(تفسير انجيل متى ( الاصحاح الثاني

Posted by on Aug 17, 2012 in -الدر الفريد في تفسير العهد الجديد ـ تفسير انجيل متى - مار ديونيسيوس ابن الصليبي, Library | Comments Off on (تفسير انجيل متى ( الاصحاح الثاني

زيارة المجوس – الهرب الى مصر – العودة من مصر الى الناصرة

 

زيارة المجوس

عدد 1 : ولمّا ولد يسوع في بيت لحم اليهودية ، في أيام هيرودُس الملك ، اذا مجوس من المشرق قد جاءُوا الى أورشليم 

ابتدأ متى هذا الاصحاح بذكر المكان والمَلك الذي وُلد المسيح في عهد ملكه . لكي يعلمنا ان النبوّات قد كملت بالسيد المسيح . فيذكر المكان لنتذكر نبوّة ميخا وهي : ” أما انت يا بيت لحم منك يخرج الذي يكون متسلطاً على اسرائيل ” ( ميخا 5 : 2 ) ليعلمنا ان المولود هو ابن داود المكتوب عنه انه من قرية داود . ويذكر الزمان وشخص هيرودس للدلالة على ان الأسابيع المذكورة في دانيال قد كملت ( دانيال 9 : 24 ) وان السيد المسيح قد ظهر للعالم وان الملك قد زال من يهوذا لتتمّ نبوّة يعقوب ” لا يزول قضيب من يهوذا … حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع شعوب” ( تكوين 49 : 10 ) ..

أما السبب في تسمية بيت لحم بأفراتة فهو : ان كالب بن حصرون بعدما ماتت امرأته  ” عزوبة ” تزوج امرأة ارملة اسمها ” افراتة ” ( 1 أيام 2 : 18 و19 ) . ولحبه لها دعى المدينة بهذا الاسم افراتة ومعناها حاملة الأثمار . ورزق من امرأته هذه بنين منهم ” لحم ” و ” آمون ” ولكثرة محبته للحم ابنه بنى مدينة وأضافها الى افراتة وسمّاها بيت لحم افراتة  (1 أيام 4 : 4 ) يعني بيت الخبز  ..

اما كيف تولّى هيرودس تدبير شؤون منطقة اليهودية فقد كانت : ان المُلك من داود الى السبي كان خاص بالشعب الاسرائيلي . وبعد السبي ترأّس اسرائيل رؤساء الكهنة المعروفون من سبط لاوي لاختلاط سبط يهوذا بسبط لاوي . ولما صار الملك الى الأخوين اريسطوبولس وهادرقيانوس تخاصما مع بعضهما على الرئاسة وفقداها عندما تغلب عليهما الرومان فصار الملك لهيرودس العسقلاني ، ولأنه لم يكن يهودياً فقد أفسد كتاب مواليدهم ووضع ثوب الكهنوت تحت ختمه . وفي زمانه ظهر السيد المسيح فتمت نبوّة يعقوب : ” لا يزول القضيب من يهوذا …حتى يأتي شيلون ” أي زالت الرئاسة من بيت داود . وبزوالها ملك هيرودس وجاء المسيح صاحب السلطنة والملك.

 أما ولادته فكانت يوم الاربعاء 25 كانون الاول سنة خمس وثلاثين لهيرودس المذكور . وقال آخرون يوم الجمعة وآخرون يوم الاحد قبل صياح الديك  في نفس الوقت الذي قام فيه من القبر والذي يعتقد ان تكون القيامة فيه . وفي سنة 42 لاوغسطس قيصر ولد المسيح من البتول وهي ابنة 13 سنة والتي ماتت في افسس وعمرها 51 سنة ودفنها يوحنا الانجيلي وتلاميذه . وفي زمن مولد ربنا عيّن كرنيليوس والياً . وفي شهر نيسان جاء المجوس . وقد ترك متى ذكر لف العذراء لابنها بالأقمطة ووضعه في المذود مع تسابيح الملائكة والختان وغيره . واقتصر على ذكر المجوس فقط الذي عُرف منه غش هيرودس وقتله الاطفال .

( اذا مجوس قد أقبلوا من المشرق ) . يقول اوسابيوس القيصري والقديس غريغوريوس ان المجوس كانوا من بني بلعام . ويقول يعقوب الرهاوي انهم من جنس عيلام بن سام . وقال آخرون انهم من امراء فارس كما تنبأ داود انهم يأتون ويقدمون له قرابين ( مزمور 72 : 10 ) . أما عددهم فقد قال قوم انهم كانوا ثلاثة لأن قرابينهم كانت ثلاثة وكان معهم الف رجل ولذلك ارتجت أورشليم . ويقول يعقوب الرهاوي انهم كانوا اثني عشر رئيساً وكان معهم أكثر من الف رجل . وقال آخرون انهم كانوا ثمانية كنبوّة ميخا : ” اذا دخل آشور في ارضنا وداس في قصورنا نقيم عليه سبعة رعاة وثمانية من امراء الناس ” ( ميخا 5 : 5 ) . وقال غيرهم انهم كانوا ثلاثة أمراء أولاد ملوك ومعهم تسعة من رؤساء القبائل وان الملك الذي ارسلهم اسمه فير شابور . واسماؤهم هي : هدوندد بن ارطبان . شتاق بن كودفار . ارشاخ بن مهدوق . زروندبن بن وارود . اريهو بن كسرو . ارطمشد بن حميت . اشتنكوزان بن شيشرون . مهدوق بن هوهام . احشيرش بن صانيبان . صردنح بن بيلادان ومروداخ بن بائيل . وكان معهم 3000 رجل مسلّح ، وخمسة آلاف حاملي خناجر . ولما عبروا الفرات سمعوا عن الجوع في أورشليم ، فتركوا عسكرهم عند نهر الفرات بجانب الرها ومضوا ، اي الاثنا عشر رئيساً ، مع الالف رجل ومعهم القرابين . ويقول القديسان كيرلس ويوحنا ان المجوس عندما جاءوا وجدوا المسيح طفلاً ملفوفاً في الأقمطة . وقيل انه قبل زمن ميلاده ظهر النجم للمجوس حتى وصلوا قبل ثمانية أيام لميلاده . وقالا انه كان واجباً ان يسجد له في المذود لبيان عظم الاعجوبة . وقال آخرون ان وصول المجوس كان في ليلة الميلاد ويظهر ذلك من المكتوب : انه لما ولد يسوع جاء المجوس . لكن القديس ابيفانيوس اسقف قبرص لم يوافق على هذه الآراء اذ يقول ان مخلصنا ولد في بيت لحم وختن في المغارة واصعد الى الهيكل وحمله سمعان ومضى به الى الناصرة وفي السنة الثانية جاؤوا به ليظهر أمام الرب ثم مضوا الى بيت لحم . وفي آخر السنتين اصعدوه أيضاً الى أورشليم ومضوا به الى بيت لحم محل ولادته لانه كان محبوباً لديهم زيارة المكان الذي ولد فيه . واذ هم في بيت لحم اتى المجوس ويعرف هذا من قول متى : ” فدخلوا البيت ورأوا الصي مع مريم امه فخرّوا له ساجدين ” . قال دخلوا الى البيت وليس الى المغارة وانهم وجدوا الصبي مع امه لا الطفل ملفوفاً بالأقمطة ، وتطلق كلمة صبي على الذي يناغي ويحبوا ويمشي ، و يوافق اوسابيوس والقديس مار افرام على هذا الرأي . امّا السروجي فيقول في ميمره عن ظهور النجم والمجوس : انهم رأوه ابن سنتين . من هنا نستطيع التحقق من أقوال متى ولوقا . فلوقا يقول انهم مضوا من بيت لحم للناصرة ، ومتى يقول من بيت لحم الى مصر والاثنان صادقان . فلقد ذهب الى اورشليم بعد اربعين يوماً كما قال لوقا وفيما بعد الى الناصرة . وفي نهاية السنتين مضى من الناصرة الى بيت لحم ومن بيت لحم الى مصر كقول متى . ومكث في مصر سنتين حتى مات هيرودس وملك ارشلاوس ابنه . ومن هذا يتضح ان المسيح كان ابن سنتين . ولذلك قتل هيرودس الاطفال من ابن سنتين فما دون حسب الزمان الذي تحقق من المجوس . فان كان قد قيل له في تلك الليلة عينها ان يهرب الى مصر وهو ابن ثمانية ايام فكيف صعد للهيكل وحمله سمعان اذا كان هيرودس حانق عليه ؟

