المغول، والأتراك، والأكراد

Posted by on Aug 15, 2012 in Library, السريان في التاريخ - الدكتور عزيز عطية - ترجمة حنا عيسى توما | Comments Off on المغول، والأتراك، والأكراد


على الرغم من العوامل العديدة التي أدّت إلى تدهور المظاهر الحياتية والأدبية عند السريان استمرّت الكنيسة السريانية، في ظلّ الحكم العربي ، في النمو والازدهار واستمرّ افرادها يقدمون رجالاً تحلّوا بالكفاءة والمقدرة أمثال : ميخائيل الكبير ، وابن الصليبي ، وابن العبري. لقد تنعمت الكنيسة الأرثوذكسية بفترات نجاح فضلى في ظلّ الإسلام في نهاية القرن الثاني عشر وبداية القرن الثالث عشر وبسطت نفوذها حسب أقوال ابن العبري ، المؤرّخ التـاريخي القدير ، على أكثر من عشرين مطرانية وعلى ما يقارب مائة مطران من أبرشيّات مختلفة انتشرت فوق سـورية  والأناضول ، وأعالي بلاد ما بين النهرين، ومناطق أخرى من الأقسام الغربية في الشرق الأوسـط . واحتوت مفريانية تكريت في الوقت نفسه على ثماني عشرة أسقفية في أدنى بلاد ما بين النهرين- فارس والأراضي الواقعة في اتجاه الشرق .

كان السريان الارثوذكس يحرزون تقدّماً ملحوظاً حتى إنّهم استطاعوا أن يقنعوا سلمياً كثيراً من النساطرة للتخلي عن قناعاتهم الدينية والإنتماء إلى الأرثوذكسية وهناك شواهد عديدة على ذلك . إجمالاً ، كان السريان يكرهون العنف ولم يحاولوا قطّ إقنـاع أحد من اليونان أو اللاتين أو المسلمين لإعتناق مذهبهم ، ومع ذلك  لم يستطيعوا العيش معاً بسلام  . أدّت رغبة العديد من المنافسين في المنصب البطريركي إلى سلسلة متتابعة من الإضطرابات وإلى ممارسة بيع المناصب الكهنوتية وشرائها وأخيراً إلى استمالة الخلفاء والإدارة الإسلامية وكسب الدعم لفئة ضدّ أخرى . لقد فضّل أفراد لامعون أمثال ابن العبري أن يبقوا خارج هذه المنافسة المميتة وأصبح هذا الموقف الداعي إلى الأسى سيّئاً مع تغيير الحكّام وازداد سوءاً تحت سيطرة السلاطين.

بدأت محنة السريان الأرثوذكس الحقيقية حين غزا المغول غرب آسيا ودمّروها دون تمييز ، لقد أعطى ابن العبري صورة حيّة لهذا الدمار حين كتب تاريخه . ومع ذلك ، فقد فضّل المغول الأوائل المسيحية واهتدى إليها بعض ملوكهم العـظام ومنهم هولاكو قاهر بغداد مدينة الخلفاء سنة 1254 ومؤسّس الخـانية الفارسية KHANATE. كان متزوجاً من امرأة مسيحية وقيل إنّه اعترف بالمسيحية ولكن لا مصادرَ تثبت أنّه تعمّد . حين نُهبت المدينة ذبح المغول أكثر من 800 الف نسمة ، أمّا المسيحيون فقد نجوا بأمان في مناطقهم كما سُمح لهم بإعادة بناء كنائسهم وممارسة إيمانهم في كلّ من بغداد ودمشق دون قيود أو إذلال . لمّا مات هولاكو وزوجته ندبهما ابن العبري وكأنهما حمـاة الإيمان . ولكنّه من الخطأ الجـزم أن المسيحيين لم يعانوا من تلك الغزوات البربرية . وسط ذلك الضجيج والجلبة والتذمّر الغاضب ، لم ينفرد السريان الارثوذكس الذين عاشوا خارج المدينة مع بقيّة السكان بمعاملة خاصّة من قِبل قبائل التتار ولا شكّ أنّهم شاركوا أبناء بلـدهم في خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات بدون تمييز ، بصرف النظر عن تسامح الخان العظيم وبلاطه.

