(تفسير انجيل متى ( الاصحاح الثامن

Posted by on Aug 17, 2012 in -الدر الفريد في تفسير العهد الجديد ـ تفسير انجيل متى - مار ديونيسيوس ابن الصليبي, Library | Comments Off on (تفسير انجيل متى ( الاصحاح الثامن

 

يسوع يشفي الأبرص – شفاء خادم قائد المئة – شفاء حماة بطرس – ثمن اتباع يسوع – يسوع يهدئ العاصفة – طرد الشياطين وغرق الخنازير

 

يسوع يشفي الأبرص

عدد 1 : ولما نزل من الجبل تبعته جموع كثيرة .

لانه كالمسلط كان يعلم . ولئلا يظن انه يتكبر فبين سلطانه بالفعل من العجائب التي عملها . اما الجموع الكثيرة فهم الذين صعدوا معه والذين جاؤوا اليه من كل موضع . وكانوا بسطاء وبعيدين عن الشر فجالوا معه ليسمعوا كلامه . ولم يكونوا يقصدون من ذلك ان يقرفوه بذنب كما كان شأن الكتبة والفريسيين .

 

عدد 2 : واذا ابرص قد جاء وسجد له قائلاً : “ يا سيد ، ان أردت تقدر ان تطهرني “ .

البرص هو موت الجسم الحي ويعرف ذلك من انه اذا انخر بالابرة فلا يخرج منه دم على مثال الميت . ومنه يدب بالجسم ومنه لا يدب ويسري في الجسد الضعيف من موضع الى آخر . اما في الجسد الصحيح فلا يسري . لكنه يمكث في مكانه . فالبرص اذاًً في الظاهر هو موت لا حياة فيه . وروحياًً هو موت من الله . وقد كان الناموس يقضي بابعاد الابرص من مخالطة الناس من محلة بني اسرائيل لانه كان شعباًً  قاسياًً . فشاء الله ان يضع عليهم نيراًً  قاسياًً وشريعة صعبة ليلين قساوتهم ويجعلهم خاضعين للبر . اما النير فهو طرد الابرص والذي يدنو من الميت وغير ذلك . فقد حكم عليه الا يدخل المحلة ومراده بهذا ان يقهمنا انه اذا كان الذي يصاب بالبرص دون ارادته يرزل من الناموس فكيف يكون حال الخاطئ بارادته  اما انه كيف تجاسر على الدخول الى المحلة بلا امر كهنة اليهود . فذلك لانه قد سمع من آخرين ان سيدنا له المجد قد شفى كثيرين من المرض من امثاله فآمن بقدرته ولو لم يشاهد ذلك عياناًً ولم يقل للمسيح أطلب من الله او صلّ لاجلي .

 ولم يقل يا رب طهرني . لكنه قال له ” ان شئت ” ففوض الامر كله الى ارادته لانه عرف انه قادر . فكان رجلاًً حكيماًً ومن قوة كلام سيدنا عرف انه يستطيع ان يشفيه . لهذا لم يقل ان كنت قادراًً لكن ” ان شئت ” لانه عرفه الهاً ونال مطلوبه منه بالفعل . ثم نقول ان هذا الابرص كان حاراًً  بالايمان أكثر من ذلك الذي من بطن امه ولد اعمى لاجل ذلك نال الشفا .

 

عدد 3 : فمد يسوع يده ولمسه قائلا : “ أريد ، فاطهر ! “ . وللوقت طَهُر برصه .

ان المسيح لمس الابرص مع انه لم يكن ماذوناًً للناس ان يلمسوه ليبين انه غير خاضع للناموس . لكنه هو اشرف واعلى . ولا شيء في الوجود ينجس الطاهر . ولكيلا يظن اليهود انه نبي كاليشاع الذي طهر نعمان ولم يدن منه حسب الناموس . اما المسيح فمد يده ولمسه . لانه رب وله السلطان . ولم يلمه احد هناك لانهم لم يبتلوا بعد بالحسد . وبلمسة جسده منحه نعمة الهية كما تكسب الحديد النار ليناً . واعلن انه اقنوم واحد مركب غير منقسم . فلم يذكر ان الاقنوم الاول قال قد شئت فاطهر والاقنوم الثاني لمسه . لكن الكلمة المتجسد هو بعينه امر ومسّ باليد فاكمل هذا الفعل بقوة لاهوته وناسوته . ثم ان المسيح بشفائه الابرص بمجرد مشيئته قد اثبت كونه الها اذ انه امر الطبيعة فخضعت له وتم الفعل في الحال .