    ان المجوسية هي هرطقة مركبة من الحنفية ومن الكلدانية تسجد للعناصر كالحنفاء وللكواكب وهي على معرفة بعدد النجوم والبروج وبتأثير الكواكب . فكل كلداني كان يعيش كما يشاء . والعجيب ان يسوع ظهر للشعوب الوثنية لا لليهود شعبه الخاص ، لان شهادة الغريب أدعى الى التصديق من شهادة القريب . وذلك لكي يخرس لسان اليهود الغير المؤمنين الذين لم يقبلوا قول الانبياء ولكي يبطل كفرهم بإيمان الشعوب فقد يقولون لا نعرف متى وأين ولد . لقد اتى المجوس ليكرزوا لهم بكلام الأنبياء لان علامة ميلاده ظهرت للمجوس فقط وبواسطتهم انتشرت في كل الخليقة . وكما ان علامة رجوع الشمس اعطيت لحزقيا وحده ورجوع الشمس صار معلوماً في كل الدنيا ، هكذا صار خبر ميلاده معلوماً لكل الشعوب بواسطة المجوس . وكما انه بهربه الى مصر وذهابه وإيابه صار خبر ميلاده معلوماً في المسكونة قاطبةً ، هكذا جرى الامر مع المجوس بالتدبير الإلهي . ومع ان بلاد العجم ومصر كانت غارقة في لجّة ظلمة العبادة الوثنية أكثر من كل الشعوب الاّ انهم أُخرجوا قبل الجميع من الظلمة الى النور . فلم يُظهر ميلاده للأدوميين والفلسطينين جيران اليهود بل للبعيدين لكي تمتد بشارته في كل المسكونة ومن أقطار الأرض يأتون لإكرامه . فظهر للمجوس أكثر من الآخرين لانه جاء ليدعو الخطاة من جميع الشعوب ، فالمجوس كانوا مرضى بعبادة الاصنام والسحر وكانوا يتزوجون بامهاتهم لذلك ظهر لهم اكقر من الآخرين ليشفيهم من الامراض السابق ذكرها . ولم يظهر لجميع المجوس لكنه ظهر للذين عَرِفَ بسابق علمهِ انهم مزمعون بحريتهم ان يؤمنوا به . وهكذا كان المجوس رجالاً فضلاء اتوا وسجدوا للمخلص ولم يخافوا من هيرودس واليهود بل جاهروا وبشّروا به واحتملوا لأجله أتعاب الطريق وعناء السفر . ولما رجعوا بشّروا به في بلادهم وصاروا بداءة دعوة الشعوب . قال البعض انهم رأوا في الكوكب صبية جالسة وهي حاملة صبياً في حجرها وفي رأسه تاج الملك لهذا جُذِبوا وراءه . وقال آخرون انهم رأوا في الكوكب كتابة هي : ” ان هذا الكوكب هو ملك اليهود المولود ” ، كما ظهر لقسطنطين الملك شبه الصليب في السماء وقيل له بهذه العلامة تقهر أعداءك . وقال آخرون انهم رأوا مكتوباً في الكوكب ان ملك اليهود قد ولد فامضوا اليه . وقال البعض انهم رأوا كوكباً نوره اقوى من نور الشمس ساطعاً برفقة ملاك قائلاً : ” ان ملك قد ولد في اليهودية فامضوا اليه ” . ويسأل البعض من الذي اوعز الى المجوس ليمضوا الى المسيح ؟ قال قوم انهم اتوا بناء على نبوّة بلعام أبيهم الذي تنبا قائلاً : ” يبرز كوكب من يعقوب ” ( عد 24 : 17 ) . وقال قوم آخرون انه لمزمع ان يولد ملك اليهود واذا ولد فامضوا وقرّبوا له القرابين ، وأن هذا الخبر بقي مكتوباً عندهم حتى رأوا الكوكب فحملوا القرابين حينذاك ومضوا . وقال البعض ان دانيال تنبّأ للبابليين انه منذ الآن ولأسابيع كذا وكذا يولد ملك اليهود وفي مولده يظهر كوكب فامضوا وقربوا له القرابين ، وان الملوك البابليين كتبوا هذه الاقوال بالذهب ، فلما ظهر الكوكب ورآه المجوس أتوا وسجدوا له . وقال غيرهم انه في زمن دانيال وبحتنصر الملك جاء أُناس من سبا ليقدموا القرابين ويتعلموا الكلدانية فقال لهم دانيال : اذا ولد المسيح فان ملوككم يقربون له القرابين ، فكتبوا ذلك وارَّخوه عندهم ،  فلما ظهر الكوكب جاءه المجـوس . وقال آخرون ان الساحر زردوشت أخبر عن هذا الامر . وقال قوم ان القائل هو باروخ تلميذ ارميا الذي خرج مغتاظاً من قومه ، لأنه لم تعط له موهبة النبوة ، فمضى الى الشعوب وكتب في اثنتي عشرة لغة تعلمها ، وفي ذات يوم وهو جالس عند عين ماء حيث كان يغتسل الملوك قال لتلاميذه انه سيأتي يوم تلد فيه بتول من البنات العبرانيات ابن بدون زرع بشري فيه طبع اللاهوت وبمولده يظهر كوكب فامضوا وقربوا له ثلاثة قرابين ذهباً ولباناً ومراً . وتكلم على آلامه وقيامته . فلا فضل للمجوس اذاً في مجيئهم لانهم لم يأتوا بإرادتهم لكن بناء على ما كان مكتوباً عندهم ، ولا فضل لبلعام ايضاً في نبوته . وقال آخرون ان دانيال عندما كان مع رفاقه أسيراً في بابل كانوا يقرأون قول يعقوب  ” لا يزول القضيب من يهوذا  … ” . وقول بلعام  ” يبرز كوكب من يعقوب ” . وقول داود  ” ان ملوك شبا وسبا يقدمون هدية ” . وقد سمع هذه الاقوال من كانوا في سبي بابل مثلهم وسألوا العبرانيين عن معانيها والى من تشير ، فقال لهم دانيال ورفاقه انها تشير الى السيد المسيح الذي سيظهر في يوم ميلاده كوكب مضيء كالشمس . فحفظ اولئك هذه الاقوال ورجعوا الى بلادهم وكتبوها متأملين فيها حتى جاء المسيح . ويقول القديس يوحنا فم الذهب ان الله قد حرّك قلوبهم وجعلهم يحملون القرابين ويتّبعون الكوكب سائرين ، مثلما حرّك كورش ليأسر اليهود . وهنا يسأل البعض لماذا أتى المجوس من المشرق ؟ والجواب لأن الفردوس موجود في المشرق ( تكوين 2 : 8 ) ومنه تشرق الشمس . ومن المشرق جاء شمس البر ( ملاخي 4 : 2 ) . ومنه تنبأ الانبياء بمجيء المجوس فقد قيل : من مشرق الارض الى مغربها اسمّي عظيم بين الأمم ( ملاخي 1 :7 و11 ) . وان مجيئه الثاني سوف يكون من المشرق . وعندما ولد ربنا كان الفرس يملكون من حدود نصيبين الى المشرق ، بينما كان الرومان يملكون من نصيبين الى المغرب . وفي ذلك الزمن جعل الله الأمن والسلام بينهم كيلا يتأخر مجيء المجوس .

 

عدد 2 : قائلين : “ أين هو المولود ملك اليهود ؟ فإننّا رأينا نجمهُ في المشرق وأتينا لنسجد له “.

اي اننا لا نطلب الملك الجالس على الكرسي ولكننا نطلب من قال عنه اشعيا : ” يكون أصل يسّى القائم رايةً للشعوب إياه تطلب الامم ويكون محله مجداً ” ( اشعيا 11 : 10 ) . نحن طالبون الذي ولد الآن وليس هيرودس . لم يقولوا أين هو ابن الله ، اذ اللبان كان اشارة عنه . ولان اليهود كانوا ينتظرون الملك والمخلص لذلك قالوا ” الملك “

وتنقسم اسماء المسيح الى ثلاثة أقسام : أعلى ، كقوله الله وابن الله والرب . وأوسط ، كقوله ملك ومخلص وسلطان . وأدنى ، كقولك رجل وابن البشر وعبد . فالمجوس دعوه ملك بالاسم الأوسط لإبتداء السياسة والتدبير . ولأن الاسمين الأعلى والأدنى كان قبولهما نادراً لذلك سألوا عن الملك لأن النبي ميخا سمّاه ملكاً بقوله : ” ومنك يخرج لي الذي يكون متسلطاً على اسرائيل ” ( ميخا 5 : 2 )  .

