انطاكية والموقع التاريخي – الزيارات الرسولية الأولى والتاريخ المبكر – من نيقية الى خلقدونية

Posted by on Aug 15, 2012 in Library, السريان في التاريخ - الدكتور عزيز عطية - ترجمة حنا عيسى توما | Comments Off on انطاكية والموقع التاريخي – الزيارات الرسولية الأولى والتاريخ المبكر – من نيقية الى خلقدونية

انطاكية والموقـع التـاريخي

أعطى الموقع الجغرافي مدينة أنطاكية مكانة خاصّة في الكتابات المبكّرة التي تتعلّق بقيام الدين المسيحي . لقد برهنت الكنيسة الأنطاكية ، وإن كانت في المنفى لمدّة طويلة ، على أنـّها إحدى القوى الديناميكية في العصر التكويني الأول  للمسيحية الأولى ، وعلى أنّ لها الكفاءة والمقدرة لتكون النظير والندّ لأبرشيّتي روما والإسكندرية.

حظيت أنطـاكية بموقع جغرافي متميّز في وادي نهر العاصي ، فهي تقع على مفترق الطرق بين الفرات والمتوسّط من جهة ، وبين آسـيا الصغرى وفلسطين من جهة أخـرى . ويعود ازدهـار المدينة إلى غزارة التبادل التجاري بين البلدان الشمالية والجنوبية والشرقية والغربية ، فلقد تلاقى المصري واليوناني والسوري والآسيوي في أسواقها التـجارية ، وارتفع عدد سكّانـها قرابة القرن الرابع إلى ما يقارب النصف مليون نسمة . لقد تعزّز ازدهارها ، قبل السلوقيين ، من قبل الرومان الذين منحوها لقب المدينة المتحرّرة Civitas Libera، وهو امتياز احتفظ به الأنطاكيون حتى نـهاية القرن الرابع ، حين قرّر الإمبراطور “ثيودوسيوس الأول Theodosios I 379-395”  رفع هذا الامتياز عنهم ومعاقبتهم على العصيان الذي قاموا به ضدّ إجراءاته التعسّفية في جبي الضرائب . مع أنّه كان الملك نفسه الذي زيّـن بوّابة المدينة المسمّاة “بوّابة الغار” بطبقة من الذهب المتألّق كانت تُشاهد من مسافات بعيدة . إنّ انتـعاش المدينة وغِناها جعلاها من أعظم المراكز الرئيسية الغنيّة في العالم القديم.

ولقد اشتهرت انطاكية بمعابدها الرائعة وساحاتها العامّة وأسواقها ومسارحها وحمّاماتـها وقصورها وقنواتـها التاريخية التي اتّسمت جميعها بالفخامة والأبـّهة وتميّزت بها كمستوطنة رومانية . لقد احتلّت أنطاكية ، في وقت من الأوقات ، المركز الثالث بين مدن الإمبراطورية ، واستقبلت منذ البداية زيارات الرسـل وأصبحت حصناً من حصون المسيحية القوية . ومع أنـّها عانت الكثير في عهد الاضطهاد الروماني للمسيحيين إلاّ أنـّها كانت مركز الاهتمام الإمبراطوري فلقد بنى الامبراطور ” ديوسليتيان Diocletian ” قصراً عظيماً فيها، كما استمرّ أباطـرة بيزنطة المسيحيين في مناصـرة أنطاكية حتى تمزّقت من الانشقاق والتمرّد وخاصّة ضدّ التعليم الخلقيدوني في القرن الخامس . كان قسطنطين الكبير أوّل إمبراطور مسيحي يبني كنيسة رسمية في المدينة ، وسار خلفاؤه والمواطنون الأغنياء والأساقفة على خطاه ، ما جعلها، في الحقيقة ، الولاية الأمّ في العالم المسيحي . ولكنّ التنازع والتعصّب الطائفي بين سكّانـها أدّى إلى السخط والاستياء ، وأخيراً ، إلى انقسام هذه المدينة المزدهرة وأفولها التدريجي.

  بالإضافة إلى ما سبق . يعود انحطاط مدينة أنطاكية ، في الحقيقة ، إلى ثلاثة أسباب هامّة هي :

أولاً – سلسلة من الهزّات الأرضية ، تعود آثار الأخيرة منها إلى سنة 526 م ، وفيها تهدّم الكثير من  أبنيتها الفخمة.

ثانياً – الغزو الفارسي سنة 538 ، حيث قام الإمبراطور الساساني “كوسروس” بتدمير المدينة بكاملها تقريباً.

ثالثاً – الفتح العربي سنة، 638 ، وفيه انغمرت أنطـاكية في الإمبراطورية الإسلامية الغريبة وانفصلت نهائياً عن العالم المسيحي ، ما عدا فترة الاحتلال الصليبي التي لم يُرحّب بـها والتي زالت سريعاً.