 

عدد 4 : فقال له يسوع : انظر ان لا تقول لاحد . بل اذهب ار نفسك للكاهن ، وقدم القربان الذي امر به موسى شهادة لهم .

فقد علمنا بذلك ان نهرب من المجد الباطل . فانه يأمرنا تارة باخفاء العجائب منعاًً من المجد الباطل . واخرى باظهارها لئلا ننكر النعمة . فقد امره ان يري نفسه للكاهن لئلا يقولوا عنه انه يريد ان يبطل ناموس الله ويغتصب درجة الكهنة . لانه بعد ان كان الابرص يتطهر لم يكن يحكم على تطهيره قبل ان يري نفسه للكهنة كانوا يمتحنوه اذا كان طاهر ام لا . وبعد ذلك يأمرونه بالاختلاط . لاجل ذلك ارسله الى الكهنة كما يقضي به الناموس . ثم لكي يتحققوا بانفسهم اعجوبة التطهير .

( الذي امر موسى ) اما ذكره لموسى هنا فلان اليهود قد تسلموا منه الوصايا . فلم يأخذوا من الله الا العشر الوصايا فقط . ثم امر الابرص ان يقرب قرباناًً لئلا يشكوه اليهود انه ينقض الناموس . اما قربان الابرص فكان عصفورين . والمسيح في هذه الثلاثين سنة حفظ الناموس بتمامه وبعدها فكان احياناًً يحفظه مخافة ان يلوموه على ذلك فيهجموا عليه قبل الآلام  واحياناًً لم يكن يحفظه لانه قد جاز زمان الاظلة . وقوله شهادة لهم اراد بذلك توبيخهم وتعنيفهم لانهم كانوا مزمعين ان يدعوه مضلاًً ومتجاوزا للناموس . فقال للابرص انت اشهد لي اذا قالوا عني اني تعديت على الناموس . فاني بعد ان شفيتك ارسلتك الى الناموس . وليشهد الكهنة انفسهم اني اعظم من موسى . قال ذلك لان موسى كان عندهم عظيماً وان إله تكلم معه . ولئن كان موسى قد طهر مريم من برصها بالصلاة والطلبة . فقد طهرت انا هذا الابرص بسلطاني لذلك ارسلته اليهم . قال القديس افرام ان الابرص ما مضى ليقرب القرابين كما قال له المسيح مفكراًً في ذاته ان الذي طهره لم يلزمه بتقديم القرابين فلماذا يقرب قرابين للكهنة الذين لم يطهروه . لاجل ذلك رأى ان ينادي في كل موضع ومكان شاكراًً نعم من شفاه وممجداًً اسمه . فالابرص وقائد المائة لم يصعدا معه الى الجبل لئلا يؤخروه عن التعليم .

 

إيمان قائد المئة

 

عدد 5 : ولما دخل يسوع كفرناحوم ، جاء اليه قائد مئة يطلب اليه 

عدد 6 : ويقول : “ يا سيد غلامي مطروح في البيت مفلوجاً متعذباًً جداً “.

فتاه اي عبده وقد كان مخلعاًً . اما القائد فلم يات بعبده الى يسوع لايمانه بان كلمة منه تكفي لشفائه وليس كما ارتاى البعض من انه كان بسوء حال فلم يستطع ان ياتي به . مع ان القائد لم يكن يقرأ في الناموس والانبياء لكنه عرف قدرة يسوع من الاخبار عنه فقط .

 

عدد 7 : فقال له يسوع : “ انا آتي واشفيه “ .

 عدد 8 :  فاجاب قائد المئة وقال : “ يا سيد لست مستحقاًً ان تدخل تحت سقفي ، ولكن قل كلمة فقط فيبرأ غلامي .

فقد برهن بكلامه عن مزيد تواضعه وكثرة ايمانه وذلك لما سمعه من كثرة العجائب الصائرة في كفرناحوم . ولم يقل اطلب وصلّ لكن ” قل كلمة لا غير ” لانه كان ينظر الى الله لا كمن ينظر الى انسان . وهكذا جرى فان يسوع قال كلمة واحدة فشفي الفتى . والله قال فكان وامر فخلق الكون . فاذا يسوع هو الله .