( رأينا نجمهُ ) تبارك الله فإنه بالكوكب جذب المجوس متنازلاً مع ضعفهم وصادهم بما كانوا معتادين عليه . وكما عرّف موت شاول بواسطة العرّافين ، وعرّف قدرته لبلعام بما عمل لبالاق . ومثلما جذب بني اسرائيل بالذبائح المحببّة اليهم كعادة الوثنين في مصر . ومثلما اصطاد الرسل بصيد السمك . وكما فعل بولس مع الوثنين اذ أتاهم بالبراهين من أقوال الشعراء . وكما يصطاد الطير بالشيء المعتاد به ، هكذا دعى المجوس بواسطة الكوكب اولاً وتكلم معهم بواسطة الملاك بعد ذلك وجذبهم . وعلى هذا النسق جعلهم خاضعين له رويداً رويداً . فالمجوس أخبرت عن ميلاده بواسطة النجم والكواكب التي كانوا يعبدونها .وكون تعالى سماوي فقد اصطادهم بالكوكب السماوي داعياً أهل بيته الى السماء ، وبه جذبهم كقول بلعام الذي سماه كوكباً ( عد 24 : 17 ) واشعيا نوراً وملاخي شمساً ( مل 4 : 2 ) وارميا شعاعاً وعدلاً وسمّى ربنا ذاته نوراً . وبواسطة الكوكب الى المسيح يرتشدون وبالشمس يستضيئون . لاجل ذلك غاب الكوكب واختفى لدى وصولهم الى حيث شمس البر . وتلك خاصة الكواكب فانها تختفي متى طلعت الشمس ولا تظهر . وهكذا بطل الكوكب ناني الذي كان يعبده الكلدانيون ويعتبرونه إلهاً بظهور كوكب الصبح المنير ربنا يسوع الاله الحقيقي الذي جذبهم الى الحق . ونقول ان الذين نادوا وبشّروا بيسوع هم ثلاثة محسوسين : الكوكب لانه سماوي . والرعاة لانه راع . والمجوس لانهُ غافر الخطايا . فبواسطة الكوكب أخبر عن لاهوته وعظمة شأن المولود . فصار المجوس والكوكب الذي كان يعتبر عندهم الهاً ومعبوداً خداماً له . وكما يطلع كوكب الصباح قبل بزوغ الشمس المحسوسة ، هكذا قبل الكوكب العقلي الغير منظور ان يكرز أمامه المنظور ليبيّن انه خالق المخلوقات ورب القديم والحديث . ففي كوكب الصباح ابتدأ بالنور اولاً ، أما هنا ففي الكوكب جذب المجوس . ولم يكن هذا كوكباً لانه نزل ووقف فوق البيت . اذ معنى قوله نزل هو انه قد ترك علوه ونزل قريباً من الموضع والا فليس بالامكان معرفة المكان . وهاهو القمر الذي هو أكبر من النجوم معلق في الفضاء فوق أمكنة كثيرة مختلفة فلا يمكنهُ أن يري مكاناً واحداً . أما هذا النجم فقد نزل وهدى المجوس الى المكان . فحقاً انه ليس نجماً طبيعياً لكنه واحد من القوات العلوية . ومن أصحاب هذا الرأي القديس كيرلس والذهبي فمه وتاودوطا أسقف انقوريا . ان الكواكب نوعان نوع ثابت في الرقيع غير متحرك . ونوع ساير على الدوام . أما هذا فكان متحركاً سائراً امام المجوس وواقفاً يعرّفهم الموضع فتارة كان يسير وتارة كان يقف . فاذاً لم يكن كوكباً . وأيضاً ان الكواكب منها ما تسير من المشرق الى المغرب . ومنها بعكس ذلك . اما هذا فقد تحرك من شمال المشرق أي من شمال التيمن للغرب أي من بلاد فارس الى أورشليم لان بلاد فارس تقع قبال بلاد فلسطين . ثم ان الكواكب الطبيعية تظهر نهاراً وتختفي ليلاً وهذا كان يظهر ليلاً ونهاراً . وهذا بعكس الكواكب التي تظهر نهاراً فقط لا سيما وان الكوكب اختفى حال دخول المجوس الى أورشليم وظهر في خروجهم . وانه كان يظهر للمجوس فقط دون غيرهم . وان الكواكب الاخرى تصحب بحرارة أما هذا فكان يضيء ولم يحرق لكونه كان بعيداً من السماء الى الارض . ثم انه كان بالاصبع يري الطريق للمجوس ونوره كان فوق نور الشمس في نصف النهار . ولهذا لا يمكن ان يكون كوكباً طبعياً . قال قوم انه قوة من قوات الله الخفية قد ظهر بشكل كوكب . وقال آخرون قولنا من انه ملاك تشبّه بالكوكب وصار مرشداً للمجوس وليس خيالاً ، وانه ليس كوكباً طبيعاً لمسيره من المشرق الى الجنوب حيث تقع بلاد المجوس في شرق اورشليم ، وأورشليم هي قبلي بلاد فارس . ولما كانوا يدخلون احدى المدن أو القرى كان يختفي وذلك لكي بالسؤال والجواب يشتهر ميلاد المسيح . ولم يعرف له زمن معيّن بل اذا سار المجوس يسير معهم وحيث وقفوا كان يقف كعمود بني اسرائيل . وقال آخرون ان الكوكب ظهر عندما ولد المسيح ، لكي يثبتوا عبادة الكلدانية . فنجاوب ضدهم قائلين ان كان المسيح قد ولد بتلك القوة التي يتوهمها المنجمون فكيف في الحال نقض وبطل الكلدانية . فمن كوكب واحد لا يُعرف مولد الانسان بل من كواكب كثيرة من الاثني عشر أو من السبعة . وهل للكواكب قوة على ان تحكم بسلطة انسان حسب ارادتها . ربما قائل يقول انهم قد حسبوا انه ملك اليهود . فنقول ان السيد له المجد قال أن مملكتي ليست من هذا العالم وانه ليس له جنود ولا عساكر ولا بيت ولا مأوى . وان اصحاب التنجيم لا يحسبون تقويم المولود من كوكب واحد لكن من السبعة الضالة التي تدعى المتحيرة الغير ملتصقة في جسم السماء وهي : الشمس والقمر واريس وهرميس وبيل وبيلاني وكرونوس . وان الاثني عشر برجاً الملتصقة في السماء هي : الحمل والثور والجوزاء والسرطان والاسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت . ويقولون ان السبعة تسير من المغرب الى المشرق والاثنتي عشرة من المشرق الى المغرب مع جسم السماء المحيط بعجلة القطب المحيطة بالارض . والارض قائمة في الوسط مثل المتانة المنفوخة في وسطها حبة الدخن . ويقولون ان هذه السبعة الضالة لأيام الاسبوع أي الشمس للاحد ، والقمر للاثنين ، واريس للثلاثاء ، وهرميس للاربعاء ، وبل للخميس . وبيلاني أو طروتيدى للجمعة ، وكرونوس للسبت . ويهذر المنجمون قائلين ان اجزاء الانسان أيضاً هي : المخ شمس ، القمر جلد ، الدم اريس ، العـروق هرمس ، العظام بيل ، اللحم بيلانس ، الشعر كرونوس . أما الاثني عشر برجاً فيقولون انها مثل الاشهر منها مذكرة ومنها مؤنثة ، وكل منها يصلح جزءاً واحداً من أجزاء الانسان بارادة الله تعالى . الحمل مذكر يصلح الرأس ، الثور مؤنث يخلق العنق ، الجوزاء مذكر يخلق الايادي ، السرطان مؤنث يصلح الصدر ، الميزان مذكر يخلق الاجناب ، السنبلة مؤنث تخلق عظام الظهر ، الاسد مذكر يخلق البطن العقرب مؤنث يخلق المثانة ، القوس مذكر ينصب عظام الافخاذ ، الجدي مؤنث يصيغ الركب ، الدلو مذكر يمد السيقان ، الحوت مؤنث يؤسس الرجلين . هذه قد كتبناها من ضلالة الكلدانيين كي لا ينقاد أحد الى ضلالهم ويتّبع كفرهم . ويقول يوليانوس الكافر ان قصة النجم ليست بصحيحة لان المنجمين لم يتكلموا عنه . فنقول من اجل أمور عظيمة ظهرت كواكب فمنها كوكب المذنب وغيره . فاذاً ليست خارج عن الرتبة ان بإرادة الله يظهر كوكب في ميلاد المسيح ويسبق يبشر بمولد مخلص العالم ، مع انه ملاك من الملائكة تشبه بالكوكب وللمجوس ظهر فقط مثل عمود بني اسرائيل . وبقولهم رأينا نجمهُ يشيرون انه خاص به لا بغيره وهو دليل مطلق للمجوس الذين أتوا ليروه ويقدموا له السجود كإله والقرابين كملك .

 

عدد 3 : فلما سمع هيرودس الملك أضطرب هو وجميع أورشليم معه .

    اضطرب ، لأنه كان من شعب غريب أعطي السلطة بغير حق من اوغسطس قيصر لذلك لما سمع خبر ميلاد المسيح أضطرب وخاف لانه ظن ان المولود الجديد يملك على الارض مثله ويقتله ويأخذ الملك منه . لقد ارتعد لكثرة المجوس وهيبة الأقانيم ولانهم سألوا في عاصمة مملكته عن ملك اليهود لا عن هيرودس . أما ان أورشليم أرتجّت بمجيء المخلص فلأنها لم ترضَ الخلاص وردّت وجهها عن المخلص . ويراد بأورشليم سكانها الذين ارتعدوا وبسبب كسلهم ما فحصوا عن مخلصهم كما فحص عنه المجوس بل كانوا يحسدونه باطناً بحيث لما سألهم هيرودس عن مكان مولد المسيح  أجابوه في بيت لحم .

