(تفسير انجيل متى ( الاصحاح الخامس )

Posted by on Aug 17, 2012 in -الدر الفريد في تفسير العهد الجديد ـ تفسير انجيل متى - مار ديونيسيوس ابن الصليبي, Library | Comments Off on (تفسير انجيل متى ( الاصحاح الخامس )

الموعظة على الجبل

 

الموعظة على الجبل – ملح الأرض ونور العالم – موقف المسيح من الشريعة – الغضب – الزنى – الطلاق – لا تحلفوا البتة – الانتقام – محبة الأعداء

 

الموعظة على الجبل 

عدد 1 : ولما رأى الجموع صعد الى الجبل ، فلما جلس تقدم اليه تلاميذه.

 عدد 2 : ففتح فاه يعلمهم قائلاً :

صعد ليبين انه هو الذي نزل على جبل سيناء واعطى الوصايا العشرة ، وليرفع عقول التلاميذ والجموع الى السموات ويعتقهم من الارضيات . وليبين ان تعليمه اشرف من الارضيات لا يقدر الكذب ان يخفيه . وذكر لهم الشهادة المقولة عنه من موسى النبي انه ” سيقيم لكم الرب نبياً من اخوتكم ” ولانه قد صار وسيطاً ما بين الآب وبني البشر كما كان موسى وسيطاً بين الله واسرائيل فتكلم بالنبوات وعلم العشر الوصايا مثل موسى . وكما ان الوصايا العشرة تتضمن التوراة كذلك التطويبات العشرة تتضمن الانجيل . فكيف عدت التطويبات عشراً مع انها تسع ؟ فنجيب ان لوقا قد زاد العاشرة وهي : ” طوبى لكم ايها الباكون فانكم ستضحكون ” ( لو 6 : 21 ) ، ويشير بالبكاء عن الخطايا وعن سقوطنا من الفردوس وعن الذين قد اعتقوا ذواتهم من مسرات هذا العالم وافراحه الزائلة واعداً اياهم انهم سيفرحون في العالم المزمع . فان قيل ان ما قاله لوقا يقرب مما قاله متى ” طوبى للحزانى ” فليعلم انه يوجد طوبى اخرى وهي الاشتراك بجسد ودم المسيح . اذ انه لما اعطى التطويبات لم يكن قد رسم سر القربان الذي شاركهم فيه بعد . لذلك نقصوا واحدة من التطويبات لتكتمل بتناول جسد ودم المخلص . ان الوصايا تسعة وتتلى عشرة وهي :

 

– انا الرب الهك .

– لا تحلف باسم الرب .

– احفظ يوم السبت .

– اكرم اباك وامك .

– لا تقتل .

– لا تزن .

– لا تسرق .

– لا تشهد شهادة زور .

– لا تشتهي بيت قريبك ولا امرأته .

 

وقد تتلى عشرة . لان العدد العاشر عدد كامل والكمال ليس في التوراة بل في الانجيل . لاجل ذلك نقص الوصايا حتى يجعل الانجيل كاملاً . فترى ان حرف الياء وهو العاشر من الاحرف الابجدية هو اول حرف من اسم يسوع . ويناسب تعليم التطويبات جميع الناس عموماً لا التلاميذ فقط . وقوله طوبى لكم عنى الناس جميعهم في شخص المخاطبين فمعنى الطوبى يتضمن كل فرح وسعادة . كما ان لفظة الويل تتضمن كل كآبة وحزن .

 

عدد 3 : “ طوبى للمساكين بالروح . فان لهم ملكوت السموات .

    يسمي المساكين بالروح هؤلاء الذين يقتنون أموالاً كثيرة وهم فقراء باختيارهم يوزعونه على المساكين كقوله ” بع مقتناك ووزعه على المساكين ” . ويسمي المساكين الذين يقتنون المال لاجل ملكوت السماء كالمتوحدين والرهبان . وكذلك اولئك الذين يملكون اموال كثيرة دون ان يتعلق قلبهم بها وإن كانوا ذوي يسر وغنى الا انهم مساكين بالروح ويحسنون التصرف به كايوب الصديق وابراهيم . ثم نقول انه لم يسم مساكين للذين لا يملكون شيئاً من مال العالم لانه ليس باختيارهم قد جعلوا مساكين . ثم يسمي مساكين اولئك الذين لا يفتخرون بنفوسهم او ببرّهم بل بالعكس فانهم يتضعون . فالشيطان منذ البدء قد افتخر بالكبرياء . وبها قد رفع عقبه على خالقه . وبها اسقط الانسان الاول . فبالعدل قد طهر مخلصنا هذا الداء بمنحه الطوبى للعادلين الخالين من الكبرياء ( لهم ملكوت السموات ) أي النعيم الذي سوف يتلذذ به القديسون بعد القيامة .

 عدد 4 : طوبى للحزانى ، لأانهم يتعزون .

فالحزن على نوعين : حزن عالمي ، سببه الفقراء او عدم التمكن من الانتقام من عدو او فراق احباء وغير ذلك . وهذا الحزن يورث الموت فكما ان الحزن لاجل العالم يسبب الموت هكذا الحزن لاجل الله يكسب الحياة ويورث التعزية والسلوان . فالمسيح هنا لا يعطي الطوبى للحزانى من اجل الفقر وموت الاقارب بل للحزانى على خطاياهم خائفين من الدينونة كقوله : ” بللت في كل ليلة سريري ” . وسمي حزانى اولئك الذين يبتعدون عن الخطايا آسفين لشرور الاخرين كصموئيل على شاول . قال داود النبي : “ان الكآبة احاطتني من اجل الخطأة الذين تركوا ناموسك ” . وهكذا كان يفعل احد القديسين اذ كان يبكي عندما يأكل . فاذا سئل عن ذلك أجاب قائلاً : ” اني اتذكر ما كنا فيه في بدء خلقتنا والى اي ذل سقطنا بسبب سقطة ابينا آدم حتى اننا اصبحنا نأكل العشب كالحيوان ” . فالحزانى الذين عناهم المسيح هم الذين يحزنون على ما ارتكبوه من الخطايا مبتعدن عن لذات وافراح هذا العالم لئلا تضعف فيهم الفضيلة . اما القديس ساويرس فيسمي حزناً التنسك والابتعاد من الشهوات العالمية .