 

عدد 9 : لأني انا ايضاً إنسان تحت سلطان ، ولي جند تحت يدي . اقول لهذا : اذهب ! فيذهب ، ولآخر : ائت فياتي ولعبدي : افعل هذا ! فيفعل “ . 

فالقائد نظر بعقله الى قوات السماء المأمورين من المسيح مثلما هو يأمر الاجناد لذلك قال ” أنا رجل تحت سلطان ” وانت إله فان امرت بان الموت لا يقترب من فتاي فانه لا يقترب . ثلاث صفات ظهرت في رد جواب القائد فقوله ” لست مستحقا ان تدخل تحت سقفي ” دليل عللى تواضعه وقوله ” قل كلمة لا غير ” دليل على امانته . وقوله ” انا رجل تحت سلطان ” دليل على حكمته . لاجل هذا مدحه المسيح ومنح فتاه الشفاء والملكوت .

 

عدد 10 : فلما سمع يسوع تعجب ، وقال للذين يتبعون : “ الحق اقول لكم : لم اجد ولا في اسرائيل ايماناً بمقدار هذا !

ان العجب هو الاستغراب من امر جديد لم يسمع به وهذا بعيد عن السيد المسيح لانه عارف

ما في الانسان . فاذا قوله تعجب قيلت على حسب ظن اولئك الحاضرين . وقوله ” اسرائيل ” اي البعض من الذين في الجليل . فلم يجد المسيح في احد منهم مثل هذا الايمان . فمدحه المسيح لانه كان من الشعوب وآمن به انه إله . والابرص كان من بني اسرائيل فاستحق الشفاء فقط .

 

عدد 11 : واقول لكم : ان كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع ابرهيم واسحق ويعقوب في ملكوت السموات ،

اي ان الامم التي كانت بعيدة صارت قريبة وشريكة مع ابرهيم واسحق ويعقوب في الملكوت .

 

عدد 12 : واما بنو الملكوت فيطرحون الى الظلمة الخارجية . هناك يكون البكاء وصرير الاسنان “ .

اي بنو اسرائيل الذين كانوا اولاد البيت فابتعدوا منه لعدم ايمانهم به . وبقوله في الظلمة البرانية اعلم بوجود ظلمة داخلية ايضاًً . وعرف ان العذاب الاوفر هو في الظلمة الخارجية . وصريف الاسنان هو اصعب من البكاء . وكما ان في الملكوت منازل كثيرة . هكذا في جهنم عذابات كثيرة مختلفة . وكل واحد يتعذب على نسبة ما ارتكبه من الشرور كثيرة كانت او قليلة .

 

عدد 13 : ثم قال يسوع لقائد المئة : “ اذهب وكمـا آمنت ليكن لك “ . فبرأ غلامه في تلك الساعة .

اشار بذلك الى كثرة ايمانه . فكان يتطلب الايمان من جميع الذين كانوا يبرأون . وقوله في تلك الساعة . اي في لحظة عين كالابرص الذي طهر للحال هكذا قائد المئة . فالقديس متى يقول ان القائد جاء بذاته عند يسوع ولوقا يقول انه بواسطة محبيه ارسل . ونحن نقول ان هو بذاته اراد المجيء فمنعه اليهود قائلين نحن نمضي اليه ونأتي به . لكنه بعد ما مضى اليهود كقول لوقا مضى هو ايضاًً  كقول متى فقد اتفق الانجيليان حسب هذا الرأي اما انه قد بنى هيكلاً لليهود مع انه ليس منهم فذلك ممكن لداعي محبته لهم .

 

شفاء حماة بطرس

عدد 14 : ولما جاء يسوع الى بيت بطرس ، رأى حماته مطروحة ومحمومة ،

أي كأنه يريد ان يأكل فجاء الى بيت بطرس . اذ كان يتردد خاصة عند التلاميذ كما قد مضى الى بيت متى اكراماًً  لتلاميذه لكي يعلمهم سذاجة النفس والتواضع . وعلمنا نحن ان ندوس الكبرياء . وقال مرقس انه مضى الى بيت سمعان واندراوس . وهذا مما يدلنا على انهما كانا ساكنين في بيت واحد . وقوله ” فراى حماته ” اي ان سمعان لم يأخذ حماته الى المسيح ليشفيها لانه كان قد تعلم عدم الاعتناء بنفسه . فمن قوله ” حماته ” يتضح انه كان متزوجاًً . لكن منذ التبشير لم يعد يتزوج . وكذلك باقي الرسل لم يعودوا يتزوجون بعد البشارة .