بدأ التحوّل المقصود في سياسة المغول المتسامحة تجاه المسيحيين اعتباراً من تاريخ اعتناقهم الإسلام ، ويعطينا تاريخ “يابا لابا” وتاريخ ابن العبري صورة واضحة وحقيقية عن ذلك الفصل المحزن وكيف فشل المبشّرون من الجانبين الشرقي والغربي في تعزيز فكرتهم في البلاط المغولي . فلقد اعتنق “غازان” الإسلام في النهاية وجعله دين الدولة الرسمي في العام 1295 ، وتعرّضت الطوائف المسـيحية ومنها السريان الأرثوذكس ، نتيجة ذلك ، إلى مذابح منظّمة خلال القرن الرابع عشر ، وبقدوم تيمورلنك سنة 1394 لم تقتصر الكـارثة على المسيحيين وحسب ، بل تعدّتـها إلى الجميع . فلقد عانت أقاليم أغلبيّتها يعاقبة أرثوذكس في مظهرها تدميراً لا نظير له على يد قبائل تيمورلنك مثل آمد (ديار بكر) ، وماردين، والموصل، وطور عابدين، وتكريت.كان التتار يصيدون السريان الأرثوذكـس ويقتلونهم في الجزيرة وأعالي بلاد ما بين النهرين . والتجأ الذين نجوا من الذبح إلى الجبال الوعرة ينتظرون هدوء العاصفة ليرجعوا إلى بيوتهم ويشاهدون كنائسهم ومراكز رهبانياتهم قد صارت والارض سويّة واحدة .

منذ تلك الفترة الزمنية وحتى اليوم يجب أن نؤرّخ غياب الأكثرية التي أزهرت قواعد الرهبانية الأرثوذكسية ، وكيف أُطفأت تلك المقاعد المنيرة بالعلم والمعرفة إلى الأبد وكيف التهمت ألسنة النيران التـراث الأدبي الذي لا يثمن . كانت مفرنانية تكريت خالية من سنة 1379 وحتى سنة 1404 ، وكانت معنويّات رجال الدين ضعيفة جدّاً وأدى التنافس على المنصب البطريركي من قِبل فرق عديدة ، نوعيّتها فقيرة، إلى الانشقاق والاضطراب المستمرين ، وبدأت الطائفة تتضاءل وتتلاشى محرومة من قيادة قويّة ، وكان الأعداء يحدقون بها واحداً تلو الآخر من كلّ حدبٍ وصوب ، وقد أُزيلت حضارتها تقريباً من قبل المغول وقبائل تيمورلنك ثمّ الأتـراك السلاجقة الذين استقرّوا قروناً عديدة والذين ازدادت عصبيّتهم التقليدية حدّة مع قدوم الصليبيين وقد تلاهم الاتراك العثمانيون ، الذين حكموا ، على نحوٍ مهلهل ، الباشوات البعيدين في إمبراطوريتهم الآسيوية من استنبول على سواحل مضيق الفوسفور الأوروبية.

كانت غاية الباب العالي الرئيسية جمع أكبر كميّة ممكنة من الدراهم من “المّـلة” النصرانية،  وكالعادة ، اختار السلطان لهذه المهمة رجـلاً شديد البأس وأجاز قراراً يمنح منه التثبيت الديني لانتخابات البطريرك لأعلى مراهن . ولجأ رجال الدين المسيحيون ، في المقــابل ، إلى شراء مناصبهم من حكومة الباب العالي ليفوا بالتزامهم تجاه أنصارهم . أصبحت الكنيسة ضعيفة المعنويات وما عاد يُحسب للإنعاش الروحي والثقافي أيّ حساب . وكالنساطرة وقع السريان في العصر الحديث في جهل ظاهر وفقر عظيم واستنفدت طبقتهم الاجتماعية حتى وصل عددهم في القرن التاسع عشر إلى قرابة 150000 الى 200000 نسمة سكن  معظمهم في كردستان وأعالي بلاد ما بين النهرين حيث التمسوا التعايش السلمي مع الأكراد ، ويلاحظ “السير مارك سايكس” الذي تنقل في المنطقة خلال السنوات الأولى من هذا القرن ، أنّه من الصعوبة أن نفـرّق بين السريان الأرثوذكس والأكراد من اللحظة الأولى من ناحية المظهر أو اللغة . ولذا،  فإنّهم لم يعانوا المصير نفسه كالأرمن في أرض الأتراك العثمانيين أو كالنساطرة في صراعهم مع الأكراد . قد يُعتقد أنّ أمواج التعصب التي لاحت في تلك الأقـاليم لم تتركهم دون أذى .

