(تفسير انجيل متى ( الاصحاح الثالث

Posted by on Aug 17, 2012 in -الدر الفريد في تفسير العهد الجديد ـ تفسير انجيل متى - مار ديونيسيوس ابن الصليبي, Library | Comments Off on (تفسير انجيل متى ( الاصحاح الثالث

يوحنا المعمدان – معمودية يسوع

 

يوحنا المعمدان

عدد 1 : وفي تلك الأيام أقبل يوحنا المعمدان يكرز في برية اليهودي

    ان قوله في تلك ” الأيام ” ليس الأيام التي رجع فيها يسوع من مصر الى الناصرة ، فقد كان حينذاك ابن خمسة سنوات ، ولما جاء الى يوحنا ليعتمد كان في الثلاثين من عمره كقول لوقا . لأنه لما نزل الى مصر كان عمره سنتين ومكث فيها ثلاثة سنوات ثم رجع الى الناصرة ليسكن فيها مدة خمسة وعشرين سنة حيث كمّل الناموس وابطله وطبعنا في ديننا . بمعنى ان يوحنا لم يبتدأ يعمّد في الوقت الذي رجع السيد المسيح من مصر ، لانه وقت عماد ربنا كان يوحنا في الثلاثين من عمره .  وقال آخرون ان القصد من تلك ” الأيام ” هو التي جاء فيها المسيح ليعتمد . فقد جرت عادة الكتاب ان تسمّى الأيام بالحدث الذي جرى فيها وتحسب لا حسب الزمان الطويل كقوله بأيام ارفيل وعوزيا ، بل حسب اليوم ذاته كقول النبي اليوم كلّه محارباً يضايقني ( مز 56 : 1 ) بدل قوله مدة الزمان . وقال غيرهم أنها تلك الأيام التي لم يكن لليهود فيها ملك ولا نبي . لقد أراد متى ان يقول انه في بعض الازمنة جاء يوحنا قائلاً كذا حينئذ جاء يسوع أو حينئذ اخذ الى البرية . وكلها ليست بالترتيب فقد جرت عادة الكتاب ان يقول هذا . ولما جلس على الجبل وعلم عن خراب أورشليم وتمم هذا الخبر وثم بدأ يخبر عن منتهى العالم فمدة طويلة بينهما . وهكذا الحال هنا فقد حصر زمان كل حياته بتلك التي جاء وسكن في الناصرة والثلاثين سنة كلها . في بعض الازمنة جاء يوحنا . فملك اوغسطوس ستة وخمسين سنة وفي السنة الواحدة والاربعين من ملكه ولد المسيح . وخلفه في الملك ابنه طيباريوس . وفي الخامسة عشرة من ملك هذا جاء يوحنا المعمدان فمجموع السنين من ميلاد المسيح الى مجيء يوحنا ثلاثون سنة . جاء يوحنا من برية الزيفيين الى اليهودية وقد كناه بالمعمدان لان الله قد أرسله ليعمد بمعمودية التوبة . ومتّى لم يحدّد تلك الايام ولوقا يحدّدها فيجب البحث عن أشياء كثيرة .

 