 

عدد 15 : فلمس يدها فتركتها الحمى ، فقامت وخدمتهم .

اي برئت حالما دنا منها . وفي حال ذهاب المرض جاء الشفاء بلا واسطة وهذا لا يتيسر فعله للاطباء .

 

عدد 16 : ولما صار المساء قدموا اليه مجانين كثيرين ، فأخرج الارواح بكلمة ، وجميع المرضى شفاهم .

اي ان الناس اخذت تتهافت لمشاهدة العجائب وما فكروا ان الوقت قد فات . ففي المساء  كانوا يقدمون مرضاهم قائلين انه قادر ان يشفي الوفاًً وربوات من المجانين بمجرد اشارة منه  وبقوله ” كثيرين ” يشير الى عظم عددهم ما هو مكتوب في الانجيل . ولكيلا يستصعبوا عمل العجائب في لحظة واحدة اتاهم بشهادة من النبي اشعيا قائلاًً

 

عدد 17 : لكي يتم ما قيل باشعيا النبي القائل : “ هو اخذ اسقامنا وحمل امراضنا “.

فلم يقل انه يطلق اوجاعنا او شفي بالفاظ تناسب الامراض لكنه يأخذ ويحمل . وهذه قد قيلت من اشعيا عن الذنوب والخطايا . كقول يوحنا ” هو ذا حمل الله حامل خطيئة العالم ” فاكثر الاوجاع هي من خطايا النفس . فاذاً كان الموت سبب الخطايا .

 

ثمن اتباع يسوع

عدد 18 : ولما رأى يسوع جموعاًً كثيرة حوله ، امر بالذهاب الى العبر .

قال الذهبي الفم لاجل بهاء وجه المسيح كان الجموع يجتمعون حوله كقوله ان منظره أبهى من بني البشر . ان كان موسى واسطيفانوس تنورا برؤيته فكم بالحري وجه سيدهما . فكيف قال اشعيا ان ليس له منظر ولا شبه . فنجيب ان اشعيا اما اراد بهذا القول ان يشبه منظر وجهه بمجد لاهوته . او يشير بذلك الى الحقارة والتواضع الذي ظهر بهما في العالم . او لاجل العار والآلام التي احتملها على الصليب . فأمر ان يذهبوا الى العبر ليهدي حسد اليهود ويعلمنا التواضع . ولما كان يريد ان يجلس في السفينة ويمضي الى بلدة الجرجسيين امر الجموع ان يذهبوا الى العبر لانه كان مزمعاًً ان يذهب بعدهم .

 

عدد 19 : فتقدم كاتب وقال له : “ يا معلم أتبعك اينما تمضي “ .

فكانت عادة سيدنا له المجد في اوقات كثيرة ان يجاوب طبقاًً لافكار السائلين . فالكاتب لم يتقدم الى مخلصنا بنية صالحة لانه كان مبتلى بمحبة الفضة مثل يهوذا . فظن انه ينال موهبة عمل العجائب ليجمع اموالاًً  كثيرة .

 

عدد 20 : فقال يسوع : “ للثعالب اوجرة ولطيور السماء اوكار ، وأما ابن الانسان فليس له اين يسند رأسه “ .

فالمسيح اشار بمحبة الفضة عن ضمير الكاتب . وبالثعالب عن الشياطين ويريد بذلك ان للشياطين ومحبة الفضة مساكن فيك اما انا فليس لي فيك مسكن . فباطلاًً تفتكر بان تستطيع ان تجمع ذهباًً . سيما واني مجرد أكثر من الحيوانات والطيور والثعالب من مقتنيات الدنيا . فان للطيور والثعالب مساكن تأوي اليها أما انا فليس لي مسكن وان كنت تصير لي تلميذاًً فابعد نفسك عن محبة الفضة . ثم انه تعالى شبه الافكار العالمية ومحبة الفضة بالثعالب . وأيضا شبه الشعب بالثعالب والشعوب بطيور السماء وقال ان الشعب ستخرب ارضه لانه لم يؤمن بالمسيح . والشعوب في ظله يستريحون لانهم يؤمنون به ولعل سائل يسأل قائلاًً لماذا لم يقبله ربنا ؟ فنجيب انه لم يتقدم بنية ترضي الله ولم يتصبر حتى يدعوه المسيح لكنه جاء من ذات نفسه .