 

عدد 4 : فجمع كلَّ رؤساء الكهنة وكتبة الشعب وسألهم :“ أين يولد المسيح ؟ “

    فجمع جميعهم لا البعض لئلا يختفي المكان الذي يولد فيه . فالمجوس سألوا عن الملك وهيرودس سأل الكهنة عن المسيح . فمن سؤاله المجوس وعظماء الكهنة ومما كان سمعهم يقرأون في الانبياء عن المسيح عرف انه مزمع ان يأتي وفهم انه هو الملك . ومن اضطرابه وخوفه لم يؤنب المجـوس قائلاً : ما هذا القول وكيف تنادون عن ملك آخر سواي ؟ وان كان لليهود مولود من الذي عرفكم عنه ؟ وان كنتم صادقين اروني نجمه ؟ لكنه لم يتظاهر بالبغض ولا اعلن حقداً بل اخفى ذلك في قلبه مكراً ليقتله .

 

عدد 5 : فقالوا له : “ في بيت لحم اليهودية . لانه هكذا مكتوب بالنبي :

ان اليهود لم يخفوا الحقيقة لانهم كانوا ينتظرون مجيء المسيح . فكشفوا له الامر حقاً واوردوا شهادة ميخا . وقال آخرون ان من حسدهم كشفوا الامر لكي يقتله ويعرف ذلك من انهم لم يكشفوا عن ملوك الادوميين وغيرهم بل عن ملك اليهود . وقال آخرون انهم لم يفعلوا ذلك حسداً بل كان غرضهم الحقيقي اعلان حقيقة امره لهيرودس لانهم كانوا يرغبون ان يسمعوا عن مولده . وآخرون قالوا أنهم كانوا مزمعين ان يجعلوه كاذباً بقولهم لسنا نعلم من أين انت . لهذا جاوبوا بتدبير الهي ليفضحوا ذواتهم . ومن عدد الاسابيع التي حسبها الكتبة ومن قوله لا يزول القضيب من يهوذا علموا ان مولده حاضر .

 

عدد 6 : وأنت يا بيت لحم ، ارض يهوذا لست الصغرى بين رؤساء يهوذا ، لان منك يخرج مدبرٌ يرعى شعبي اسرائيل “.

( أنت يا بيت لحم … الخ ) أي تتعظمين وتتبجلين وتأتي الشعوب من أقاصي الارض ليروا المذود والمغارة التي فيها ولد .

( يرعى شعبي اسرائيل ) يريد بشعب اسرائيل هنا الذين يؤمنون من الشعب والشعوب كقول بولس ” ليس كل الذين من اسرائيل هم اسرائيليون ” ( رو 9 : 6 ) . فاذاً بقوله هذا يريد بالشعوب ولم يشهرهم من الابتداء كي لا يرتاب اليهود . وانه وان تكن النبوة اثبات ان المسيح يولد في بيت لحم الا انه كان يتردد في الناصرة . ففي الناصرة حبل به وفي وقت مولده صعدت امه الى بيت لحم وبعد ان مكث أربعين يوماً جيء به الى الهيكل وهناك حمله سمعان على ذراعيه وبشرت حنة النية . واذ لم يعرفه اليهود اختفى في الوسط وبعد سنتين ظهر الكوكب وارشد المجوس اليه فسجدوا له ولكي لا يقول اليهود اننا لا نعرف متى ولد . على ان النبوة لم تقل انه يتربى في بيت لحم بل يولد فيها وقد تمت النبوة اذ ولد يسوع في بيت لحم وقال اليهود ذلك لهيرودس الا انهم لم يذكروا بقية الآية وهي ( مخارجه منذ القديم ) اما لعدم فهمهم معناها أو لانها ما كانت خارجة عن سؤال هيرودس أو لانهم ارادوا ان يتملقوا هيرودس ويكتسبوا مودته فتركوها . وقد زعم اليهود ان هذه النبوة هي عن زربابل وقد فسرها بعض كهنتهم كذلك . على ان قول النبي ومخارجه منذ القديم أي منذ الازل يكذب زعمهم فان هذا القول يدل على ان المراد به هو قديم الايام الاله الازلي لا على زربابل ولا على غيره . لان زربابل ليس من البدء وليس من بيت لحم بل في بابل حبل به وفيها ولد أيضاً ، وكما يدل على ذلك اسمه ، كقول القديس يوحنا ان الاسم هو سرياني مركب من ( زرع بابل ) وكل من له المام باللغة السريانية يعرف ذلك .

 

عدد 7 : حينئذ دعا هيرودس المجوس سراً ، وتحقق منهم زمان النجم الذي ظهر .

    أن هيرودس أراد ان يتحقق الامر سراً . أولاً ، لانه كان يخجل من المجوس ان يعرفوا جنسه ابن من هو من اليهود . وثانياً ، لكيلا يفهم اليهود انه يسأل عنه بغضاً منه ، ولظنه ان اليهود يعنبهم أمر الصبي جداً . ثالثاًً ، لكي لا يشعر أبواه فيهربونه . رابعاً ، حتى لا ينفضح غش قلبه . فسأل عن النجم متظاهراً لا عن مولده ، اذ فكر في نفسه انه اذا سأل عن زمن مولده فربما ظن اليهود انه يريد قتله فيخفونه ، ولهذا سأل عن النجم حتى يحسب زمان سنه ويقتل صبيان بيت لحم فيكون المسيح من ضمنهم . وقد كان من اللائق ان يعتبر ظهور الكوكب ومجيء المجوس للسجود له وكلام النبّوة الصادقة والغير ممكن ابطالها أو تغييرها بدل من ان يرتجف ويعمد الى قتله ظلماً لكن الحسد يعمي البصاير فلا تعود ترى الواجب أو تعرف الحق وتتبعه .

 

عدد 8 : ثم أرسلهم الى بيت لحم وقال : “ اذهبوا وافحصوا بالتدقيق عن الصبي . ومتى وجدتموه فاخبروني لكي آتي أنا أيضاً واسجدَ له  “.

    ان المجوس قالوا عن المولود انه الملك . ولكن هيرودس من حسده لم يسمّه ملك ولم يحتمل ان يدعوه باسمه بل دعاه صبي ، وبقوله آتي وأسجد له ، هو حيلة ثعلبية ومكر شيطاني حتى يحمل المجوس على تصديقه والرجوع اليه بدعوى أخبـاره ليذهب ويسجد له . والحقيقة انه كان بذلك يريد معرفة محله بالتدقيق لكي يتمّم أمله الرديء . وقد قال البعض ان هيرودس زودهم بالعطايا ووعدهم بمثلها اذا رجعوا . أما المجوس فما ظنوا فيه سوءاً .

 

عدد 9 : فلما سمعوا من الملك ذهبوا . واذا النجم الذي رأوْه في المشرق يتقدمهم حتى جاء ووقف فوق ، حيث كان الصبي .

    لما وصل المجوس أورشليم اختفى النجم لئلا يشعر به اليهود ويعرفون النبوة ويفتشون عليه . ولما ذهبوا من عند هيرودس وأخذوا في المسير ظهر النجم وتقدمهم وابتدأ يرشدهم . وقد قال قوم ان عدم ذهاب أحد من المجوس معهم هو بغضهم له . ولكن هذا باطل لانه من العادة ان كل جديد يدعي الالتفات والنظر اليه ولو كان غير محبوب للانسان او غير مفيد له . لكن العناية الالهية قد منعتهم ، لانه لو ارشدهم انسان لكان الكوكب زايداً ومنفعته باطلة لكن الذي ابتدأ هو يكمل . ثم لكي لا يصير الشعب هادياً أو مرشداً للشعوب بل حسب النبوة يكون الشعوب مرشدين للشعب ( أش 11 : 10 ) هذا وما زال الكوكب سائراً أمامهم ( حتى جاء ووقف … الخ ) اي حتى وقف فوق حيث كان الصبي كأنه يشير اليهم انه في هذا المكان . أولاً ، لكونه لم يولد في مكان مشهور . ثانياً ، حتى يسجد لسيده الموجود في البيت لاجل ذلك وقف فوق البيت . كقوله سبّحوه أيها الكواكب والنور وكل المخلوقات يقدمون له المجد .

 

عدد 10 : فلما رأوا النجم فرحوا فرحاً عظيماً جداً .

    فرحوا اذ وجدوا امنيتهم ولم يذهب تعبهم باطلاً والتبشير كاذباً . واما ما كان من أمر الكوكب بعد ذلك فالبعض قالوا انه انطلق الى القرية البعيدة من بيت لحم المسمّاة قبلاً كوكب ، نبوة عن هذا الكوكب معقولة ، لانه ان كان بيت لحم الذي معناه بيت الخبز سبق ودلّ على الخبز الحي الذي هو كلمة الله ، فلا غرابة اذا دلّت عليه القرية المدعوة كوكب . أما نحن فنقول انه ملاك ملتحف بشكل الكوكب صعد للسماء بعدما كمّل خدمته ووقف في رتبته .