وعند زوال مملكة القدس اللاتينية من الجزء الرئيسي من القارّة الآسيوية ، عادت أنطاكية إلى سلطنة المماليك في مصر في نهاية القرن الثالث عشر وأصبحت تابعة لإمارة حلب نظراً إلى أهمّيتها الثانوية حينذاك . ثمّ تنقّلت المدينة العظيمة من مسلم إلى مسلم حتى استولى عليها السلطان سـليم الأول بانـي الإمبراطورية التـركية سنة 1516-1517 والذي رضخت له كلّ من سورية ومصر بكاملهما . وفي عهد الخليفة محمّد علي اسـتطاعت القوّات المصرية الاستيلاء على أنطاكية مرّتين ، الأولى خلال الزحف المشهور على إستنبول في سنة 1840، والثانية في عهد الجنـرال “  Allenby ” في نـهاية الحرب العالمية الأولى في العام 1918، حيث وضعت عصبة الأمم  أنطاكية وجميع الولايات السورية تحت الانتـداب الفرنسي في العام 1920 . وحين رُفع الانتداب عن سورية في العـام 1939 أُعيدت المدينة وكلّ سـنجق إسكندرون، على نحوٍ اعتباطي ، إلى الجمهورية التركية . لقد أوردت إحصـائيات العام 1950 في الجمهورية التركية أنّ عدد سكّان أنطاكية كان 30,385 نسمة . إنّ هذا العدد صورة محزنة للمدينة بالمقارنة مع ماضيها المجيد.

هذه اللمحة الموجزة شاهدٌ على أنّ عظَمة أنطاكية في التاريخ تعود إلى أيّامها الأولى وتمتدّ حتى القرن السادس تقريباً . أمّا بطاركة أنطاكية ، الذين ازدهرت أبرشيّاتهم في المدينة نفسها لقرون عديدة ، فلقد كُتب عليهم النفي من مدينتهم التي توارثوها كما سنرى في الصفحات القادمة . إنّ التاريخ الأنطاكي المبكّر بات ضعيف الأهمـية غامضاً ومعتماً باطّراد وأصبحت مصادره ضئيلة مع تراجعها المتواصل في العصور اللاحقة . ومع مرور الزمن كانت البطريركية الأصلية في أنطاكية ، وهي الأرثوذكسية (المونوفيزية وفي ما بعد البطريركية اليعقوبية) ، السبب في أنّ الآخـرين انتحلوا اللقب نفسه ، ومن بين هؤلاء بطريركية اليونان الأرثوذكس ، والبطريركية المـارونية ، التي هي الآن تابعة لروما،  والبطريركية الملكية ، والنساطرة أو السريان الشـرقيون ، والأرمن، والجيورجيون ضمن حدود الاتحاد السوفياتي . لا أحد من بطاركة تلك الطوائف يقيم في مدينة أنطاكية في الوقت الحاضر . لقد توزّعت مناطقهم التاريخية الهامّة خلال العصور المتعاقبة بين سورية وآسيا الصغرى والجزيرة العربية وفارس وتركيا وروسيا وآسيا الوسطى والهند وحتى الصين . وبمعنى آخر لقد انتشـروا في القارّة الآسيوية بكاملها.

 

الزيارات الرسولية والتاريخ المبـكّر

طالبت بطريركية أنطاكية بحقّها في أن تكون الممثّلة الوحيدة للمسيحيين لأسباب أهمّها أسبقيتها بين جميع الكنائس المسيحية القديمة الأخرى . والحقيقة التي لا شكّ فيها أنّ تاريخها المبجّل ذُكر عدّة مرّات في العهد الجديد وعلى الأخصّ في أعمال الرسل . فيها سمّي الرسل ” مسيحيين ”  للمرّة الأولى وفيها أيضاً أُعلن الدين الجديد إلى الوثنيين اليونان لأوّل مرّة .  لقد أكّد بوسيبيوس Eusebiu  أنّ القديس بطرس أوجد كنيسة أنطاكية وأنّـه أصبح مطرانـها الأول قبل انتقاله إلى أبرشية روما ، وأنّـه ترأّس الكنيسة الأنطاكية الحديثة لمدّة سبع سنوات (33-40) . ولقد توسّعت دائرة التبشير بجهود الرسول توما ومار أداي (ثاديوس) في اتجاه شرقي الرها ونصيبين ومالابار البعيدة . وحين سقطت القدس في سنة 70 م زاد عدد اليهود المسيحيين المهاجرين إلى أنطاكية .