ولما نظر هيرودس الى سخرية المجوس منه لعدم رجوعهم اليه ابتدأ يبحث بغضب مع الكهنة عن المسيح وأين يولد . فاخبره احدهم عن يوحنا قائلاً قد ولد بجوارنا ابن لكاهن واظن انه المسيح . فارسل في الحال طالباً زكريا وسأله عن ابنه فأجابه انه في البيت . فارسل معه جنودا ليحضروه . الا ان احد الحضور اسرع واعلم اليصابات فحملت الصبي وخرجت مسرعة لبرية الزيفين . فلما رجع زكريا للبيت ولم يجد اليصابات خاف ان يرجع الى هيرودس فذهب والتجأ في الهيكل . فأرسل هيرودس سيافاً وقتله بباب المذبح . ويقول القديس افرام ان اليصابات هرّبت يوحنا بإلهام من الله وصنعت له قميصاً من وبر الابل ومنطقته بجلد والبسته فنمت ثيابه معه ثلاثون سنة ، كثياب بني اسرائيل التي استمرت معهم اربعون سنة . وكان ليوحنا لما هرب سنتان ونصف سنة  من العمر . آخرون قالوا ان ملاكاً خطفه من حضن أمه ولم تعرف مسكنه . آخرون قالوا ان زكريا لما علم بسيف هيرودس ادخله للهيكل حيث تبشّر به وصلى ومن هناك انتقل الى البرية ، فلما عرف اليهود سألوا والده عنه فقال لا اعلم ، فقالوا قد خباته لانك لم ترد خلاصنا فالتجأ الى المذبح وهناك قتلوه . آخرون قالوا ان اليهود قتلوه حسداً لانه لم يعدم البتول من مكان البتولات . اما نحن فعلى رأي القائلين ان هيرودس قتله ولم يزل دمه يغلي ويصرخ ثمانية وخمسون سنة حتى جاء طيطوس بن واسبيسيانوس وحاصر أورشليم وفتحها . فلما دخل الهيكل ونظر الدم يغلي ويصرخ استطلع الامر فاعلموه عمّا جرى لزكريا فأمر بذبح الكهنة في مكان الدم الصارخ فبطل حالاً الصراخ . وقيل عن يوحنا انه رضع حليب امه بالبرية خمسة عشرة سنة وكان يقتات من الحشيش ، اما امه فكانت تتسوّل وتقتات . وقد مكث ثلاثين سنة بالقفر والروح القدس كانت ترافقه وتدبر له قوتاً ولباساً وتغنيه بالرؤيا الالهية وتعلمه ما هو الواجب . يسأل البعض لماذا هرب الى القفر ؟ فالجواب لكي لا يساء الظن به فيقول الناس انه يشهد للمسيح لاجل القرابة والمرافقة منذ الطفولة . لذلك انتقل من النعمة الى البرية مدة ثلاثين سنة حتى بلغ كلاهما حد الكمال ليصدق الناس كلام الذي يناديان به . فجاء ليفتح المعمودية لا بإرادته بل بإرادة الله ، كقول لوقا ان كلمة الله كانت الى يوحنا ، اي امر الله . فبالرؤيا والكلمة جاء وقال : ” انا لم اكن اعرفه . ولكن ليظهر لاسرائيل لذلك جئت اعمد بالماء . ولكن الذي ارسلني لاعمد بالماء قال لي ان الذي ترى الروح نازلاً ومستقراً عليه فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس ( يو ا : 31 و 33 ) واذ يسمعون انه يعمد يأتون اليه من كل ناحية فيكرز ويبشّر عن المسيح . ولأنهم كانوا متنجسين بالخطايا جاء يوحنا ليذكرهم بخطاياهم ويهيئهم للتوبة بواسطة المعمودية . قال القديس يوحنا لم يكن الغفران بمعمودية يوحنا لان المسيح لم يكن قد ذبح على الصليب وان الروح لم يعط والخطية لم تقتل . وقال بولس الرسول : ” ان يوحنا عمّد بمعمودية التوبة قائلاً للشعب ان يؤمنوا بالذي يأتي بعده أي بالمسيح يسوع ” ( اعمال الرسل 19 : 4 ) . ولم يقل انه عمّد لغفران الخطايا ولكن كيف يقول مرقس ولوقا ان يوحنا عمد لغفران الخطايا ؟ قال القديس يوحنا ان اليهود كانوا ظالمين لم يتألموا على خطاياهم بل كانوا يبررون انفسهم . لذلك التزم ان يقول انا اعمّد لغفران الخطايا لكي يذكّرهم ويعدّهم لقبول معمودية المسيح مانحة الغفران كقول بولس قد اعتمدتم وتقدستم ( لا بمعمودية يوحنا ) لكن باسم المسيح وبروح الله . قال قوم ان المعموديات ثلاثة : معمودية يوحنا للتوبة ، ومعمودية التلاميذ باسم يسوع المسيح قبل موته لغفران الخطايا والثالثة معمودية التبني التي صارت بعد نزول الروح . لانه ما عدا الروح لم تؤحذ البنوة بالوضع . ان القديسين غريغوريوس الثاولوغوس وموسى الحجري ويوحنا اسقف دارا وغيرهم يعدّون خمس معموديات . اما نحن فنقول ان المعموديات سبعة : الاولى ، تلك التي قطعت الخطيئة وغسلت العالم من الآثام . والثانية ، تلك التي بواسطة الغمام والبحر كقول بولس : ” وجميعهم اعتمدوا لموسى في السحابة وفي البحر ( اكو 10 : 2 ) . والثالثة ، المعمودية الناموسية والرمزية وتسمى التطهير وهي التي كان يستعملها اليهود حتى في الاكل فانهم لا يأكلون ان لم يغتسلوا اولاً فكانت تطهر العارض من الطبيعة كمن يدنو ويلمس ميتاً ويحتلم بالليل او يأكل شيئاً لا يجوز اكله او يذهب لعزاء ” فكل من يتنجس بهذه يغتسل ويبقى للمساء نجساً ” ( لا  : 15 : 5 ) . الرابعة ، معمودية يوحنا بالماء ” أنا اعمدكم بماء التوبة ” ( مت 3 : 11 ) وهي أشرف من معمودية اليهود واقل رتبة من معموديتنا لخلوّها من الروح القدس ومن غفران الخطايا ، ويعرف ذلك من ان بولس عمد الذين كانوا قد اعتمدوا سابقاً بمعمودية يوحنا ( اعمال 19 : 4 ) من آفلوا الاسكندراني وكانت كقنطرة يعبرون منها اليها ، ولم يكن فيها طهارة جسدانية لكنها كانت تأمر بالابتعاد عن الشرور وان يعمل بالمقابل اثماراً تليق بالتوبة . الخامسة ، معمودية المسيح ( مت 3 : 4 ) و ( يو 3 :3 ) وهي كاملة لانها تجعلنا أولاداً لله الآب واخوة للمسيح وهي مملوءة نعمة وغفراناً للذنوب والخطايا ومانحة الروح . السادسة ، معمودية الاستشهاد وهي التي بها اعتمد الشهداء وقبلوا الروح لانهم من اجل يسوع استشهدوا وتوّجوا فدمهم قام مقام العماد . السابعة ، معمودية الدموع وهذه تمنح الغفران لانه ليس في الامكان للذين اعتمدوا اولاً واخطأوا ان يعتمدوا ثانيةً ، لكن الله اعطى الدموع حتى يبكي الانسان نادماً على خطاياه وبها ينال الغفران وترد المنحة الروحية التي اضاعها حين ارتكابه الخطيئة كداود الذي اعتمد بدموعه بعد ارتكابه الفجور والقتل . ورب سائل يسأل باية معمودية اعتمد ربنا ؟ قال القديس ساويرس بمعمودية يوحنا للتوبة كإنسان مذنب لأنه غير محتاج للتوبة ولم يعتمد لغفران الخطايا ولقبول الروح كالمحتاج لأنه لم يخطئ ولم يعمل اثماً كقوله : من منكم يوبخني على خطيئة ( يو 8 : 16 ) ، ولم يعوزه الروح لانه شريكه بالطبع . قال مار تاودوطا التكريتي اعتمد للتوبة وللبنوة بالوضع لكونه لم يعتمد لنفسه بل لنا ولاجلنا . فكان يجب ان يقال انه اعتمد معمودية واحدة لكونه اعتمد لاجلنا ولكي يقدسنا بعماده الغى معمودية اليهود واعطى هذه للنبوة كما عمل الفصح وكمّل العتيقة ثم ابتدأ بالحديثة . ويقول فيلوكسينوس انه قد اعتمد عمادنا لانه كان مزمعاً ان يعطينا اياه لانه مثال لموته وقيامته . وكما مات وقام وصار لنا البكر من الاموات هكذا اعتمد معموديتنا واعطانا اياها في الحال . ثم اعتمد ليصير معروفاً لاسرائيل وان يتمم كل الناموس أي العدل وان يثبت لنا البنوة بالوضع ويجعلنا أخوته وخاصته ويوحد الروح القدس مع جسدنا بواسطة جسده وينقض القضية التي علينا من البدء ويفتح لنا أبواب السماء التي كانت اغلقت بتجاوز الوصية . ولكي يقدس الماء ويجعله مطهراً ومقدساً ومانح الغفران ويقدس المعمد ويرض رأس التنين العقلي الخالد في المياه ذاك الذي أغرقه بواسطة فرعون وان يستأصل الخطيئة في المياه كما قبلها عليه وقت صلبه وان يظهر الثالوث الاقدس فوق المياه . ولكي يحتم المعموديات والغسل الجسداني ويفرض العماد الروحاني الذي من الماء والروح الذي صعب ذكره على نيقوديموس وان يغسل دنس الخطيئة الموجودة فينا وبالروح والماء يقدس الاردن مثلما هو روح وجسد . ولكن لماذا جعل العماد بالماء لا من شيء آخر ؟ اولاً ، لان جبلتنا الاولى كانت من الماء والتراب ، وكذلك تجديدنا الاخير يجب ان يكمل بالماء والنار . ومثلما نفخ بوجه آدم نسمة الحياة هكذا بالعماد نفخ فينا الروح القدس . ثانياً ، لان حياة المحسوسات بالمياه . ثالثاً ، لانه من المياه خلقت الطيور والاسماك وغيرها وفيها تنموا وتكثر وتتوالد كما امر الله وهكذا بنو البشر يولدون ويتوالدون بالمعمودية ويتجدّدون ويأخذون أجنحة النعمة ليطيرون بها لملاقاة ربنا . رابعاً ، لان المياه سلاح ضد العطش والنار ولاجل ذلك فإن اعتمادنا بالماء يخمد عنا لهيب الآلام السمجة وهناك تطفأ تلك النار الاخيرة . خامساً ، لان الماء شفاف يرسم اشباه وجوه الناظرين فيه هكذا قد اعطانا المعمودية لكي ترسم فينا صورة عدم الفساد . سادساً ، كما يغسل ( بالصابون ) وسخ الثياب هكذا المعمودية تنظف النفس والجسد من الخطايا ، وكما ان الماء يمحي كتابة الصكوك الواقعة فيه هكذا المعمودية محت صك الخطيئة والموت الذي كتبه علينا ابونا آدم ( ا بط 3 : 21 ) . سابعاً ، الماء يشد الاعضاء وينشط المغتسلين فيه هكذا نحن فبعد ان نعتمد بالماء نقتني قوة العمل الروحاني . ثامناً ، ان الاواني الخزفية المشجورة بالنار ان لم تبل بالماء تعود تراباً هكذا نحن ان لم نغتسل بماء المعمودية فسنرجع الى التراب اليابس محرومين من ماء النعم الالهية وينبوع الحياة الابدية . تاسعاً ، ان الماء والنار هما عنصران مطهران فالذين لم يتطهروا بالماء هنا يتعذبون في النار هناك . عاشراً ، كما ان الماء يغسل الاشياء وهو لا يحتاج الى غسيل كذلك من اغتسل بالمعمودية لا حاجة به لمغسل آخر . الحادي عشر ، ان الماء شيء موجود عند كل واحد ، ولكي لا يعدم الناس العماد جعله الله مادة له . الثاني عشر ، بالماء قد غسلت اوساخ بني نوح وفيه غرق المصريون وبالماء امتحن الساجدون للبعل ، لاجل ذلك بالماء صارت المعمودية . الثالث عشر ، لكي يفند  مزاعم البعض من جهة الماء لان اولئك الجاحدين كانوا يزعمون ان المياه شريرة ردية فان الطوفان بها قد صار وبالماء غرق كل جيش فـرعون فأظهرهم بالمعمودية نائلين عدم الموت . الرابع عشر ، لانه على الماء قد خطبت رفقة وراحيل وصفوره ( تك 24 ) وكان ذلك اشارة الى ماء المعمودية اذ على الماء خطبت الكنيسة . الخامس عشر ، ” وأما بنو اسرائيل فمشوا على اليابسة في وسط البحر والماء سور لهم عن يمينهم وعن يسارهم ” ( خر 14 : 29 ) واليا واليشع الاردن وبالماء طهر نعمان من برصه ( 2 مل 5 : 14 ) ومياه حزقيال باركت شيلوحا . فكل هذه المعموديات كانت مثلاً لمعموديتنا والموضع الذي شق فيه يشـوع وايليا واليشع الاردن ( 2 مل 2 ) وفيه اعتمد مخلصنا . ورب سائل يسأل لماذا اعتمد سيدنا بالاردن لا في غيره ؟ ليكمل الاسرار التي سبقت ورسمت بهذا النهر . فانه به عبـر يشوع وشعبه الى ارض الميعاد ( يش 3 ) . معرّفاً ان الذي يعتمد بالاردن الروحاني يرث الارض الموعودة للقديسين . وجاز فيه ايليا قبل صعوده واعتمد ( 2 مل 2 ) موضحاً ان الذين يعتمدون فيه يصعدون للسماء . وفيه قد تطهر نعمان لنتعلم انه بواسطة المعمودية تطهر الشعوب من ادناس الخطيئة . وبه عمل اليشع اعجوبة اذ القى عود الخشب فطفا الحديد ( 2 مل 9 : 1 ) عندما كان الانبياء يقطعون الحطب ، وذلك سر عن المسيح المسمى غصناً او عوداً اذ خلص آدم الذي كان غارقاً في بحار الخطيئة كالحديد . ثم ان نهر الاردن هو مجموع من مائين الواحد  بارض الشعوب ويسمى اور ، والثاني كذلك ويسمى دن . ويدل ذلك على الشعب والشعوب الذين صاروا واحداً بالايمان . وهذه المجاري التي منها  يجتمع الاردن يسميها داود انهر اذ يقول : ” انت يبّست الانهر القوية ” ( مز 79 ) وايضاً ليتمّم نبوة ارميا القائل صعد الرب كالاسد من الاردن . ثم ان الاردن يمر في بحيرة طيبريوس ولا يختلط ماءه بماء البحيرة ، للدلالة على ان الذين يعتمدون يعبرون هذا العالم ولا يتلطخون بحمأة الخطيئة ولا يختلطون بها . وربنا لم يعتمد في البحر ليعرفنا انه بعيد من الخطيئة التي تشبه ملوحة ماء البحر . ولم يعتمد في الانهر الكبار ليعلمنا التواضع . ولم يعتمد في اصغر من الاردن ليختم الرموز المقولة من الناظرين لاجل الاردن . ولم يعتمد في المستنقعات لانها لا تنظف الاوساخ كلياً . ولعلّ قائل يقول لماذا اعتمد من يوحنا عبده ؟ وذلك ليعلمنا التواضع باقنومه فهو غير محتاج . اعتمد من عبده وعلمنا ان نخضع للادنى منا وانه لا يجب ان نمتنع من ان نقبل الموهبة منه لانها تعطى على السواء من الاعلى والادنى . وكان يظن ان يوحنا مختار من الله لهذه الخدمة . وعظمة المسيح لم تكن ظاهرة ولكي لا يظن اليهود ان المسيح يفتخر قبل العماد من يوحنا . وأيضاً ليكرز عنه انه هو الرب . وبامتناع يوحنا بقوله لست مستحقاً ان احلّ سيور حذاءه يفهم الحضور ان المعمَّد افضل من المعمِّد . ويقول آخرون ان المسيح عمَّد يوحنا بعد ان اعتمد وآخرون قالوا انه كان معمّداً من بطن أمه لان العماد هو منحة الروح القدس ويوحنا قبل الروح في بطن امه ( لو 1 : 42 _ 44 ) فاذاً في البطن قد تعمّد . ولكن ماذا منحت يمينه للمسيح ؟ قال قوم لم تمنحه شيئاً . لكن كمثل سائر المعمدين وضع يده كتدفق الانهر في البحار وهي لا تحتاج اليها . ويقول آخرون ان يوحنا وضع يده ، لاجل الرؤيا فقط ، ليريه انه هو حمل الله .  وآخرون قالوا ان بوضع يده على رأسه وضع خطايا بني البشر عليه ، كالذبائح الناموسية التي كانت ترسل الى القبر ، لان الخاطئ كان يضع يمينه على الذبيحة كي ترتفع الخطيئة منه وتحل على الذبيحة ومع الذبيحة تقتل الخطيئة ، هكذا أخذ يوحنا خطيئة العالم ووضعها على رأس المسيح ولما اعتمد المسيح غرق الخطيئة في الماء . والدليل على ذلك قوله : ” هذا هو حمل الله رافع خطايا العالم ” ( يو 1 : 29 ) . ومثلما وضع اكليل الشوك على رأسه حمل خطيئة كل العالم قاطبة وبموته أمات الخطيئة وابطلها وكذلك بعماده أغرقها في المياء . آخرون قالوا ان الكهنوت الذي وهبه الله لموسى وأعطي لهرون ونسله حتى تناسل ليوحنا فبوضع يده على المسيح اخذ المسيح الكهنوت منه وأعطاه لرسله لا لكونه محتاجاً بل لانه واهب الكهنوت . لكنه بالتدبير اخذها كقول القديس افرام في اقواله : فمال العالي على جبل سينا . ورب معترض يقول ان الانجيل لم يذكر ان يوحنا وضع يمينه على رأس المسيح ، فالشهادة من العهد القديم اذ قال الله لموسى : سأضع يدي عليك . كما ان موسى أيضا وضع يده على هارون ومسحه وقدسه . وقد ثبت من العهد الجديد ان المعمودية والكهنوت يمنحان بوضع اليد . ولما كان يعمّد احداّ كان يتلىعلى راسه : ليتعمد فلان بمعمودية التوبة لغفران الخطايا . ولما عمّد المسيح لم يتل شيئاً على راسه علماً منه انه إله متأنس وغافر للخطايا . لاجل ذلك قال له : انا المحتاج ان أعتمد منك . ولذلك اجابه ربنا له المجد قائلاً : ضع يدك واسكت لان للآب قولاً سيقوله . ثم كان واجباً على يوحنا ان ينادي باسم المسيح ليشتهر امره عند الناس كما اشتهر هو قبل مجيء المسيح اذ لم يكن غيره ، كقول زكريا له : وانت ايها الصبي نبي العلي تدعى . ولكي لا يبقى مجالاً لليهود ليتكلموا عنه . قائلين فأرسل يوحنا ليكرز على اليهود بالتوبة فاخذ يكرز عليه ولم يكرز هو على نفسه . وقد أعتمد وهو ابن ثلاثين سنة لان آدم وحواء خلقا في مثل هذا العمر ثم صار بداية العالم الجديد . وخلقنا بالمعمودية خلقةً جديدةً . واذ كان مزمعاً ان يحل الناموس بقي الى الثلاثين من عمره حافظاً للناموس لئلا يقول أحدا من مرتكبي المعاصي المخالفين للناموس انه لم يستطع ان يحفظه فتعداه ظناً منهم ان الانسان في ايام شبابه تتغلب عليه الشهوات النفسانية كما يتغلب عليه في أيام طفولته عدم الراي وقلة الصبر وفي عهد الرجولية محبة الفضيلة . فلذلك انتظر المسيح الى ان يبلغ الثلاثين من العمر ليباشر العماد ليكون في عهدي الطفولة والشباب كاملاً في الفضائل كما كان كاملاً في عهد الشباب . وعلاوةً على ذلك اراد ان يفهم الجهلة ان يمتنعوا عن تعليم الشيوخ قبل ان تلتحي وجوههم . وببلوغه الثلاثة عشر من العمر أشار عن الاقانيم الثلاثة الذين ظهروا على النهر وعلمنا ان الناس يقومون يوم القيامة وهم في الثلاثين من العمر وان المعمودية هي دلالة الدفنة والقيامة . وفي ثلاثين سنة غلب الخطيئة وحارب الشيطان بثلاث حروب وقهر الموت في ثلاثة ايام وبثلاثة عشر سنة من العمر غلب الخطيئة وبعد ذلك اعتمد . والناموس بثلاثة شهود ينال النصرة والغلبة . وجاء الناموس ليعطينا الحياة بالعدل فالذي يعمل به يحيا . فلم نقدر ان ننال الحياة لسبب ضعف جسدنا فاحتجنا للنعمة لكي نحيا بها .