 

عدد 11 : واتوا الى البيت ، ورأوا الصبي مع مريم امه . فخروا وسجدوا له . ثم فتحوا كنوزهم وقدموا له هدايا : ذهباً ولباناً ومرّاً .

    فبقوله دخلوا للبيت لا للمغارة وصبياً لا طفلاً في المذود اعلن انه كان ابن سنتين . والمجوس لم يرتابوا اذ رأوه صبياً متجرداً متواضعاً ليس له مجداً ككوكبه وذلك لعظم امانتهم وشهادة عظماء الكهنة والنبوات المقولة عنه التي سمعوها من الكتبة ومن ضجة واضطراب أهل اورشليم .

( فخروا ساجدين له ) اضاء لاهوته عليهم وجعلهم يسجدوا له وأذنت رؤية الكوكب المرشد بالسجود له ، فسجدوا له بالقلب لا بالجسد فقط . فالرؤية أثرت فيهم وجذبتهم الى الندامة ، والمعرفة زادتهم فرحاً .  ان داود تنبأ قائلاً : ملوك شبا وسبا يأتون بالقرابين . وقال يعقوب أبو الاسباط : وله يكون خضوع شعوب . فكيف لم يقل أولاً امضوا تلمذوا كل الشعوب لكن اخيراً ؟ لكي تتم نبوات الأنبياء من ان الشعوب يسبقون الشعب ولأن اليهود رفضوا الارشاد والمعونة فابتعدت عنهم الى الشعوب .

( ثم فتحوا كنوزهم ) يعني كانت مختومة داخل صناديق لان عادة الملوك يختمون الهدايا المرسلة الى ملك آخر .

( وقدموا له هدايا … الخ ) اي كالمعتاد عندهم . فقدموا له لباناً لانهم كانوا يقدمون اللبان لآلهتهم والذهب لملوكهم وبالمر يحنطون موتاهم . ولكونهم عرفوا انه إله وملك ومزمع ان يتألم ويموت لهذا قدموا له هذه الانواع الثلاثة . الذهب ، دلالة على انه ملك . والمر ، دلالة على موته . واللبان ، دلالة على الوهيته . والذهب يشير ان السجود امام الذهب راجع لخالقه والمر واللبان يدلان على انه طبيب يشفي جروحات آدم . وقد قيل ان له تجثوا كل ركبة في السماء وعلى الارض وما تحت الارض . وتقديم هذه القرابين الثلاثة كان الهام الهي . فبالذهب تعرف سجدة السماويين لانه سماوي وبواسطة اللبان سجدة الارضيين لانه ملكهم وبواسطة المر للذين تحت الارض لأنه مبعثهم وسيدهم . ثم ايضاً بواسطة الذهب لطهارة الامانة وشرفها . واللبان للرجاء الثابت به له المجد ، فانه منعش برائحته ، دلالة على ان المسيح رائحة حيوية للمؤمنين به . وبالمر شبهها للمحبة التي هي رباط الامانة التي تربط وتشد اعضاء الكنيسة كالمخصوص بالمر والبلسم . وأيضاً الذهب هو ملك كل المواد الغير المحسوسة فالواجب ان يهدى لملك المحسوسين والغير محسوسين . والذهب وحده معدنه لا يقبل الصدء والنقص بخلاف غيره من المعادن . وهكذا سلطنة يسوع لا تنقص ولا تزول كما هو مكتوب . وأيضاً بالذهب أشار عن طهارة جسده انه لم يعمل اثماً ولا غشاً . وبالمر أنبأ عن آلامه اذ حنط جسده بمئة رطـل مر . قال داود النبي ” بالمر والميعة والسـليخة ثيابك مطيبة ” ( مز 45 : 8 ) وباللبان عرف انها رائحة طيبة بالمسيح . وقد قربوا الذهب أولاً كرئيس وبدائة جميع الاشياء الغير محسوسة . وباللبان لجميع الاشجار . بل عن الطيب الذي مزمع ان ننال من ربنا . وبواسطة المر لجميع المطايب . فيشير عن صعوبة وعسر وصاياه كقوله ما اضيق الباب واكرب الطريق . ثم نقول من اين عرف المجوس ان يجلبوا هذه الهدايا . قيل ان آدم كان قد وضعها في مغارة الكنوز وانه كان أوصى شيت ابنه ليحملها الى هناك محفوظة حتى اذا ظهر المسيح يأتي المجوس ويقربوهم له وهذا الرأي غير مقنع للعقلاء . وقال آخرون انهم من الكوكب عرفوا ان المولود إله وملك ومزمع ان يموت فيجب ان يذهبوا ويقربوا له ذهباً ولباناً ومراً . ويعترض يوليانوس الكافر قائلاً للمسيح تقدم لباناً . لماذا انتم تبخرون بكنائسكم بخوراً ساذجاً ؟ نقول ان المسيح لم يطالبهم بتبخير اللبان لكن هم باختيارهم قربوا كالعادة المعتادة عندهم . أما هو فقبل منهم لا لأنه محتاج الى الهدايا والهبات لكنه ناظر الى غرض المقربين بسريرة خالصة وبنية صالحة . أما نحن فنبخر البخور في الهياكل ليتلذذ المؤمنون بدخولهم الى الهيكل . ويشعرون برائحة المسيح الذكية ومفعول الصلوات القلبية فانها تصعد كالبخور قدامه كما قال النبي ( مز 142 : 2 ) . ويسأل البعض ماذا جرى بتلك القرابين . نقول ان يوسف ومريم حملاها معهما الى مصر لانها لم تكن كثيرة . وليس لكثرتها تقدمت لكن لاجل الاسرار المنطوية في معانيها . وان الله لم ينظر للكثرة لكن لنية وغرض المقربين كفلسين الارملة .

 

عدد 12 : ثم اذ أوحي اليهم في حلمٍ ان لا يرجعوا الى هيرودس ، انصرفوا في طريق اخرى الى كورَتهم .

الهرب الى مصر

( ثم اذ أوحى اليهم في حلم ) . لم يرتابوا من جهة الحلم ولا قاوموا صوت الله بل خضعوا لرمز الباري . فمخصوص بالامانة عدم التفتيش . قال قوم ان الله أظهر لهم في الحلم ان هيرودس مستل السيف يريد قتل الصبي والقديس يوحنا يقول ان ملاكاً ظهر لهم في الحلم وقال لهم ان لا يرجعوا الى هيرودس فهو ارشدهم وأخذهم الى كورتهم في طريق أخرى . ولماذا امروا ان لا يرجعوا الى هيرودس ؟ قال قوم لكي لا يعرفوا خبث ضميره وانه كان يريد قتل الصبي لا السجود له . وقال آخرون لكي يصير ليوسف ومريم فرصة ليهربا الى مصر . اذ لو رجع المجوس اليه حالاً لكان هيرودس اتمّ رغبته وقتل الاطفال ولما تمكن يوسف ومريم من الهرب

( انصرفوا في طريق أخرى الى بلادهم ) . وهذا كان الهاماً من الله سبحانه تعالى حتى يكرزوا للشعوب الاخرى الغير عارفين والشعوب الذين لم يعرفوا بمجيئهم فبذهابهم اعلموهم وهم ينادون باسم يسوع . لانهم اذا كانوا في البلاد الغريبة نادوا به مثل مناداتهم عند هيرودس فكم بالاحرى في بلادهم .

 

pastedGraphic.pdf

الهرب الى مصر

عدد 13 : وبعدما انصرفوا ، اذا ملاك الرب قد ظهر ليوسف في حلمٍ قائلاً : “ قم وخذ الصبي وأمه واهرب الى مصر وكن هناك حتى اقول لك . لأن هيرودس مزمعٌ ان يطلبِ الصبي ليهلكه  “ .