لقد قَدّمت معطيات أنطاكية القديمة التاريخية صورة عامّة غير مفصّلة تؤكّد أنّ أنطـاكية لاقت الشدائد منذ البداية من الاضطهاد الروماني بالمقدار نفسه الذي لاقته الإسكندرية وروما . لقد أصبحت أنطاكية هدفاً لزيارات الرسل ، كما قيل إنّ مار ” يوديوس St. Euodius ” استشهد في أيـّام حكم الإمبراطور نيرون Nero 54-68 ، ثمّ أعقبـه شـهيد آخـر هو ” مـار إغناطيوس  St.  Ignatius ” الذي قيل إنّ أحد الرسولين بطرس أو بولس هو الذي رسمه . والذي يشدّ الانتباه أنّ قصّة مار إغناطيوس الذي استشهد في عهد الإمـبراطور “ تراجـان Trajan 98-117 ” تمثّل روح ذلك العصر . فقد أخضعه الإمـبراطور نفسه للاستجواب فوجده راسخاً في إيمانه ،  فعزله من أنطاكية وأمر بأن يُرمى إلى الوحوش الكاسرة . وفي طريقه إلى حلبة روما سُـمح له بزيارة الأتباع المسيحيين ومخاطبة المؤمنين وتعـزية الذين حزنوا على موته القريب ، وتبعه في تنقّله من مكان إلى آخر قساوسة أتقياء مؤمنون ، منهم الشمّاس ” فيلو Philo ” في جولته إلى سورية . وحين وصل إغناطيوس إلى إزمير استقبله “بوليكاربPolycarp “، وفي أفسس استقبله مطرانها ” أنيسيموس Onesimus “. وبعدها ، أرسل رسـائل إنجيلية إلى المؤمنين في أفسس اعتبرت قمّة الأدب الديني لعهد ما بعد الرسل . وكان هناك العديد من الكهنة الأتقياء الذين تبعوه في أثناء تنقّله من مكان إلى آخر . بدأت رحلته إلى روما وكأنّها تظـاهرة انتصار قام بها رياضي روماني  وفيها كان إغناطيوس يعزّي الإخوة الذين تألّموا لموته المنتظر . وأخيراً افترسـته الوحوش الكاسرة امام 78000 من المتفرّجين الذين لم تقاوم لهجتهم الشرسة إلاّ شفقة أتبـاعه المسيحيين . وتقول الرواية إنّ بقاياه الضئيلة أُخذت إلى مدينته الأصلية حيث حُفظت هناك حتى القرن الخامس حين أمرت الإمـبراطورة “يودوسيا Eudocia” بنقلها إلى المعبد القديم ” للحظ ” ، وبعدها إلى إحدى الكنائس  . ولقد كُرّم هذا القديس في التاريخ السرياني حيث قام بطـاركة السريان الأرثوذكس عامّة بتبنّي اسم إغناطيوس في أثناء رسامتهم.

تشمل نقطة التحوّل الأولى مطارنة أنطاكية الأوائل المسيحيين اليهود حتى عهد ” يهوذا Judas ” عام 135 الذي يعرف بأنّه عهد آخر مطارنة الخـتان  . أمّا نقطة التحوّل الثانية في تاريخ كنيسة أنطاكية فكانت أبرشية “ثيوبيلوس Theopilus”، الأسقف الضليع والكـاتب المبدع الذي أخذ على عاتقه محاربة الأفكـار الوثنية والتعاليم الهرطقية التابعة للسوريين الغنطوسيين الأوائل ( يقول المذهب الغنطوسي أنّ المادّة شـرّ وأنّ الخـلاص يأتي عن طريق المعرفة الروحية- المترجم ) . كان أشهر أعماله Treatise To Autolycus وهو دفاع بليغ عن المسيحية وتفنيد قوي لتعاليم ” مارسيون Marcion ” ( استبدلت المارسونية المسيحية اليهودية واعتمدت في قانونها على إنجيل لوقا ورسائل بولس الرسول وتعاليمه ، وأعطت صورة قاطعة عن الانفصال بين إله الغضب في العهد القديم وإله المحبّة في العهد الجديد ، رأيها أنّ المسيح لم يُصبح جسداً قطّ- المترجم ). كانت معرفة الكـاتب ” ثيوبيلوس ” في الأديان القديمة بالإضافة إلى العهد القديم والإنجيل هائـلة جداً . إنّ تأويلاته الصوفية في المواضيع اللاهوتية ودراساته جعلت قراءاته متعة للعقل المعاصر . كان أوّل من استخدم عبارة ” الثالوث الأقدس ”  ويعتبر كتاب Treatise To Autolycus أحد الأعمال البدائية للمسيحية اللاهوتية المدوّنة والمحفوظة ،  ولقد نُشر في بداية عهد الإمبراطور ” كومودس “ Commodus  (180 – 192) حين كانت المسيحية ديناً مضطهداً.

ويبدو أنّ أنطاكية صارت بالتدريج معقلاً للأرثوذكسية بحق ، فلقد ظهر في العقد اللاحق لاهوتي آخر من أنطاكية اسمه “سيرابيون Serapion” الذي أصبح مطراناً سنة 196 وتوفّي سنة 211 . كتب سيرابيون سلسلة من الرسائل الإنجيلية وأعمالاً أخـرى موجّهة إلى اليونان وقارع خصوصاً هرطقة “مونتانس  Montanus ” من فريجيا ( لقد أدانت الكنيسة هذه البدعة وهي ترتكز على أنّ الروح القدس تدفّق على مونتانس من خلال نوبات النشوة والغشـيان التي كانت تنتابه ووحى إليه بنبوّة عودة المسيح وبتأسيس أورشليم الجديدة ، ولقد شدّدت على أهمية التقشّف والتنسّك- المترجم ) . لقد ضاع  معظم عمل مونتانس الأدبي ولم يستخلص منه إلاّ القليل الناقص .