 إنّه لمن الصعوبة أن نعيّن بدقّة أهميّة العلاقة بين السريان والأكراد والأتراك في العصر الحديث ، ومع ذلك فإن الخطوط العريضة التي اتّفقوا عليها كانت واضحة كفاية ، فعلى الرغم من التعصّب الأعمى التقليدي لرجل الدين الكردي والكاهن السرياني يظهر أن الجماعتين ، كقاعدة عامّة ، استطاعتا العيش معاً في توافق نسبي . والحقيقة أنّ هذه العلاقات فسدت حين تأجّجت روح الحرب المقدّسة ، والمعروف انّـها أطلقت بواسطة الحكّام الأتراك في محاولة ” فرّق تسُدْ ” . إنّ السريان الأرثوذكس يختلفون عن الأرمن والنساطرة الذين من الدين نفسه.

اخلص السريان في إيمانهم وفي ولائهم لكنيستهم إلاّ أنّهم لم يكونوا ضدّ تكامل اجتماعي ضمن تنظيم كبير للمواطنين ، بصرف النظر عن معتقداتهم الدينية ، هذا التصرّف الطبيعي، مع التمسّك بالدين ، كـان سبب بقائهم في وطنهم التقليدي ، بخلاف الأرمن والنساطرة الذين تشتّتوا أو ابيّـدوا . نقرأ أحـداثاً عن العنف الكردي لم تضعْ مع الأيام فالمطران الذي رافق الأب “هورائيد ساوثجيت” إلى مكتبة دير الزعفران في العام 1841 اعتذر عن استنفاد محتـوياتها لأنّ الأكراد حين احتلّوا الدير استعملوا معظم المخطوطات القديمة كموادّ لحشوا بنادقهم ، ولقد عادت الرهبانية الى السريان الأرثوذكس بالرغم من هذا التخريب.

إن تاريخ الكنيسة السريانية الارثوذكسية الحديث شديد الظلمة بالمقارنة مع سجلاّت تاريخها القديم ، ويعزو بعضهم سبب ذلك إلى الافتقار إلى الثقافة والوعي القومي . كانت أول إشارة إلى هذا الوعي في العام 1838 حين زار البـطريرك اليعقوبي الأرثوذكسي القسطنطينية والتقى بطريرك الأرمن الذي قال له  : ” إنّ شعباً دون مدارس شعبٌ محتّم عليه الزوال ” . واسـتقرّت هذه الملاحظة في ذهنه ، وأوجد حين عودته مدرسة متواضـعة تألفت من 25 طفلاً في دير الزعفران كانت بمنزلة نقطة البداية ، وقام بتدريس السريانية والعربية وفنّ الخطّ فيها الى رجال دين معاقون جسدياً ودون كتب مدرسية . تبعت هذه المدرسة مدارس أخرى في الرهبانيات الأربع أو الخمس الباقية.

 لقد عادت القوّة الكنسية الدافعة والمنبّهة بعد فترة من التخلّف والضعف بواسطة جماعة المؤمنين الذين طالبوا بإصلاح أكبر شامل ، ونجحوا في العامين 1913-1914 في إيجاد دستور جديد من السلطان حيث تعيّن مجلس إداري ومجموعة علمانيين اشتركوا في تنظيم شؤون الكنيسة . ركّز المجلس على ثقافة رجال الدين والعودة إلى الانضباط الكنسي استناداً إلى المبدأ القديم لتخفيف الضغط الشديد عن المهتدين من قبل الإرساليات الكاثوليكية والبروتستانية في الغرب والتي جاءت مع نظام أعلى مدروس .

في سنة 1920 فضّل البطريرك الأرثوذكسي نقل الكرسي البطريركي إلى حمص (أميسا) في سورية كنتيجة للشعور المعادي للمسيحيين والنابع من الصراع الدموي بين الأكراد والنساطرة ، ورعى من هناك ، ولا يزال ، شؤون  الابرشيات السريانية * في الشرق الاوسط وفي معظم بلدان اوربا والامريكيتين والهند.

* ( في سوريا ) : الجزيرة والفرات ،  حلب والرقة ، حمص وحماه ، دمشق والريف ، اكليرية مار أفرام .

   ( في لبنان )   : بيروت ، جبل لبنان ، زحلة والبقاع .

( في الاردن ) : عمان .

  ( في تركيا )  : أديمان ، دير الزعفران وماردين ، استنبول ، طور عابدين .

( في العراق ) : بغداد ، الموصل ، دير مار متى .

( امريكا الشمالية ) : نيوجرزي ، لوس انجلوس .

 ابرشية مونتريال في كندا، ابرشية المانيا ، ابرشية بلجيكا ، ابرشية بريطانيا ، ابرشية الارجنتين ، ابرشية استراليا ، ابرشية هولندا ، ابرشية سويسرا ، ابرشيتان في السويد .

( ٧ ) سبعة ابرشيات في جنوب الهند .