النساك والعموديون السريان

Posted by on Aug 15, 2012 in Library, السريان في التاريخ - الدكتور عزيز عطية - ترجمة حنا عيسى توما | 1 comment


كان نموذج الرهبنة اليعقوبي (الأرثوذكسي) قد تطوّر على نحو تميّز بتقشّف هائل ، ومنذ البداية وقع هذا النموذج تحت تأثير النسّـاك والعموديين ولكنّه ، تجدر الملاحظة أنّه لا يمكن تصنيف تاريخ الرهبنة المبكّر في المناطق الآسيوية من الشرق الأوسط على أنّه يعقوبي أو نسطوري ، سرياني أو سرياني شرقي ، منوفيزي أو ديوفيسي . إنّ هذه الفروقات ظهرت بوضوح عند انقطاع العلاقات مع أنطاكية ، وبلغت أوجها حين انتحل “باباي الثاني” اللقب البطريركي في سنة 498 . لذلك ، وحتى ذلك الوقت ، لا بدّ من دراسة المراحل الأولى لظهور تعاليم الرهبنة المصرية ونموّها بالاشتراك مع تلك التي تخصّ الرها ونصيبين وأنطاكية والمدائن ، بالإضافة إلى دَور القديس “أوكين” ( من بلدة القلزم ) الرائد الهامّ الذي استهلّ حركة الرهبنة في بلاد ما بين النهرين العليا خلال القرن الرابع.

 

مع وجود الخلافات بين الأنطاكيين الأرثوذكس وبدعة النساطرة منذ العقود الأولى للقرن الخامس ، الاّ أنّ التعاون بين الاتجاهين – المذهبين ظلّ فعّالاً في الكنيسة وحياة الرهبنة. ففي أبرشية الرها ، مثلاً ، جاء “إيباس” (457 م) وهو غير أرثوذكسي خلفاً “لرابـولا  الكبير” المعروف بإخلاصه للأرثوذكسية . لذلك من الخـطأ تصنيف الأديرة المبكّـرة على أنّها مقصورة على جماعة دون أخرى إلاّ في حالات استثنائية جدّاً . لقد أخذ التمايز شكلاً واضحاً تدريجياً في وقت لاحق كنتيجة طبيعية لتفاقم حدّة الخلاف بين السريان الغربيين والشرقيين وذلك تحت تأثير عدّة عوامل تاريخية خفيّة . مع ذلك يجب قبول الفـرضية القائلة بأنّ اليعاقبة كانوا مرتبطين بالأديرة الواقعة شمال بغداد وحول تكريت ، في حين سيطر النساطرة على الأديرة الموجودة في جنوب بغداد بما في ذلك مدينة المدائن كمركز لنشـاطهم الديني . لقد ظهرت بغداد نفسها باقية على نحوٍ رئيسي تحت النفوذ النسطوري.

 

ثمّة شبه يقين بأنّ الرهبان السريان تبنّوا حياة الرهبنة خلال القرنين الرابع والخامس . فلقد كشفت الأدلّـة عن وجود ما لا يقـلّ عن خمسة وثلاثين ديراً جاهزاً في بلاد ما بين النهرين والمناطق المتاخمة لها وذلك ما بين القرنين الرابع والخامس ، كما تجـلّت النـزعة إلى التنسّك الصارم بين صفوف رهبان الكنيسة السريانية وذلك واضح من خلال حولياتها المبكّرة . إنّ تواريخ القدّيسين السريان ممتلئة بأولئك الرياضيين الروحيين الذين كبحوا جماح شـهواتهم، ابتداءً من “مار أوكين” ( توفّي 363) ومروراً بيعقوب البرادعي ( توفّي 578) ومن جاء بعده.

 

 ولكنّ الميّزة المثيرة للدهشة والاستغراب في قصّة التنسّك السرياني كان ظهور طبقة من القديسين الذين تخلّوا عن العالم واعتزلوا فوق قمم أعمدة قديمة أو فوق أعمدة شـيّدوها بأنفسهم ، وعُرف هؤلاء النسّاك باسم ” العموديين ” . لقد قيل إنّ الذي ابتدع هذا النمط من الحياة وشجّع عليه كان القديس سمعان العمودي (389-459) ، وتظهر التفاصيل المتعلّقة بمهامّ هؤلاء النسّاك أنّهم أقـرب إلى الأسطورة بحكم شخصياتهم الخارقة لما هو بشريّ . مع ذلك كلّه اتّفق كتّـاب سـير القدّيسين من يونان وسريان وجورجيين وأرمن وعرب على سيرة سمعان العامودي التي تمثّل فصلاً مشرقاً في تاريخ الكنيسة السريانية ومفهوم التنسّك السرياني.