( فانهم يعزون ) اي يكشف ويزيل عنهم الخوف من اجل الافراح التي بسببها كانوا حزانى .

 

عدد 5 : طوبى للودعاء ، لانهم يرثون الارض .

ان المسيح شبه المساكين بالروح بالودعاء . اما المساكين بالروح فهم الكاملوا الرأي الذين طرحوا عنهم كل العالميات . والودعاء هم الشريفوا النسب والكثيروا المال فيجب على هؤلاء ان يقرنوا هذا الشرف بالوداعة لان الوداعة غاية الكمال . ويراد بالوديع ذلك الذي يحسب ذاته احط مما هو وعليه . ويسمى وديعاً ذلك الملتهب حرارة في عمل الصالحات والمتجنب عمل الطالحات . اما الارض فلم يقصد بها ارضنا هذه مصدر الاوجاع والاحزان والالام . ولا ارض الفردوس . ولكن تلك التي فوق الرقيع والتي لا يلحقها الم وحزن مخلوقة لحياة وتنعم الابرار . واليها اشار داود قائلاًً : ” آمنت ان ارى خيرات الرب في ارض الاحياء ” . وهي التي سيصعد اليها الابرار بعد القيامة العامة فيتنعمون فيها بلا انتهاء ويبقى الاشرار في هذه الارض معذبين دائماً . لماذا يسمى الرقيع ارضاً ؟ فنجيب لكي يثبت لنا بالشيء المنظور ما هو غير منظور.

 

عدد 6 : طوبى للجياع والعطاش الى البر ، لأنهم يشبعون .

فالجوع والعطش يحصلان لاسباب عديدة منها عدم وجود القوت الطبيعي أو الصوم الاختياري الطويل لأجل البر . او الى معرفة الله والتعليم . فهنا لا يعطى الطوبى للجياع والعطاش بالجسد لكن للجياع والعطاش الى معرفة الله وعلم الحياة . اما البر فيراد به على رأي البعض الاعمال الصالحة . اما الانجيلي فيريد بالبر هنا العدالة التي من مقتضاها ان يعطي لكل ذو حق حقه وهي ضد الظلم . ويراد بالبر حفظ الوصايا الالهية ومحبة الفضيلة . لذلك فان مخلصنا سمى ذاته البر والعدل . كقول بولس : ” انه هو قد صار لنا عدلاً وبراً وقداسة ” ( فيشبعون ) أي من اللذات التي لا توصف في الملكوت .

 

عدد 7 : طوبى للرحماء ، لأنهم يرحمون .

الرحمة تقال على ثلاثة انواع : مادية كاعطاء الصدقة واغاثة الضعفاء واشباع الجياع . ونفسانية كالعفو عمن اخطأ في حقه ومسامحة الاعداء . وروحانية وهي الترحّم على الضالين وهديهم وتعليم ناقصي الرأي وتقريبهم الى الله . فهذه تشبه رحمة الله الذي يترحم بها على المخلوقات . ثم ان المسيح لم يعط الطوبى فقط للذين يصنعون الرحمة فعلاً لكن للذين يترحمون بالفكر على المساكين والغرباء والمذنبين والمديونين والذين يريدون عمل الرحمة وليس في امكانهم ذلك والذين يترحمون على انفسهم مبتعدين عن الخطايا لئلا يهلكوا والذين يتألمون مع المتألمين ويحزنون مع الحزانى . لان الرحمة يراد بها الحزن الاختياري على شرور القريب لان الارادة المملوءة محبة تتألم مع المتالمين . ثم ان الرحمة هي رأس الفضائل النفسانية ومصدرها الله .

 

عدد 8 : طوبى للانقياء القلب ، لأنهم يعاينون الله.

أي الانقياء في انفسهم وضمائرهم وقلوبهم والمعتوقون من كل الشرور ورجاسة الخطيئة فهذه هي طهارة القلب . اما طهارة الجسد فهي الاغتسال من الوسخ ، وإن كانت هذه جيدة اذ يتنقى بها الجسم من الاوساخ والاقذار ، الا ان المسيح لم يعط الطوبى لفاعلي هذه لكن لطهارة النفس لانه بطهارتها يتطهر الجسد ايضاً . فكيف يعاينون الله وقد قال عز وجل لموسى : ” انه لا يمكن ان يراني احد ويعيش ” وكذلك قال يوحنا : ” ان الله لم يره احد قط “. فنجيب ان هذا قد قيل عن الرؤية الطبيعية لان طبعه خفي . وقالوا ان معرفة الله بالنظر الى طبعه واقنومه تفوق ادراك العقول البشرية . فاذاً معنى قوله يعاينون الله هو ان طاهر القلب يشترك بالمعارف الالهية ويقتني حياة عديمة الفساد والملكوت . ان الحياة الغير الزائلة والنور الحقيقي يسميان النظر بالله . فالمعاينة اذا معناها الاشتراك . كقوله يوخذ المنافق لئلا يعاين المجد ومعناه لئلا يشترك بالمجد ثم نقول ان الله قد خلقنا على صورته كالشمع الذي ترتسم فيه صورة الخاتم المحفور وغيره اذا طبع به . اما نحن فباعمالنا الشريرة اخفينا هذه الصورة كالصدأ الذي يخفي شكل الحديد . فالذي ينظف قلبه من الآثام فهذا يعاين صورة الطبع الالهي كالحديد الذي يزول عنه الصدأ فيعود الى لمعانه . فلنطهر  قلوبنا اذاً لنستحق الطوبى والتلذذ بالنظر الى وجه الله . ان النظر على ثلاثة انواع : بالحواس والعقل والايمان . اما الله فبالايمان يرى فقط ، وقد يرى في افعاله كقولهم ان من يريد البحث  عن الله فيمكن ان يتحقق وجوده من مخلوقاته . فإله النظر هو القلب الطاهر الغير المائل الى الارضيات . ويسمى النور نظراً كقوله أنر عيني لأعاين الباهرات التي في ناموسك .

 

عدد 9 : طوبى لصانعي السلام ، لأنهم أبناء الله يدعون .