    لم يقل له خذ الصبي وامرأتك ليبين انه بالقداسة كان ساكن معها بعد الميلاد أيضاً وليعلمه ان ليس بالامكان الدنو منها . فانها لما كانت حبلى دعاها امرأته وهو على يقين انه غير ممكن الدنو منها لان القدوس حلّ فيها ولينفي عنها ظن الفجور اذ لو كانت فاجرة ” لا سمح الله ” لما دعاها امرأته . فهنا بيّن ان أمانة يوسف لم تكن اقل من أمانة المجوس . فتارة يقول له انه يخلص شعبه من خطاياهم . وطوراً يقول له خذ الصبي واهرب الى مصر اما يوسف : فلم يقل للملاك كيف قلت انه يخلص شعبه والآن تقول اهرب به فالذي لا يستطع ان يخلص نفسه فكيف يستطيع ان يخلص غيره . لكن لكثرة امانته ما شكّ ولا تردّد . يقول البعض ان الذي هرب من وجه هيرودس لم يكن إله بل كان انسان . فنقول انه لم يهرب من هيرودس لانه لو اراد الهرب لهرب مع المجوس او اختفى في البلاد الموجود فيها كما عمل مراراً كثيرة . منها يوم ارادوا ان يمسكوه وجاز في وسطهم وعبر . وكيف يهرب الذي اخرج لجيئون وطرد الشياطين واسكت البحر ورد الصالبين على اعقابهم وغير ذلك . فاذاً لم يهرب من الضعف لكنه قبل عليه التجرد البشري للسياسة والتدبير . كما قال جل شأنه : ” اني ندمت لخلقتي الانسان ” ( تك 6 :7 ) ولاني عملت شاول ملك ( اصم 15 : 11 ) مع كونه تعالى لم يندم قط . وقد قال لكنيسة اليهود قد خطبتك لنفسي بالعدل ( هو 2 ك 19 ) والله لم يخطب . كذلك قال الكتاب انه هرب . اذا لم يهرب الله البريء من هذه الاوصاف ولم يتحول من مكان الى آخر وانما يطلق عليه القول بما قد صار انساناً ولاجل السياسة ، كي يصير في مصر ما صار في بلاد الفرس برجوع المجوس . فانه لما دخل مصر سقطت الاصنام كلها وتكسرت ( اش 19 : 1 ) فالشعوب الذين كانوا أكثر من كل الامم عائشين بالضلالة علمهم أولاً . أما الفرس فبواسطة الكواكب واما المصريون فقد ذهب بنفسه ثانيةً ليتمم النبوة المقولة عنه من مصر دعوت ابني ( هو 11 : 1 ) وها هو الرب راكب على الغمامة السريعة السيران ويدخل الى مصر ( اش 19 : 1 ) رابعاً لكي لا يغصب حرية هيرودس ويظلم خلقته الاولى . وليصير ميلاده مشهوراً عند كل الناس باضطراب هيرودس وقتل الاطفال اذ يسألون ما هو السبب . يعلمون انه من أجل المسيح المولود وسياسته العجيبة . فان كان منذ هو في المهد تبعته التجارب . فلا نحزن نحن متى اصابنا شيء منها . ان الله ارسل المجوس عاجلاً لكي يصيروا مبشرين في البلاد الغريبة وفي بلادهم أيضاً . بل لكي يهدىء جنون هيرودس ويعلمنا ان لا نقف ضد الامور التي تفوق طاقتنا . لانه لو لم يهرب لكان قتل او ضرب بالسيف ولم يقتل . على انه لو قتل ما كان قتله خيراً كون السياسة لم تكمل بعد . وكقوله لم تأت ساعتي بعد ( يو 2 : 4 ) ولو ضرب ولم يقتل ما آمن الناس انه لابساً جسداً . لانه قد عمل انسانيات كثيرة . فتجاسر كثيرون قائلين انه لم يكن لابساً جسداً . فكيف لو عمل اعماله كما يليق بلاهوته . وان قال قائل ان كثيرين من الشهداء ما عملت فيهم السيوف ابداً واطفال بيت حاننيا أطفأوا النار حقاً يقيناً لا خيالاً . فنقول ان أولئك بعد ما تحقق انهم بشر عملوا ما عملوا وشرفهم راجع الى القوة الالهية . أما الله الكلمة فانه بعد ما تحقق انه تأنس عمل العجائب . أما وهو صغير فانه لم يصنعها ، لئلا يظن خيالا ً ولاجل ذلك هرب الى مصر وقيل له

( وكن هناك حتى اقول لك ) لم يضع لزمان هربه حداً . لكونه خارج عن الحد . كما جعل ايليا النبي بالسماء قائلا حتى اقول انا ( امل 81 : 1 ) . وقد بين بذلك ان كل اعماله كانت بروح الله تعالى

( فان هيرودس مزمع ان يطلب الصبي ليهلكه ) يعني ليس ليسجد له حسب قوله الغاش بل ليقتله . أما يوسف فلم يتشكك ههنا لكنه ذكر رؤيا الملاك ومجيء المجوس وغير ذلك . وبأمانة اطاع امر الملاك .

 

عدد 14 : فقام واخذ الصبي وأمه ليلاً وانصرف الى مصر .

    قال قوم انهم في تلك الليلة عينها هربوا . ولم يكن لهم شيء ولا حمار لان الحمار كان محفوظا لدخول أورشليم . آخرون قالوا انهم ما كانوا يقتنون شيئاً غير قرابين المجوس وآلة صناعة يوسف النجار . أما مريم فلما سمعت حملت الصبي على كتفها وخرجت ماشية في الطريق واوصت يوسف ان يستأجر حماراً ويأخذ ما كانوا يقتنونه ويذهب وراءها . وآخرون قالوا انها مضت الى مصر معذبة اذ خطر ببالها قتل الاطفال بقساوة قلب من فرعون الكافر . لهذا السبب لزم خطيب لمريم لكي يكون معين لها .

 

عدد 15 :  وكان هناك الى وفاة هيرودس . لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل “ من مصر دعوت ابني “  . 

    يقول اليهود ان هذه الآية قيلت عنا نحن المدعوين من مصر اذ قد جرت عادة النبوة ان تقول قولاً لبعض الأشخاص وفي غيرهم يكمل القول فقد قال يعقوب : شمعون ولاوي سأفرقهم في يعقوب وابددهم في اسرائيل ( تك 49 : 7 ) ولم يكمل القول فيهم بل في بنيهم . وقول نوح لكنعان كُمل في الجبعونيين لا في بني كنعان . وقول اسحاق ليعقوب كن كبيرا لاخوتك ( تك 27 : 29 ) قد كُمل في المسيح لا في اسرائيل . ونزول بني اسرائيل الى مصر وصعودهم منها دليل على نزول ربنا اليها وصعوده منها . واسرائيل دعي ابن الله كقوله ابني البكر اسرائيل ( خر 4 : 22 ) فهذا الاسم كان انعـاماً عليهم لكنهم حرموه بسجودهم للبعل . ويوحنا دعاهم اولاد الافاعي ( مز 3 : 7 ) وربنا دعاهم اولاد الشيطان . اما متى فانه لما رأى سيدنا قد دخل الى مصر وخرج منها قال من مصر دعوت ابني فكملت النبوة في شخص المسيح لا في اسرائيل . ولم يقل الملاك لمريم انا انزل واصعد معكم . لان قوة الصبي كانت تكفي لحماية الجميع لانه إله قد تجسد ولم يتغير . واذ هو خالق الازمنة صار تحت القامة والزمان .

 

عدد 16 : حينئذ لمّا رأى هيرودس ان المجوس سخروا به غضب جداً . فأرسل وقتل جميع الصبيان الذين في بيت لحم وفي كلّ تخومها ، من ابن سنتين فما دون ، بحسب الزمان الذي تحقّقه من المجوس .

غضب لانهم لم ياتوا ويخبروه عن الصبي لكنهم استخفوا به . ولم يعرف انهم قد علموا غش قلبه المخفي . وغضبه على المجوس سكبه على الاطفال الودعاء