 

وُلد سمعان العمودي في “سيس” ضمن تخوم سورية وكيليكيا من والدين تقيين ، وأمضى طفولته يعمل راعياً ، ولم يتلقَّ  أيّـة ثقافة . وفي عزلة الجبل أتاه في الرؤيا أنّه ينبغي أن يعيش حياة البرّ والقداسة . ولمّا بلغ السادسة عشرة من العمر التحق بجماعة من الرهبان المجاورين حيث أمضى العشر سنوات الأولى من حياته النسكية. قـام في بداية شبابه بأعمال فذّة في مجال التنسّك وتعذيب النفس ، الذي أرعب رفاقه الأكبر منه سنّاً وجعلهم ينفرون منه. كان القديس سمعان يأكل مرّة كلّ أسبوع في الوقت الذي كـان فيه سائر الرهبان يأكلون مرّة كلّ يومين . وكان قد ربط حبلاً خشناً من ألياف شجر النخيل حول جسمه ، تحت ثيابه ، ولكنّ أمره افتضح حين شـاهد أتباعه آثار الدماء السائلة من جسمه . لقد رفـض استعمال مرهم ضد القروح التي كان يعاني منها . وحين قرّر رئيس الرهبانية أن يطرده من الدير ، هرب إلى الجبل واختبأ في إحدى مغاوره لمدّة خمسة أيام ، إلى أن ندم رئيس الرهبانية على فعلته وأرسل رجاله يطـوفون الريف ليعودوا به إلى حظيرة الرهبان . لم يبقَ معهم طويلاً لأنّ نفسه كانت تطمح إلى تقشّف أشدّ وطأة .

 

ولمّا اعتزل في قفار “تيلنشين”، على بعد أميال من أنطاكية ، طلب من بنّـاء هناك أن يبني له حائطاً يسدّ به باب مغارته ويتركه فيها مدّة أربعين يوماً دون مؤونة نظراً إلى موعـد الصوم الكبير . إلاّ أنّ البنّـاء ألحّ قبل إغلاق باب المغـارة على ترك عشرة أرغفة من الخبز وجرّة ماء لمنعه من القيام بمهمّة انتحارية . ولمّا عاد  البنّاء في نهاية الصـوم رأى المؤونة كما تركها والقدّيس ساجداً يتأرجح بين الموت والحياة ، وبعناية وتدبير استرجع القدّيس سمعان عافيته. وبناءً على ما قاله “ثيودورت”، كاتب سيرته ، فإنّ القدّيس سمعان كرّر هذا الاختبـار المخيف على مدى ثمانٍ وعشرين سـنة متوالية وتكلّلت هذه الاختبارات كلّها بالنجاح . فليس بالأمر الغريب أبداً أن تعمّ شهرته العالم المسيحي كلّه ، ويتوافد الحجّاج على صومعته لزيارتها.

 

صنع القدّيس سمعان معجزاتٍ كثيرةً شفى فيها المشلولين والمرضى ، وبارك النساء العواقر فأنجبنَ أطفالاً . وكان يضطرب من ازدياد توقير الناس لشخصه،  أو كلّما حاول الرجال والنساء لمسه واقتطاع جزء من ردائه الجـلدي كتذكار مقدّس . ولقد تبادر الى ذهنه حلّ لهذه المشكلة وذلك بارتقاء قمّة أحد الأعمدة ليكون في عزلة تامّة . لهذا، بنى لنفسه عموداً ارتفاعه 11 ذراعاً، ورفعه بعـدها إلى 17 ذراعاً ثمّ إلى 22 ذراعاً ، وأقام فوقه مدّة سبع سنوات . وحين استهوته الفكرة زاد الارتفاع  إلى 40 ذراعاً وقضى الثلاثين سنة الباقية من حياته واقفاً على العمود معرّضـاً نفسه لشتىّ العوامل الجوّية لا يحميه شيء إلاّ غطاء على رأسه. وفي إحدى المرّات شاهده زائر من “رافينا ” في وضع خارق لطبيعة البشر ، إذ كان بدون طعام وشراب ، فسأله هل هو إنسان أم ملاك !