 

عدد 21 : فقال له آخر من تلاميذه : “ يا سيد ائذن لي ان امضي اولاًً وادفن ابي “ .

عدد 22 : فقال له يسوع : “ اتبعني ، ودع الموتى يدفنون موتاهم “ .

ان المسيح بجوابه له قائلاًً ” دع الموتى يدفنون موتاهم ” لا يراد به الاستخفاف بآبائنا وعدم احترامنا لهم لكنه يعلمنا انه واجب علينا ان نحب الله اكثر من الآباء لانه اخرجنا من العدم الى الوجود ومنحناً نعما عزيزة فبعد ان نكرم الله يجب علينا ان نكرم الآباء الجسديين . وقال آخرون لان اباه ما كان مات بعد فلذلك لم يأذن له بالذهب . وقوله ” ائذن لي ان امضي ادفن ” معناه لامضي اخدمه ما دام حياًً وبعدما يموت فادفنه وآتي . فممكن ان قال هذا لمن هو معذب في المرض والشيخوخة . ثم ان الموت انواع شتى . اما طبيعي وهو افتراق النفس من الجسد . واما بالخطيئة وهو فقدان الانسان للنعمة الالهية . لان النفس بدون نعمة ميتة . والموت بالمسيح كقول بولس اني اموت كل يوم . ثم الموت لاجل مقتنيات العالم وهوتعلق القلب بمجد العالم وماله وجاهه . اما قوله ” دع الموتى يدفنون موتاهم ” فيشير بذلك الى الموتى بالخطيئة . فكأنه يقول دع الموتى بالخطيئة يدفنون الموتى بالطبيعة . ومن قائل ان ابا الكاتب كان غير مؤمن بالمسيح فلاجل ذلك لم يأذن لابنه بدفنه . وثلاثة هم الذين طلبوا من المسيح ان يمضوا ورآه تابعين اياه . الكاتب واثنان آخران ذكرا في متى . وعن الثالث يتكلم لوقا هكذا

 ( لو ص 9 : 62 ) فقال له يسوع ليس احد يضع يده على المحراث وينظر الى الوراء يكون اهلاًً لملكوت الله .

ان الذي يضع يده على المحراث وينظر الى ورائه لا يستقيم خطه ولا ينجح عمله وكذا من يتلمذ للملكوت يجب ان يكون نظره موجهاًً اليه دائماًً دون ان يلتفت الى ورائه . بل كما ان الفلاح المداوم على العمل ثكثر غلاته . كذلك تابع المسيح فاذا كان متمسكاًً بالفضيلة أتى بثمار جيدة . والذي يقصد ان يعمل الاعمال الروحية ثم يرجع الى اعماله الجسدية فهذا لا يصلح للملكوت فيكون اشبه بالذين دعوا الى العرس واحتج كل منهم بحجة تخلصاًً من الذهاب اليه . وهذا القول ينطبق على هؤلاء الرهبان والمتوحدين الذين يكرسون انفسهم لعمل البر ثم يرجعون الى الجسديات اي انهم ينزعون الاسكيم والثياب الرهبانية فيرجعون الى العالم .

 

يسوع يهدئ العاصفة

عدد 23 : ولما دخل السفينة تبعه تلاميذه .

ركب السفينة ليمضي الى بلد الجرجسيين .

 

عدد 24 : واذا اضطراب عظيم قد حدث في البحر حتى غطّت الامواج السفينة ، وكان هو نائماًً .