وفي السنة الخامسة عشرة من سلطنة طبياريوس قيصر .. الخ ( لو ص 3 : 1 )

فلما اراد ان يكتب الحق . وضع اسم الملك والزمان . وليعلم ان الرومانيون بعد ان ملكوا على اليهود وضعوا عليهم الجزية وقسّموا بلادهم الى أربعة أقسام . وعلى كل قسم اقاموا ملكاً لجمع الجزية . وكل واحد من المسلطين كان يدعى رئيس الربع . لذلك ذكر لوقا المسلّطين على اربعة اقسام المملكة بأسمائهم .

( يكرز في برية اليهودية ) البرية هي الارض البعيدة من العمارة . كان يكرز ليجتمع اليه الجموع وليريهم المسيح ويوصيهم ان يقبلوه . ولو ذكر لهم المسيح وكرّز عليهم في البيوت والمجامع لكان أُبغض منهم وقُتل . ولكن اذا اجتمع الجموع يكون معروفاً بشهادة الآب والروح ويوحنا . ويصير بعيداً من شهادة الكذب . وقوله في البرية اي في الزمان الذي كانت فيه انفس الناس خالية من كل عمل صالح . وايضاً الملك الذي انادي عنه هو معطي التوبة التي لم يعطها الناموس . ولما كان اليهود يسمعونه يتكلم عن التوبة ويدعوهم مذنبين كانوا يخرجون اليه . ثم انه بدأ كرازته بالتوبة ليفهم ان الملك الذي ينادي باسمه لا يريد الا التوبة لانه مصدرها.

 

عدد 2 : قائلا ً : “ توبوا،  لانه قد اقترب ملكوت السماوات .

ياتي ملكوت السماء على عدة معان فان مجيء ربنا الاول يدعى ملكوت السماء . وقد دعى مجيئه الثاني ملكوتاً اذ قال ” ان كنت انا بروح الله اخـرج الشياطين فقد اقترب ملكوت الله ” اي أن مجيء وبشارة الانجيل تدعى ملكوتاً ، اذ قال ” تشبه ملكوت السماء حبة خردل والخمير واللؤلؤة الثمينة والذخيرة المفيدة جداً ” . وقد دعى للرؤيا التي يرى بها في الآخرة ملكوت السماء كقوله ” ان من القيام ها هنا قوماً لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الانسان آتياً في ملكوته ” ( مت 16 : 28 ) . ثم شبّه ملكوت السماء بالأمانة ومواعيدها كقوله ” ولكن الأصغر في ملكوت السموات أعظم منه ” ( مت 11 : 11 ) . ثم بالارادة والاختيار والسلطة الذاتية الموجودة فينا كقوله ” ملكوت السماء داخلكم ” اي تأخذونه بإرادتكم . ويشير الى الطهارة بواسطة المعمودية كقوله ” ان كان أحد لا يولد بالماء والروح لا يقدر ان يدخل ملكوت الله ” ( يو 3 : 5 ) والدينونة الاخيرة والامتحان كقوله ” من حلّ واحدة من هذه الوصايا يدعى صغيراً في الملكوت ” . وكما ان مقر الابرار والصالحين هو الملكوت ، هكذا ان جهنم هي مقـر عذاب المنافقين واضاف على ذلك قائلاً : ” ان ملكـوت السموات يُغصَب ” ( مت 11 : 12 ) . والفرق بين ملكوت السماء وملكوت الله هو : ان ملكوت الله  على ما ارتآه البعض ويراد به التأمل في الله والتلذذ به ، وملكوت السماء هو التأمل بالمخلوقات والتلذذ بها . وآخرون يقولون ان كليهما واحد الا ان واحداً من الانجيليين دعاه ملكوت السماء وآخر ملكوت الله . وآخرون قالوا ان الفرق بينهما كالذي يعطي والذي يأخذ . فانه بتوجيه بصرك الى واهب الحياة والنور يكون في ذلك ملكوت الله وعند نيلك تلك المواهب السماوية وتفكيرك فيها يكون ملكوت السماء فالموهبة واحدة . فمن جهة المواهب يقال انها ملكوت الله ومن جهة الاخذ يقال انها ملكوت السماء . والبعض يدعوا بشارة الانجيل التي فيها اوامر يرتقى بها الانسان الى السماء ملكوتاً . وآخرون يسمّون الثالوث الذي ظهر على الاردن ملكوت السماء . اما يوحنا فقد تعلم ذكر الملكوت من الروح لان الانبياء قبله لم يكرزون الا بملكوت الارض وخيرات العالم . لان اليهود كانوا يجهلون الملكوت وجهنم لاجل ذاك جاء يوحنا يكرز ليعلم اليهود من هو الذي ينادي عنه.