السلامة هي اتفاق الارادة التامة بالمحبة . اما مفاعليها فهي المحبة والامن والاتفاق والمودة . وعكسها الشكوك والاضطراب . واسباب الاضطراب الاعين الشريرة والشفاه الناطقة بالسفه والرذائل . اذا يسمي فاعلي السلامة أولئك الذين يبطلون القتال ويسكنون الخصومات والذين يجعلون السلام بين النفس والجسد . لان الروح تشتهي ما يضر الجسد . وفاعل السلامة هو ذاك الذي يلقي الصلح بينه وبين الاخرين . ورب معترض يقول كيف يصير ابن الانسان ابن الله ؟ فنجيب ان ذلك انعام انعم الله به عليه كما قد انعم عليه في البدء بالحرية والسلطة الدانية وعدم الموت . اما البنوة فهي ان الانسان بكونه مائتاً وفاسدا وزمنياً وهو في الوقت نفسه مركب من غير مائت وغير فاسد وابدي . فالاجدر به ان يكون الانسان الهياً . لانه قد استحق ان يصير ابن الله وشريكاً في كرامة الآب كالبنين الجسديين الذين يرثون غنى ابائهم .

 

عدد 10 : طوبى للمطرودين من أجل البر ، لأن لهم ملكوت السموات .

يريد بالمضطهدين الشهداء والمعترفين المطرودين من ابليس ومن القساة . ثم يسمي لكل شرف الفضيلة براً . ثم نقول ان هذه الطوبى الثامنة لها علاقة بالثماني السابقة كأنها هامة سائر التطويبات . فالى هذه الطوبى يشير داود النبي في المزمور الثامن وموسى النبي بواسطة الختانة في اليوم الثاني التي تقص وتقطع الجلود الميتة التي لبسناها بتجاوز الوصية . والطوبى الثامنة هنا تشير الى العودة الى السماء والى الطهارة الاولى . وممدوح هو هذا العدد الثامن في الناموس الكتبي وناموس الطبيعة وعند الحكماء الخارجين . وثمانية يحبها الله وهي احتقار النفس والحزن والتواضع والبر والرحمة والافكار النقية والسلامة والصبر . وثمانية يرذلها وهي الكبرياء والزنى النجسة والشراهة ومحبة الفضة والغضب والحسد والضجر . فكل من الثمانية الاولى هو دواء شاف لداء كل من الثمانية الاخرى . فتستقيم النفس ويكمل الجسد أي جسد الانسان المهتم بخلاص نفسه . فالكبرياء تخالفها حقارة الذات والاتضاع . والزنى تخالفه العفة وطهارة القلب . والمجد الباطل المشبه بالشجرة الغير المثمرة يضاده التذلل والمسكنة وهما الزرع الجيد وملح كل الفضائل . والشراهة تضادها الرغبة الشديدة في عمل البر والعدل . ومحبة المال تخالفها الرحمة والتصدق على المحتاجين . والكآبة المكدرة للعقل وجالبة الاضطراب للنفس تنافيها سذاجة الافكار وفرح القلب . والحسد ينبوع كل المشاجرات والخصومات تضاده السلامة والامن الذي يجعل الالفة بين المفترقين . والضجر مجلبة للاحزان والتكاسل يعالج بالصبر الذي هو أصل كل فضيلة .

 

عدد 11 : طوبى لكم اذا عيروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة ، من أجلي كاذبين .

ان الشتائم والتعيير بالناس تؤلم الناس اكثر من الضربات . وكثير من الناس خنقوا انفسهم لانهم شتموا وتعيروا . ووضع هذا الطوبى اخيراً لصعوبته . لانه لا يقدر احد ان يحتمل الشتائم والتعيير ما لم يتمم التطويبات السابقة ومن يحتمل العار يجب ان يكون شجاعاً  ويحتمل كما احتمل ايوب الصديق من احبائه وداود النبي من شمعي.

 ( واضطهدوكم ) لأنهم كانوا مزمعين ان يرجعوا الشعوب من عبادة الاوثان الى الايمان بالآب والابن والروح القدس لذلك سار عليهم الاضطهاد (وقالوا عليكم كلمة سوء من أجلي ) اي لا لانكم مذنبين لكن لاجلي اذ ليس ما يقولونه عنكم حقاً كقول بولس الا يصيب احد منكم كعامل شرور لكن مثل المسيح .

 

عدد 12 : افرحوا وتهللوا ، لأن اجركم عظيم في السموات ، فإنهم هكذا طردوا الانبياء الذين قبلكم .

 في الحقيقة ان الرسل كانوا يبتهجون فرحاً عندما كانوا يشتمون لاجل المسيح وهذا القول عمّ جميع الذين يحتملون التجارب من اجل المسيح وقوله : ” هكذا اضطهدوا الانبياء من قبلكم ” لا يخصّ الرسل فقط بل المعلمين ايضاً فكأنه يقول لهم مثلما احتمل الانبياء من اجل الآب كذلك انتم لاجلي . وبهذا اعلن مساواته مع ابيه في العظمة والكرامة . وبقوله الانبياء الذين من قبلكم قد بيّن انهم انبياء ايضاً . ثم بعد ان علمهم الواجب عاد يمدحهم لئلا يضطربوا قائلين كيف يمكننا ان نكمل الوصايا التي قد وضعها والتي سيضعها  .

 

ملح الأرض ونور العالم

عدد 13 : انتم ملح الارض ، ولكن إن فسد الملح فبماذا يملح ، لا يصلح بعد لشيء ، الا لان يطرح خارجاً  ويداس من الناس .

ان خواص الملح كثيرة فهو يجعل التافه لذيذاً . ويجذب الرطوبة المولدة للنتونة ويشدد الرخاوة . وكذلك انتم اجذبوا الناس وشددوا رخاوتهم ولذذوهم لكي لا يميلوا الى النفاق . وكما ان الملح يحفظ نفسه وغيره بلا فساد ونتونة ، هكذا انتم كونوا مهتمين بانفس بني البشر لكي لا ينتنوا في الخطيئة . وقد سمى المحبة ملحاً بقوله انتم ملح الارض ، اي انتم محبة الارض فيجب ان تكونوا محبين لكل الناس ، وكونوا في أمن مع بعضكم بعض

 ( فاذا فسد الملح ) اي هكذا انتم ان كنتم مجتهدين في الفضيلة فتنفعون انفسكم وغيركم ايضاً واذا كنتم غير فاضلين فلا تنفعون انفسكم ولا انفس غيركم . فالناس اذا فسدوا فيمكنهم ان يصطلحوا بكم . لكن اذا عرض لكم الفساد فتهلكون انتم وتهلكون معكم آخرين . ثم ان العامة وغير المعروفين اذا عرض لهم عارض وسقطوا فيكون لهم غفران اما المعلم اذا سقط فيشجب . فهذه ولو قيلت للرسل وحدهم ولكنها تخص خلفاءهم كالاساقفة ورؤساء البيعة .

