد تعب الانبياء كثيراً في انذارهم للشعب الاسرائيلي وبالمحن والشدائد الكثيرة الممثلة بالليل التي قاسوها قد تلمذوا الشعوب . وقوله بكلمتك . اي على اسمك كما قال بطرس للاعرج باسم يسوع قم وامش فلما فعلوا ذلك احتازوا من السمك شيئاً كثيراً حتى تخرقت شبكتهم ( لو 5 : 6 )

اي كما ان شبكتهم جمعت حيتاناً كثيراً . كذلك كرازتهم جمعت شعوبا كثيرة . فالحيتان التي اصعدوها من البحر . مثلت الشعوب الذين اصعدوهم من بحر الكفر ومن عمق الشهوات وارجعوهم الى الايمان . ولهم الرجا باتعابهم واجرهم عظيم جداً بكرازتهم فأشاروا الى شركائهم في السفينة الأخرى ان يأتوا ويعاونوهم فأتوا وملؤوا السفينتين حتى كادتا ان تغرقان ( لو 5 : 7 ) فاشار بالشركاء الى المبشرين والمعلمين الذين ساعدوا الرسل بهداية الامم . وبإمتلاء السفينتين اشار عن كثرة الشعوب الذين جاؤوا الى حضيرة المسيح .

فلما رأى ذلك سمعان خرّ عند ركبتي يسوع قائلاً اخرج عني يا رب فاني رجل خاطئ (  لو 5 : 8 )

قال مار افرام السرياني ان القديس بطرس لم يكن خاطئاً . لان خطاياه كانت مغفورة بمعمودية يوحنا ويتضح ذلك انه غير مذكور ان الرسل اعتمدوا من المسيح لان يوحنا كان عمدهم . والروح القدس اعطاهم ما لم يأخذوه من يوحنا . لكنه تواضعاً منه قال انه رجل خاطئ .

لان الانذهال اعتراه هو وكل من معه عند السمك الذي اصابوه ( لو 5 : 9 )

 اي لكثرة السمك . فبهذه الاعجوبة اصطادهم . اما قوله لبطرس لا تخف . لانه كان قد حصل له وللحاضرين اندهاش وخوف شديد لكثرة الصيد . واستتلى كلامه قائلاً . فانك من الآن تكون صائداً للناس . اي بواسطة العجائب التي ستعمل سيرثون حياة جديدة بايمانهم .

فلما بلغوا بالسفينتين الى البر تركوا كل شيء وتبعوه ( لو 5 : 11 )

فمن تركهم السفن والسمك نعلم انه كان لهم ذهب وفضة لتركوها ومضوا وراءه . فهذا ما اخبره لوقا .

 

يسوع يعلم ويشفي المرضى

عدد 23 : وكان يسوع يطوف كل الجليل يعلم في مجامعهم ، ويكرز ببشارة الملكوت ، ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب .

الجليل هي بلدة . وكان يعلم في المجامع ليبين انه غير مخالف لأوامر الله الآب بل يطيعه في كل شيء . وتعليمه للجموع كان هذا . اي انه كان يفسر لهم النبوات التي قيلت عن مجيئه وآلامه مفهماً اياهم ان زمان الناموس قد جاز وبلغ الانجيل . وغير ممكن التبرر بالناموس . وكان يعلمهم ان يؤمنوا به وبأبيه وبروحه القدوس . وان يحتقروا العالم ويعملوا الصالحات . ( يكرز ببشارة الملكوت ) فيشير الى كرازته وصنعه العجائب . وكان المسيح اذا علم شيئاً جديداً يؤيده بالعجائب . وكذلك عندما كان يحرضهم على الاعمال الفاضلة ويكرز لهم عن ملكوت السموات كان يؤيد كلامه بالعجائب لان الملكوت كان مجهولاً عندهم . وبقوله كل مرض وضعف ابان كل العجائب والامراض التي شفاها .

 

عدد 24 : فذاع خبره في جميع سورية . فأحضروا اليه جميع السقماء المصابين بأمراض واوجاع مختلفة ، والمجانين والمصروعين والمفلوجين فشفاهم .

 ” المعذبين بالامراض والاوجاع المختلفة ” . اي القريبين من الموت ” والذين بهم شياطين ” اي الذين دائماً مجانين . ” والمعترين في رؤوس الأهلة ” هم أولئك الذين يصيبهم صرع في اول ظهور القمر .  ” فشفاهم ” اي ابرأ جميعهم ولم يكن  يطالبهم بالايمان به . كما كان يطالب غيرهم بعد حين . كقوله ” أتؤمنون اني أقدر اعمل هذا ” . وذلك لانه لم يكن قد أظهر لهم قوته بعد . اما هم فكانوا بحضورهم امامه يتظاهرون بالايمان به ويجلبون معهم غيرهم من أماكن بعيدة .

 

عدد 25 : فتبعته جموع كثبرة من الجليل والعشر المدن واورشليم واليهودية ومن عبر الاردن .

 تبعته الجموع لانه كان يشفي مرضاهم . ولاجل ان يسمعوا تعليمه وقوله من العشر المدن . فيريد بذلك مدينة كانت مؤلفة من عشر مدن .