 

عدد 3 : فان هذا هو الذي قيل عنه باشعيا النبي القائل : صوت صارخ في البرية اعدّوا طريق الرب . اصنعوا سبله مستقيمة “ .

    قال قوم ان يوحنا قال ذلك عن نفسه فقد سبق النبي وسمّاه صوتاً . كما يبين يوحنا الانجيلي في ردّه الجواب على اولئك الذين سألوا عن يوحنا من عسى ان يكون ولماذا يُعمّد ؟ فاجاب عنه انه صوت صارخ في البرية . ويقول آخرون ان الجواب هو لمتى ففي كل موضع من الكتاب قد دعي يوحنا صوتاً . واشعيا قد تنبأ عنه فسمّاه صوتاً وسمّى المكان الذي فيه صرخ برية . وقال مرقس ها أنا مرسل ملاكي أمامه . فسمّاه ملاكاً لشرف أعماله اذ اخبر عن المسيح والملاك هو المخبر . وقد دعاه ملاخي النبي ايليا ( ص 4 : 5 )

( صوت صارخ في البرية ) ومثلما تُعرف الكلمة من الصوت هكذا عرف اليهود من صوت يوحنا انه المسيح جاء ليعتمد . ومثلما الصوت ينبّه بني البشر الى عمل الفضائل والصوت يغلب البشارة هكذا يوحنا بشر بغفران الخطايا

( اعدوا طريق الرب ) فيسمي المسيح رباً ويقول ” ابعدوا عن قلوبكم الخرافات والتعاليم القديمة واعدّوا انفسكم لقبول الناموس الجديد ” . ولقد وضع لهم يوحنا نواميس جديدة قبل نواميس المسيح .

( اصنعوا سبله مستقيمة ) اعني ناظرة الى جانب الخير كالطرق البسيطة التي لا اعوجاج فيها . في هذه اعدّ اليهود ان يلاقوا المسيح بالاعمال الصالحة . اما لوقا فادرج كل النبوة قائلاً :

“  كل واد يمتلي وكل جبل واكمة ينخفض ، وتصير المعوجات مستقيمة والشـعاب طرقاً سهلة  ( لو 3 : 5 )  “

( وكل واد ) اي الشعوب المتواضعين يرتفعون بالمسيح ( وكل جبل واكمّة ) اعني الشياطين والناس المتكبرين وصعوبة الناموس يتواضعون ويتبدلون الى الغيض وسهولة الايمان ( والشعاب ) اي العشارون والخطأة والزناة والمجوس واللصوص الذين رجعوا من أعمالهم الى معرفة الحق كقوله : ” الزناة يسبقونكم ” .

ويبصر كل بشر خلاص الله ( لو 3 : 6 ) وقوله كل بشر ليس لليهود فقط لكن الى جميع الشعوب تبلغ بشارة الحيوة . فينظرون حيوة الله الذي ذاق الموت لاجلنا بالجسد فبهذه الاقوال عرف النبي بالرمز تغيير الامور في المستقبل .

عدد 4 : ويوحنا هذا كان لباسه من وبر الابل ، وعلى حقويه منطقة من جلد . وكان طعامه جراداً وعسلاً برياً .

    لقد كان واجباً على يوحنا ان يلبس الحرير لانه من ابناء الكهنة فاختار لبس الوبر ليتم قول الملاك القائل : ” يتقدم امامه بروح ايليا وقوته ” ( لو 1 : 17 ) فلذا يجب ان يشبه ايليا الشعراني . ورب معترض يقول ان لباس ايليا كان طبيعياً لا استعارياً فنجيب انه كان كذلك ليتشبه بيعقوب لان هذا بشعره الاستعاري نال البركة وعيسو بالطبيعي رذل . ولانه كان يكرز للتوبة والشعر هو علامة التوبة . ويشهد لذلك اهل نينوى وحزقيا واخاب اذ لبسوا الشعر . وشاول أمر الكهنة ان يلبسوا الشعر . وقد لبس يوحنا الشعر لا الصوف خلافاً للعادة ليدل بذلك على العيشة الجديدة التي كان يكرز بها وان تعليمه شريف وغريب عن معرفة العالم وقريب الى السماء . وقد اختار وبر الجمل دون غيره دلالة على الناموس المنتقم هو كالجمل ولا يقبل التوبة . وان الجمل هو من الحيوانات الطاهرة والنجسة معاً فهو طاهر لانه يشتر وهو نجس لانه غير مشقوق الظلف فاتحذ يوحنا وبره لباساً له ليشير بذلك الى ان كرازته متوسطة تدعو اليهود الاطهار والشعوب الانجاس الى التوبة كمعموديته المتوسطة ما بين معمودية اليهود ومعموديتنا . اما الانجيل : فيدعوا الفريقين للايمان . ثم لبس منطقة من الجلد تشبهاً بايليا النبي الذي كان متمنطقاً بمثلها . كذلك كان بطرس وبولس متمنطقين بجلد مائت اشارة الى انهما قد ماتا عن الشهوات اللحمية . والروح القدس كان رفيقه ومعلماً وحارساً له .

( وكان طعامه جراداً وعسلاً برياً ) . قال قوم ان الجراد هو العسل الذي نأكله . لان بر الزيفيين حار وموجود فيه الجراد والنحل على الدوام . وقال آخرون انها عروق كان يسحقها ويخلطها بالعسل فيأكلها . وارتاى آخرون انها عقاقير حلوة كان يقتات بها ويأوي في القفر . ومترجم سيرته من اليوناني الى السرياني ظن بالتباس الكلمتين ان مأكوله كان الجراد والعسل وآخرون قالوا ان مأكوله كان من الحليب وعسل البراذ . الحليب يناسب طفولته والعسل طوّر الرجولة . وآخرون ذهبوا الى ان الجراد هي عروق طرية تشبه الجزر وطعمها مكروه . وآخرون قالوا انها اشجار لها زهر يشبه الجراد وطعمه حلو كالعسل . وبعضهم افاد انها قضبان فروع جدد . والعسل هو عسل بري مر من عمل النحل البري . وغيرهم افاد انه جراد طائر وعسل طبيعي دائم الوجود لحرارة البلد واعتدال الفضاء فيه . قال القديس ايسودورس انها قضبان بعض الاشواك وقضبان الكرمة . وآخرون يسمون كرازته مأكولاً وسماها هو جراداً . أي يطير للسماء كل من يؤمن بالمسيح . وقد جرت عادة الكتاب ان يسمي التعليم ماكولاً كقول المسيح : ” ليس بالخبز وحده يحيا الانسان ” ( مت 4 : 4 ) . وآخرون قالوا انه اراد بالجراد الفريسيين والصدوقيين لانهم اشرار كالافاعي والحشرات السامة فغيّرهم بكرازته وجعلهم يرتفعون الى السماء اطهاراً كما ان الجراد هو طاهر بالناموس . وبالعسل يشير عن الشعوب الذين كانوا كعيون تجري منها مرارة الكفر والشرور . وكرازة يوحنا غيّرتهم وجعلتهم كالمجاري يجري منها الحق وحلاوة الاعمال . وقد مارس يوحنا ثلاثة امور صعبة وهي القوت واللباس والسكن في القفر . وكل ذلك لاجل الله والملكوت ولكي يكون مثالاً للذين من بعده سالكين خطواته .