 

عدد 14 : انتم نور العالم . لا يمكن ان تخفى مدينة موضوعة على جبل ،

اي كما ان النور اذا اشرق يطرد الظلام هكذا انتم تطردون من الناس ظلام عدم المعرفة . ولم يقل لهم انكم نور مدينة واحدة او عشر مدن بل نور كل العالم معناه ان جميعكم نور واحد .

 

عدد 15 : ولا يوقدون سراجاً ويضعونه تحت المكيال ، بل على المنارة فيضيء لجميع الذين في البيت .

 يعني انه لا يمكن ان تتعظى وتختفي البشارة التي تكرزون بها . الا انها ستصير مسموعة ويعلم جميع الناس في هذا العالم الذي هو بيت كبير وعظيم بل مثلما عملتُ وعلمتكم كذلك انتم اعملوا وعلّموا . وكما ان الضوء والسراج يضيئان وترى المدينة الموضوعة على جبل هكذا ايمانكم واعمالكم يرون حتى تصيروا سبباً  صالحاً  للناس ويتشبهوا بكم .

 

عدد 16 : فليضيئ نوركم هكذا قدام الناس ، لكي يروا اعمالكم الحسنة ويمجدوا اباكم الذي في السموات .

 اي اذا رأوا اعمالكم الصالحة . وقال اباكم لا إلهكم . فذلك لانه اراد ان يكرمهم ويعلمنا عن مساواته مع ابيه . فكيف هنا يقول ليروا أعمالكم وفي موضع آخر يقول لا تعلم شمالك ما صنعته يمينك . فنقول من كثرة الاعمال غير ممكن ان تختفي ولا ترى . ثم يوجد من يحب المجد الباطل ويوجد من لا يحبه . فهو يوصي الذين يحبون المجد الباطل ان لا يعلموا شمالهم وللذين لا يحبون المجد يأمرهم ان لا يخفوا اعمالهم ليصيروا سبباً صالحاً  لغيرهم ويماثلوهم فيشبه الناموس بالمكيال ويشبه الانجيل بالسراج . فكأن السراج مخفى تحت المكيال لكن الآن اظهره المسيح وانار الجسد بلاهوته فتراءى لنا شمس البر ونوّرنا .

 

إكمال الناموس ( موقف المسيح من الشريعة )

عدد 17 : “ لا تظنوا اني جئت لأنقض الناموس او الانبياء . ما جئت لأنقض بل لأكمل .

ظنّ اليهود انه جاء لينقض الناموس مع كونهم ما كانوا يحفظونه لكنه كان مكرماً  عندهم . وكان يصعب عليهم ان ينقص منه او يزاد او يبدّل منه شيء . لان المسيح كان مزمعاً ان يكمل نقصه . قال الناموس لا تقتل اما المسيح فكمّل الناموس بقوله لا تغضب . قال الناموس لا تزن اما المسيح فكمّله بقوله من نظر الى امرأة لكي يشتهيها الخ . وقد زجر الهراطقة القائلين ان العتيقة من الشيطان . فان كان مجيء المسيح لتبطيل العتيقة التي يزعمونها من الشيطان . لماذا لم يبطل الناموس الذي يظنونه من الشيطان فبتكميله اياه صار معلوماً انه مفروض من الله . وبتكرار قوله لم آت لاحلّ الناموس اعلن كيفية تكميله وانه لم يتجاوز ولا واحدة من اوامر الناموس ويثبت ذلك من قوله ليوحنا انه هكذا يجب علينا ان نكمل كل بر . ومن قوله من منكم يوبخني على خطيئة . ومن قوله ان رئيس هذا العالم يأتي وليس له في شيء ( يو 14 : 30 ) وقد اكمله بواسطتنا نحن ليكمل فينا بر الناموس . لعلنا مبطلون الناموس حاشا . بل وقوله لا تغضب ليس مبطلاً لقوله لا تقتل لكنه يتمم الناموس وغير ذلك . ثم ان الناموس بواسطة اوامره بطل الشر اما المسيح فاستأصل سبب الشر . فقد كمل كل الانبياء بما انه قد تمم كل نبواتهم فعلاً  . اذ انه حبل به في البطن وولد وتألم . وبقوله اتيت بين انه ليس من هنا بل من عند الآب . وانه مساو له بالطبع ولو انه صار انساناً  بلا تغيير .

 

عدد 18 : فإني الحق اقول لكم : الى ان تزول السماء والارض لا يزول حرف واحد او نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل .

( الحق اقول لكم ) ان آمين السريانية تقال على اربعة اوجه : اولاً  بمعنى الكيل بالاشبار والاذرع . ثانياً بمعنى الجواب في الصلوات اي فليكن . ثالثاً بمعنى الدوام . رابعاً بمعنى الحق . فهنا معناها الحق .