 

 أمر القدّيس سمعان بإحضار سلّم للزوار ليجيئوا إليه ويلمسوا جسده . كان يعظ مرّتين في اليوم ، أما في أثناء الليل فكان يرفع يديه إلى السماء مصلّياً حتى الفجر . قام سمعان بمعجزات كثيرة وحوّل الوثنيين عن معتقداتهم. ولمّا استمرّ الحجّاج بزيـارته من كلّ منطقة في سورية ، وأرمينيا ، وجورجيا ، وفارس،  والجزيرة العربية ، فضلاً عن إسبانيا،  وبريطانيا ، وبلاد الغال ، وإيطاليا،  أُقيمت مستوطنة حول عموده.

 

حين مات القدّيس سمعان قام ستّة مطارنة بحراسة جثمانه مع 600 جندي تحت إمرة القائد “أردابيرس” قائد “الفصائل” ، ووُضعت بقـاياه الكريمة في تابوت من الرصاص ونُقل في موكب حافل إلى كنيسة “كاسيانوس” ومنها ، بعد شهر ، إلى كاتدرائية أنطاكية . وارتفع حول عموده مبنى هائل مثمّن الأضلاع تعلوه قبّة عظيمة محاطة بأربع كنائس بُنيت على هيئة صليب . أمّا فنّ قلعة سمعان المتهدّمة وعمارتها فيجعلان المتفرّج عاجزاً عن التعبير عن إعجابه بضخامة تلك الأبنية وجمال نقش حجارتها ووقارها العجيب.

 

لم يدرك القدّيس سمعان المتوفّي أنّه جاء إلى الحياة النسكية بنموذج جديد . لقد حذا حذوه العديد من نسّاك الكنيسة السريانية طيلة العصور الوسطى ، وتخطّت هذه الحركة النسكية حدود الكنيسة السريانية وانتشرت في مصر واليونان . ففي مدينة “سميساط” السورية أمضى “دانيال السميساطي” (المتوفي في العام 502 ) اثنتين وأربعين سنة على عمود . كما أقام “سمعان الأصغر” الرهاوي ( المتوفّي في العام 592 ) فوق عمود لمدّة 25 سنة قام فيها بعجائب كثيرة . واختلى “مار ميخائيل” تلميذ مار آكا فوق عمـود ، بعد أن بنى ديراً في مدينة نينوى القديمة ، حيث بقي هناك حتى وفاته سنة 556 عن عمر يناهز 105 سنوات . وكان هناك عموديـون حتى في فترة حكم العرب . فالقدّيس يوحنّا الأثاربي (من الأثارب قرب حلب) صرف السنوات الأخيرة من القرن السابع والسنوات الأولى من القرن الثامن على عمود.  كان الأثاربي مفسّراً للكتاب المقدّس وفلكياً ومؤرّخاً جديراً بالتقدير ، وقد استخدم كتابه التاريخي الذي فُقد مـؤرّخٌ مشهور هو “مار ميخائيل الكبير”. هذا وقد شاهد حجّاج من مناطق أوروبية نائية عموديين في أثناء رحلاتهم في الشرق وأشار القدّيس “ويليبولد” (723) إلى مثالين للعموديين ، والتقى الكاهن الروسي “دانيل”(1106-1107) واحداً من العموديين في بيت لحم.كما أنّ “توما المرجي” جاء على ذكر واحد من العمـوديين اليعاقبة في القرن التاسع كان في “بيث كارداغ” ، وفي أثناء عاصفة مصحوبة ببرد سقط العمودي ميتاً وكان موضع سخرية من قِبل المطران النسطوري في “أديابين”. أما “باسيل الثاني” الذي أصبح بطـريركاً يعقوبياً في العام 848 فقد كان في الماضي نزيل ديـر “بيث بوطين” في ما بين النهرين وكان يعرف باسم “لعـازر العمودي . أمّا القدّيس “ألبيوس” التابع “لأدريانبل” الواقعة ضمن “بافلاكونيا” فهو من بين الأمثلة البارزة للقدّيسين الذين ليسوا من سورية، وتوفّي “ألبيوس”خلال حكم الإمبراطور هرقل (610-614) بعد أن أمضى سنين عديدة على عمود، وكان “ألبيوس”يتمتّع بموهبة التنبّؤ . أما “القدّيس لوقا” الذي كان من الأناضول فقد عاش في القرن العاشر قرب خلقيدونية المعروفة بأهمّيتها التاريخية ومات فوق عمود بعد أن بلغ مائة عام . وكان في مصر أيضاً عمودي يدعى “ثيوفيلوس” (المعتـرف) ذكره المؤرّخ “يوحنّا نيكيو” في فترة حكم هرقل . كانت هناك أعمدة قديمة يعيش العموديون فوقها أحياناً، منها  عمـودان أقامهما “ثيوديسيوس” و”أركاديوس” في القسطنطينية وتبيّن أنّهما استُخدما لهذا الغرض في القرن الثالث عشر حين حلّ إثنان من العموديين محلّ تمثالين للأباطرة كانا قد أُزيلا من فوق العمودين.