 

عدد 5 : حينئذ خرج اليه اورشليم وكل اليهودية وجميع الكورة المحيطة بالاردن ،

        لقد حرّك الله قلوبهم ليخرجوا اليه مثلما حرك قلوب المجوس ليأتوا عند المسيح وألهم كورش ان يطلق المسببين . والا فكيف كانوا يخرجون الى من لم يعرفوه ولا يعرفون اهله واقرباءه . ولانهم سمعوا عن ميلاد المسيح ومجيء المجوس وقتل الاطفال وغير ذلك . وبعدها سمعوا عن يوحنا انه مزين بالفضائل والاعمال فظنوا انه هو المسيح . والدليل على ذلك أنهم بعثوا اليه رسلاً يسألوه : اذا كان هو المسيح . فأجابهم : بأنه رسوله . ومما زادهم اعتقاداً انه هو المسيح قول الملاك حين الحبل به : ” ويتقدم امامه وجهه ليهيئ للرب شعباً مستعداً ” ( لو 1 : 17 ) . ثم منظره الذي كان متغيراً من التقشف وكان يرهب الانسان من بهائه وهيبته ولم يكن يقص شعره لتقشفه . ثم من نبوة اشعيا عنه اذ دعاه فيها صوت صارخ في البرية . ولان النبوة كانت قد زالت عنهم منذ زمان فحين سمعوه يتنبأ قائلاً : ان الذي يأتي بعدي هو اقوى مني . جاءوا معه الى الاردن ليريهم المسيح الذي كلمهم عنه دون ان يخافوا من ان يعرض لهم ما قد عرض لتوداس وليهوذا الجليلي . فضلاً عن انه لم يكن يحرض الجمع ليتمردوا على الرومانيين لكنه كان يكرز بمعمودية التوبة وملكوت السماء فقط .

 

عدد 6 : واعتمدوا منه في الاردن ، معترفين بخطاياهم .

فقد اعتمدوا منه لانه كاهن وابن كاهن وقد اعطاه الله عوض الذبائح المعمودية التي بواسطتها تبطل المعموديات وغسل الناموس . وبعد ان كانوا يعترفون بخطاياهم التي ارتكبوها كان يعمدهم للتوبة . ومن الغريب انهم لم يخافوا ان يظهروا خطاياهم مع ان الناموس كان يأمر بان من يعترف بخطاياه يموت بدون رحمة ولم يكن يغفر الا الخطايا الصغيرة المفعولة بلا معرفة . الا ان يوحنا لمزيد اعتباره عندهم كانوا يعترفون عنده لان الله قد اعطاه ان يعمد للتوبة ليفهمهم ان الناموس قد بطل وزمان الذبائح قد مضى وجاز وبلغ زمان العهد الجديد الذي يقبل الخطأة التائبين . لان الكهنوت في العهد القديم كان يقضي بتقديم الذبائح عوض الخطايا المفعولة بلا معرفة والخطايا التي بمعرفة كان يحكم على مرتكبيها بالقتل رجماً بالحجارة . اما كهنة العهد الجديد فيعمدون من غير ان يكشفوا الخطايا المرتكبة بمعرفة او بغير معرفة ويمنحون الغفران .

 

عدد 7 : فلما رأى كثيرين من الفريسيين والصدوقيين يأتون الى معموديته ، قال لهم : يا أولاد الافاعي ، من أراكم ان تهربوا من الغضب الآتي ؟

ان اليهودية ابتدأت من يهوذا الرابع من اولاد يعقوب . واتسعت في عهد موسى وقويت في عهد داود الذي ملك على سبط يهوذا . ونشأ عند اليهود سبع بدع . فالكتبة كانوا يحفظون العادات والقوانين كما تسلموها من المشائخ مع حفظ ناموس موسى . والفريسيون كانوا يصومون يومين في الاسبوع ويعشرون مالهم ويحافظون على البتولية والصوم . وفي اعناقهم خيوط ارجوانية دلالة على خوفهم من الله وينظفون الاواني . والصدوقيون وهم بالجنس سامريون من كاهن اسمه صادوق لا يعترفون بروح القدس والملائكة اما فيما خلا ذلك فكانوا كاليهود . وفريق آخر كان يعتمد كل يوم مدعياً ان الحيوة لا تحق لمن لا يعتمد . اما الوقحون فكانوا يكلمون ما يخص الناموس ويستعملون قراءة كتب من غير مذهبهم ويرذلون كثيرين من الانبياء . ثم الماردون فكانوا يتنجسون من أكل اللحم ولا يأكلون لحماً ذي روح ولا سمناً ولا حليباً وكانوا يؤمنون بالآباء من ابراهيم الى موسى ويشوع ناكرين نسبة التوراة الى موسى ويدعون ان كتاب موسى غير هذه التوراة . والهيروديسيون كانوا يشبهون اليهود في كل شيء ويظنون ان هيرودس هو المسيح وعليه فكانوا يكرمونه ويسمونه المسيح . اما الفريسيون والصدوقيون فكانوا ضابطين بذلك الزمان . ولذا فانه انتهر الفريسيون دون غيرهم لانه عرف بمكنونات ضمائرهم اذ انهم لم يكونوا يعتمدون منه كسائر الناس بل بقلب مملوء غشاً . ويتضح ذلك من قول سيدنا لهم : ” معمودية يوحنا من اين هي ” . ذلك لانهم لم يكونوا يصدقون كلامه ولا آمنوا بالذي يكرز عنه . ومن قولهم ليوحنا هو المسيح . فروح القدس كشف له عما في ضميرهم . وانتهرهم أيضاً لانهم لم يسمعوا كرازته كقوله ان الكتبة والفريسيين خالفوا ارادة الله . اما العشارون فآمنوا واعتمدوا . وكثيرا ما كان يوحنا يوبخ الفريسيين والصدوقيين على أفعالهم الشريرة كقوله لهم

( يا أولاد الافاعي ) فالافاعي هي نوع من الحيات . ويتضح ذلك من تسميته لهم في موضع آخر اولاد الحيات . وليس في الدنيا كلها الا زوج واحد من هذا الجنس . ويوجد جنس آخر من الافاعي كالتي لدغت يد بولس . فسماهم اولاد الافاعي ولا افاعي لان سم هذا الدبيب نادر الوجود كفراخه . فالمشهور عنها ان اباها يموت يوم الحبل بها . لان مخرج الانثى صغير اشبه بخرم الابرة . وحينما يضاجع الذكر الانثى يرمي الزرع بفمها . وهي عند تناولها اياه تقطع ذكره ويموت لوقته . اما الانثى فلما تريد ان تلد وليس لها منفذ يخرج منه فراخها فتأخذ الفراخ بنقر بطن امهن حتى تنفتح فيخرجن اذ ذلك وتموت الام . لهذا شبههم باولاد الافاعي لانهم قد قتلوا اباءهم الانبياء وقتلوا اخيراً امهم اورشليم فاخربوها ، لتحاملهم على المسيح ، وذلك بعد الصلب باربعين سنة في عهد الملك وسبسيانوس . وقد سماهم حيات واولاد الافاعي لانهم صاروا آلة لذلك الذي اغرى حواء امنا بواسطتهم وقاد ابانا آدم الى مخالفة الوصية الالهية .

( من الغضب الآتي ) شبه خراب اورشليم بالغضب الآتي كما شبه اورشليم بالتينة . وذهب آخرون الى انه اراد بالغضب الآتي جهنم . لانها كانت مجهولة عندهم . وبعد ان وبخهم على اعمالهم تقدم اليهم ان يعملوا اعمالا ً صالحة اذ قال :

 

عدد 8 : فاصنعوا ثمارا تليق بالتوبة .

اراد بالاثمار الأعمال . فكأنه يقول انه لا يكفيكم ان تمتنعوا عن الشر فقط بل يجب ان تعملوا الخير . ثم حثّهم على الثبات في التوبة بعد ان يرجعوا عن شرورهم موضحاً لهم ان زمانه ليس كزمان الانبياء وان الذي ياتي بعده يصعد الصالحين الى السماء ويطرح الطالحين في جهنم مفهماً اياهم ان التفاخر بحسن أعمال غيرهم دون ان يعملوا هم الاعمال الصالحة لا يجدي نفعاً اذ قال لهم :

 

عدد 9 : ولا تفتكروا في ان تقولوا في انفسكم : لنا ابراهيم اباً . لاني أقول لكم : ان الله قادر ان يقيم من هذه الحجارة اولاداً لابراهيم .

ان الروح القدس هو الذي كشف ليوحنا عن افتخارهم لابراهيم وعن ظنهم الباطل ومباهاتهم بكونه رجلاً باراً وانه يكفيهم ان يكونوا بنيه واقاربه من دون ان يعملوا الفضيلة لاجل ذلك قطع اصل افتخارهم . وقد سماهم اشعيا سلطان سادوم وشعب عامورا . ونبي آخر خاطبهم قائلاً ” كمثل الحبشة انتم لي يا بني اسرائيل ” . فافتخارهم بقرابتهم مع ابراهيم واحتقارهم للفضائل كانا سبباً للشرور في كل زمان . ولما كان ربنا يعدهم بتحريرهم من الخطيئة كانوا يجيبونه قائلين اننا من زرع ابراهيم ولم يستعبدنا احد . بل كانوا يستهزئون بالرسل لانهم يقبلون الشعوب الغرباء قائلين ان الموعد كان لابراهيم لا لغيره . وبولس يبكثهم في رسالته الى الرومانيين بقوله ان كلمة الله لم تسقط سقوطاً . فبين ان لا فائدة في القرابة اللحمية ان لم يكن الانسان مزيناً بالفضيلة طوعاً لا كرهاً .