شغلت البقيّة الباقية من القرن الثالث سلسلة من المطارنة سنأتي على ذكرهم في هذا البحث مع تفاوت شهرتهم . فعلى سبيل المثال مار “بابيلاس St. Babylas ” الذي حكم أبرشية أنطاكية ما يقارب العشر سنوات (240-250) ، وقد خـلّده “مار يوحنا فم الذهب St. John Chrysostem” وصرّح أنّ مار بابيلاس رفض بلا خوف السماح لإمبراطور روماني بالدخول إلى الكنيسة طالباً إليه أن يكفّر عن جرائمه لأنّه كان معادياً للمسيحية وعلى الأرجح كان هذا الإمبراطور فيليب العربي Philip The Arabian 244-249 . ويقول “الدهيلم Aldhelm ” مطـران ” شيربورن ” وشاعرها  في ترجمة لاتينية قام بهـا إنّ مار بابيلاس فقد حياته في اضطهاد “ ديسيوس Decius” 249 – 251 ”  ويشير الدهيلم أيضاً إلى طائفة خاصّة تكوّنت حول اسم ” مار بابيلاس ” في أنطاكية ووجدت طريقها إلى الغرب في القرن الثامن .

وعلى العكس من حياة مار بابيلاس كانت حياة ” بولس الساموساتي  Paul The  Samosata ” غنيّة بالنجاح والفشل . فقد أبدع إحدى الهرطقات المعروفة ، ومن عائلة متواضعة جمع ثروة عظيمة استخدمها ليصبح مطراناً لإنطاكية (260-270) . كان تحت حماية الملكة زنوبيـا ملكة تدمر ومعلّمها الخاصّ في حداثتها . وكسلف لنسطور ، كان أوّل من طرح ركائز التعليل اللاهوتي لازدواج شخصية المسيح وأوّل من اسـتخدم العبارة الشهيرة  “المتسـاوي الجوهر Homoousios ” في أثناء خلافه مع المطارنة الآخرين الذين رفضوا تعاليمه . لقد اقتضى خلع المتمرّد بولس انعقاد مجمعين في أنطاكية : انعقد الأول بدعوة من قبل “ديونيسيوس الاسكندري” في 264 . وجرى فيه نقـاش حامي الوطيس وإذ رأى بولـس أنّ لا غلبة له تظاهر بالاقتناع وخالف ظاهرياً مبدأه القائل باتحاد جسد المسيح ودمه بالخبز والخمر المقدّسين consubstaniation. وانعقد المجمع الثاني في أنطـاكية حين عاد بولس إلى هرطقته ، وقرّر هذا المجمع في سنة 269 خلعه.

توصف القرون الثلاثة الأولى في الكنيسة الأنطاكية بحقّ بأنـّها عهد الاضطهاد والاستشهاد في سبيل الإيمان . لقد مات القليل من بطاركتها في فراشهم بسلام في حين استشهد الكثير منهم. فحين نقرأ عن الألوف من شهداء الكنيسة في عهد نيرون وبعده . ولعلّ أبرز مثال كان الأحد عشر ألف شهيد في عهد “تراجـان Tarajan” 98-117، لقد كانوا جنوداً اعتنقوا المسيحية بالجملة فأبعدوا عن الوطن بأمر من الإمبراطور إلى أدغال أرمينيا حيث قتلوا جميعاً عن يد خلفه “هادريان Hadrian” 117-138 . ومع أنّ عزيمـة  الكنيسة كانت قد تحطّمت عن يد السيّء السمعة بولس الساموساتي،  إلاّ  أنّها استردّتها من أتباع قديسين منهم “لوسيان Lucian” الكاهن اللاهوتي مؤسّس المدرسـة الأنطاكية اللاهوتية العظيمة والشهيد الذي مات في “نيكوميديا” في ليلة صدور “مرسوم ميلان” الذي حرّر جميع المسيحيين .ك ان “لوسيان” باحثاً اشتهر بدراسته الكتاب المقدس ، وهو الذي عدّل الإنجيل وترجمة العهد القديم اليونانية . لقد أثبت “لوسيان” بطلان القول أنّه كان تلميذاً لبولس الساموساتي ، ولكنّه قيل إنّ بعض البذور الأريـانية (التي تنكر الطبيعـة الإلهية في السيّد المسيح-المترجم) تعود آثـارها إلى مدرسته التي كان آريوس أحد أفرادها النشيطين . لقد قامت مدرسة “لوسيان” بدور كبير في ترسيخ العقيدة المسيحية وتعاليمها والمحـافظة على استقرارها . لقد خرّجت هذه المدرسة شخصيّات تاريخية ارتبطت بأنطاكية منها : “ديودورس  Diodorus” خليفة “لوسـيان” الذي علّم “يوحنـا فمّ الذهب John Chrysostem”، و”ثيودور المصيصي Theodore Of Mosuesita ” الذي وجّه المشهور نسطور بطريرك القسطنطينية ، كما علّم اللاهوتي والمؤرخ الشـهير “ثيودورت Theodoret” مطران “سيرحوس  Syrhus” في سورية.