ان المسيح هو الذي اهاج البحر على التلاميذ ليثبت لهم انه رب البحر والبر . ويريهم عجباًً  ذكره يدوم الى الابد . وقوله ” كان نائما ” ذلك ليبين عدم افتخاره ويعلمنا التواضع . واذا وقعوا في خوف شديد تعظم الاعجوبة في اعينهم . فلو كان مستيقظاًً لما استغاثوا به . ولم يكن نومه طبيعياًً ولكن بالتدبير وكان عارفاًً  بالامواج وذلك معلوم من ضرب الامواج وهب الرياح وتصادم السفينة وصراخ الملاحين . ثم يجب ان نعلم ان الله الكلمة المتجسد قد اخذ جسد آدم المخلوق قبل ان يخطئ وان كان عرضة للآلام والضعف كما حدث ذلك لآدم بعد الخطيئة ولكن ذلك حسب جبلته . اما المسيح فباختياره وارادته كان يحتملها . ولذا فلم تكن تلك الآلام تطرأ عليه كل حين . ولكنه كان قد حدد وقتاًً لنومه وعطشه وتعبه وآلامه وموته فكان ينام بارادته غير مدفوع من الطبيعة كما ارتاى موسى الحجري وفيلكسينوس ويعقوب اسقف عانا . أما الذهبي فمه فيقول ان المسيح كان لابساًً جسداًً طاهراًً خالياًً من الخطيئة لكنه غير منزه عن العوارض الطبيعية والا لما كان ذا جسد . أما نحن فنتبع رأي ملافنة اليونان ويعقوب الرهاوي اذ يقولون ان المسيح قد أخذ جسداًً بعد تجاوز الوصية الا انه كان منزهاًً عن الخطيئة .

عدد 25 : فتقدم تلاميذه وايقظوه قائلين : “ يا سيد نجنا فاننا نهلك “ .

قال القديس يعقوب السروجي ان التلاميذ تنازعوا في اختيار من يوقظه فاقروا جميعهم على ان يوحنا يوقظه فاوقظ من ثم النائم الذي لا تاخذه سنة ولا نوم . والذي اراد ان ينام بالناسوت اما باللاهوت فكان مستيقظاًً وهو امر البحر فهاج ولاطمت الامواج السفينة فقلّ ايمانهم من الخوف .

 

عدد 26 : فقال لهم : “ ما بالكم خائفين يا قليلي الايمان ؟ “ ثم قام وانتهر الرياح والبحر ، فحدث هدوء عظيم .

فسماهم قليلي الايمان لايقاظهم اياه ظانين انه بقي نائماًً لا يقدر ان ينجيهم . وهذا دليل على قلة ايمانهم كما وبخهم وهو على ذلك . ثم ان في انتهار البحر ليهدأ اظهر سلطان لاهوته اذ امر العنصر المائي فاطاعه وهو ما لم يستطع غيره ان يفعله .

 

عدد 27 : فتعجب الناس قائلين : “ اي انسان هذا ؟ فان الرياح والبحر جميعاً تطيعه ! “ .

فمن سؤال التلاميذ بعضهم لبعض اتضح انهم كانوا مرتابين بصحة كونه الهاًً . وقد مثلت السفينة بالبيعة والبحر بالعالم القائم ضد الكنيسة . والهدوء بظهور كرازة الانجيل المقدس .

 

طرد الشياطين وغرق الخنازير

عدد 28 : ولما جاء الى العبر الى كورة الجرجسيين ، استقبله مجنونان خارجان من القبور هائجان جداًً ، حتى لم يكن احد يقدر ان يجتاز من تلك الطريق .

بقعة الجرجسيين اي بلد الشعوب وذلك معلوم من انه كان لهم خنازير اذ لم يكن مأذوناًً لليهود ان يقتنوا خنازير . ثم ان الشياطين لم يقصدوا باستقبالهم للمسيح ان يضروه ولكن لكي يطلبوا منه ان يبقيهم في ذينك المجنونين لانهم سمعوا عنه انه يطرد شياطين كثيرين .

 

عدد 29 : واذا هما قد صرخا قائلين : “ مالنا ولك يا يسوع ابن الله ؟ اجئت الى هنا قبل الوقت لتعذبنا ؟ “ .

فليخز النساطرة فان الشياطين انفسهم اعترفوا قائلين انه ابن الله وليس ابن النعمة . اما ما اعترض به تاودورس من ان الشياطين كيف عرفوا انه ابن الله بالطبيعة ؟ . فنجيب انهم عرفوا ذلك من اقوال الانبياء لان طبعهم الطف من طبعنا . ولا سيما من انغلاب رئيسهم منه في البرية . ثم يريدون بقولهم ” قبل الزمان ” الزمان الذي فيه تخرج البشارة الى الامم . وقد ارتاى بعضهم ان المقصود من قولهم قبل الزمان اي قبل مجيئك الثاني وهذا ما نرتئيه نحن .