( الى ان تزول السماء والارض ) اي كما ان السماء والارض لا يمكن زوالهما هكذا لا يمكن ان يزول حرف واحد من الناموس . وكما ان السماء والارض لا يزولان كذلك ما ازيده على الناموس هو كماله لا نقضه . وقوله يزولان لا يعني زوالاً  بل تجديداً  كقول لوقا البشير : ” ممكن زوال السماء والارض ولا يزول حرف واحد من الناموس ” . وقول داود النبي : ” انهما يزولان وانت دائم ” . فليس معنى ذلك انهما يزولان لكنهما يجوزان من العتيقة الى الجديدة . وقوله ان شكل هذا العالم يزول ليس معناه ان هذا العالم المركب من السماء والارض والهواء والماء والنار يزول لكن اعماله العتيقة . يعني اليقظة والنوم والتعب والمجد الباطل والزينة والزواج والحبل والميلاد والحصاد والاخذ والعطاء وغير ذلك . وما يثبت ان السماء والارض لا تزولان بل يتجددان بعد ذلك قول لوقا : ” تؤخذ الواحدة وتترك الاخرى ” والسماء لن تزول لأنها مسكن القديسين بعد القيامة . قال القديس ثاولوغوس ان العناصر كذلك لا تزول لكنها ستعتق من خدمتها لنا ولا تعود تفعل فعلها فالارض لا تنبت والنار لا تحمي والماء والهواء لا يبردان . والملائكة والشياطين أيضاً لا يزولون . وبنو البشر كذلك يتجردون دائمين الى الابد اما الحيوان والدبيب والطيور والاشجار فانها تزول وترجع الى العناصر التي منها أخذت وتكونت . كذلك الشمس والقمر والكواكب تنحل ويخبو نورها الى النور الذي قد تكونت منه واجسامها تعود الى ما تكونت منه . وآخرون يقولون ان الشمس والقمر يبقيان في نصف السماء والكواكب تعود الى ما اخذت منه . وقوله حتى يتم الكل يشير بذلك عن الصليب وعن مملكته . اي ان حكم الصليب لا يزول من الارض الى المنتهى . وهذه المملكة تعلوا على كل الممالك البشرية وتدعى مملكة المسيح الروحانية .

 

عدد 19 : فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى وعلم الناس هكذا ، يدعى أصغر في ملكوت السماوات . واما من عمل وعلم ، فهذا يدعى عظيماً  في ملكوت السماوات .

ان الوصايا التي علمها المسيح لا تغضب . فكل من نظر الى امرأة لكي يشتهيها .. ولا تحلفوا البتة .. وغير ذلك من الوصايا يسميها صغاراً تواضعاً منه . وقوله ” من يحل واحدة ” فالظن بان الخطيئة ترتكب بالارادة او بالفكر ليست صحيحاً لكن التي ترتكب بالفعل ويعلم الناس هكذا ” يدعى صغيراً ” أي يستوجب الدينونة في مجيئي الثاني يوم الانبعاث لانه يسمي مجيئه الثاني ملكوت السماء .

( واما الذي يعمل ويعلم الخ ) يعني اذا عمل هو وعلم آخرون يدعى عظيماً  . والذي لا يعمل يدان . والذي يعمل ولا يعلم ينقص أجره . والذي يكمل الاثنين يدعى عظيماً  .

 

عدد 20 : فاني اقول لكم : انكم ان لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السموات .

فيريد بالبر كل الكمال . ويضيف الناموس بالعمل فقط اضافة الخيرات . فيقول ان الفضيلة تكون بالنفس والارادة والتعب . ثم انه لا يكفي ان يحيد الانسان على الخطيئة بالفعل فقط كمثل الكتبة والفريسيين الذين يقولون لا تقتل لا تزن . لكن يجب ان يجتهد لكيلا يميل الى الشر  كقوله : ” لا تغضب على اخيك . والذي ينظر الى امرأة . وان لم يزد بركم ” . فبين بذلك علاقة العهد القديم بالجديد . ويسمي كتبة وفريسيين لحافظي الناموس لا لمتجاوزيه كقوله ان لم يزد بركم . ذلك لان الذين كانوا حافظين الوصايا في زمن الناموس كانوا يدخلون الملكوت . اما الآن فاذ قد جاز الناموس وجاء المسيح وفرض نواميس جديدة فالذين يحفظون نواميسه ويعتمدون يدخلون الملكوت . وان لم يحفظوا يدانون لانهم ما حفظوا الوصايا لا لانهم لم يؤمنوا . أما اليهود والحنفاء فان عملوا الخيرات وحفظوا النواميس والوصايا مترجين المجازاة في العالم المزمع فجزاء كل واحد منهم لا يضيع . لكنه يدان لعدم ايمانه . اما الذي يؤمن ويحفظ الوصايا يرث الملكوت . فالواحد يدان لانه ما آمن والاخر يدان لانه ما حفظ الوصايا .

 

الغضب

عدد 21 : قد سمعتم انه قيل للقدماء : لا تقتل ، ومن قتل يكون مستوجب الحكم .

أشار في قوله هذا الى الوصايا العشر التي انزلها الله بواسطة موسى . أما وصايا ربنا فهي لا تغضب على اخيك باطلاً . ومن نظر الى امرأة لكي يشتهيها . ولا تحلفوا البتة . ومن ضربك على خدك . ومن سخرك ميلاً  . واحبوا اعداءكم الى غير ذلك . ثم ان الشر يكون اما بالفكر واما بالارادة واما بالفعل . فموسى قد وضع ناموساً  للعمل والفعل ومنع الشر . لان الشعب في ذلك الزمان كان قاسي القلب غير مربوط بالناموس . اما المسيح فوضع الناموس منعاً  للخطيئة بالارادة . لان الناس قد بلغوا حد الكمال . ثم نقول ان موسى قد قطع الثمرة ورماها . اما سيدنا فقد استأصل الشجرة وثمرتها الرديئة . ثم ان موسى قد شجب الذين يعملون الشر فعلاً  . اما ربنا فقد شجب الذين يريدون الخطأ بالارادة ولو لم يكملوه بالفعل . وموسى قد شجب الجسد اما المسيح فيعذب النفس . وقوله ان من قتل وجبت عليه الدينونة يعني القتل .

 

عدد 22 : وأما انا فاقول : ان كل من يغضب على أخيه باطلاً يكون مستوجب الحكم ، ومن قال لاخيه : رقا ، يستوجب حكم المحفل ، ومن قال : يا احمق يستوجب نار جهنم .

اي أقول لكم ما لم يقله لكم الانبياء ولا غيرهم . وبقوله انا اقول لكم اعلن سلطانه وبما انه يضع النواميس فهو اله .