 

ومع أنّ ذلك النمط من العيش يتطلّب جلد بطل روحي وعزيمته ، إلاّ أنّه لم يكن مستحيلاً تماماً . إذا أخذنا كمثال فإنّ تاج عمود الإمبراطور “بومبي” في الإسكندرية القديمة كان بعرض عشر أقدام تقريباً وكانت فيه ثغرة كبيرة تتّسع لقاعدة تمثال ديوكليتن . وفي إمكاننا أن نستنتج ممّا بقي من عمود القدّيس سمعان في قلعة سمعان أنّ طول كلّ طرف من أطراف التاج المربّع كان لا يقلّ عن ستّ أقدام . بالطبع،لم يكن العمودّي منفصلاً كلّياً عن سائر البشر ، إذ كان هناك سلّم مسند إلى العمود يعين تلاميذه والمعجبين به في تزويد معلّمهم بالقليل من المؤن . وفي بعض الحالات كانت هناك دعامة أقيمت فوق العمود لكي يستند العمودي إليها ، لأنّ أغلبية العموديين أمضوا حياتهم واقفين . لقد شهدت الأزمنة الحديثة بين الحين والآخر بعض العموديين ، وآخر مرّة ورد فيها ذكر أحد العموديين كانت قرابة العام 1848 من قِبل الرحّالة  “بروسيه” وذلك في مدينة “ديكونديدي” التابعة لجمهورية جورجيا، حيث بنى ناسك خليّـة صغيرة لنفسه فوق عمود في جبال القوقاز .

 

لا يجوز، في أيّ حال من الأحوال ، اعتبار نشوء العموديين حركة مستقلّة عن الرهبنة السريانية ، فلقد كانت الحركتان ، غالباً ، مرتبطتين بعضهما بعض لأنّ العموديين في حالات عديدة جاءوا من رهبانيات موجودة سلفاً ، وأحياناً حدث العكس إذ نشأت مؤسّسة رهبانية بُنيت حول عمود أحد القديسين . عند نشوء الرهبنة في آسيا الشرقية على يد رجـل مصري – مار أوكين أو القديس يوجينيوس من بلدة القلزم – في القرن الرابع، ازدهرت أيضاً في الكنيسة السريانية متّخذة شكلاً ونظاماً تنسّكياً وفق قانون جديد ومحكم وضعه القديس “باخوميوس العظيم” ( 290-346 ) في منطقة “ثيبيد” . وإحدى أولى هذه الرهبانيات كانت الرهبانية التي تخصّ “مار أوكين”، وقد نشأت في نهاية القرن الرابع على الجبل الأصلي لخلوته المطلّة على سهول نصيبين. وكان النساطرة  قد استولوا على هذه الرهبانية في القرن السادس، وكانت قد ازدهرت تحت حكم الخلفاء. ويبدو من خلال سجلّ كلداني نسطوري أنّ الرهبانية كانت في فترة من الزمن تضمّ 160 راهباً وتملك 400 رأس من الأغنام وخمس مطاحن وخمس قُـرى . فضلاً عن ذلك،  كانت تضمّ مدرسة لتلقين الطلاب العلوم الكنسيّة والمدنيّة. وفي القرن السادس عشر تقلّص عدد الكلدانيين المقيمين في الرهبانية ، ولكنّ السريان الأرثوذكس،  بدورهم ، أنعشوا حياة الرهبنة فيها. وفي العام 1909 أقام فيها رئيس للرهبان وثمانية نسّاك ، وبعد الحرب العالمية الأولى لم يكن قد بقي في منشآت الرهبانية الواسعة سوى نزيلٌ واحد.