 

من نيقيـة إلى خلقيـدونية 

عُقد المجمع المسكوني الأول في نيقية سنة 325،  ولقد تألّف الوفد الأنطاكي من عدد هائل من المطارنة 17 منهم مطرانها الرئيسي وممثّلها في المجمع “يوستاثيوس Eustathius الذي كان على مستوى “هوسيوس Housius” مطـران “كوردوفا Cordova” الذي كان مستشار الإمبراطور قسطنطين الخاصّ في موضوع الدين ، ومنهم أيضاً إسكندر بطريرك الإسكندرية ، الذي ترأّس المجمع. والحقيقة، لقد قيل إنّ الثلاثة شاركوا في رئاسة المجمع ووجّهوا أنظار العالم  إلى دور الإسكندرية وأنطاكية والقسطنطينية الرئاسي . قد يكون من الخطأ الزعم أنّ أنطاكية كانت غير مخلصة في ولائها للأرثوذكسية . لأنّ من يتابع مناقشات المجمع النيقاوي يشعر فوراً بانشقاق جوهري يؤكّد عكس ذلك . لقد خدم “آريوس  Arius “في مدرسة أنطاكية مع المطران “يوسيبيوس النيكوميديEusebius of  nicome ” ، وقدّم أتباعه نصّ عقيدة الإيمان لمجمع نيقية وقد برزت فيها النـزعة الآريوسية التي رفضها بكاملها معظم المطارنة.

ظهرت بعد مجمع نيقية ثلاث فرق في أنطاكية . الفرقة الأولى أو فرقة “يوسيبيان  Eusebian”،  وقد اتّبعت أوامر نيكوميديا وسيزاريا أي بكلمة أخرى العمل ضدّ قرار المجمع ولكن دون التظاهر بالعداء المكشوف له ، لأنّ الإمـبراطور قسطنطين لن يسمح بذلك. لقد تابعت الفرقة نشاطها بهدوء مشوّهة قرار المجمع . أحرزت هذه السياسة تقدّماً ملحوظاً من خلال دعم هيمنة “يوسيبيوس النيكوميدي” ، الذي عمّد الإمبراطور في مرضه الأخير (337) ، وأقنع خليفته “كونستانتيوس Constantius” 361 بنفي ” أثناسـيوس ” من الإسكندرية . أمّا الفرقة الثانية فتمثّلت في “يوستاثيوس Eustathius” 330 الذي وقف بصـلابة مع قوانين مجمع نيقية وقراراته ، ومثّل بذلك الموقف الرسمي للأرثوذكسية إلى أن أصبحت الآريـوسية أكثر شعبية في الإمبراطورية فخُلع المطران “يوستاثيوس” ونُفي إلى “ثرسي Thrace” ، حيث توفّي هناك . تألّفت الفرقة الثالثة من الأتقياء وذوي الإيمان الثابت الذين ناصروا قوانين نيقية ولكنّهم أطاعوا المطرانية ، مهتمّين قليلاً بتفاصيل الخلاف ومعارضين الانشـقاق في المبدأ . لقد كان من الصعوبة في تلك الأوقات إيجاد أيّ لاهوتي بليغ يتكلّم في أيّة بدعة دينية دون أن يُشكّ فيه . حتى “يوستاثيوس Eustathius” اتّهم بالهرطقة واعتبر تحليله اللاهوتي لشخص المسيح وعمله مماثلاً لتحليل نسطور.

والواضح أنّ الآريوسية لم تقمع في عهد “بوستنيسين  Postnicene”، فكلاهما:   الإمبراطور والسُلطة في القسطنطينية وأنطاكية  بالإضافة إلى أبرشية الشرق العظيمة، تأرجحوا بين آريوس وأثناسيوس حتى أصبح “ميليتسMeletius مطراناً على أنطاكية في العام 360 فرحّب به الجانبان النيقاوي والآريوسي وتطلعّا إلى دعمه . ولكنّ الامبراطور “كونستانتيوس “Constantius أقال ميليتس من منصبه مؤقّتاً نظراً إلى ميـوله الأرثوذكسية ، في حين لم يحظَ بأيّ دعم من “أثناسيوس” لبدعته . كما أقاله الإمبراطور “فالينز Valenz” مرّتين ثمّ أعيد إلى مركزه السابق في العام 378 ليترأّس مجمع القسطنطينية في العام 381 حيث توفّي في السنة نفسها  كان ميليتس رجلاً قديساً ترك وراءه انشقاقاً في فئة الأرثوذكس نفسها ، لأنّ أتباع “يوستاثيوس Yostasius، وبالتحديد “بولينوس Paulinus” ، شكّوا في لاهوته ورسموا بولينس سنة 362 معارضاً المطران ميليتس .