( ان من غضب على أخيه ) يعني من حسدٍ او حقدٍ او بغضة . فالذي يغضب باطلاً يدان باطلاً . فحيث يجب الغضب نغضب فلا ندان كمثل بولس اذ غضب على الغلاطين والقورنشيين فشفاهم وهداهم الى الصواب . فنحن كذلك يجب علينا ان نغضب على الاشرار لكي يصطلحوا . وايضاً  يجب ان نغضب على الشيطان لانه يزرع فينا زرعاً شريراً  . فكأنه يقول ان الناموس يمنع القتل وانا امنع الغضب الذي يولّد القتل . فذاك قطع الاغصان وانا اقلع اصل الشر . فيسمي عموم الناس أخوته . ثم ان الذين يرزلون العتيقة يقولون ان كان الله صالحاً فلماذا قال العين بالعين . فنجيبهم انه تعالى قد وضع الوصية والجود والرحمة حتى اذا خفنا لئلا نجازي نمتنع عن اخراج عين غيرنا . ولولا هذا الناموس لحدثت شرور كثيرة . ثم ان كان احدا يظن ان قتل القاتل هو شر فكم بالاحرى يظن امر ربنا بقوله ان من غضب على اخيه باطلاً يقتل . فاذاً لا الاوليات صعاب ولا الاخريات والله فارض الاثنين . ويثبت ذلك من قوله اني اعطيكم عهداً جديداً لا كالعهد الذي اعطيت لابائكم

فالسريانيون يفسرون راقا بمعنى حقير أي مرذول واليونانيون يفسرونها بمعنى انت يا فلان . ومضمونها الافتخار فقائلها اذاً يجب عليه الحكم وفي يوم الانتقام يكون محكوماً عليه ويخزى امام جمهور الملائكة وبني البشر . ( ومن قال يا احمق ) يعني غير عارف وبلا عقل ولا تمييز فقد وجبت عليه نار جهنم لانه اخرج اخاه من رتبة الناطقين وجعله في عدد   غير الناطقين . فالقول يا جاهل يقال عن الجسد والقول يا احمق عن النفس التي هي صورة الله . لاجل ذلك جعل دينونتها أعظم من القول ياجاهل .

 

عدد 23 : فإن قدمت قربانك الى المذبح ، وهناك تذكرت ان لاخيك شيئا عليك ،

عدد 24 : فاترك هناك قربانك قدام المذبح ، واذهب اولاً اصطلح مع اخيك ، وحينئذ تعال وقدم قربانك .

يعني ان كان أخوك واجداً عليك حقداً بحق أو بغير حق فامض الى المذنب وصالحه . والا فقربانك غير مقبول . فالله يهمل قربانه وكرامته لكي نصير نحن محبين بعضنا بعضاً  . فكأنه يقول لتبطل حذمتي ولتدم محبتك . لاجل ذلك ما قال اذا كملت حذمتي امض او قبل القربان لكن اترك القربان والذبيحة ليبين كثرة اشتياقه لاتفاقنا . فالذبيحة غير مقبولة اذاً بلا محبة ولكي يغصب الصلح قال اترك القربان بدون تكميل وامض وصالح اخاك الذي هو واجد عليك حقداً .

 

عدد 25 : كن مراضياً لخصمك سريعاً ما دمت معه في الطريق ، لئلا يسلمك الخصم الى القاضي ، ويسلمك القاضي الى الشرطي ، فتلقى في السجن .

عدد 26 : الحق اقول لك : لا تخرج من هناك حتى توفي الفلس الاخير !

 يقول الذهبي فمه ان الخصم هو ذاك الذي لك عنده . والقاضي هو حاكم هذا الزمان . والسجن هو الذي هنا . كن متفقاً يعني اقضوا الحكم بينكما واقبله عليك افضل من ان يسلمك الى الحاكم والحاكم يسلمك الى المنتقم فينتقم منك بالعدل . نوع آخر ، الخصم هو الشيطان والطريق هو العالم . والديان هو الله . والسجن هو العذاب في العالم المزمع والفلس اشارة عن الذنب الصغير . ومعنى قوله كمثل انسان له عليك شيء ويريد ان يسلمك الى القاضي فبادر الى موافقته ما دمت معه في الطريق هو ان تسعى جهدك في ارضاء خصمك قبل الوصول الى الحاكم وبذلك تنجو مما عساه ان ينالك من المجازاة . ويراد بالخصم الضمير والذمة . والطريق العالم والقاضي الله . والسجن العذاب . والفلس عن الذنب الصغير . والشرطي الملاك . اي ان كنت في حال الخطيئة فاسرع وتب عنها توبة حقيقية فتتبرر هنا في هذا العالم.

الزنى

عدد 27 : قد سمعتم انه قيل للاولين : لا تزن .

عدد 28 : واما انا فاقول لكم : ان كل من ينظر الى امراة ليشتهيها ، فقد زنى بها في قلبه .

اي ان الذي ينظر بعين شريرة وقلب ملؤه الشهوة الى الاجساد اللطيفة والوجوه الحسنة فانه يزني . فان قال قائل ان الشهوة اللحمية تهيج من طبعها عند النظر الى الاجساد اللطيفة دون ارادة فنجيب ان ذلك ليس بخطيئة الا اذا كان مقرونا بالرضى والتلذذ وهو المقصود من كلام المسيح لان النظر بقصد التلذذ يوجب الخطأ وان لم يتم بالفعل . ثم ان الزنى يكون على انواع اما بالشهوة او بالفكر او بالفعل او بالنظر فالناموس جعل للرجال والنساء على السواء مثال ذلك اذا رأينا في يد طفل سكيناً حاداً وضربناه واخذنا السكين منه قبل ان يصيبه ضرر . وهكذا فان الباري تعالى يحرم علينا النظر لئلا يجذبنا ذلك النظر الى الفعل .

 

عدد 29 : فان كانت عينك اليمنى تعثرك فاقلعها والقها عنك ، لانه خير لك ان يهلك احد اعضائك ولا يلقى جسدك كله في جهنم .

عدد 30 : وان كانت يدك اليمنى تعثرك فاقطعها والقها عنك ، فانه خير لك ان يهلك احد اعضائك ولا يلقى جسدك كله في جهنم .

اراد بالعين اليمنى ما كان عزيزاً لدينا كالعين والابن . وباليد البنت والاخ . وبالرجل المرأة والمحب . وعليه اذا كانت احدى هذه الاعضاء علة سقوطنا في الخطيئة فانه يأمرنا ان نقطعها ونلقيها عنا وان كان في قطعها صعوبة كبرى . اما اذا كان ممكناً  شفاؤها من غير ان تقطع فلا يجب قطعها . ثم انه اشار بالعين اليمنى عن ذلك الذي يحثنا على الخطأ وباليد والرجل عمن يحاول اسقاطنا في الخطيئة وبقطع الاعضاء اشارة الى وجوب ابتعادنا عن الاصدقاء الاشرار ثم اشار بالعين اليمنى عن الفجور وباليد عن القتل . وبالرجل عن السرقة .