 

عدد 30 : وكان بعيداً منهم قطيع خنازير كثيرة ترعى.

عدد 31 : فسأله الشياطين قائلين : ان كنت تجربنا ، فارسلنا الى قطيع الخنازير “ .

اي لكي يضروا الناس في مالهم فيبغضه اصحاب الخنازير ويطردوه من بلادهم ولا يقبلوا بشارته . أو يقتلوه فتبقى الارض معدومة من الايمان ويرجعوا هم الى مكانهم ثانية . ولما عرف الرب بافكارهم اذن لهم فيما طلبوه لتعرف عنايته ببني البشر . اذ لولا عنايته ببني البشر وبذينك المجنونين لكانت فعلت تلك الارواح النجسة بهما اكثر مما فعلته بالخنازير لان سماحه للشياطين بتجربة الناس هو لئلا يغصب حرية الشياطين .

 

عدد 32 : فقال لهم : “ امضوا “ . فخرجوا ومضوا الى قطيع الخنازير ، واذا قطيع الخنازير كله قد اندفع من عن الجرف الى البحر ، ومات في المياه .

ان جميع الشياطين الذين أخرجهم السيد المسيح من المجنونين سقطوا في البحر ولم يبق منهم احد .

عدد 33 : اما الرعاة فهربوا ومضوا الى المدينة ، واخبروا عن كل شيء ، وعن امر المجنونين .

اي ليخبروا بما قد جرى لئلا يطالبوا بالخنازير .

 

عدد 34 : واذا كل المدينة قد خرجت لملاقاة يسوع ، ولما ابصروه طلبوا ان ينصرف عن تخومهم 

اي وجدوا انفسهم غير مستحقين ان يروا المسيح بعد ان بلغهم انه اخرج الشياطين وذلك لئلا يصيبهم شر بسبب خطاياهم . فالقديس كيرلس انه اكرموه اولاًً وبعد ذلك طلبوا منه ان ينصرف . ثم ان المجانين كانوا اثنين كما ذكر متى وكان احدهما رديئاًً جدا وعنه تكلم الانجيليون وربما كان الاثنان رديئان . فلم يذكروا الا واحدا على سبيل الاطلاق . سيما ان الذي يبري الواحد يستطيع ان يبري كثيرين

( لو 8 : 29 ) وكان يربط بسلاسل ويحبس بقيود فيقطع الربط الخ

ولكن مع ذلك لم يستطع الشيطان ان يلقي به الى البحر ليعلم الكل انه وان اعطى للشياطين سلطان على جسد الانسان لكن لا سلطان لهم على موته . فلو كان لهم هذا السلطان لاهلكوه منذ دخولهم فيه .

وقوله ” صاح وخر له ( لو 8 : 28 ) اي الشياطين . ويعرف من سؤاله اياه ما هو اسمك فقال جوقة . ان هذا الاسم ليس هو اسم انسان . والمتكلم كان رئيسهم وهو جاء بارفاقه لاهلاك الانسان كما قد قيل ” اذا خرج الروح النجس … فيأخذ سبعة ارواح الخ ” اما لاجاون فترجمتها باللغة الرومانية ربوة والربوة عشرة آلاف : فكل هؤلاء كانوا في ذلك الانسان . وسؤاله اياه ما هو اسمك لا يدل على انه كان يجهل اسمه حقيقة ولكن ليعرف انهم كثيرون وانه ليس شيطان واحد فقط يستمع له . لكن كلهم يطيعونه ويرتجفون منه وانه لولا امره تعالى لكان هلك ذاك الانسان .

( لو 8 : 38 ) فطلب اليه الرجل الذي خرجت منه الشياطين ان يكون معه فصرفه يسوع قائلاًً

ذلك دليلاًً على خوفه من انه اذا انتقل المسيح يرجعون اليه ثانية وقوله ” فصرفه ” اي انه اراد ان يمضي الى بيته ويفرح اهله بسلامته . اما الشياطين فانهم يريدون السكنى بين القبور لكي يزرعوا في الناس الافكار الشريرة ويعلموهم ان انفس بني البشر تصير بعد الموت شياطين وبهذا الظن يقتل السحرة الاطفال على امل ان تصير انفسهم شياطين خاضعين لهم .