( ان يقيم من هذه الحجارة الخ ) فقوله من هذه الحجارة اي من الجماد . كما انه خلق الانسان من التراب . وكقول النبي ” انظروا الى الصخر الذي منه قطعتم اعني ابراهيم . والى نقرة الجب التي منها حفرتم اي سارا ( اش : 51 ) . ومن الصخرة التي فجرت اثني عشر نهراً . بل وشبه العشارين بالحجارة الزناة والشعوب يعبدونها لعدم معرفتهم الله وبالاعمال الفاضلة سموا حجارة . وبواسطة تغييرهم تبرروا وصاروا بنين لابراهيم . لان ابناء ابراهيم على نوعين فمنهم من الطبيعة وهم اليهود ومنهم من الموعد كباقي الشعوب اذ قال الله لابراهيم قد جعلتك اباً لشعوب كثيرة . فقد ولد اسحق حسب الموعد وليس بقوة طبيعية . لانه ولد من عاقرة وطاعنة في السن وكذلك الشعوب بحسب الموعد صاروا بنين لابراهيم . وكما ان ابراهيم لم يتبرر بالاعمال ولكن بالايمان بالمسيح كذلك الشعوب . لانه كثيراً ما كان يتفق ان نبوة الانبياء كانت تكمل بعد مدة وكان اليهود يقولون اين هي اقوال الرب التي قيلت في قدوس اسرائيل فلتتم الان . لاجل ذلك فان يوحنا ابان لهم ان الآخرة قد قربت .

 

عدد 10 : والان قد وُضِعت الفأس على اصل الشجر ، فكل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تقطع وتلقى في النار .

فبقبوله الفاس يريد البلاء الاتي ، والاشجار بني البشر ، والثمار الاعمال الفاضلة ووجه قوله الى اليهود خاصة فبقوله ” كل شجرة ” اي كل انسان مولود من زرع ابراهيم ولم يعمل اعمالاً صالحة يقطع ويلقى في النار اي الابدية . ولم يقل ان الفاس ستوضع ولكن وضعت ليعلمهم ان الانتقام قريب ان لم يعملوا اعمالاً صالحة . ولم يقل انها وضعت على الاغصان والثمار ورأس الاشجار ولكن على الاصل ليبين ان الجميع يستأصلون ان لم يتوبوا . كما انه لم يقل ان الفاس أخذت تقطع لئلا يقطعوا الرجا . لكنه قال قد وضعت ليخيفهم . فكأنه يقول لهم اذا لم تتوبوا تقطعوا من قرابة ابراهيم كما تقطع الفاس . وكما ان الارض هي ام الاشجار ومصدرها هكذا فان ابراهيم هو ابو اليهود ومصدرهم . وكما ان الاشجار لا يعرف صلاحها او رداوتها من الارض ولكن من ثمرتها كذلك الشعب اليهودي فانه وان كان ابراهيم اباهم لكن صلاحهم وشرهم يظهران من اعمالهم . وكما ان الاشجار المثمرة يجب الاهتمام بها والغير المثمرة يجب استئصالها والقاؤهافي النار ، كذلك اليهود الذين قبلوا كرازة يوحنا عاملين اعمالاً صالحة فانهم يستحقون الملكوت . والذين لم يعملوا يجب قطعهم من قرابة ابراهيم وطرحهم في جهنم . وحين كان يوحنا يكرز بهذا امام الجموع كان المسيح ساكنا في الناصرة .

 

عدد 11 : انا اعمدكم بماء للتوبة ، ولكن الذي يأتي بعدي هو اقوى مني ولست اهلاً ان احمل حذاءه . هو سيعمدكم بالروح القدس ونار .

( انا اعمدكم بماء للتوبة ) لقد ثبت من قول يوحنا هذا ان المقصود من معموديته انما هو التهذيب . وفتح باب التوبة لا غير . اما عن ربنا ومعموديته فقد اوضح قائلاً :

(  ولست اهلا ان احمل حذاءه ) اراد بذلك ان المسيح اقوى منه جداً و اكثر قدرة . وقد مثل القديس يوحنا الخدمة الحقيرة بالحذاء . اني لست مستحقاً ان اخدمه خدمة حقيرة . كما اعلن القديس فيلكسينوس انه غير مستحق لخدمة جسده المقدس . اما ثاولوغوس فقد شبه اصغر اسرار سياسته بالجسد بالحذاء . فليس الجسدانيون والاطفال بالمسيح لا يستطيعون ان يدركوا هذه . ولكن الذين مثل يوحنا ايضاً لا يمكنهم ان يدركوا سراً واحدا منها ولو بالروح . وقد قال آخرون ان تدبيره في الجسد لا يمكن ادراكه .

( بروح القدس ونار ) ان كلام يوحنا مع اليهود كان مقروناً بالارهاب والوعيد كتكلمه عن الفأس والنار والقضاء . وعندما كان يريد ارسالهم عند المسيح كان يكلمهم عن الامن والسلام وغفران الخطايا والبنوة بالوضع ومواهب الروح القدس . ولم يقل لهم ان المسيح يعطيكم ولكن يعمدكم به . ليعلموا انه بواسطة هذه الموهبة يصبحون بغتة كالانبياء . وفي بدء البشارة كان كل من يعتمد ينال موهبة ما كالنبوة او موهبة لغـات او عمل عجائب او غير ذلك . ثم اشار بقوله انه سيعمدكم بروح القدس ونار الى نزول الروح القدس شبه السنة نارية . فبالسنة النار اشار الى المعمودية الاولى التي وهبت للرسل . ثم قبلها بعد ذلك كل المؤمنين بواسطتهم وتناسلت آتية من جيل الى آخر . وقد تكلم عن نيل موهبة الروح القدس في المعمودية ليجذب السامعين لكرازته . ثانياً لكي لا يشكوا فيه اذا سمعوا عن آلامه وموته . ثالثاً لموهبة العماد لانه كان واجباً ان يذبح الحمل وتصير الدفنة والقيامة وتموت الخطيئة وبعد ذلك يعطى الروح . لاجل ذلك قال يوحنا : ” هوذا حمل الله حامل خطايا العالم ” . لان الحامل افضل من الذي يغفر الخطايا بلا تعب سيما وانه يمكن ان يتم غفران الخطايا دون احتياج الى التأنس . اما الذي يحمل فلا بدّ له من مقاساة الالام والصلب والموت والقيامة وهذا كله لم يكن ممكناً وقوعه دون ان يتجسد . اما النار فتقال على انواع كثيرة . منها النار الهيولية . ومنها المحفوظة في الآخرة لعذاب المنافقين . وكذلك فعل الروح القدس في مقتبليه يدعى ناراً كقول بولس : ” كونوا حارين بالروح ” ( رو 12 : 11 ) . والكلام الالهي كقول ارميا النبي : ” فصارت كلمة الرب في قلبي كالنار المحرقة ” . ثم الانجيل الشريف كقوله : ” جئت لالقي ناراً على الارض ” . ثم الروح القدس كما جاء في اعمال الرسل وحل على الرسل كالسنة نارية ثم انه بالنار تكلم الرب مع موسى بالعوسجة . وبالنار ترآءى لاسرائيل وظهر لحزقيا . والنار تدل على عظم المنحة كما انه من مصباح واحد تنار عدة مصابيح دون ان يضعف نوره . هكذا نعمة الروح القدس تغني كثيرين من غير ان تنقص . والروح كذلك يفعل ما يشاء لانه خالق . وقد ذكر النار حين العماد ليرى ان العماد امر عظيم وشريف وان النار تنقيهم من الاثم وتطهرهم وبالروح ينالون الغفران من خطاياهم . ثم اردف كلامه قائلاً :

 

عدد 12 : الذي رفشه في يده ، وسينقي بيدره ويجمع قمحه الى المخزن . واما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ  “.

اراد بالبيدر العالم . والقمح الابرار والمؤمنين . والتبن لغير المؤمنين والخطأة . فالخطأة والابرار مختلطون كاختلاط التبن والقمح في البيدر . واراد بالرفش صوت السيد المسيح . فكما ان الرفش يفرز القمح من التبن هكذا صوت السيد المسيح سيفرز الابرار للحياة الابدية والاثمة للنار . وكمثل القمح الذي يجمع الى المخزن هكذا يفرز المؤمنين منهم فيدخلهم الى الكنيسة والاثمة يطردهم خارجاً . ثم انه اشار بالبيدر عن ربوبيته والوهيته . وبالرفش عن عدالته وحكمه . لان الرفش على ما قاله ثاولوغوس هو للتطهير كما ان الفاس هي لقطع الانفس التي لم ترد الشفا .

 

معمودية يسوع

عدد 13 : حينئذ جاء يسوع من الجليل الى الاردن الى يوحنا ليعتمد منه .