 

الطلاق

عدد 31 : وقيل : من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق .

قد أمر الله اليهود ان يطلقوا نساءهم ليمنعهم عن القتل . فقد قال الناموس من ابغض امرأته لسبب من الاسباب فليطلقها ويأخذ غيرها دون ان يقتلها . لانهم اذا كانوا لا يشفقون على بنيهم وبناتهم فيضحونهم للشياطين . فكيف يشفقون على نسائهم المبغوضات . فلأنهم كانوا يقتلونهن ليأخذوا غيرهن . فلذلك قال المسيح . ان موسى لاجل قساوة قلوبكم اذن لكم ان تطلقوا نساءكم اما قوله ( فليدفع لها كتاب الطلاق ) يفيد الابتعاد باليونانية اي انها تبتعد من الرجل وتلازم الوحدة والانفراد وقد اذن لهم موسى ان يعطوا كتاب الطلاق . لئلا تعود اليه فيحفظ بذلك نظام الزواج . اذ لو لم يعط كتاب الطلاق . لكان اخرج واحدة وادخل غيرها فتكثر النجاسة وربما كانوا بهذه الطريقة يتزوجون نساء بعضهم فيعم الفجور فلاجل هذا الزمهم بدفع كتاب الطلاق .

 

عدد 32 : واما انا فاقول لكم : ان من طلق امرأته الا لعلة زنى يجعلها تزني ، ومن يتزوج مطلقة فانه يزنى .

في قوله هذا تنبيه للمطلق والمتزوج بمطلقة معاً فان المطلق اذا ادرك ان تطليقه لامرأته يسهل لها سبيل الفجور يعدل عن تطليقها والمتزوج بمطلقة اذا علم انه يرتكب الفجور اذا تزوج بمطلقة يتخلى عن التزوج بها وهذا التنبيه يشمل النساء والرجال على السواء . وما عدا ذلك فان من طلق امرأته من غير علة زنى يغضب الله لانه يكون قد فرق ما ازوجه الله . وان تزوج باخرى فهو فاجر كما ان المرأة اذا تزوجت بغير رجلها فهي فاجرة . فالشريعة تنتقم من كليهما . لان المرأة اذا زنت فقد تعدت الناموس فواجب والحالة هذه طلاقها . والا فالذي يطلقها يزني لانه يكون قد فعل لاجل شهوة نجسة . فبما انهما قد صارا جسداً واحداً بواسطة الزواج فلا يمكنهما بعد ذلك الافتراق البتة . واذا افترقا وجب ان يلبثها بغير زواج كقول بولس الرسول .

 

القسم

عدد 33 : ايضاً سمعتم ايضا انه قيل للقدماء : لا تحنث ، بل اوف للرب أقسامك .

اي لا تكذب في قسمك . وتمم ما قد اقسمت به .

 

عدد 34 : اما انا فاقول لكم : لا تحلفوا البتة ، لا بالسماء لأنها كرسي الله ،

عدد 35 : ولا بالارض لأنها موطئ قدميه ، ولا باورشليم لأنها مدينة الملك العظيم .

لقد كانت عادة اليهود ان يحلفوا بهذا مع ان الله غير محدود ولا جسم له ولا محتاج الى عرش والى موطىء . لكن اليهود كانوا يظنون ان الله جسماني ويستدل من كلامه انه اذا كان غير جائز للانسان ان يحلف بالعرش وبموطئ قدميه وباورشليم فكيف يجوز ان يحلف باسم الله . وقد حظر عليهم القسم بالسماء وغير ذلك ليمنعهم من القسم كلياً . وبما ان عبادة الاصنام كانت منتشرة جداً فلكيلا يظن اليهود كالحنفاء ان للسماء والارض العظمة والجمال من طبعهما ما لم يستمداهما من الخالق . لذلك افهم اليهود ان عظمة السماء والارض هي التقرب من الله تعالى .

 

عدد 36 : ولا تحلف برأسك ، لانك لا تقدر ان تجعل شعرة واحدة بيضاء أو سوداء .

انه يمنعنا منعاً باتاً من القسم مع علمه اننا لسنا قادرين ان نجعل في رؤوسنا شعرة واحدة بيضاء او سوداء حتى اذا اضطرنا الامر الى القسم فلا يجب ان نقدم عليه عملاً بامر الله الذي في استطاعته ان يزيل عنا هذه الضرورة . واذا كنا نحتج اننا لا نستطيع التخلص من الضرورة فذلك دليل على ضعف ارادتنا وعدم استطاعتنا في حفظ اوامره تعالى . ورب قائل يقول فاذا كان القسم محظوراً علينا فكيف اقسم الله اذاً . فانه جاء مكتوباً ” قد اقسم الله ولم يكذب ” فنجيب ان المراد من هذا القول هو ان الله قد صدق في قوله . ولكي نزداد اعتقادا بذلك عبر عنه بالقسم واما قوله تعالى من الان الى ثلاثة ايام تخرب نينوى فقد اراد بذلك تخويف اهلها لكي يرجعوا اليه تائبين .

 

عدد 37 : بل ليكن  كلامكم : نعم نعم ، لا لا . وما زاد على ذلك فهو من الشرير .

اي في الايجاب ايجاب وفي النفي نفي ” وما زاد ” اراد بذلك ان الزيادة هي كذب من الشرير . فاذا كل من يكذب فهو شريك الشيطان . وقد فسر القديس يوحنا الذهبي الفم ” ما زاد على ذلك ” فقال ان معناها القسم لانه من الشرير . وقد اعترض بعضهم قائلا اذا كان القسم من الشيطان فلماذا امر الناموس ان يحلفوا ؟ فنجيب كما ان الحليب نافع للاطفال دون الرجال فكذلك القسم في الازمنة القديمة كان مفيداً لان الناس كانوا وقتئذ كالاطفال . اما في زمن المسيح فقد عد القسم انه من الشرير لان الطبع البشري قد بلغ حد الكمال . فالكمال مطلوب منا ازيد من الكتبة والفريسيين . وكما ان قتل هابيل حسب شراً . اما ايليا وفينحاس فحسب خيراً . والخمير كذلك في زمن يوخذ جيداً  وفي زمن يوخذ ردياً .