ثمّ كان عهد “يوحنا فم الذهب “John Chrysostom 347 – 407” ، الذي تلقّى علومه في المدرسة الأنطاكية بإشراف ديودورس خليفة لوسيان (مؤسّس مدرسة أنطاكية) وقد رفع يوحنا ، دون رغبته ، كاهناً في أبرشية القسطنطينية . إنّ فضائـله وانتقاده الحادّ للمحكمة الإمبراطورية جلبا عليه العداء وأدّيا في النهاية إلى إقالته . حتى فم الذهب لم يستطع الفرار من يد الزمن الحديدية . كان هذا العهد غنياً بأسـماء عظيمة من مطارنة ولاهوتيين كالآباء الكبوشيين الثلاثة : “مار غريغوريوس النازيانزي “St. Gregory of Nazianzen 329-389  و” مار غريغوريوس النيصي  St. Gregory of Nissa”  و ” مار باسيليوس الكبير  St. Basil the Great ” وفي القدس المطران “مار سيريل St. Cyril 315-386) وفي نصيبين والرها “مار أفرام الكبير “The Great St. Ephrem  356- 373)، المفسّر السرياني للكتاب المقدّس الذي أغنى تراث المسيحيين الشرقيين الأدبي ، والكثيرين من آباء الكنيسة المصرية العظام الذين ألّفوا تاريخاً خاصّاً بهم.

لقد حافظت أنطاكية على سُلطتها الكنسية على جميع مطرانيات المشرق على الرغم من ازدياد أهل الهرطقة والانشقاق . وعزّزت نيقية امتيازاتها في سورية وفلسطين وقبرص والجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين بما في ذلك فارس والهند . وتطلّعت كنائس سيزاريا والرهـا ونصيبين ومالابار وسلوقية إلى أنطاكية من أجل القيادة الروحية،  على الأقلّ في القرون المبكّرة . وأخيراً،  أقـرّ مجمع القسطنطينية في العام 381 سُلطة أنطاكية . لقد قدّرت السلطة القضائية الفترة الزمنية في أنطاكية ما بين القـرن الرابع والقرن السابع بأنـّها ضمّت 11 مطراناً و 127 أبرشية لرعاية شؤون المؤمنين.

في سنة 429 تبوّأ يوحنا الأنطاكي  John of Antioch كرسيّ المطرانية ، وفي عهده توحّدت فروع الكنيسة ولكن لمدّة قصيرة فقط . أمّا التوتّـر الجديد داخل الكنيسة فكان قادماً من جهة أخرى عن طريق شيخ أنطاكي يدعى “نسطور Nestorius” ، وهو تلميذ مشهور لثيودورس المصيصي في مدرسة أنطاكية وقد أصبح بطريرك القسطنطينية بعدها . أدّت مناقشاته ومجادلاته في موضوع طبيعتي السيّد المسيح إلى عقد المجمع المسكوني الثالث في أفسس 21 سنة 431 بدعوة من  الإمبراطور “ثيودوسيوس الثانيTheodosius II “. أمّا خصم “نسطور” اللدود فكان “سـيريل” بطريرك الإسكندرية الذي دفع المجمع إلى أن يصدر قراراً ضدّ “نسطور” بتهمة الهرطقة ، ومن ثمّ إقالته في الوقت الذي كان الوفد الأنطاكي المتأخّر يدخل مدينة أفسس التي كانت تحت إشراف المطران يوحنا . لم تجدِ نفعاً دعوة يوحنا إلى عقد مجمع آخر لتبرئة “نسطور”، إذ اتفق المطران يوحنا مع CyRIL بعد عامين وكانت لهذا الاتفاق نتائج كبيرة في الشرق والغرب . وبما أنّ أنطاكية كانت مع  الإسكندرية في تحليل طبيعة المسيح اللاهوتي الخاصّ بالسريان الغربيين (الأرثوذكس) ، لذلك وقف السريان الشرقيون إلى جانب نسطور المعزول وصُبغت كنيستهم باسمه فدُعيت الكنيسة النسطورية ، ونظرت روما إلى لاهوت الإسكندرية المسيطر بحذر وقامت بمحاولات عديدة لنقضه . يظهر هنا أنّ الانشقاق الديني بدأ يأخذ أبعاداً جديدة.

إنّ الذي زاد النقاش حدّة في ما يتعلّق بمفهوم “نسطور” لطبيعة المسيح هو ظهور أسقف آخر خالف تحليل نسطور اللاهوتي منذ البداية هو “يوطيخس EUTYEHES” (354-378) رئيس إحدى الرهبانيات في القسطنطينية. ولقد حاول عبثاً بطريرك القسطنطينية “فلافيان FLVIAN” أن يُثنيه عن خطأه ولكنّ جميع محاولاته باءت بالفشل.