بعد ان عمد يوحنا كثيرين وكرز عن يسوع اخذوا ينتظرونه ليعمدهم بالنار والروح . اما يسوع فمنذ رجوعه من مصر والى ذلك الحين كان ساكناً بالناصرة مدة 25 سنة حافظاًً الناموس الكتبي والسني حتى بلغ 30 سنة حينئذ جاء الى الجليل ليعتمد . ولم يستدعع يوحنا الى الجليل لبعد المكان عن اليهود . لانه كان خارجاً عن ساحل ارض اسرائيل . ولم يكن في امكان الناس كلهم الذهاب الى هنالك . فجاء الى الاردن حيث كان الجمع الغفير ينتظرون يوحنا ليكرز عليهم ويعرفهم عنه . فجاء الى عبده ليعلمنا التواضع . لأنه بالتواضع كانت تزداد عظمته . اذ ان الذي قبل ان يولد ويصلب فلا عجب اذا قبل العماد وما عدا ذلك فقد كان مجيء المسيح الى يوحنا واجباً ليعرف اليهود انه من هو وممن هو ومتى جاء وليظهر انه اطهر من يوحنا وانه صانع الآيات والمعجزات . وقد اراد في بداية اعماله ان يتضع ليقتدي به الغير .

 

عدد 14 : ولكن يوحنا منعه قائلاً : “ انا محتاج الى ان اعتمد منك ، وانت تأتي اليّ ! “

ان يوحنا وان لم يكن قد رأى المسيح بعد لكنه عرفه بروح القدس بقوله : ” انّ الذي ترى الروح نازلاً عليه ” . فلذا اجابه قائلاً : انا المحتاج لانك انت اله وانا انسان . وقد قال القديس افرام ان يوحنا اعتمد من المسيح بعدما عمده وهذا ظاهر من قول يوحنا له : انا المحتاج . اي ان آتي اليك واعتمد منك فكيف تأتي انت اليّ . فامتنع اولاً عن عماده كما امتنع سمعان في بادىء الامر من غسل المسيح لرجليه.

 

عدد 15 : فاجاب يسوع وقال له : “ اسمح الان ، لانه هكذا يليق بنا ان نكمل كل بر “ . حينئذ سمح له .

( ان نكمل كل بر ) اي حين ياتي وقتي سامنح البر بلا تعب لبني البشر . ولكن يجب ان اعتمد منك قبلاً . اما البر فعلى انواع ثلاثة . بر طبيعي وناموسي وبر النعمة . فالبرارة الطبيعية والناموسية كانتا حتى العماد . ومن ثم أعطيت النعمة . وأراد بكمال الناموس العتق من الخطيئة والموت . والبنوة بالوضع وملكوت الماء . ونيل المعمودية بالسر . والتدبير بالجسد . فقد كملنا كل الناموس ولم يبق سوى ان اعتمد منك . وبعد ذلك اترآءى اني أعظم منك بعمل العجائب . وكما انه في الفصح على مائدة واحدة صنع فصحين اذ تمم الواحد ورسم الاخر . هكذا صنع عند عماده اذ انه بعد ان اتم معمودية الناموس معمودية يوحنا هذه .

( حينئذ سمح له ) فلما سمح ليوحنا بعد ذلك ان يعمده وضع هذا يمينه على رأس المسيح ساكتاً ولم يقل شيئاً حسب عادته عندما كان يعمد الغير اذ كان يقول : انا اعمد فلاناً بمعمودية التوبة لغفران الخطايا . وآخرون ارتأوا انه تلا على رأسه قائلاً له انت هو الحبر الى الابد على رتبة ملكيصادق وآخرون ذهبوا الى انه قال انا أعمدك باسم الآب الذي اختارك للتدبير العجيب . والبعض ارتأى انه قال التعظيم والتسبيح لذلك الذي اتضع الى ان اعتمد من عبده . وفي الحال كما يشهد الانجيل أشرق نور عظيم على الاردن وغطت وجه النهر سحابة بيضاء فترآءت الملائكة بعدد لا يحصى يمجّدون الله . ووقف الاردن عن مجراه . وفاحت رائحة طيبة من هتاك . ويوحنا الذي قال انه غير مستحق ان يحل سيور حذائه . وضع يمينه على رأسه موضحاً بذلك الاتضاع أشرف وأعلى من العدل . وصدق في يوحنا اذ ذلك قول المسيح : ” من يضع نفسه يرتفع ” . لانه اتضع الى حد انه جعل ذاته غير اهل ليحمل حذاء المسيح فاستحق باتضاعه هذا ان يضع يده على رأسه .

 

عدد 16 : فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء ، واذا السموات قد انفتحت له ، فرأى روح الله نازلاً مثل حمامة وآتياً عليه ،

فانفتاح السموات اثبت اولاً ان المعتمد هو سماوي وانه من السماء نزل والى السماء يصعد . ثانياً كما ان آدم قد أغلق في وجهنا السموات بمخالفته وتعديه الوصية هو وأولاده من بعده . واغلق الفردوس بواسطة الكاروبي والحربة النارية . هكذا ان عماد المسيح فتح باب السماء والفردوس . ثالثاً ليعلم الذين يعتمدون ان السماء تنفتح لهم وان كانوا ابراراً صعدوا الى السماء بعد القيامة .

( فرأى روح الله الخ ) ان الروح نزل ليظهر انه من طبيعة ذلك المعتمد فاسرع الى من يشبهه لا في السماء لكن على الارض بالتدبير الجسدي . بل لكي تكمل النبوة القائلة : ” ينبت القضيب من اصل يسى ويحل ويستقر عليه روح الله ” . وقد قال الله في الابتداء : ” لا تسكن روحي في الانسان الى الابد لانه قد اخطأ ” . ولان البشر كانوا معدومين منه منذ ذلك الزمان فاوجب الامر ان يحل على مخلصنا الذي كان يهتم بأمورنا . لكي به ترد لنا الموهبة التي كانت قد زالت عنا منذ القدم . قال القديس يوحنا ان الشعب كانوا يظنون ان يوحنا أفضل من المسيح لأنه ابن كاهن وزاهد وقد عمد مخلصنا فلكي لا يتحقق ظنهم انفتحت السموات وسمع الصوت القائل هذا هو ابني . ولكي لا يظن الجمع ان الذي حصل كان لاجل يوحنا . قال هذا هو ابني . لان الروح جاء بشبه الحمامة يجذب الصوت الى يسوع . واشار اليه كما يشار بالاصبع . قال القديس افرام : نزل الروح ليبين ان الرئيس الاعلى نزل وصعد وانه مساو بالجوهر للذي يشهد عنه . قال القديس ساولوغوس ان السموات انفتحت ونزل الروح المساوي له بالجوهر ليشهد له وليظهر جلياً الثالوث الاقدس . فالابن يعتمد والآب يصرخ والروح يحل وقد دل الروح على الابن بحلوله عليه لئلا يقع ريب عند احد في المسيح لان النظر اصدق شاهد من السمع . ولكي يعلمنا ان الروح يتبعنا عندما نعتمد . قال قوم ان المسيح غطس ثلاث مرات في الماء اشارةً عن الثالوث . وقد ترآءى الروح عدة مرات قبلاً على اوجه مختلفة فقد ترآءى لابراهيم شبه انسان وبشّره عن اسحق ابنه ، وللرسل شبه السنة نارية ليبين لهم انهم بالالسنة يجذبون كل الضمائر والعقول . اما في هذه المرة فقد ترآءى شبه الحمامة لان هذا الطائر هو هادئ وويع ومحب للسلام ، فترى ان الناس يخطفون فراخه وهو مع ذلك لا يهرب ولا يسكن الا مع الناس . ولكي يعلمنا انه روح التواضع والالفة . وانه لا يكلمنا بقساوة كما كلم اسرائيل ، لكن بالحلم والسلام . فيعلمنا نحن المعتمدين ان نتشبه به في الوداعة وبساطة القلب ، وابان في الوقت نفسه انه اله العهدين الجديد والقديم . وكما ان الحمامة كانت واسطة لتبشير نوح بانتهاء الطوفان المحسوس ، هكذا انه بواسطة الحمامة اي الروح القدس زال طوفان الخطيئة . فالحمامة هي دليل اذاً على الرضى والرحمة ومحبة الله وزوال الاحزان . قال ثاولوغوس والروح يشهد للالوهية وترآءى من السماء ليرى انه اله ومن طبعه هو . ليس بمحدود في السماء . فقد قال عنه النبي ” ان روح الله ملأت المسكونة ” وهو الذي لا تسعه السماء . يتساءل البعض قائلين اذا كان الروح قد نزل اولاً فما الحاجة الى الصوت ؟ قال مار يعقوب السروجي ان الروح والصوت ظهرا سوية لكن الروح قد ترآءى اولاً كالبرق الذي يسبق الرعد . فهبط الروح ومكث عليه . فكان واجباً ان يعرف السبب من الصوت . اما مرقس ولوقا فيقولان ما معناه بعد ان نزل الروح سمع الصوت . والهراطقة اصحاب شيعة مقدونيون يقولون كما ان الانسان افضل من الحمام كذلك الابن افضل من الروح لان الابن لبس جسد الانسان اما الروح كشبه الحمام . فنجيبهم ، ان الابن لبس جسداً حقيقياً بلا تغيير . اما الروح فلم يتخذ طبيعة الحمام . والشاهد على انه لم يعد ترآءى كشبه حمامة . واذا كان الروح يعتبر ادنى من الابن لانه ترآءى بصورة حمامة فينتج اذاً على حسب رأيهم ان الكاروبيم افضل منه لانهم ترآءوا مثل النسور لحزقيال . وليس بمنكر ان النسر افضل من الحمام . والملائكة قد ترآءوا مثل بني البشر فاذاً هم ايضاً افضل منه . والقديس ثاولوغوس قال ان كنت بالقد والاوزان تحكم على اللاهوت فبالطبع يظهر لك ان الروح صغير . لانه قد ترآءى شبه الحمام . فلا يبعد ان نحتقر ملكوت السماء لانها شبهت بحبة خردل . ونستعظم ابليس اكثر من يسوع . لانه دعي تنيناً وجبلاً وملك المياه . وهذا يسمى خروفاً ودرة ودودة ونطفة . اما الروح فقد قال قوم انه ترآءى ليوحنا وحده . كما رأى يوحنا الانجيلي وحده الدم والماء اللذين جريا من جنب المسيح كما يتضح ذلك من قوله . اني قد رأيت وشهدت . واثبت ذلك مرقس ولوقا اذ قالا عن يوحنا الانجيلي انه رأى ولم يقولا انهما رأيا . اذاً الجميع قد سمعوا الصوت اثباتاً لكلام يوحنا . والقديس الذهبي الفم يقول ان يوحنا والجمع كله رأوا الروح وسمعوا الصوت . والا لظن الحضور ان ذاك الصوت القائل هذا هو ابني كان عن يوحنا . لانهم رأوا حلول الروح على الابن . اما انتقاله عنه فلم يره احد دلالة على انه غير ممكن ان يكون خلواً من شريك له بالطبع فمكتوب انه استقر عليه ( يو1 : 32 ) ليدل بذلك انه روحه . وكما ان الآب في الابن والابن في الآب هكذا الروح القدس في الآب وفي الابن لأن الجوهر واحد . وقد شهد يوحنا بما اوحى اليه في البرية . ان الذي ترى الروح نازلا ومستقرا ً عليه … هو ابن الله ( يو1 : 33 ) وهذا القول عينه كان يقوله لكل الذين كانوا يأتون اليه ليعتمدوا منه . كما قال انه لما كان يوحنا يمارس خدمته كان يقول دافعاً عنه الشبهة بكونه المسيح . وكان ينادي عن المسيح انه سيأتي عقيب خدمته ولم ينكر انه عمّد المسيح المنتظر . وكما ان شاول ادرك وهو ملك بعد ان ملكه انتقل منه الى داود . هكذا كان يوحنا يخبر بان ايامه معدودة . ولما كانت الجموع الغفيرة تجتمع حوله لتعتمد منه . فبعد ان يعمدها كان يقص عليها خبر معموديته وعودته من البرية وذاك الذي اعتمد منه . وكيف اعتمد . وما الذي جرى حين عماده وهو كان حاضراً . وكان يذكر بحضرة كثيرين كما ذكر بطرس وبولس بكتاب القوانين ان الروح ترآءى لكل الناس وانه بعيد العماد يجب ان يبطل كل عمل . لانه فيه ظهر الثالوث الاقدس للحاضرين ونزل الروح وسمع الصوت بعد ما اعتمد كقول مرقس ولوقا . ان الروح لم ينزل ليقدس الماء او المسيح ويجعله ابناً مثلنا لكن ليرينا انه الابن فقط ولو قبل الروح كمن يحتاج اليه لقبله مثلنا لا بعد ما صعد من الماء . اما لوقا فيزيد انه بعد عماده .