 

وظهر في القرن الخامس دير “مار برصوم” الذي قام مؤسّسه ببعض الدَور في الجدل الدائر حول بدعة اليوطيخية ، وحضر مجمع أفسس في العام 449 بدعوة خاصّة من الإمبراطور “ثيوديسيوس الثاني” . كان “مار برصوم” المشترك الوحيد في المجمع مع أنّ رتبته كانت أدنـى من رتبة مطـران ، إذ ظلّ برتبة أرشمندريت حتى توفّي في العام 457 . أمّا أهمّية ديـر مار برصوم الذي كان واقعاً في الجبال بين “ساموساطا” و “ملاطية” فتنجم عن كونه قد أصبح الكرسي الرئيسي لبطاركة اليعاقبة في أثناء حكم العرب من القرن الثامن أو التاسع حتى منتصف القرن الرابع عشر حين دمّـره الأكراد ، ومنذ ذلك الوقت ظـلّ الدير خربة . في هذا الديـر برزت أعظم الروائـع الأدبية في تاريخ الكنيسة السريانية . وفيه أقام “ميخائيل الكبير” ( 1166 – 1199 ) وكتب تاريخه الشـهير، وظلّ ضريحه بين أضرحة بطاركة السريان في إحدى كنائس الدير . كما أنّ “التاريخ السرياني المجهول للعام 1234” كان قد كُتب ضمن تخوم الدير ، وكذلك الجزء الكبير من “تواريخ” ابن العبري (1226-1286) قبل ترقيته لمـرتبة مفريان تكريت وسائر المشرق. يتضّح لنا أنّ البطاركة اختاروا، بعد ذلك، دير الزعفران ككرسي جديد لهم، وكان الدير يعرف أيضاً باسم “مار حنانيا” الذي كان رئيس أساقفة ماردين المعروف بنشاطه ، وهو الذي بنى الدير في العام 793-800 فوق أساسـات تابعة لأوقاف كنسية أكثر قـدماً، وزوّد الدير بمكتبة ضخمة. وفي أيام “مار حنانيا” استقرّ ثمانون راهباً في الدير ، ومنذ العام 1293 سكن البطاركة هناك . وظلّ الدير يستخدم باستمرار منذ ذلك الحين . أما الدير كمبنى محصّن بقوّة فيقـع على جبل ويطلّ على بلدة نصيبين ، ويشرف على طريق القوافل الواقع بين الموصل وماردين ودمشق ، وهو في منطقة غنيّة بالكروم وأشجار الفواكه والنباتات الرائـعة . لقد قدّم دير الزعفران من بين رهبانه 21 بطريركاً و 9 مفارنة و110 مطارنة ، وهو أشهر أديـرة السريان الأرثوذكس إذ يقوم الحجّاج والسيّاح والرحّالة بزيارته قادمين من الشرق والغرب.

 

ثمّة دير آخر لليعاقبة له أهمّيته أطلق عليه في الفترة العربية اسم دير “الشيخ متّى” . يقع هذا الدير على “جبل مقلوب” وهو يشبه قلعة نحُت جزءٌ منها داخل صخرة صلبة ، ويطـلّ على سهول نينوى القديمة على بعد 20 ميلاً من شمال غرب الموصل . إنّ مار متى الذي أنشأ هذا الدير في القسم الأخير من القرن الرابع كان أصلاً من سكّان منطقة آمد (ديـاربكر) . هرب في أثنـاء اضـطهادات “جوليان” المرتدّ ( توفي في العام 363 ) ومعه ثلاثة أصدقاء أبراهام ، وزاكي،  ودانيال باتجاه الحدود الفارسية ، وتنسّك هو نفسه في مغارة حيث ينتصب الدير الآن . وسـريعاً أصبح مار متى قدوة للآخرين الذين تبنّـوا حياة التنسّك في كهوف مجاورة. وهذه كانت بمنـزلة بداية متواضعة جدّاً لواحد من أكبر الأديـرة في التاريخ . كتب ياقوت الحموي ، الجغـرافي العربي ، في القرنين الثاني عشر والثالث عشر قائلاً إنّ الدير كان يضمّ  ألـف راهب . أمّا في القرون الوسطى فأصبح الدير مركزاً للعلوم والتدريس . وفي المجلس الكنسي المنعقد في العام 869 اعترف رؤساء الدير والرهبان بسلطة المفريان اليعقوبي على الشرق . وفي القرن العاشر كان الدير يعتبر مماثلاً للدير البطريركي التابع لبرصوما ، وكان المفارنة يقيمون فيه . إنّ صومعة  ابن العبري وضـريحه داخل إحدى كنائس الدير هما من الأمور التي ترغّب الزوّار والحجّاج في زيارة دير مار متّى ، كما أنّ تواريخ ابن العبري القيّمة كانت قد أُنجزت في هذه الدير حتماً . ومن المحزن أن نعلم أنّ المحتويات النفيسة لمكتبة الدير الشهيرة هي الآن مبعثرة في الخارج بين الفاتيكان والمتحف البريطاني وفي مخازن أوروبية أخرى للمخطوطات . إنّ المطران “تيموثي يعقوب” ، رئيـس الدير الحالي ، يحمي بإحكام بعضاً من المخطوطات التي لا قيمةَ كبيرة لها ، ويعينه في إدارة الديـر أربعة رهبان يهتمّون بفيض من الزوار . أمّا بالنسبة لوضع الدير الراهن فهو يشبه النزل أو المصيّف للأثرياء العراقيين والإيرانيين القادمين من الموصل وأماكن أخرى .