والذي زاد الطين بلّة موت الممثّلين الرئيسيين في مسرحية أفسس الأولى : “يوحنا الأنـطاكي” و “سيكستس SIXTUS” في روما (440) ، و”سـيريل الإسكندري” ( 444). وخلفهم “دومنس الثاني DOMNUS” في أنطـاكية الذي لوحظ أنّه يميل إلى “ليو الاول” في روما، ضد المونوفيزي الأرثوذكسي المتحمّس “ديوسقوروس الاسكندري” الذي دعم “يوطيخس” ثمّ عزلـه بطريرك القسطنطينية وأدانه . عُقد المجمع الثاني في أفسس سنة 449 بدعوة من “ثيوديسوس الثاني Theodosius II” (408-459 ) الذي كان قد وقع تحت تأثير الفئة اليوطيخية من خلال تعـاطفه مع حاجبه الخصيّ “كريسافيوس”. لقد برّأ المجمـع “يوطيخس” ولعن كلاًّ من “فلافيان “FLAVIAN  و “دوميـنس الثاني DOMNUS” في لقاء عاصف عرف منذ ذلك الحين “بمجمع اللصّ” . ولكنّ النجاح كان مؤقّتاً وقرار التغيير توقّف على الإمبراطور الجديد “مارسيان” (450 – 456) الذي أصـغى إلى “المجلّد العظيم” ، وهو رسالة إنجيلية  أنكر فيها “ليو الأول” مطران روما (440-461) نتائج ذلك المجمع بكاملها.

في العام 451 دعا الإمبراطور “مارسيان” إلى عقد المجمع الخلقيدوني المسكوني العام الذي اتـّهم بدوره “ديوسقورس” و”يوطيخس” وحرمهما ثمّ عزلهما ونفاهما ، وتبنّى دعوة ليو الأول كقاعدة أسـاسية للتعليل اللاهوتي للأرثوذكس والاهتمام بالعلاقة ما بين الشرق والغرب. صحيح أنّ الإمبراطور ربح اعترافاً كاملاً بمنصب البطريرك في أبرشية القسطنطينية التي دُعيت “روما الجديدة” وذلك بواسطة   عضواً من الأعضاء ، إلاّ أنّه لم ينجح في إصلاح العلاقة ما بين الشرق والغرب ، فلقد زادت سوءاً حين حاول رجال الدين الموالون للحـكم الإمبراطوري أو الملكيون فرض نتائج المجمع على الإسكندرية والقدس وأنطاكية ما أدّى إلى سفك دماء كثيرة وإلى يقظة الهويّة القومية مع نزعة (مونوفيزية) أرثوذكسية . إنّ التناقض الظاهري في مجمع خلقيدونية هو أنّـه كرّم “سيريل” إلاّ أنّه شجب تعليله اللاهوتي ، في حين أنّه أدان “نسطور” في الوقت الذي دعم قوله إنّ الطبيعتين الإلهية والإنسانية وجدتا معاً في يسوع المسيح

أتت الخطوة الجدّية  الثانية في تطوّر الأحداث في عهد الإمبراطور “زينو”  (474 – 491) الذي كان متحمّساً لوحدة الكنيسة في الصيغة التي ابتدعها ” أكاسيوس Acasius ” بطريرك القسطنطينية و”بيتر مونغوس Peter Mongus” بطريرك الإسكندرية . اشتهرت هذه الصيغة باسـم “مرسوم الاتحاد” وقد أقرّها الإمبراطور سنة 482 . ومع أنّ هذا المرسوم لعن ” نسطور ” و ” يوطيخيس ” أو الأرثوذكسية ، إلاّ أنّه تجنّب التطرّق إلى موضوع ” الطبيعة الواحدة ” أو ” الطبيعتين “، وتجنّب ذكر الأسلوب القسري المستخدم ضدّ المونوفيزية . لا شكّ في أنّ هذا ردّ بعض الاعتبار إلى الأرثـوذكس إل حدّ ما ، إلاّ أنّه كـان بعيداً عن إرضاء أيّـة فرقة من الفرق ، فضلاً عن ذلك،  فقد أسرع الرومان الحانقون إلى حرمـان ” أكاسيوس” ، الذي انتقم من كبير الكهنة لإغفال اسمه من الطقس الديني البيزنطي ، ومن المحتمل أنّ هذه كانت نتيجة الوضع الجديد الوحيدة.