 

واذا كان يصلي انفتحت السماء ( لو 3 : 21 )

فلم يصلّ لانه محتاج . فانه هو القابل الصلوات . ولكن حتى كما كانت لنا بداءة بعماده هكذا تكون بداءة للكهنة ان يصلوا بواسطة صلاته . فكما انه حين كان يصلي نزل عليه الروح . هكذا قد اعطى مثالاً للكهنة المعمدين انهم عندما يصلون وهم يباشرون العماد فليطلبوا من الله اللآب ان يرسل الروح القدس ليمتزج بماء المعمودية ويقدّس المعتمدين . وكما ان الكهنة بهذا الزمان يعتمدون اولاً ثم يصيرون كهنة فيصلون طالبين من الله ان يرسل الروح القدس . هكذا سيدنا السيد المسيح رئيس الكهنة اعتمد اولاً ، ثم ترآءى واقفاً على المعمودية يدعوا للروح . فاذا كان قد صلّى ليكون بداءة ومثالاً فلماذا لا يترآءى الروح اليوم عياناً في العماد كما ترآءى في عماد المسيح ؟ فاعلم يا انسان انه بعمادك تنفتح السموات فان كنت لا ترى ذلك بعينك فلا ترتب فيه في قلبك . لانه في مبدأ النصرانية كانت لمناظر ظاهرة بسبب غير المؤمنين كما حدث للرسل يوم حل عليهم الروح اذ سمعوا صوتاً كالريح العاصفة وظهرت لهم السنة نارية منقسمة ( اع 2 : 2 و 3 ) وذلك لاجل اليهود الحاضرين هناك . اما الآن فيكفيك الايمان آمن وصدق ولو لم تتجل الآيات لك ظاهرةً لكنها تفعل فعلها سراً . فمكتوب هناك نزل على المسيح اما هنا فلم ينزل على الكهنة لانهم قبلوه مرة واحدة في الرسامة . لكنه ينزل على الماء باطنا ً ويقدسه للميلاد الثاني .

 

عدد 17 : وصوت من السموات : “ قائلاً هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت “.

ان النساطرة يقولون ان الآب قال ذلك عن الانسان المولود من مريم الساكن فيه الكلمة . اما نحن فنقول ان ليس لله ابنان الواحد طبيعي والآخر ابن النعمة بل ابن واحد كلمة الله المتجسد . ويتضح ذلك من قول بولس ان الله الآب واحد الذي منه الكل والابن واحد الذي هو ضابط الكل و الروح القدس واحد الذي فيه الكل . ونحن المسيحيين نسجد لإله واحد  في ثلاثة اقانيم آب وابن وروح قدس . فان كان ذاك الذي اعتمد ليس هو الابن الذي صرخ عنه قائلاً هذا هو ابني فلا زال اذاً غير معروف فتثنية الاقانيم ظهرت على النهر لا الثالوث الاقدس . لكن المعلوم هو ان ابن الآب الطبيعي تجسد وصار انساناً وفي العماد عرفه الآب بالصوت والروح  بتجليه ونادى عنه يوحنا ليكون معروفا ً بثلاثة شهود كما يامر الناموس . وقد ثبت أيضاً انه ليس ابن النعمة اذ ان الآب لم يقل قد صار ابني بل هذا هو ابني . لان القول قد صار ابني يقال عن الذي لم يكن ابناً ثم صار بعد ذلك . اما قوله هذا هو ابني فيدل على انه كان ابنه بالطبع منذ الازل ولكنه كان محجوباً بستر اللاهوت فظهر بالجسد فقد ذكر بولس الرسول في القوانين انه بعيد العماد يبطل العمل لانه فيه تجلى لاهوت المسيح اذ شهد الآب عنه بالعماد . ثم نقول ان له طبيعة واحدة متجسدة لا كما يقوله الخلقيدونيون . لان لفظة هذا هو ابني لا تتناول اكثر من معنى واحد وهو كونه ابناً أزلياً فصار انساناً .  لان قوله انت هو تخص الطبيعة الواحدة . وقوله صرت يفيد البنوة بالوضع والنعمة . ولما كان اليهود يظنون ان المسيح انسان فقط حين كان يكلمهم عنه يوحنا اظهر لهم الآب انه ليس انسانا ً فقط بل الله وابن الله . لاجل ذلك قال هذا هو ابني الحبيب . ليعلموا ان الله ابناً ازلياً فصار انساناً . ونقول قد سبق الاب واخبر عن ابنه . لانه كان مزمعا ً ان يخبر عن الاب وعن ذاته ولكي لا يحسب كاذباً سبق وانبا عنه . ولتسميته اياه حبيبه عرف انه مساوياً له في الجوهر والطبيعة . بل ليبين انه مولود فريد قبل الازمنة وليس له اخوة بالطبع . وقوله ” به سررت ” انه لا يوجد بين المخلوقات من يستطيع ان يتمم ارادته الالهية كابنه وان ذكر عن الملائكة انهم مكملون لارادته واوامره لكن ليس كما يجب . لان الابن و الروح فقط قادران على ان يكملا ارادته لانهما من طبعه . وان القول ” بك سررت ” لا يفهم منه ايضاً ان الآب قد سر حديثاً بابنه . ولكن كأنه يقول اني بك اريد ان اكمل التدابير لانه اعلن قائلاً انه لا يسر بالقرابين والمحرقات وان ارادته لا تتم في ان يتبرر بنو البشر بذبائح الحيوانات بل بذبيحة ابنه وبمعموديته . لذلك قال به سررت . اي هذا هو ابني الذي به كملت ارادتي . ولذا فانه منذ اوحي بالكتب المقدسة كان ينذر بمجيئه الى العالم والخلاص به لبني البشر . وقد تم ذلك لانه بعد مجيئه منح بني البشر البرارة بالمعمودية وهو ما لم تستطع ان تفعله الذبائح الناموسية . وايضاً بواسطتك كانت مسرتي ببني البشر الذين ابتعدوا عني وانت ارجعتهم اليّ .