( فقتل كل صبيان بيت لحم وجميع تخومها الخ ) قتل الاطفال لكي يقتل معهم المسيح لانه لم يكن يعرفه . وقتل صبيان بيت لحم وجميع تخومها لكي لا ينجو المسيح من القتل لانه فكر ربما قد هربوه الى احدى القرى المجاورة . وقوله ” كلهم ” بيّن انه لم يبقِ منهم أحد وبقوله ” ابن سنتين ” لأنه سأل المجوس فأجابوه انه منذ سنتين ظهر لهم الكوكب كقول القديس أفرام واوسابيوس : انه في السنة الثانية لميلاد ربنا أتى المجوس . وقال القديسان يوحنا وكيرلس ان النجم ظهر قبل ميلاده بسنتين وهم ابطأوا في الطريق ومع وصولهم ولد مخلصنا وسجدوا له وهو مقمّط ومضطجع في المذود . وكيفما كانت الآراء فان قول الانجيلي صحيح . اذ يقول حسب الزمان الذي تحقق فمنهم من قتل وهو مستيقظ . ومنهم وهو نائم . ومنهم والثدي في فمه . ومنهم في المغتسل . ومنهم من خطف من حضن امه وقتل واغتسلت الامهات بدماء أطفالهنّ وكان يسمع من الوالدات نحيب وولولة وبكاء مر ونواح عظيم مع ضجيج في الفضاء . اذ لم يخل بيت من قتيل ومن صوت الخصومات وضجة السائلين عن سن الاطفال . واذا سأل البعض عن عدد الاطفال والصبيان المقتولين فنقول ان هذا غير معلوم . لكن بعض أهل السفسطة يقولون ان هيرودس أرسل أربعين رئيس مئات ومع كل رئيس اربعين سيّافاً وكل واحد قتل أربعين طفلاً . فالقاتلون خمسة آلاف وستمائة والمقتولون اربعة وستون ألف وهذا ليس بصحيح . وأيضاً مكتوب ان الصحيح هو مئة وأربعة وعشرون ألفاً . يسأل البعض لماذا تغافل ربنا بقتل الاطفال ومن السبب في قتلهم أهو أم هيرودس ؟ والجواب ان المسيح لم يكن السبب في قتل الاطفال بل هيرودس هو السبب في قتلهم . وكما ان داود لم يكن سبب قتل الثمانين كاهناً الذين قتلهم شاول بل شاول نفسه . وكما ان ايليا ليس السبب في قتل رئيسي الخمسينين والذين معهما بل الذي أرسلهما . ونقول ان بطرس سبّب قتل الحراس كذلك المسيح سبّب قتل الاطفال . فخباثة الملك هي سبب قتل هؤلاء وأولئك . بحيث لو رأى هيرودس الحيطان منقوبة والابواب مغلقة لكان قتل الحراس واجباً . لكن لما كان كل شيء في مكانه فمن الواجب أن يسجد لصانع العجائب لا ان يقتل الحراس . أن الله تعالى أراد رجوع الملك لا هلاك الحراس . كذلك الحال هنا فان مجيء المجوس وجمع الكتبة وشهادة النبوات انما كان ليخلص هيرودس ليؤمن لا ليقتل الاطفال . يسأل البعض لماذا سمح الله بقتل الاطفال ؟ الجواب قال قوم لكي ينتشر خبر ولادته في كل مكان . وقال آخرون لكي تكتمل النبّوة القائلة صوت سمع في الرامة ، وهذا التفسير بعيد عن الحقيقة . والارجح لكي لا يصيروا مثل آباهم يشتركون بالدم الذكي لاجل ذلك نقلهم . وحتى يرثوا الملكوت الموعود بها والمعدومة من الوارثين وليدخلوها في مجيئه الثاني. ونقول ان ما نقاسيه من الآلآم هو لسببين : اما لاجل خطايانا أو لنرث الحياة . ويعرف هذا من قول بولس عن ذلك الزاني : ” سلموا هذا بالجسد للشيطان لكي يحيا بالروح في يوم ربنا ” ( ا كو 5 :5 ) . و أمر داود ان لا يقتل شمعي لما شتمه ( 2 صم 16 : 11 ) بل قال : ” للرب انظر تعبدي وتعبي واغفر لي كل خطيتي ” ( مز 25 : 18 ) . فاذاً لا خسارة للذين يحتملون بصبر الشدائد الآتية عليهم من الله تأديباً ، وان كانت من الشيطان لاجل خطاياهم حينئذ ، لاجل قبول الاجر والمكافأة ، يكفي برهاناً على ذلك أيوب الصديق . فالاطفال بالشكل الاخير قتلوا لياخذوا الملكوت أجرهم . يسأل البعض عن أية خطية قاصص الله الاطفال مع انهم لم يرتكبوا خطية . فنقول يكفيهم المكافأة عوض القتل . فما غصب حرية هيرودس لان الحرية موهبة جسيمة أعطيت للانسان أن يفعل ما يشاء والله لم يرجع بموهبته . اعتراض ، ان الاطفال لو بقوا احياء لتشرفوا بهذا العالم رابحين الآخرة . ورداً عليه نقول ان الله لو عرف انهم يصيرون فاضلين لما سمح بموتهم لكنهم مضوا طاهرين ناجين من الشرور وهم شهداء ومقتولون لاجل المسيح . فعماد القتل قام مقام العماد بالماء . فكيف يدعون شهداء اذ قتلوا بلا معرفة وبغير ارادة . نقول بالنوع الذي يقبل به الاطفال العماد لينالوا المنحة بلا معرفة ولا شك في قبولهم المنح . هكذا لا شك في استشهاد هؤلاء لانهم قتلوا لاجل المسيح .

 

عدد 17 : حينئذ تمّ ما قيل بارميا النبي القائل :

عدد 18 : ” صوتٌ سمع في الرامة ، نَوحٌ وبكاءٌ وعويلٌ كثيرٌ . راحيل تبكي على أولادها ولا تريد ان تتعزى،  لانهم ليسوا بموجودين ” .

    قال ارميا النبي هذا نيابة عن الشعب الذي سبي الى بابل . وقيلت من راحيل عن سبط بنيامين ويهوذا . اما متى فقد استعملها بياناً عن قتل الاطفال . وقال آخرون ، ونحن لهم تابعون ، ان ارميا قد اشار بها عن الاطفال وهذا واضح من القول الآتي : اسكتِ يكفيك بكاء أجرة دموعكِ ليست هالكة . ان المسبيين الى بابل أجرة دموعهم هالكة لانهم قد سبوا لاجل خطاياهم ، أما الاطفال فلأنهم قتلوا ظلماً فأجرهم باق ومحفوظ عند المسيح . فقد صار معلوماً ان ارميا تنبأ عنهم . والرامة كانت لبني بنيامين أولاد راحيل كما ان بيت لحم لبني يهوذا أولاد ليئة . ولان الرامة لبني بنيامين لذلك تحسب قرية امه . واذا كانت راحيل قد ماتت قبل ذلك بزمان كبير لماذا يسمي الاطفال بنيها . ان ذلك حسب عادة الكتاب والطبيعة . فكما ان جميع الناس يدعون أولاد آدم . والاسرائيليون دعوا ببني اسرائيل . ولان الاطفال بنوا الرامة لذلك دعوا أولاد راحيل . يتساءل البعض اذا كان الاطفال المقتولون هم من بيت لحم والرامة أي اولاد ليئة وراحيل . فلماذا خصص البكاء لراحيل والصوت للرامة فقط . قال قوم ان النبي قد رأى ان اطفال الرامة المقتولين هم اكثر من اطفال بيت لحم لذلك ذكر راحيل والرامة . قال آخرون ان راحيل دفنت ما بين الرامة وبيت لحم . لذلك خصص البكاء براحيل والاطفال نسبوا لها . والرامة هي نصيب بنيامين ابنها وبيت لحم بقرب قبرها . وقال آخرون انه مثل ذلك مثل رجلين يأتيان الى الحاكم الواحد مستوجب الموت والآخر غير مستوجبه والمستوجب ساكت والبري يصرخ ويولول . كذلك ليئة وبيت لحم فيهما وبالقرب منهما ولدوا . أما راحيل والرامة فلم يولدوا فيهما . ولاجل ذلك خصص البكاء بهما لانهما غير مستوجبين الموت ولأنهما مظلومتان . ورب سائل يسأل لماذا أطلق البكاء على راحيل وترك يعقوب ما دام الاطفال لهما معاً . فقال قوم انهما كانا ولدي رجل وامراة لذلك أطلق البكاء على راحيل وحدها . على أنهم ان كانوا أولادهما معاً فقد كان من الواجب اطلاق البكاء عليهما معاً . وقال آخرون انهم في احضان امهاتهم قتلوا ، أما آباءهم فلم يكونوا حاضرين لذلك نسب البكاء لراحيل . آخرون قالوا لان حنان الامهات يفوق حنان الوالدين وايضاً لان راحيل ماتت وهي تلد والاطفال قتلوا وهم يولدون . قال صموئيل لشاول هوذا ثلاثة رجال يلاقونك في صلصح بجانب قبر راحيل في تخوم بنيامين ( اصم 10 : 2 ) وراحيل مقبورة على مسافة فرسخ من بيت لحم وربما دفنوا الاطفال عند قبرها .

( وقد ابت ان تتعزى ) اولاً لكثرة المقتولين ثانياً لانهم قتلوا ظلماً بلا رحمة ولا شفقة .

 

العودة من مصر الى الناصرة

عدد 19 : فلما مات هيرودس ، اذا ملاك الرب قد ظهر في حلمٍ ليوسف في مصر 

من هنا حل الغضب عليه . قال اوسابيوس ان يوسيفوس كتب عنه قائلاً : انه ابتلي بمرض الآكلة والدود وضيقة التنفس حتى نتن جسمه . قيل انه في حال مرضه الشديد قتل امراته وبنيه الثلاثة ثم وهو في الحمام انقلعت عينيه . وهكذا خرج من  هذا العالم شقياً

 

عدد 20 : قائلاً : قم وخذ الصبي وأمه واذهب الى أرض اسرائيل ، لأنه قد مات الذين كانوا يطلبون نفس الصبي .

    لم يقل له اهرب بل امض . ليبين انه يستريح بعد التجارب اذ قد زال ما كان يخشاه

( نفس الصبي ) قال نفسه . ضد الذين يقولون انه ما أخذ نفساً . لكن اللاهوت قام بمقام النفس .

 

عدد 21 : فقام وأخذ الصبي وأمه وجاء الى أرض اسرائيل .

عدد 22 : ولكن لمّا سمع ان ارخيلاوس يملك على اليهودية عوضاً عن هيرودس أبيه ، خاف ان يذهب الى هناك . وإذ أوحي اليه في حلمٍ ، انصرف الى نواحي الجليل .