 

من ناحية أخرى ، أين وقفت أنطاكية من هذا الاضطراب؟

لم يخفِ رجال الدين وجمهور المؤمنين في أنطاكية ميولهم التقليدية المتزايدة نحو الأرثوذكسية ، ونجحوا في رفع المرشّح الأرثوذكسي إلى الكرسي البطريركي . والذي زاد من شـعبية الحركة في الشرق تحديد هذه الاتجاهات الدينية وقيام الشعور القومي . وتمثّل حياة “بطرس القصّار Peter The Fuller” الذي صار بطـريركاً لأنطاكية في العام 465 صورة واضحة عن هذا الوقت المفعم بالقلق ، لقد عُزل مرّتين لأرثوذكسيته واسترجع مركزه حين تظـاهر بقبوله مرسوم الإمبراطـور “زينون”، الذي حثّ على تسوية الخلاف استناداً الى مرسوم نيقية الذي رفضته جميع الكنائس الغربية وقبلته معظم الكنائس الشـرقية . مع ذلك،  أدخل بطرس القصّار، وللمرة الأولى، إلى الكنيسة الأرثوذكسية فقرة “من صلب لأجلنا ” إلى الثلاثي المكرّر في الطقوس الدينية الشرقية التي تردّد ” الإله القدوس ، العلي القدوس، والخالد القدوس ، أعطنا الرحمة “. وهو المسؤول أيضاً عن إحياء مصطلح  ” أمّ الله ” في كل قداس نسبة إلى العذراء مريم.

ولكنّ أعظم نصير للمونوفيزية الأرثوذكسية في مبادئها وتعاليمها كان البطريرك “سويريوس”24 (465 – 538)، الذي كان مرتبطاً تماماً مع الإسكندرية ، حيث درس فيها حين كان يافعاً و التجأ إليها مرّات عديدة لاحقاً حين فرّ ليتجنّب اعتقاله كلّما قررت السُلطة . لقد تزامنت بطريركيته مع حكم الأباطرة “أناستاسيوس Anastasius ” و”جوستين الأول”Justin I  و”جوستينيان Justinian”. في البداية كان “سويريوس” مؤيّداً “لأناستاسيس” (491- 518) الذي أعطى السريان الارثوذكس الحماية . ولكنّ “جوستين الاول” نقض سياسة سلفه في العام 518  ما دفع “سـويريوس” إلى الفرار من أنطـاكية إلى الإسكندرية حيث قام البطريرك “تيموثي الرابع   Timothy” بحمايته . ولقد حُرم “سويريوس” كنسياً في أثناء حكم “جوستينيان” وذلك بواسطة مجمع القسطنطينية في العام 536 ، ولكنّه ظلّ ضدّ الخلقدونيين حتى موته سنة 538 . كان سويريوس لاهوتياً عظيم الشأن ترك وراءه أعمالاًكثيرة مهمّة معظمها متوافر باللغة السـريانية . لقد طوى موته صفحة جديدة في سجلاّت أبرشية أنطاكية فمنذ ذلك الحين وحتى الآن ظلت أبرشية أنطاكية خاضعة لفئتين : ففي الوقت الذي مثّل الخلفاء المنافسون لسـويريوس (السينودس أو الملكيون) اتجاه اليونان الأرثوذكس، مثّل السريان أو المونوفيزبون ، والذين عرفوا في ما بعد باليعاقبة نسبة إلى يعقوب البرادعي أحد قديسي تلك الكنيسة العظام ، إتجاه الأرثوذكس . وفي حين تطلّعت فئة إلى الغرب أو بيزنطية ، تطلّعت الأخرى إلى الشرق بحثاً عن الاستقلال عن اليونان.

تميّز ميراث ذلك العصر، على الأرجح ، بالسلطة المزدوجة ومذهب الايمان بثلاثة أقانيم متميّزة . وفي حين أنّ الأوّل صار سمة ثابتة للتاريخ الأنطاكي ،  ثبت أنّ الآخر سريع الزوال دون أن يخلو من الأهميّة . ويقول بطريرك اليعاقبة مار ميخائيل السـرياني : إنّ هذا الإيمان يعود إلى خيال راهب غير مشهور من القسطنطينية اسمه “يوحنا اسكناجيس  Asqucnages . ظهر في عهد الامبراطور “جوستنيان” وأدّى رفضه فكرة الوحدة بين الأقانيم الثلاثة إلى الافتراض أنّه كان هناك ثلاثة أقانيم منفصلة  بعضها عن بعض . ومع أنّ الصمت فرض عليه حتى مماته إلاّ أنّ تعاليمه وجدت لها بعض المؤيّدين الأقوياء  بين الفلاسـفة واللاهوتيين . كان أحد المؤيّدين له “يوحنا فيليبوس” شارح “أرسـطو” ، وآخرون  منهم “فوتينس” (قس أنطاكية) و”أثناسيوس” (أحد أقرباء الإمبراطورة “ثيودورا”) و”سرجيوس” (قس من تيللا أصبح بطريركاً لأنطاكية) . ومع أنّ مدرسة التثليث لم تُعمّر طويلاً،  إلاّ أنّها كانت دليلاً على أنّ انهـيار السريانية المونوفيزية  على وشك الحدوث . ولم يستطع أحداً أن ينقذ الأرثوذكسية السريانية إلاّ رسول جديد ظهر في شخص يعقوب البرادعي.