 

الانتقام

عدد 38 : “ سمعتم انه قيل : عين بعين وسن بسن .

أمر الناموس بذلك ليمنعهم من الشر لانه اذا غضب انسان لاي سبب كان واراد ان يضرب رفيقه او يقلع عينه يفكر ان الذي سيصنعه بغيره سيحل به كذلك فيمتننع اذ ذاك عن عمل الشر لرفيقه . فالناموس مع كونه مانعاً للشرور عادلاً فقد ابدله المسيح بما هو اقرب الى الرحمة والشفقة فعلمنا قائلاً ” من لطمك على خدك الخ “.

 

عدد 39 : اما انا فاقول لكم : لا تقاوموا الشر ، بل من لطمك على خدك الايمن فحول له الآخر ايضاً .

فقد دعا شريراً ذلك الذي يقلع عين رفيقه انتقاماً منه لانه يكون مغرياً من الشيطان

( ومن لطمك الخ ) اي ان خصمك اذا رأى منك حلماً يندم على الضربة الاولى ولا يعود يضربك ثانية . فالشر لا ينتهي بالشر لكن بالخير . لان مقابلة الشر بالشر تزيد الشر اتساعاً .

 

عدد 40 : ومن اراد ان يخاصمك وياخذ ثوبك فاترك له الرداء ايضاً .

اي اذا اراد خصمك ان يذهب بك الى القاضي ويحاكمك ويتعبك فاعطه ما قد طلبه منك واكثر تخلصاً منه . ورب قائل يقول كيف اعطي خصمي ما يطلبه مني دون ان يكون له حق علي بذلك ؟ فنجيبه قائلين انك لو كنت امينا نحو اوامر الله لما تعدى احد عليك . بل كان المنافقون والظالمون هم المساعدين لك عند الحاجة .

 

عدد 41 : ومن سخرك ميلاً واحداً فاذهب معه اثنين .

اي اذا امضيت معه ميلين ليس فقط لم يعد يسخرك مرة اخرى ولكنه لا يعود كذلك يجبر غيرك استحياء من مجاملتك وحلمك . فهذه الوصايا قد فرضها على الرسل خصوصاً  لانهم كانوا مزمعين ان يمضوا الى الشعب والشعوب ويحتملون الضيق والشدائد غير اننا قد تسلمناها نحن من الرسل وتابعون لتعاليمهم .

 

عدد 42 : من سألك فاعطه ، ومن اراد ان يقترض منك فلا ترده .

وهذه الوصية مفروضة على العامة لا على الرسل الذين لا يقتنون شيئاً ولم يقل ان نعطي لكل من يسألنا عموما لكن للذين يسألون حاجتهم وقوتهم اليومي فقط . كما قد قيل عن الرسل انهم كانوا يعطون كل واحد ما هو محتاج اليه . الا انه يجب ان نعطي لغير الفقراء على سبيل الافتراض لا بقصد الفائدة والربا حين يطلبون ذلك منا كما اشار السيد المسيح في غير هذا الموضع الى انه يجب ان نعطي دون مقابلة عوض او اجر .

 

محبة الأعداء                                               

عدد 43 : قد سمعتم انه قيل : تحب قريبك وتبغض عدوك .

عدد 44 : اما انا فاقول لكم : احبوا اعداءكم . باركوا لاعنيكم . احسنوا الى مبغضيكم ، وصلّوا لاجل الذين يسيئون اليكم ويطردونكم .

فقد امرنا السيد المسيح الا نقتصر على محبة القريب كما يأمر به الناموس القديم ولكن ينبغي لنا فوق ذلك ان نحب اعداءنا ونبارك على من يلعننا ويبغضنا فان السيد له المجد قد علمنا بهذا الاّ نبتدي بالشر ولا نقابل الشر بالشر ولا ننتقم ونتذمر اذا نالنا ضرر من القريب ولا نبغض احداً  . لكن فلنحبه ونعامله بالحسنى والخير مصلين لاجله . وهذه الوصايا من شأنها ان ترقي عقولنا وتجعلنا شبيهين به تعالى اذ قال .

 

عدد 45 : لكي تكونوا أبناء ابيكم الذي في السماوات ، فانه يشرق شمسه على الاشرار والصالحين ، ويمطر على الابرار والظالمين.

قال هذا ليرفع ضمائرهم عن الارضيات ويجعل الفرق ما بين الاب السماوي والاب الارضي .

 

عدد 46 : لأنه ان احببتم الذين يحبونكم ، فاي اجر لكم ؟ اليس العشارون ايضاً يفعلون ذلك ؟

عدد 47 : وان سلمتكم على اخوتكم فقط ، فاي فضل تصنعون ؟  اليس العشارون ايضاً يفعلون ذلك ؟

اي انه لا اجر لنا ولا فضل اذا احببنا من احبنا اقتداء بالعشارين وان كان الناموس العادل يقضي بذلك .

 عدد 48 : فكونوا انتم كاملين كما ان اباكم الذي في السماوات هو كامل .

فقد دعا محبة الاعداء كمالاً . لانها تحوي كل انواع الفضيلة . اما قوله كما ان اباكم . فلا يراد ( بكما ) اننا نتشبه كل التشبه بالله ولكننا نكتسب شيئاً  من التشبه به . وقد قال العلماء والفلاسفة ان الشرائع هي ثلاث : الاولى ، الشريعة القديمة التي تأمر المتمسكين بها كالعشارين وغيرهم ان يحبوا من يحبهم ويبغضوا من يبغضهم وتدعى الشريعة العادلة . والثانية ، هي شريعة الظلم التي تقضي ببغض من يحبنا ولعن من يباركنا . والثالثة ، شريعة المسيح وهي ان نحب من يبغضنا ونبارك على من يلعننا وتدعى شريعة الكمال . ويثبت ذلك من قوله ” ان لم يزد بركم على الكتبة ” ثم ان المسيح بعد ان تكلم عن القتل والشهوة ومحبة الفضة اخذ يتكلم عن المجد الباطل فقال .