    فقام وأخذ الصبي من دون تردد . وكان خوفه أولاً من اراكيلاوس فربما قد ورث العداوة مع السلطنة بقتل الاطفال . ثانياً خاف من أمهات الاطفال فانهنّ اذا رأين الصبي يتذكرون اولادهنّ المقتولين لاجل يسوع فيقتلوه ويشتكون عليه امام اراكيلاوس فيقتله . ولم ترجع اليصابات أيضاً الى أورشليم خوفاً من اليهود حتى كملت حياتها . فكيف يقال ان اراكيلاوس ضبط اليهودية اذ كانت رئاسة اليهودية لبيلاطس ؟ نقول ان هيرود س لم يمض على موته كثيراً والمملكة لم تكن قد انقسمت بعد الى اجزاء ، لذلك عند موته ملك ابنه مكانه اي عوض هيرودس ابيه لكي يميزه من هيرودس الآخر غير ابي اراكيلاوس . انطيفاطروس العسقلاني ولد هيرودس قاتل الاطفال . وهذا ولد تسع بنين من سبعة نساء وهذه اسماؤهم .

انطيفاطوس . الكسندروس . ارسطبلوس . هيرودس . ارشلاوس . هيرودس . هيرودس . فيلبوس . وفاسيلا

 فالاربعة يتفقون في الاسم الواحد الاول حبر بيت الاصنام في عسقلان مدينة الفلسطينيين وهذا ولد انطيفطروس الذي اسره الرومان وتخلّق بعوائدهم وانطيفطروس ولد هيرودس قاتل الاطفال . وهذا ولد هيرودس رئيس الربع قاتل يوحنا واخوته وفي أيامه تألم المسيح . وهو ولد هيرودس المعروف اغريباس الذي لبس ثياب السلطنة ومذكور خبره في الابركسيس . قال يعقوب الرهاوي انه خمسة دعوا بهذا الاسم . قاتل الاطفال من دوسيه امرأته ولد انطيفطروس المسمى باسم جده . ومن مريم الملكة ابنة اخي اورقانوس الملك ورئيس الكهنة ولد الكسندروس واريسطوبولوس وهؤلاء قتلهم أبوهم ولامهم لانهم تشاوروا على قتله وعصوا عليه . ومن مريم غير تلك ابنة رئيس الكهنة ولد هيرودس ومن ملتاقي السامرية ولد ارشلاوس هيرودس انطيفاوس . ومن فلاوفطرا الاورشليمية ولد هيرودس . ومن فالاسد ولد فاسال . هؤلاء هم أولاد هيرودس الاول . وهيرودس المدعو انطيفاوس قاتل يوحنا هذا نفاه مع امرأته كايوس يوليوس قيصر الى اسبانيا وهناك مات مع ايروديا امرأته . وهيرودس اخو فيلبس من أبيه وأمه . صار ملكاً  في قنصرين . اذ صار صهر برنيقي عمته . اما هيرودس اغريباس الذي مات في قيسارية فليس هو ابن هيرودس الاول ولا ابن رئيس الرابع . لكنه ابن اريسطوبولوس الذي قتل ابن هيرودس الاول . وارشلاوس لم يخف من الملك المولود مثل أبيه . أو لانه ظن انه قد قتل مع الاطفال او خوفاً لكي لا يعرض له مثل والده لنظره الميتة الشنيعة .

    فاذا كان يوسف خاف ان يمضي الى اليهودية لتسلط اركيلاوس . لماذا لم يخق من الذهاب للجليل لتسلط هيرودس عليه . لكن لسبب تغير المكان كان يخفي الامر . لان الغضب كله كان على بيت لحم وتخومها .

 

عدد 23 : وأتى وسكن في مدينة يقال لها ناصرة . لكي يتم ما قيل بالانبياء : “ انه سيدعى ناصرياً “ .

    جاء ليسكن في بلدته ليبتعد من الشر ولكي يتسلى . فالملاك أمره ان يسكن فيها لتكمل النبوة انه يدعى ناصرياً . ان متى قال ذهب من بيت لحم الى مصر . ولوقا قال الى أورشليم ومن اورشليم الى الناصرة . فالاثنان صادقان لكن قول لوقا أقدم لانه مكث في بيت لحم أربعين يوماً بعد ولادته . وبعد ذلك مضى الى اورشليم وقرّب القرابين وحمله سمعان . ومن أورشليم ذهب الى الناصرة . وفي آخر السنة جاء الى اورشليم ثم رجع للناصرة . وفي تمام السنتين من الناصرة لاورشليم ومنها الى بيت لحم وهناك سجدت له المجوس ومنها ذهب الى مصر كما قال متّى . اما لوقا قد اخبر عن مولده وما جرى في الميلاد وعن الصعود لاورشليم . وفي كمال أيام التطهير ولما كمل ما في الناموس ذهبوا للناصرة . ومتّى يذكر ان المجوس جاؤوا ووجدوه في بيت لحم . وبعدما ختن وقدم القرابين وتمت له سنتان . فعند ذلك قيل ليوسف ان يذهب الى مصر فذهب وبعد ان مكث فيها ثلاثة سنين رجع الى الناصرة . فمن هنا صار معلوماً انه وهو ابن سنتين سجدت له المجوس . كما كان واجباً ان يصعدوه للهيكل وهيرودس كان غاضباً على الاطفال غضباً شديداً .

(يدعى ناصرياً) يقول اليهود في اي كتاب قيل انه يدعى ناصرياً ومن مصر دعوت ابني ؟ نقول ان هذه ليست براهين تدل على المدح والتعظيم . بل على التواضع والذم . لان تسميته ناصرياً بنوع الهزء كانت تقال وتلك الاخرى تعباً وشقاءً . وان لم يكن هذا حقاً لما ذكرها الكتاب نعم وكتب كثيرة قد فقدت حسب المنصوص في سفر الايام ( 1 اي 29 : 29 ) ثم ان اليهود دائماً كانوا يميلون لعبادة الاصنام . لذلك كان البعض منهم يتركون قراءة الكتب والبعض الآخر كانوا يحرقونها كما جاء عنهم في سفر ارميا النبي ( 36 : 23 ) وجاء ايضاً في سفر أخبار الأيام ان بتعب كثير وجدت تثنية الاشتراع مطمورة تحت الارض ( 2 اي 34 : 14 ) . فاذا كانوا في وقت السلم يتغافلون عن الكتب فكم بالاحرى تغافلهم في وقت الحروب . وان قيل في الزمان السابق للمسيح ما كانت مكتوبة فمن أين عرفوها ؟ نقول اما انها كانت قولاً جارياً على أفواه الناس الى زمن مجيء المسيح تناقلتها الالسنة بالتقليد سلفاً فكتبها متى . او انها كانت مكتوبة في الكتب التي فقدت بعد ذلك بخراب المدينة أو ان الروح الذي حل عليهم في العلية أعلن لهم ذلك . وان شاء اليهود ان يكذبوا الانجيلي قائلين ان هذه ليست أدلة كافية ، فنرد عليهم من نفس كتبهم المكتوب فيها كلام كثير لا أصل له ولا قولاً ولا كتابة كقول موسى لهرون من عقب موت ابنيه ناداب وابيهو في القريبين مني أتقدس وامام كل الشعب اتمجد ( لا 10 : 3 ) وهذه ليست موجودة بمكان . وقيل في سفر حروب الرب واهب في سوفة واودية ارنون ( عد 21 : 14 ) . وفي سفر ياشر قيل وليتعلم بنو اسرائيل القوس ولم يعرف ما هو علم كشف معرفة القوس . وقيل عن يربعام بن يوآش انه رد تخم اسرائيل من مدخل حماة الى بحر العربة حسب كلام الرب اله اسرائيل الذي تكلم به عن يد عبده يونان ابن أمتاي النبي الذي من جت حافر ( 2 مل 14: 25 ) . وهذه كلها غير موجودة في سفر يونان ولا في غيره . وانت قلت ان العالم بالنعمة يبنى وفي اشعيا هذا قول الرب الى موآب . وأين هو مكتوب وغير معلوم . اذاً فليقتنع اليهود . ثم نقول ان الانجيلي قد أتى بالبرهان جرياً على العادة ولتتميم العمل . قال اشعيا خرج القضيب من غصن يسىّ وينبت قضيباً اخضر فلما رأى متى ان المسيح قد جاء وسكن في الناصرة فسر قول اشعيا ” ينبت غصن اخضر ” أي يدعى ناصرياً ودعي ناصرياً لانه من الناصرة . وقال آخرون بما ان المسيح ولد في بيت لحم لا في الناصرة لهذا سماه اشعيا نورباً ومعناه بالعبرانية قضيب أخضر . وليعلم انه كما دعته الانبياء كذلك دعته الرسل . وهذه لم تخف النبؤة عن بيت لحم لكن بالاحرى أظهرتها كما أظهرها ناثانئيل اذ قال : ” أيمكن ان يكون من الناصرة شيء صالح ” ( يو 1 : 46 ) ذلك لان الناصرة والجليل كانتا محتقرتين . وبعد ان فرغ متى من ذكـر الميلاد وغيره أخذ يذكر عماد المسيح .