 

      يوجد دير قديم آخر في جنوب غرب الموصل لمار بهنام الذي اعتنق المسيحية على يد مار متّى . وانتقل هذا الدير من يد إلى أخرى مرّات عديدة . استولى عليه النساطرة أولاً بعد انفصالهم عن اليعاقبة . ولكن في ما بعد ، أي في القرن السادس ، استردّه اليعـاقبة واحتفظوا به حتى سنة 1767 ، وحين غيّر رئيس الدير “هندي زورا” مذهبه وانضمّ إلى الكاثوليكية صار الدير تابعاً لروما . بقي الدير في يد الكلدان الذين استخدموه على نحوٍ رئيسي كمدرسة . ومع أنّه قد تمّ ترميم البناء في العصر الحديث إلاّ أنّ الأجزاء الأكثر قِدماً والكنائس الصغيرة في الدير ما زالت محتفظة بطابع الزخرفة التجريدية والعديد من النقوش البارزة لمختلف القدّيسين التابعين لعصور مبكّرة.

 

كما ورد أنّه كانت توجد أديرة خاصّة لراهبات سريانيات منذ مرحلة مبكّرة إلى حد ما. وأشهر تلك الأديرة كان دير في منطقة الحيرة نُسب إلى الملكة هند ابنة الملك العربي النعمان بن المنذر (585-613) . وظهر هذا الدير باستمرار على مسرح الأحداث في التاريخ العربي، وورد ذكره خلال القرون الوسطى من قبل كتّاب عرب أمثال الأصفهاني ، والشابوشتي، والعمري ، والبكري . وكان هناك دير آخر يقع في الحيّ المسيحي من بغداد يُدعى “دير العـذارى” ، ولقد أشار إلى وجوده في القرن العاشر والحادي عشر كلّ من الشابوشتي وأبن العبري الذي أطلق عليه اسم “دير الأخوات”.

 

ومع أنّ معظم أديرة اليعاقبة التي استمرّت في البقاء تحوّل إلى نزل ومعامل لتقطير الخمر، إلاّ أنّه كان للرهبنة اليعقوبية ، دون شكّ ، ماضٍ رائع ، وقد قامت بدَور بارز في الحفاظ على الثقافة وانتشار التربية . كانت حياة الرهبنة نمطاً عامّاً ، فمع أنّ النسّاك استمرّوا يسكنون الكهوف ويعيشون في عزلة  تامّة ، غير أنّ كهوفهم كانت منتشرة في الجبال المحيطة بالأديرة الشهيرة. وكـان الدير ذاته بحكم الضرورة بناءً محصّناً بجدران عالية ، يضـمّ كنائس صغيرة ، وحُجراً للطعام ، ومكتبات، وطواحين ، ومخابز ، ومقاطر للخمر ، وورشات،  ومستودعات ، وآباراً للماء ، وإصطبلات ، وبساتين ، وصوامع للنسّاك . لقد كان كلّ دير وحدة تتمتّع دائماً باكتفاءٍ ذاتي ، وكان عدد من الأديرة مراكز ثقافية حقيقية  .

One Comment

  1. I am truly grateful to the owner of this web page who has shared this great post at here.|